Indexed OCR Text
Pages 361-380
جه: ٣٦١ كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق/ باب خلق الجنة والنار الجِبريلَ: اذهب فانظرْ إِليها، فذهبَ فنظرَ إِليها وإلى ما أعدَّ اللَّهُ لأهلِها فيها، ثمَّ جاءَ فقال: ((أيْ ربِّ! وعزَّتكَ لا يسمعُ بها أحدٌ إِلاَّ دخلَها، ثمَّ حفَّها بالمكارِهِ، ثمَّ قال: يا جبريلُ! اذهبْ فانظرْ إِليها، فذهبَ فنظرَ إِليها، ثمَّ جاءَ فقال: أيْ ربِّ! وعزَّتَكَ لقدْ خَشيتُ أن لا يدخُلها أحدٌ)) قال: ((فلمَّا خلقَ اللَّهُ النارَ قال: يا جبريلُ! اذهب فانظرْ إِليها» قال: ((فذهبَ فنظرَ إِليها، ثمَّ جاءَ فقال: أيْ ربِّ! وعزَّتَكَ لا يسمعُ بها أحدٌ فيدخلُها، فحفّها بالشهَواتِ، ثمّ قال: يا جبريلُ! اذهب فانظرْ إِليها، فذهبَ فنظرَ إِليها، فقال: أيْ ربِّ! وعزَّتكَ لقد خشِيتُ أنْ لا يبقى أحدٌ إِلاَّ دخلَها)). لجبريل: اذهب فانظر إليها.) أي نظر اعتبار (فذهب فنظر إليها وإلى ما أعد الله لأهلها فيها) أي ما أعد الله [لعباده] الصالحين، ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر (ثم جاء) أي رجع إلى موضعه، أو إلى حيث ما أمر به، أو إلى تحت العرش. (فقال: أي رب) أي يا رب (وعزتك لا يسمع بها أحد) أي ويحب دخولها * فالأذن تعشق قبل العين أحياناً * (إلا دخلها) أي طمع في دخولها وجاهد في حصولها ولا يهتم إلا بشأنها لحضورها ولحسنها وبهجتها. (ثم حفها) أي أحاطها الله (بالمكاره) جمع مكره، وهي المشقة والشدة على غير قياس. والمراد بها التكاليف الشرعية التي هي مكروهة على النفوس الإنسانية. وهذا يدل على أن المعاني لها صور حسية في تلك المباني. (ثم قال: يا جبريل اذهب فانظر إليها) أي ثانياً لما تجدد من الزيادة عليها باعتبار حواليها (قال:) أي النبي ◌َّلتر، وفي أكثر الأصول بدون قال. (فذهب فنظر [إليها])(١) أي ورأى ما عليها (ثم جاء فقال: أي رب وعزتك لقد خشيت أن لا يدخلها أحد) أي لما رأى حولها من الموانع التي هي العلائق والعوائق للخلائق. قال الطيبي [رحمه الله]: أي لوجود المكاره من التكاليف الشاقة ومخالفة النفس وكسر الشهوات. (قال: فلما خلق الله النار قال: يا جبريل اذهب فانظر إليها. قال: فذهب فنظر إليها ثم جاء فقال: أي رب وعزتك لا يسمع بها أحد فيدخلها) أي لا يسمع بها أحد إلا فزع منها واحترز فلا يدخلها (فحفها بالشهوات. ثم قال: يا جبريل اذهب فانظر إليها. قال: فذهب) وهو موجود هنا في أكثر النسخ المصححة. (فنظر إليها فقال: أي رب وعزتك لقد خشيت أن لا يبقى أحد إلاّ دخلها) أي لميلان النفس إلى الشهوات وحب اللذات وكسلها عن الطاعات والعبادات. فهذا الحديث تفسير للحديث الصحيح السابق: حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات. وفي معناه ما في الجامع الكبير للسيوطي: إن الله بنى مكة على المكروهات والدرجات. ونعم ما قال بعض أرباب الحال: لولا المشقة ساد الناس كلهم الجود يفقد والإقدام قتال (١) في المخطوطة ((حواليها)). ٣٦٢ كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق/ باب خلق الجنة والنار رواه الترمذيّ، وأبو داود، والنسائي. الفصل الثالث ٥٦٩٧ - (٤) عن أنس، أنَّ رسولَ اللهِ وََّ صلّى لنا يوماً الصلاةَ، ثمَّ رَقِيَ المنبرَ، فأشارَ بِيدِه قِبَلَ قبلةِ المسجدِ، فقال: ((قدْ أريتُ الآن مذْ صلَّيتُ لكم الصلاةَ الجنةَ والنارَ ممثّلتينٍ في قبلِ هذا الجدارِ، فلم أرَ كاليومٍ في الخيرِ والشرّ». رواه البخاريُّ. (رواه الترمذي وأبو داود والنسائي). (الفصل الثالث) ٥٦٩٧ _ (عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله وَ ﴿ صلى) أي إماماً أو جماعة (لنا يوماً الصلاة) اللام للعهد الذهني الذي هو في المعنى كالنكرة. (ثم رقي) بكسر القاف أي صعد (المنبر فأشار بيده قبل قبلة المسجد) بكسر القاف وفتح الموحدة أي إلى جانبها وجهتها (فقال: قد أريت) بصيغة المجهول من الإِراءة أي أبصرت (الآن) أي في هذا الزمن القريب من الماضي، والاستقبال المعبر عنه بالحال مع مراعاة التوسعة باعتبار المآل. ولذا قال: (مذ صليت لكم الصلاة) أي حين صليت، أو من ابتداء زمان ما صليت لكم الصلاة إلى أن رقيت المنبر. (الجنة والنار ممثلتين) بتشديد المثلثة، أي مصورتين صورة إجمالية أو تفصيلية. (في قبل هذا الجدار) بكسر القاف وفتح الباء، وفي نسخة بضمهما. أي في مقابلته. ففي القاموس: القبل بالضم بضمتين نقيض الدبر. ورأيته قبلاً محركة وبضمتين وكصرد وكعنب أي عياناً ومقابلة. قال الكرماني: فإن قلت الآن للحال وأريت للماضي فكيف يجتمعان. قلت: قد تقربه للحال، فإن قلت: فما قولك في صليت فإنه للمضي البتة. قلت: كل مخبر أو منشىء يقصد الزمان الحاضر لا اللحظة الحاضرة الغير المنقسمة المسماة بالحال انتهى. والمعنى أن الحال في كل مقام بحسب ما يناسبه المقام في تحصيل المرام. (فلم أر كاليوم في الخير والشر) أي لم أر مرئياً كمرئي اليوم في الخير، ولا مرئياً كمرئي اليوم في الشر. فإن الجنة جامعة للخيرات من الحور والقصور، والنار حائزة لأنواع الشرور من الويل والثبور، فلا نظير لهما في جمع الخير والشر. قال الطيبي [رحمه الله]: الكاف في موضع الحال، وذو الحال هو المفعول وهو الجنة والنار لشهادة السابق. والمعنى: لم أر الجنة والنار في الخير والشر يوماً من الايام مثل ما رأيت اليوم، أي رأيتهما رؤية جلية ظاهرة مثلتا في قبل هذا الجدار ظاهراً خيرها وشرها. (رواه البخاري). ورواه مسلم عن أنس أيضاً: عرض عليّ الجنة والنار آنفاً في عرض هذا الحائط. فلم أر كاليوم في الخير والشر. ولو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً(١). / ٢٫٠٠٠ الحديث رقم ٥٦٩٧: أخرجه البخاري ٥١٥/١ حديث رقم ٤١٩. (١) أخرجه مسلم في صحيحه ١٨٣٢/٤ حديث رقم ٢٣٥٩. ٣٦٣ كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق/ باب بدء الخلق وذكر الأنبياء (٩) باب بدء الخلق وذكر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام الفصل الأول ٥٦٩٨ - (١) عنِ عِمْرانَ بنِ حُصَينٍ، قال: إِني كنتُ عندَ رسولِ الله وَلَهَ إِذ جاءَّهُ قومٌ مِنْ بَني تميم، فقال: ((اقبَلوا البُشرى يا بني تميم!)) قالوا: بشّرتَنا فأعطِنا، (باب بدء الخلق وذكر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام) البدء بفتح الموحدة فتسكين الدال فالهمزة بمعنى الابتداء، وينبغي أن لا يكتب بالواو حتى لا يشتبه ضبطه بضمتين فواو ساكنة فهمز، أو بواو مشددة بلا همز. فإن معناهما الظهور على ما حققته في رسالتي التي علقتها على أول كتاب البخاري مما يتعلق بباب، كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله وَل﴿ منتهياً إليّ، وقول الله تبارك وتعظم من إتيان الإعراب على وجه الخلو عن الإغراب. نعم لو رسم بالياء له وجه وجيه. (الفصل الأول) ٥٦٩٨ - (عن عمران بن حصين قال: إني كنت عند رسول الله وَلقر إذ جاءه قوم) أي وقت مجيئهم (من بني تميم) قبيلة عظيمة مشهورة (فقال: اقبلوا) بفتح الموحدة أي تقبلوا مني (البشرى) بضم الموحدة، أي البشارة المطلقة أو المعهودة. (يا بني تميم) وهو لما لم يفهموا الإِشارة بالبشارة [ولم] يعرفوا طريق استقبالها بالقبول المرتب عليه حصول كل وصول. (قالوا: بشرتنا فأعطنا) فحملوا البشارة على الإحسان العرفي، فطلبوا ما يترتب عليه من العطاء الحسي. وهذا بمقتضى ما غلب عليهم من [حب] الدنيا العاجلة وغفلتهم عن المراتب الآجلة. فكل إناء يترشح بما فيه وينبي عن ذلك البناء معانيه. وقد علم كل أناس مشربهم وكل حزب بما لديهم فرحون منهجهم ومذهبهم. وقال الطيبي [رحمه الله]: أي اقبلوا مني ما يقتضي أن تبشروا بالجنة من التفقه في الدين والعمل به، ولما لم يكن جل اهتمامهم إلا بشأن الدنيا والاستعطاء دون دينهم قالوا: بشرتنا للتفقه وإنما جئنا للاستعطاء فأعطنا. ومن ثم قال رسول الله والتر: إذا لم يقبلها بنو تميم. وقال العسقلاني: بشرتنا، هو دال على إسلامهم، وإنما راموا العاجل وغفلوا عن الآجل. وسبب غضبه ول9 ونفيه قبولهم البشرى، إشعاره بقلة علمهم وضعف قابليتهم لكونهم علقوا آمالهم بعاجل الدنيا الفانية، وقدموا ذلك على التفقه في الدين الموصل الحديث رقم ٥٦٩٨: أخرجه البخاري ٢٨٦/٦. حديث رقم ٣١٩٠. وأخرجه الترمذي ٦٨٨/٥ حديث رقم ٣٩٥١ وأخرجه أحمد فى المسند ٤٢٦/٤. ٣٦٤ ١٧,٠٠ كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق/ باب بدء الخلق وذكر الأنبياء فدخلَ ناسٌ منْ أهلِ اليمنِ، فقال: ((اقبلوا البُشرى يا أهلَ اليمنِ! إِذ لم يقبلها بنو تميم)). قالوا: قبلنا، جئناكَ لنتفقَّهَ في الدينِ، ولنسألكَ عن أولِ هذا الأمرِ ما كانَ؟ قال: ((كانَ اللَّهُ ولم يكن شيءٌ قبلَه، إلى ثواب الآخرة الباقية. وكان الواجب عليهم اهتمامهم بالسؤال عن حقائق كلمة التوحيد والمبدأ والمعاد والاعتناء بضبطها والسؤال عن واجباتها والموصلات إليها. (فدخل ناس من أهل اليمن فقال: اقبلوا البشرى يا أهل اليمن إذ لم يقبلها بنو تميم. قالوا: قبلنا جئناك لنتفقه في الدين) أي عملاً بقوله تعالى: ﴿فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون﴾ [التوبة - ١٢٢]. ولما كان نيتهم الصالحة خالصة للتفقه في الدين لا للطمع في الدنيا، حصل لهم البشارة والقبول والعلم والعمل والوصول، وحرم الأولون عن البشارة بل وعن العطاء في الحقارة، ووقعوا في حضيض النذارة. فالهمة العالية هي الموصلة إلى المرتبة الغالية، كما قدمناه في الحكاية المروية عن الشيخ أبي العباس المرسي: أنه خرج من المدينة المطهرة على قصد زيارة تربة الأمين حمزة المنورة، وتبعه رجل ففتح لهما باب المقبرة على خرق العادة. ودخل الشيخ في محل الزيارة فرأى جماعة من رجال الغيب بريئة من النقصان والعيب. فعرف أنه ساعة الإجابة فطلب من الله العفو والعافية والمعافاة في الدنيا والآخرة. ثم قال للرجل الذي تبعه ملتفتاً إليه، رحمة وشفقة عليه: يا أخي اطلب من الله تعالى ما تريد فإن الآن وقت الإجابة والمزيد. فسأل الله تعالى ديناراً ولم يذكر جنةً ولا ناراً فرجعا. ولما وصلا باب المدينة أعطى الرجل ديناراً أحد من أهل السكينة فدخلا كلاهما على القطب الولي السيد أبي الحسن الشاذلي، وقد كشف له القضية. فقال للرجل: أيا دني الهمة تدرك وقت الإجابة وتطلب قطعة دينار دنية فهلا طلبت كأبي العباس العفو والعافية ليكونا لأمر دينك ودنياك كافية ووافية. ثم ما أحسن طريق سؤالهم من الابتداء في أول حالهم الدال على كمال مآلهم حيث قالوا: (ولنسألك) أي وجئناك لنسألك (عن أول هذا الأمر) أي أمر الخلق ومبدأ العالم. (ما كان) أي أي شيء كان أول هذا. قال الطيبي [رحمه الله]: ما في ما كان استفهامية، أي أي شيء كان أول الأمر، وكرر السؤال لمزيد الاهتمام بالأمر. (قال: كان الله) أي في أزل الآزال كما هو كائن إلى أبد الآباد بلا وصف التغير والحدوث على ما هو نعت العباد، فإن ما ثبت قدمه استحال عدمه. (ولم يكن شيء قبله) أي لأنه خالق كل شيء وموجده فلا يتصور وجود موجود ممكن قبل الموجد الواجب الوجود. وحاصله أنه تعالى الأول الذي هو قبل كل شيء ولا شيء قبله، فکرر الجواب على طريق السؤال مطابقة في الاهتمام بالحال. وخلاصته أنه أول قديم بلا ابتداء، كما أنه آخر كريم بلا انتهاء. قال الطيبي [رحمه الله] قوله: ولم يكن شيء قبله، حال. وعلى مذهب الكوفي خبر. والمعنى يساعده، إذ التقدير كان الله في الأزل منفرداً موحداً، وهو مذهب الأخفش فإنه جوز دخول الواو في خبر كان وأخواتها نحو، كان زيد وأبوه قائم على جعل الجملة خبراً مع الواو وتشبيهاً للخبر بالحال. أقول ولما كان السؤال عن الأول فبين لهم الأولية الأزلية، ونفى لغيره القبلية، ولم يتعرض لمعنى المعية. ولهذا وقع في عبارة السادة الصوفية: كان الله ولم يكن معه شيء. ثم قالوا: والآن على ما عليه كان. لأن وجود الشيء الممكن في جنب وجود الواجب ٣٦٥ كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق/ باب بدء الخلق وذكر الأنبياء وكانَ عرشُه على الماءِ، ثمَّ خلقَ السَماواتِ والأرضَ، وكتَبَ في الذكرِ كلَّ شيءٍ)» ثمَّ أتاني رجلٌ فقال: يا عمرانُ! أذْرِكْ ناقتَكَ فقد ذهبتْ، فانطلقتُ أطلبُها، وأيمُ اللَّهِ لوَدِدْتُ أنَّها قدْ ذهبتْ ولم أقُم. رواه البخاري. كلا شيء. ولذا قال بعضهم: ليس في الدار غيره ديار. وقال آخر: سوى الله والله ما في الوجود، أو لأن الأشياء إنما هي مظاهر صفاته ومرامي ذاته. فقد روي: كنت كنزاً مخفياً فأحببت أن أعرف فخلقت الخلق لأعرف. وفي قوله تعالى: ﴿ما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ﴾ [الذاريات - ٥٦]. إشارة إلى ذلك على تفسير حبر الأمة، أي ليعرفون. قال التوربشتي [رحمه الله]: هذا فصل مستقل بنفسه لا امتزاج له بالفصل الثاني، وهو قوله: (وكان عرشه على الماء ثم خلق السموات والأرض) لما بين الفصلين من المنافاة، فإنك إذا جعلت: وكان عرشه على الماء من تمام القول الأول فقد ناقضت الأول بالثاني، لأن القديم من لم يسبقه شيء ولم يعارضه في الأولية. وقد أشار بقوله: وكان عرشه على الماء إلى أنهما كانا مبدأ التكوين وأنهما كانا مخلوقين قبل السموات والأرض، ولم يكن تحت العرش قبل السموات والأرض إلا الماء. وكيفما كان فالله سبحانه خالق ذلك كله وممسكه بقوته وقدرته انتهى كلامه. قال الطيبي [رحمه الله]: أراد الشيخ بما قاله إن المعطوف عليه مقيد بقوله: ولم يكن قبله شيء. ولو جعل المعطوف عليه غير مستقل لزم المحذور، فإذا جعل مستقلاً وعطف الثانية على الأولى فلا، فإذن لفظة كان في الموضعين بحسب حال مدخولهما. فالمراد بالأول الأزلية والقدم، وبالثاني الحدوث بعد العدم. والحاصل أن قوله: وكان عرشه على الماء، عطف على مجموع قوله: ((كان الله ولم يكن قبله شيء)). وأنه من باب الإخبار عن حصول الجملتين في الوجود وتفويض الترتيب إلى الذهن، فالواو بمنزلة ثم. قال العسقلاني: وليس المراد بالماء ماء البحر بل هو ما تحت العرش كما شاء الله. وقال ابن الملك: وكان عرشه على الماء، والماء على متن الريح، والريح قائمة بقدرة الله تعالى. وقيل: خلق العرش والماء قبل السموات والأرض ثم خلقهما من الماء بأن تجلى على الماء فتموج واضطرب وحصل له زبد فاجتمع في محل الكعبة الشريفة، ولذا سميت مكة أم القرى، ثم دحيت الأرض من تحتها، ثم ألقى الجبال عليها لئلا تميد، وأول الجبال أبو قبيس على بعض الأقوال، وطلع دخان من تموج الماء إلى جانب السماء، فخلقت السموات منها . ومجملة في سورة حم فصلت وتفصيله في كتب المفسرين وسير المؤرخين والله سبحانه [وتعالى] أعلم بالأولين والآخرين. (وكتب) أي أثبت جميع ما هو كائن (في الذكر كل شيء) أي في اللوح المحفوظ. قال الراوي: (ثم أتاني رجل فقال: يا عمران أدرك ناقتك) أي الحقها (فقد ذهبت) أي منفلتة (فانطلقت أطلبها) حال أو استئناف تعليل. (وأيم الله) بفتح همز وصل أو قطع وتحتية ساكنة وميم مضمومة مضافة إلى الجلالة، وهي كلمة بنفسها وليست جمعاً. قال شارح: أيم الله اسم موضوع للقسم عند سيبويه وهمزته للوصل، ولم يجىء في الأسماء ألف الوصل مفتوحة غيرها. وتقديره أيم الله قسمي، وعند الكوفيين هو محذوف أيمن جمع يمين وهمزته للقطع. (لوددت) أي لتمنيت (أنها) أي الناقة. (قد ذهبت) أي فقدت (ولم أقم) أي في طلبها المانع من سماع بقية كلام رسول الله وَلقر مع أهل اليمن. (رواه البخاري). ٠٠٠٧٧١٠٠ ٣٦٦ كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق / باب بدء الخلق وذكر الأنبياء ٥٦٩٩ - (٢) وعن عمَرَ رضي الله عنه، قال: قامَ فينا رسولُ اللهِ وَالتّ مقاماً، فأخبرنا عن بدءِ الخَلقِ حتى دخلَ أهلُ الجنَّةَ منازلَهم، وأهلُ النارِ منازلَهم، حفظَ ذلكَ مَن حفظَه، ونسيّه مَنْ نسیه. رواه البخاري. . جدم ٥٧٠٠ _ (٣) وعن أبي هريرةَ، قال: سمعتُ رسولَ اللهِ وَّه يقولُ: ((إِنَّ اللَّهَ تعالى كتبَ كتاباً قبلَ أن يخلقَ الخلقَ: إِنَّ رحمتي سبقَتْ غضبي؛ فهوَ مكتوبٌ عنده فوقَ العرش)). ٥٦٩٩ - (وعن عمر) رضي الله عنه (قال: قام فينا) أي خطيباً (رسول الله (وَلفي مقاماً) أي قياماً عظيماً. (فأخبرنا عن بدء الخلق حتى دخل أهل الجنة منازلهم وأهل النار منازلهم) أي فبين المبدأ والمعاد. وتوضيحه أنه وَ ﴿ بين أحوال الأمم كلهم إلى وقت دخول الجنة، وعين أحوال أمته مما يجري عليهم من الخير والشر إلى أن يدخل أهل الجنة منهم الجنة، وأهل النار النار. (حفظ ذلك من حفظه ونسيه من نسيه) قال الطيبي [رحمه الله]: حتى غاية أخبرنا، أي أخبرنا مبتدئاً من بدء الخلق حتى انتهى إلى دخول أهل الجنة الجنة، ووضع الماضي موضع المضارع مبالغة للتحقيق المستفاد من قول الصادق الأمين. وقال العسقلاني: أي أخبرنا عن المبدأ شيئاً بعد شيء إلى أن انتهى الإخبار عن حال الاستقرار في الجنة والنار. ودل ذلك على أنه أخبر في المجلس الواحد بجميع أحوال المخلوقات من المبدأ والمعاد والمعاش. وتيسير إيراد ذلك كله في مجلس واحد من خوارق العادة أمر عظيم. (رواه البخاري). afere ٥٧٠٠ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله وَ* يقول: إن الله كتب) أي أثبت أو أمر أن يكتب الملائكة (كتاباً) أي مكتوباً وهو اللوح، أو كتب كتابة مستقلة. (قبل أن يخلق الخلق: إن رحمتي) بكسر الهمزة وفتحها (سبقت غضبي) أي غلبت، كما في رواية: والمعنى غلبت الرحمة بالكثرة في متعلقها على الغضب. والحاصل أن إرادة الخير والنعمة والمثوبة منه سبحانه لعباده، أكثر من إرادة الشر والنقمة والعقوبة، لأن الرحمة عامة والغضب خاص، كما حقق في قوله: الرحمن الرحيم. حيث قيل: رحمة الرحمن عامة للمؤمن والكافر، بل لجميع الموجودات. ولذا لا يطلق الرحمن على غيره سبحانه. فإذا عرفت هذا فالكسر على الحكاية، ويكون لفظة إن من جملة المكتوب، والفتح على أنها بدل من كتاباً، وعلى كل فالمكتوب إنما هو هذه الجملة. ويؤيده قوله: (فهو مكتوب عنده فوق العرش) والمعنى أنه مكتوم عن سائر الخلائق مرفوع عن حيز الإدراك. وقيل: معناه أنه مثبت في علمه الحديث رقم ٥٦٩٩: أخرجه البخاري ٢٨٦/٦. حديث رقم ٣١٩٢. وأخرجه أبو داود ٤٤١/٤ حديث ٤٢٤٠ وأخرجه الترمذي ٤١٩/٤ حديث رقم ٢١٩١. وأخرجه أحمد في المسند ٣٨٥/٥. الحديث رقم ٥٧٠٠: أخرجه البخاري ٢٨٧/٦. حديث رقم ٣١٩٤. ومسلم ٢١٠٧/٤ حديث رقم (١٤ . ٢٧٥١) وأخرجه الترمذي ٥١٣/٥ حديث رقم ٣٥٤٣. وأخرجه ابن ماجه ١٤٣٥/٢ حديث ٤٢٩٥ وأخرجه أحمد في المسند ٤٦٦/٢. 107* ٣٦٧ كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق/ باب بدء الخلق وذكر الأنبياء سبحانه. وأما اللوح المحفوظ فقد يطلع على بعض معلوماته من أراد الله من ملائكته وأنبيائه وخلص أوليائه من أرباب الكشوف، لا سيما إسرافيل [عليه السلام] ، فإنه موكل عليه ويأخذ الأمور منه فيأمر جبريل وميكائيل وعزرائيل [عليهم الصلاة والسلام]. كلا بما هو من جنس عمله على ما ورد في بعض الأخبار والآثار. وأما على قول من فسر الكتاب هنا باللوح المحفوظ أو القضاء الإجمالي والتفصيلي فيتعين الكسر على الاستئناف، اللهم إلا أن تجعل هذه الجملة المستفادة من الحكمة الإجمالية زبدة ما في اللوح المحفوظ وعمدة ما فيه من أنواع الحظوظ. قال التوربشتي [رحمه الله]: يحتمل أن يكون المراد بالكتاب اللوح المحفوظ، ويكون معنى قوله: فهو مكتوب عنده. فعلم ذلك عنده. ويحتمل أن يراد منه القضاء الذي قضاه. وعلى الوجهين فإن قوله: فهو عنده فوق العرش. تنبيه على كينونته مكنوناً عن سائر الخلائق مرفوعاً عن حيز الإدراك، ولا تعلق لهذا القول بما يقع في النفوس من التصورات، تعالى عن صفات المحدثات. فإنه هو المباين عن جميع خلقه المتسلط على كل شيء بقهره وقدرته. وفي سبق الرحمة بيان أن قسط الخلق ههنا أكثر من قسطهم من الغضب، وأنها تنالهم من غير استحقاق. وأن الغضب لا ينالهم إلاّ باستحقاق. ألا يرى أنها تشمل الإنسان جنيناً ورضيعاً وفطيماً وناشئاً من غير أن يصدر منه طاعة استوجب بها ذلك، ولا يلحقه الغضب إلا بما يصدر عنه من المخالفات، ولا يزالون مختلفين إلاّ من رحم ربك. ولذلك خلقهم. فلله الحمد على ما ساق إلينا من النعم قبل استحقاقها. وقال النووي: غضب الله تعالى ورضاه يرجعان إلى اثابة المطيع وعقاب العاصي. والمراد بالسبق هنا والغلبة في أخرى كثرة الرحمة وشمولها. كما يقال: غلب على فلان الكرم والشجاعة، إذا كثرا منه. أقول: ولو أبقيا على حقيقتهما من غير ارادة المجاز جاز أيضاً، لأن رحمته تعالى سابقة على غضبه باعتبار التعلق (١) بالنسبة إلى كل أحد من مخلوقاته. فإن أول الرحمة نعمة الإيجاد ثم نعمة الإمداد، فلا يخلو عن النعمتين أحد من العباد. وكذا منحه سبحانه بالنسبة إلى محنة غالبة كثيرة شاملة لعموم الخلائق سواء من أطاعه أو عصاه في البلاد. قال الطيبي [رحمه الله]: يحتمل أن تكون أن مفتوحة بدلاً من كتاباً، ومكسورة حكاية لمضمون الكتاب، وهو على وزان قوله تعالى: ﴿کتب ربكم على نفسه الرحمة ﴾ [الأنعام - ٥٤]. أي أوجب وعداً أن يرحمهم قطعاً بخلاف ما يترتب عليه مقتضى الغضب. فإن الله تعالى غفور كريم يتجاوز عنه بفضله وأنشد: jM ٣١/٤٥٠١/١ سوبر وإني إذا أوعدته أو وعدته * لمخلف إيعادي ومنجز موعدي فالمراد بالسبق هنا القطع لوقوعها. قلت: لا بد وأن يخص بالمؤمنين ممن تعلق المشيئة بمغفرتهم وسبق الإرادة برحمتهم، وإلا فعذاب الكافر مقطوع الوقوع بل واجب الحصول لقوله تعالى: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به﴾ [النساء - ٤٨]. والتخلف في خبره غير جائز قطعاً. وقد (١) وقع تبديل في الكلام في المخطوطة. قصر ٣٦٨ كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق/ باب بدء الخلق وذكر الأنبياء متفق عليه . ٥٧٠١ - (٤) وعن عائشةَ، عن رسول الله وَلِّ، قال: ((خُلقتِ الملائكة من نورٍ، وخُلقَ الجانُّ منْ مارجٍ منْ نارٍ، وخُلقَ آدمُ ممَّا وُصفَ لكم)). رواه مسلم. ٥٧٠٢ - (٥) وعن أنس، أنَّ رسولَ الله وَّرِ قال: «لما صوَّرَ اللَّهُ آدَمَ في الجنةِ تركه حررت هذه المسألة فى خصوص رسالة سميتها: بالقول السديد فى خلف الوعيد. (متفق عليه). ٥٧٠١ - (وعن عائشة) رضي الله [تعالى] عنها (عن رسول الله وَلفي قال: خلقت الملائكة من نور وخلق الجان) أي جنسهم. قال النووي [رحمه الله]: الجان الجن، وقال شارح: يعني أبا الجن وهو المناسب لمقابلته بآدم، ثم قيل: المراد به إبليس. (من مارج) أي لهب مختلط بسواد دخان النار. قال تعالى: ﴿وخلق الجان من مارج من نار﴾ [الرحمن - ١٥]. وقال: ﴿والجان خلقناه من قبل من نار السموم﴾ [الحجر - ٢٧]. (وخلق آدم) بصيغة المجهول كما قبله (مما وصف لكم) على بناء المفعول، [أي] مما بينه الله لكم في قوله: ﴿خلقه من تراب ﴾ [آل عمران - ٥٩]. وقوله: ﴿خلق الإنسان من صلصال كالفخار﴾ [الرحمن - ١٤]. وقوله: ﴿ولقد خلقنا الإنسان من صلصال من حماً مسنون﴾ [الحجر - ٢٦]، وقوله: ﴿إني خالق بشراً من طين﴾ [ص - ٧١]، ولعل كثرة ما ورد في حقه مع اشتهارها أوجبت الإبهام في قوله: مما وصف لكم. (رواه مسلم.) وكذا أحمد. وروى الحكيم الترمذي وابن عدي في الكامل بسند حسن عن أبي هريرة مرفوعاً: ((خلق الله آدم من تراب الجابية وعجنه بماء الجنة))(١). والجابية على ما في القاموس. قرية بدمشق، وباب الجابية من أبوابها. وروى ابن عساكر عن أبي سعيد مرفوعاً: ((خلقت النخلة والرمان والعنب من فضل طينة آدم))(٢). وروى الطبراني عن أبي أمامة مرفوعاً: ((خلق الحور العين من الزعفران)). وروى الحكيم [الترمذي] وابن أبي الدنيا في مكايد الشيطان، وأبو الشيخ في العظمة وابن مردويه عن أبي الدرداء رفعه: ((خلق الله عزّ وجلَّ الجن ثلاثة أصناف: صنف حيات وعقارب وخشاش الأرض وصنف كالريح في الهواء، وصنف عليهم الحساب والعقاب. وخلق الله الإنس ثلاثة أصناف، صنف كالبهائم، وصنف أجسادهم أجساد بني آدم وأرواحهم أرواح الشياطين، وصنف في ظل الله يوم لا ظل إلا ظله)). وفي قوله: وصنف عليهم الحساب والعقاب. إيماء إلى قول أبي حنيفة وتوقفه في حق الجن بالثواب والله [تعالى] أعلم بالصواب. ٥٧٠٢ - (وعن أنس رضي الله عنه أن رسول الله وَّفي قال: لما صور الله آدم في الجنة تركه الحديث رقم ٥٧٠١: أخرجه ٢٢٩٤/٤ حديث رقم (٢٩٩٦.