Indexed OCR Text

Pages 341-360

٣٤١
كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق/ باب صفة النار وأهلها
٥٦٧٢ - (٨) وعن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ اللهِ وَّ: ((ما بينَ منكبي الكافرِ في
النارِ مسيرةُ ثلاثة أيام للراكب المسرع)). وفي روايةٍ: ((ضِرْسُ الكافرِ مثل أحدٍ، وغِلَظُ جلده
مسيرة ثلاث)). رواه مسلم.
وذكر حديث أبي هريرةً:
إلى قوله: فيأتونهم فيعرفونهم بصورهم لا تأكل النار صورهم.
٥٦٧٢ - (وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَله: ما بين منكبي الكافر مسيرة ثلاثة أيام
للراكب المسرع) قال القاضي [رحمه الله]: يزاد في مقدار أعضاء الكافر زيادة في تعذيبه بسبب
زيادة المماسة للنار. قال القرطبي (رحمه الله]: هذا يكون للكفار، فإنه قد جاءت أحاديث تدل
على أن المتكبرين يحشرون يوم القيامة أمثال الذر في صور الرجال فيساقون إلى سجن في
جهنم. قال ابن الملك [رحمه الله] في شرح المشارق، ونظر فيه الشيخ الشارح: يعني الأكمل
بأن هذا الحديث يدل على عظم أجسامهم في النار، والذي ذكره في المحشر. أقول: الظاهر
أن يراد بالمتكبرين عصاة المؤمنين، وكلام القرطبي محمول عليه ليلائم الحديث الآتي:
((ضرس الكافر يوم القيامة مثل أحد)). على أن الأظهر في الجمع أن يكونوا (١) أمثال الذر في
موقف يداسون فيه، ثم تعظم أجسادهم ويدخلون النار ويكونون فيها. كذلك وقال ابن الملك
[رحمه الله] قوله: في النار، غير مذكور في مسلم كذا قاله النووي [رحمه الله] . فالأوجه في
منع قول القرطبي أن يقال ما ذكره، لا يدل على انعدام عظمتهم في المحشر لأن تشبيه
المتكبرين بالذر إنما هو في الحقارة لا في الصورة، وإلا فلا يستقيم قوله في صورة الرجال
انتهى. [وفيه] مباحث لا تخفى. (وفي رواية: ضرس الكافر مثل أحد وغلظ جلده) بكسر الغين
وفتح اللام أي عظمه (مسيرة ثلاث) أي ليال، قال الطيبي [رحمه الله]: هكذا هو في جامع
الأصول وشرح السنة، أنثه باعتبار الليالي. قال النووي [رحمه الله]: هذا كله لكونه أبلغ في
إيلامه، وهو مقدور لله تعالى يجب الإِيمان لإخبار الصادق به. (رواه مسلم.) وفي الجامع
"الصغير(٢) أسند الرواية الأولى إلى الشيخين والثانية إلى مسلم والترمذي والله [تعالى] أعلم.
وروى البزار عن ثوبان مرفوعاً: ضرس الكافر مثل أحد وغلظ جلده أربعون ذراعاً بذراع
الجبار(٣). وروى ابن ماجه عن أبي سعيد مرفوعاً: إن الكافر ليعظم حتى أن ضرسه لأعظم من
أحد وفضيلة جسده على ضرسه كفضيلة جسد أحدكم على ضرسه(٤)، (وذكر حديث أبي هريرة
الحديث رقم ٥٦٧٢: أخرجه البخاري ٤١٥/١١ حديث رقم ٦٥٥١. ومسلم ٢١٨٩/٤ حديث رقم (٤٥.
٢٨٥٢) وأحمد في المسند ٣٢٨/٢.
(١) في المخطوطة ((يكون)).
الرواية الأولى: الجامع الصغير ٤٨١/٢ حديث ٧٨٦٤ والرواية الثانية ٣٢١/٢ حديث ٥٢١٢.
(٢)
(٣) ١٨٣/٤ حديث رقم ٣٤٩٦ (كشف الأستار عن زوائد البزار).
ابن ماجه ١٤٤٥/٢ حديث رقم ٤٣٢٢.
(٤)

٣٤٢
كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق/ باب صفة النار وأهلها
((اشتكت النار إلى ربِّها)). في باب ((تعجيل الصَّلوات)).
الفصل الثاني
'. ر٠٠٦٧٩
٥٦٧٣ - (٩) عن أبي هريرةَ، عن النبيِ وَلِّ قال: أُوقد على النار ألفَ سنةٍ حتَّى
احمرَّت، ثم أوقد عليها ألفَ سنةٍ حتى ابيضَّت، ثم أوقد عليها ألف سنة حتى اسودَّت،
فهي سوداء مظلمة)). رواه الترمذي.
٥٦٧٤ - (١٠) وعنه، قال: قال رسول الله وَّرَ: ((ضِرْسُ الكافرِ يومَ القيامةِ مثل
أُحدٍ، وفخذه مثل البيضاءِ، ومقعده من النَّار مسيرة ثلاث مثل الرَّبذة)).
[رضي الله تعالى عنه: ] اشتكت النار إلى ربها في [باب] تعجيل الصلوات) يعني فهو إما مكرر
أسقطه من ههنا ونبه عليه، وإما اعتراض فعلى تنبيهاً على أن محله اللائق هو ذلك الباب والله
[تعالى] أعلم بالصواب.
(الفصل الثاني)
٥٦٧٣ - (عن أبي هريرة) رضي تعالى عنه (عن النبي ◌َّفي قال: أوقد) بصيغة المفعول
وقوله (على النار) نائب الفاعل. قال الطيبي [رحمه الله]: هذا قريب من قوله تعالى: ﴿يوم
يحمى عليها في نار جهنم﴾ [التوبة - ٣٥]. أي يوقد الوقود فوق النار، أي النار ذات طبقات
توقد طبقة فوق أخرى ومستعلية عليها. (ألف سنة حتى احمرت) بتشديد الراء للمبالغة في
الاحمرار. (ثم أوقد عليها ألف سنة حتى ابيضت، ثم أوقد عليها ألف سنة حتى اسودت. فهي
سوداء مظلمة) زاد في الجامع كما في الليل المظلم. والحديث دليل على أن النار مخلوقة كما
ذهب إليه أهل السنة، خلافاً للمعتزلة وجماعة من أهل البدع. ويؤيدنا قوله تعالى: ﴿أعدت
للكافرين﴾ [البقرة - ٢٤]. بصيغة الماضي. (رواه الترمذي) وكذا ابن ماجه.
٥٦٧٤ - (وعنه) أي عن أبي هريرة رضي الله عنه (قال: قال رسول الله وَلي: ضرس
الكافر يوم القيامة مثل أحد، وفخذه) بفتح فكسر، ففي القاموس الفخذ ككتف ما بين الساق
والورك مؤنث كالفخذ، ويكسر أي فخذ الكافر. (مثل البيضاء) في النهاية هو اسم جبل. وقال
شارح: هو موضع في بلاد العرب، وقيل هو جبل. (ومقعده) أي موضع قعوده. (من النار) أي
فيها كما في رواية (مسيرة ثلاث مثل الربذة) بفتح الراء والموحدة والذال المعجمة، قرية معروفة
قرب المدينة كذا في النهاية. وقيل بقرب مكة، وقيل قرية من قرى المدينة على ثلاث ليال.
الحديث رقم ٥٦٧٣: أخرجه الترمذي ٦١٢/٤ حديث رقم ٢٥٩٠. وابن ماجه ١٤٤٥/٢ حديث رقم
٤٣٢٠.
الحدیث رقم ٥٦٧٤: أخرجه الترمذي في ٦٠٦/٤ حديث رقم ٢٥٧٨.
١٤٧٠
٠٥١p
٠٢٥٢

/ ١٣٤
١٠٨:٤
جرا
179%
٣٤٣
كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق/ باب صفة النار وأهلها
رواه الترمذي.
٥٦٧٥ _ (١١) وعنه، قال: قال رسول الله وَ لقر: ((إِن غلظ جلد الكافرِ اثنان وأربعون
ذراعاً، وإِن ضِرْسَه مثل أَحدٍ، وإِن مَجلسه من جهنم ما بين مكة والمدينة)). رواه الترمذي.
٥٦٧٦ - (١٢) وعن ابن عمر، قال: قال رسول الله وَله: (إِنَّ الكافرِ ليُسْحَب لسانُه
الفرسَخ والفرسخين يتوطِّؤُه الناس)). رواه أحمد، والترمذي، وقال هذا حديث غريب.
٥٦٧٧ _ (١٣) وعن أبي سعيد [الخدري]، عن رسول الله وَ له قال: ((الصَّعُودُ
٠٫٧٩
وقال شارح: قريب من ذات عرق، يريد ما بين الربذة والمدينة انتهى. فقوله: مثل الربذة أي
مثل بعد الربذة من المدينة، أو مثل مسافتها إليها. فإنه ظهر، قال هذا الحديث وهو في المدينة.
ويؤيده ما روي من أن مقعده في النار ما بيني وبين الربذة (١). وقال ابن الملك [رحمه الله]:
قرية من قرى المدينة بها قبر أبي ذر الغفاري. وقيل جبل بالشام (رواه الترمذي.) ورواه أحمد
والحاكم عنه بلفظ: ضرس الكافر يوم القيامة مثل أحد وعرض جلده سبعون ذراعاً، وعضده
مثل البيضاء وفخذه مثل ورقان، ومقعده في النار ما بيني وبين الربذة.
٥٦٧٥ _ (وعنه) أي عن أبي هريرة (قال: قال رسول الله وَله: إن غلظ جلد الكافر اثنان
وأربعون ذراعاً) لفظ الجامع: اثنتان وأربعون ذراعاً بذراع الجبار. وفي القاموس الذراع بالكسر
من طرف المرفق إلى طرف الإصبع الوسطى والساعد، وقد تذكر فيهما وذرع الثوب قاسه بها.
(وإن ضرسه مثل أحد وإن مجلسه) أي موضع جلوسه (من جهنم ما بين مكة والمدينة. رواه
الترمذي) وكذا الحاكم(٢).
٥٦٧٦ - (وعن ابن عمر رضي الله (تعالى)] عنهما قال: قال رسول الله وَليقول: إن الكافر
ليسحب) بفتح الحاء أي يجر (لسانه) ويجوز أن يكون على بناء المفعول، بل هو الأظهر في
المعنى المراد، وكذا ضبط في الجامع ولفظه: ليسحب لسانه وراءه. (الفرسخ والفرسخين يتوطؤه
الناس) أي يطؤونه بأقدامهم ويمشون عليه. (رواه أحمد والترمذي. وقال: هذا حديث غريب).
٥٦٧٧ - (وعن أبي سعيد رضي الله عنه عن رسول الله (وَ لفي قال: الصعود) بفتح الصاد
(١) أحمد في المسند ٣٢٨/٢. والحاكم في المستدرك ٥٩٥/٤. والبيضاء: قريات بالرملة في القطيف.
والقطيف في شرق السعودية على الخليج. وورقان جبل جنوب المدينة. والربذة: تقع في الشرق إلى
الجنوب من بلدة أعناكية. (المعالم الأثيرة).
الحديث رقم ٥٦٧٥: أخرجه الترمذي ٦٠٦/٤ حديث رقم ٢٥٧٧.
(٢) الحاكم في المستدرك ٤/ ٥٩٥ ولم يذكره بالكامل.
الحديث رقم ٥٦٧٦: أخرجه الترمذي ٦٠٦/٤ حديث رقم ٢٥٨٠. وأحمد في المسند ٢/ ٩٢.
الحديث رقم ٥٦٧٧: أخرجه الترمذي ٦٠٥/٤ حديث رقم ٢٥٧٦. وأحمد في المسند ٧٥/٣.
!٦٦٠٩٨٢

