Indexed OCR Text

Pages 381-400

٣٨١
كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق/ باب بدء الخلق وذكر الأنبياء
أو كان فيمن استثنى الله؟)). وفي روايةٍ: «فلا أدري أحوسب بصعقةِ يومَ الطورِ، أو بُعِثَ
قبلي؟ ولا أقول: إِن أحداً أفضلُ من يُونُس بنِ مَتَّى)).
٥٧٠٩ - (١٢) وفي رواية أبي سعيد قال: ((لا تخيّروا بينَ الأنبياء)).
(أو كان فيمن استثنى الله) أي في قوله تعالى: ﴿ونفخ في الصور فصعق من في السموات ومن
في الأرض إلا من شاء الله ﴾ [الزمر - ٦٨]. والمعنى أو كان فيمن لم يصعق فله منقبة أيضاً من
هذه الجهة. قال العسقلاني: يعني فإن أفاق قبلي فهي فضيلة ظاهرة، وإن كان ممن استثناه الله
تعالى فلم يصعق فهي أيضاً فضيلة، وإنما نهى النبي والر عن التفضيل بين الأنبياء عليهم.
[الصلاة] والسلام من يقول ذلك من رأيه لا من يقوله بدليل، أو من يقوله بحيث يؤدي إلى
تنقيص المفضول أو يجر إلى الخصومة. أو المراد لا تفضلوني بجميع أنواع الفضائل. بحيث
لا يبقى للمفضول فضيلة. أو أراد النهي عن التفضيل في نفس النبوة، فإنهم متساوون فيها وإنما
التفاضل بخصائص وفضائل أخرى. قال تعالى: ﴿تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض ﴾
[البقرة - ٢٥٣]. ﴿ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض﴾ [الإسراء - ٥٥]. (وفي رواية: فلا
أدري أحوسب) أي أجوزي (بصعقة يوم الطور) بإضافة المصدر إلى الظرف. وفي نسخة
بالضمير أي بصعقه نفسه في ذلك اليوم، حيث قال تعالى: ﴿فلما تجلى ربه للجبل جعله دكاً
وخر موسى صعقاً ﴾ [الأعراف - ١٤٣]. ففي القاموس صعق كسمع صعقاً، ويحرك وصعقة
وتصعاقاً فهو صعق، ككتف غشي عليه. (أو بعث قبلي) أي أفاق قبل إفاقتي بعد ما شاركني في
صعقتي. فالبعث مجاز عن الإِفاقة توفيقاً بين الروايتين. (ولا أقول إن أحداً) أي لا أنا ولا
غيري من الأنبياء (أفضل من يونس بن متى) بفتح الميم وتشديد المثناة الفوقية المقصورة. قيل:
هي اسم أم يونس على ما في جامع الأصول. ثم قيل: إن أحداً استعمل في الإثبات لأن
المعنى: لا أفضل أحداً على يونس.
٥٧٠٩ - (وفي رواية أبي سعيد قال: لا تخيروا) أي لا تفضلوا (بين الأنبياء) قال
التوربشتي [رحمه الله]: قوله: لا تخيروني على موسى أي لا تفضلوني عليه، قول قاله على
سبيل التواضع أولاً ثم ليردع الأمة عن التخيير بين أنبياء الله من تلقاء أنفسهم ثانياً، فإن ذلك
يفضي بهم إلى العصبية فينتهز الشيطان منهم عند ذلك فرصة يدعوهم إلى الإفراط والتفريط،
فيطرون الفاضل فوق حقه ويبخسون المفضول حقه فيقعون في مهواة الغي. ولهذا قال: لا
تخيروا بين الأنبياء، أي لا تقدموا على ذلك بأهوائكم وآرائكم، بل بما آتاكم الله من البيان.
وعلى هذا النحو قوله وَلجر: ((ولا أقول أن أحداً خير من يونس بن متى))(١). أي لا أقول من
تلقاء نفسي ولا أفضل أحداً عليه من حيث النبوّة والرسالة، فإن شأنهما لا يختلف باختلاف
فيجو
الحديث رقم ٥٧٠٩: أخرجه مسلم في صحيحه ١٨٤٥/٤ حديث رقم (١٦٣. ٢٣٧٤). وأبو داود ٥١/٥
حديث رقم ٤٦٦٨.
(١) البخاري ٦/ ٤٥١ حديث ٣٤١٦ وكذلك مسلم والأحاديث في ذلك كثيرة.
ـةM:

٣٨٢
كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق/ باب بدء الخلق وذكر الأنبياء
متفق عليه .
وفي رواية أبي هريرةَ: ((لا تُفْضّلوا بين أنبياء الله)).
٥٧١٠ - (١٣) وعن أبي هريرةَ، قال: قال رسول الله وَلّ: «ما ينبغي لعبدٍ أن يقول:
إِنِي خيرٌ من يونس بنِ مَتَّى)). متفق عليه.
وفي رواية للبخاري قال: ((من قال: أنا خيرٌ من يونس بنِ مَتَّى فَقَد كَذَب)).
الأشخاص. بل نقول كل من أكرم بالنبوّة فإنهم سواء فيما جاؤوا به عن الله، وإن اختلفت
مراتبهم، وكذلك من أكرم بالرسالة. وإليه الإشارة بقوله سبحانه: ﴿لا نفرق أحد من رسله ﴾
[البقرة - ٢٨٥]. وإنما خص يونس (عليه السلام] بالذكر من بين الرسل لما قص الله عليه في
كتابه من أمر يونس وتوليه عن قومه وضجرته عن تثبطهم في الإجابة وقلة الاحتمال عنهم
والاحتفال بهم حين راموا التنصل. فقال عز من قائل: ﴿ولا تكن كصاحب الحوت﴾ [القلم -
٤٨]. وقال: ﴿وهو مليم﴾ [الصافات - ١٤٢]. فلم يأمن وَ ل و أن يخامر بواطن الضعفاء من
أمته ما يعود إلى نقيصة في حقه، فنبأهم أن ذلك ليس بقادح فيما آتاه الله من فضله، وأنه مع ما
كان من شأنه كسائر إخوانه من الأنبياء والمرسلين. وهذا قول جامع في بيان ما ورد في هذا
الباب، فافهم ترشد إلى الأقوم. وأما ما ذكره في هذا الحديث من الصعقة فهي قبل البعث عن
نفخة الفزع. فأما في البعث فلا تقدم لأحد فيه على نبينا وَ له. واختصاص موسى عليه [الصلاة]
والسلام بهذه الفضيلة لا توجب له تقدماً على من تقدمه بسوابق جمة وفضائل كثيرة، والله
المأمول أن يعرفنا حقوقهم ويحيينا على محبتهم ويميتنا على سنتهم ويحشرنا في زمرتهم.
(متفق عليه. وفي رواية (١): لا تفضلوا) بالضاد المعجمة المكسورة على ما في أكثر النسخ، أي
لا توقعوا التفضيل. (بين أنبياء الله) أي وكذا بين رسله على وجه الازراء ببعض، فإن ذلك
يكون سبباً لفساد الاعتقاد في بعض، وذلك كفر. وفي نسخة بالصاد، وهو ظاهر، أي لا
تفرقوا بينهم لقوله تعالى: ﴿لا نفرق بين أحد منهم﴾ [البقرة - ١٣٦ - آل عمران - ٨٤].
٥٧١٠ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَلجر: ما ينبغي لعبد أن
يقول: إني) أي ويعني نفسه أو نفسي (خير من يونس بن متى) أي فضلاً عن غيري (متفق
عليه. وفي رواية للبخاري قال: من قال: أنا خير) أي في النبوّة (من يونس بن متى فقد
كذب.) لأن الأنبياء كلهم متساوون في مرتبة النبوّة، وإنما التفاضل باعتبار الدرجات. وخص
يونس بالذكر لأن الله تعالى وصفه بأوصاف توهم انحطاط رتبته. حيث قال: ﴿فظن أن لن نقدر
(١) وهي رواية لأبي هريرة رضي الله عنه.
الحديث رقم ٥٧١٠: أخرجه البخاري ٣٩٨/٦. حديث رقم ٣٣٦٥. ومسلم ١٨٤٦/٤ حديث رقم (١٦٦.
٢٣٧٦) وأخرجه أبو داود في ٥١/٥ حديث رقم ٤٦٦٩. والدارمي في سننه ٣٩٩/٢ حديث رقم
٢٧٤٦.

.1-24
7477
٣٨٣
كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق/ باب بدء الخلق وذكر الأنبياء
٥٧١١ - (١٤) وعن أَبيِّ بنِ كعب، قال: قال رسول الله وَّر: ((إِنَّ الغلامَ الذي قتله
الخضرُ
عليه ﴾ [الأنبياء - ٨٧]. ﴿إذ أبق إلى الفلك المشحون﴾ [الصافات - ١٤٠]. فلفظ أنا، واقع
موقع هو، ويكون راجعاً إلى النبي ◌َله. ويحتمل أن يكون المراد به نفس القائل، فحينئذ كذب
بمعنى كفر، كني به عن الكفر لأن هذا الكذب مساو للكفر. قال النووي [رحمه الله]: قيل:
ضمير المتكلم يعود إلى رسول الله و 98. وقيل: يعود إلى كل قائل، أي لا يقوله بعض
الجاهلين من المجتهدين في العبادة أو العلم أو غير ذلك من الفضائل. فإنه لو بلغ ما بلغ إلا
أنه لم يبلغ درجة النبوة، ويؤيده الرواية الأولى: ((ما ينبغي لعبد أن يقول: إني خير من يونس
ابن متى)). أقول: في تأييدها نظر لتحقق الاحتمالين فيه أيضاً، بل المعنى الثاني أظهر منها
حيث قال: ما ينبغي لعبد. بطريق العموم المشير إلى أنه حديث قدسي على ما ذكره السيوطي
في الجامع من رواية مسلم عن أبي هريرة قال [الله] تعالى: لا ينبغي لعبد أن يقول أنا خير من
يونس بن متى (١). قال الخطابي: وإنما خص يونس بالذكر لأن الله تعالى لم يذكره في جملة
أولي العزم من الرسل، وقال: ﴿فاصبر لحكم ربك ولا تکن کصاحب الحوت إذ نادى وهو
مكظوم﴾ [القلم - ٤٨]. فقصر به عن مراتب أولي العزم والصبر من الرسل. يقول ويقول: إذا لم
آذن لكم أن تفضلوني على يونس بن متى فلا يجوز لكم أن تفضلوني على غيره من ذوي العزم
من أجلة الأنبياء. صلوات الله [وسلامه] عليهم وهذا منه عليه [الصلاة] والسلام على سبيل
التواضع والهضم من النفس، وليس ذلك بمخالف لقوله: ((أنا سيد ولد آدم ولا فخر))(٢). لأنه
لم يقل ذلك مفتخراً ولا متطاولاً به على الخلق، وإنما قال ذلك ذاكراً للنعمة ومصرفاً بالمنة.
وأراد بالسيادة ما يكرم به في القيامة من الشفاعة والله تعالى أعلم.
/
٠
٥٧١١ - (وعن أبي بن كعب رضي الله عنه قال: قال رسول الله ويليهو: إن الغلام الذي قتله
الخَضِر) بفتح فكسر، وفي نسخة بكسر فسكون. قال النووي [رحمه الله]: جمهور العلماء على
أنه حي موجود بين أظهرنا، لا سيما عند الصوفية وأهل الصلاح والمعرفة وحكاياتهم في رؤيته
والاجتماع به، والأخذ عنه وسؤاله وجوابه، وحضوره في المواضع الشريفة ومواطن الخير أكثر
من أن تحصى. وصرح الشيخ أبو عمرو بن الصلاح بذلك وشذ من أنكره من المحققين. قال
الحميري المفسر، وأبو عمرو: هو نبي. واختلفوا في كونه مرسلاً. وقال القشيري: وكثيرون
هو ولي. واحتج من قال بنبوّته بقوله : ﴿ما فعلته عن أمري﴾ [الكهف - ٨٢]. فدل على أنه
أوحى إليه وبأنه أعلم من موسى عليه [الصلاة] والسلام. ويبعد أن يكون الولي أعلم من النبي.
وأجاب الآخرون، بأنه يجوز أن يكون قد ألقي إليه بطريق الإلهام، كما ألقي إلى أم موسى في
i
(١) الجامع الصغير ٢/ ٣٧٥ حديث ٦٠٣٠. والحديث أخرجه مسلم ١٨٤٦/٤ حديث رقم ٥٧٦١.
(٢) يأتي في الحديث ٥٧٦١.
الحديث رقم ٥٧١١: أخرجه مسلم ٤/ ١٨٥٠ حديث رقم (٢٣٨٠/١٧٢). وأبو داود ٨٠/٥ حديث رقم
٤٧٠٥ والترمذي ٥/ ٢٩٢ حديث رقم ٣١٥٠.
"w'ush islAbe m
جسم