٦٠) وأحمد في المسند ١٦٨/٦. (١) ابن عدي ٢٧٨/١. (٢) ذكره السيوطي في الجامع الصغير ٢/ ٢٤٠ حديث رقم ٣٩٣٧. الحديث رقم ٥٧٠٢: أخرجه مسلم ٢٠١٦/٤ حديث رقم (٢٦١١/١١١). وأحمد فى المسند ٢٢٩/٣. ٣٦٩ كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق/ باب بدء الخلق وذكر الأنبياء ما شاءَ أن يترُكه، فجعلَ إِبليسُ يطيفُ بهِ ينظرُ ما هوَ، فلمَّا رآهُ أجوَفَ عرفَ أنه خلقَ خلقاً لا يتمالَكُ)). رواه مسلم. ما شاء الله أن يتركه) أي في الجنة. قال التوربشتي [رحمه الله]: أرى هذا الحديث مشكلاً جداً. فقد ثبت بالكتاب والسنة أن آدم خلق من أجزاء الأرض، وقد دل على أنه أدخل الجنة وهو بشر حي. ويؤيده المفهوم من نص الكتاب: ﴿وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة ﴾ [البقرة - ٣٥]. وقال شارح: قيل: يحتمل أن تكون الكلمتان، أعني في الجنة سهواً من بعض الرواة أخطأ سمعه فيهما. قال القاضي [رحمه الله]: الأخبار متظاهرة على أنه تعالى خلق آدم من تراب قبض من وجه الأرض وخمره حتى صار طيناً، ثم تركه حتى صار صلصالاً، وكان ملقى بين مكة والطائف ببطن نعمان وهو من أودية عرفات. ولكن ذلك لا ينافي تصويره في الجنة، لجواز أن تكون طينته لما خمرت في الأرض وتركت فيها حتى مضت عليها الأطوار واستعدت لقبول الصورة الإنسانية، حملت إلى الجنة وصورت ونفخ فيها الروح. وقوله تعالى: ﴿يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة﴾. لا دلالة له أصلاً على أنه أدخل الجنة بعد ما نفخ [فيه] الروح، إذ المراد بالسكون الاستقرار والتمكن. والأمر به لا يجب أن يكون قبل الحصول في الجنة، كيف وقد تظاهرت الروايات على أن حوّاء خلقت من آدم في الجنة وهي أحد المأمورين، ولعل آدم عليه الصلاة والسلام لما كانت مادته التي هي البدن من العالم السفلي وصورته التي بها يتميز عن سائر الحيوانات ويضاهي بها الملائكة من العالم العلوي، أضاف الرسول وه تكوّن مادته إلى الأرض لأنها نشأت منها. وأضاف حصول صورته إلى الجنة لأنها وقعت فيها. (فجعل إبليس) أي فشرع من كمال تلبيسه. (يطيف به) بضم حرف المضارعة . قال النووي [رحمه الله] تعالى: طاف بالشيء يطوف طوفاً وطوافاً وأطاف به يطيف إذا استدار حوله. (ينظر ما هو) استئناف بيان أو حال، أي يتفكر فى عاقبة أمره ويتأمل ماذا يظهر منه. (فلما رآه أجوف) وهو من له جوف. (عرف أنه خلق خلقاً لا يتمالك) أي لا يتقوى بعضه ببعض، ولا قوة له ولا ثبات، بل يكون متزلزل الأمر متغير الحال متعرضاً للآفات والتمالك التماسك. وقيل: المعنى لا يقدر على ضبط نفسه من المنع عن الشهوات. وقيل: لا يملك دفع الوسواس عنه. وقيل: لا يملك نفسه عند الغضب. وقال النووي [رحمه الله]: الأجوف في صفة الإِنسان، مقابل للصمد في صفة الباري. قيل: السيد سمي بالصمد لأنه يصمد إليه في الحوائج ويقصد إليه في الرغائب، من صمدت الأمر إذا قصدته. وقيل: إنه المنزه عن أن يكون بصدد الحاجة، أو في معرض الآفة، مأخوذ من الصمد بمعنى المصمد وهو الذي لا جوف له. فالإنسان مفتقر إلى الغير بقضاء حوائجه وإلى الطعام والشراب ليملأ جوفه، فإذن لا تماسك له في شيء ظاهراً وباطناً. أقول: ولعل جنس الجن ليسوا على صفة الأجوفية ليتم الاستدلال بالهيئة المخصوصة الإنسانية. (رواه مسلم). ٠٠٠ / ٥٤١:٦ ١٢٢٢ كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق/ باب بدء الخلق وذكر الأنبياء ٣٧٠ ٥٧٠٣ - (٦) وعن أبي هريرة، قال: قال رسولُ الله وَّهِ: ((اختتنَ إِبراهيمُ النبيُّ وهو ابنُ ثمانينَ سنةً بِالقَدُومِ)). متفق عليه. ٥٧٠٤ _ (٧) وعنه، قال: قال رسولُ الله ◌َّهِ: ((لمْ يكذِبْ إِبراهيمُ إِلاَّ ثلاثَ كَذبَاتٍ: ٥٧٠٣ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَطاهر: اختتن إبراهيم النبي) أي نفسه عليه الصلاة والسلام بأمر الملك العلام حيث قال تعالى: ﴿وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن﴾ [البقرة - ١٢٤]. (وهو) أي والحال أنه. (ابن ثمانين سنة) وفي الموطأ: ابن مائة وعشرين سنة. قيل: والأول هو الصحيح، كذا ذكره الأكمل في شرح المشارق. (بالقدوم) بفتح القاف وضم الدال المخففة، وفي نسخة تشديدها. قال صاحب القاموس: القدوم آلة للنجر وموضع اختتن به إبراهيم عليه الصلاة والسلام، وقد تشدد داله. وقال الطيبي [رحمه الله]: القدوم بالتخفيف آلة النجار معروفة وبالتشديد اسم موضع. وقيل: هو بالتخفيف أيضاً، هكذا في جامع الأصول، وفي كتاب الحميدي. قال البخاري [رحمه الله]: قال أبو الزناد وهو راوي الحديث: اختتن إبراهيم بالقدوم، مخففة. قال التوربشتي [رحمه الله]: ومن المحدثين من يشدد وهو خطأ. قال النووي [رحمه الله]: القدوم وقع في رواية البخاري الخلاف في التشديد والتخفيف، ويقال لآلة النجار قدوم بالتخفيف لا غير. وأما القدوم مكان بالشام ففيه التخفيف والتشديد، فمن رواه بالتشديد أراد القرية. ورواية التخفيف يحتمل القرية والآلة، والأكثرون على التخفيف. (متفق عليه.) ورواه أحمد. ٥٧٠٤ - (وعنه) أي عن أبي هريرة رضي الله عنه (قال: قال رسول الله وَلتر: لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات) بفتح الذال وفي نسخة بكسرها قال ميرك نقلاً عن الشيخ: هو اسم لا صفة، لأنك تقول كذب كذبة، كما تقول ركع ركعة، ولو كان صفة لسكن في الجمع. وقال أبو البقاء: الجيد أن يقال بفتح الذال في الجمع. أقول: ولعل وجهه أن المصدر جاء بالفتح والكسر على ما يفهم من القاموس. لكن لما كان الفتح مخصوصاً بالمعنى الاسمي بخلاف الكسر، فإنه مشترك بين الاسم والمصدر كان الفتح أجود. هذا وقد أورد على الحصر ما رواه مسلم من ذكر قول إبراهيم في الكوكب هذا ربي، وأجيب بأنه في حالة الطفولية وهي ليست زمان التكليف. أو المقصود منه الاستفهام للتوبيخ والاحتجاج. قال المازري: أما الكذب على الأنبياء فيما هو طريق البلاغ عن الله عزَّ وجلَّ، فالأنبياء معصومون منه سواء قل أو كثر. فإن تجويزه منهم يرفع الوثوق بأقوالهم، لأن منصب النبوة يرتفع عنه. وأما ما لا يتعلق بالبلاغ ويعد من الصغائر كالكذبة الواحدة في حقير من أمور الدنيا، ففي إمكان وقوعه منهم وعصمتهم منه الحديث رقم ٥٧٠٣: أخرجه البخاري ٣٣٨/٦. حديث رقم ٣٣٥٦. ومسلم ١٨٣٩/٤ حديث رقم ١٥١/ ٢٣٧٠. وأخرجه أحمد في المسند ٢/ ٣٢٢. الحديث رقم ٥٧٠٤: أخرجه البخاري ٣٨٨/٦. حديث رقم ٣٣٥٨. وأخرجه مسلم ٤/ ١٨٤٠ حديث رقم ١٥٤/ ٢٣٧١. وأخرجه الترمذي ٥٣٧/٤ حديث رقم ٢٤٣٤. وأحمد فى المسند ٢٨١/١. எஸ்எஸ். ஏ. ٠٠٠٠٥ ٣٧١ كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق/ باب بدء الخلق وذكر الأنبياء ثنتَينِ منهنَّ في ذاتِ اللَّهِ قولُه ﴿إِنِي سَقِيمٌ ﴾، القولان المشهوران السلف والخلف. قال عياض: الصحيح أن الكذب لا يقع منهم مطلقاً. وأما الكذبات المذكورات فإنما هي بالنسبة إلى فهم السامع لكونها في صورة الكذب، وأما في نفس الأمر فليست كذبات. قلت: ووافقه شارح من علمائنا حيث قال: إنما سماها كذبات، وإن كانت من جملة المعاريض لعلو شأنهم عن الكناية بالحق. فيقع ذلك موقع الكذب عن غيرهم، أو لأنها لما كانت صورتها صورة الكذب سميت كذبات. وقال الأكمل في شرح المشارق: يحتمل أن يراد بها حقيقة الكذب لأن الاستثناء من النفي إثبات، فيحتاج إلى العذر بأن الكذب للإصلاح جائز، فما ظنك في دفع ظلم الظالمين. قال ابن