٣٤٤
كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق/ باب صفة النار وأهلها
جبل من نارٍ يُتصعَّدُ فيه سبعين خريفاً، ويُهْوىَ به كذلك فيه أبداً». رواه الترمذي.
(١١/١١
٥٦٧٨ - (١٤) وعنه، عن النبي ◌َ ◌ّر قال في قوله: ﴿كالمهل﴾ ((أي كعَكر الزيت،
فإِذا قُرِّب إِلى وجهه سقطت فروة وجهه فيه)). رواه الترمذي.
...-
٥٦٧٩ _ (١٥) وعن أبي هريرةَ، عن النبي ◌َّر قال: ((إِنَّ الحميم
واللام للعهد، إشارة إلى قوله تعالى: ﴿سأرهقه صعوداً﴾ [المدثر - ١٧] . أي سأغشيه عقبة
صعبة المسلك. (جبل) ففي القاموس الصعود بالفتح، ضد الهبوط، وجبل في جهنم: والعقبة
الشاقة. والمعنى أنه جبل عظيم. (من نار يتصعد فيه) بصيغة المجهول، أي يكلف الكافر
ارتقاء. وفي نسخة بفتح أوله، أي يطلع في ذلك الجبل. (سبعين خريفاً) أي مدة سبعين عاماً
(ويهوي به) بصيغة المفعول، أي يكاب ذلك الكافر بسقوطه فيه. وفي نسخة بفتح الياء وكسر
الواو، أي ينزل بذلك الكافر، من هوى كرمي سقط، فالباء للتعدية. (كذلك) أي سبعين
خريفاً. (فيه) أي في ذلك الجبل (أبداً) قيد للفعلين أي يكون دائماً في الصعود والسقوط؛ ومنه
يتبين معنى لطيف فيما اشتهر عنه ويظهر أن السفر قطعة من سقر، مع ما فيه من الإيماء إلى اللطافة
النقطية والمحاسبة الأبجدية. وبهذا يندفع ما نقل عن علي كرم الله وجهه، أنه لو لم يقل النبي
و ﴿ هكذا لعكست. وقلت: إن سقر قطعة من السفر، لكن لا يخفى أحسنية ما في كلامه وَلعر
من عدم المغالبة الزائدة، ولما فيه من المطابقة للواقعة الجادة، مع الإشارة إلى تفسير الآية وما
تضمنه مما ذكرناه من إفادة اللطافة والظرافة. هذا وقد ذكر صاحب خلاصة الطيبي [رحمه
الله]، ظناً أن ضمير به راجع إلى الجبل وأن الباء بمعنى في أن تكريره على طريقة قولك: فيك
زيد راغب فيك، يعني أن الإعادة للتأكيد والمبالغة. ولا شك أن ما قررناه أحسن في مقام
الإفادة. (رواه الترمذي) ولفظ الجامع: ثم يهوي فيه، كذلك أبداً. رواه أحمد والترمذي وابن
حبان والحاكم عنه.
٥٦٧٨ - (وعنه) أي عن أبي سعيد رضي الله عنه (عن النبي ◌َّير قال في قوله: كالمهل)
أي في تفسير قوله تعالى: ﴿وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه ﴾ [الكهف - ٢٩].
(أي كعكر الزيت) بفتح العين والكاف، أي درديه. وقال الطيبي [رحمه الله]: أي الدرن منه
والدنس. وأغرب شارح، وفسر المهل بالصديد مع ظهور النص السديد. (فإذا قرب) بضم
فتشدید راء أي المهل. (إلى وجهه) أي وجه العاصي (سقطت فروة وجهه) أي جلدته وبشرته.
(فيه) أي في المهل. وفي النهاية: فروة وجهه، أي جلدته. والأصل فيه فروة الرأس وهي
جلدته بما (١) عليها من الشعر، فاستعارها من الرأس للوجه. (رواه الترمذي).
٥٦٧٩ _ (وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي وَ ير قال: إن الحميم) أي في قوله
الحديث رقم ٥٦٧٨: أخرجه الترمذي ٦٠٨/٤ حديث رقم ٢٥٨٤. وأخرجه أحمد في المسند ٣/ ٧١.٧٠.
(١) في المخطوطة ((لما)).
الحديث رقم ٥٦٧٩: أخرجه الترمذي ٦٠٧/٤ حديث رقم ٢٥٨٢. وأحمد في المسند ٣٧٤/٢.
:٠٫٫٫٠٠

٣٤٥
كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق/ باب صفة النار وأهلها
ليُصَبُّ على رؤوسهم فينفذ الحميم حتى يخلص إلى جوفه، فيسلت ما في جوفه حتى يمرق
من قدمیه، وهو الصَّهْر ثم يُعاد كما كان)). رواه الترمذي.
٥٦٨٠ _ (١٦) وعن أبي أمامة، عن النبي وَلّ في قوله: ﴿يُسْقَى مِنْ ماءٍ صديد
يتجرَّعُه﴾ قال: ((يقرّب إِلى فيه فيكرهه، فإِذا أُدني منه شوى وجهه، ووقعت فروَةُ رأسه،
فإذا شربه قَطَّعَ أمعاءه، حتى يَخْرج من دبره. يقول الله تعالى: ﴿وسُقُوا ماءً حميماً فقطَّع
أمعاءهم ﴾ ويقول: ﴿وإِن يستغيثوا يغاثوا بماءٍ كالمهل
تعالى: ﴿يصب من فوق رؤوسهم الحميم﴾ [الحج - ١٩]. المفسر بالماء البالغ نهاية الحر.
(ليصب على رؤوسهم) أي يكب فوقها (فينفذ الحميم) بضم الفاء من النفوذ، وهو التأثير
والدخول في الشيء. أي يدخل أثر حرارته من رأسه إلى باطنه. (حتى يخلص) بضم اللام أي
يصل (إلى جوفه) أي إلى جوف رأسه، أو إلى بطنه وهو الظاهر المتبادر، [بل هو الصواب]
لقوله: (فيسلت) بضم اللام من سلت القصعة، إذا مسحها من الطعام فيذهب. وأصل السلت
القطع، فالمعنى فيمسح ويقطع الحميم. (ما في جوفه) أي من الأمعاء. وقال القاضي [رحمه
الله]: أي يذهب ويمر (حتى يمرق) بضم الراء، أي يخرج. (من قدميه وهو الصهر) بفتح الصاد
[بمعنى] الإذابة. والمعنى ما ذكر من النفوذ وغيره، وهو معنى الصهر المذكور في قوله تعالى:
﴿يصهر به ما في بطونهم والجلود﴾ [الحج - ٢٠] . ومع هذا الهم الوعيد الشديد بقوله
سبحانه: ﴿ولهم مقامع من حديد﴾ [الحج - ٢١]. (ثم يعاد) أي ما في جوفه (كما كان)
لقوله تعالى: ﴿كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلوداً غيرها ليذوقوا العذاب﴾ [النساء - ٥٦].
أي شدة العقاب. (رواه الترمذي).
٥٦٨٠ - (وعن أبي أمامة رضي الله عنه عن النبي وَّر في قوله) أي تعالى، كما في نسخة
(﴿يسقى من ماء صديد﴾) قيل صديد الجرح، ماؤه الرقيق المختلط بالدم السائل منه.
(﴿يتجرعه﴾) أي يشربه لا بمرة بل جرعة بعد جرعة لمرارته وحرارته. ولذا قال تعالى: ﴿ولا
يكاد يسيغه ويأتيه الموت من كل مكان وما هو بميت ومن ورائه عذاب غليظ ﴾ [إبراهيم -
١٧]. (قال:) أي النبي وَ لّ (يقرب) بفتح الراء المشددة، أي يؤتى بالصديد قريباً. (إلى فيه)
أي إلى فم العاصي (فيكرهه) أي لعفونته وسخونته (فإذا أدني) بصيغة المجهول، أي زيد في
قربه. (منه) أي من العاصي، أو من فمه. (شوى) أي أحرق (وجهه ووقعت) أي سقطت (فروة
رأسه) أي جلدته. (فإذا شربه) أي ماء الصديد الحار الشديد (قطع أمعاءه) بتشديد الطاء للمبالغة
والتكثير. (حتى تخرج) أي الأمعاء، وفي نسخة بالياء، أي الصديد (من دبره) بضمتين، وهو
ضد القبل. (يقول الله تعالى: ﴿وسقوا ماء حميماً فقطع أمعاءهم﴾، ويقول:) أي الله تعالى في
موضع آخر. (و﴿إن يستغيثوا﴾) أي يطلبوا الغياث بالماء على عادتهم الاستغاثة في طلب
الغيث، وهو المطر. (﴿يغاثوا﴾) أي يجابوا ويؤتوا (﴿بماء كالمهل﴾) أي كالصديد أو كعكر
الحديث رقم ٥٦٨٠: أخرجه الترمذي ٦٠٨/٤. حديث رقم ٢٥٨٤. وأحمد في المسند ٢٦٥/٥.
٢٥٠٠٠
* جهاز

