Indexed OCR Text
Pages 221-240
٢٢١ كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق/ باب الحساب والقصاص والميزان عقابُك إياهم دون ذنبهم كان فضلاً لك، وإِن كان عقابك إياهم فوق ذنوبهم، اقتص لهم منك الفضل، فتنخَّى الرجلُ وجَعَلَ يهتفُ ويبكي، فقال له رسول الله وَ ليهِ: ((أمَّا تقرأ قول الله تعالى: ﴿ونضع الموازين القسط ليوم القيامةِ فلا تظلم نفس شيئاً وإِن كان مثقالَ حبَّةٍ من خردلٍ أتينا بها وكفى بنا حاسبين﴾)). فقال الرجلُ: يا رسول الله! ما أجد لي ولهؤلاءِ شيئاً خيراً من مفارقتهم، أُشهِدكَ أنهم كلَّهم أحرارٌ. رواه الترمذي. ٥٥٦٢ _ (١٤) وعنها، قالت: سمعتُ رسول الله وَّله يقول في بعض صلاته: ((اللهمَّ حاسبْني حساباً يسيراً) قلت: يا نبيَّ الله! ما الحسابُ اليسيرُ؟ قال: ((أن ينظر في كتابه فیتجاوز عنه، عقابك إياهم دون ذنبهم) أي أقل منه (كان فضلاً لك) أي عليهم فإن قصدت الثواب تجز به وإلا فلا. (وإن كان عقابك إياهم فوق ذنوبهم) بالجمع هنا وبالإفراد فيما سبق المراد منه الجنس تفنن في الكلام، أي أكثر منها. (اقتص) بصيغة المجهول، أي أخذ بمثله. (لهم) أي لأجلهم (منك الفضل) أي الزيادة (فتنحى الرجل) أي بعد عن المجلس (وجعل يهتف) بكسر التاء أي شرع يصيح ويبكي (فقال له رسول الله وتلقى: أما تقرأ قول الله تعالى: ﴿ونضع الموازين القسط ﴾) أي ذوات القسط وهو العدل (﴿ليوم القيامة﴾) أي في ذلك اليوم فاللام للتوقيت. (﴿فلا تظلم نفس شيئاً ﴾) أي قليلاً من الظلم (﴿وإن كان﴾) وأي العمل والظلم (﴿مثقال حبة﴾) أي مقدارها وهو بالنصب عند الجمهور على إن كان ناقصة ورفع مثقال على كان التامة. (﴿من خردل أتينا بها﴾) أي أحضرناها والضمير للمثقال وتأنيثه لإضافته إلى الحبة. (﴿وكفى بنا حاسبين﴾)(١) إذ لا مزيد على علمنا ووعدنا. (فقال الرجل: يا رسول الله ما أجد لي ولهؤلاء) أي المملوكين. قال الطيبي [رحمه الله]: الجار والمجرور هو المفعول الثاني. (شيئاً) أي مخلصاً (خيراً من مفارقتهم) أي من مفارقتي إياهم لأن المحافظة على مراعاة المحاسبة والمطالبة عسر جداً (أشهدك أنهم كلهم) بالنصب على التأكيد، ويجوز رفعه على الابتداء والخبر قوله: (أحرار) ونظيره قوله تعالى: ﴿قل إن الأمر كله لله﴾ [آل عمران - ١٥٤]. حيث قرىء بالوجهين في السبعة. (رواه الترمذي). ٥٥٦٢ - (وعنها) أي عن عائشة رضي الله عنها (قالت: سمعت رسول الله وَلقر يقول في بعض صلواته:) أي من الفرائض أو النوافل أو في بعض أجزائها من أوّل القيام أو الركوع أو القومة أو السجود أو القعدة. (اللهم حاسبني حساباً يسيراً) وهذا إما تعليم للأمة وتنبيه لهم عن نوم الغفلة وإما تلذذ بما يقع له من هذه النعمة وأما خشية له كما يقتضيه مقامه من معرفة رب العزة وذهوله عن مرتبة النبوّة ومنزلة العصمة. (قلت: يا نبي الله ما الحساب اليسير. قال: أن ينظر) أي العبد (في كتابه فيتجاوز) بالرفع وينصب أي (الله عنه) وفي نسخة بصيغة المجهول (١) سورة الأنبياء . آية رقم ٤٧. الحديث رقم ٥٥٦٢: أخرجه أحمد فى المسند ٤٨/٦. ٢٢٢ ٠٠: م:٠٦ كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق/ باب الحساب والقصاص والميزان إِنه من نوقش الحسابَ يومئذٍ يا عائشة! هلك)). رواه أحمد. ٥٥٦٣ _ (١٥) وعن أبي سعيد الخدري، أنه أتى رسولَ الله وَل فقال: أخبرني من يقوى على القيام يوم القيامة الذي قال الله عزَّ وجلَّ: ﴿يوم يقوم النَّاس لربِّ العالمين﴾؟ فقال: ((يخفّف على المؤمن حتى يكون عليه كالصلاة المكتوبة)). ٥٥٦٤ - (١٦) وعنه، قال: سئل رسول الله وَّ ر عن ﴿يوم كان مقداره خمسين ألف سنةٍ ﴾ ما طول هذا اليوم؟ فقال: ((والذي نفسي بيده إِنه ليخفف على المؤمن فيهما (فإنه) أي الشأن (من نوقش الحساب) بالنصب على نزع الخافض أي في المحاسبة والمضايقة في المطالبة (يومئذ يا عائشة هلك) أي عذب. ففي الصحاح: المناقشة الاستقصاء، وفي الحديث: من نوقش في الحساب عذب. وقد تقدم بعض طرقه. (رواه أحمد) قال السيد وابن ماجه: وأصله في صحيح البخاري. قلت: وفي الدر أخرجه أحمد وعبد بن حميد وابن جرير وابن مردويه والحاكم وصححه. ٥٥٦٣ - (وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنه أتى رسول الله وتلقي فقال: أخبرني من يقوى) أي يقدر (على القيام) أي على الوقوف للحساب بين يدي الله سبحانه و[تعالى](يوم القيامة الذي قال الله عزَّ وجلّ:) أي في حقه، فالموصول صفة ليوم القيامة. (﴿يوم يقوم الناس لرب العالمين﴾)(١) قال الطيبي [رحمه الله]: بدل من قوله: ليوم عظيم، أي يوم يتجلى سبحانه بجلاله وهيبته ويظهر سطوات قهره على الجبارين. وروي أن ابن عمر قرأ هذه السورة فلما بلغ قوله: ﴿يوم يقوم الناس لرب العالمين﴾. بكى نحيباً ولم يقدر على قراءة ما بعده. (فقال: يخفف) أي يوم القيامة (على المؤمن) أي الكامل أو المصلي (حتى يكون) أي طوله (عليه كالصلاة المكتوبة) أي كمقدار أدائها أو قدر وقتها. والظاهر أنه يختلف باختلاف أحوال المؤمنين كما أشار إليه سبحانه بقوله: ﴿تعرج الملائكة والروح إليه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة﴾ [المعارج - ٤]. ﴿فاصبر صبراً جميلاً إنهم يرونه بعيداً ونراه قريباً﴾ [المعارج - ٧]. وبقوله: (فإذا نقر في الناقور فذلك يومئذ يوم عسير على الكافرين غير يسير ﴾ [المدثر - ٨]. فمفهومه أنه على المؤمنين يصير يسيراً أما في الكمية وأما في الكيفية، وأما فيهما جميعاً حتى بالنسبة إلى بعضهم يكون هو كساعة وهم من جعلوا الدنيا ساعة وكسبوا فيها طاعة. ٥٥٦٤ _ (وعنه) أي عن أبي سعيد رضي الله عنه (قال: سئل رسول الله وَلقر عن ﴿يوم كان مقداره خمسين ألف سنة ﴾ ما طول هذا اليوم) أي ما حال الناس في طول هذا اليوم فهل يستطيعون القيام فيه مع طوله (فقال: والذي نفسي بيده إنه) أي الشأن (ليخفف على المؤمن) الحديث رقم ٥٥٦٣: رواه البيهقي في البعث والنشور. راجع الملاحظة في الحديث رقم ٥٤٩٣. (١) المطففين . آية رقم ٦. الحديث رقم ٥٥٦٤: رواه البيهقي في شعب الإيمان ٣٢٤/١ فيمن فصل. وأحمد في المسند ٧٥/٣. ١٣٩% Time ١٣٦/١١ ٢٩٫٥ ٢٢٣ كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق/ باب الحوض والشفاعة حتى يكونَ أهون عليه من الصلاة المكتوبة يصليها في الدنيا». رواهما البيهقي في كتاب ((البعث والنشور)). ٥٥٦٥ - (١٧) وعن أسماء بنت يزيد، عن رسول الله وَل قال: ((يُحشر الناس في صعيدٍ واحدٍ يوم القيامة، فينادي منادٍ فيقول: أين الذين كانت تتجافى جنوبهم عن المضاجع؟ فيقومون وهم قليل، فيدخلون الجنَّة بغير حساب، ثمَّ يؤمر بسائر الناس إِلى الحساب)). رواه البيهقي في ((شعب الإِيمان)). (٤) باب الحوض والشفاعة أي الكامل (حتى يكون أهون عليه من الصلاة المكتوبة) أي من أدائها أو قيامها (يصليها في الدنيا. رواهما) أي الحديثين (البيهقي في كتاب البعث والنشور). ٥٥٦٥ _ (وعن أسماء بنت يزيد) أي ابن السكن بفتحتين (عن رسول الله وَلقر قال: يحشر الناس في صعيد) أي مكان (واحد يوم القيامة فنادى) وفي نسخة: فينادي. (مناد فيقول: أين الذين كانت تتجافى جنوبهم) أي تتنحى وتتباعد (عن المضاجع) وفي الإسناد مجاز ومبالغة لا تخفى إشارة إلى قوله تعالى: ﴿تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم ﴾. أي داعین ربهم عابدين له ﴿خوفاً وطمعاً﴾، أي من سخطه وفي رحمته أو من ناره وفي جنته. ﴿ومما رزقناهم ينفقون فلا تعلم نفس ما أخفى لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون ﴾ [السجدة - ١٦ - ١٧]. واختلف في المراد بهم، فقيل هم المجتهدون وقيل هم الأوّابون. ويحتمل أن يراد بهم من يصلي العشاء والصبح [في جماعة] (فيقومون) أي فيظهرون القيام ويتميزون عن سائر الأنام. (وهم قليل) أي من أهل الإِسلام قال تعالى: ﴿كانوا قليلاً من الليل ما يهجعون﴾ [الذاريات - ١٧]. وقال عزَّ وجلَّ: ﴿إِلاّ الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقليل ما هم﴾ [ص - ٢٤]. ﴿وقليل من عبادي الشكور﴾ [سبأ - ١٣]. (فيدخلون الجنة) يحتمل صيغتي الفاعل والمفعول (بغير حساب) لأنهم صبروا على مرارة الطاعة وترك لذة الراحة وقد قال سبحانه: ﴿إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب﴾. (ثم يؤمر بسائر الناس إلى الحساب) أي