Indexed OCR Text

Pages 241-260

٢٤١
كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق/ باب الحوض والشفاعة
فرفع يديه، فقال: ((اللهم أمَّتي أمّتي))، وبكى. فقال الله تعالى: ((يا جبريل! اذهب إِلى
محمَّد، وربُّك أعلم، فسله ما يبكيه؟)). فأتاه جبريلُ فسأله فأخبره رسولُ اللهِ وَلِّ بما قال:
فقال الله لجبريل: ((اذهبْ إِلى محمَّد، فقل: إِنا سنرضيكَ في أمَّتك ولا نسوءك)).
الأشياء في موضعها ويتقن الأفعال ويحسنها. (فرفع) أي النبي وَلاغير (يديه) أي كريمتيه (فقال:
اللهم أمتي أمتي) أي اللهم اغفر لأمتي اللهم ارحم أمتي. ولعل هذا وجه التكرار أو أريد به
التأكيد أو قصد به الأولون والآخرون. (وبكى) لأنه تذكر النبي ◌َّر الشفاعة الصادرة عن الخليل
وروح الله فرق لأمته. (فقال الله تعالى: يا جبريل اذهب إلى محمد وربك أعلم) جملة معترضة
حالية دفعاً لما يوهمه قوله: (فاسأله) بالهمز والنقل (ما يبكيك فأتاه جبريل فسأله فأخبره رسول
الله ◌َ﴿ بما قال) أي بشيء قاله النبي وَلّر من سبب البكاء وهو الخوف لأجل أمته (١). (فقال الله
لجبريل: اذهب إلى محمد فقل إنا) أي بعظمتنا (سنرضيك) أي سنجعلك راضياً (في أمتك) أي
في حقهم (ولا نسوءك) أي ولا نحزنك في حق الجميع بل ننجيهم ولأجل رضاك نرضيهم.
وهو في المعنى تأكيد إذ ربما يتوهم من سنرضيك نرضيك في حق البعض ولذا قال بعضهم:
ما يرضى محمد وأحد من أمته في النار. قال الطيبي [رحمه الله]: لعله عليه [الصلاة] والسلام
أتى بذكر الشفاعة التي صدرت عن النبيين عن الخليل بتقدير الشرط والصيغة الشرطية لأن
المعنى أن الأصنام أضللن كثيراً من الناس فمن تاب من عبادتها وسبعني في التوحيد فإنه متصل
بي فاقبل شفاعتي فيهم، فلا بد من تقدير تاب لأنه مصحح الشفاعة في حق المشركين. قلت:
إنما يحتاج تقدير تاب في الشرطية الثانية وهي قوله: ومن عصاني. قال: وعن روح الله كذلك
لأن الضمير في تغفر لهم راجع إلى من اتخذه وأمه إلهين من دون الله، فيكون التقدير: أن تغفر
لهم بعد ما تابوا عن ذلك فإنك غفور رحيم. قلت: لا يلائمه ما قبله وهو قوله: ﴿إن تعذبهم
فإنهم عبادك﴾. مع أن هذا الكلام يصدر عنه يوم القيامة، ولا يمكن تقدير التوبة هناك. ثم
الجزاء في الآية إنما هو قوله: ﴿فإنك أنت العزيز الحكيم﴾. في كلام عيسى [عليه الصلاة
والسلام]، وأما قوله: ﴿فإنك غفور رحيم﴾. جزاء للشرطية الواقعة في كلام إبراهيم: ﴿ومن
عصاني فإنك غفور رحيم﴾. ثم قال: وعقبه بقوله: اللهم أمتي أمتي. ليبين لهم الفرق بين
الشفاعتين ويبين ما بين المنزلتين. وفيه أن هذا البيان يحتاج إلى البرهان والتبيان فإن العرض
بطريق الكناية أبلغ من التصريح بالدعاء كما هو مقرر عند أرباب الفناء والبقاء، وكذلك طريق
التفويض والتسليم والرضا بالقضاء، ولا يظهر بيان للمدعي ولا تبيان للمعنى في قوله. وتحريره
أن قوله: أمتي أمتي. متعلق بمحذوف، إما أن يقدر شفعني في أمتي وأرضني فيها، أو أمتي
ارحمهم وأرضني بالشفاعة فيهم. والحذف لضيق المقام وشدة الاهتمام. قلت: يحتاج أيضاً
هذا الكلام إلى توضيح المرام. قال: وهذا يدل على الجزم والقطع. قلت: الدعاء لا يكون
بطريق القطع إذ لا حكم على الله سبحانه، فمآل الطريقين في الدعاء واحد وليس لهذا المقصد
جاحد. قال: والتكرير لمزيد التقرير. قلت: قد تقدم وجوه أخر، والأظهر أنه من مستحبات
(١) في المخطوطة ((لأمته)).

+٣٠.
٢٤٢
كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق / باب الحوض والشفاعة
رواه مسلم.
٥٥٧٨ _ (١٣) وعن أبي سعيد الخدري، أنَّ ناساً قالوا: يا رسول الله! هل نرى ربَّنا
يوم القيامةِ؟ قال رسولُ اللهِ وَّر: ((نعم، هل تُضَارّون
الدعاء فإن الإلحاح من العبد في المسألة لا ينافي الرضا بالقضاء. قال: ومن ثم أجيب في
الحديث بقوله: إنا سنرضيك. حيث أتى بإن وضمير التعظيم وسين التأكيد ثم أتبعه بقوله: لا
نسوءك. تقريراً بعد تقرير على الطرد والعكس. وفي التنزيل: ﴿ولسوف يعطيك ربك فترضى﴾
[الضحى - ٥]. زيد لام الابتداء على حرف الاستقبال، ولفظة ربك، وجمع بين حرفي التأكيد
والتأخير فيكون المعنى: ولأنت سوف يعطيك ربك وإن تأخر العطاء وقوله: وربك أعلم. من
باب التتميم صيانة عما لا ينبغي أن يتوهم فهو كقوله: والله يعلم أنك لرسوله. في قوله تعالى:
﴿قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون ﴾
[المنافقون - ١]. قال النووي [رحمه الله]: هذا الحديث مشتمل على أنواع من الفوائد منها:
بيان كمال شفقته بر على أمته واعتنائه بمصالحهم واهتمامه في أمرهم، ومنها البشارة العظيمة
لهذه الأمة المرحومة بما وعده الله تعالى بقوله: سنرضيك في أمتك ولا نسوءك. وهذا من
أرجى الأحاديث لهذه الأمة، ومنها بيان عظم منزلة النبي وهو عند الله تعالى. والحكمة في
إرسال جبريل عليه [الصلاة]والسلام لسؤاله ◌َ ﴿ إظهاراً لشرفه وأنه بالمحل الأعلى فيرضى
ويكرم. (رواه مسلم) وكذا البخاري والنسائي ذكره السيد.
٥٥٧٨ - (وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: أن ناساً قالوا: يا رسول الله هل نرى
ربنا يوم القيامة. قال رسول الله ويليه: نعم) أي ترون ربنا، ذكر السيوطي [رحمه الله ]في بعض
تعاليقه(١) أن رؤية الله تعالى يوم القيامة في الموقف حاصلة لكل أحد من الرجال والنساء، حتى
قيل للكافرين والمنافقين أيضاً ثم يحجبون بعد ذلك ليكون عليهم حسرة. وأقول: وفيه بحث
لقوله تعالى: ﴿كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون﴾ [المطففين - ١٥]. ولقوله وَ لقر على ما
سيأتي: حتى إذا لم يبق إلا من كان يعبد الله أتاهم رب العالمين، ولأن لذة النظر ولو مرة تنسي
كل محنة وشدة بل يرتفع به كل حسرة، إذ من المعلوم أن النظر لا يوجد دائماً لأهل الجنة
أيضاً. قال: وأما الرؤية في الجنة فأجمع أهل السنة على أنها حاصلة للأنبياء والرسل
والصديقين من كل أمة ورجال المؤمنين من البشر من هذه الأمة. وفي نساء هذه الأمة ثلاث
مذاهب: لا يرين ويرين ويرين في مثل أيام الأعياد دون غيرها، وفي الملائكة قولان: لا يرون
ربهم ويرونه، وفي الجن أيضاً خلاف. (هل تضارون) بضم التاء وفتحها مع تشديد الراء
وتخفيفها. قال شيخنا المرحوم مولانا عبد الله السندي: ففيه أربعة أوجه، لكن فيه نظر لأن
ضم التاء مع التشديد ظاهر لأنه من باب المفاعلة مع احتمال بنائه للفاعل. [أو]المفعول، وكذلك
الحديث رقم ٥٥٧٨: أخرجه مسلم في صحيحه ١٦٤/١ حديث رقم (١٨٢.٢٩٩).
(١) في المخطوطة ((تأليفه)).

٢٤٣
كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق/ باب الحوض والشفاعة
" في رؤية الشمس بالظهيرة صَخواً ليس معها سحاب؟ وهل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر
صخواً ليس فيها سحاب؟)). قالوا: لا، يا رسول الله! قال: ((ما تضارّون في رؤية اللَّهِ يومَ
القيامةِ إِلا كما تضارّون في رؤية أحدهما. إِذا كانَ يومُ القيامةِ أَذَّن مؤذِّنٌ لِيتّبع كلُّ أمَّةٍ ما كانت
تعبد فلا يبقى أحدٌ كانَ يعبدُ غيرَ اللَّهِ من الأصنام والأنصاب إِلا يتساقطون في النار، حتى إِذا
لم يبقَ إلا من كان يعبدُ اللَّهَ من بَرّ وفاجر، أتاهم رب العالمين قال: فماذا تنظرون؟
فتح التاء مع التشديد فإنه من باب التفاعل على حذف إحدى التائين وهو يتعين أن يكون بصيغة
الفاعل. وأما ضم التاء مع تخفيف الراء فمبني على أنه للمجهول من ضاره يضيره أو يضوره
على ما في القاموس بمعنى ضره. وأما فتح التاء مع الراء المخففة فلا وجه له بحسب القواعد
العربية. والمعنى: هل تتدافعون وتتزاحمون ليحصل لكم ضرر. (في رؤية الشمس بالظهيرة)
أي وقت انتصاف النهار (صحواً) أي حين لا سحاب ولا غبار من أصحت السماء إذا خلت من
الغيم كذا ذكره شارح. وفي القاموس: الصحو ذهاب الغيم. فقوله: (ليس معها سحاب)
تأكيد، والمراد بالسحاب الحجاب أعم من أن يكون من جانب الرائي أو من جانب (١) المرئي،
ثم أكد ثالثاً وأظهر مثالاً آخر بقوله: (وهل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر صحواً ليس فيها)
أي في السماء بقرينة المقام وإن لم يجر لها ذكر أو في جهة رؤية القمر من السماء. (سحاب)
أي مانع وحجاب (قالوا: لا يا رسول الله. قال: ما تضارون في رؤية الله يوم القيامة) أريد به
الموقف وما بعده من دخول الجنة (إلا كما تضارون في رؤية أحدهما) وفيه مبالغة وتعليق
بالمحال، أي لو كان في رؤية أحدهما مضارة لكان في رؤيته مضارة. والتشبيه إنما هو لمجرد
الظهور، وتحقق الرؤية مع التنزه عن صفات الحدوث من نحو المقابلة والجهة. ولعل ذكر
الشمس والقمر للإشعار بأن رؤية الله حاصلة للمؤمنين في الليل والنهار على غاية من الظهور
ونهاية من الأنوار، وإيماء إلى تفاوت التجلي الرباني بالنسبة إلى الأبرار. (إذا كان يوم القيامة
أذن مؤذن) أي نادى مناد (ليتبع) بتشديد التاء المفتوحة وكسر الموحدة، وفي نسخة بالسكون
والفتح أي ليعقب. (كل أمة ما كانت تعبد فلا يبقى أحد كان يعبد غير الله من الأصنام) بيان غير
الله (والأنصاب) جمع نصب بفتح النون وضمها وسكون الصاد ويضمان وهي حجارة كانت
تنصب وتعبد من دون الله تعالى ويذبحون عليها تقرباً إلى آلهتهم، وكل ما نصب واعتقد تعظيمة
من الحجر والشجر فهو النصب. (إلا يتساقطون في النار) لأن الأنصاب والأصنام ملقاة فيها
(حتى إذا لم يبق إلا من كان يعبد الله) أي وحده (من بر) أي مطيع صالح (وعاص) أي فاجر
فاسق (أتاهم رب العالمين) أي أتاهم أمره كما أشار إليه بقوله: (قال:) أي الرب (فماذا
تنظرون) أي تنتظرون. ويجوز أن يعبر بالإتيان عن التجليات الإلهية والتعريفات الربانية، بل قيل
هو القول الحق وهو بالاعتبار أولى وأحق. وقيل: الإتيان هنا عبارة عن رؤيتهم إياه لأن من
غاب عن غيره لا يمكن رؤيته إلا بعد الإتيان فعبر بالإتيان عن الرؤية مجازاً. وقيل: الإتيان
١
(١) في المخطوطة ((جهة)).