٣٨٤
كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق/ باب بدء الخلق وذكر الأنبياء
مهم ؛
طُبعَ كافراً،
قوله تعالى: ﴿إِذ أوحينا إلى أمك ما يوحى أن اقذفيه﴾ [طه - ٣٨ - ٣٩]. قلت: فيه أن الوحي
إلى أم موسى فيما يتعلق بتدبير خلاص الطفل حالة الاضطرار في أمره، وأما حمل أمر الغلام
على الإلهام إلى الولي غير صحيح، إذ لا يصح لأحد من الأولياء أن يقتل نفساً زكية بغير
نفس، اعتماداً على الوحي الإلهامي بأنه طبع كافراً. وقد قال الثعلبي المفسر: الخضر نبي معمر
محجوب عن أكثر الأبصار. قال: وقيل: إنه لا يموت إلا في آخر الزمان حين يرفع القرآن.
قلت: وقد تقدم أنه يقتله الدجال. ثم ذكر أقوالاً من زمن إبراهيم الخليل عليه [الصلاة]
والسلام أم بعده بقليل أو كثير. قلت: ويروى أنه من أولاد آدم، والله [تعالى] أعلم. وفي
الجامع الصغير، روى الحرث عن أنس: الخضر في البحر وإلياس في البر، يجتمعان كل ليلة
عند الردم الذي بناه ذو القرنين بين الناس وبين يأجوج ومأجوج، ويحجان ويعتمران كل عام
ويشربان من زمزم شربة تكفيهما إلى قابل(١). وفي الفتاوى الحديثية رواه ابن عدي في الكامل:
أن إلياس والخضر عليهما الصلاة والسلام يلتقيان في كل عام بالموسم، فيحلق كل واحد منهما
رأس صاحبه ويفترقان عن هؤلاء الكلمات: بسم الله ما شاء الله لا يسوق الخير إلا الله بسم الله
ما شاء الله لا يصرف السوء إلا الله ما شاء الله ما كان من نعمة فمن الله ما شاء الله لا حول ولا
قوّة إلا بالله. ثم قوله(٢): (طبع كافراً) أي خلق الغلام على أنه يختار الكفر، فلا ينافي خبر:
(١) الجامع الصغير ٢٥١/٢ حديث رقم ٤١٣٣.
(٢) ذكر في اسم الخضر عليه السلام أسماء كثيرة منها: قال وهب بن منبه هو بليا من أبناء سام بن نوح
عليه السلام. وقيل اسمه إلياس. وقيل اليسع. وقيل عامر وقيل خضرون. وروى الدارقطني في الافراد
عن ابن عباس أنه ابن آدم لصلبه. وذكر أنه ابن قابيل بن آدم عليه السلام. وقيل اسمه أرميا بن طيفاء.
وعن ابن لهيعة كان ابن فرعون نفسه وقيل ابن بنت فرعون. وذكر السهيلي عن قوم أنه من الملائكة
وليس من بني آدم. وقيل كان يلقب بأبي العباس واختلفوا فيه أهو حي أم مات. فذهب جمهور العلماء
والعامة إلى بقائه حكاه ابن الصلاح وقال إنما شذ بإنكاره بعض المحدثين. وقال النووي رحمه الله أن
ذلك متفق عليه بين الصوفية وأهل الصلاح وحكاياتهم في رؤيته والاجتماع به أكثر من أن تحصر اهـ
واستدل القائلون ببقائه بأحاديث عديدة وقال عنها ابن كثير لا يصح منها شيء ومنها حديث التعزية
الذي أخرجه البيهقي في دلائل النبوة وهو في المشكاة حديث رقم ٥٧٩٢.
وروى ابن عساكر في ترجمة أبي زرعة الرازي بسند صحيح: أنه رأى وهو شاب رجلاً نهاه عن
غشيان أبواب الأمراء ثم رآه بعد أن صار شيخاً كبيراً على حالته الأولى فنهاه عن ذلك أيضاً. قال:
فالتفت لأكلمه فلم أره، فوقع في نفسي أنه الخضر. وروى يعقوب بن سفيان في تاريخه وأبو عروبة
من طريق رياح بن عبيدة. قال: رأيت رجلاً يماشي عمر بن عبد العزيز . رضي الله عنه. معتمداً
على يديه فلما انصرف قلت له من الرجل؟ قال: رأيت؟ قلت: نعم. قال: أحسبك رجلاً صالحاً.
ذاك أخي الخضر بشرني أني سأولي وأعدل. لا بأس برجاله. قال ابن حجر في فتح الباري ولم يقع
لي إلى الآن خبر ولا أثر بسند جيد غيره وذهب آخرون إلى أنه ليس حياً واستدلوا بقوله تعالى:
﴿وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد﴾ [الأنبياء. ٣٤]. وحديث ابن عباس: ((ما بعث الله نبياً إلا =
٤
ا

٣٨٥
كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق/ باب بدء الخلق وذكر الأنبياء
ولو عاش لأرهَقَ أبويه طغياناً وكفراً)).
((كل مولود يولد على الفطرة))(١). إذ المراد بالفطرة استعداد قبول الإسلام، وهو لا ينافي كونه
شقياً في جبلته. وقد روى ابن عدي في الكامل والطبراني في الكبير عن ابن مسعود مرفوعاً:
خلق الله يحيى بن زكريا في بطن أمه مؤمناً، وخلق فرعون في بطن أمه كافراً (٢). وفي الحديث
المشهور: أن بعد نفخ الروح في كل مولود يكتب شقي أو سعيد(٣). وعلى طبقه: ﴿يوم يأتي
لا تكلم نفس إلا بإذنه فمنهم شقي وسعيد﴾ [هود - ١٠٥]. وقد قال تعالى: ﴿أولئك الذين
طبع الله على قلوبهم واتبعوا أهواءهم ﴾ [محمد - ١٦]. قال القاضي عياض [رحمه الله]: في
هذا حجة بينة لأهل السنة وصحة مذهبهم، في أن العبد لا قدرة له على الفعل إلا بارادة الله
وتيسيره له، خلافاً للمعتزلة القائلين بأن للعبد فعلاً من قبل نفسه وقدرة على الهدى والضلال،
وفيه أن الذين قضى لهم بالنار طبع على قبولهم وختم عليها وجعل من بين أيديهم سداً ومن
خلفهم سداً أو حجاباً مستوراً، وجعل في آذانهم وقرار في قلوبهم مرضاً لتتم سابقته وتمضي
كلمته، لأراد لحكمه ولا معقب لأمره وقضائه. وقد يحتج بهذا الحديث من يقول: إن أطفال
الكفار في النار. قلت: الأولى التفصيل بأن من طبع منهم كافراً يكون في النار، ومن ولد على
الفطرة فهو في الجنة. وبه يحصل الجمع بين أقوال الأئمة. ويقارب القول بالتوقف الذي
اختاره إمامنا الأعظم والله [تعالى] أعلم. ويدل عليه قوله: (ولو عاش) أي ذلك الغلام بأن
أدرك الكبر (لأرهق أبويه) أي لكلفهما (طغياناً وكفراً) أي جعل سبباً لاضلالهما. فالحاصل أن
علة قتله مركبة من كونه طبع كافراً، وأنه لو فرض أنه عاش لكان مضلاً فاجراً. قال النووي:
لما كان أبواه مؤمنين يكون هو مؤمناً. قلت: فكيف يجوز قتل المؤمن. قال: فيجب تأويله بأن
أخذ عليه الميثاق لئن بعث محمد وهو حي ليؤمنن به ولينصرنه)) أخرجه البخاري ولم يأت بخبر
=
صحيح أنه جاء إلى النبي وَلّر ولا قاتل معه. وقد قال يوم بدر: ((اللهم إن تهلك هذه العصابة لا
تعبد في الأرض)) فلو كان الخضر موجوداً لم يصح النفي وقال يثير: ((رحم الله موسى لوددنا لو
كان صبر حتى يقص علينا من خبرهما)) فلو كان الخضر موجوداً لما حسن هذا التمني ولا حضره
بين يديه وأراه العجائب.
وقد جزم البخاري وإبراهيم الحربي وأبو جعفر بن المنادي وأبو يعلى بن الفراء وأبو طاهر العبادي
وأبو بكر العربي. أنه ليس موجود بعد انقضاء مائة سنة على وفاة الرسول وتلهو.
الحديث المشهور أن النبي وتر قال في آخر حياته لا يبقى على وجه الأرض بعد مائة سنة ممن هو
عليها اليوم أحد، وأجابوا عن لقائه مع عمر بن عبد العزيز - رحمه الله . أن ذلك كان قبل انقصاء
المائة وللمثبتين روداً تراجع في أماكنها.
وقد اختلفوا فيه أيضاً أهو نبي أم رسول. فذهب قوم إلى أنه رسول وذهب آخرون إلى أنه نبي حكاه
ابن عطية البغوي عن أكثر أهل العلم وقالت طائفة ومنهم القشيري أنه ولي. ونقل الماوردي في
تفسيره أنه ملكاً. والله تعالى أعلم بالصواب. [ فتح الباري ٦/ ٤٣٤ . تفسير ابن كثير ١٠٠/٣].
(١) متفق عليه وقد مر في المجلد الأول باب القدر.
(٢) ابن عدي ٢٢٢١/٦.
(٣) متفق عليه وقد مر في باب القدر.