المحاسبة والمناقشة والعذاب. (رواه البيهقي في شعب الإيمان). (باب الحوض والشفاعة) قال القرطبي: له ول حوضان أحدهما في الموقف قبل الصراط والثاني في الجنة وكلاهما يسمى كوثراً. والكوثر في كلامهم الخير الكثير. ثم الصحيح أن الحوض قبل الميزان، فإن الناس يخرجون عطاشاً من قبورهم فيقدم الحوض قبل الميزان، وكذا حياض الحديث رقم ٥٥٦٥: رواه البيهقي في شعب الإيمان. ١ ٫٠٠ ٢٢٤ ٠٫٫٫٠٠ ٤٠٠٠ كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق / باب الحوض والشفاعة الفصل الأول ٥٥٦٦ _ (١) عن أنس، قال: قال رسول الله وَل: ((بينا أنا أسيرُ في الجنَّةِ إِذا أنا بنهر حافتاه قِبَاب الدرّ المجوَّف، قلت: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا الكوثر الذي أعطاكَ ربُّك، فإِذا طينهُ مسكٌ أذفَرُ)). رواه البخاري. ٥٥٦٧ _ (٢) وعن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله وَل: ((حوضي مسيرة شهر، وزواياه سواء، ماؤهُ أبيضُ من اللبن، الأنبياء في الموقف. قلت: وفي الجامع: ((أن لك نبي حوضاً وإنهم يتباهون أيهم أكثروا رده وإني أرجو أن أكون أكثرهم وارده(١). رواه الترمذي عن سمرة. وقال الراغب: الشفع ضم الشيء إلى مثله ومنه الشفاعة وهو الانضمام إلى آخر ناصراً له وساتراً عنه، وأكثر ما يستعمل في انضمام من هو أعلى مرتبة إلى من هو أدنى منه، والشفاعة في القيامة. (الفصل الأوّل) ٥٥٦٦ _ (عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَل *: بينا أنا أسير في الجنة إذا) بالألف (أنا بنهر) بفتح الهاء ويسكن، أي جدول. (حافتاه) بفتح الفاء، أي جانباه وطرفاه. (قباب الدر) بكسر القاف جمع قبة بالضم، أي خيم اللؤلؤ. (المجوّف) الذي له جوف وفي وسطه خلاء يسكن فيه (قلت: ما هذا يا جبريل) أي النهر المذكور على الوصف المسطور (قال: هذا الكوثر الذي أعطاك ربك) إشارة إلى قوله تعالى: ﴿إنا أعطيناك الكوثر﴾ [الكوثر - ١]. وهو فوعل من الكثرة، والمراد منه الخير الكثير الذي أعطاه ربه من القرآن أو النبوّة أو كثرة الأمة أو سائر المراتب العلية، ومنها المقام المحمود واللواء الممدود والحوض المورود ولا منافاة، بل الكل داخل في الكوثر وإن كان اشتهاره في معنى الحوض أكثر. (فإذا طينه مسك أذفر) أي شديد الرائحة. قال الطيبي [رحمه الله]: أي طيب الريح، والذفر بالتحريك يقع على الطيب والكريه، ويفرق بينهما بما يضاف إليه ويوصف به. (رواه البخاري). ٥٥٦٧ - (وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما) بالواو (قال: قال رسول الله وَ له: حوضي) أي مقداره (مسيرة شهر وزواياه) جمع زاوية وهي الجانب والناحية، أي أطراف حوضي. (سواء) أي مربع مستو لا يزيد طوله على عرضه، وقيل عمقه أيضاً. (ماؤه) استئناف بيان (أبيض من اللبن) قال النووي [رحمه الله]: النحويون يقولون لا يبنى فعل التعجب وأفعل (١) راجع الحديث رقم ٥٥٩٥. الحديث رقم ٥٥٦٦: أخرجه البخاري في صحيحه ٤٦٤/١١. حديث رقم ٦٥٨١ وأحمد في المسند ٣/ ١٦٤. الحديث رقم ٥٥٦٧ : أخرجه البخاري في صحيحه ٤٦٣/١١. حديث رقم ٦٥٧٩. ومسلم في صحيحه ٤/ ١٧٩٣ حديث رقم (٢٢٩٢.٢٧) وأحمد في المسند ٣٨٤/٣. ٢٢٥ كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق/ باب الحوض والشفاعة وريحه أطيب من المسكِ، وكيزانه كنجوم السَّماءِ، من يشرب منها فلا يظمأ أبداً)). متفق عليه . ٥٥٦٨ _ (٣) وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله وَلّ: ((إِنَّ حوضي أبعدُ من أيْلةَ من عدن؛ لهو أشدُّ بياضاً من الثلج، وأحلى من العسل باللبن، ولآنيتُه أكثرُ من عددِ النجوم، وإِني لأصُدُّ الناسَ عنه كما يصدُّ الرجل إِبِلَ النّاس عن حوضه)). قالوا: يا رسول الله! أتعرفنا التفضيل من الألوان والعيوب، بل يتوصل إليه بنحو أشد وأبلغ فلا يقال: ما أبيض زيداً ولا زيد أبيض من عمرو. وهذا الحديث يدل على صحة ذلك وحجة على مانعوه وهي لغة وإن كانت قليلة الاستعمال. (وريحه أطيب من المسك. وكيزانه) جمع كوز (كنجوم السماء) أي في الكثرة والنورانية (من يشرب) بالرفع وفي نسخة بالجزم. قال الطيبي [رحمه الله]: يجوز أن يكون مرفوعاً على أن من موصولة، ومجزوماً على أنها شرطية. وقوله: (منها) أي من كيزانه، وفي رواية منه، أي من الحوض أو من مائة. (فلا يظمأ) برفع الهمز وقيل بالجزم، أي فلا يعطش. (أبداً) فيكون شربه في الجنة تلذاذ كأكله تنعماً لقوله تعالى: ﴿إن لك أن لا تجوع فيها ولا تعرى وإنك لا تظمأ فيها ولا تضحي ﴾ [طه - ١١٨ - ١١٩]. (متفق عليه). ٥٥٦٨ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَلي: إن حوضي) أي بعد ما بين طرفي حوضي (أبعد من أيلة) بفتح فسكون تحتية، أي أزيد من بعد أيلة وهي بلدة على الساحل من آخر بلاد الشام مما يلي بحر اليمن. (من عدن) بفتحتين يصرف ولا يصرف وهو آخر بلاد اليمن مما يلي بحر الهند. قال الطيبي [رحمه الله]: من الأولى متعلقة بأبعد والثانية متعلقة ببعد مقدر، ثم التوفيق بين هذا الحديث وبين الخبر الآتي: ما بين عدن وعمان، وهو بفتح المهملة وتشديد الميم اسم بلد بالشام وما بين صنعاء والمدينة ونحو ذلك، بأن ذلك الإخبار على طريق التقريب لا على سبيل التحديد والتفاوت بين اختلاف أحوال السامعين في الاحاطة به علماً، قال القاضي [رحمه الله]: اختلاف الأحاديث في مقدار الحوض لأنه وَ ل قدره على سبيل التمثيل والتخمين لكل أحد على حسب ما رواه وعرفه. (لهو) بضم الهاء ويسكن واللام للابتداء، أي لحوضي. (أشد بياضاً من الثلج) ولعله وي ليه رأى الثلج في أرض الشام (وأحلى) أي ألذ (من العسل باللبن) أي المخلوط به (ولآنيته) جمع إناء، أي ولظروفه من كيزانه وغيرها. (أكثر من عدد النجوم. وإني لأصد) أي أدفع وأمنع (الناس) أي المنافقين والمرتدين (عنه) أي الحوض (كما بصد الرجل) أي الراعي (إيل الناس) أي الأجانب (عن حوضه) أي صيانة عن المشاركة والمخالطة. (قالوا:) أي بعض الصحابة (أتعرفنا) أي تميزنا من الحديث رقم ٥٥٦٨: أخرجه مسلم في صحيحه ٢١٧/١ حديث رقم (٢٤٧.٣٦). والترمذي في السنن ٥٤٤/٤ حديث رقم ٣٤٤٥. وابن ماجه في السنن ١٤٣١/٢ حديث رقم ٤٢٨٢. وأحمد في المسند ٤٢٤/٤. ٢٢٦ ٠٫٠٠٧٧ كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق / باب الحوض والشفاعة جم يومئذ؟ قال: ((نعم، لكم سيماء ليست لأحدٍ من الأمم، تردون عليّ غرّاً محجَّلين من أثر الوضوء)). رواه مسلم. ٥٥٦٩ _ (٤) وفي روايةٍ له عن أَنس، قال: ((تُرى فيه أباريقُ الذهب والفضة كعدد نجوم السَّماء)). ٥٥٧٠ _ (٥) وفي أخرى له عن ثوبان، قال: سُئل عن شرابه. فقال: ((أشدُّ بياضاً من اللبن، وأحلى من العسل يغتُّ، فيه ميزابان غيرنا (يومئذ. قال: نعم لكم سيما) بالقصر وقد يمد وهو العلامة، قال تعالى: ﴿سيماهم في وجوههم من أثر السجود ﴾ [الفتح - ٢٩]. (ليست) أي تلك السيما (لأحد من الأمم) إذ المقصود التمييز بمنزلة العلم (تردون) بكسر الراء من الورود، أي تمرون (علي غراً) جمع الأغر، وهو من في جبهته بياض. (محجلين) بتشديد الجيم المفتوحة جمع محجل وهو الذي في يديه ورجليه بياض. (من أثر الوضوء) بضم الواو أي استعماله وفي نسخة بالفتح أي ماء الوضوء ونصبهما على الحال. والظاهر أن المراد بالسيما ما ذكر من الوصفين فهما من مختصات هذه الأمة وإن كان الخلاف موجوداً في كون الوضوء هل كان لسائر الأنبياء وأممهم أو لا، وإنما كان لهذه الأمة. وقال بعضهم: وكان أيضاً للأنبياء عليهم [الصلاة]والسلام دون أممهم، وفي هذا فضيلة(١) عظمى ومرتبة كبرى للأمة المرحومة. (رواه مسلم) أي عن أبي هريرة . ٥٥٦٩ - (وفي رواية) له أي لمسلم (عن أنس قال: ترى) بصيغة المجهول (فيه) أي في حوضي (أباريق الذهب والفضة) لعل اختلاف الوصفين باختلاف مراتب الشاربين من الأولياء والصالحين (كعدد نجوم السماء). أي من كثرتها. ٥٥٧٠ - (وفي أخرى له) أي وفي رواية أخرى لمسلم (عن ثوبان قال: سئل) أي النبي 18 على ما هو الظاهر من السياق (عن شرابه) أي صفة مشروبه (فقال: أشد بياضاً من اللبن وأحلى من العسل يغت) بضم الغين المعجمة وتكسر وبتشديد الفوقية، أي يصب ويسيل. (فيه) أي في الحوض (ميزابان) قال القاضي [رحمه الله]: أي يدفق دفقاً متتابعاً دائماً بقوة فكأنه من ضغط الماء لكثرته عند خروجه. وأصل الغت الضغط، والميزاب بكسر الميم. وقال الحافظ أبو موسى بفتحها أيضاً من وزب الماء، أي سال. فأصل ميزاب موزاب قلبت الواو ياء (١) في المخطوطة ((ميزة)). الحديث رقم ٥٥٦٩: أخرجه البخاري في ٤٦٣/١١. حديث رقم ٦٥٨٠. ومسلم في صحيحه ١٨٠١/٤ حديث رقم (٢٣٠٣.