٢٤٤
كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق / باب الحوض والشفاعة
يَتَّبِعُ كل أمَّة ما كانت تعبد. قالوا: يا ربَّنا فارَقْنا النَّاس في الدنيا أَفقر ما كنَّا إِليهم ولم
نُصاحبهم» .
٠٩٠٠
فعل من أفعال الله سبحانه سماه إتياناً وقيل: المراد إتيان بعض الملائكة، قال القاضي عياض
[رحمه الله]: وهذا الوجه أشبه عندي بالحديث أو يكون معناه: يأتيهم الله في صورة الملائكة
مخلوقاته التي لا تشبه صفات الإِله ليختبرهم، فإذا قال لهم الملك: أو هذه الصورة: أنا ربكم
ورأوا عليه من علامة المخلوق ينكرونه ويعلمون أنه ليس ربهم فيستعيذون بالله منه. وقيل:
الرؤية حقيقة غير أنا لا نكيف ذلك. وقيل: كنه معرفتها إلى علم الله تعالى. وقال التوربشتي
[رحمه الله]: إتيان الله في الكتاب مفسر بإتيان أمره وإتيان بأسه ولفظ التنزيل محتمل لكلا
القولين. فأما هذا الحديث فإنه يؤول على إتيان أمره وهو قوله: فماذا تنظرون. ومن السلف
من تنزه عن تأويله خشية الخطأ مع تمسكه بالعروة الوثقى وهي تنزيه الله تعالى عن الاتصاف بما
تتحدث به النفوس من أوصاف الخلق. قال الشيخ الإِمام أبو الفتوح العجلي في كتاب الأقاويل
المشهورة: قال البيهقي: قد تكلم الشيخ أبو سليمان الخطابي رحمه الله في تفسير هذا الحديث
وتأويله بما فيه الكفاية، قال: إن هذا موضع يحتاج الكلام فيه إلى تأويل وتخريج وليس ذلك
من أجل أنا ننكر رؤية الله سبحانه وتعالى: بل نثبتها ولا من أجل أنا ندفع ما جاء في الكتاب
والسنة من ذكر المجيء والإتيان، غير أنا لا نكيف ذلك ولا نجعله حركة وانتقالاً كمجيء
الأشخاص وإتيانها فإن ذلك من نعوت الحادث(١) تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً. ويجب أن
يعلم أن الرؤية التي هي ثواب الأولياء وكرامة لهم في الجنة غير هذه الرؤية المذكورة في
مقامهم، واحتج بحديث صهيب في الرؤية يعني كما سيجيء في باب رؤية الله تعالى، وإنما
تعرضهم لهذه الرؤية امتحان من الله تعالى لهم فيقع بها التمييز بين من عبد الله تعالى وبين من
عبد الطواغيت ليتبع كل من الفريقين مبعوده، وليس ننكر أن يكون الامتحان إذ ذاك بعد قائماً
وحكمه على الخلق جارياً حتى يفرغ من الحساب ويقع الجزاء بما يستحقونه من الثواب أو
العقاب ثم ينقطع إذا حقت الحقائق واستقرت أمور العباد قرارها، ألا ترى إلى قوله تعالى:
﴿يوم يكشف عن ساق ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون﴾ [القلم - ٤٢]. وجاء في
الحديث: أن المؤمنين يسجدون ويصير ظهور المنافقين طبقاً واحداً قال: ويخرج معنى إتيان
الله في هذا إياهم أنه يشهدهم رؤيته ليتيقنوه(٢) فيكون معرفتهم له في الآخرة عياناً كما كان
اعترافهم بربوبيته في الدنيا علماً واستدلالاً ويكون طريق الرؤية بعد أن لم يكن بمنزلة إتيان
الآتي من حيث لم يكونوا شاهدوه. ثم قوله: فماذا تنظرون، أي قلنا لكم ليتبع كل أمة ما
كانت تعبد فبعضكم اتبع ما عبده فلم أنتم أيضاً لا تتبعونه وهذا معنى قوله: (يتبع كل أمة ما
كانت تعبد) فإن لفظه خبر ومعناه أمر (قالوا: يا ربنا فارقنا الناس) أي الذين عبدوا غير الله
فضلاً عن أن نعبد ما سواه في الدنيا. والمعنى: ما اتبعناهم ما دمنا في الدنيا. (أفقر ما كنا
إليهم) بالنصب على الظرفية، أي في أفقر أكواننا إلى الناس. (ولم نصاحبهم) أي في أفعالهم
٢٢٦٣/ ٧/194 4
(١) في المخطوطة ((الحدث)).
(٢) في المخطوطة ((لينعتوه)).

٢٤٥
كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق/ باب الحوض والشفاعة
٥٥٧٩ _ (١٤) وفي رواية أبي هريرةَ «فيقولون: هذا مكانُنا حتى يأتينا ربُّنا، فإذا جاءً
ربُّنا عرفناه)) .
وفي رواية أبي سعيد: ((فيقول هل بينكم وبينه آية تعرفونه؟ فيقولون: نعم، فيكشف
عن ساقٍ، فلا يبقى من كان يسجد لله من تلقاءِ نفسِه إِلا أذِنَ اللَّهُ له بالسجودِ، ولا يبقى من
كان يسجد اتقاءً ورياءً إِلا جعل اللَّهُ ظهره طبقةً واحدةً، كلما أراد أن يسجد خَرَّ على قفاه،
بل قاتلناهم وحاربناهم وعاديناهم وقاطعناهم لمرضاتك ورجاء لتجلياتك. وحاصله: إنا ما
اتبعناهم حينئذ والأمر غيب عنا ونحن محتاجون إليهم فكيف نتبعهم الآن وقت العيان، إنهم
وما يعبدون من دون الله حصب جهنم. قال الطيبي [رحمه الله]: أفقر حال من ضمير فارقنا وما
مصدرية والوقت مقدر. قال النووي [رحمه الله]: معناه أنهم تضرعوا إلى الله تعالى ولجأوا إليه
وتوسلوا بهذا القول المشعر بالإخلاص إلى الخلاص يعني: ربنا فارقنا الناس في الدنيا الذين
زاغوا عن طاعتك من الأقرباء وممن يحتاج إليهم في المعاش والمصالح الدنيوية، وهكذا كان
دأب الصحابة ومن بعدهم من المؤمنين في جميع الأزمان فإنهم كانوا يقاطعون من حاد الله.
ورسوله مع حاجتهم إليه وآثروا رضا الله تعالى على ذلك.
٥٥٧٩ - (وفي رواية أبي هريرة فيقولون: هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا) أي يتجلى علينا
بوجه نعرفه (فإذا جاء ربنا) أي على ما عرفناه من أنه منزه عن الصورة والكمية والكيفية والجهة.
وأمثالها (عرفناه) أي حق المعرفة. قيل: يشبه والله [تعالى]أعلم أن يكون إنما منعهم عن تحقق
الرؤية في الكرة الأولى حتى قالوا: هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا من أجل من معهم من المنافقين
لا يستحقون الرؤية وهم عن ربهم محجوبون، فلما ميزوا عنهم ارتفع الحجاب فقالوا عندما
رأوه: أنت ربنا. وهذا معنى قوله. (وفي رواية أبي سعيد فيقول: هل بينكم وبينه) أي بين
ربكم (آية) أي علامة (تعرفونه) أي بتلك الآية وهي المعرفة والمحبة التي هي نتيجة التوحيد.
وثمرة الإِيمان والتصديق (فيقولون: نعم. فيكشف عن ساق) بصيغة المجهول، وقيل على بناء(
الفاعل. قيل: معنى كشف الساق زوال الخوف والهول. (فلا يبقى من كان يسجد لله من تلقاء
نفسه) أي من نحوها وجهتها مخلصاً لا لجهة اتقاء الخلق وتعلق الرجاء بهم. (إلا أذن الله له.
بالسجود ولا يبقى من كان يسجد اتقاء) أي احتراساً من السيف أو خوفاً من الناس (ورياء) أي.
مراياة ومسامعة للخلق (إلا جعل الله ظهره طبقة واحدة) وفي شرح مسلم للنووي [رحمه.
الله]قوله: طبقة واحدة، أي صفحة أي صار فقار ظهره واحدة كالصفحة. (كلما أراد أن يسجد.
خر) أي سقط (على قفاه) قال الشيخ [رحمه الله]: والذي يوضح ما ذكره الإمام أبو سليمان أن
الدنيا وإن كانت دار ابتلاء فقد يتحقق الجزاء في بعض الأحوال كما قال تعالى: ﴿وما أصابكم
من مصيبة فبما كسبت أيديكم﴾ [الشورى - ٣٠]. فكذا الآخرة وإن كانت دار جزاء فقد يقع
الحديث رقم ٥٥٧٩: أخرجه البخاري في صحيحه ١٣/ ٤٢٠. حديث رقم ٧٤٣٩. ومسلم في صحيحه ١/.
١٦٧ حديث رقم (٣٠٢ .١٨٣). وأحمد في المسند ٥٣٤/٢.
۔۔۔