٣٨٦
كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق/ باب بدء الخلق وذكر الأنبياء
متفق عليه .
٥٧١٢ - (١٥) وعن أبي هريرةً، عن النبي وَّ قال: ((إِنما سميَ الخِضرُ لأنه جلس
على فروةٍ بيضاء فإذا هي تهتزُّ من خَلْفِهِ خَضْراءَ)). رواه البخاري.
معناه والله [سبحانه] أعلم، أن ذلك الغلام لو بلغ لكان كافراً ولو عاش لأرهق أبويه. أي
غشيهما طغياناً وكفراً. أي طغياناً عليهما وكفراً لنعمتهما بعقوقه. أو معناه حملهما أن يتبعاه
فيطغيا. قال ابن الملك: فإن قلت خوف كفر أحد في المآل لا يبيح قتله في الحال،
فكيف قتله الخضر من خوف كفره. قلت: يجوز أن يكون ذلك في شرعهم. قلت: تقرير
الله تعالى وتقرير موسى صريح في ذلك، بل يدل على جواز مثل ذلك في شرعنا لو علم
قطعاً أنه طبع كافراً كما قرره صاحب الشرع في هذا الحديث، فبطل كون الغلام مؤمناً
حينئذ إذ لا يجوز قتل المؤمن من غير جنح اجماعاً في جميع الأديان. قال: أو نقول هذا
علم لدني وله مشرب آخر غير المعهود في الظاهر، فلا نشتغل بكيفيته. قلت: لا مخالفة
بين الشريعة والحقيقة في أحكام الطريقة، ومن فرق بينهما ممن لم يصل إلى مرتبة الجمع
نسب إلى الزندقة. ثم إن الأمر لا يخلو عن أحد شيئين، فإن الخضر أن كان من أهل
النبوّة فلا بد أن يكون عمله على وفق الشريعة، وإن كان من أهل الولاية فليس له أن
يعتمد على علمه اللدني والهامة الغيبي في مثل هذه القضية العظمى والبلية الكبرى. ثم في
الحديث بيان الحكمة في قتل الخضر، وكأنه خرج موضع الاعتذار عنه تصريحاً، بخلاف
ما في الآية من الإِشارة إلى ذلك تلويحاً. (متفق عليه).
٥٧١٢ - (وعن أبي هريرة عن النبي ◌َّوقال: إنما سمي الخضر) أي خضراً، وفي نسخة
بنصبه. أي إنما سمي الرجل المشهور الخضر. (لأنه جلس على فروة بيضاء) في النهاية: الفروة
الأرض اليابسة، وقيل: الهشيم اليابس من النبات. قلت: ومعناهما واحد ومؤداهما متحد.
واختار شارح القول الثاني فقال: المراد بالفروة الهشيم اليابس شبهه بالفرو. وقيل: الأرض
اليابسة، وقيل: جلدة مـه الأرض. وقيل: قطعة نبات مجتمعة يابسة. قلت: هذا هو الأظهر.
وقال الطيبي [رحمه الله]: ولعل الثاني من قولي صاحب النهاية أنسب لأن قوله: (فإذا هي تهتز
من خلفه خضراً) إما تمييز، أو حال. فكأنه نظر الخضر عليه [الصلاة] والسلام إلى مجلسه
ذاك، فإذا هي تتحرك من جهة الخضرة والنضارة انتهى. ولعله قال من خلفه، مع أن النمو
والاهتزاز إنما كان في موضع الجلوس من تحته، للإشعار بأن الخضرة زادت عن المجلس إلى
انتهاء الفروة البيضاء. ثم قال شارح: قوله خضراً بفتح فكسر مع التنوين، أي نباتاً أخضر ناعماً.
وروي على زنة صفراء. قلت: وهو كذلك في أكثر النسخ المضبوطة المعتمدة، لكن لا يخفى
أن النسخة الأولى لمناسبة وجه التسمية أولى للجمع بين المبنى والمعنى. (رواه البخاري)
الحديث رقم ٥٧١٢: أخرجه البخاري ٤٣٣/٦. حديث رقم ٣٤٠٢. والترمذي ٢٩٣/٥ حديث رقم
٣١٥١.

٣٨٧
كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق/ باب بدء الخلق وذكر الأنبياء
٥٧١٣ - (١٦) وعنه، قال: قال رسول الله وَله: ((جاءَ مَلَكُ الموتِ إِلى موسى بنِ
عمران، فقال له: أَجبْ ربّك)). قال: ((فلطم موسى عينَ مَلك الموتِ ففقأها)). قال:
((فرجَعَ الملك إِلى الله، فقال: إِنك أرسلتني إِلى عبدٍ لك لا يريدُ الموت، وقد فقأ عيني))
قال: فَرَدَّ الله إِليهِ عينه، وقال: ارجع إِلى عبدي فقل: الحياةَ تريد؟ فإِن كنتَ تريد الحياةَ
فَضَعْ يَدَكَ على متن ثورٍ، فما توارت يدك من شعرة
وأسنده السيوطي بهذا اللفظ بعينه في الجامع الصغير إلى أحمد والشيخين والترمذي عن أبي
هريرة، والطبراني عن ابن عباس، والله [تعالى] أعلم(١).
٥٧١٣ - (وعنه) أي عن أبي هريرة رضي الله عنه (قال: قال رسول الله وَله: جاء ملك
الموت) أي في صورة بشر. (إلى موسى بن عمران فقال له:) أي لموسى (عليه الصلاة
والسلام] (أجب ربك) أي بقبول الموت. والمعنى إني جئتك لأقبض روحك. (قال:) أي
[النبي ◌َل و] (٢) (فلطم موسى عين ملك الموت) أي ضربها بباطن كفه (ففقأها) بفاء فقاف فهمزة
مفتوحات، أي فشقها وقلعها وأعماها. قيل: الملائكة يتصورون بصورة الإِنسان، وتلك
الصورة بالنسبة إليهم كالملابس بالنسبة إلى الإِنسان. واللطمة إنما أثرت في العين الصورية لا
في العين الملكية، فإنها غير متأثرة باللطمة وغيرها. قال شارح: وإنما لطمها موسى لإقدامه
على قبض روحه قبل التخيير، والأنبياء كانوا مخيرين عند الله آخر الأمر بين الحياة والوفاة،
وسيأتي زيادة تحقيق لذلك. (قال: فرجع الملك إلى الله. فقال: إنك أرسلتني إلى عبد لك لا
يريد الموت فقد فقأ عيني. قال: فرد الله إليه عينه، وقال: ارجع إلى عبدي) قال الطيبي [رحمه
الله]: فإن قلت: أي فرق بين قول الملك عبد لك على التنكير، وبين قول الله عبدي. قلت:
دل قول الملك على نوع طعن فيه حيث نكره، وبينه بقوله: لا يريد الموت. وقوله سبحانه دل
على تفخيم [شأنه] وتعظيم مكانه حيث أضافة إلى نفسه رداً عليه. (فقل: الحياة) بالنصب على
أنه مفعول قوله. (تريد) على تقدير الاستفهام قبل الفعل أو المفعول. ويمكن أن يقرأ الحياة
بهمزة ممدودة كما في قوله تعالى: ﴿قل الذكرين حرم أم الانثيين﴾ [الأنعام - ١٤٣]. فالتقدير
الحياة تريد أم الموت. ثم فصله بقوله: (فإن كنت تريد الحياة) أي الطويلة إذ المؤبدة غير
متصورة في الدنيا لقوله تعالى: ﴿كل نفس ذائقة الموت﴾ [آل عمران - ١٨٥]. (فضع يدك)
أي واحدة أو اثنتين. (على متن ثور) أي على ظهر بقرة. (فما توارت) وفي نسخة: فما وارت.
(يدك) بالرفع، وفي نسخة بالنصب. وقوله: (من شعرة) بيان لما، وفي نسخة من شعره
(١) الجامع الصغير ١٥٥/١ حديث رقم ٢٥٩٤.
الحديث رقم ٥٧١٣: أخرجه البخاري ٦/ ٤٤٠ حديث رقم ٣٤٠٧. ومسلم ١٨٤٢/٤ حديث رقم (١٥٧.
١٥٨/ ٢٣٧٢) وأخرجه الترمذي ٥٦٤/٥ حديث رقم ٣٦٤٩. والنسائي ١١٨/٤ حديث رقم
٢٠٧٩. وأحمد في المسند ٣١٥/٢.
(٢) في المخطوطة بدل ما بين المعكوفتين لفظ ((عليه السلام)).

٠٠٠٠
٨٠"
/ ٦٫١٢٠ /٤٠ **
٣٨٨
كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق/ باب بدء الخلق وذكر الأنبياء
فإِنك تعيش بها سنةً، قال: ثم مَهْ؟ قال: ثمَّ تموت. قال: فالآنَ من قريبٍ، ربِّ أَذنني من
الأرضِ المقدَّسةِ رميةً بحجر)). قال رسول الله وَّهِ: ((والله لو أني عنده لأرَيْتُكُم قَبْرهُ إِلى
جنب الطريق عندَ الكثيب الأحمر)). متفق عليه.
بالضمير، أي من شعر متن الثور. (فإنك تعيش بها) أي بكل شعرة متوارية. (سنة) واعلم أنه
يقال: واراه الشيء أي ستره، وتوارى أي استتر. ومنه قوله تعالى: ﴿يتوارى من القوم﴾
[النحل - ٥٩]. فقال شارح: قوله: فما توارت غلط وقع من بعض الرواة في كتاب مسلم.
وفي كتاب البخاري: فله بما غطت يده بكل شعرة سنة. وقال القاضي: قوله: فما توارت يدك
هكذا مذكور في صحيح مسلم. ولعل الظاهر فما وارت يدك بالرفع، وأخطأ بعض الرواة.
ويدل عليه ما رواه البخاري في صحيحه: ((فله بما غطت يده بكل شعرة سنة))(١). ويحتمل أن
يكون يدك منصوباً بنزع الخافض، وفي توارت ضمير [رفع] فأنثه لكونه مفسراً بالشعرة. قال
الطيبي: قوله: من شعرة بيان ما، والضمير فيه راجع إلى متن ثور، وما وارت يده قطعة منه
فأنثه باعتبار القطعة، أي القطعة التي توارت بيدك أو تحت يدك انتهى. وقيل: التاء الأولى
زائدة لأن معناه وارت، أي غطت. ذكره الأكمل. (قال:) أي موسى (ثم مه) بفتح الميم
وسكون الهاء، وأصله ما حذفت ألفه ووقف عليه بالهاء للتعذر بين الحركة والسكون. قال
النووي: هي هاء السكت وما استفهامية، أي ثم ماذا يكون أحياة أم موت. (قال: ثم تموت.
قال: فالآن من قريب) أي فأختار الموت في هذه الحالة. (رب أدنني) أمر من الإدناء أي قربني
(من الأرض المقدسة) ولعله أراد أفضل مواضعها، وهو المسمى ببيت المقدس الذي كان فيه
قبلة الأنبياء. وإلا فالأرض المقدسة تطلق على جميع أراضي الشام. (رمية بحجر) أي كرمية
حجر، والمراد السرعة ذكره شارح. والظاهر أن المراد أن يكون التقريب مقدار رمية واحدة
بحجر، ولذا قال ابن الملك: أي بمقدار ذلك. أقول: ولعله كان في التيه، فأراد التقرب إلى
بيت الرب ولو بمقدار قليل من موضع دعائه، أو من محل مطلوبه. قال النووي [رحمه الله]:
وأما سؤاله الإدناء من الأرض المقدسة ولشرفها، وفضيلة ما فيها من المدفونين من الأنبياء
وغيرهم من الصالحين. قالوا: وإنما سأل الإدناء ولم يسأل نفس بيت المقدس لأنه خاف أن
يكون قبره مشهوراً عندهم فيفتتن به الناس. قلت: وهذا بعيد جداً إذ لم يقع التفتن بقبر غيره
من الأنبياء مع إمكان الفتنة في كل مكان، بل فيه إشارة إلى أن المقبرة ينبغي أن تكون قرب
القرية لا داخلها. ولعل عمارة بيوت بيت المقدس كانت حينئذ قريبة إلى محل تربته عليه
[الصلاة] والسلام. وعلى كل ففيه استحباب الموت والدفن في المواضع الفاضلة والمواطن
المباركة والقرب من مدافن أرباب الديانة. (قال رسول الله ياتي: والله لو أني عنده) أي عند بيت
المقدس، وأبعد شارح حيث قال: لو أني عند موسى. (لأريتكم قبره إلى جنب الطريق) أي
طريق الجادة من بيت المقدس إلى حواليه. (عند الكثيب الأحمر) أي التل المستطيل المجتمع
من الرمل (متفق عليه). قال المازري وقد أنكر بعض الملاحدة هذا الحديث، قالوا: كيف
٠٠٢٢/٦
(١) البخاري في صحيحه ٢٠٦/٣ حديث رقم ١٣٣٩.
٠٠/١٠