٣٤٦
٠٦٠
بـ
كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق/ باب صفة النار وأهلها
يشوي الوجوه بئس الشراب ﴾)) رواه الترمذي.
٥٦٨١ _ (١٧) وعن أبي سعيد الخدري، عن النبي وَ لّ قال: ((لسُرادقِ النار أربعةُ
جُدُرٍ، كِثَف كل جدار مسيرةُ أربعين سنة)). رواه الترمذي.
٥٦٨٢ - (١٨) وعنه، قال: قال رسول الله وَ له: ((لو أن دلواً من غسّاقٍ
الزيت على ما صح عنه وَلقر. (﴿يشوي الوجوه﴾) أي ابتداء، ثم يسري إلى البطون وسائر
الأعضاء انتهاء. (﴿بئس الشراب﴾) أي المهل أو الماء كالمهل فإنه مكروه ومكره. (رواه
الترمذي).
٥٦٨١ - (وعن أبي سعيد الخدري) [رضي الله تعالى عنه] (عن النبي ◌َّ: السرادق النار)
بكسر اللام وضم السين وجر القاف، وفي نسخة بالفتح والرفع. قال الطيبي [رحمه الله]: روي
بفتح اللام على أنه مبتدأ وكسرها على أنه خبر، وهذا أظهر. وفي النهاية: السرادق كل ما
أحاط بشيء من حائط أو مضرب أو خباء. أقول: وهو إشارة إلى قوله تعالى: ﴿إنا اعتدنا
للظالمين ناراً أحاط بهم سرادقها ﴾ [الكهف - ٢٩] . وفي القاموس: السرادق الذي يمد فوق
البيت، وجمعه سرادقات. وقال شارح: هو الذي [يمد] فوق صحن الدار. أقول الظاهر أن
المراد به في الآية هو المعنى الأعم الشامل للمحيط بجميع جهاتهم. ولعل سرادقها من نار
غليظة مركبة من دخان وغيره، ولذا قال لسرادقها. (أربعة جدر) بضمتين جمع جدار، وهو لا
ينافي أن يمد من فوقهم. فإنه صح في الأخبار أنه يطبق عليهم بل على كل واحد منهم حتى
يظن كل أنه لا يعذب في النار غيره، وهو أصعب. فإن البلية إذا عمت طابت، لا سيما إذا
رأى أن عذابه أخف من بعض. (كثف كل جدار) بضم الكاف والمثلثة مرفوعاً في أصل السيد
وكثير من النسخ. وفي بعضها بالكسر والفتح وعليه أكثر الشراح وهو الأظهر. فقال صاحب
المفاتيح والخلخالي، بكسر الكاف وفتح المثلثة، أي الغلظ فالمعنى كثافة كل جدار وغلظه.
(مسيرة أربعين سنة) وقال شارح: بالفتح والكسر الغلظ، وفي النهاية: الكثف جمع كثيف وهو
الثخين الغليظ. لكن لا يخفى أن معنى الجمع غير ملائم لإضافته إلى كل جدار. نعم في نسخة
ضبط بضمتين مجروراً على أنه صفة جدر وكل جدار بالرفع على الابتداء، وهو ظاهر لفظاً
ومعنى، والله [تعالى] أعلم. (رواه الترمذي).
٥٦٨٢ - (وعنه) أي عن أبي سعيد رضي الله عنه (قال: قال رسول الله وَعليه: لو أن دلواً
من غساق) بالتخفيف والتشديد، ما يسيل من صديد أهل النار وغسالتهم، وقيل ما يسيل من
دموعهم، وقيل هو الزمهرير، كذا في النهاية. وقيل هو الصديد البارد المنتن، لا يقدر على
شربه من برودته كما لا يقدر على شرب الحميم لحرارته. قلت: وهو الملائم للجمع بينهما في
الحديث رقم ٥٦٨١: أخرجه الترمذي ٦٠٨/٤ حديث رقم ٢٥٨٤. وأخرجه أحمد في المسند ٢٩/٣.
الحديث رقم ٥٦٨٢: أخرجه الترمذي ٦٠٨/٤ حديث رقم ٢٥٨٤. وأحمد في المسند ٢٨/٣.
.* ٠
stys

٣٤٧
كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق/ باب صفة النار وأهلها
يُهراق في الدنيا لأنتن أهل الدنيا)). رواه الترمذي.
٥٦٨٣ - (١٩) وعن ابن عباس، أنَّ رسول الله وَ لّ قرأ هذه الآية: ﴿اتقوا الله حقَّ
تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون﴾ قال رسول الله وَله: ((لو أنَّ قطرةً من الزَّقُوم قَطرت في
دارٍ
قوله تعالى: ﴿فليذوقوه حميم وغساق﴾ [ص - ٥٧] . وكذا في قوله سبحانه: ﴿لا يذوقون
فيها برداً ولا شراباً إلا حميماً وغساقاً﴾ [النبأ - ٢٥]. على النشر المشوش اعتماداً على فهم
السامع: والحاصل أنه لو أن شيئاً قليلاً منه. (يهراق) بفتح الهاء ويسكن أن يصب. (في الدنيا)
أي في أرضها (لأنتن أهل الدنيا)(١) أي لصاروا ذوي نتن منه، فأهل مرفوع على الفاعلية،
وعليه الأصول المعتمدة. وكأنه وجد في بعض النسخ بالنصب على توهم أن أنتن متعد بزيادة
الهمزة. فقال شارخ: أنتن الشيء، أي تغير وصار ذا نتن. فنصب أهل ليس بصواب، إنما
الصواب رفعه كذا قاله الإمام التوربشتي رحمه الله. وفي القاموس: النتن ضد الفوح. نتن ككرم
وضرب نتانة، وأنتن فهو منتن بكسرتين ويضمتين، وكقنديل. أقول: ولعل وجه الكسرتين أنه
كسر الميم تبعاً، كما في قوله: الحمد لله. قرىء في الشواذ بكسر الدال، وضمها تباعاً لما
بعدها، وعد الكلمتين كلمة لامتزاجهما وعدم انفكاكهما غالباً. (رواه الترمذي) وكذا ابن حبان
في صحيحه والحاكم في مستدركه (٢).
٥٦٨٣ - (وعن ابن عباس رضي الله عنه: أن رسول الله ﴿ قرأ هذه الآية: ﴿اتقوا الله﴾)
أولها: ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله﴾. ((حق تقاته﴾) أي حق تقواه من القيام بالواجبات
واجتناب السيئات وقد فسره ابن مسعود بقوله: هو أن يطاع فلا يعصي، ويشكر فلا يكفر،
ويذكر فلا ينسى، ورواه الحاكم عن رسول الله وَلقر، وكذا رواه ابن أبي حاتم وابن مردويه،
وصححه المحدثون. فهو أما تفسير لكمال التقوى فلا إشكال، أو لأصلها فيكون منسوخاً بقوله
تعالى: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾ [التغابن - ١٦]. كما ذكره بعضهم. وقال بعض العارفين:
هو أن ينزه الطاعة عن الالتفات إليها وعن توقع المجازات عليها. (﴿ولا تموتن إلاّ وأنتم
مسلمون﴾)(٣) أي موحدون منقادون تائبون جامعون بين الخوف والرجاء غالبون حسن الظن
بالمولى [جلَّ وعلا] في الآخرة والأولى. وهو في الحقيقة أمر بدوام الإِسلام، فإن النهي في
هذا المقام توجه إلى القيد في الكلام. (فقال رسول الله وَلي: لو أن قطرة من الزقوم) أي من ماء
شجر يخرج في أصل الجحيم. قال شارح: الزقوم شجرة خبيثة مرة كريهة الطعم والرائحة،
يكره أهل النار على تناوله، فلو أن قطرة منه (قطرت) بالفتحات، أي نقطت ونزلت. (في دار
(١) في المخطوطة ((أهلها)).
(٢) الحاكم في المستدرك ٤/ ٦٠٢.
الحديث رقم ٥٦٨٣: أخرجه الترمذي ٦٠٩/٤ حديث رقم ٢٥٨٥ وأخرجه ابن ماجه ١٤٤٦/٢ حديث
رقم ٤٤٠٨ وأحمد في المسند ٣٠١/١.
(٣) سورة آل عمران. آية ١٠٢.

٣٤٨
كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق/ باب صفة النار وأهلها
الدنيا لأفسدت على أهلِ الأرض معايشهم فكيف بمن يكون طعامه؟!) رواه الترمذي،
/٣/١٣
وقال: هذا حديث حسن صحيح.
٥٦٨٤ - (٢٠) وعن أبي سعيد، عن النبي ◌َّر قال: ﴿وهم فيها كالحون﴾ قال:
(تشويه النارُ فَتَقَلَّصُ شفتُه العُلْيا حتى تبلُغَ وسْط رأسه، وتسترخي شفته السّفلى حتى
الدنيا لأفسدت) أي لمرارتها وعفونتها وحرارتها (على أهل الأرض معايشهم) بالياء وقد يهمز،
جمع معيشة. (فكيف بمن يكون) أي الزقوم (طعامه) ففي الصحاح: إن الزقوم اسم طعام لهم
فيه تمر وزبد والزقم أكله، فالمعنى(١) [أن هذا الزقوم] في العقبى بدل زقومهم في الدنيا. كما
قال تعالى: ﴿إن شجرة الزقوم طعام الأثيم﴾ [الدخان - ٤٣ - ٤٤]. قال [ابن عباس رضي الله
ـجبة **.... ٧
عنه: لما نزل ﴿إن شجرة الزقوم طعام الأثيم﴾. قال أبو جهل: التمر بالزبد نتزقمه.
فأنزل الله تعالى: ﴿إنها شجرة تخرج في أصل الجحيم﴾ [الصافات - ٦٤] الآيات. قال الطيبي
[رحمه الله]: قوله: حق تقاته. أي واجب تقواه وما يحق(٢) منها، وهو القيام بالواجب
واجتناب المحارم، أي بالغوا في التقوى حتى لا تتركوا من المستطاع منها شيئاً. وهذا معنى
قوله تعالى: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾ [التغابن - ١٦]. وقوله: ﴿ولا تموتن إلا وأنتم
مسلمون﴾ [آل عمران - ١٠٢] . تأكيد لهذا المعنى، أي لا تكونن على حال سوى حال
الإسلام إذا أدرككم الموت، فمن واظب على هذه الحالة وداوم عليها مات مسلماً وسلم في
الدنيا من الآفات وفي الآخرة من العقوبات، ومن تقاعد عنها وتقاعس وقع في العذاب في
الآخرة. ومن ثم اتبعه وَّله بقوله: لو أن قطرة من الزقوم. الحديث وهو فعول من الزقم، اللقم
الشديد والشرب المفرط. (رواه الترمذي. وقال: هذا حديث حسن صحيح) وكذا رواه أحمد
والنسائي وابن ماجه والحاكم وابن حبان(٣).
. 4776
٥٦٨٤ - (وعن أبي سعيد رضي الله عنه عن النبي ◌َّرِ قال:) أي في قوله تعالى: (﴿وهم
فيها﴾) أي الكفار في النار. (﴿كالحون﴾)(٤) أي عابسون حين تحترق وجوههم من النار، كذا
ذكره الطيبي [رحمه الله]. وقال شارح: أي بادية أسنانهم، وهو المناسب لتفسيره وَل*، كما
بينه الراوي بقوله: (قال:) وأعاده للتأكيد (تشويه) بفتح أوله، أي تحرق الكافر. (النار) أي نار
أهل البوار. (فتقلص) على صيغة المضارع بحذف إحدى التائين، أي تنقبض. (شفته العليا)
بفتح الشين وتكسر. (حتى تبلغ) أي تصل شفته (وسط رأسه) بسكون السين وتفتح.
(وتسترخي) بالتذكير والتأنيث أي تسترسل. (شفته السفلى) تأنيث الأسفل كالعليا ثأنيث
(١) في المخطوطة ((بمعنى)).
(٢) في المخطوطة ((نجس)).
(٣) الإِحسان بترتيب صحيح ابن حبان ٢٧٨/٩ حديث رقم ٧٤٢٧.
الحديث رقم ٥٦٨٤: أخرجه الترمذي ٦١٠/٤ حديث رقم ٢٥٨٧. وأحمد في المسند ٨٨/٣.
(٤) المؤمنون. آية ١٠٤.