٢٤٦
٦٫٠٢٦٠
كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق / باب الحوض والشفاعة
ثم يضرب الجسر على جهنم، وتحل الشفاعة، ويقولون: اللهم سلّم سلّم، فيمرُّ المؤمنون
١٥١٠٠.
كطرف العين وكالبرق وكالريح وكالطير وكأجاويد الخيل والركاب، فناج مسلّمٌ، ومخدوّش
مرسَلٌ، ومكدوس في نار جهنم،
بها الابتلاء، أي بالتجلي والسجود ونحوهما بدليل أن القبر هو أوّل منزل من منازل الآخرة
يجري فيه الابتلاء. ثم قال: ولئن كان معنى الخبر هذا فذاك وإلا فمعناه ما أراد ◌َّر مع تنزيه
الله تعالى عن كل مماثلة ومشابهة. وقال النووي [رحمه الله]: هذا السجود امتحان من الله
تعالى لعباده وقد استدل بهذا وبقوله تعالى: ﴿يدعون إلى السجود فلا يستطيعون﴾ [القلم -
٤٢]. على [جواز] تكليف ما لا يطاق. أقول: الأظهر ما قال العسقلاني من أن التحقيق هو أن
التكليف خاص بالدنيا وأمّا ما يقع في القبر وفي الموقف فإنما هو من آثار ذلك. قال النووي
[رحمه الله]: وقد يتوهم من هذا الحديث أن المنافقين يرون الله تعالى وإنما فيه أن الجمع الذي
فيهم المؤمنون والمنافقون يرون الله تعالى ثم يمتحن بالسجود، فمن سجد كان مخلصاً ومن لم
يقدر عليه كان منافقاً وهذا لا يدل على أن المنافقين يرون الله تعالى. (ثم يضرب) أي يجعل
ويمد (الجسر) بكسر الجيم ويفتح. ففي القاموس: الجسر الذي يعبر عليه ويكسر. والمعنى
موضع الصراط كما في رواية. (على جهنم) أي متنها أو وسطها (وتحل الشفاعة) بكسر الحاء
ويضم أي تقع ويؤذن فيها (فيقولون:) أي الأنبياء والرسل بدليل حديث أبي هريرة بعد هذا
(اللهم سلم سلم) تكراره مرتين المراد به الكثرة أو باعتبار كل واحد من أهل الشفاعة أو
للإلحاح في الدعاء كما هو من آدابه، وهو أمر مخاطب أي يقول كل نبي: أمتي اللهم سلم
أمتي من ضرر الصراط اللهم اجعلهم سالمين من آفاته آمنين من مخافاته. (فيمر المؤمنون
كطرف العين) وفي المصابيح: كطرفة العين. قال شارح له: التاء للوحدة. يقال: طرف طرفاً
إذا أطبق أحد جفنيه على الآخر. (وكالبرق وكالريح وكالطير) أي بحسب مقاماتهم وعلى قدر
حالاتهم من أنواع الجذبة وقوّة الطيران وسرعة الجريان المعبر عنه بقوله: (وكأجاويد الخيل)
هي جمع أجواد وهو جمع جواد وهو الفارس السابق الجيد كذا في النهاية: فجواد نعت من
جاد إذا أسرع في السير وهو من إضافة الصفة إلى الموصوف. وقوله: (والركاب) بكسر الراء
عطف على الخيل، والمراد بها الإِبل ولا واحد له من لفظه. (فتاج) الفاء للتفريع أو التفصيل،
وقد قسم المارة على الصراط بطريق الإجمال على ثلاث فرق بحسب مراتبهم في العقيدة
والعمل والمعرفة. والمعنى: فمنهم ناج. (مسلم) بتشديد اللام المفتوحة، أي ينجو من العذاب
ولا يناله مكروه من ذلك الباب. (ومخدوش) أي ومنهم مجروح (مرسل) أي مخلص. قال
شارح: أي الذي يخدش بالكلوب فيرسل إلى النار من عصاة أهل الإيمان. وقوله: مرسل، أي
مطلق من القيد والغل بعد أن عذبوا مدة. (ومكدوس) بالسين المهملة، أي ومنهم مدفوع. (في
نار جهنم) يقال: كدس، إذا دفع من ورائه فسقط. وهم الذين لا منجى ولا ملجأ لهم
المقضيون بالخلود عليهم كذا قاله شارح وهو غير صحيح لقوله [عليه الصلاة والسلام]: فيمر
المؤمنون. اللهم إلا أن يقال قوله: فناج، عطف على قوله: فيمر. لا أنه تفريع له، والضمير
في منهم المقدر راجع إلى جميع المارة على الجسر. وروي بالشين المعجمة من كدشه إذا
١/١١/١٠

٢٤٧
كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق/ باب الحوض والشفاعة
حتى إِذا خَلَص المؤمنون من النار، فوالذي نفسي بيده ما من أحد منكم بأشدَّ مُناشدةً في
الحق - قد تبين لكم - من المؤمنين لله يومَ القيامةِ لإِخوانهم الذين في النار، يقولون: ربَّنا!
كانوا يصومون معنا، ويصلُّون، ويحجُّون. فيقال لهم: أخرجوا من عرفتم، فَتُحرَّمُ صورُهم
على النار، فيخرجون خلقاً كثيراً، ثم يقولون: ربَّنا! ما بقي فيها أحدٌ ممن أمرتنا به،
ساقه سوقاً شديداً وخدشه وجرحه [و] طرده. وروي مكدوش أي ملقى في نار جهنم. قال
النووي [رحمه الله]: مكدوس بالسين المهملة هكذا هو في الأصول وكذا نقله القاضي عياض
عن أكثر الرواة. قال: ورواه العذري بالشين المعجمة، ومعناه بالمعجمة السوق الشديد،
وبالمهملة كون الأشياء بعضها راكبة على بعض، ومنه تكدست الدواب في سيرها إذا ركب
بعضها بعضاً. وفي النهاية: مكدوس في النار، أي جمعت يداه ورجلاه وألقي فيها. قال
الطيبي [رحمه الله]: قسم المارة على الصراط من المؤمنين على ثلاث فرق: قسم مسلم فلا
يناله شيء أصلاً، وقسم يخدش ثم يرسل فيخلص، وقسم يكردس ويلقى فيسقط في جهنم.
وخدش الجلد قشره بعود. (حتى إذا خلص) بفتح اللام، أي نجا. (المؤمنون من النار) أي
من وقوعهم فيها، فحتى غاية لمرور البعض على الصراط وسقوط البعض في النار. وقال
الطيبي [رحمه الله]: حتى غاية قوله: مكدوس في نار جهنم، أي يبقى المكدوس في النار
حتى يخلص بعد العذاب بمقدار ذنبه أو بشفاعة أحد، أو بفضله سبحانه وضع المؤمنون
موضع الراجع إلى المكدوس أشعار بالعلية وأن صفة الإِيمان منافية للخلود في النار.
(فوالذي نفسي بيده) جواب إذا (ما من أحد منكم) خطاب للمؤمنين، وقوله: (بأشد) خبر ما
وقوله: (مناشدة) منصوب على التمييز. أي أشد مطالبة ومناظرة. وقوله: (في الحق) ظرف
للمناشدة. (وقد تبين لكم) صفة للحق لأنه في المعنى نكرة، أي في حق [قد] تبين [و] ظهر
لكم على خصمكم أو حال أما من الضمير في أشد وإما من الحق. وقال شارح: حال من
الحق والتقدير: ما من أحد منكم بأشد مناشدة في حال أن تبين لكم [الأمر] الحق. وقوله:
(من المؤمنين) متعلق بأشد، أي بأشد مناشدة منكم فوضع المظهر موضع المضمر، وقوله:
(لله) متعلق بمناشدة، وقوله: (يوم القيامة) ظرف أشد، أي يناشدون الله. (لإخوانهم) أي
لأجل إخوانهم (الذين في النار) بالشفاعة من الجبار الغفار. قال النووي [رحمه الله]: معناه:
ما منكم من أحد يناشد الله في الدنيا في استيفاء حقه واستقصائه وتحصيله من جهة خصمه
والمعتدي عليه بأشد منكم مناشدة لله تعالى في الشفاعة لإخوانكم يوم القيامة. وقال شارح
من علمائنا: معناه: ما من أحد منكم أكثر اجتهاداً ومبالغة في طلب الحق حين ظهر لكم
الأمر الحق من المؤمنين في طلب خلاص إخوانهم العصاة في النار من النار يوم القيامة، ثم
بين مناشدتهم بقوله: (يقولون: ربنا كانوا يصومون معنا) أي موافقين لنا (ويصلون) أي
صلاتنا (ويحجون) أي على طريقتنا (فيقال لهم: أخرجوا من عرفتم) أي بهذه الأوصاف
(فتحرم) بفتح الراء المشددة، أي فتمنع (صورهم) أي تغيرها (على النار) أي بأن تأكلها أو
تسودها بحيث لا تعرف وجوههم فيعرفهم المؤمنون الشافعون بسيماهم. (فيخرجون خلقاً
كثيراً) أي منها (ثم يقولون: ربنا ما بقي فيها أحد ممن أمرتنا به) أي بإخراجه من أرباب
٢٠
١
دضيوف
٤
ا. العيد ؟
٢٠٠٠