٣٨٩
كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق/ باب بدء الخلق وذكر الأنبياء
يجوز على موسى فقء عين ملك الموت. وأجابوا عن هذا بأجوبة أحدهما، أنه لا يمتنع أن
يكون موسى عليه [الصلاة] والسلام قد أذن الله له في هذه اللطمة، وأن يكون ذلك امتحاناً
للملطوم والله سبحانه يفعل في خلقه ما يشاء ويمتحنهم بما يريد. قلت: ولا يخفى أنه بعيد.
والثاني أن هذا على المجاز، والمراد أن موسى ناظره وحاجه فغلبه بالحجة. يقال: فقأ فلان
[عين فلان] إذا غلبه بالحجة، قال: وفي هذا ضعف لقوله وَلّر: فرد الله عليه عينه. فإن قيل:
أراد رد حجته كان بعيداً. والثالث: أن موسى لم يعلم أنه ملك من عند الله وظن أنه رجل
قصده يريد نفسه فدفعه عنها، فأدت المدافعة إلى فقء عينه وما قصدها بالفقء. وهذا جواب
الإمام أبي بكر بن حزم وغيره من المتقدمين، واختاره القاضي عياض: قالوا: وأتاه في المرة
الثانية بعلامة علم بها أنه ملك الموت، فاستسلم له بخلاف المرة الأولى. قال ابن الملك في
شرح المشارق: فإن قيل: كيف صدر من موسى هذا الفعل، أجيب بأنه متشابه يفوض علمه
إلى الله تعالى، وبأن موسى لم يعرف أنه ملك الموت وظن أنه رجل قصد نفسه فدفعه عنها،
فأدت مدافعته إلى فقء عينه. وهذا مختار المازري والقاضي عياض. وأنكر الشيخ الشارح يعني
الأكمل بأن هذا غير صحيح، لأن الرجل الداخل لم يقصده بالمحاربة حتى يدفعه عنه، بل دعاه
إلى الموت وبمجرد هذا القول لا يصدر عن مؤمن صالح مثل هذا الفعل، فما ظنك بموسى
عليه [الصلاة] والسلام. وأقول: إن موسى عليه السلام كان في طبعه حدة حتى روي أنه عليه
[الصلاة] والسلام ((إذا غضب استعلت قلنسوته))، فإذا هجم عليه رجل فدعاه إلى الهلاك عرف
أنه لا يكون إلا بالحرب فدفعه قبل قصده. وذا يحتمل أن يكون جائزاً في شرعه، أو لأن
موسى عليه الصلاة [والسلام] زعم أنه كاذب حين ادعى قبض روحه لزعمه أن بشراً لا يقبض
الروح، فغضب عليه فلطم وكان هذا الغضب لله. وفي الله فلم يكن مذموماً، ولهذا لم يعاتب
الله موسى (عليه السلام] حين أخذ رأس هارون ولحيته وكان يجره، مع أن هارون أكبر منه سناً
وأجل قدراً عند علماء الأمة. وقد قال وَالر: ((حق كبير الأخوة عليهم كحق الوالد على
ولده))(١). قلت: هذا وجه حسن، إلا أن قوله لزعمه غير مستحسن. قال: وما اختاره الشيخ
الشارح في الجواب أن موسى عليه [الصلاة] والسلام يحتمل أن يكون مأذوناً في حق اللطمة
ويكون ذلك امتحاناً للملطوم، فلا يخفى بعده. وفي شرح السنة يجب على المسلم الإِيمان به
على ما جاء به من غير أن يعتبره بما جرى عليه عرف البشر، فيقع في الارتياب لأنه أمر مصدره
قدرة الله تعالى وحكمه، وهو مجادلة جرت بين ملك كريم ونبي كليم كل واحد منهما
مخصوص بصفة يخرج بها عن حکم عوام البشر ومجاري عاداتهم، في المعنى الذي خص به،
فلا يعتبر حالهما بحال غيرهما. وقد اصطفى الله تعالى موسى بالمعجزات الباهرة والآيات
الظاهرة، فلما دنت وفاته وهو بشر يكره الموت طبعاً لطف الله تعالى به بأن لم يفاجئه بغتة ولم
يأمر الملك الموكل به بأن يأخذه قهراً بل أرسله على سبيل الامتحان في صورة بشر. فلما رآه
(١) البيهقي في شعب الإيمان ٦/ ٢١٠ حديث رقم ٧٩٢٩.

٣٩٠
كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق/ باب بدء الخلق وذكر الأنبياء
٥٧١٤ _ (١٧) وعن جابرٍ، أنَّ رسولَ الله وَّه قال: ((عُرِضَ عَلَيَّ الأنبياءُ فإِذا موسى
ضَرْبٌ منَ الرجالِ، كأنَّه من رجالٍ شَنوءَةَ، ورأيتُ عيسى ابن مريم فإِذا أقربُ مَن رأيتُ به
شَبَهاً عروةُ بنُ مسعودٍ، ورأيت إِبراهيمَ فإِذا أقربُ مَنْ رأيتُ به شبَهَاً صاحبُكم - يعني
نفسَه -، ورأيتُ جبريلَ، فإذا أقربُ منْ رأيتُ به شبَهاً دِحيَةُ بنُ خليفةَ)). رواه مسلم.
٥٧١٥ - (١٨) وعن ابنِ عباسٍ، عن النبيِّ وَّرَ، قال: ((رأيتُ ليلةَ أُسْرِيَ بي
موسى (عليه الصلاة والسلام] استنكر شأنه [واستو] عر مكانه احتجر منه دفعاً عن نفسه بما كان
من صكه إياه، فأتى ذلك على عينه التي ركبت في الصورة البشرية، وقد كان في طبع موسى
عليه السلام حدة على ما قص الله علينا من أمره في كتابه من وكزه القبطي وإلقائه الألواح
وأخذه برأس أخيه يجره إليه. هذا وقد جرت سنة الدين بدفع كل قاصد سوء. وقد ذكر
الخطابي هذا المعنى في كتابه رداً على من طعن في هذا الحديث وأمثاله من أهل البدع
الملحدين أبادهم الله تعالى.
٥٧١٤ - (وعن جابر: أن رسول الله وَ* قال: عرض علي) بصيغة المجهول أي أظهر
لدي (الأنبياء) وهم أعم من الرسل، وهو إما في المسجد الأقصى في ليلة الإسراء أو في
السموات العلى كما يدل عليه الحديث الذي يليه. والمعنى عرض أرواحهم متشكلين بصور
كانوا عليها في الدنيا. كذا ذكره ابن الملك تبعاً لشارح من علمائنا وهو الظاهر. وقال القاضي:
لعل أرواحهم مثلت له بهذه الصور، ولعل صورهم كانت كذلك، أو صور أبدانهم كوشفت له
في نوم أو يقظة. (فإذا موسى ضرب) أي نوع (من الرجال) وقيل أي خفيف اللحم (كأنه من
رجال شنوءة) بفتح الشين المعجمة وضم النون فواو ساكنة وهمزة وهاء، ويجوز إبدال الهمزة
واو أو إدغامها. وقد قال ابن السكيت: أزد شنوة بالتشديد غير مهموز وهي قبيلة معروفة.
والمعنى أنه يشبه واحداً من هذه القبيلة. قال شارح: والشنوءة التباعد من الأدناس على ما ذكره
الجوهري، ومنهم أزد شنوءة وهم حي من اليمن ولعلهم لقبوا بذلك لطهارة نسبهم ونظافة
حسبهم وحسن سيرتهم وأدبهم. (ورأيت عيسى ابن مريم فإذا هو أقرب من رأيت به شبهاً)
بفتحتين أي نظيراً (عروة بن مسعود) قيل: هو أخو عبد الله بن مسعود وليس بصحيح. (ورأيت
إبراهيم فإذا أقرب من رأيت به شبهاً صاحبكم يعني نفسه) أي يريد بَل بقوله: صاحبكم. نفس
ذاته لما ظهر له في مرآته ولما كان جبريل ملازماً للأنبياء لكونه من لوازم الإنباء ذكره في
معرض الأنبياء. (فقال: ورأيت جبريل فإذا أقرب من رأيت به شبهاً حية بن خليفة) بكسر الدال
وقد يفتح وهو من الصحابة، وكان من أجمل الناس صورة (رواه مسلم).
٥٧١٥ - (وعن ابن عباس عن النبي ◌َّ قال: رأيت ليلة أسري بي) بالإِضافة، وفي نسخة
الحديث رقم ٥٧١٤: أخرجه مسلم في صحيحه ١٥٣/١ حديث رقم (١٦٧/٢٧١).
الحديث رقم ٥٧١٥: أخرجه البخاري ٣١٤/٦. حديث رقم ٣٢٣٩. ومسلم ١٥١/١ حديث رقم ٢٦٧/
١٦٥ وأخرجه أحمد في المسند ٢٤٥/١.