٤٣). والترمذي في السنن ٥٤٢/٤ حديث رقم ٢٤٤٢. وابن ماجه في السنن ١٤٣٩/٢ حديث رقم ٤٣٠٥. الحديث رقم ٥٥٧٠: أخرجه مسلم في صحيحه ١٧٩٩/٤ حديث رقم (٣٧ .٢٣٠١). وابن ماجه في السنن ١٤٣٨/٢ حديث رقم ٤٣٠٣. ٠/١٫٠٠ VITE ٢٢٧ كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق/ باب الحوض والشفاعة يَمُدَّانه من الجنَّة: أحدهما من ذهب والآخر من وَرِق)). ٥٥٧١ _ (٦) وعن سهل بن سعد، قال: قال رسول الله وَلقر: ((إِنِي فرَطُكم على الحوض، من مرَّ عَلَيَّ شرب، ومن شرب لم يظمَأْ أبداً، ليردنَّ عليَّ أقوامٌ أعرفهم ويعرفونني، ثمَّ يحال بيني وبينهم، فأقول: إِنهم مني. فيقال: إِنك لا تدري ما أحدثوا بعدك! فأقول: سحقاً سحقاً لمن غيّر بعدي)). متفق عليه. لسكونها وانكسار ما قبلها ولا يظهر وجه فتح الميم. ففي القاموس: أزب الماء كضرب جري ومنه الميزاب، أو هو فارسي معرب أي بل الماء فعلى هذا يجوز أن يهمز الميزاب وأن يبدل همزه ياء. وقال أيضاً: وزب الماء سال ومنه الميزاب، أو هو فارسي معرب ومعناه بل الماء فعربوه بالهمز ولهذا جمعوه مآزيب. (يمدانه) بضم الميم وفي نسخة بضم الياء وكسر الميم، أي يزيدان الحوض في مائه (من الجنة) أي من أنهارها أو من الحوض الذي له في الجنة المعبر عنه بالنهر الكوثر (أحدهما من ذهب والآخر من ورق) بكسر الراء ويسكن، أي من فضة. والقصد بهما الزينة باختلاف لون الأصفر والأبيض لا لكون الذهب عزيز الوجود هناك قياساً على ما في الدنيا. ويمكن أن يكون ميزاب الذهب من نهر العسل وميزاب الفضة من نهر اللبن أو أحدهما من الماء والآخر من العسل، أو اللبن يخلط به في الحوض والله [تعالى] أعلم. ٥٥٧١ - (وعن سهل بن سعد قال: قال رسول الله وَطاهر: إني فرطكم) بفتحتين أي سابقكم ومقدمكم (على الحوض) قال النووي [رحمه الله]: الفرط بفتح الفاء والراء وهو الفارط الذي يتقدم الوارد يصلح لهم الحياض والدلاء والأرشية وغيرها من أمور الاستقاء. فمعناه أنا سابقكم إلى الحوض كالمهيىء لكم. (من مر عليّ شرب ومن شرب لم يظمأ أبداً) قال القاضي عياض [رحمه الله]: ظاهر هذا الحديث يدل على أن الشرب منه يكون بعد الحساب والنجاة من النار. (ليردن) من الورود، أي ليمرن. (على أقوام) أي جماعات (أعرفهم ويعرفونني) قيل: لعل هؤلاء هم الذين ذكرهم حيث قال: أصحابي. (ثم يحال بيني وبينهم فأقول: إنهم مني) أي من أمتي أو من أصحابي (فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك) أي من الارتداد، فإن سائر المعاصي لا تمنع المؤمن من ورود الحوض والشرب من مائه، ويدل عليه أيضاً قوله: (فأقول: سحقاً) بضم فسكون ويضمان (سحقاً) كرر للتأكيد أي بعداً وهلاكاً، ونصبهما على المصدر والجملة دعاء بالعذاب. (لمن غير) أي دينه (بعدي) أي بعد موتي أو بعد قبول ديني والدخول في أمتي (متفق عليه). الحديث رقم ٥٥٧١: أخرجه البخاري في صحيحه ٤٦٤/١١. حديث رقم ٦٥٨٣. ومسلم في صحيحه ٤/ ١٧٩٣ حديث رقم (٢٦ . ٢٩٠). وابن ماجه في السنن ١٤٣٩/٢ حديث رقم ٤٣٠٤ وأحمد في المسند ٢٥٧/١. ٢٢٨ كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق/ باب الحوض والشفاعة ٥٥٧٢ - (٧) وعن أنس، أنَّ النبي ◌َّ، قال: «يُحبس المؤمنون يوم القيامة حتى يُهمُّوا بذلك، فيقولون: لو استشفعنا إِلى ربنا فيريحنا من مكاننا! فيأتونَ آدَمَ، فيقولون: أنت آدم أبو النَّاس، خلقك الله بيده، وأسكنك جنَّته، وأسجَدَ لك ملائكته، وعلمكَ أسماءَ كلِّ شيءٍ، اشفع لنا عند ربَّك حتى يُرَيحنا من مكاننا هذا. فيقول: لستُ هناكم . - ٥٥٧٢ - (وعن أنس رضي الله عنه أن النبي ◌َّفي قال: يحبس) أي يوقف (المؤمنون يوم القيامة حتى يهموا) بصيغة المفعول أي يحزنوا (بذلك) أي بسبب ذلك الحبس، وفي نسخة بفتح الياء وضم الهاء على بناء الفاعل وليس بشيء. قال