٢٤٨
كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق/ باب الحوض والشفاعة
فيقول: ارجعوا، فمن وجدتم في قلبه مثقالَ دينار من خير فأخرجوه، فيخرجون خلقاً
كثيراً. ثم يقول: ارجعوا، فمن وجدتم في قلبه مثقالَ نصفِ دينار من خيرٍ فأخرجوه،
فيُخرجونَ خلقاً كثيراً. ثم يقول: ارجعوا، فمن وجدتم في قلبه مثقالَ ذرّة من خير
فأخرجوه، فيخرجون خلقاً كثيراً، ثم يقولون: ربّنا لم نذر فيها خيراً. فيقول اللَّهُ: شَفَعتِ
الملائكةُ، وشَفَعَ النبيُّونَ، وشَفَعَ المؤمنونَ، ولم يبقَ إِلا أرحم الراحمينَ، فيقبضُ قبضةً من
النارِ فيُخرجُ منها قوماً لم يعملوا خيراً قطُ قد عادوا حُمّماً فيُلقيهم في نهرٍ في أفواهِ الجنةِ
الصيام والصلاة والحج (فيقول: ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال دينار) أي مقداره (من
خير فأخرجوه) في شرح السنة قال القاضي عياض [رحمه الله]: قيل: معنى الخير هنا
اليقين. قال: والصحيح أن معناه شيء زائد على مجرد الإيمان لأن مجرد الإيمان الذي هو
التصديق لا يتجزأ وإنما يكون هذا التجزؤ بشيء زائد عليه من عمل صالح أو ذكر خفي، أو
عمل من أعمال القلب من الشفقة على مسكين أو خوف من الله تعالى ونية صادقة.
(فيخرجوا خلقاً كثيراً. ثم يقول: ارجعوا فمن وجدتم في قلبه نصف مثقال دينار من خير
فأخرجوه فيخرجون خلقاً كثيراً ... ثم يقولون: ربنا لم نذر) أي لم نترك (فيها) أي في
جهنم (خيراً) أي أهل خير. قال الطيبي [رحمه الله]: أي من كان فيه شيء من ثمرات
الإيمان من ازدياد اليقين أو العمل الصالح فوضع الخير موضع الذات كما يوضع العدل
موضعه مبالغة، أي فيقال رجل عدل وأريد به المعنى المصدري مبالغة على أن المعنى كأنه
هو، بل هو هو مع أنه قد يقال: إن العدل مصدر بمعنى العادل، أو على تقدير مضاف أي
صاحب عدل نحو قوله: ﴿واسئل القرية﴾ [يوسف - ٨٢]. والله [تعالى] أعلم. (فيقول
الله: شفعت الملائكة وشفع النبيون وشفع المؤمنون ولم يبق) أي أحد ممن يرحم على أحد
(إلا أرحم الراحمين) أي الذي رحمته وسعت كل شيء وإن رحمة كل أحد في جنب أثر
رحمته كلا شيء. (فيقبض قبضة) أي ما يسع الكف (من النار) أي من أهلها (فيخرج) أي
الله (منها) أي من النار أو من جهة تلك القبضة (قوماً لم يعملوا خيراً قط) أي ليس لهم خير
زائد على مجرد الإِيمان. قال النووي: هم الذي معهم مجرد الإِيمان ولم يؤذن فيهم
بالشفاعة، وتفرد الله تعالى بعلم ما تكنه القلوب بالرحمة لمن ليس عنده إلا مجرد الإِيمان.
[وفيه دليل على أنه لا ينفع من العمل إلا ما حضر له القلب بالرحمة وصحبته نية وعلى زيادة
الإيمان] ونقصانه وهو مذهب أهل السنة. قلت: المحققون منهم على أن التصديق الذي هو
الإِيمان على التحقيق لا يقبل الزيادة والنقصان وإنما التفاوت في أنواره وثمراته ونتائجه من
حقائق الإِيقان ودقائق العرفان ومراتب الإحسان ومنازل العرفان والله [تعالى] أعلم. (قد
عادوا) الجملة صفة أو حال والمعنى صاروا (حمماً) بضم ففتح جمع حممة وهي الفحم.
(فيلقيهم) أي يأمر الله بإلقائهم أو يلقيهم بلا واسطة (في نهر) بفتح الهاء ويسكن، أي جدول
ماء كائن. (في أفواه الجنة) أي في أوائلها وهو جمع فوهة بضم الفاء وتشديد الواو المفتوحة
وهو جمع سمع من العرب على غير قياس، وأفواه الأزقة والأنهار أوائلها كذا ذكره الطيبي
[رحمه الله]. ويمكن أن يكون الأفواه كناية عن أبواب الجنة وهو الملائم لدخولهم إياها

٢٤٩
كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق / باب الحوض والشفاعة
يُقال له: نهرُ الحياةِ، فيخرجونَ كما تخرجُ الحِبَّةُ في حمِيلِ السَّيل، فيخرجونَ كاللؤلؤِ، في
رقابهمُ الخواتمُ، فيقول أهلُ الجنةِ: هؤُلاءِ عُتقاءُ الرحمْنِ، أدخلَهمُ الجنةَ بغير عملٍ عملوه
ولا خيرٍ قدَّموهُ، فيُقالُ لهم: لكم ما رأيتم ومثلُه معه)). متفق عليه.
٥٥٨٠ _ (١٥) وعنه، قال: قال رسولُ اللهِ وَالَ: ((إِذا دخلَ أهلُ الجنَّةِ الجنَّةَ وأهلُ
النارِ النارَ يقولُ اللَّهُ تعالى: مَن كانَ في قلبه مثقالُ حبَّةٍ من خردلٍ من إِيمانٍ فأخرجوهُ،
على أحسن الهيئة. (يقال له ) أي لذلك النهر (نهر الحياة. فيخرجون) أي من النهر (كما تخرج
الحبة) بكسر الحاء فتشديد الموحدة (في حميل السيل) بفتح الحاء وكسر الميم أي محمولة.
ففي شرح السنة: الحبة بالكسر اسم جامع لحبوب البقول التي تنتشر إذا هاجت ثم إذا مطرت
من قابل نبتت، [و] قال الكسائي: هي حب الرياحين فأما الحنطة ونحوها فهي الحب لا غير
والحبة من الحب فبالفتح وحميل السيل هو ما يحمله السيل من غثاء أو طين فإذا اتفق فيه الحبة
واستقرت على شط مجرى السيل تنبت في يوم وليلة وهي أسرع نابتة نباتاً. قال النووي [رحمه
الله]: وإنما شبههم بها لسرعة نباتها وحسنها وطراوتها انتهى. فالتشبيه في سرعة الظهور. وقال
شارح: الحبة بالكسر بذور الصحراء مما ليس بقوت. وقال العسقلاني: الحبة بالكسر بذر
الصحراء والجمع حبب، وأما الحبة بالفتح فهو ما يزرعه الناس والجمع حبوب. (فيخرجون (.
كاللؤلؤ). أي في البياض والصفاء (في رقابهم الخواتيم) جمع الخاتم والجمع لمقابلة الجمع
بالجمع، والمراد هنا علامة تظهر في رقابهم ليكونوا متميزين من المغفورين بواسطة العمل
الصالح كذا قاله شارح. وقال صاحب التحرير: المراد بالخواتيم هنا أشياء من ذهب أو غيره.
تعلق في أعناقهم يعرفون بها. (فيقول أهل الجنة:) أي حين رأوهم وظهر لهم تلك العلامة
(هؤلاء عتقاء الرحمن أدخلهم) أي الله كما في نسخة (الجنة بغير عمل) أي عملوه على ما في
نسخة صحيحة (ولا خير) أي من عمل باطن (قدموه فيقال لهم: لكم) الخطاب للعتقاء أي لكم
(ما رأيتم) أي مقدار مد بصركم من الجنة (ومثله معه) أو لكم ما رأيتم مما جاء في نظركم
ومثله معه من الحور العين والقصور. وقال الطيبي [رحمه الله تعالى]: فيه حذف، أي فينظرون
في الجنة إلى أشياء ينتهي مد بصرهم إليها فيقال لهم: لكم ما رأيتم ومثله معه. أقول: وفيه
إيماء إلى قوله تعالى: ﴿ولمن خاف مقام ربه جنتان﴾ [الرحمن - ٤٦]. أي جنة ظاهرة وجنة
باطنة، أو جنة من جهة العدل وجنة من طريق الفضل. (متفق عليه).
٥٥٨٠ - (وعنه) أي عن أبي سعيد رضي الله عنه (قال: قال رسول الله وَلاير: إذا دخل أهل
الجنة الجنة وأهل النار النار يقول الله تعالى:) أي للأنبياء أو لغيرهم من الشفعاء أو للملائكة
وهو الأظهر لما سيأتي مصرحاً في رواية أبي هريرة. (من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من
إيمان فاخرجوه) أي من النار. قيل: بهذا الحديث يظهر أن من أخرجهم الرحمن بقبضة كانوا
الحديث رقم ٥٥٨٠: أخرجه البخاري في صحيحه ٤١٦/١١. حديث رقم ٦٥٦٠ ومسلم في صحيحه ١/
١٧٢ حديث رقم (٣٠٤. ١٨٤).

٢٥٠
كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق / باب الحوض والشفاعة
فيخرجونَ قدِ امتحشوا، وعادوا حمماً، فيُلقون في نهرِ الحياةِ، فينبتونَ كما تنبُتُ الحِبَّةُ في
حَمِيلِ السَّيلِ، أَلم ترَوا أنَّها تخرُجُ صِفِراءَ مُلتَوِيةً)). متفق عليه.
٥٥٨١ _ (١٦) وعن أبي هريرة، أن الناس قالوا: يا رسولَ الله! هل نرى ربَّنا يومَ
القيامةِ؟ فذكر معنى حديثٍ أبي سعيدٍ غيرَ كشفِ السَّاقِ، وقال: ((يُضربُ الصّراطُ بينَ
ظَهرانَيْ جهنمَ، فأكونُ أوَّلَ من يَجوزُ من الرُّسلِ بأمَّته، ولا يتكلّمُ يومئذٍ إِلا الرسلُ، وكلامُ
الرُّسلِ يومئذٍ: اللهمَّ سلّمْ سّمْ.
٤
مؤمنين بلا خير وعمل زائد على الإيمان دون الكفار كما يوهمه ظاهر العبارة هناك فإنه مخالف
للإجماع. (فيخرجون) بصيغة المجهول (قد امتحشوا) على بناء الفاعل أي احترقوا والجملة
حالية، وقيل بالمفعول فكأنه جعل متعدياً بمعنى المحش [على حذف الزوائد] وهو إحراق النار
الجلد. وفي النهاية: المحش إحراق الجلد وظهور العظم. وفي القاموس: امتحش احترق.
وقال العسقلاني: امتحشوا احترقوا وزنا. معنى، وعند بعضهم بضم المثناة وكسر الحاء ولا
يعرف في اللغة امتحشه متعدياً(١) وإنما سمع لازماً مطاوع محشه. وقال النووي [رحمه الله]:
هو بفتح التاء والحاء المهملة والشين المعجمة هكذا هو في الروايات وبه ضبط الخطابي
والهروي وإنقله القاضي عياض [رحمه الله] عن شيوخه ومعناه احترقوا. قال القاضي: ورواه
بعض شيوخنا بضم التاء وكسر الحاء (٢). (وعادوا حمماً فيلقون في نهر الحياة فينبتون) أي تعود
أبدانهم إليهم (كما تنبت الحبة في حميل السيل. ألم تروا) أي ألم تبصروا أو ألم تعلموا (أنها)
أي الحبة (تخرج) أي أوّلاً (صفراء) أي خضراء (ملتوية) أي ملفوفة مجتمعة (٣)، وقيل منحنية.
(متفق عليه).
/٢٥/١٣٠
حدة
٥٥٨١ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن الناس قالوا: يا رسول الله هل نرى ربنا يوم
القيامة فذكر) أي أبو هريرة (معنى حديث أبي سعيد) أي الذي مر قبيل ذلك (غير كشف الساق
وقال:) أي النبي وَلير، أو أبو هريرة مرفوعاً. (يضرب الصراط) أي يمد (بين ظهراني جهنم) أي
بين طرفيها فيوافق رواية على متنها وظهرها وفوقها. (فأكون أول من يجوز من الرسل بأمته)
الباء للتعدية أي من يجاوزهم عنها. (ولا يتكلم يومئذ) أي في ذلك المقام (إلا الرسل) قال ابن
الملك: أراد بقوله: يومئذ، وقت جواز الصراط وإنما فسرناه بهذا لأن ثمة مواطن لا يتكلم فيها
الناس. قلت: لقوله: ﴿هذا يوم لا ينطقون﴾ [المرسلات - ٣٥]. ولكن هناك مواقف يتكلم
فيها عموم الناس أيضاً، فالحصر يفيد التقييد بحينئذ. (وكلام الرسل يومئذ: اللهم سلم سلم.)
(١) في المخطوطة ((ومتعدياً)).
(٢) في المخطوطة زيادة كلمة: ((وقد)).
(٣) وقع تقديم وتأخير في المخطوطة.
الحديث رقم ٥٥٨١: أخرجه البخاري في صحيحه ٤٤٤/١١. حديث رقم ٦٥٧٣. ومسلم في صحيحه ١/
١٦٣ حديث رقم (١٨٢.٢٩٩). وابن ماجه في السنن ٢/ ١٤٣٠ حديث رقم ٤٢٨٠. وأحمد في
المسند ٢٩٣/٢.
1/٠١٠٠