/٣/١١٣
1445
م٧٢٩
٣٩١
كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق/ باب بدء الخلق وذكر الأنبياء
موسى، رجلاً آدَمَ طُوالاً، جعداً كأنَّه من رجالٍ شَنوءةَ، ورأيتُ عيسى رجلاً مربوعَ الخلقِ،
إلى الحمرة والبياضِ، سُبِطَ الرَّأسِ، ورأيتُ مالكاً خازنَ النارِ، والدَّجَّالَ في آياتٍ أراهنَّ اللَّهُ
إِياهُ، فلا تكنْ في مرْيَةٍ من لقائِهِ)).
بالتنوين. أي أبصرت في ليلة أسري بي فيها. (موسى رجلاً) أي حال كونه على صورة رجل (آدم)
أي أسمر شديد السمرة، على ما في النهاية. (طوالاً) بضم الطاء وتخفيف الواو، أي طويلاً
كعجاب مبالغة عجيب(١). وأما بكسر الطاء فهو جمع طويل. (جعداً) هو ضد السبط، فمعناه غير
مسترسل الشعر. ولعل انقباض شعره مما يشعر على حدة باطنة من غير شعوره. (كأنه من رجال
شنوءة، ورأيت عيسى رجلاً مربوع الخلق) أي متوسطاً لا طويلاً ولا قصيراً، ولا سميناً ولا
هزيلاً. وفيه إيماء إلى اعتدال مزاجه أيضاً. وقوله: (إلى الحمرة والبياض) حال، أي مائلاً لونه
إليهما، فلم يكن شديد الحمرة والبياض، بل كان بينهما من البياض المشوب بالحمرة كما كان
نعت نبينا ◌ّر على ما في الشمائل في الوصفين السابقين. (سبط الرأس) بكسر الباء وفتحها أيضاً
وقد تسكن. ففي القاموس السبط ويحرك وككتف نقيض الجعد. والمعنى مسترسل شعر الرأس.
فهذا يدل على أنه غلب عليه صفة الجمال، كما أنه غلب على موسى نعت الجلال. ونبينا وَ لا لما
كان في مرتبة الكمال كان شعره أيضاً في السبوطة والجعودة في غاية من الاعتدال. (ورأيت مالكاً
خازن النار والدجال) أي ورأيت الدجال (في آيات) أي مع علامات (أراهن الله إياه) أي النبي وَّر .
يعني رأى النبي والر الدجال مع آيات أخر، أراهن الله النبي وَّر وما حكاها. وقوله: في آيات
أراهن الله إياه. من كلام الراوي أدرجه في الحديث دفعاً لاستبعاد السامعين وإماطة لما عسى أن
يختلج في صدورهم. ولو كان من قول النبي وَل# لقال: أراهن الله إياي. كذا ذكره شارح.
والظاهر أن يكون الضمير راجعاً إلى الدجال؛ والمراد بالآيات خوارق العادات التي قدرها الله
سبحانه استدراجاً للدجال وابتلاء للعباد على ما تقدم، والله تعالى أعلم. قال الطيبي [رحمه الله]:
قوله: في آيات، أي رأيت المذكور في جملة آيات، ولعله أراد بها الآيات المذكورة في قوله
تعالى: ﴿لقد رأى من آيات ربه الكبرى﴾ [النجم -١٨]. فعلى هذا في الكلام التفات حيث
وضع إياه موضع إياي، أو الراوي نقل معنى ما تلفظ به. والظاهر أن قوله: (فلا تكن في مرية من
لقائه) متعلق بأول الكلام، وهو حديث موسى عليه السلام تلميحاً إلى ما في التنزيل من قوله
تعالى: ﴿ولقد آتينا موسى الكتاب فلا تكن في مرية من لقائه ﴾ [السجدة - ٢٣]. الكشاف قيل:
من لقائك موسى عليه [الصلاة] والسلام ليلة الإِسراء، فيكون ذكر عيسى وما يتبعه من الآيات
على سبيل التبعية والإدماج، أي لا تكن يا محمد في رؤية ما رأيت من الآيات في شك. فعلى
هذا الخطاب في قوله [فلا تكن لرسول الله] (٢) وَالر، والكلام كله متصل ليس فيه تغيير من الراوي
إلا لفظ إياه. ويشهد له قول الشيخ محيي الدين [رحمه الله] في شرح هذا الحديث: كان قتادة
<<
(١) في المخطوطة ((طويل)).
(٢) هذه العبارة مكانها في المخطوطة ليس هنا بل ما بين كلمتي التبعية والإدماج لكن الصواب ما ذكر والله
تعالى أعلم.
٦٣ ٩,٣ ir At ION _:

٣٩٢
كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق/ باب بدء الخلق وذكر الأنبياء
متفق عليه .
٥٧١٦ - (١٩) وعن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ اللهِ وَلِّ: ((ليلةَ أُسرِيَ بي لقيتُ
موسى - فنَعَتَه - فإذا رجلٌ مضطربٌ، رَجلُ الشعرِ، كأنَّه من رجالٍ شَنوءَةَ. ولقيتُ عيسى
رَبْعةً أحمرَ كأنَّما خرِجَ منْ ديماسَ - يعني الحمامَ -
يفسرها أن النبي ﴿ قد لقي موسى عليه [الصلاة] والسلام. ووافقه عليه جماعة، منهم مجاهد
والكلبي والسدي. ومعناه فلا تكن في شك من لقائك موسى. والشارحون ذهبوا إلى أن قوله:
في آيات أراهن الله. من كلام الراوي ألحقه بالحديث دفعاً لاستبعاد السامعين وإماطة لما عسى
يختلج في صدورهم. وقال المظهر: الخطاب في فلا تكن، خطاب عام لمن سمع هذا الحديث
إلى يوم القيامة، والضمير في لقائه عائد إلى الدجال. أي إذا كان خروجه موعوداً فلا تكن في
شك من لقائه. وقال غيره: الضمير راجع إلى ما ذكر أي فلا تكن في شك من رؤية ما ذكر من
الآيات إلى يوم القيامة. (متفق عليه). وذكر السيوطي الحديث في الجامع الصغير إلى قوله
الدجال، وقال: رواه أحمد والشيخان(١).
"-٧i'm
-- برمها ب
٠١٬٥
٥٧١٦ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَلي: ليلة أسري بي) ظرف
مقدم لقوله: (لقيت موسى فنعته) أي فوصف موسى فقال في حقه (فإذا) أي هو (رجل
مضطرب) قال القاضي وغيره من الشراح: يريد به أنه كان مستقيم القد حاداً فإن الحاد يكون
قلقاً متحركاً كأن فيه اضطراباً. ولذلك يقال: رمح مضطرب إذا كان طويلاً مستقيماً. وقيل:
معناه أنه كان مضطرباً من خشية الله تعالى، وهذه صفة النبيين والصديقين كما روي أنه عليه
[الصلاة] والسلام كان يصلي ولقلبه أزيز كأزيز المرجل(٢). (رجل الشعر) بكسر الجيم ويسكن
ويفتح. ففي القاموس شعر رجل وككتف، وجبل بين السبوطة والجعودة. وفي النهاية، أي لم
يكن شديد الجعودة ولا شديد السبوطة بل بينهما. قلت: الظاهر أن تكون جعودته غالبة على
سبوطته لئلا ينافي ما سبق من كون موسى عليه [الصلاة] والسلام جعداً. (كأنه من رجال
شنوءة) سبق بيانه (ولقيت عيسى ربعة) بتسكين الموحدة، ويجوز فتحه على ما ذكره
العسقلاني، أي مربوع الخلق. وفي النهاية، أي لا طويل ولا قصير والتأنيث على تأويل
النفس. (أحمر) أي شديد الحمزة (كأنه خرج من ديماس) بكسر الدال وتفتح على ما في
القاموس الكن والسرب والحمام. قال الجوهري: فإن فتحت الدال جمعت على دياميس، مثل
شيطان وشياطين. وإن كسرتها جمعت على دماميس كقيراط وقراريط. ثم لما كان الديماس له
معان قال الراوي: (يعني) أي يريد النبي ◌َّر به (الحمام) قال العسقلاني: هذا في تفسير عبد
:١٨-
(١) ٣٦٨/٢ حديث رقم ٤٣٨٠.
الحديث رقم ٥٧١٦: أخرجه البخاري ٤٢٨/٦. حديث رقم ٣٣٩٤. ومسلم ١٥٤/١ حديث رقم (٢٧٢/
١٦٨) والترمذي ٢٨٠/٥ حديث رقم ٣١٣٠.
(٢) النسائي ١٣/٣ حديث رقم ١٢١٤.
٢٠٠٠

12'00
١٩٥٠
٣٩٣
كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق/ باب بدء الخلق وذكر الأنبياء
ورأيتُ إِبراهيمَ وأنا أشبه وُلده به)) قال: ((فأتيتُ بإِناءَينِ: أحدُهما لبنّ والآخرُ فيه خمرٌ. فقيلَ
لي: خُذْ أيَّهما شئتَ. فأخذتُ اللبنَ فشربتُه، فقيل لي: هُديتَ الفطرةَ، أما إِنَّكَ لو أخذت
الخمرَ غَوَتْ أُمتك)). متفق علـ
الرزاق، والمراد وصفه بصفاء اللون ونضارة الجسم وكثرة ماء الوجه، كأنه خرج من حمام
وهو عرق. (ورأيت إبراهيم وأنا أشبه ولده) أي أولاده من نسل ولده إسماعيل، أو مطلقاً.
(به) أي بإبراهيم صورة، ومعنى. فالمشابهة الصورية عنوان للمناسبة المعنوية، مع أن الولد
سر أبيه في مبانيه ومعانيه. (قال:) أي النبي ◌َّر (فأتيت بإناءين) أي أحضرت بهما (أحدهما
لبن) قال التوربشتي رحمه الله: العالم القدسي يصاغ فيه الصور من العالم الحسي ليدرك بها
المعاني، فلما كان اللبن في عالم الحس من أول ما يحصل به التربية ويرشح به المولود صيغ
عنه مثال للفطرة التي تتم بها القوة الروحانية، وتنشأ عنها الخاصية الإنسانية. وقال بعضهم:
ولم يقل فيه لبن، كأنه جعله لبناً كله تغليباً للبن على الإناء لكثرته، وتكثيراً لما اختاره، ولما
كان الخمر منهياً عنه قلله فقال: (والآخر فيه خمر) أي خمر قليل (فقيل لي: خذ أيهما
شئت) أي أي الإِناءين، أو أي المشروبين أردته واشتهيته. (فأخذت اللبن فشربته) أي لما يدل
الأمر بالأخذ على جواز الشرب لأنه المقصود منه، وإنما عرض عليه كلاهما إظهاراً على
الملائكة فضله باختياره الصواب. (فقيل لي: هديت الفطرة) بصيغة الخطاب مجهولاً، أي
فقالت الملائكة: هداك الله إلى الفطرة. وهو يحتمل الإخبار والدعاء، والأوّل أظهر لما
سيأتي في آخر الحديث. والمعنى: إنك هديت الفطرة الكاملة الشاملة لاتباعك العالمة
العاملة. قال القاضي [رحمه الله]: المراد بها الفطرة الأصلية التي فطر الناس عليها فإن منها
الإعراض تما فيه غائلة وفساد كالخمر المخل بالعقل الداعي إلى الخير الوازع عن الشر
المؤدي إلى صلاح الدارين وخير المنزلين، والميل إلى ما فيه نفع حال عن مضرة دنيوية
ومعرة دينية كشرب اللبن، فإنه من أصلح الأغذية وأول ما حصل به التربية. وقال ابن
الملك: وفي هذا القول له عند أخذ اللبن لطف ومناسبة، فإن اللبن لما كان في العالم
الحسي ذا خلوص وبياض وأول ما يحصل به تربية المولود، صيغ منه في العالم القدسي
مثال الهداية والفطرة التي يتم بها القوّة الروحانية، بخلاف الخمر فإنها لكونها ذات مفسدة
صيغ منها مثال الغواية وما يفسد القوة الروحانية. ولهذا قيل له: (أما) بالتخفيف للتنبيه (إنك
لو أخذت الخمر) أي شربت أو ما شربت. والمعنى لو ملت إليها أدنى الميل (غوت) أي
ضلت (أمتك) أي نوعاً من الغواية المترتبة على شربها، بناء على أنه لو شربها لأحل للأمة
شربها فوقعوا في ضررها وشرها. ولما كان هو معصوماً ما لم يقل له: غويت، على ما
تقتضيه المقابلة. وفيه إيماء إلى أن استقامة المقتدي من النبي والعالم والسلطان ونحوهم
سبب لاستقامة أتباعهم لأنهم بمنزلة القلب للأعضاء (متفق عليه).
٠٠٠,"-"
115554 15-022