التوربشتي [رحمه الله]: هو على بناء المجهول، أي يحزنوا لما امتحْنوا به من الحبس، من قولهم: أهمني الأمر إذا أقلقك وأحزنك. (فيقولون: لو استشفعنا) أي ليت طلبنا أحداً ليشفع لنا. (إلى ربنا فيريحنا) أي يعطينا الراحة ويخلصنا (من مكاننا) قال الطيبي [رحمه الله]: لو هي المتضمنة للتمني والطلب. وقوله: فيريحنا من مكاننا من الإراحة ونصبه بأن المقدرة بعد الفاء الواقعة جواباً للو. والمعنى: لو استشفعنا أحداً إلى ربنا فيشفع لنا فيخلصنا مما نحن فيه من الكرب والحبس. قال في أساس البلاغة: شفعت له إلى فلان وأنا شافعه وشفيعه واستشفعني إليه فشفعت له واستشفع بي. قال الأعمش : مضى زمن والناس يستشفعونني * فهل لي إلى ليلى الغداة شفيع (فيأتون آدم) الظاهر أن المراد بهم رؤساء أهل المحشر لا جميع أهل الموقف. (فيقولون:) أي بعضهم (أنت آدم) هو من باب قوله: أنا أبو النجم وشعري شعري * وهو مبهم فيه معنى الكمال لا يعلم ما يراد منه، ففسر بما بعده من قوله: (أبو الناس خلقك الله بيده) أي بلا واسطة أو بقدرته الكاملة أو ارادته الشاملة. (وأسكنك جنته) فيه إيماء إلى حصول المآل ووصول المنال وما تميل إليه النفس من حسن المآل. (واسجد لك ملائكته) أي سجود تحية، وفيه إشارة إلى كمال الجاه والعظمة. (وعلمك أسماء كل شيء) فيه إشعار باعطاء الفضيلة العظمى والمرتبة الكبرى. قال الطيبي [رحمه الله]: وضع كل شيء موضع أشياء أي المسميات لقوله تعالى: ﴿وعلم آدم الأسماء كلها﴾ [البقرة - ٣١]. أي أسماء المسميات إردة للتفصي، أي واحداً فواحداً حتى يستغرق المسميات كلها. (اشفع لنا عند ربك حتى يريحنا من مكاننا هذا) أي هذا المكان العظيم والموقف الأليم. (فيقول: لست هناكم) قيل: الحديث رقم ٥٥٧٢ : أخرجه البخاري في صحيحه ١١/ ٤١٧. حديث رقم ٦٥٦٥. ومسلم في صحيحه ١/ ١٨٠ حديث رقم (١٩٣.٣٢٢). وأخرجه الترمذي في السنن ٥٣٧/٤ حديث ٢٤٣٤. وأخرجه ابن ماجه في السنن ٢/ ٤٤٢ حديث رقم ٤٣١٢. والدارمي في السنن ٤١/١ حديث رقم ٥٢ وأحمد فى المسند ١٤٤/٣. ٢٠١ ٠٠٠ ٢٢٩ كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق/ باب الحوض والشفاعة ويذكر خطيئته التي أصاب: أكلّهُ منَ الشجرة وقد نُهي عنها - ولكن ائتوا نوحاً أوَّل نبيّ بعثَهُ الله إلى أهل الأرض؛ هنا إذا الحق بكاف الخطاب يكون للبعد من المكان المشار إليه. فالمعنى: أنا بعيد من مقام الشفاعة. قال القاضي البيضاوي: أي يقول آدم عليه [الصلاة والسلام لهم: لست في المكان والمنزل الذي تحسبونني فيه، يريد به مقام الشفاعة. وقال القاضي عياض [رحمه الله]: هو كناية عن أن منزلته دون المنزلة المطلوبة، قاله تواضعاً واكباراً لما يسألونه. قال: وقد يكون فيه إشارة إلى أن هذا المقام ليس لي بل لغيري. قال العسقلاني [رحمه الله]: وقد وقع في رواية فيقول: لست لها. وكذا في بقية المواضع. وفي رواية: ليست لصاحبك ذاك. وهو يؤيد الاشارة المذكورة. (ويذكر خطيئته التي أصاب) أي اعتذاراً عن التقاعد والتأني عن الشفاعة، والراجع إلى الموصول محذوف أي التي أصابها. وقوله: (أكله من الشجرة) بالنصب بدل من خطيئته، أي يذكر أكله من الشجرة ذكره البيضاوي. قال الطيبي [رحمه الله]: ويجوز أن يكون بياناً للضمير المبهم المحذوف نحو قوله تعالى: ﴿فسواهن سبع سموات﴾ [البقرة - ٢٩]. (وقد نهى) أي آدم (عليه الصلاة والسلام] (عنها) أي عن الشجرة أو عن الخطيئة، والجملة حال من المفعول. (ولكن ائتوا نوحاً [أول]نبي بعثه الله إلى أهل الأرض) استشكلت هذه الأولية بأن آدم (عليه السلام)نبي مرسل وكذا شيث وإرديس وغيرهم. وأجيب بأن الأولية مقيدة بقوله: أهل الأرض. ويشكل هذا ذلك بحديث جابر في البخاري في التيمم «وكان النبي يبعث خاصة إلى قوم خاصة)) (١) ويجاب بأن العموم لم يكن في أصل بعثة نوح، وإنما اتفق باعتبار حصر الخلق في الموجودين بعد هلاك سائر الناس انتهى. وفيه نظر ظاهر لا يخفى. وقيل: إن الثلاثة كانوا أنبياء ولم يكونوا رسلاً ويرد عليه حديث أبي ذر عند ابن حبان فإنه كالصريح بإنزال الصحف على شيث وهو علامة الإرسال انتهى. وفيه بحث إذ لا يلزم من إنزال الصحف