٢٥١
١٨/١٠٠
كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق/ باب الحوض والشفاعة
وفي جهنمَ كلاليب مثلُ شَوْكِ السَّعْدانِ، لا يعلمُ قذرَ عظَمها إِلا اللَّهُ، تخطفُ الناسَ
بأعمالهم، فمنهم من يُوبَقُ بعملِه، ومنهم مَن يُخردَلُ ثمَّ ينجو، حتى إِذا فرغَ اللَّهُ منَ القضاءِ
بينَ عبادِه وأرادَ أن يخرجَ منَ النَّارِ من أرادَ أن يُخرجَه ممَّن كانَ يشهدُ أن لا إِلهَ إِلا اللّهَ، أمرَ
الملائكة أنْ يُخرِجوا مَن كان يعبدُ اللَّهَ، فيُخرجونَهم ويعرفونهم بآثارِ السُّجودِ، وحرَّم اللَّهُ
تعالى على النارِ أن تأكلَ أثر السجودِ، فكلُّ ابنِ آدمَ تأكلُه النَّارُ إِلا أثرَ السجودِ،
كرر للتأكيد (وفي جهنم) أي في أطرافها (كلاليب) بلا صرف لكونه على صيغة منتهى الجموع
جمع كلاب بالضم أو كلوب بالفتح وبتشديد اللام فيهما، وهي حديدة معوجة الرأس يخطف
بها أو يعلق عليها اللحم ويرسل في التنور، أو عود في رأسه اعوجاج يجر بها الجمر. (مثل
شوك السعدان) بفتح. فسكون وهو نبت له شوك عظيم. ويقال لشوكه(١) حسك السعدان ويشبه
حلمة الثدي. (لا يعلم قدر عظمها) بكسر ففتح، أي عظمة تلك الكلاليب. (إلا الله. تخطف)
أي تأخذ الكلاليب بسرعة، والطاء مفتوحة، وروي بكسرها والأولى هي الأولى لموافقة القرآن
الذي هو اللغة الفصحى. وقال النووي [رحمه الله]: يروى بفتح الطاء وكسرها، أي تخطف.
(الناس بأعمالهم) أي بسبب أعمالهم القبيحة أو بحسب أعمالهم السيئة. (فمنهم) أي من الناس
أو من العصاة أو من المخطوفين (من بوبق) أي يهلك ويحبس (بعمله) أي القبيح من وبق أي
هلك وأوبقه غيره. ففي النهاية: وبق يبق ويوبق فهو وبق إذا هلك وأوبقه غيره فهو موبق أي
مهلك. (ومنهم من يخردل) بالدال المهملة على صيغة المجهول، أي يصرع أو يقطع قطعاً
كالخردلة. ففي النهاية: المخردل المقطع تقطعه (٢) كلاليب الصراط حتى يهوي في النار.
يقال: خردلت اللحم بالدال والذال، أي فصلت أعضاءه وقطعتها. قال ابن الملك [رحمه الله]:
وقيل: يقطع الكلاليب لحمه على الصراط ويخرج أعضاؤه. (ثم ينجو) أي من الوقوع في
النار، فالكافر يوبق والفاسق يخردل ثم يتخلص. (حتى إذا فرغ الله من القضاء) أي من الحكم
بين عباده بما يستحق كل من جزاء(٣) عمله (وأراد أن يخرج من أراد أن يخرجه ممن كان يشهد
أن لا إله إلا الله أمر الملائكة أن يخرجوا من كان يعبد الله) أي يوحده أو يعرفه بالوحدانية أو
يعبده على نعت التوحيد. (فيخرجونهم ويعرفونهم بآثار السجود) قال تعالى: ﴿سيماهم في
وجوههم من أثر السجود﴾ [الفتح - ٢٩]. (وحرم الله على النار) أي منعها (أن تأكل أثر
السجود) أي من وجوههم أو جباههم. قال النووي [رحمه الله]: ظاهر هذا أن النار لا تأكل
جميع أعضاء السجود السبعة وهي الجبهة واليدان والركبتان والقدمان. وقال القاضي عياض
[رحمه الله]: المراد بأثر السجود الجبهة خاصة والمختار الأوّل. قلت: ويؤيد الثاني ما سبق
من القرآن وما في رواية مسلم إلاّ دارة الوجه وهو المتبادر مما تقدم فتحرم صورهم على النار
فهو المعول. (فكل ابن آدم) أي آثار أفعاله من أعضائه (تأكله النار إلا أثر السجود) وهذا تأكيد
(١) في المخطوطة ((الشوك)).
(٣) في المخطوطة ((أجزاء)).
(٢) في المخطوطة «لقطعاه)).

٢٥٢
كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق/ باب الحوض والشفاعة
فيخرجونَ من النارِ قدِ امْتحشوا، فيصبُّ عليهم ماء الحياةِ، فينبتونَ كما تنبتُ الحِبَّةُ في
حمِيلِ السَّيل، ويبقى رجلٌ بينَ الجنَّةِ والنارِ، وهو آخرُ أهلِ النارِ دُخولاً الجنةَ، مُقبلٌ بوجهِه
قِبَل النارِ، فيقول: يا ربِّ! اصرِفْ وجهي عن النار، قد قشَبني ريحُها، وأحرقَني ذكاؤها.
فيقولُ: هل عسَيتَ إِن أفعلْ ذلك أن تسأل غيرَ ذلكَ؟ فيقول: لا وعزَّتَكَ، فيُعطي اللَّهَ ما
شاءَ اللَّهُ منْ عهدٍ وميثاقٍ، فَيَصرفُ اللَّهُ وجهَه عن النارِ، فإذا أقبلَ به على الجنةِ ورأى
بهجتها، سکت
لما قبله (فيخرجون من النار قد امتحشوا) أي احترقوا وقد سبق (فيصب عليهم ماء الحياة) وقد
مر أنهم يلقون في نهر الحياة، ولعل الاختلاف باختلاف الأشخاص. (فينبتون كما تنبت الحبة
في حميل السيل) أي محموله (ويبقى رجل بين الجنة والنار وهو آخر أهل النار دخولاً) تمییز
(الجنة) بالنصب على أنه مفعول الدخول. (مقبل) خبر آخر (١) أو خبر مبتدأ آخر هو مقدر، أي
متوجه. (بوجهه قبل النار) بكسر القاف وفتح الباء، أي إلى جهتها. (فيقول: يا رب اصرف
وجهي عن النار) أي رده عنها (وقد قشبني) بفتح القاف والشين المعجمة والموحدة، أي آذاني
وأهلكني. (ريحها) وقيل: سمني وأهلكني من القشيب وهو السم المهلك. وفي المقدمة: أي
ملأ خياشيمي، والقشب السم ويطلق على الإصابة بكل مكروه. وقال الداودي: معناه: غير
جلدي وصورتي. (وأحرقني ذكاؤها) بفتح المعجمة والمد وفي نسخة صحيحة ذكاها بالقصر.
قال النووي [رحمه الله]: هو بالمد وفتح الذال المعجمة كذا وقع في جميع روايات الحديث،
أي لهبها واشتعالها وشدة وهجها. والأشهر في اللغة مقصورة. وقيل: إن القصر والمد لغتان.
(فيقول:) أي الرب (هل عسيت) أي يتوقع منك (إن أفعل ذلك) أي بك، والإشارة إلى صرف
الوجه والجملة الشرطية معترضة بين اسم عسى وخبرها وهو قوله: (أن تسأل غير ذلك)
والمعنى هل يتوقع منك بعد حصول ذلك سؤال غيره. قال الطيبي [رحمه الله]: فإن قلت:
كيف يصح هذا من الله تعالى وهو عالم بما كان وما يكون. قلت: معناه أنكم يا بني آدم لما
عهد منكم من رخاوة الوعد ونقض العهد أحقاء بأن يقال لكم يا هؤلاء ما ترون (٢) هل يتوقع
منكم ذلك أم لا. وحاصله أن معنى عسى راجع إلى المخاطب لا إلى الله تعالى وهو من باب
إرخاء العنان وبعث المخاطب على التفكر في أمره وشأنه لينصف من نفسه ويذعن للحق.
(فيقول: لا) أي لا أسألك غير ذلك (وعزتك) لا أسأل غير ذلك (فيعطي) أي الرجل (الله ما
شاء الله) مفعول ثان ليعطي، أي ما قدره وقضاه أو ما أراده من عهد وميثاق أي قسم يوثق
العهد به ويؤكد. (فيصرف الله وجهه عن النار فإذا أقبل) بصيغة الفاعل وفي نسخة على بناء
المفعول به أي بوجهه. (على الجنة رأى بهجتها) أي حسنها (وكثرة خيرها سكت) كذا في
الأصول بلا عاطف في الفعلين هنا. والظاهر أن يكون أحدهما جواب إذا والآخر عطف على
الشرط والجزاء. ولعل توجيهه أن قوله: رأى بهجتها. جملة حالية على مذهب من يجوزه،
(١) في المخطوطة عبارة ((عطف على آخر)).
(٢) في المخطوطة ((تدرون)).