٣٩٤
كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق/ باب بدء الخلق وذكر الأنبياء
٥٧١٧ - (٢٠) وعن ابنِ عبَّاسٍ، قال: سرنا مع رسول الله بَلَه بينَ مكة والمدينة،
فمرزنا بوادٍ، فقال: ((أيُّ وادٍ هذا؟)) فقالوا: وادي الأزرقِ. قال: ((كأني أنظرُ إِلى موسى))
فذكر من لونِه وشعرِه شيئاً، ((واضعاً إصبعيه في أُذَنَيهِ، له جُوارٌ إِلى الله بالتلبيةِ، مارّاً بهذا
الوادي)). قال: ثمَّ سرنا حتى أتَينا على ثنيَّةٍ. فقال: ((أيُّ ثنيَّةٍ هذِه؟)) قالوا: هَرشي - أو
لِفْت .. فقال: ((كأني أنظرُ إِلى يونسَ على ناقةٍ حمراءَ، عليه جُبَّةُ صوفٍ، خِطامُ ناقتِهِ خُلبَةٌ،
مارّاً بهذا الوادي ملبيا)».
٥٧١٧ - (وعن ابن عباس رضي الله عنه قال: سرنا) من السير أي سافرنا (مع رسول
الله ◌َّلفي بين مكة والمدينة) يحتمل من مكة إلى المدينة وبالعكس (فمررنا بواد فقال: أي واد هذا.
فقالوا: وادي الأزرق) وهو موضع بين الحرمين سمي به لزرقته. وقيل: منسوب إلى رجل بعينه.
(فقال: كأني أنظر إلى موسى فذكر من لونه وشعره شيئاً) أي بعضاً من أوصافهما، وهو أن لونه
أسمر وشعره جعد على ما سبق (واضعاً) أي حال كون موسى واضعاً. (إصبعيه في أذنيه) بضم
الذال ويسكن والتثنية فيهما على طريق اللف والنشر. (له) أي لموسى (جؤار) بضم جيم فهمز وقد
يبدل، أي تضرع (إلى الله بالتلبية) ذكره شارح. وقال الطيبي [رحمه الله]: رفع صوت بها، ولا منع
من الجمع. (ماراً بهذا الوادي) قال الطيبي [رحمه الله]: واضعاً وماراً حالان مترادفان أو متداخلان
من موسى عليه [الصلاة] والسلام، وقد تخلل بينهما كلام الراوي. يعني الراوي عن حاله وهو
النبي ◌َّ. (قال:) أي ابن عباس (ثم سرنا) أي ذهبنا (حتى أتينا على ثنية) بفتح مثلثة وكسر نون
وتشديد تحتية، أي عقبة وهي طريق عال في الجبل أو بين الجبلين. (فقال: أي ثنية هذه. قالوا:
هرشي) بهاء فراء فشين معجمة فألف مقصورة، تكتب بالياء كسكرى، على طريق الشام والمدينة
قرب الجحفة. (أو لفت) بكسر اللام وسكون الفاء على ما في أكثر النسخ. وقال الطيبي [رحمه
الله]: يروى فيه كسر اللام وإسكان الفاء وفتحها معه وفتحهما. وقال شارح: هرشي ثنية بقرب
الجحفة، يقال لها أيضاً: لفت. والشك للراوي. أقول: ويمكن أن يكون أو للتنويع، على أن
بعضهم قال: هرشي، وبعضهم: لفت، ولا خلاف في الحقيقة. (فقال: كأني أنظر إلى يونس على
ناقة حمراء عليه جبة صوف) أي للتواضع واختيار الزهد، وهذا مأخذ للصوفية ومن تبعهم من
العلماء كالكسائي، ولعله لبسها على غير هيئة المعتاد، أو كان جائز في شرعه [للمحرم] لبس الجبة
ونحوها مطلقاً، والله [تعالى] أعلم. (خطام ناقته) أي زمامها وزناً ومعنى، وهو الحبل الذي يقاد به
البعير يجعل على خطمه، أي مقدم أنفه وفمه. (خلبة) بضم الخاء المعجمة وسكون اللام وبضمهما
فموحدة فهاء، ليفة نخل. (ماراً بهذا الوادي ملبياً) حالان من يونس كما تقدم، وفيه إشعار بأن
الحج من شعائر الله ومن شعائر أنبيائه أحياء وأمواتاً. فيفيد الترغيب في قصد الحج وما يتعلق به من
التلبية الدالة على التوحيد، والهيئة الإِحرامية المشعرة إلى التجريد والتفريد والله سبحانه [وتعالى]
أعلم. قال النووي (رحمه الله]: فإن قيل: كيف يحجون ويلبون وهم أموات، والدار الآخرة ليست
الحديث رقم ٥٧١٧: أخرجه مسلم ١٥٢/١ حديث رقم (١٦٦.٢٦٩). وأخرجه أحمد في المسند ٢١٥/١.

برچ
٣٩٥
كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق/ باب بدء الخلق وذكر الأنبياء
رواه مسلم.
٥٧١٨ _ (٢١) وعن أبي هريرةَ، عن النبيِّ وَِّ قال: ((خُفِفَ على داودَ القرآنُ، فكانَ
يأمرُ بدوابُه فتسرجُ، فيقرأُ القرآنَ قبلَ أنْ تسرجَ دوابُّه،
بدار عمل. الجواب من وجوه أحدها، أنهم كالشهداء بل أفضل، والشهداء أحياء عند ربهم فلا
يبعد أن يحجوا ويصلوا ويتقربوا إلى الله تعالى بما استطاعوا(١)، لأنهم وإن كانوا قد توفوا [فهم]
في هذه الدنيا التي هي دار العمل، حتى إذا فنيت مدتها وتعتقبها الآخرة التي هي دار الجزاء
انقطع العمل. وثانيهما أن التلبية دعاء من عمل الآخرة. قال تعالى: ﴿دعواهم فيها سبحانك
اللهم وتحيتهم فيها سلام وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين﴾ [يونس - ١٠]. وثالثها:
أن تكون هذه رؤية منام في غير ليلة الإسراء، كما قال في رواية ابن عمر رضي الله [تعالى]
عنهما: بينما أنا نائم رأيتني أطوف بالكعبة. وذكر الحديث في قصة عيسى (٢). قلت: ورؤيا
الأنبياء حق وصدق. قال: ورابعها، أنه ول# أري حالهم التي كانت في حياتهم ومثلوا له في
حال حياتهم كيف كانوا وكيف حجهم وتلبيتهم، كما قال رَّه: كأني أنظر إلى موسى. قلت:
الظاهر أن المراد بقوله هذا، استحضار تلك الحالة الماضية عند الحالة الراهنة للإشارة إلى غاية
تحققها ونهاية صدقها. قال: وخامسها، أن يكون أخبر عما أوحي إليه بَّر من أمرهم وما كان
منهم، وإن لم يرهم رؤية عين. قلت: يرده قوله: كأني أنظر إليهما. قال: وهذا آخر كلام
القاضي عياض. وفي الحديث دليل على استحباب وضع الإصبع في الأذن عند رفع الصوت
بالأذان ونحوه، وهذا الاستنباط والاستحباب يجيء على مذهب من يقول من أصحابنا أو
غيرهم إن شرع من قبلنا شرع لنا. قلت: هذا الاستنباط إنما يتم لو قيل باستحباب وضع
الإصبعين في الأذنين وقت التلبية، ولا أظن أن أحداً قال بهذا. وأما وضع الإصبع في الأذن
حال الأذان فله دليل مستقل ذكر في بابه (رواه مسلم).
٥٧١٨ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي وَّ قال: خفف) أي سهل ويسر (على
داود القرآن) أي قراءة الزبور وحفظه. (فكان يأمر بدوابه) أي لركوبه وركوب أصحابه. (فتسرج)
أي الدواب، أو فيشرع في سرجها (فيقرأ القرآن) أي المقروء وهو الزبور (قبل أن تسرج دوابه)
وفي النهاية الأصل في هذه اللفظة يعني القرآن الجمع، وكل شيء جمعته فقد قرأته. وسمي
القرآن قرآناً لأنه جمع القصص والأمر والنهي والوعد والوعيد والآيات والسور بعضها مع
بعض. وهو مصدر كالغفران والكفران. وقد يطلق على القراءة نفسها. يقال: قرأ قراءة وقرآناً.
قلت: ومنه قوله تعالى: ﴿فإذا قرآناه فاتبع قرآنه﴾ [القيامة - ١٨]. قال التوربشتي [رحمه الله]:
يريد بالقرآن الزبور، وإنما قال له القرآن لأن قصد إعجازه من طريق القراءة. وقد دل الحديث
(١) في المخطوطة كلمة سياقها غير مناسب هنا وهي كلمة ((فهم)).
(٢) مسلم في صحيحه ١٥٦/١ حديث رقم ١٧١.
الحديث رقم ٥٧١٨: أخرجه البخارى ٤٥٣/٦. حديث رقم ٣٤١٧. وأحمد فى المسند ٢١٤/٢.
٠١٨١٦٠
٢٠٠٥ - س ٣٠ م