أن يكون المنزل عليه رسولاً لاحتمال أن يكون في الصحف ما يعمل به بخاصة نفسه. ويحتمل أن لا يكون فيه أمر ونهي بل مواعظ ونصائح تختص به. فالأظهر أن يقال: الثلاثة كانوا مرسلين إلى المؤمنين والكافرين، وأما نوح (عليه السلام]فإنما أرسل إلى أهل الأرض وكلهم كانوا كفاراً. هذا وقد قيل هو نبي مبعوث أي مرسل ومن قبله كانوا أنبياء غير مرسلين كآدم وإدريس [عليهم الصلاة والسلام]فإنه جد نوح على ما ذكره المؤرخون. قال القاضي عياض: قيل: إن إدريس هو إلياس وهو نبي من بني إسرائيل فيكون متأخراً عن نوح فيصح أن نوحاً أول نبي مبعوث مع كون إدريس نبياً مرسلاً، وأما آدم وشيث فهما وإن كانا رسولين إلا أن آدم أرسل إلى بنيه ولم يكونوا كفاراً، بل أمر بتعليمهم الإيمان وطاعة الله وشيئاً كان خلفاً له فيهم بعده بخلاف نوح فإنه مرسل إلى كفار أهل الأرض، وهذا أقرب من القول بأن آدم وإدريس لم يكونا رسولين. وقد يقال: إنه أول نبي بعثه الله بعد آدم على أن شيئاً كان خليفة له، فأوليته إضافية، أو أوّل نبي بعثه الله من أولي العزم فالأولية حقيقية وهذا أوفق الأقوال وبه يزول الاشكال والله (١) البخاري في صحيحه ٤٣٥/١ حديث رقم ٣٣٥. ٢٣٠ م رام) ٠٠٠". كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق / باب الحوض والشفاعة فيأتون نوحاً، فيقول: لستُ هناكم - ويذكرُ خطيئته التي أصاب: سؤالَه ربَّه بغير علم - [تعالی]أعلم بالحال. وفي شرح مسلم قال المازري: قد ذکر المؤرخون أن إدریس جد نوح، فإن قام دليل على أنه أرسل أيضاً لم يصح أنه قبل نوح لاخبار النبي ◌ّ عن آدم عليه [الصلاة)والسلام أن نوحاً أوّل رسول بعث [بعده]. وإن لم يقم دليل جاز ما قالوه، وصح أن يحمل أن إدريس كان نبياً مرسلاً. قال القاضي عياض: وقد قيل إن إدريس هو إلياس وأنه كان نبياً في بني إسرائيل كما جاء في بعض الأخبار، فإن كان هكذا سقط الاعتراض وبمثل هذا يسقط الاعتراض بآدم وشيث ورسالتهما إلى من معهما. وإن كانا رسولين فإن آدم إنما أرسل إلى بنيه ولم يكونوا كفاراً وكذلك شيئ خلفه أو بعده بخلاف رسالة نوح إلى كفار أهل الأرض. قال القاضي [رحمه الله]: وقد رأيت أبا الحسن ذهب إلى أن آدم ليس برسول الله ليسلم من هذا الاعتراض. وحديث أبي ذر نص دال على أن آدم وإدريس رسولان والله سبحانه [وتعالى]أعلم. (فيأتون نوحاً فيقول:) إني على ما في نسخة (لست هناكم) قال شارح: أي لست في مكان الشفاعة. وأشار بقوله: هناكم، إلى البعد من ذلك المكان. وفي شرح مسلم للنووي قال القاضي عياض: إنما يقولونه تواضعاً واكباراً لما يسألونه، وقد يكون إشارة من كل واحد منهم إلى أن هذه الشفاعة وهذا المقام ليس له بل لغيره وكل واحد منهم يدل على الآخر حتى ينتهي الأمر إلى صاحبه. ويحتمل أنهم علموا أن صاحبها محمد ◌ّ معيناً ويكون احالة كل واحد منهم على الآخر لأن تندرج الشفاعة في ذلك إلى نبينا محمد وَّر، ومبادرة النبي ◌َّ لذلك واجابته لرغبتهم لتحققه أن هذه الكرامة والمقام له خاصة. قال الشيخ محيي الدين [رحمه الله]: والحكمة في أن الله تعالى ألهمهم سؤال آدم ومن بعده صلوات الله (تعالى وسلامه]عليهم في الابتداء ولم يلهموا سؤال نبينا وَّ و اظهار الفضيلة نبينا وَ طر، فإنهم لو سألوه ابتداء لكان يحتمل أن غيره يقدر على هذا، وأما إذا سألوا غيره من رسل الله تعالى وأصفيائه فامتنعوا ثم سألوه فأجاب وحصل غرضهم فهو النهاية في ارتفاع المنزلة وكمال القرب (١). وفيه تفضيله على جميع المخلوقين من الرسل الآدميين والملائكة المقربين، فإن هذا الأمر العظيم وهي الشفاعة العظمى لا يقدر على الاقدام عليه غيره صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين. (ويذكر) أي نوح (عليه السلام](خطيئته التي أصاب يعني سؤاله ربه بغير علم) أي قوله: إن ابني من أهلي. إلى آخره وكان سؤاله انجاء ابنه وكان غير عالم بأنه لا يجوز هذا السؤال ولذا قال تعالى: ﴿إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح فلا تسألن ما ليس لك به علم﴾ [هود - ٤٦]. إلى آخره. قال الطيبي [رحمه الله]: قوله: سؤاله ربه بغير علم موقع سؤاله هنا موقع أكله في القرينة السابقة، وقوله: بغير علم، حال من الضمير المضاف إليه في سؤاله، أي صادراً عنه بغير علم وربه مفعول سؤاله. والمراد بالسؤال قوله: ﴿إن ابني من أهلي وإن وعدك الحق﴾ [هود - ٤٥]. طلب أن ينجيه من الغرق. والمراد من قوله: بغير علم، إنه سأل ما لا يجوز سؤاله وكان يجب عليه أن لا يسأل كما قال تعالى: ﴿فلا تسألن ما ليس لك به (١) في المخطوطة ((العزة)). ٢٤٠ ".'