٢٥٣
عيب:
كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق/ باب الحوض والشفاعة
ما شاءَ اللَّهُ أن يسكتَ، ثمّ قال: يا ربّ! قدّمني عند بابِ الجنةِ، فيقول اللَّهُ تبارك وتعالى:
أليسَ قد أعطيتَ العهودَ والميثاقَ أن لا تسأل غير الذي كنتَ سألتَ. فيقول: يا ربِّ! لا
أكونُ أشقى خلقكَ. فيقول: فما عسيت إِن أُعطِيتَ ذلكَ أن تسألَ غيرَه. فيقول: لا وعزَّتِكَ
لا أسألُكَ غيرَ ذلكَ، فيُعطي ربَّه ما شاءَ من عهد وميثاقٍ، فيُقدمُه إِلى بابِ الجنةِ، فإِذا بلغَ
بابها فرأى زهرتها وما فيها من النَّضرةِ والسرور، فسكتَ ما شاءَ اللَّهُ أن يسكتَ، فيقول: یا
ربِّ! أَدخلني الجنَّةَ فيقول اللَّهُ تباركَ وتعالى: ويلكَ يا ابنَ آدمَ! ما أغدرَكَ! أليسَ قد أعطيتَ
ولفظ المشارق: فإذا أقبل على الجنة ورآها سكت. (ما شاء الله أن يسكت) أي سكوته (ثم
قال: يا رب قدمني عند باب الجنة) أي إلى بابها كما سيأتي ويمكن أن يكون الظرف حالاً
مقدرة (فيقول الله تبارك وتعالى: أليس) أي الشأن (قد أعطيت العهود والميثاق أن لا تسأل غير
الذي كنت سألت فيقول: يا رب لا أكون أشقى خلقك) أي لا تجعلني أشقاهم. والمراد
بالشقاوة هنا الحرمان، أي لا أكون محروماً. (فيقول:) أي الرب (فما عسيت) ما استفهامية،
أي فهل عسيت. (إن أعطيت ذلك) بصيغة المجهول (أن تسأل غيره) أي غير ذلك (فيقول: لا
وعزتك لا أسألك غير ذلك) تأكيد وبيان لقوله: لا. قبل ذلك. وفي نسخة صحيحة: لا أسأل
غير ذلك. (فيعطي) أي الرجل (ربه ما شاء من عهد وميثاق فيقدمه) أي الله (إلى باب الجنة فإذا
بلغ بابها فرأى زهرتها) بفتح الزاي، أي طيب عيش من فيها والزهرة البياض وزهرة الدنيا
نضارتها. (وما فيها من النضرة) أي الحسن والرونق (والسرور) أي الفرح بما فيها من الدور
والقصور وكثرة الحور والتنعم بالحبور. (فسكت ما شاء الله أن يسكت) بالفاء هنا على ما في
جميع نسخ المشكاة، قال الطيبي [رحمه الله]: قوله: فسكت. كذا في صحيح البخاري وأكثر
نسخ المصابيح، فعلى هذا جواب إذا محذوف، والمعنى: إذا رأى ما رأى تحير فسكت،
ونظيره قوله تعالى: ﴿وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمراً حتى إذا جاؤوها وفتحت أبوابها ﴾
[الزمر - ٧٣]. انتهى. وقيل: الواو زائدة وتسمى واو الثمانية نحو قوله تعالى: ﴿ويقولون
سبعة وثامنهم كلبهم﴾ [الكهف - ٢٢]. وقال أبو البقاء [رحمه الله]: الواو زائدة عند قوم لأن
الكلام جواب حتى إذا وليست زائدة عند المحققين والجواب محذوف تقديره: اطمأنوا، أو نحو
ذلك، (فيقول: يا رب أدخلني الجنة. فيقول الله تبارك وتعالى: ويلك يا ابن آدم) قال شارح:
ويلك منصوب على المصدر لا غير إن أضيف وإن لم يضف يرفع على الابتداء وينصب بإضمار
الفعل مثل: ويل لزيد وويلا لزيد، أي أهلك الله إهلاكاً أو هلكت هلاكاً. (ما أغدرك) بالغين
المعجمة والدال المهملة وما فيه للتعجب، أي يستحق أن يتعجب منك بكثرة غدرك في عهودك
بأن لا تسأل غيره(١). ويجوز أن يكون ما للاستفهام والهمزة للصيرورة، أي أيّ شيء صيرك
غادرا في عهودك. وفي نسخة بالعين المهملة والذال المعجمة، أي أي شيء جعلك في هذا
السؤال معذوراً. (أليس قد أعطيت العهود والميثاق أن لا تسأل غير الذي أعطيت). بصيغة
(١) في المخطوطة ((ميرك)).

٢٥٤
كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق / باب الحوض والشفاعة
العهودَ والميثاقَ أن لا تسألَ غير الذي أُعطِيتَ. فيقول: يا ربِّ! لا تجعلني أشقى خلقكَ،
فلا يزالُ يدعو حتى يضحكَ اللَّهُ منه، فإِذا ضحكَ أذنَ له في دخول الجنةِ. فيقولُ: تمنَّ،
فيتمنَّى حتى إِذا انقطعتْ أُمنِيَّتُه قال اللَّهُ تعالی: تمَنَّ مِنْ كذا وكذا، أقبل یذكره رُّه، حتى إِذا
انتهتْ به الأماني قال اللَّهُ: لكَ ذلكَ ومثلُه معه)).
وفي رواية أبي سعيدٍ: ((قال اللَّهُ: لكَ ذلكَ وعشرةُ أمثالِه)). متفق عليه.
٥٥٨٢ _ (١٧) وعن ابن مسعودٍ، أنَّ رسولَ الله وَّه قال: ((آخرُ من يدخلُ الجنةَ
رجلٌ، يمشي مرةً
المجهول (فيقول: يا رب لا تجعلني أشقى خلقك) قال الطيبي [رحمه الله]: فإن قلت: كيف
طابق هذا الجواب قوله: أليس قد أعطيت العهود والميثاق. قلت: كأنه قال: يا رب بلى
أعطيت العهود والميثاق ولكن تأملت في كرمك وعفوك ورحمتك وقولك ﴿لا تيأسوا من روح
الله أنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون﴾ [يوسف - ٨٧]، فوقفت على أني لست من
الكفار الذين أيسوا من رحمتك وطمعت في كرمك وسعة رحمتك فسألت ذلك. فكأنه تعالى
رضي عنه بهذا القول فضحك انتهى. وهذا معنى قوله: (فلا يزال يدعو حتى يضحك الله) أي
يرضى (منه) أي من أجله وسبب كلامه ودعائه (فإذا ضحك أذن له في دخول الجنة فيقول:
تمن) أمر مخاطب (فيتمنى حتى إذا انقطعت أمنيته) بضم همز وتشديد تحتية، أي مطلوبة
ومتمناه. (قال الله تعالى: تمن من كذا وكذا) قال المظهر: من فيه للبيان يعني: تمن من كل
جنس ما تشتهي منه. قال الطيبي [رحمه الله]: ونحوه: ﴿يغفر لكم من ذنوبكم﴾ [الأحقاف -
٣١]. ويحتمل أن تكون(١) من زائدة في الإثبات على مذهب الأخفش. وقوله: (أقبل يذكره
ربه) بدل من الجملة السابقة على سبيل البيان وربه يتنازع فيه العاملان انتهى. وأقبل بمعنى شرع
ويذكره بتشديد الكاف، أي يلهمه ويلقنه ربه بما ينبغي أن يسأله فيتمنى. (حتى إذا انتهت به
الأماني) أي انقطعت ولم تبق له أمنية (قال الله: لك ذلك) أي مسؤولك ومأمولك (ومثله معه)
أي تفضلا عليك. (وفي رواية أبي سعيد قال: الله: لك ذلك) أي ما تمنيت (وعشرة أمثاله) أي
في الكيفية وإن كان مثله في الكمية، وبهذا يرتفع التدافع ويندفع التمانع والله سبحانه [وتعالى]
أعلم. (متفق عليه).
٥٥٨٢ - (وعن ابن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله وَلجر قال: آخر من يدخل الجنة
رجل فهو يمشي مرة) قال الطيبي [رحمه الله]: الفاء يجوز أن تكون تفصيلية أبهم أولاد دخوله
الجنة ثم فصل كيفية دخولها ثانياً وأن تكون لتعقيب الأخبار وأن تقدم ما بعدها على ما قبلها في
(١) في المخطوطة (يكون)).
الحديث رقم ٥٥٨٢: أخرجه مسلم في صحيحه ١٧٩٤/١. حديث رقم (١٨٧.٣١٠) والدارمي في السنن
٤٠٩/٢ حديث رقم ٢٧٧٧. وأحمد في المسند ٤١١/١.

٢٥٥
كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق / باب الحوض والشفاعة
ويكبو مرةً وتسفعُه النارُ مرةً، فإِذا جاوزَها التفتَ إِليها فقال: تبارك الذي نجَّاني منك، لقد
أعطاني الله شيئاً ما أعطاه أحداً من الأوَّلين والآخرين، فتُرفع له شجرةٌ فيقول: أي ربِّ!
أذنني من هذه الشجرة فلأستظل بظلّها وأشرب من مائها، فيقول الله: يا ابن آدم! لعلي إِن
أَعطيتُكَها سألتني غيرَها؟ فيقول: لا يا ربِّ! ويعاهده أن لا يسأله غيرها، وربُّه يعذره لأنَّه
يرَى ما لا صبر له عليه، فيُذْنيه منها، فيستظل بظلّها، ويشرب من مائها، ثمَّ ترفع له شجرة
هي أحسن من الأولى، فيقول: أي ربِّ أذنني من هذه الشجرة لأشرب من مائها، وأستظل
الوجود فوقعت موقع ثم في المعنى كأنه قيل: أخبركم عقيب هذا القول حاله فهو يمشي قبل
دخوله في الجنة مرة. (ويكبو) بضم الموحدة أي يقف. وقيل: يسقط لوجهه. (مرة) أي أخرى
(وتسعفه النار) بفتح الفاء أي تحرقه (مرة) أو تجعل عليه علامة من سواد الوجه وزرقة العين
يقال: سفع من النار، أي علامة منها وسفعت الشيء إذا جعلت عليه علامة. قال ابن الملك:
أي تلفحه لفحاً يسيراً فيتغير لون بشرته. وقيل: أي تعلمه علامة أي أثراً منها. وفي القاموس:
لفحت النار بحرها أحرقت وسفع الشيء كمنعه أعلمه ووسمه والسموم وجهه لفحه لفحاً يسيراً.
(فإذا جاوزها التفت إليها فقال: تبارك) أي تعظم وتعالى أو تكاثر خير[٥] (الذي نجاني منك)
هذا فرح بما أعطاه من النجاة. وقوله: (لقد أعطاني الله شيئاً ما أعطاه أحداً من الأولين
والآخرين) جواب قسم محذوف، أقسم من الفرح أن نجاته نعمة ما ظفر بها أحد من العالمين.
ولعل وجهه أنه ما رأى أحداً مشاركاً له في خروجه من النار ولم يدر أن الأبرار في نعيم دار
القرار. (فترفع له شجرة) أي عندها عين ماء لما سيأتي. (فيقول: أي رب) وأي في الأصل
لنداء القريب وبابه. ويا للبعيد فتارة ينظر إلى قرب الرب من العبد كما قال سبحانه [وتعالى]:
﴿ونحن أقرب إليه من حبل الوريد﴾ [ق - ١٦]. وتارة يراعي بعد العبد من الرب كما قيل:
يا للتراب ورب الأرباب. (أدنني) أمر من الإدناء، أي قربني. (من هذه الشجرة فلأستظل)
بكسر اللام الأولى ونصب الفعل. قال الطيبي [رحمه الله]: الفاء سببية واللام مزيدة أو
بالعكس، يعني والفاء مزيدة واللام للعلة، ففيه مسامحة لا تخفى، ثم في الكلام تجريد،
والمعنى: لأنتفع. (بظلها وأشرب من مائها. فيقول الله: يا ابن آدم لعلي إن أعطيتكها) أي
مسألتك أو أمنيتك (سألتني غيرها) هو جواب الشرط وهو دال على خبر لعل. (فيقول: لا يا
رب. ويعاهده أن لا يسأله غيرها وربه يعذره) بفتح الياء ويضم، أي يجعله معذوراً. وفي
النهاية: وقد يكون أعذر بمعنى جعله موضع العذر. وفي المشارق: عذرته وأعذرته أي قبلت
عذره، وفي المصباح: عذرته فيما صنع عذراً من باب ضرب، رفعت عنه اللوم فهو معذور،
وأعذرته بالألف لغة واعتذر أي طلب قبول معذرته، واعتذر عن فعله أظهر عذره. (لأنه) أي
العبد (يرى ما لا صبر له عليه) كذا في الأصول في المرتين الأوليين وكذا في الثالثة في بعض
الأصول، وفي أكثرها عليها بتأويل ما بنعمة وعلى بمعنى عن كذا في شرح مسلم للنووي،
وقرره السيوطي في حاشية على مسلم. (فيدنيه منها) أي فيقربه من الشجرة (فيستظل بظلها
ويشرب من مائها ثم ترفع له شجرة) أي أخرى هي (أحسن من الأولى) لأنه أراد له الترقي من
الأدنى إلى الأعلى (فيقول: أي رب أدنني من هذه الشجرة لأشرب من مائها وأستظل
٢
/٦:٣٠
٣٧٠٧ **