٣٤٩
كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق/ باب صفة النار وأهلها
تضرب سُرَّتَهُ». رواه الترمذي.
٥٦٨٥ - (٢١) وعن أنس، عن النبي وَّر قال: ((يا أيها الناس! ابكوا فإِن لم تستطيعوا
فتباكوا، فإِنَّ أهلَ النارِ يبكون في النار حتى تسيل دموعهم في وجوههم، كأنها جداولُ،
حتى تنقطع الدموع، فتسيل الدماء، فتقرَّح العيون، فلو أنَّ سُفُناً أَزْجِيَتْ فيها لجَرَتْ)). رواه
في ((شرح السنة)).
٥٦٨٦ - (٢٢) وعن أبي الدَّرداءِ، قال: قال رسولُ الله ◌َّهِ: ((يُلقى على أهلِ النَّارِ
الجوعُ، فيعدِلُ ما هُم فيه منَ العذابِ، فيستَغيثونَ، فيُغاثونَ بطعامٍ منْ ضَرِيعٍ،
الأعلى. (حتى تضرب) أي تقرب شفته. (سرته. رواه الترمذي).
٥٦٨٥ - (وعن أنس رضي الله عنه عن النبي وسلم قال: يا أيها الناس ابكوا) بكسر همزة
الوصل وضم الكاف، أمر من بكى يبكي. أي ابكوا خوفاً على ذنوبكم أو شوقاً إلى ربكم، كما
أخبر الله سبحانه عن حالة أنبيائه وأصفيائه: ﴿إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجداً وبكياً ﴾
[مريم - ٥٨]. وقد سجد بعض السلف في هذه الآية، فقال: هذه السجدة فأين البكاء. (فإن لم
تستطيعوا) أي لم تقدروا على البكاء الحقيقي فإنه ليس بالأمر الاختياري. (فتباكوا) بفتح الكاف.
أمر من باب التفاعل، والمعنى تحملوا أنفسكم [بالتكلف] على البكاء، وفيه إيماء إلى قوله
تعالى: ﴿فليضحكوا قليلاً وليبكوا كثيراً﴾ [التوبة - ٨٢]. (فإن أهل النار) أي من الكفار،
ويحتمل أن يعم الفجار. (يبكون في النار حتى تسيل دموعهم في وجوههم.) أي عليها، والتعبير
بفي أبلغ، ويؤيده قوله: (كأنها) أي دموعهم (جداول) جمع جدول، وهو النهر الصغير. (حتى
تنقطع الدموع فتسيل الدماء) بنصب الفعل، ويرفع وكذا الوجهان في قوله: (فتقرح)، بتشديد الراء
المفتوحة على أنه مضارع من باب التفعل. حذف إحدى التاءين منه، أي فتخرج (منه) أي من
سيلان الدماء. (العيون) بضم العين وتكسر جمع العين. وفي نسخة فتقرح بسكون القاف وفتح
الراء. فالعيون منصوب لأن قرح كمنع جرح على ما في القاموس، فالمعنى: فتخرج دموعهم أو
دماؤهم عيونهم، فتزيد في سيلانها. (فلو أن سفناً) بضم السين والفاء جمع سفينة. (أزجيت)
بصيغة المجهول من الإزجاء بالزاي والجيم أي أرسلت. (فيها) أي في الدموع أو الدماء.
(لجرت) أي السفن (بها. رواه) أي البغوي (في شرح السنة) أي بإسناده.
٥٦٨٦ - (وعن أبي الدرداء قال: قال رسول الله وَلاير: يلقى) أي يسلط (على أهل النار
الجوع) أي الشديد (فيعدل) بفتح الياء وكسر الدال، أي فيساوي الجوع. (ما هم فيه من
العذاب) المعنى أن ألم جوعهم مثل ألم سائر عذابهم. (فيستغيثون) أي بالطعام (فيغاثون بطعام
من ضريع) وهو نبت بالحجاز له شوك لا تقربه دابة لخبثه، ولو أكلت ماتت. والمراد هنا شوك
الحديث رقم ٥٦٨٥: أخرجه ابن ماجه ١٤٤٦/٢ حديث رقم ٤٣٢٤.
الحديث رقم ٥٦٨٦ : أخرجه الترمذي ٦٠٥/٤ حديث رقم ٢٦٨.

٣٥٠
كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق / باب صفة النار وأهلها
لا يُسمِنُ ولا يُغني منْ جوعٍ، فيستَغيثونَ بالطعامِ، فيُغاثونَ بطعامِ ذي غُصَّةٍ، فيذكرونَ
أنهم كانوا يُجيزونَ الغُصصَ في الدنيا بالشّرابِ، فيستغيثونَ بالشراب فيرفع إليهمُ الحميمُ
بكلاليبِ الحديدِ، فإِذا دنَت من وُجوههِم شوَت وُجوهَهم، فإِذا دخلتْ بُطونَهم قطعتْ ما
في بطونهم، فيقولونَ: ادْعوا خَزَنَةَ جهنَمَ، فيقولونَ: أَلَمْ تَكُ تأتيكم رسُلُكُم بالبَيّناتِ؟
قالوا: بلى. قالوا: فاذعوا، وما دُعاءُ الكافرينَ إِلاَّ في ضَلالٍ)) قال: ((فيقولونَ: اذعوا
مالكاً،
من نار أمر من الصبر وأنتن من الجيفة وأحر من النار. (لا يسمن) أي لا يشبع الجائع ولا
ينفعه، ولو أكل منه كثيراً. (ولا يغني من جوع) أي ولا يدفع ولو بالتسكين شيئاً من ألم
الجوع. وفيه إيماء إلى قوله تعالى: ﴿ليس لهم طعام إلا من ضريع﴾ [الغاشية - ٦]. [إلى
آخره] . (فيستغيثون بالطعام) أي ثانياً لعدم نفع ما أغيثوا أولاً. (فيغاثون بطعام ذي غصة) أي
مما ينشب في الحلق ولا يسوغ فيه من عظم وغيره لا يرتقي ولا ينزل. وفيه إشعار إلى قوله
تعالى: ﴿إن لدينا أنكالاً وجحيماً وطعاماً ذا غصة وعذاباً أليماً﴾ [المزمل - ١٢ - ١٣].
والمعنى أنهم يؤتون بطعام ذي غصة فيتناولونه فيغصون به. (فيذكرون أنهم كانوا يجيزون) من
الإجازة بالزاي، أي يسيغون (الغصص) جمع الغصة بالضم، وهي ما اعترض في الحلق فأشرق
على ما في القاموس. والمعنى أنهم كانوا يعالجونها. (في الدنيا بالشراب فيستغيثون) أي على
مقتضى طباعهم. (بالشراب) أي لدفع ما حصل لهم من العذاب. (فيرفع إليهم الحميم) بالرفع
أي يرفع أطراف إناء فيه الحميم، وهو الماء الحار الشديد. (بكلاليب الحديد) أي على أيدي
الملائكة أو بيد القدرة من غير الواسطة. (فإذا دنت) أي قربت أواني الحميم (من وجوههم
شوت وجوههم) أي أحرقتها (فإذا دخلت) أي أنواع ما فيها من الصديد والغساق وغيرهما
(بطونهم قطعت ما في بطونهم) أي من الأمعاء قطعة قطعة (فيقولون: ادعوا خزنة جهنم) نصب
على أنه مفعول ادعوا، وفي الكلام حذف أي يقول الكفار بعضهم لبعض: ادعوا خزنة جهنم
فيدعونهم. ويقولون لهم: ﴿ادعوا ربكم يخفف عنا يوماً من العذاب﴾. (فيقولون:) أي الخزنة
(ألم تك تأتيكم رسلكم بالبينات. قالوا: بلى. قالوا:) أي الخزنة تهكماً بهم (فادعوا) أي أنتم
ما شئتم فأنا لا نشفع للكافر (وما دعاء الكافرين إلاّ في ضلال) أي في ضياع، لأنه لا ينفعهم
حينئذ دعاء لا منهم ولا من غيرهم. وهذا لا يدل على أنه لا يستجاب لهم دعوة في الدنيا كما
فهمه بعض العلماء، وقد استجيب دعاء الشيطان في الامهال والله [تعالى] أعلم بالحال. وقال
الطيبي [رحمه الله]: الظاهر أن خزنة جهنم ليس بمفعول ادعوا، بل هو منادى ليطابق قوله
وتعالى: ﴿وقال الذين في النار لخزنة جهنم ادعوا ربكم يخفف عنا يوماً من العذاب ﴾ [غافر -
٤٩]. وقوله: ألم تك تأتيكم. الزام للحجة وتوبيخ وأنهم خلفوا وراءهم أوقات الدعاء
والتضرع، وعطلوا الأسباب التي يستجيب لها الدعوات. قالوا: فادعوا أنتم فإنا لا نجترىء
إعلى الله ذلك. وليس قولهم: فادعوا، لرجاء المنفعة ولكن للدلالة على الخيبة، فإن الملك
المقرب إذا لم يسمع دعاؤه فكيف يسمع دعاء الكافرين. (قال) أي النبي ◌َّر (فيقولون:) أي
الكفار (ادعوا مالكاً) والمعنى أنهم لما أيسوا من دعاء خزنة جهنم لأجلهم وشفاعتهم لهم،