الملك: كيف يحتمل ذلك ومع كلام إبراهيم عليه [الصلاة] والسلام قرينة حالية ومقالية دالة، على أنه تجوز فيه. ولم يرد ظاهره ألا أن يرى أن من جملة كذباته قوله لسارة: إنك أختي في الإسلام. فقوله: في الإسلام، قرينة على أنه لم يرد به الأخت في النسب. وقوله: بل فعله كبيرهم. فإن استحالة صدور الفعل من الجماد قرينة على أنه مؤول أو مجوز فيه، فلا يكون كذباً. قلت: ولا سيما فيه قول بالوقف على: بل فعله. والابتداء بقوله: كبيرهم هذا. (اثنتين منهن) بدل من ثلاث كذبات. (في ذات الله) أي لأجل الله تعالى، أو في أمر الله، أو فيما يتعلق بتنزيه ذاته عن الشريك. أو يراد به القرآن، أي في كلامه. وعبر به عنه لما لم ينفك عن المتكلم كما هو رأي الأشعري، كذا ذكره ابن الملك. وتوضيحه ما قال شارح: أي في أمر الله وما يختص به، إذ لم يكن لإبراهيم نفسه فيه أرب لأنه قصد بالأولى أن يتخلف عن القوم بهذا العذر، فيفعل بالأصنام ما فعل وبالثانية الزام الحجة عليهم بأنهم ضلال سفهاء في عبادة ما لا يضر ولا ينفع. وقيل: يحتمل حذف المضاف أي في كلام ذات الله، يعني أن ثنتين مذكورتان في كلام الله تعالى دون الثالثة، وهي قوله لسارة: هي أختي. قال النووي: وهذه أيضاً في ذات الله تعالى لأنها سبب دفع كافر ظالم عن مواقعة فاحشة عظيمة لا يرضى بها الله تعالى. وإنما خص الثنتين بأنهما في ذات الله تعالى لكون الثالثة تضمنت نفعاً له ودفعاً لحرمه هذا. وفي المغرب ذو بمعنى الصاحب، يقتضي شيئين موصوفاً ومضافاً إليه. وتقول للمؤنث: امرأة ذات مال. ثم اقتطعوها عن مقتضاها وأجروها مجرى الأسماء التامة المستقلة بأنفسها غير المقتضية لما سواها. فقالوا: ذات قديمة أو محدثة، ونسبوا إليها من غير تغيير علامة التأنيث. فقالوا: الصفات الذاتية، واستعملوها استعمال النفس، والشيء، عن أبي سعيد كل شيء ذات وكل ذات شيء. قال الطيبي رحمه الله: قوله: في ذات الله، أي في الدفع عن ذات الله ما لا يليق بجلاله. ويدل عليه ما جاء في حديث آخر ((ما فيها كذبة، إلا ما حل عن دين الله))، أي خاصم وجادل وذب عن دين الله. وهو بمعنى التعريض لأنه نوع من الكناية. ونوع من التعريض يسمى الاستدراج وهو ارخاء العنان مع الخصم في المجارات ليعثر، حيث يريد تبكيته، فسلك إبراهيم عليه [الصلاة] والسلام مع القوم [هذا] المنهج فحينئذ. (قوله:) بالرفع وفي نسخة بالجر (إني سقيم) وذلك عندما طلبوا منه عليه الصلاة والسلام أن يخرج معهم إلى عيدهم، فأراد أن يتخلف عنهم للأمر الذي هم به. فنظر نظرة في النجوم. فقال إني سقيم. وفيه إيهام منه أنه الد د .Mi ٠٥-٥ الشيخ/:5 ا يام طويفي الحرب .٠ ١٥ . .على غخطر ٥٠٪ ٣٧٢ كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق/ باب بدء الخلق وذكر الأنبياء وقولُه ﴿بلْ فِعلَه كبيرُهم هذا﴾، وقال: بَينا هُوَ ذاتَ يومٍ وسارَةُ، إِذ أتى على جبَّارٍ منَ الجبابرةِ، فقيلَ له: إِنَّ ههُنا رجلاً معَه امرأةٌ من أحسنِ الناسِ، فأرسلَ إِليهِ، فسألَه عنها: مَن هذه؟ قال: أُختي. فأتى سارَة، فقال لها: إِنَّ هذا الجبَّارَ إِنْ يعلمْ أنَّكِ امرأتي يغلِبْني علیكِ، فإِنْ سألكِ فأخبِرِيهِ أنَّكِ أُختي، [فإِنكِ أُختي] في الإِسلامِ، ليسَ على وجهِ الأرضِ مؤمنٌ غيري وغیرُكِ، /٢٢/٥/١١٣ اليد / ٠١/ استدل بإمارة علم النجوم على أنه سيسقم ليتركوه فيفعل بالأصنام ما أراد أن يفعل. أو سقيم القلب لما فيه من الغيظ باتخاذكم النجوم آلهة أو بعبادتكم الأصنام. (وقوله:) بالوجهين، وهو حين كسر عليه الصلاة والسلام أصنامهم إلا كبيرها وعلق الفاس في عنقه. (بل فعله كبيرهم هذا) أي فاسألوهم إن كانوا ينطقون. يعني إن كان لهم نطق. ففيه تنبيه نبيه على أن الإله الذي لم يقدر على دفع المضرة عن نفسه كيف يرجي منه دفع الضرر عن غيره، وايماء إلى أن العاجز عن النطق لا يصلح للألوهية. فإن الإله من هو منعوت بصفات الكمال من أسماء الجلال والجمال. (وقال:) أي النبي وَلقر في بيان الثالثة (بينا هو) أي إبراهيم عليه [الصلاة] والسلام متوجه إلى الشام (ذات يوم) أي بعد هلاك نمروذ. (وسارة) عطف على هو وهي بنت عمه. (إذ أتى) أي مر إبراهيم (على جبار من الجبابرة) أي ظالم مسلط. قال الطيبي [رحمه الله]: أتى جواب بينا، أي بينا هما يسيران ذات يوم إذ أتيا على بلد جبار من الجبابرة فوشى بهما. (فقيل له:) أي للجبار (إن ههنا) أي في بدنا هذا (رجلاً معه امرأة من أحسن الناس) أي صورة (فأرسل) أي رسولاً (إليه) أي إلى إبراهيم يطلبه فذهب إليه (فسأله عنها) أي عن جهتها (من هذه) أي من تكون لك هذه المرأة التي معك. [قال الطيبي [رحمه الله]: من هذه بيان للسؤال، أي سأل الجبار بهذا اللفظ. (قال: أختي) أي في الإِسلام. وقيل كان كاذباً وكان جائزاً، بل واجباً في دفع الظالم على ما في شرح مسلم، لكن حمله على التعريض أولى. فإنه وَ لّ قال، على ما رواه ابن عدي والبيهقي عن عمران بن حصين: ((إن في المعاريض لمندوحة عن الكذب)»(١). مع أن نفس قوله: أختي، لا يخلو عن تعريض ما حيث لم يقل هذه أختي، أو هي أختي (فأتى) أي إبراهيم (سارة فقال لها: إن هذا الجبار أن يعلم) أن شرطية أي إن علم (أنك امرأتي يغلبني عليك) أي في أخذك بالظلم عني. (فإن سألك) أي عن نسبك ونسبتك على تقدير ارساله إليك ووصولك عنده. (فأخبريه أنك أختي) أي على طريق التعريض كما فعلته. (فإنك أختي في الإسلام) أي حقيقة بلا مشاركة لأحد، غيرنا في هذا المقام كما بينه بقوله: (ليس) أي موجود (على وجه الأرض مؤمن غيري وغيرك) قال الطيبي [رحمه الله]: يريد به قوله تعالى: ﴿إنما المؤمنون إخوة﴾ [الحجرات - ١٠]. بمعنى أن الإيمان قد عقد بين أهله من السبب القريب والنسب اللاحق ما يفضل الأخوة في النسب السابق، وليس أحد أحق بهذا العقد مني ومنك الآن، لأنه ليس على وجه الأرض مؤمن غيري وغيرك انتهى. واستشكل (١) ابن عدي ٩٦٣/٣. ما رجا۔۔۔ ٣٧٣ ٢٢٢٢ كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق/ باب بدء الخلق وذكر الأنبياء فأرسلَ إِليها، فأتِيَ بها، قامَ إِبراهيمُ يُصلي، فلمَّا دخلتْ عليه، ذهبَ يتناولها بيدِه. فأُخِذَ - ويُروى فغُطَّ - حتى ركَضَ برجلِه، فقال: اذعي اللَّهَ لي ولا أضرُّكِ، فدعتِ اللَّهَ فَأُطلِقَ، ثمَّ تناولها الثانية، فأخذَ مثلها أو أشدّ، فقال: ادعي الله لي ولا أضرُّك، فدعت الله فأَطلق، فَدَعا بعضَ حجَبتِهِ، فقال: إِنَّكَ لم تأتِنِي بإنسانٍ، إِنما أتيتني بشيطانٍ، بكون لوط عليه [الصلاة] والسلام يشاركهما في الإِيمان كما قال تعالى: ﴿فآمن له لوط ﴾ [العنكبوت - ٢٦]. ويمكن أن يجاب بأن مراده بالأرض هي التي وقع فيها ما وقع له ولم يكن معه لوط إذ ذاك، ذكره العسقلاني [رحمه الله]. ثم قيل: كان من أمر ذلك الجبار الذي يتدين به في الأحكام السياسية أن لا يتعرض إلا لذوات الأزواج، ويرى أنها إذا اختارت الزوج فليس لها أن تمتنع من السلطان، بل يكون هو أحق بها من زوجها. فإن اللائي لا أزواج لهن فلا سبيل عليهن إلا إذا رضين. ويحتمل أن يكون المراد أنه إن علم ذلك الزمني بالطلاق أو قصد قتلي حرصاً عليك. لأن دين الملك أن لا يحل له التزوّج والتمتع بقرابات الأنبياء. (فأرسل) أي الجبار (إليها) أي إلى سارة يطلبها (فأتي بها) أي جيء بها إلى الجبار (قام إبراهيم) استئناف بيان كان قائلاً قال: فماذا فعل بعد. فأجيب: قام إبراهيم. (يصلي) حال أو استئناف تعليل أي ليصلي عملاً بقوله تعالى: ﴿واستعينوا بالصبر والصلاة﴾ [البقرة - ٤٥]. كما ((كان ◌َّ إذا حز به أمر صلى))، على ما رواه أحمد وأبو داود عن حذيفة(١). (فلما دخلت) بصيغة الفاعل، وفي نسخة: أدخلت. (عليه) أي على الجبار (ذهب) أي طفق (يتناولها) أي يأخذها أو يمسها (بيده) أي من غير سؤال وجواب، أو بعد سؤالها وسماع جوابها، لكن غلب عليه الميل إليها لكمال حسنها وجمالها. (فأخذ) بصيغة المجهول مخففاً، أي حبس