٢٥٦
كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق/ باب الحوض والشفاعة
بظلّها لا أسألكَ غيرها. فيقول: يا ابن آدم! ألم تعاهِذني أن لا تسألني غيرها؟! فيقول:
لعلي إِن أَدنيتُك منها تسألني غيْرَها؟ فَيُعَاهده أن لا يسأله غيرها، وربه يعذره لأنه يرى ما لا
صبر له عليه، فيدنيهِ منها فيستظلُّ بظلّها ويشرب من مائها، ثم ترفع له شجرةٌ عند بابٍ
الجنةِ هي أحسنُ من الأولين، فيقول: أي ربِّ! أذنِني من هذهِ فلأستظلَّ بظلّها وأشربْ من
مائها، لا أسألكَ غيرَها. فيقول: يا ابن آدم! ألم تعاهِذْني أن لا تسألني غَيرَها؟! قال: بلى
يا ربِّ! هذه لا أسألكَ غيرَها، وربه يعذِره لأنه يرى ما لا صبر له عليه، فيُذْنيه منها، فإِذا
أدناه منها سمع أصواتَ أهل الجنَّة، فيقولُ: أي ربِّ! أدخلنيها، فيقول: يا ابن آدم! ما
يصريني منك؟
بظلها) الواو لمطلق الجمع لأن الظاهر أن الاستراحة بظلها قبل الشرب من مائها. (لا أسألك
غيرها) قال الطيبي [رحمه الله]: هو حال تنازع فيه أستظل وأشرب (فيقول: يا ابن آدم ألم
تعاهدني أن لا تسألني غيرها. فيقول:) أي الرب (لعلي إن أدنيتك منها تسألني) بالرفع، أي
تطلب مني. (غيرها. فيعاهده أن لا يسأله غيرها وربه يعذره لأنه يرى ما لا صبر له عليه فيدنيه
منها فيستظل بظلها ويشرب من مائها ثم ترفع له شجرة) أي ثالثة (عند باب الجنة هي أحسن من
الأوليين. فيقول: أي رب أدنني من هذه فلأستظل بظلها وأشرب من مائها لا أسألك غيرها.
فيقول: يا ابن آدم ألم تعاهدني أن لا تسألني غيرها. قال: بلى يا رب هذه) منصوب المحل
بفعل يفسره ما بعده أي هذه أسألك (لا أسألك غیرها) حال أو استئناف (وربه بعذره لأنه یری
ما لا صبر له عليه) وفي بعض النسخ: عليها، وقد سبق الكلام عليهما. (فيدنيه منها فإذا أدناه
منها سمع أصوات أهل الجنة) أي في مصاحبتهم مع أزواجهم ومجاورتهم مع أصحابهم فأراد
الاستئناس بهم أو في غنائهم فأراد التقرب ليتلذذ بأنغامهم. (فيقول: يا رب أدخلنيها. فيقول:
يا ابن آدم ما يصريني منك) بفتح الياء وسكون الصاد المهملة. قال صاحب النهاية: وفي رواية:
ما يصريك مني، أي ما يقطع مسألتك ويمنعك من سؤالي. يقال: صريت الشيء إذا قطعته
وصريت الماء جمعته وحبسته انتهى. والمعنى: قد كررت سؤالك مع معاهدتك أن لا تسأل
فماذا يقطع سؤالك عني ويرضيك. قال التوربشتي: صري عنه شره أي دفع، وصريته منعته
وصريت ما بينهم صرياً أي فصلت. يقال: اختصمنا إلى الحاكم فصرى ما بيننا، أي قطع ما
بيننا وفصل. وحسن أن يقال: ما يفصل بيني وبينك، أي ما الذي يرضيك حتى تترك
مناشدتك. والمعنى: إني أجبتك إلى مسألتك كرة بعد أخرى وأخذت ميثاقك أن لا تعود ولا
تسأل غيره وأنت لا تفي بذلك، فما الذي يفصل بيني وبينك في هذه القضية. ويكون على وجه
المجاز والاتساع، والمبتغى منه التوفيق على فضل الله ورحمته وكرمه وبره بعباده حتى أنه
يخاطبهم مخاطبة المستعطف الباعث سائله على الاستزادة. قال: وفي كتاب المصابيح: ما
يصريني منك. وهو غلط والصواب: ما يصريك مني. كذا رواه المتقنون من أهل الرواية. قال
المظهر: يمكن أن يحمل على القلب فأصله ما يصريك مني وقلب للعلم به والقلب في كلامهم
شائع ذائع في استعمالهم. قال الطيبي [رحمه الله]: الرواية صحيحة والمعنى صحيح على سبيل
٥ /١

٢٥٧
كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق/ باب الحوض والشفاعة
أيرضيك أن أعطيك الدنيا ومثلها معها. قال: أي ربِّ! أتستهزىء مني وأنت ربّ العالمين؟))
فضحك ابنُ مسعودٍ، فقال: ألا تسألونيّ ممَّ أضحك؟ فقالوا: ممَّ تضحكُ؟ فقال: هكذا
ضحكَ رسولُ الله ◌َّهَـ فقالوا: ممَّ تضحكُ يا رسول الله؟ قال: ((من ضحك ربّ العالمين
حين قال: أتستهزىء مني وأنت ربُّ العالمين؟
الكناية. قال النووي: ما يصريني منك بفتح الياء واسكان الصاد المهملة كذا في صحيح مسلم.
وروي في غير مسلم: ما يصريك مني. قال إبراهيم الحربي [رحمه الله]: هو الصواب وأنكر
الرواية التي في صحيح مسلم [رحمه الله] وغيره، وليس كما قال بل كلاهما صحيح وإن السائل
متى انقطع عن المسؤول انقطع المسؤول عنه. والمعنى: أي شيء يرضيك ويقطع السؤال بيني
وبينك. (أيرضيك أن أعطيك الدنيا) [أي قدرها] (ومثلها معها. قال: أي رب أتستهزىء مني)
أي أتحلني محل المستهزأ به (وأنت رب العالمين) والجملة حالية، والاستهزاء بالشيء إذا أسند
إلى الله تعالى يراد إنزال الهوان عليه وإحلاله إياه محل المستهزأ به كذا ذكره شارح. وقال في
شرح مسلم للنووي: هذا وارد من السؤال على سبيل الفرح والاستبشار. قال القاضي عياض:
هذا الكلام صادر عنه وهو غير ضابط لما نال من السرور ببلوغ ما لم يخطر بباله فلم يضبط
لسانه دهشة وفرحاً. وجرى على عادته في الدنيا في مخاطبة المخلوق ونحوه حديث التوبة قول
الرجل عند وجدان زاده مع راحلته من شدة الفرح: ((أنت عبدي وأنا ربك)) انتهى. وتوضيحه ما
ذكره ابن الملك أن قيل كيف صدر منه هذا القول بعد كشف الغطاء واستواء العالم والجاهل في
معرفة الله [تعالى] فيما يجوز على الله وما لا يجوز. قلنا: مثابة هذا العالم مثابة العالم العارف
الذي يستولي عليه الفرح بما آتاه الله فيزل لسانه من شدة الفرح، كما أخطأ في القول من ضلت
راحلته بأرض فلاة عليها طعامه وشرابه فأيس منها ثم بعدما وجدها وأخذ بخطامها قال من شدة
الفرح: اللهم أنت عبدي وأنا ربك(١). (فضحك ابن مسعود فقال: ألا) بالتخفيف (تسألوني)
بتشديد النون وتخفف(٢). (مم أضحك) أي من أي شيء أضحك (فقالوا: مم تضحك. فقال:
هكذا ضحك رسول الله وَ﴿ فقالوا: مم تضحك يا رسول الله. قال: من ضحك رب العالمين
حين قال له: أتستهزىء مني وأنت رب العالمين) قال التوربشتي (رحمه الله]: الضحك من الله
ومن رسوله وَلله وإن كانا متفقين في اللفظ فإنهما متباينان في المعنى، وذلك أن الضحك من الله
سبحانه يحمل على كمال الرضا عن(٣) العبد وإرادة الخير ممن يشاء من عباده أن يرحمه. وقال
القاضي [رحمه الله]: وإنما ضحك رسول الله* استعجاباً وسروراً بما رأى من كمال رحمة
الله ولطفه على عبده المذنب وكمال الرضا عنه. وأما ضحك ابن مسعود فكان اقتداء بسنة
رسول الله ﴿ لقوله: هكذا ضحك رسول الله وَ ل﴾. قلت: الظاهر أنه لاحظ المعنى الموجب
للضحك لا أنه مجرد تقليد وحكاية لفعله والتر فإنه ليس أمراً اختيارياً ولا يصدر من غير باعث
(١) مسلم في صحيحه ٢١٠٤/٤ حديث رقم ٢٧٤٧.
(٢) في المخطوطة ((يخفف)).
(٣) في المخطوطة ((من)).
FARC