٣٥١
كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق/ باب صفة النار وأهلها
فيقولونَ: يا مالكُ! لَيَقْضِ عَلَينا ربُّكَ)) قال: ((فَيُجِيبُهم إِنَّكم ماكِثونَ)). قال الأعمشُ: نُبِئْتُ
أنَّ بينَ دُعائِهم وإِجابَةِ مالك إِياهُم ألفَ عام قال: ((فيقولونَ: ادعوا ربّكم، فلا أحدٌ خيرٌ منْ
ربّكم، فيقولونَ: ربَّنا غلَبتْ شِقْوَتُنا وكثّا قوماً ضالِّينَ، ربَّنا أخرِجْنا منها فإِنْ عُدْنا فإِنا
ظالمونَ)) قال: ((فيُجيبُهم: اخْسَؤوا فيها ولا تُكلمونِ)) قال: ((فعندَ ذلكَ يئسوا منْ كلِّ خيرٍ،
وعندَ ذلكَ يأخُذونَ في الزَّفيرِ والحسرة والوَيْل)). قال عبدُ الله بنُ عبد الرَّحمْنِ: والنَّاسُ لا
يرفعونَ هذا الحديثَ. رواه الترمذيُّ.
٥٦٨٧ _ (٢٣) وعن النُّعمانِ بنِ بشيرٍ، قال: سمعتُ رسولَ اللهِ وَله يقولُ:
أيقنوا أن لا خلاص لهم ولا مناص من عذاب الله. (فيقولون: يا مالك ليقض) أي سل ربك
داعياً ليحكم بالموت (علينا ربك) لنستريح، أو من قضى عليه إذا أماته. فالمعنى ليميتنا ربك
فنستريح. (قال:) أي النبي ◌َلقر (فيجيبهم) أي مالك جواباً من عند نفسه، أو من عند ربه تعالى
بقوله: (أنكم ماكثون) أي مكثاً مخلداً (قال الأعمش:) وهو أحد الرواة من أجلاء التابعين.
(نبئت) بتشديد الموحدة المكسورة، أي أخبرت من بعض الصحابة موقوفاً أو مرفوعاً. (أن بين
دعائهم وإجابة مالك إياهم) أي بهذا الجواب (ألف عام: قال: فيقولون:) أي بعضهم لبعض
(ادعوا ربكم فلا أحد) أي فليس أحد (خير من ربكم) أي في المرحمة والقدرة على المغفرة
(فيقولون: ربنا غلبت علينا شقوتنا) بكسر فسكون وفي قراءة بفتحتين وألف بعدهما، وهما
لغتان بمعنى ضد السعادة. والمعنى سبقت علينا هلكتنا المقدرة بسوء خاتمتنا. (وكنا قوماً
ضالين) أي عن طريق التوحيد (ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون) وهذا كذب منهم، فإنه
تعالى قال: ﴿ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وأنهم لكاذبون﴾ [الأنعام - ٢٨]. (قال: فيجيبهم)
أي الله بواسطة أو بغيرها، [إجابة إعراض] . (اخسؤوا فيها) أي ذلوا وانزجروا كما ينزجر
الكلاب إذا زجرت. والمعنى، ابعدوا أذلاء في النار. (ولا تكلمون) أي لا تكلموني في رفع
العذاب فإنه لا يرفع ولا يخفف عنكم (قال: فعند ذلك يئسوا) أي قنطوا (من كل خير) أي مما
ينجيهم من العذاب، أو يخففه عنهم. (وعند ذلك) أي أيضاً (يأخذون في الزفير) أي في
احتراق النفس للشدة. وقيل: الزفير أول صوت الحمار، كما أن الشهيق آخر صوته. قال
تعالى: ﴿لهم فيها زفير وشهيق﴾ [هود - ١٠٦] (والحسرة) أي وفي الندامة. (والويل) أي وفي
شدة الهلاك والعقوبة. وقيل: هو واد في جهنم. (قال عبد الله بن عبد الرحمن:) أحد
المحدثين من أصحاب التخريج (والناس لا يرفعون هذا الحديث.) أي بل يجعلونه موقوفاً على
أبي الدرداء، لكنه في حكم المرفوع. فإن أمثال ذلك ليس مما يمكن أن يقال من قبل الراوي.
(رواه الترمذي) أي مرفوعاً كما يفهم من صدر الحديث.
up٢٠٠
١
١
٥٦٨٧ - (وعن النعمان بن بشير رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله وَ له يقول:
الحديث رقم ٥٦٨٧: أخرجه الدارمي في المسند ٤٢٥/٢ الحديث رقم ٢٨١٢. وأحمد في المسند ٢٦٨.
٢٠١٦٥٢

٣٥٢
كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق/ باب صفة النار وأهلها
١٠٠٠
((أنذَرتُكمُ النارَ، أنذرتكمُ النَّارَ)) فما زالَ يقولُها، حتى لو كانَ في مقامي هذا سمِعَه أهلُ
السوقٍ، وحتى سقطتْ خميصةٌ كانتْ عليهِ عندَ رِجلَيهِ. رواه الدارميُّ.
٥٦٨٨_ (٢٤) وعن عبدِ الله بن عمرو بن العاصِ، قال: قال رسولُ اللهِوَلِ: ((لوْ أنَّ رَصاصةً
أنذرتكم النار) أي أخبرتكم بوجودها وأخبرتكم بشدتها وخوفتكم بأنواع عقوبتها. (أنذرتكم
النار) أي أعلمتكم بما يتقي به عنها حتى قلت لكم: اتقوا النار ولو بشق تمرة. ثم يمكن أن
يراد بهما الإنذار في زمان الحال، وعبر بالماضي لتحققه في السابق اللاحق للاستقبال، أو
الأول إخبار والثاني إنشاء، أو جمع بينهما للتأكيد في أحد المعاني. وفي نسخة كرر ثلاثاً (فما
زال يقولها) أي يكرر الكلمة المذكورة ويرفع بها صوته. (حتى لو كان) أي النبي ◌َّر (في
مقامي هذا) أي المقام الذي كان الراوي فيه عند روايته هذا الحديث. (سمعه) أي سمع صوته
(أهل السوق) لأنه بالغ في رفع الصوت عملاً بقول نوح عليه [الصلاة] والسلام. ﴿ثم إني
دعوتهم جهاراً ثم إني أعلنت لهم وأسررت لهم اسراراً﴾ [نوح - ٨ - ٩] . (وحتى سقطت
خميصه) وهي نوع ثوب. (كانت عليه) أي فوق كتفه بمنزلة ردائه (عند رجليه) أي من جذبته
الإلهية وعدم شعوره من الهيبة الحسية. (رواه الدارمي).
٥٦٨٨ - (وعن عبد الله بن عمرو بن العاص) بحذف الياء في أكثر النسخ المصححة،
وفي نسخة بالياء. قال النووي [رحمه الله]: في مقدمة شرح مسلم: أما ابن العاص فأكثر ما
يجيء في كتب الحديث والفقه ونحوهما بحذف الياء، وهي لغة. والفصيح الصحيح العاصي
بإثبات الياء. وكذلك شداد بن الهادي وابن أبي الموالي. فالصحيح الفصيح في كل ذلك وما
أشبهه إثبات الياء، ولا اعتداد بوجوده في كتب الحديث إذ أكثرها بحذفها أقول: تعبيره
بالصحيح الفصيح غير صحيح، إذ جاء إثبات الياء وحذفها في الكلام الأفصح كتابة وقراءة.
نعم حذفها رسماً أكثر من إثباتها قراءة، وإثباتها قراءة أشهر من حذفها في [نحو] قوله تعالى:
﴿المهتد والمتعال﴾، و﴿باق﴾ و﴿واق﴾(١). ثم عدم الاعتداد بكتب الحديث المطابق لرسم
المصحف الشريف المنسوب إلى كتابة الصحابة رضوان الله [تعالى] عليهم أجمعين، مستبعد
جداً خصوصاً من الإمام النووي [رحمه الله]، الذي هو من أتباع المحدثين ومن الفقهاء
المتورعين. هذا والصحيح في العاص أنه معتل العين لا معتل اللام، على ما حققه صاحب
القاموس بقوله: الأعياص من قريش أولاد أمية بن عبد شمس [الأكبر]، وهم العاص وأبو
العاص والعيص وأبو العيص فالعاص على هذا يخرج عما نحن فيه بالكلية، ولا يجوز إثبات
الياء فيه بالمرة والله [تعالى] أعلم. (قال: قال رسول الله ويلي: لو أن رصاصة) بفتح الراء
الحديث رقم ٥٦٨٨: أخرجه الترمذي ٦١١/٤ حديث رقم ٢٥٨٨ وأحمد في المسند ١٩٧/٢.
(١) وهذه الكلمات من قوله تعالى: المهتد: ﴿ومن يهد الله فهو المهتد﴾ الإسراء . آية ٩٧. المتعال:
﴿عالم الغيب والشهادة الكبير المتعال﴾ الرعد. آية ٩. ﴿ما عندكم ينفد وما عند الله باق﴾ النحل. آية
٩٦ .﴿ولعذاب الآخرة أشق وما لهم من الله من واق﴾ الرعد. آية ٣٤.