نفسه وضغط. والمراد به الخنق ههنا، أي أخذ بمجاري نفسه حتى سمع له غطيط. وقال ابن الملك: فأخذ ببناء المجهول أي حبس عن امساكها، أو عوقب بذنبه أو أغمي عليه. وفي نسخة بتشديد الخاء. قال شارح: ويروى أخذ على بناء المجهول من التأخيذ، وهو استجلاب قلب شخص برقية أو غيرها كالسحر، بحيث يصل له خوف أو هيمان أو جنون على ما قاله العسقلاني. ويؤيد رواية التخفيف قول المؤلف. (ويروى) أي بدل فأخذ، أو زيادة عليه. (فغط) بضم غين معجمة وتشديد طاء مهملة أي خنق (حتى ركض برجليه) أيضرب برجليه الأرض من شدة الغط. وقال ابن الملك: أي حصر حصراً شديداً. وقيل: الغط هنا بمعنى الخنق، أي أخذ بمجامع مجاري نفسه حتى يسمع له غطط نخير، وهو صوت بالأنف، وقال العسقلاني: أي اختنق حتى صار كالمصروع. (فقال: ادعي) أي سلي (الله لي) أي لأجلي الخلاص (ولا أضرك) أي بالتعرض لك (فدعت الله فأطلق) أي من الأخذ (ثم تناولها) أي أراد تناولها (الثانية) أي المرة الثانية (فأخذ مثلها) أي مثل الأخذة الأولى (أو أشد) أي بل أشد منها (فقال: ادعي الله لي ولا أضرك. فدعت الله فأطلق فدعا بعض حجيته) بفتحتين جمع حاجب كطلبة جمع طالب (فقال: إنك لم تأتني بإنسان) أي حتى أقدر عليها (إنما أتيتني بشيطان) أي حيث لم أقدر عليها بل (١) أخرجه أبو داود في السنن ٧٨/٢ حديث رقم ١٣١٩. ٠٫/٠ ٣٧٤ كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق/ باب بدء الخلق وذكر الأنبياء فأخْدَمَها هاجرَ، فأتَتْه وهو قائمٌ يُصلي، فأوْماً بيدِهِ مَهْيَمْ؟ قالت: ردَّ اللَّهُ كيدَ الكافِر في نخرِهِ، وأخدَمَ هاجرَ)). قال أبو هريرةَ: تلكَ أُمُّكم يا بَني ماءِ السَّماءِ! تصرعني وتريد أن تهلكني. قال الطيبي [رحمه الله]: أراد به المتمرد من الجن وكانوا يهابون الجن ويعظمون أمرهم. (فأخدمها هاجر) أي جعل الجبار هاجر خادمة لسارة لما رأى كرامتها وقربها عند الله، أو جبراً لما وقع من كسر خاطرها حيث تعرض لها. (فأتته) أي إبراهيم (وهو قائم يصلي) وهو إما لعدم اطلاعه على خلاصها استمر على حاله، أو انكشف له الأمر وزاد في العبادة ليكون عبداً شكوراً بعد ما كان عبداً صبوراً. ويؤيد الأول قوله: (فأومأ) بهمزتين أي أشار إبراهيم (بيده) أي إلى سارة وهو في الصلاة (مهيم) بفتح فسكون مرتين. أي ما شأنك وما حالك. وهي كلمة يمانية يستفهم بها، وههنا مفسرة للإيماء. أي أومأ بيده بما يفهم منه معناه وليست بترجمة لقوله، وإلا لكان من حقه أن يقول: فأومأ بيده، وقال: مهيم. (قالت: رد الله كيد الكافر في نحره) أي على صدره وهو من قوله تعالى: ﴿ولا يحيق المكر السيىء إلا بأهله﴾ [فاطر - ٤٣]. ومن قبيل الدعاء المأثور: اللهم إنا نجعلك في نحورهم ونعوذ بك من شرورهم(١). (وأخدم هاجر) أي أم إسماعيل [عليه الصلاة والسلام]. قيل: سميت هاجر لأنها هاجرت من الشام إلى مكة. وقيل: كان لا يولد له من سارة فوهبت هاجر له، وقالت: عسى الله أن يرزقك منها ولداً. وكان إبراهيم عليه السلام يومئذ ابن مائة سنة نقله ابن الملك. (قال أبو هريرة: تلك) أي هاجر (أمكم) أي جدتكم (يا بني ماء السماء) قال القاضي [رحمه الله]: قيل. أراد بهم العرب، سموا بذلك لأنهم يتبعون المطر ويتعيشون به، والعرب وإن لم يكونوا بأجمعهم من بطن هاجر، لكن غلب أولاد إسماعيل على غيرهم. وقيل: أراد بهم الأنصار لأنهم أولاد عامر بن حارثة الأزدي، جد نعمان بن المنذر، وهو كان ملقباً بماء السماء لأنه كان يستمطر به. ويحتمل أنه أراد بهم بني إسماعيل وسماهم بذلك لطهارة نسبهم وشرف أصولهم. قال ابن الملك: وقيل: أشار بهم لكونهم من ولدها جر لأن إسماعيل أنبع الله تبارك وتعالى له زمزم. وهي من ماء السماء والله سبحانه وتعالى أعلم. قال الطيبي [رحمه الله]: فإن قلت: فإذا شهد له الصادق المصدوق بالبراءة عن ساحة، فما باله يشهد على نفسه بها في حديث الشفاعة في قوله: ((وإني كنت كذبت ثلاث كذبات)). فذكرها ثم قال: ((نفسي نفسي نفسي)). على أن تسميتها وإنها معاريض بالكذبات أخبار الشيء على خلاف ما هو به. قلت: نحن وإن أخرجناها عن مفهوم الكذبات باعتبار التورية وسميناها معاريض، فلا شك أن صورتها صورة التعويج عن المستقيم. فالحبيب قصد إلى براءة ساحة الخليل عما لا يليق به فسماها معاريض، والخليل لمح إلى مرتبة الشفاعة هنالك وأنها مختصة بالحبيب (١) أخرجه أبو داود في السنن ١٨٧/٢ حديث رقم ١٥٣٧. . 195 كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق/ باب بدء الخلق وذكر الأنبياء ٣٧٥ متفق عليه . ٥٧٠٥ _ (٨) وعنه، قال: قال رسول الله وَله: ((نحنُ أحقُّ بالشك من إِبراهيم إِذ قال: ﴿ربِّ أرني کیف تحيي الموتى﴾ فتجوز بالكذبات. (متفق عليه). ٥٧٠٥٠ - (وعنه) أي عن أبي هريرة رضي الله عنه (قال: قال رسول الله وَله: نحن أحق بالشك من إبراهيم إذ قال: ﴿رب أرني كيف تحيي الموتى﴾)(١) تمامه: قال أو لم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي. قال ابن الملك: أراد # أن ما صدر من إبراهيم عليه [الصلاة] والسلام لم يكن شكاً، بل كان طلباً لمزيد العلم، وأنا أحق به لأني مأمور بذلك لقوله تعالى: ﴿وقل رب زدني علماً﴾ [طه - ١١٤]. وأطلق الشك بطريق المشاكلة. وقال الإِمام المزي: معناه لو كان الشك متطرقاً إليه لكنت أحق به، وقد علمتم أني لم أشك، فاعلموا أنه كذلك. وإنما رجح إبراهيم على نفسه تواضعاً أو لصدوره قبل أن يعلم أنه خير ولد آدم. وأما سؤال إبراهيم (عليه السلام] فللترقي من علم اليقين إلى عين اليقين، أو لأنه لما احتج على المشركين بأن ربه يحيي ويميت طلب ذلك ليظهر دليله عياناً وتوضيحه ما قال الخطابي: مذهب هذا الحديث التواضع والهضم من النفس، وليس في قوله هذا اعتراف بالشك على نفسه ولا على إبراهيم، لكن فيه نفي الشك عن كل واحد منهما. يقول: إذا لم أشك أنا ولم أرتب في قدرة الله تعالى على إحياء الموتى، فإبراهيم أولى بأن لا يشك فيه ولا يرتاب به. وفيه الإعلام بأن المسألة من قبل إبراهيم لم تعرض من جهة الشك، لكن من قبل طلب زيادة العلم واستفادة معرفة كيفية الإحياء. والنفس تجد من الطمأنينه بعلم الكيفية ما لم تجده بعلم الأمنية. والعلم في الوجهين حاصل، والشك مرفوع. وقد قيل: إنه إنما طلب الإِيمان حساً وعياناً لأنه فوق ما كان عليه من الاستدلال، والمستدل لا تزول عنه الوساوس والخواطر. فقد قال عليه الصلاة والسلام: ((ليس الخبر كالمعاينة))(٢) انتهى. وفيه أن عدم علم الأنبياء من باب الاستدلال غير ظاهر، بل علمهم من باب الكشف والمعرفة التامة والعلم اليقيني الذي لهم في السرائر، بحيث لا يتصور فيه تردد الخواطر وتوسوس الضمائر. نعم مرتبة عين اليقين فوق مرتبة علم اليقين، وإن هذا لهو حق اليقين والله الموفق والمعين. وفي بعض نسخ المصابيح: نحن أحق من إبراهيم. بدون قوله بالشك، فقال شارح له: أي نحن أحق منه بالسؤال الذي سأله يريد به تعظيم أمره وأن سؤاله هذا لم يكن لنقصان في عقيدته، بل لكمال فكرته وعلو همته الطالبة لحصول الاطمئنان بالوصول إلى درجة العيان. قال: وفي بعض الروايات: نحن أحق بالشك( من إبراهيم (عليه الصلاة والسلام]. ومعناه ما ذكرناه أي لم يكن صدور هذا السؤال منه شكّ مهند 2:9 JAnA. ١ الحديث رقم ٥٧٠٥: أخرجه البخاري ٦/ ٤١٠. حديث رقم ٣٣٧٢. وأخرجه مسلم ١٨٣٩/٤ حديث رقم (١٥١.