٢٥٨
كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق / باب الحوض والشفاعة
فيقول: إِني لا أستهزىء منك ولكني على ما أشاء قدير)). رواه مسلم.
٥٥٨٣ _ (١٨) وفي رواية له عن أبي سعيدٍ نحوه، إلا أنه لم يذكر «فيقولُ: يا ابن
آدم! ما يصريني منك؟)) إلى آخر الحديث وزاد فيه: ((ويذكّره الله: سل كذا وكذا، حتى إِذا
انقطعتْ به الأماني قال الله: هو لك وعشرةُ أمثاله. قال: ثم يدخل بيته، فتدخل عليه
زوجتاه من الحور العين فيقولان: الحمد لله الذي أحياك لنا وأحيانا لك. قال: فيقول: ما
أُعطي أحدٌ مثلَ ما أُعطيت)).
٥٥٨٤ _ (١٩) وعن أَنسٍ، أن النبيَّ وَّ، قال: «ليصيبنَّ أقواماً سَفْعٌ من النَّار بذنوبِ
أصابوها عقوبةً، ثم يدخلهم الله الجنَّةَ بفضله ورحمته،
من قول عجيب أو فعل غريب. (فيقول: إني لا أستهزىء منك ولكني على ما أشاء قادر) وفي
نسخة: قدير. قال الطيبي [رحمه الله]: فإن قلت: مم استدركه. قلت: عن مقدر فإنه تعالى
لما قال له: أيرضيك أن أعطيك الدنيا ومثلها معها. فاستبعده العبد لما رأى أنه ليس أهلاً لذلك
وقال: أتستهزىء بي. قال سبحانه وتعالى: نعم كنت لست أهلاً له لكني أجعلك أهلاً لها
وأعطيك ما استبعدته لأني على ما أشاء قدير. (رواه مسلم) أي عن ابن مسعود.
!١٣
٥٥٨٣ - (وفي رواية له) أي لمسلم (عن أبي سعيد نحوه) أي نحو المروي عن ابن
مسعود (إلا أنه) أي أبا سعيد (لم يذكر فيقول: يا ابن آدم ما يصريني منك إلى آخر الحديث.
وزاد) أي نقص من الحديث ما سبق وزاد (فيه ويذكره الله) بالتشديد، أي يعلمه (سل كذا وكذا
حتى إذا انقطعت به الأماني قال الله: هو لك وعشرة أمثاله. قال:) أي النبي ◌َّر (ثم يدخل) أي
العبد (بيته) أي قصره (فيدخل عليه زوجتاه من الحور العين) قال النووي: زوجتاه بالتاء تثنية
زوجة هكذا ثبت في الرواية والأصول وهي لغة صحيحة معروفة. (فتقولان: الحمد لله الذي
أحياك لنا وأحيانا لك) أي خلقك لنا وخلقنا لك، ووضع إحياء موضع خلق إشعاراً بالخلود
وأنه تعالى جمع بينهما في هذه الدار التي لا موت فيها وأنها دائمة السرور والحياة. قال تعالى:
﴿وإن الدار الآخرة لهي الحيوان﴾ [العنكبوت - ٦٤]. (قال:) أي النبي ◌َّر (فيقول:) أي
العبد (ما أعطي أحد مثل ما أعطيت) أي لعدم اطلاعه على إعطاء غيره والله [تعالى] أعلم.
٠٠ ..
٥٥٨٤ - (وعن أنس أن النبي ◌َ ﴿ قال: ليصيبن) أي والله ليدركن وليمسن. (أقواماً سفع
من النار) بفتح فسكون، أي سواد من لفح النار أو علامة منها كذا في المقدمة. وقيل إحراق
قليل منها (بذنوب) أي بسببها. وقوله: (أصابوها) صفة ذنوب. وقوله: (عقوبة) مفعول له (ثم
يدخلهم الله الجنة بفضله ورحمته) كذا في أصل السيد وبعض النسخ، وفي بعضها: بفضل
الحديث رقم ٥٥٨٣: أخرجه مسلم في صحيحه ١/ ١٧٥ حديث رقم (٣١١ . ١٨٨).
الحديث رقم ٥٥٨٤: أخرجه البخاري في صحيحه ٤١٦/١١. حديث رقم ٦٥٥٩. وأخرجه ابن ماجه في
السنن ١٤٤٣/٢ حديث رقم ٤٣١٥. وأحمد في المسند ١٣٣/٣.
١١٣٠
_27482

٢٥٩
كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق/ باب الحوض والشفاعة
فيقال لهم: الجهنّميُّون)). رواه البخاري.
٥٥٨٥ - (٢٠) وعن عمران بن حصين، قال: قال رسول الله وَلقول: ((يَخرُجُ أقوامٌ من
النارِ بشفاعةِ محمَّد فيدخلون الجنَّةَ ويُسمَّون الجهنَّميّين)). رواه البخاري. وفي رواية:
(يخرج قوم من أُمَّتي من النَّار بشفاعتي، يسمَّون الجهنَّميين)).
٥٥٨٦ _ (٢١) وعن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله وَلتر: ((إني لأعلم آخر
أهل النَّار خروجاً منها، وآخرَ أهلِ الجنَّةِ دخولاً، رجلٌ يخرج من النار حَبْواً. فيقول الله :
اذهبْ فادخُلِ الجنةَ، فيأتيها، فيُخَيَّل إِليه أنَّها ملأى فيقول: يا ربّ! وَجدتُها ملأى. فيقول
الله: اذهبْ فادخلِ الجنةَ، فإِنَّ لكَ مثلَ الدنيا
رحمته. (فيقال لهم الجهنميون) قال الطيبي [رحمه الله]: ليست التسمية بها تنقيصاً لهم بل
استذكاراً ليزدادوا فرحاً إلى فرح وابتهاجاً إلى ابتهاج وليكون(١) ذلك علماً لكونهم عتقاء الله
تعالى. (رواه البخاري) وكذا أبو داود والترمذي.
٥٥٨٥ - (وعن عمران بن حصين قال: قال رسول الله ويليهو: يخرج قوم) وفي نسخة أقوام
(من النار بشفاعة محمد) وفي نسخة (* فيدخلون الجنة) بصيغة المفعول وقيل بالفاعل (ويسمون
الجهنميين) وفي المصابيح: الجهنميون. قال شارح له: الرواية بالواو وحقه الياء لأنه مفعول
يسمون، ويحتمل أن يكون الجهنميون بالواو علماً لهم فلم يغير. (رواه البخاري) وكذا أبو داود
والترمذي وابن ماجه. ([وفي رواية: يخرج قوم من أمتي من النار بشفاعتي يسمون الجهنميين]).
٥٥٨٦ - (وعن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله وَلاته: إني لأعلم آخر أهل النار
خروجاً منها وآخر أهل الجنة دخولاً) أي فيها، والظاهر أنهما متلازمان فالجمع بينهما للتوضيح
ولا يبعد أن يكون احترازاً مما عسى أن يتوهم من حبس أحد في الموقف من أهل الجنة حينئذ
والله [تعالى] أعلم. (رجل يخرج من النار حبواً) حال أو مصدر من حبا الصبي إذا مشى على
أربع أو دب على أسته أي زحفاً، كما في رواية. (فيقول الله:) أي له (اذهب فأدخل الجنة
فيأتيها) أي فيجيء قريباً منها أو فيدخلها (فيخيل إليه) أي من تصويره تعالى (أنها) أي الجنة
(ملأى) تأنيث [ملآن] (فيقول: أي رب وجدتها ملأى) يعني وليس لي مكان فيها (فيقول:
اذهب فادخل الجنة) المراد بها جنسها أو جنة بخصوصها (فإن لك مثل الدنيا) أي في سعتها
(١) في المخطوطة ((سيكون)).
الحديث رقم ٥٥٨٥: أخرجه البخاري في صحيحه ٤١٨/١١. حديث رقم ٦٥٦٦ والترمذي ٦١٦/٤
حديث رقم ٢٦٠٠. وابن ماجه في السنن ١٤٤٣/٢. حديث رقم ٤٣١٥.
الحديث رقم ٥٥٨٦: أخرجه البخاري في صحيحه ٤١٨/١١. حديث رقم ٦٥٧١. ومسلم في صحيحه ١/
١٧٣ حديث رقم (٣٠٨ .١٨٦). وأخرجه الترمذي في السنن ٦١٤/٤ حديث رقم ٦١٤/٤ حديث
رقم ٢٥٩٥.

٢٦٠
كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق / باب الحوض والشفاعة
وعشرة أمثالها. فيقول: أتسخرُ مني - أو تضحك مني - وأنت الملكُ؟)) ولقد رأيتُ رسولَ
اللَّهِ وَّهِ ضَحِكَ حتى بدَتْ نواجذه، وكان يقال: ذلك أدنى أهلِ الجنَّةِ منزلة. متفق عليه.
٥٥٨٧ _ (٢٢) وعن أبي ذرّ، قال: قال رسول الله ◌ِّر: ((إِني لأعلم آخر أهلِ الجنّةِ
دُخولاً الجنةَ، وآخر أهلِ النار خُروجاً منها، رجلٌ يُؤتى به يوم القيامة، فيقال: إعرضوا عليه
صغارَ ذنوبه وارفعوا عنه كبارها، فتعرض عليه صغار ذنوبه، فيقال: عملت يوم كذا وكذا،
كذا وكذا، وعملت يوم كذا وكذا، كذا وكذا؟ فيقول: نعم. لا يستطيع أن ينكر وهو مشفقٌ
من كبارٍ ذنوبه أن تعرض عليه. فيقال له: فإِنَّ لك مكانَ كلِّ سيئةٍ حسنةً. فيقول: ربِّ قد
عملتُ أشياء لا أراها ههنا)) وقد رأيت
وقيمتها (وعشرة أمثالها) أي زيادة عليها في الكمية والكيفية. وفيه إيماء إلى قوله تعالى: ﴿من
جاء بالحسنة فله عشر أمثالها﴾ [الأنعام - ١٦٠] . فالمؤمن حيث ترك الدنيا وهي صارت
كالحبس في حقه جوزي بمثلها عدلاً وبأضعافها فضلاً. (فيقول: أتسخر) بفتح الخاء، أي
أتستهزىء. (مني أو تضحك مني) شك من الراوي (وأنت الملك) أي والحال أنك الملك
القدوس الجليل. (فلقد رأيت رسول الله ( * ضحك حتى بدت) أي ظهرت (نواجذه) أي أواخر
أضراسه. (وكان يقال:) الظاهر أن هذا كلام عمران أو من بعده من الرواة. فالمعنى: وكان
يقول الصحابة أو السلف. (ذلك أدنى أهل الجنة [منزلة] متفق عليه).
مح
٥٥٨٧ - (وعن أبي ذر رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَّفيه: إني لأعلم آخر أهل الجنة
دخولاً الجنة) أي فيها (وآخر أهل النار خروجاً منها. رجل يؤتى به يوم القيامة فيقال: إعرضوا)
بكسر الهمزة والراء، أي أظهروا. (عليه صغار ذنوبه وارفعوا عنه كبارها) أي بمحوها أو
بإخفائها (فتعرض عليه صغار ذنوبه. فيقال: عملت يوم كذا وكذا) أي في الوقت الفلاني (كذا
وكذا) أي من عمل السيئات (وعملت يوم كذا وكذا كذا وكذا) أي من ترك الطاعات (فيقول:
نعم) أي في كل منهما أو بعدهما جميعاً (لا يستطيع أن ينكر) أي شيئاً منهما استئناف أو حال
(وهو) أي الرجل (مشفق) أي خائف (من كبار ذنوبه أن تعرض) أي تلك الكبار (عليه) لأن
العذاب المترتب عليها أكبر وأكثر (فيقال له: فإن لك مكان كل سيئة حسنة) وهو إما لكونه تائباً
إلى الله [تعالى] . وقد قال تعالى: ﴿إلا من تاب وآمن وعمل عملاً صالحاً فأولئك يبدل الله
سيئاتهم حسنات﴾ [الفرقان - ٧٠] . لكن يشكل بأنه كيف يكون آخر أهل النار خروجاً.
ويمكن أن يقال: فعل بعد التوبة ذنوباً استحق بها العقاب، وإما وقع التبديل له من باب الفضل
من رب الأرباب، والثاني أظهر ويؤيده أنه حينئذ يطمع في كرم الله سبحانه. (فيقول: رب قد
عملت أشياء) أي من الكبائر (لا أراها ههنا) أي في الصحائف أو في مقام التبديل (ولقد رأيت
الحديث رقم ٥٥٨٧: أخرجه مسلم في صحيحه ١٧٧/١ حديث رقم (١٩٠.٣١٤) والترمذي ٤/ ٦١٤
حدیث رقم ٢٥٩٦.
٩٦ ,٥