٣٥٣
كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق/ باب صفة النار وأهلها
مثلَ هذِه - وأشارَ إِلى مثلِ الجُمجُمةِ - أُرسِلتْ منَ السَّماءِ إِلى الأرض، وهيَ مسيرةُ
خمسمائة سنةٍ، لبلغتِ الأرضَ قبلَ الليلِ، ولوْ أنَّها أُرسلتْ منْ رأسِ السّلسلةِ، لسارتْ
أربعينَ خريفاً الليلَ والنهارَ قبلَ أنْ تبلغَ أصلها أوْ قعرَها)). رواه الترمذيُّ.
والصادين المهملتين أي قطعة من الرصاص. ففي القاموس الرصاص: كسحاب معروف. وفي
نسخة السيد رضاضة براء واحدة ومعجمتين، وهي الحصا الصغار على ما في النهاية. وفي
نسخ المصابيح رضراضة براءين ومعجمتين، وهي الحجارة المدقوقة على ما قاله شارح: وهو
سهو من الكتاب، أو من صاحب الكتاب والله [تعالى] أعلم بالصواب. قال التوربشتي [رحمه
الله]: في سائر نسخ المصابيح رضراضة مكان رصاصة، وهو غلط لم يوجد في جامع
الترمذي، ولعل الغلط وقع من غيره. (مثل هذه) إشارة إلى محسوسة معينة هناك، كما أشار
إليه الراوي بقوله: (وأشار إلى مثل الجمجمة) بضم الجيمين في النسخ المصححة للمشكاة،
وهي قدح صغير. وقال المظهر بالخاءين المعجمتين: وهي حبة صغيرة صفراء. وقيل [هي]
بالجيمين وهي عظم الرأس المشتمل على الدماغ. وقيل: الأوّل أصح انتهى. والجملة خالية
لبيان الحجم والتدوير المعين على سرعة الحركة. قال التوربشتي [رحمه الله]: بين مدى قعر
جهنم بأبلغ [ما يمكن] من البيان، فإن الرصاص من الجواهر الرزينة، والجوهر كلما كان أتم
رزانة كان أسرع هبوطاً إلى مستقره، لا سيما إذا انضم إلى رزانته كبر جرمه، ثم قدره على
الشكل الدوري. فإنه أقوى انحداراً وأبلغ مروراً في الجواهر. فالمختار عنده أن المراد
بالجمجمة جمجمة الرأس، على أن اللام للعهد أو بدل عن المضاف إليه، وهو المغني الظاهر
المتبادر من الجمجمة. ثم قوله: (أرسلت) صفة لاسم أن، وما بينهما معترضة، أي أدليت.
(من السماء إلى الأرض وهي) أي مسافة ما بينهما (مسيرة خمسمائة سنة لبلغت الأرض قبل
الليل. ولو أنها أرسلت من رأس السلسلة) أي المذكورة في قوله تعالى: ﴿ثم في سلسلة ذرعها
سبعون ذراعاً فاسلكوه﴾ [الحاقة - ٣٢]. فالمراد من السبعين الكثرة، أو المراد بذرعها ذراع
الجبار. وقال شارح: أي رأس سلسلة الصراط، وهو في غاية من البعد. (لسارت) أي لنزلت
وصارت مدة ما سارت (أربعين خريفاً) أي سنة (الليل والنهار) أي منهما جميعاً، لا يختص
سيرها بأحدهما. (قبل أن تبلغ أصلها) أي أصل السلسلة (أو قعرها) شك من الراوي. والمراد
بقعرها نهايتها وهو معنى أصلها حقيقة أو مجازاً. فالترديد إنما هو في اللفظ المسموع. وأبعد
الطيبي [رحمه الله] حيث قال: يراد به قعر جهنم، لأن السلسلة لا قعر لها. قلت: وجهنم في
هذا المقام لا ذكر لها مع لزوم تفكيك الضمير فيها وإن كان قعرها عميقاً على ما رواه هنا.
وعن أنس مرفوعاً: ((لو أن حجراً مثل سبع خلفات ألقي من شفير جهنم هوى فيها سبعين
خريفاً لا يبلغ قعرها))(١). والمراد بالخلفات، النوق الحوامل. فاختيار كبر جرم المرسل هنا
مناسب لما قدمه التوربشتي [رحمه الله] . (رواه الترمذي).
-
(١) نسبه السيوطي إلى هناد في الجامع الصغير ٢/ ٤٥٤ حديث رقم ٧٤٠٩.

٣٥٤
كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق/ باب صفة النار وأهلها
١٣٠
٥٦٨٩ _ (٢٥) وعن أبي بُردةَ، عن أبيهِ، أنَّ النبيَّ ◌َِّ قال: ((إِنَّ في جهنمَ لوادِياً يُقالُ
له: هَبْهَبُ، يسكنُه كلُّ جبَّارٍ)). رواه الدارمي.
الفصل الثالث
٥٦٩٠ _ (٢٦) عن ابن عمّرَ، عن النبيِّ وَِّ، قال: «يَعظُمُ أهلُ النَّارِ في النارِ حتى إِنَّ
بينَ شحمةِ أُذنِ أحدِهم إِلى عاتقِه مسيرةً سبعمائةٍ عامٍ، وإِنَّ غِلَظَ جلدِهِ سبعون ذِراعاً، وإِنَّ
ضِرْسَهُ مثلُ أُحُدٍ)).
٥٦٨٩ - (وعن أبي بردة) بضم موحدة (عن أبيه) قال المؤلف هو أبو بردة بن عامر
ابن عبد الله بن قيس أحد التابعين المشهورين المكثرين، سمع أباه وعلياً وغيرهما. وكان
على قضاء الكوفة بعد شريح فعزله الحجاج. (أن النبي ◌َليزر قال: إن في جهنم لوادياً) في
القاموس هو مفرج بين جبال أو تلال أو آكام. (يقال له هبهب) بضم الباء الثانية من غير
تنوين، وفي نسخة الجزري وكثير من النسخ. ولعل عدم انصرافه باعتبار البقعة مع العلمية،
وفي نسخة السيد بسكون الباءين. ولا يظهر له وجه، اللهم إلاّ أن يقال إنه تكرار. هب
أمر من الهبة، فكأن الوادي أو من حضره يقول بلسان الحال أو المقال: هب هب،
مخاطباً خطاب العام والله [تعالى] أعلم بالمرام. وفي النهاية الهبهب السريع، وهبهب
السراب إذا برق. قال التوربشتي [رحمه الله]: سمي بذلك إما لسرعة وقوعه في المجرمين
أو لشدة أجيج النار فيه، أو للمعانه عند الاضطرام والالتهاب والله [تعالى] أعلم بالصواب.
(يسكنه) فيه حذف وإيصال، أي يسكن فيه. (كل جبار) أي متكبر عنيد عن الحق بعيد،
وعلى الخلق شديد. (رواه الدارمي) وروى ابن مردويه عن ابن عمر: والفلق سجن في
جهنم يحبس فيه الجبارون والمتكبرون، وإن جهنم لتعوذ بالله منه. ورواه ابن جرير عن
أبي هريرة: الفلق جب في جهنم مغطى.
(الفصل الثالث)
٥٦٩٠ - (عن ابن عمر رضي الله [تعالى] عنهما، عن النبي وَّر قال: يعظم أهل النار في
النار) أي تكبر جثثهم (حتى إن) بكسر الهمز ويفتح (بين شحمة أذن أحدهم إلى عاتقه مسيرة
سبعمائة عام) أي ليزيد عذابهم كمية وكيفية (وإن غلظ جلده سبعون ذراعاً) عطف على مدخول
حتى، أو على الجملة السابقة. وكذا قوله: (وإن ضرسه مثل أحد).
//
الحديث رقم ٥٦٨٩: أخرجه الدارمي ٤٢٧/٢ حديث رقم ٢٨١٦.
الحديث رقم ٥٦٩٠: أخرجه أحمد في المسند ٢٦/٢.
%
٦,٠

٣٥٥
كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق/ باب صفة النار وأهلها
٥٦٩١ - (٢٧) وعن عبدِ الله بن الحارثِ بن جَزْءٍ، قال: قال رسولُ اللهِ وَلِّ: ((إِنَّ في
النارِ حيَّاتٍ كأمثالِ الْبُخْتِ تلسَعُ إِحداهنَّ اللسعةَ فيجدُ حموتها أربعينَ خريفاً، وإِن في النار
عقارب كأمثال البغال المؤكفة، تلسعُ إِحداهنَّ اللسعةَ فيجد حموتَها أربعين خريفاً». رواهما
أحمد .
٥٦٩٢ - (٢٨) وعن الحسن، قال: حدَّثنا أبو هريرةَ، عن رسول اللّهِ وَلِّ، قال:
(الشمسُ والقمرُ ثورانِ مكوَّرانِ في النارِ يومَ القيامةِ)). فقال الحسنُ: وما ذنبُهما؟ فقال:
أُحدِّثكَ عن رسولِ الله ◌َِّر!
٥٦٩١ - (وعن عبد الله بن الحارث بن جزء) بفتح الجيم وسكون الزاي فهمز. قال
المؤلف رحمه الله: هو عبد الله بن جزء أبو الحرث السهمي سكن مصر وشهد بدراً. مات سنة
خمس وثمانين بمصر انتهى. وفيه إشكال لا يخفى. (قال: قال رسول الله وَلقر: إن في النار
حيات كأمثال البخت) بضم موحدة فسكون معجمة ومفردة. بختي في القاموس بالضم، الإبل
الخراسانية. (تلسع إحداهن اللسعة) أي اللدغة (فيجد) أي ملسوعها (حموتها) بفتح فسكون،
أي أثر سمها وسورة ألمها. (أربعين خريفاً. وإن في النار عقارب كأمثال البغال المؤكفة) بالهمز
أو الواو والكاف مفتوحة، من أكفت الحمار وأوكفة شددت عليه الأكاف. (تلسع إحداهن
اللسعة فيجد حموتها أربعين خريفاً. رواهما) أي الحديثين (أحمد).
٥٦٩٢ - (وعن الحسن) أي البصري (قال: حدثنا أبو هريرة عن رسول الله وَلفي قال:
الشمس والقمر ثوران) بفتح المثلثة، أي كثورين. فهو تشبيه بليغ، كقولهم زيد أسد، (مكوران)
بتشديد الواو المفتوحة، أي ملقيان من طعنه فكورة، أي ألقاه على ما ذكره الطيبي [رحمه الله].
والمعنى أنه يلقي ويطرح كل منهما عن فلكهما. (في النار يوم القيامة) لزيادة عذاب أهلها
بحرهما، لما ورد عن ابن عمر على ما رواه الديلمي في مسند الفردوس مرفوعاً: ((الشمس
والقمر وجوههما إلى العرش، وأقفاؤهما إلى الدنيا)). ففيه تنبيه نبيه على أن وجوههما لو كانت
إلى الدنيا لما أطاق حرهما أحد من أهل الدنيا. وقال ابن الملك: أي يلفان ويجمعان ويلقيان
فيها. وكأنه أخذه من تكوير العمامة. ومنه قوله تعالى: ﴿يكور الليل على النهار ويكور النهار
على الليل﴾ [الزمر - ٥]. قال في النهاية: ومنه حديث أبي هريرة [رضي الله تعالى عنه]:
(يجاء بالشمس والقمر ثورين مكورين في النار)). والرواية ثوران بالثاء المثلثة، كأنهما
يمسخان. وقد روي بالنون وهو تصحيف انتهى. ومن الغريب أنه وقع في نسختي الشيخ
الجزري والسيد بالنون، أصلاً وبالمثلثة في الهامش نسخة. ومما يؤيد الرواية بالثاء ما ذكره
السيوطي [رحمه الله] في البدور عن أنس وعن كعب الأحبار أيضاً: ثوران عقيران. (فقال
الحسن: وما ذنبهما فقال:) أي أبو هريرة (أحدثك عن رسول الله وَل﴿) قال الطيبي [رحمه الله]:
الحديث رقم ٥٦٩١: أخرجه أحمد في المسند ٤/ ١٩١.
٨٠٥