١٥٢) وأخرجه ابن ماجه ١٣٣٥/٢ حديث رقم ٤٠٢٦. وأحمد في المسند ٣٢٦/٢. (٢) أحمد في المسند ٢١٥/١. (١) سورة البقرة . آية ٢٦٠. ١ ٠ ٠٫٠٠ كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق/ باب بدء الخلق وذكر الأنبياء ٣٧٦ ويرحم الله لوطاً، لقد كان يأوي إلى ركن شديد، ولو لبثتُ في السجنِ طولَ ما لَبِثَ يوسفُ لأجَبْتُ الداعي)). " .... من إبراهيم، واختلج في صدره، إذ لو كان الشك يعتريه لنحن أحق بالشك منه، ولكنا لا نشك. فكيف يجوز أن يشك هو فيه. أقول: المراد بقوله: نحن. ليس صيغة التعظيم ليحتاج إلى الاعتذار بأنه قال ذلك تواضعاً لإبراهيم، بل المعنى: أني مع أمتي لا نشك في قدرة الله تعالى على احياء الموتى، بل نحن معاشر الخلق من سائر الأمم غالباً نعتقد قدرته على الإحياء. وإبراهيم عليه [الصلاة] والسلام من أكمل الأنبياء في مرتبة التوحيد ومقام التفريد حتى أمرنا بمتابعته على طريقة القويم وسبيله المستقيم. فكيف يتصوّر منه الشك، إذ لو جاز عليه الشك وهو من المعصومين المتبوعين لجاز لنا بالأولى ونحن من اللاحقين التابعين. والحاصل أنه أراد بالدليل البرهاني نفي الشك عن الخليل الرحماني وإيصاله إياه إلى المقام الاطمئناني والحال العياني. (ويرحم الله لوطاً) قيل: تصدير الكلام بهذا الدعاء لئلا يتوهم اعتراء نقص عليه فيما سيأتي من الأنباء على طريقة قوله تعالى: ﴿عفا الله عنك لم أذنت لهم﴾ [التوبة - ٤٣] حيث كان تمهيداً ومقدمة للخطاب المزعج. (لقد كان يأوي إلى ركن شديد) أي عشيرة قوية. قال ابن الملك: فيه إشارة إلى وقوع تقصير منه. وقال شارح تبعاً للقاضي: وكأنه استغرب منه وعده بادرة إذ لا ركن أشد من الركن الذي كان يأوي إليه، وهو عصمة الله وحفظه. وعندي أن أخذ هذا المعنى من هذا المبنى ليس من طريق الأدب في الإنباء عن الأنبياء، لأنه وَل و إذا كان ينهى عن غيبة أفراد العامة حياً وميتاً، فكيف يتصوّر أن يذكر في حق نبي مرسل ما يكون موهماً لنقص مرتبته أو تنزل عن علو همته. فالمعنى والله تعالى أعلم، أنه كان بمقتضى الجبلة البشرية في بعض الأمور الضرورية يميل إلى الاستعانة بالعشيرة القوية، فيجوز لنا مثل ذلك المحال، فإنا مأمورون بمتابعة أرباب الكمال في التعلق بالأسباب مع الاعتماد على رب الأرباب والله تعالى أعلم بالصواب. ثم رأيت في الجامع الصغير ما يقوي المذكور من التقرير والتحرير، وهو ما رواه الحاكم عن أبي هريرة مرفوعاً: رحم الله لوطاً كان يأوي إلى ركن شديد وما بعث الله بعده نبياً إلا في ثروة من قومه(١). قلت: ومنه قوله تعالى حكاية عن قوم شعيب عليه [الصلاة] والسلام: ﴿ولولا رهطك لرجمناك وما أنت علينا بعزيز﴾ [هود - ٩١]. وكذلك نبينا وَ ل﴿ كان معظماً ومحمياً ومكرماً لقربه من أبي طالب وغيره، وإليه الإيماء في قوله تعالى: ﴿ألم يجدك يتيماً فآوى﴾ [الضحى - ٦]. (ولو لبثت في السجن طول ما لبث يوسف) أي مقدار طول زمن لبثه وجاني داع بالطلب أو ساع إلى الخروج. (لأجبت الداعي) أي ولبادرت الخروج عملاً بالجواز، لكن يوسف عليه [الصلاة والسلام [صبر لحكم تقضيه ذلك] ، كما أخبر الله سبحانه عنه: ﴿فلما جاءه الرسول قال ارجع إلى ربك فاسأله﴾ [يوسف - ٥٠]. إلى آخره. وربما أوجبته عليه في مرام ذلك المقام من قصده البراءة مما اشتهر في حقه من الكلام على ألسنة العوام ليقابل صاحب الأمر على جهة التعظيم والإكرام، ألا ترى أن النبي ◌َّ - كان (١) الجامع الصغير ٢/ ٢٧٠ حديث رقم ٤٤١٥ والحديث أخرجه الحاكم في المستدرك ٢/ ٥٦١. ٣٧٧ كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق/ باب بدء الخلق وذكر الأنبياء /٦/١٢/١٣ متفق عليه . ٥٧٠٦ - (٩) وعنه، قال: قال رسول الله وَله: ((إِنَّ موسى كان رجلاً حييّاً سِتّيراً، يكلم [بعض أمهات المؤمنين] في طريق فمر عليه صحابي فقال له عليه [الصلاة] والسلام: إن هذه فلانة من الأزواج الطاهرات. فقال: يا رسول الله أيظن فيك ظن السوء. فقال: إن الشيطان ليجري من ابن آدم مجرى الدم(١). قال التوربشتي [رحمه الله]: هو مبني على احماده صبر . يوسف (عليه السلام] وتركه الاستعجال [بالخروج] عن السجن مع امتداد مدة الحبس عليه. قال: ثم إن في ضمن هذا الحديث تنبيهاً على أن الأنبياء عليهم [الصلاة] والسلام وإن كانوا من الله بمكان لا ينازلهم فيه أحد، فإنهم بشر يطرأ عليهم من الأحوال ما يطرأ على البشر، فلا تعدوا ذلك منقصة ولا تحسبوه سيئة. قلت: هذا يؤيد ما قررناه من قضية سيدنا لوط عليه [الصلاة] والسلام. وقال ابن الملك: اعلم أن هذا ليس اخباراً عن نبينا وَ ه بتضجره وقلة صبره، بل فيه دلالة على مدح يوسف (عليه السلام] وتركه الاستعجال بالخروج ليزول عن قلب الملك كان ما كان اتهم به من الفاحشة، ولا ينظر إليه بعين مشكوك انتهى. وهو بعينه كما ذكرناه على ما لا يخفى. وقيل: بل فيه إشارة إلى تقصير يوسف (عليه السلام] وذلك من جهة أنه لم يترك الوسائط ولم يفوض كل ما أتاه إليه تعالى. قلت: سبق أن مباشرة الأسباب لا تنافي تفويض الأمر إلى رب الأرباب، بل قال بعض العارفين: إن مرتبة جمع الجمع هي مباشرة السبب مع ملاحظة عمل الرب. وقيل: بل فيه إيماء إلى تقصيره من جهة أنه كان رسولاً، ولذا دعا أهل السجن بقوله: ﴿أرباب متفرقون خير﴾ [يوسف - ٣٩]. الخ. ولم يكن له طريق إلى دعوة الملك. فلما وجد إليه سبيلاً قدم براءة نفسه مما نسب إليه على حق الله، وهو دعوة الملك. قلت: وهذا ظاهر البطلان، إذ على تقدير تسليم كونه رسولاً عاماً أو خاصاً فتقديم ما يتوقف صحة الإرسال من البراءة عليه مما يجب المبادرة إليه لئلا يدور طعن طاعن حواليه. ومما يدل على صحة ما قررناه على حقيقة ما حررناه ما أخرجه ابن جرير وابن مردويه عن أبي هريرة مرفوعاً: ((رحم الله يوسف (عليه السلام] أن كان لذا أناة حليماً لو كنت أنا المحبوس، ثم أرسل إلي لخرجت سريعاً». وفي رواية أحمد في الزهد وابن المنذر عن الحسن مرسلاً: ((رحم الله أخي يوسف لو أنا أتاني الرسول بعد طول الحبس)) لأسرعت الاجابة حين قال: ﴿ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة﴾ [يوسف - ٥٠]. كذا في الجامع الصغير(٢). (متفق عليه). ٥٧٠٦ - (وعنه) أي عن أبي هريرة رضي الله عنه (قال: قال رسول الله وَلقول: إن موسى كان رجلاً حيياً) بكسر التحتية الأولى وبتشديد الثانية على أنه فعيل أي مستحيياً. (ستيراً) بفتح (١) أخرجه البخاري في صحيحه ٣٣٦/٦ حديث رقم ٣٢٨١. (٢) الجامع الصغير ٢/ ٢٧٢ حديث رقم ٤٤٣٧ وحديث رقم ٤٤٣٨. الحديث رقم ٥٧٠٦: أخرجه البخاري ٣٨٥/١. حديث رقم ٢٧٨. وأخرجه مسلم ١٨٤١/٤ حديث رقم (٣٣٩.١٥٦). وأخرجه الترمذي ٣٣٥/٥ حديث رقم ٣٢٢١. وأحمد في المسند ٥١٤/٢. ٠٠٠، ٧٠ < بيوم كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق/ باب بدء الخلق وذكر الأنبياء ٣٧٨ لا يُرى من جلده شيء استحياءً، فآذاه من آذاه من بني إسرائيل، فقالوا: ما تَستَّر هذا التستّر ٤) إِلا من عيبٍ بجلده: إِما برص أو أُدرَة، وإِن الله أراد أن یبرئه، فخلا يوماً وحده ليغتسل، فوضع ثوبه على حجرٍ، ففرَّ الحجر بثوبه، فجمح موسى في إِثْرِه يقول: ثوبي يا حجرُ! ثوبي يا حجرُ! حتى انتهى إلى ملأ من بني إِسرائيل، فرأوه عُرياناً أحسن ما خلق الله وقالوا واللَّهِ ما بموسى من بأس، وأخذ ثوبه، وطفقَ بالحجر ضرباً، فوالله إِن بالحجرِ لنَدباً من أثر ضربه ثلاثاً أو أربعاً أو خمساً). وقـ د الكاملة /*/ * / ١٠/١٠ يجبم السين وتخفيف الفوقية المكسورة. قال شارح: أي مستوراً، والظاهر أنه مبالغة ساتر. ويدل عليه ما في نسخة من كسر السين والفوقية المشددة، وكأن الشارح جعل قوله: (لا يرى من جلده شيء) صفة كاشفة وليس بظاهر، بل هو استئناف بيان لما يلزم من كونه كثير التستر. وحاصله أنه كان من شأنه أن يستر جميع بدنه عند اغتساله. (استحياءً) أي من الناس (فآذاه من آذاه) بالمد فيها أي من أراد إيذاءه (من بني إسرائيل فقالوا:) جمع باعتبار معنى من كما أفرد أولاً بناء على لفظه، ونحوه كثير في التنزيل، أي فقال بعض المؤذين (ما تستر) أي موسى (هذا التستر) أي البليغ (إلا من عيب بجلده إما برص أو أدرة) بضم همزة وسكون دال مهملة، نفخة بالخصية على ما في النهاية. (وإن الله أراد أن يبرئه) بتشديد الراء، أي ينزهه عن نسبة ذلك العيب، ويثبت له الحياء من عالم الغيب. وقد أشار إليه سبحانه بقول: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى فبرأه الله مما قالوا وكان عند