٣٩٦
كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق/ باب بدء الخلق وذكر الأنبياء
ولا يأكلُ إِلاَّ من عملٍ يَدَيهِ». رواه البخاري.
٥٧١٩ - (٢٢) وعنه، عن النبيِّ وَ لهر، قال: «كانتِ امرأتانٍ معھُما ابناهُما، جاءَ الذئبُ
فذهبَ بابنِ إِحداهُما، فقالتْ صاحبتُها: إِنما ذهبَ بابنِكِ. وقالتِ الأخرى: إِنما ذهب
بابنكِ، فتحاكمَتا إِلى داود، فقَضى به للكُبرى، فخرجَتا على سليمانَ بنِ داودَ، فأخبرتاهُ،
على أن الله تعالى يطوي الزمان لمن يشاء من عباده، كما يطوي المكان لهم. وهذا باب لا
سبيل إلى إدراكه إلا بالفيض الرباني. قلت: حاصله أنه من خرق العادة على اختلاف في أنه
بسط للزمان أو طي للسان. والأوّك أظهر، وقد حصل لنبينا وَلقر في ليلة الإسراء هذا المعنى
على الوجه الأكمل في المبنى من الجمع بين طي المكان وبسط الزمان بحسب السمع واللسان
في قليل من الآن، ولأتباعه أيضاً وقع حظ من هذا الشأن على ما حكي أن علياً كرم الله
[تعالى] وجهه كان يبتدىء القرآن من ابتداء قصد ركوبه مع تحقق المباني وتفهم المعاني،
ويختمه حين وضع قدمه في ركابه الثاني. وقد نقل مولانا نور الدين عبد الرحمن الجامي قدس
الله سره السامي في كتابه نفحات الأنس في حضرات القدس عن بعض المشايخ، أنه قرأ القرآن
من حين استلم الحجر الأسود والركن الأسعد، إلى حين وصول محاذاة باب الكعبة الشريفة
والقبلة المنيفة، وقد سمعه ابن الشيخ شهاب الدين السهروردي منه كلمة كلمة وحرفاً حرفاً من
أوله إلى آخره قدس الله أسرارهم ونفعنا ببركة أنوارهم. (ولا يأكل) أي كان لا يتعيش داود عليه
[الصلاة] والسلام. (إلا من عمل يديه) كما قال تعالى: ﴿وألنا له الحديد أن اعمل سابغات ﴾
[سبأ - ١٠ - ١١]. أي دروعاً واسعات، وفي إيراد يديه بصيغة التثنية إيماء إلى أن عمله كان
محتاجاً إلى مباشرة العضوين، فيكون أجره مرتين. فرواية الجامع بيده على صيغة الإفراد، يراد
بها الجنس. وقد روى أبو سعيد مرفوعاً على ما رواه ابن لال: أفضل الأعمال الكسب من
الحلال(١). (رواه البخاري.) وكذا أحمد.
٥٧١٩ - (وعنه) أي عن أبي هريرة رضي الله عنه (من النبي وَل﴾ قال: كانت امرأتان
معهما ابنان) أي لكل واحدة منهما ابن (جاء الذئب) استئناف بيان (فذهب بابن إحداهما فقالت
صاحبتها:) أي رفيقة إحداهما التي ذهب بابنها (إنما ذهب بابنك. وقالت الأخرى: إنما ذهب
بابنك) ولعل الولدين كانا شبيهين، أو كانت إحداهما كاذبة لكنها تريد أن تستأنس بالموجود
بدلاً عن المفقود، أو لأغراض أخر فاسدة وأمكار كاسدة. (فتحاكمتا) أي فرفعتا الحكومة (إلى
داود فقضى به) أي حكم بالولد (للكبرى) إما لكونه في يدها على مقتضى القاعدة الشرعية أن
صاحبة اليد أولى، أو لأنه أشبه بها على اعتبار علم القيافة كما قال به الشافعي. (فخرجتا على
سليمان [بن داود) أي] مارتين عليه (فأخبرتاه) أي بما سبق من حالهما وتحقق من مآلهما
*30:
.85
(١) ذكره السيوطي في الجامع الصغير ٧٩/١ حديث رقم ١٢٣٨.
الحديث رقم ٥٧١٩: أخرجه البخاري ٤٥٨/٦. حديث رقم ٣٤٢٧. ومسلم ١٣٤٤/٣ حديث رقم (٢٠/
١٧٢٠). والنسائي ٢٣٥/٨ حديث رقم ٥٤٠٢. وأخرجه أحمد فى المسند ٣٢٢/٢.
-٠٫

٣٩٧
كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق/ باب بدء الخلق وذکر الأنبياء
فقال: ائتوني بالسِّكينِ أشُقَّه بينكما. فقالت الصُّغرى: لا تفعلْ، يرحمُكَ اللَّهُ، هوَ ابنُها،
فقضی به للصُغری)). متفق عليه.
٥٧٢٠ - (٢٣) وعنه، قال رسولُ الله ◌َّهِ: ((قال سليمانُ: لأطوفَنَّ الليلةَ على تسعينَ
(فقال:) أي لخدمه (ائتوني بالسكين أشقه) بفتح القاف المشددة على جواب الأمر، وفي
نسخة بالرفع. أي أنا أقطع الولد نصفين (بينكما) أي مقسومين. والمعنى أنه على فرض
أنكما لم تظهرا لي الصدق في أمره. ولعل الأخرى أيضاً كانت في أول الأمر متعلقة بالولد
متمسكة باليد ومع هذا لم يرد حقيقة التنصيف، وإنما صور لهما هذا التصوير توسلاً إلى ما
أراد به من ظهور أمارة التأليف. (فقالت الصغرى: لا تفعل) أي الشق (يرحمك الله) أي كما
أوقعني في الرحمة على ولدي (هو ابنها) أي رضيت بأنه يكون ابنها وهو حي، ولا أرضى
بالشق المفضي إلى موته. (فقضى به للصغرى) أي لوجود قرينة الشفقة والرحمة فيها وتحقق
القساوة واليبوسة والغفلة، بل دلالة العداوة في الأخرى. قال شارح: واعلم أن قضاءهما حق
لكونهما مجتهدين، ومستند قضائهما في هذه القضية هي القرينة. لكن القرينة التي قضى بها
سليمان أقوى من حيث الظاهر. وقيل: يحتمل أن قرائن الأحوال كانت في شرعهم بمثابة
البيئة، يعني ولو كانت إحداهما ذات اليد والله [تعالى] أعلم. وفي شرح مسلم النووي رحمه
الله قالوا: يحتمل أن داود عليه [الصلاة] والسلام قضى به للكبرى لشبه رآه فيهما، أو لكونه
كان في يدها. وأما سليمان فتوصل بطريق من الحيلة والملاطفة إلى معرفة باطن القضية،
وإنما أراد اختبار شفقتهما ليتميز له الأمر لا القطع حقيقة. فلما تميز حكم للصغرى بإقرار
الكبرى لا بمجرد الشفقة. قلت: الإقرار لا دلالة للعبارة عليه ولا طريق للإشارة إليه. قال:
وقال العلماء: ومثله ما يفعله الحكام ليتوصلوا به إلى حقيقة الصواب. قلت: وقد حقق ابن
القيم الجوزي هذا المبحث في كتاب الفراسة في السياسة. قال النووي [رحمه الله]: فإن
قيل: كيف نقض سليمان حكم أبيه داود عليه [الصلاة] والسلام، فالجواب من وجوه،
أحدها: أن داود لم يكن جزم بالحكم. وثانيها: أن يكون ذلك فتوى من داود لا حكماً.
وثالثها: لعله كان في شرعهم فسخ الحكم إذا رفعه الخصم إلى حاكم آخر يرى خلافه.
قلت: وفي كل منها نظر ظاهر. فالوجه أن القرينة الأقوى كانت عندهما بالاعتبار هو
الأولى. وأما لو صح إقرار الكبرى بأنه للصغرى فلا إشكال بكل حال، لأن الاقرار بعد
الحكم معتبر في شرعنا أيضاً، كما إذا اعترف المحكوم عليه بعد الحكم بأن الحق لخصمه
والله [تعالى] أعلم. (متفق عليه).
٥٧٢٠ - (وعنه) أي عن أبي هريرة (قال: قال رسول الله وَله: قال سليمان: لأطوفن)
الطواف هنا كناية عن الجماع. والمعنى: [والله] لأدورن. (الليلة) أي الآتية (على تسعين
٦ ٠٥٩٧
ا عود
الحديث رقم ٥٧٢٠: أخرجه البخاري ٤٥٤/٦. حديث رقم ٢٨١٩. ومسلم ١٢٧٦/٣ حديث رقم (٢٥/
١٦٥٤). والترمذي ٩٢/٤ حديث رقم ١٥٣٢. والنسائي ٢٥/٧ حديث رقم ٣٨٣١.
١٥١٢٠