2C-
1/
***
٣٥٦
كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق/ باب صفة النار وأهلها
فسكتَ الحسنُ. رواه البيهقيُّ في ((كتاب البعث والنشور)).
٥٦٩٣ - (٢٩) وعن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ اللهِ وَلِّ: ((لا يدخلُ النَّارَ إِلاَّ
شقيٍّ)). قيلَ: يا رسولَ الله! ومَنِ الشقيُّ؟ قال: ((مَن لم يعملْ للَّهِ بطاعةٍ، ولم يترك له
معصیةً».
أي تقابل النص الجلي بالقياس، ويجعل موجب دخول النار العمل، فإن الله يفعل ما يشاء
ويحكم ما يريد. أقول: الظاهر من سؤاله بيان الحكمة في إدخالهما النار مع انقيادهما
وطاعتهما للملك الجبار، والنار إنما هي دار البوار للكفار والفجار. فمعنى قول أبي هريرة:
أحدثكم عن رسول الله وَلخير ما سمعته، وليس لي مزيد علم على ذلك. (فسكت الحسن) فثبت
أن سؤاله حسن، وكذا جوابه مستحسن، مع أنه لا يلزم من إدخالهما في النار تعذيبهما كخزنة
جهنم. فقال بعض العلماء: إنما جعلا في النار لأنهما قد عبدا من دون الله تبكيتاً للكافرين.
قال القرطبي (رحمه الله]: قد ورد عن ابن عباس تكذيب كعب الأحبار في قوله هذا حيث قال
له: ((هذه يهودية يريد إدخالها في الإسلام والله [تعالى] أكرم من أن يعذبهما وهما دائبان في
طاعته. ثم حدث عن النبي ◌َّل﴿ أنهما يعودان إلى ما خلقا منه، وهو نور العرش فيختلطان)).
وحاصله أنهما يصيران نورين، والنور لا يعذب بالنار. ولذا تقول النار للمؤمن: جز يا مؤمن،
فإن نورك أطفأ لهبي. فيرجع الكلام إلى أن فائدة إدخالهما تعبير عبدتهما، فلا منافاة بين قول
كعب وبين قول ابن عباس عند التأمل الشافي والله [تعالى] الكافي، مع أن الحديث المروي غير
ثابت. قال السيوطي [رحمه الله] في البدور: هذا الحديث أخرجه أبو الشيخ في العظمة من
طريق أبي عصمة نوح بن أبي مريم عن مقاتل، وابن حبان عن عكرمة عن ابن عباس، وأبو
عصمة كذاب وضاع. (رواه البيهقي في كتاب البعث والنشور.) وفي الجامع الصغير: الشمس
والقمر مكوّران يوم القيامة. رواه البخاري عن أبي هريرة (١). وروى ابن مردويه عن أنس
مرفوعاً: الشمس والقمر ثوران عقيران في النار، إن شاء أخرجهما وإن شاء تركهما(٢). قيل:
قوله عقیران، أي زمان يعني لا یجریان.
٥٦٩٣ - (وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَلاير: لا يدخل النار إلا شقي. قيل: يا
رسول الله ومن الشقي. قال: من لم يعمل لله) أي لأجل رضاه، أو لأمره. (بطاعة) أي بواجبة
(ولم يترك له) أي لله (معصية) وهو شامل للكافر والفاجر. فقوله تعالى: ﴿لا يصلاها إلا
الأشقى الذي كذب وتولى﴾ [الليل - ١٥ - ١٦]. محمول على الصلي على وجه الخلود.
وقال الطيبي [رحمه الله]: الباء زائدة فيهما وبناء المرة فيهما مع التنكير للتقليل، وزيادة الباء
للتأكيد يدل على ترجيح جانب الرحمة، وأن الله لا يضيع أجر من عمل له طاعة ما، أو ترك
(١) الجامع الصغير ٣٠٤/٢ حديث رقم ٤٩٤٨ والحديث أخرجه البخاري ٢٩٧/٦ حديث رقم ٣٢٠٠.
(٢) الجامع الصغير ٢/ ٣٠٤ حديث رقم ٤٩٤٩.
. البورديدة مريمر ■
الحديث رقم ٥٦٩٣: أخرجه ابن ماجه ١٤٣٦/٢ حديث رقم ٤٢٩٨. وأحمد في المسند ٣٤٩/٢.
ووبهم

٣٥٧
كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق / باب خلق الجنة والنار
ا هارت
رواه ابن ماجه.
(٨) باب خلق الجنة والنار
الفصل الأول
٥٦٩٤ _ (١) عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ اللهِ وَهِ: ((تحاجَّتِ الجنةُ والنارُ،
فقالت النارُ: أُوثِرْتُ بالمتكبِّرِينَ والمتجبّرينَ، وقالت الجنَّةُ: فما لي لا يدخلُني إِلاَّ ضُعفاءُ
الناسِ وسَقَطُهم
لأجله ولخوفه معصية ما نحو قوله [تعالى]: ﴿وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى
فإن الجنة هي المأوى﴾ [النازعات - ٤٠ - ٤١]. (رواه ابن ماجه).
(باب خلق الجنة والنار)
أي في كونهما مخلوقتين على ما هو مذهب أهل السنة والجماعة، وفي بيان أنهما لمن
خلقتا وذكر بعض أوصافهما من خلقتهما.
(الفصل الأول)
٥٦٩٤ - (عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ض ليل: تحاجت) بتشديد الجيم، أي
تخاصمت وتجادلت وتعارضت. (الجنة والنار) أي بلسان القال أو ببيان الحال. قال الطيبي
[رحمه الله]: هذه المحاجة جارية على التحقيق، فإنه تعالى قادر على أن يجعل كل واحدة
مميزة مخاطبة، أو على التمثيل. قلت: الأول هو المعول، لأن مذهب أهل السنة على ما في
المعالم. إن الله علماً في الجمادات وسائر الحيوانات، سوى العقلاء لا يقف عليها غيره، فلها
صلاة وتسبيح وخشية. فيجب على المرء الإيمان به ويكل علمه إلى الله سبحانه انتهى. وأدلته
كثيرة ليس هذا محل ذكرها والله [تعالى] أعلم. (فقالت النار: أوثرت) بصيغة المجهول من
الإيثار، أي اخترت. (بالمتكبرين) أي عن الحق (والمتجبرين) أي على الخلق بالتسلط والقهر.
فقيل: هما بمعنى جمع بينهما للتأكيد. وقيل: المتكبر المتعظم بما ليس فيه، والمتجبر الذي لا
يوصل إليه. وقيل: الذي لا يكترث ولا يبالي بأمر الضعفاء والمساكين. (وقالت الجنة: فما
لي) أي فأي شيء وقع لي. (لا يدخلني إلا ضعفاء الناس) أي في البدن والمار (وسقطهم)
بفتحتين، أي أردؤهم وأكثرهم خمولاً، وأقلهم اعتباراً المحقرون فيما بينهم الساقطون عن
الحديث رقم ٥٦٩٤: أخرجه البخاري ٥٩٥/٨. حديث رقم ٤٨٥٠. ومسلم ٢١٨٦/٤ حديث رقم (٣٦.
٢٨٤٦). وأخرجه الترمذي ٥٩٨/٤ حديث رقم ٢٥٦١. وأحمد في المسند ٣١٤/٢.
١