الله وجيهاً ﴾ [الأحزاب - ٦٩]. ثم اعلم أن قوله: وإن الله، هو هكذا في النسخ المصححة بالواو. وقال الطيبي [رحمه الله]: الفاء في قوله فإن الله للتعقيب وأصل الكلام فقالوا كيت وكيت فأراد الله أن يبرئه وأتى بإن المؤكدة تأكيداً اعتناء بشأنه. (فخلا يوماً وحده) أي انفرد عن الناس وقتاً ما حال كونه منفرداً. (ليغتسل. فوضع ثوبه على حجر) أي بجنب الماء (ففر الحجر بثوبه) الباء للتعدية، أي فأخذه فاراً عن موسى. (فجمح موسى) بجيم وميم وحاء مفتوحات أي ذهب وأسرع إسراعاً لا يرده شيء، ومنه قوله تعالى: ﴿وهم يجمحون﴾ [التوبة - ٥٧]. (في أثره) بفتحتين وقد يكسر الهمز وتسكن المثلثة، أي في عقب الحجر. (يقول:) أي بلسان القال أو ببيان الحال (ثوبي) أي أعطني ثوبي. (يا حجر ثوبي) أي مطلوبي ثوبي (يا حجر) والتكرير للتكثير (حتى انتهى إلى ملأ من بني إسرائيل) والظاهر أن فيهم المؤذين (فرأوه عرياناً أحسن ما خلق الله) قال الطيبي [رحمه الله]: عرياناً حال، وكذا قوله أحسن لأن الرؤية بمعنى النظر. (وقالوا: والله ما بموسى من بأس) أي ليس به عيب ما. (وأخذ ثوبه وطفق) أي شرع (بالحجر ضرباً) أي يضربه ضرباً، فالجار متعلق بالفعل المقدر كما في قوله سبحانه: ﴿فطفق مسحاً بالسوق والأعناق ﴾ [ص - ٣٣]. (فوالله إن في الحجر لندباً من أثر ضربه) الندب بفتح النون والدال أي أثراً وعلامة باقية من أثر ضربه، وأصل الندب أثر الجرح إذا لم يرتفع عن الجلد، فشبه به أثر الضرب بالحجر. وقوله: (ثلاثاً أو أربعاً أو خمساً) متعلق بالضرب أو الندب، والشك من الراوي. قال الطيبي [رحمه الله]: قوله: ثلاثاً أي ندبات ثلاثاً بياناً، وتفسيراً لاسم إن وضربه هذا من أثر غضبه على الحجر لأجل فراره وقلة أدبه. ولعله ذهل عن كونه مأموراً. وكان ذلك في الكتاب مسطوراً. ٣٧٩ كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق/ باب بدء الخلق وذكر الأنبياء متفق عليه . ٥٧٠٧ - (١٠) وعنه، قال: قال رسول الله وَله: ((بينا أيوبُ يغتسلُ عُرياناً، فخرَّ عليه جرادٌ من ذهب، فجعل أيوبُ يحثي في ثوبه، فناداه ربُّه: يا أيوبُ! ألمْ أكن أغنيتك عمَّا ترى؟ قال: بلى وعزَّتِك، ولكن لا غِنى بي عن بركتك)). وفيه مأخذ لعلماء الأنام على أن ضرر الخاص يتحمل لنفع العام والله [تعالى] أعلم بالمرام. ثم قيل: إن موسى أمر بحمل الحجر معه إلى أن كان في التيه، فضربه بعصاه مرة أو مرات فانبجست منه اثنتا عشرة عيناً، قال النووي [رحمه الله]: فيه معجزتان ظاهرتان لموسى عليه [الصلاة] والسلام إحداهما مشي الحجر بثوبه، والثانية حصول الندب في الحجر بضربه. وفيه حصول التمييز في الجماد وفيه جواز الغسل عرياناً في الخلوة وإن كان ستر العورة أفضل. وبهذا قال الشافعي ومالك وأحمد [رحمهم الله] وخالفهم ابن أبي ليلى. وقال: إن للماء ساكناً. قلت: إمامنا الأعظم [رحمه الله] مع الجمهور وظاهر مخالفة ابن أبي ليلى في دخول الماء. قال: وفيه ابتلاء الأنبياء والصالحين من أذى السفهاء والجهال وصبرهم عليه، وفيه أن الأنبياء عليهم [الصلاة] والسلام منزهون عن النقائص في الخلق والخلق سالمون من العاهات والمعايب اللهم إلاّ على سبيل الابتلاء. (متفق عليه). ٥٧٠٧ - (وعنه) أي عن أبي هريرة رضي الله عنه (قال: قال رسول الله وَليل: بينا أيوب يغتسل عرياناً) يحتمل أن يكون لابساً للإزار كما يدل عليه قوله الآتي: يحثي في ثوبه. ويحتمل أن يكون متجرداً عن الثياب كلها على طبق ما سبق لموسى عليهما [الصلاة] والسلام، وكان جائزاً عندهما. لكنه ول# أشار إلى أن التستر أولى حياء من المولى، بناء على أنه وَلقر بعث ليتم مكارم الأخلاق. (فخر) بالخاء المعجمة والراء المشددة، أي فسقط ونزل (عليه) أي فوقه على أطرافه (جراد) أي جنس جراد (من ذهب فجعل أيوب يحثي) أي يضعه (في ثوبه) كذا في النهاية. والأظهر أنه يأخذ بكفه أو كفيه ويضع في ثوبه المتصل به وهو الإزار اللابس له قبل الغسل أو بعده أو المنفصل الذي ما لبسه بعد. وفي المصابيح يحثي في ثوبه، قال شارح له: أي يجمعه في ذيله ويضم طرف الذيل إلى نفسه. (فناداه ربه:) أي نداء تلطف (يا أيوب ألم أكن أغنيتك) أي جعلتك ذا غنى (عما ترى. قال: بلى وعزتك) قال الطيبي [رحمه الله: هذا] ليس بعتاب منه تعالى في أن الإنسان وإن كان ثرياً لا يشبع بثراه، بل يريد المزيد عليه، بل من قبيل التلطف والامتحان بأنه هل يشكر على ما أنعم عليه فيزيد في الشكر، وإليه الإِشارة بقوله: (ولكن لا غنى) بكسر ففتح مقصوراً، أي لا استغناء (بي عن بركتك) أي عن كثرة نعمتك وزيادة رحمتك. وفي رواية: من يشبع من رحمتك، أو من فضلك. وفيه جواز الحرص على الاستكثار من الحلال في حق من وثق من نفسه الشكر عليه، ويصرفه فيما يحب ربه ويرضاه ٫٠٩٠ الحديث رقم ٥٧٠٧: أخرجه البخاري ٣٨٧/١. حديث رقم ٢٧٩. وابن ماجه ١٤٢٨/٢. حديث رقم ٤٢٧٤. وأحمد في المسند ٢١٤/٢. ٦٢٧٢ ٣٨٠ كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق/ باب بدء الخلق وذكر الأنبياء رواه البخاريُّ. ٥٧٠٨ _ (١١) وعنه، قال: استبَّ رجلٌ من المسلمين ورجلٌ من اليهود. فقال المسلم: والذي اصطفى محمَّداً على العالمين. فقال اليهودي: والذي اصطفى موسى على العالمين. فرفَعَ المسلمُ يدَه عند ذلك فلطَم وجهَ اليهودي، فَذَهَبَ اليهوديُّ إِلى النبي ◌ِێ، فأخبره بما كان من أمره وأمرِ المسلم، فدعا النبيُّ وَِّ المسلمَ فسأله عن ذلك، فأخبره، فقال النبي ◌َّهِ: ((لا تخيّروني على موسى، فإِنَّ الناسَ يصعقون يومَ القيامةِ، فأصعق معهم فأكونُ أوَّلَ من يفيق، فإِذا موسى باطشٌ بجانبِ العرشِ، فلا أدري كان فيمن صعق فأفاق قَبْلي، ويتوجه الأمر إليه، وفيه تسمية المال من جهة الحلال بركة في المآل وحسن الخلال. قال الطيبي [رحمه الله]: ونحوه قوله وَيول لعمر [رضي الله تعالى عنه] جواباً عن قوله: أعطه، أفقر إليه مني ما جاءك من هذا المال، وأنت غير مشرف ولا سائل فخذه وما لا فلا تتبعه نفسك، (رواه البخاري). ٥٧٠٨ - (وعنه) أي عن أبي هريرة (قال: استب رجل من المسلمين ورجل من اليهود) بتشديد الموحدة افتعال من السب وهو الشتم، والمعنى سب كل واحد منهما الآخر. (فقال المسلم: والذي اصطفى محمداً على العالمين) أي جميعهم من خلق الأولين والآخرين، والمحلوف عليه مقدر. (فقال: اليهودي والذي اصطفى موسى على العالمين) أي عالمي زمانه، لكن لما كان ظاهر كلامه المعارضة وحاصل مرامه المشاركة في الاصطفاء على الخلق من بين الأنبياء، وهو خلاف ما عليه العلماء، ولذا أنكر عليه. (فرفع المسلم يده عند ذلك) أي القول الموهم لخلاف الأدب. (فلطم وجه اليهودي) أي ضربه بكفه كفاً له وتأديباً (فذهب اليهودي إلى النبي ◌َّ﴿ فأخبره بما كان من أمره وأمر المسلم. فدعا النبي ◌َّر المسلم) أي المدعى عليه (فسأله عن ذلك) أي الأمر (فأخبره) أي بمطابقة الخبر (فقال النبي وَّر: لا تخيروني) بضم التاء وتشديد الياء من التخيير بمعنى الاصطفاء، والمعنى لا تجعلوني خيراً بمعنى لا تفضلوني. (على موسى) أي ونحوه من أصحاب النبوّة تفضيلاً يؤدي إلى إيهام المنقصة، أو إلى تسبب الخصومة. فإن أمر التفضيل ليس بقطعي على وجه التفصيل. (فإن الناس) أي جميعهم (يصعقون) بفتح العين (يوم القيامة) أي عند النفخة الأولى (فأصعق معهم) من صعق الرجل إذا أصابه فزع فأغمي عليه، وربما مات منه، ثم يستعمل في الموت كثيراً. لكن هذه الصعقة صعقة فزع قبل البعث لذكر الإفاقة بعده [بقوله]: (فأكون أول من يفيق) فإن الإفاقة إنما تستعمل في الغشي والبعث في الموت. (فإذا موسى باطش) قال شارح: أي قوي، والظاهر أن معناه آخذ. (بجانب العرش فلا أدري كان) أي أكان (فيمن صعق فأفاق قبلي) أي لفضيلة اختص بها. الحديث رقم ٥٧٠٨: أخرجه البخاري في صحيحه ٦/ ٤٤١. حديث رقم ٣٤٠٨. ومسلم ٤/ ١٨٤٤ حديث رقم (٢٣٧٣.١٦٠) وأخرجه أبو داود ٥٣/٥ حديث رقم ٤٦٧١. وأحمد في المسند ٢٦٤/٢. ١٩٫٠٢