٣٩٨
كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق/ باب بدء الخلق وذكر الأنبياء
امرأةٌ - وفي رواية: بمائةِ امرأةٍ - كلهنَّ تأتي بفارس يُجاهدُ في سبيل الله. فقال له الملكُ:
قُلْ إِن شاء اللَّهُ. فلم يقلْ ونسيَ، فطافَ عليهِنَّ، فلم تحملْ منهنَّ إِلا امرأةٌ واحدةٌ جاءتْ
بشقُ رجلٍ، وآيم الذي نفْسُ محمَّدٍ بيدِه، لو قال: إِنْ شاء الله، لجاهدوا في سبيلِ الله
فرساناً أجمعون)». متفق عليه.
٥٧٢١ - (٢٤) وعنه، أنَّ رسولَ الله وَّهِ قال: «كانَ زكريَّاءُ
امرأة. وفي رواية: بمائة امرأة) قال الحافظ العسقلاني: فيه روايات ستون وسبعون، وتسعون،
وتسع وتسعون، والجمع أن الستين كن حرائر وما زاد كن سرائر أو بالعكس. وأما السبعون
فللمبالغة، وأما التسعون والمائة وفوق التسعين فمن قال تسعون ألغى الكسر ومن قال مائة أتى
بالجبر. (كلهن) أي كل واحدة. (تأتي بفارس يجاهد في سبيل الله) وهذه نية حسنة إلا أنها غير مبنية
على المشيئة. (فقال له الملك:) أي الموكل على يمينه أو جبريل أو غيرهما، أو المراد به إبهامه أو
إلهامه. (قل: إن شاء الله. فلم يقل) أي اكتفاء بما في الجنان عن البیان باللسان (ونسي) کعلم،
وروي بضم النون وتشديد السين وهو أحسن. أي حصل له النسيان بأن الجمع بين القلب واللسان
أكمل عند أرباب الجمع وأصحاب العرفان، أو أراد أن يقول: ونسي. (فطاف عليهن فلم تحمل
منهن) أي لم تحبل (إلا امرأة واحدة جاءت بشق رجل) أي بنصفه أو بعضه حیث عدل عن شق
الصواب وصوب الكمال. (وأيم الذي نفس محمد بيده) تقدم الكلام على أيم لفظاً ومعنى. وقال
التوربشتي [رحمه الله]: هنا الأصل في أيم الله أيمن الله، حذف منه النون وهو اسم وضع للقسم
هكذا بضم الميم والنون وألفه ألف وصل عند أكثر النحويين. ولم تجىء في الأسماء ألف الوصل
مفتوحة غيرها. وتقديره أيمن الله قسمي، وإذا حذف عنه النون. قيل: أيم الله وأيم الله بكسر الهمزة
أيضاً. (لو قال: إن شاء الله لجاهدوا) أي لوجدوا وولدوا وكبروا وقاتلوا الكفار. (في سبيل الله) أي
طریق رضاه (فرساناً) حال من ضمير جاهدوا (أجمعون) تأكيد للضمير. ومنهم من يرويه أجمعين
على الحال. والرواية المعتد بها أجمعون بالرفع. قيل: والحديث يدل على أن من أراد أن يعمل
عملاً يستحب أن يقول عقيب قوله: إني أعمل كذا إن شاء الله تعالى. تبركاً وتيمناً وتسهيلاً لذلك
العمل. وقد قال تعالى: ﴿ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غداً إلا أن يشاء الله ﴾ [الكهف - ٢٣ -
٢٤]. (متفق عليه.) ولفظ الجامع: قال سليمان بن داود: لأطوفن الليلة على مائة امرأة كلهن تأتي
بفارس يجاهد في سبيل الله. فقال له صاحبه: قل: إن شاء الله. فلم يقل إن شاء الله. فطاف عليهن
فلم تحمل منهن إلا امرأة واحدة جاءت بشق إنسان. والذي نفس محمد بيده لو قال: إن شاء الله .
لم يحنث وكان دركاً لحاجته. رواه أحمد والشيخان والنسائي عن أبي هريرة (١).
١٠٠٠٠
/١/١١٣/١
٥٧٢١ - (وعنه) أي عن أبي هريرة رضي الله عنه (أن رسول الله (وَ ر قال: كان زكريا)
رجب ..
(١) الجامع الصغير ٣٧٨/٢. حديث رقم ٦٠٨٥.
الحديث رقم ٥٧٢١: أخرجه مسلم ١٨٤٧/٤ حديث (٢٣٧٩/١٦٩). وابن ماجه ٧٢٧/٢ حديث رقم
٢١٥٠. وأحمد في المسند ٢٩٦/٢.
155*5* *
:١٢

انے .
،ہہ:
٣٩٩
كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق/ باب بدء الخلق وذكر الأنبياء
نجّاراً)). رواه مسلم.
٥٧٢٢ - (٢٥) وعنه، قال: قال رسولُ اللهِ وَلّر: ((أنا أولى الناسِ بعيسى ابن مريمَ في
الأولى والآخرةِ، الأنبياءُ أُخوَةٌ من علاَّتٍ، وأُمَّهاتُهم شئَى،
بالقصر ويروى مده (نجاراً) أي ينجر الخشبة وينحتها ويأكل من كسب يده. وفيه وفيما قبله من
حديث داود عليه [الصلاة] والسلام، دلالة على أن الكسب من سنة الأنبياء، وهو لا ينافي
التوكل بترك مراعاة الأسباب في الأشياء، كما فعله بعض الأنبياء وجماعة من أصفياء الأولياء،
على خلاف في كون أيهما أفضل عند العلماء. وتحقيقه في كتاب الإحياء. (رواه مسلم) وكذا
أحمد وابن ماجه.
٥٧٢٢ - (وعنه) أي عن أبي هريرة (قال: قال رسول الله وَله: أنا أولى الناس) أي أقربهم
(بعيسى ابن مريم في الأولى والآخرة) أي في الدنيا والعقبى. قال الحافظ ابن حجر: أي أقربهم
إليه لأنه بشر بأن يأتي من بعده. ولا منافاة بينه وبين قوله تعالى: ﴿إن أولى الناس بإبراهيم
للذين اتبعوه وهذا النبي﴾ [آل عمران - ٦٨]. لأنه هو أولى الناس بإبراهيم من جهة الاقتداء،
وأولاهم بعيسى ابن مريم من جهة قرب العهد انتهى. لكن لا يخفى أن مجرد قرب العهد لا
يلائمه قوله: ﴿الأنبياء أخوة﴾ فالأولى ما قال القاضي [رحمه الله]: من أن الموجب لكونه
أولى الناس بعيسى عليه [الصلاة] والسلام أنه كان أقرب المرسلين إليه وأن دينه متصل بدينه،
وأن عيسى كان مبشراً به ممهداً لقواعد دينه داعياً للخلق إلى تصديقه. ثم قال: وهذه الجملة
استئناف، فيه دليل على الحكم السابق. كان سائلاً سأل عن المقتضي للأولوية فأجاب
النبي ◌ّله بذلك، وبين أن الأخوّة التي بين الأنبياء ليست بينهم وبين سائر الناس. جعل ذلك
كالنسب الذي هو أقرب الأسباب، ثم بقرب زمانه من زمانه واتصال دعوته بدعوته، كما
ستجيء الإشارة إليه والدلالة عليه بقوله: وليس بيننا نبي. فقوله: (من علات) بفتح فتشديد،
أي هم أخوة من أب واحد. فإن العلة الضرة، وبنو العلات أولاد الرجل من نسوة شتى.
فقوله: (وأمهاتهم شتى) أي متفرقة مختلفة، إما تأكيد أو تجريد. والمعنى: كما أن أولاد
العلات أمهاتهم مختلفة، فكذلك الأنبياء دينهم واحد وشرائعهم مختلفة. قال القاضي [رحمه
الله] وغيره من الشراح: العلة الضرة مأخوذة من العلل، وهو الشربة الثانية بعد الأولى، وكأن
الزوج عل منها بعدما كان ناهلاً من الأخرى، من النهل وهو الشرب الأول. وأولاد العلات
أولاد الضرات من رجل واحد. والمعنى: إن حاصل أمر النبوّة والغاية القصوى من البعثة التي
بعثوا جميعاً لأجلها دعوة الخلق إلى معرفة الحق وإرشادهم إلى ما به. ينتظم معاشهم ويحسن
معادهم، فهم متفقون في هذا الأصل وإن اختلفوا في تفاريع الشرع التي هي كالوصلة المؤدية
والأوعية الحافظة له. فعبر النبي وَلّر عما هو الأصل المشترك بين جميع الأنبياء بالأب ونسبهم
الحديث رقم ٥٧٢٢: أخرجه البخاري في صحيحه ٤٧٧/٦. حديث رقم ٣٤٤٣.٣٤٤٢. ومسلم ٤/
١٨٣٧ حدیث رقم (١٤٥ .٢٣٦٥).
wi -f".

٤٠٠
: مع م
كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق/ باب بدء الخلق وذكر الأنبياء
١٠٣٢/٧/
ودينُهم واحدٌ، وليسَ بينَنا نبيٌّ)). متفق عليه.
٥٧٢٣ - (٢٦) وعنه، قال: قال رسولُ الله وَله: ((كلُّ بني آدمَ يطعنُ الشيطانُ
إليه، وعبر عما يختلفون فيه من الأحكام والشرائع المتفاوتة بالصورة المتقاربة في الفرض.
يعني بحسب الأزمنة والمصالح المتعلقة بالأشخاص المختلفة طبعاً بالأمهات. وهو معنى قوله:
وأمهاتهم شتى. فإنهم وإن تباينت أعصارهم وتباعدت أيامهم، فالأصل الذي هو السبب في
إخراجهم وإبرازهم كلا في عصره أمره واحد. ولذا قال: (ودينهم واحد) وهو الدين الحق
الذي فطر الناس عليه مستعدين لقبوله متمكنين من الوقوف عليه والتمسك به. فعلى هذا المراد
بالأمهات، الأزمنة التي اشتملت عليهم وانكشفت عنهم. ولذا قال: (وليس بيننا) أي بيني وبين
عيسى. (نبي) إما مطلقاً أو محمول على نبي ذي شرع، أو على أولي العزم من الرسل. قال
ابن الملك [رحمه الله]: أي ليس بيني وبينه نبي، بل جئت بعده. كما قال: ﴿ومبشراً برسول
يأتي من بعدي اسمه أحمد﴾ [الصف - ٦]. قال: وبهذا بطل قول من قال: الحواريون كانوا
أنبياء بعد عيسى عليه [الصلاة] والسلام انتهى. وكأنه حمل النفي على الاطلاق. قال الطيبي
[رحمه الله]: قوله: الأنبياء إخوة من علات، كما مر استئناف على بيان الموجب لقوله وَلو: أنا
أولى الناس بعيسى ابن مريم في الأولى والآخرة. فينبغي أن ينزل البيان على المبين، يعني
الأنبياء كلهم متساوون فيما بعثوا لأجله من أصول التوحيد، وليس لأحد اختصاص منه. لكن
أنا أخص الناس بعيسى لأنه كان مبشراً بي قبل بعثتي وممهداً لقواعد ملتي، ثم في آخر الزمان
متابع شريعتي وناصر لديني فكانا واحد. والأولى والآخرة يحتمل أن يراد بهما الدنيا والآخرة،
وأن يراد بهما الحالة الأولى وهي كونه مبشراً، والحالة الآخرة وهي كونه ناصراً مقوياً لدينه.
فإن قلت: كيف التوفيق بين هذا الحديث. وبين قوله تعالى: ﴿إن أولى الناس بإبراهيم للذين
اتبعوه وهذا النبي﴾ [آل عمران - ٦٨]. أي إني أخصهم به وأقربهم فيه، قلت: الحديث وارد
في كونه و ﴿ متبوعاً والتنزيل في كونه تابعاً، له الفضل تابعاً ومتبوعاً. قال تعالى: ﴿ثم أوحينا
إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفاً﴾ [النحل - ١٢٣]. وقد مر تفسيره والله [تعالى] أعلم. (متفق
عليه.) ولفظ الجامع: أنا أولى الناس بعيسى ابن مريم في الدنيا والآخرة وليس بيني وبينه نبي.
والأنبياء أولاد علات وأمهاتهم شتى ودينهم واحد. رواه أحمد والشيخان وأبو داود(١). ولا
يخفى حسن نظم هذه الرواية المطابق لمراعاة ترتيب الدراية.
٥٧٢٣ - (وعنه) أي عن أبي هريرة رضي الله عنه (قال: قال رسول الله ويلشير: كل بني آدم)
فيه تغليب الذكور على الإناث أي كل أولاد آدم. (يطعن الشيطان) بفتح العين ويضم من طعنه
بالرمح، كمنعه ونصره طعناً ضربه وزجره على ما في القاموس. والمراد هنا المس لما في
(١) الجامع الصغير ١ / ١٦٢ حديث رقم ٢٧٠٦.
الحديث رقم ٥٧٢٣: أخرجه البخاري ٣٢٧/٦. حديث رقم ٣٢٨٦ ومسلم ١٨٣٨/٤ حديث رقم (١٤٧.
٢٣٦٦).
٣٨٠١