٣٥٨
كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق/ باب خلق الجنة والنار
وغِرَّتُهم. قال اللَّهُ تعالى للجنةِ: إِنما أنتِ رحمَتي أرحمُ بكِ مَن أشاءُ من عِبادي، وقال
للنَّار: إِنما أنتِ عذابي أُعذِّبُ بكِ من أشاءُ منْ عبادي، ولكلّ واحدةٍ منكُما ملؤُها، فأما
النَّارُ فلا تمتلىءُ حتى يضعَ اللَّهُ رجله.
أعينهم. وهذا بالنسبة إلى ما عند أكثر الناس لأنهم كما قال تعالى: ﴿ولكن أكثرهم لا
يعلمون﴾ [الأنعام - ٣٧]. وفي موضع: ولكن أكثرهم يجهلون. وأما بالنسبة إلى ما عند الله
عظماء، وكذا عند من عرفهم من العلماء والصلحاء. فوصفهم بالسقط والضعف لهذا المعنى.
أو المراد بالحصر الأغلب. (وغرتهم) بكسر الغين المعجمة وتشديد الراء. وهي عدم التجربة
أو وجود الغفلة بمعنى الذين لا تجربة لهم في الدنيا ولا اهتمام لهم بها، أو الذين هم غافلون
عن أمور الدنيا شاغلون بمهم العقبى، على ما ورد في الخبر: ((أكثر أهل الجنة البله))(١). أي
في أمور الدنيا، بخلاف الكفار فإنهم كما قال تعالى: ﴿يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا وهم عن
الآخرة هم غافلون ﴾ [الروم - ٧] . هذا وقال الحافظ ان حجر العسقلاني: رواه الأكثر بغين
معجمة مفتوحة فراء فثاء مثلثة، أي أهل الحاجة من الغوث وهو الجوع. وروي بكسر الغين
المعجمة وتشديد [الراء] وبتاء مثناة فوقية، أي البله الغافلون. وهي ثابتة في أكثر نسخ مسلم.
ورواه آخرون بعين مهملة فجيم فزاي مفتوحات وتاء مثناة، جمع عاجز. وروي بضم العين
والجيم جمع عاجز أيضاً. (قال الله للجنة:) ابتدأ بها للحديث القدسي: ((سبقت رحمتي
غضبي))(٢). وجبراً لها حيث انكسر بالهاء بما لها من الضعفاء، وغلبت في السؤال وضعفت في
الجواب (إنما أنت رحمتي) أي مظهرها. في شرح السنة سمى الجنة رحمته لأن بها يظهر رحمة
الله تعالى. كما قال: (أرحم بك من أشاء من عبادي) وإلا فرحمة الله من صفاته التي لم يزل
بها موصوفاً. ليست لله صفة حادثة ولا اسم حادث، فهو قديم بجميع أسمائه وصفاته جلَّ
جلاله وتقدست أسماؤه. وفي المعالم الرحمة. ارادة [الله] الخير لأهله. وقيل: ترك عقوبة من
يستحقها واسداء الخير إلى من لا يستحق. فهو على الأول صفة ذات، وعلى الثاني صفة فعل.
(وقال) أي الله (للنار: إنما أنت عذابي) أي سبب عقوبتي ومنشأ سخطي وغضبي. (أعذب بك
من أشاء من عبادي) والحاصل أن الجنة والنار، والمؤمنون والكفار مظاهر الجمال والجلال
على وصف الكمال، ولا يظهر لأحد وجه تخصيص. كل بكل في مقام الفصل، مع العلم بأن
أحدهما من باب العدل والآخر من طريق الفضل، [و] لا يسأل عما يفعل وهم يسألون. (ولكل
واحدة منكما ملؤها) لأن كمالهما في ملء مآلهما. (فأما النار فلا تمتلىء) قال تعالى: ﴿يوم
نقول لجهنم هل امتلأت وتقول هل من مزيد﴾ [ق - ٣٠] . أي فتطلب الزياة ولا تمتلىء من
أهلها المعد لها (حتى يضع الله) أي فيها أو عليها (رجله) وفي الرواية الآتية قدمه. فمذهب
السلف التسليم والتفويض مع التنزيه. وأرباب التأويل من الخلف يقولون المراد بالقدم قدم
بعض مخلوقاته، أو قوم قدمهم الله للنار من أهلها. وتقدم في سابق حكمه أنهم لاحقوها،
(١) وأخرجه ابن عدي ١١٦٠/٣.
(٢) متفق عليه: البخاري ٤٠٤/١٣ حديث ٧٤٢٢ ومسلم ٢١٠٨/٤ حديث رقم (٢٧٥١.١٥).

٢ سعى
٣٥٩
كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق/ باب خلق الجنة والنار
تقول: قطِ قطِ قطٍ، فهُنالكَ تمتلىءُ ويُزْوى بعضُها إِلى بعضٍ، فلا يظلمُ اللَّهُ من خلقِه
أحداً، وأما الجنةُ فإِنَّ اللَّهَ يُنشىءُ لها خَلقاً)).
فتمتلىء منهم جهنم. والعرب تقول: كل شيء قدمته من خير أو شر فهو قدم، ومنه
قوله تعالى: ﴿أن لهم قدم صدق عند ربهم﴾ [يونس - ٢]. أي ما قدموه من الأعمال
الصالحة الدالة على صدقهم في تصديقهم. والمراد بالرجل الجماعة [من الجراد]. وهو
وإن كان موضوعاً لجماعة كثيرة من الجراد، لكن استعارته لجماعة الناس غير بعيد، أو
أخطأ الراوي في نقله الحديث بالمعنى وظن أن الرجل سد مسد القدم. هذا وقد قيل:
وضع القدم على الشيء مثل للروع والقمع، فكأنه قال: يأتيها أمر الله فيكفيها من طلب
المزيد. ويدل على هذا المعنى قوله: فيضع الرب قدمه عليها، ولم يقل فيها. كذا قاله
شارح المصابيح. لكن الرواية الآتية بلفظ فيها في المشكاة، نعم قد تأتي بمعنى على،
على ما في التنزيل: ﴿لأصلبنكم في جذوع النخل﴾ [طه - ٧١]. وقيل: أريد به تسكين
فورتها، كما يقال للأمر يراد إبطاله، وضعته تحت قدمي. ذكره في النهاية. وفي شرح
السنة: القدم والرجل المذكوران في هذا الحديث من صفات الله المنزهة عن التكييف
والتشبيه، وكذلك كل ما جاء من هذا القبيل في الكتاب أو السنة كاليد والإصبع والعين
والمجيء والإتيان والنزول؛ فالإيمان بها فرض، والامتناع عن الخوض فيها واجب.
فالمهتدي من سلك فيها طريق التسليم، والخائض فيها زائغ، والمنكر معطل، والمكيف
مشبه. تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً، ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع
البصير﴾. انتهى. وهو الموافق لمذهب الإمام مالك [رحمه الله]. ولطريق إمامنا الأعظم
على ما أشار إليه في الفقه الأكبر (١)، فالتسليم أسلم والله تعالى أعلم. (تقول) أي النار،
والجملة استئناف بيان أو حال. وإلاّ فكان الظاهر أن يقال: فتقول: (قط) بفتح القاف
وسكون الطاء، وفي نسخة بكسرها منونة، وفي أخرى من غير تنوين. (قط قط) ذكر
ثلاث مرات على ما في النسخ المصححة. والمفهوم من قول شارح أنه مرتين حيث
قال: بسكون الطاء أي كفى كفى. ويحتمل كسر الطاء، أي حسبي حسبي. قال النووي:
فيه ثلاث لغات، بإسكان الطاء فيهما وبكسرها منونة وغير منونة. وفي القاموس إذا كان
قط بمعنى حسب فقط كمن، وقط منوناً مجروراً. فاقتصاره عليهما مشعر بأن الكسر مع
غير التنوين ضعيف. (فهنالك) أي في ذلك الزمان (تمتلىء) أي النار بقدرة الله تعالى.
(ويزوي) بصيغة المجهول، أي يضم ويجمع. (بعضها إلى بعض) أي من غاية الامتلاء
(فلا يظلم الله) أي أبداً (من خلقه أحداً) أي لا ينشىء الله خلقاً للنار، فإنه ظلم بحسب
الصورة، وإن لم يكن ظلماً حقيقة، فإنه تصرف في ملكه والله تعالى لا يفعل ما في
صورة الظلم. (وأما الجنة فإن الله [تعالى] ينشىء لها) أي من عنده (خلقاً) أي جمعاً لم
يعملوا عملاً، وهذا فضل من الله تعالى، كما أنه سبحانه لو أنشأ للنار خلقاً على ما
E
(١) راجع ص ٥٨ من كتاب شرح الفقه الأكبر.
SKAS

٠٫٠٠٠٠
٣٦٠
٠٠٠٥٪
كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق/ باب خلق الجنة والنار
متفق عليه .
١٠٠٠/
٥٦٩٥ - (٢) وعن أنسٍ، عن النبيِّ وَِّ، قال: ((لا تزالُ جهنمُ يُلقى فيها وتقولُ: هل
منْ مَزيدٍ؟ حتى يضعَ ربُّ العزَّةِ فيها قدَمَه فينزَوي بعضُها إِلى بعضٍ، فتقول: قطٍ قطٍ،
بعزَّتكَ وكرمكَ، ولا يزالُ في الجنَّةِ فضلٌ حتى يُنشىءَ اللَّهُ لها خَلقاً فيُسكنَهم فضلَ الجنةِ)).
متفق عليه.
وذكرَ حديث أنسٍ: ((حُفَّتِ الجنَّةُ بالمكارِه)) في ((كتاب الرّقاق)).
الفصل الثاني
٥٦٩٦ _ (٣) عن النبيَّ وََّ، قال: ((لما خلقَ اللَّهُ الجنَّةَ قال
قيل، لكان عدلاً والله [تعالى] أعلم. (متفق عليه).
٥٦٩٥ - (وعن أنس رضي الله عنه عن النبي وَلي قال: لا تزال جهنم يلقى) أي يطرح
(فيها) أي من الكفار والفجار (وتقول: هل من مزيد.) أي من زيادة (حتى يضع رب العزة)
أي صاحب الغلبة والقوة والقدرة (فيها قدمه) وقد قدمنا ما يتعلق به. (فينزوي) أي ينضم
ويجتمع. (بعضها إلى بعض فتقول: قط قط) أي مرتين، والمراد بهما الكثرة أو انحصار
العدد: (بعزتك وكرمك) أي زيادة عطائك (ولا يزال في الجنة فضل) أي زيادة مساكن
خالية عن السكان. (حتى ينشىء الله لها خلقاً فيسكنهم) من الإسكان (فضل الجنة) أي في
تلك الزيادة منها. قال النووي في قوله: وأما الجنة فإن الله ينشىء لها خلقاً. هذا دليل
لأهل السنة على أن الثواب ليس متوقفاً على الأعمال، فإن هؤلاء يخلقون حينئذ ويعطون
الجنة بغير عمل. قال الطيبي [رحمه الله]: وللمعتزلة أن يقولوا إن نفي الظلم عمن لم
يذنب دليل على أنه إن عذبهم كان ظلماً، وهو عين مذهبنا. والجواب أنا وإن قلنا وإن
عذبهم لم يكن ظلماً، فإنه لم يتصرف في ملك غيره، لكنه تعالى لا يفعل ذلك لكرمه
ولطفه مبالغة. فنفي الظلم إثبات للكرم (متفق عليه وذكر حديث أنس: حفت الجنة
بالمكاره) تمامه: وحفت النار بالشهوات. (في كتاب الرقاق) أي لأن الحديث أنسب به من
هذا الباب، والله [تعالى] أعلم بالصواب.
(الفصل الثاني)
٥٦٩٦ - (عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي وير قال: لما خلق الله الجنة قال
٠
الحديث رقم ٥٦٩٥: أخرجه البخاري ٥٩٤/٨. حديث رقم ٤٨٤٨. ومسلم ٢١٨٧/٤ حديث رقم (٣٧.
٢٨٤٨) وأخرجه الدارمي في السنن ٤٣٧/٢ حديث رقم ٢٨٤٣. وأحمد في المسند ١٣/٣.
الحديث رقم ٥٦٩٦: أخرجه أبو داود في السنن ١٠٨/٥ حديث رقم ٤٧٤٤. وأخرجه الترمذي ٥٩٨/٤
حديث رقم ٢٥٦٠. وأخرجه النسائي حديث رقم ٦٧٦٣. وأخرجه أحمد في المسند ٢/ ٣٣٢.