. الادارة ٢٣١ كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق/ باب الحوض والشفاعة ولكن ائتوا إِبراهيم خليلَ الرَّحمن. قال: فيأتون إبراهيم، فيقول: إِني لستُ هناكم - ويذكر ثلاث كذبات كذبهنَّ - ولكن ائتوا موسى عبداً آتاه اللَّهُ التوراة، وكلَّمه وقرَّبه نجِياً. قال: فيأتون موسى فيقول إني لستُ هناكم - ويذكر خطيئته التي أصاب قَتْلَهُ النفسَ - ولكن ائتوا عيسى عبدَ اللَّهِ ورسولَه، وروحَ الله وكلمَته)). قال: ((فيأتون عيسى، فيقول: لستُ هناكم، ولكن ائتوا محمَّداً عبداً غفر اللَّهُ له ما تقدم من ذنبه وما تأخّر)). قال: ((فيأتوني فأستأذن على ربي في داره، فيؤذن لي علیه، علم﴾. وذلك أنه قال: ﴿إن ابني من أهلي وأن وعدك الحق﴾. أي وعدتني أن تنجي أهلي من الغرق وأن ابني من أهلي فنجه. قيل له ما شعرت من المراد بالأهل وهو من آمن وعمل صالحاً وأن ابنك عمل غير صالح. (ولكن ائتوا إبراهيم خليل الرحمن. قال: فيأتون إبراهيم فيقول: إني لست هناكم ويذكر ثلاث كذبات كذبهن) بالتخفيف، أي قالهن كذباً. قال البيضاوي [رحمه الله]: إحدى الكذبات المنسوبات إلى إبراهيم عليه [الصلاة]والسلام قوله: ﴿إني سقيم﴾ [الصافات - ٨٩]. وثانيتها قوله: ﴿بل فعله كبيرهم هذا﴾ [الأنبياء - ٦٣]. وثالثتها قوله لسارة: هي أختي. والحق أنها معاريض، ولكن لما كانت صورتها صورة الكذب سماها أكاذيب واستنقص من نفسه لها، فإن من كان أعرف بالله وأقرب منه منزلة كان أعظم خطراً وأشد خشية وعلى هذا القياس سائر ما أضيف إلى الأنبياء من الخطايا. قال ابن الملك: الكامل قد يؤاخذ بما هو عبادة في حق غيره كما قيل: حسنات الأبرار سيئات المقربين. (ولكن: ائتوا موسى عبداً آتاه [الله]) استئناف تعليل وبيان. والمعنى: أعطاه الله. (التوراة) وهي أوّل الكتب الأربعة المنزلة (وكلمه) أي بلا واسطة (وقربه نجياً) أي مناجياً له، أو مناجي بناء على أنه حال من الفاعل أو المفعول. (قال: فيأتون موسى. فيقول: إني لست هناكم. ويذكر خطيئته التي أصاب قتله النفس) أي نفس القبطي. وفي نسخة: قتل النفس. بغير ضمير. (ولكن ائتوا عيسى عبد الله ورسوله وروح الله) أضافه إليه تشريفاً ولأنه كان يحيي الموتى. (وكلمته) أي خلق بأمركن أو كلمته في دعوته كانت مستجابة. (قال: فيأتون عيسى فيقول: لست هناكم) إنما قال كذا مع أن خطيئته غير مذكورة لعله لاستحيائه من افتراء النصارى في حقه بأنه ابن الله ونحو ذلك كذا ذكره ابن الملك في شرح المشارق. (ولكن ائتوا محمداً عبداً غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر) أي فلم يكن له مانع من مقام الشفاعة العظمى. قال النووي: هذا مما اختلفوا في معناه. قال القاضي: قيل: المتقدم ما كان قبل النبوّة والمتأخر عصمته بعدها. وقيل: المراد به ما وقع منه و 8 عن سهو وتأويل، حكاه الطبري واختاره القشيري [رحمه الله]. وقيل: ما تقدم لأبيه آدم (عليه السلام]وما تأخر من ذنوب أمته. وقيل: المراد أنه مغفور له غير مؤاخذ بذنب لو كان. وقيل: هو تنزيه له من الذنوب. (قال: فيأتوني) بتشديد النون وتخفف كما في قوله تعالى حكاية عن إبراهيم (عليه الصلاة والسلام]﴿تحاجوني في الله وقد هدان﴾ [الأنعام - ٨٠]. (فاستأذن على ربي) أي فاطلب الاذن منه للأدب مع الرب. (في داره) أي دار ثوابه وهو الجنة. وقيل: غير ذلك تحت عرشه. قال الطيبي [رحمه الله]: أي فاستأذن في الدخول على دار ربي. (فيؤذن لي عليه) أي في الدخول على الرب ١ وندر شوز ٢٣٢ كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق / باب الحوض والشفاعة فإِذا رأيتُهُ وقعتُ ساجداً، فيدعني ما شاء الله أن يدعني، فيقول: ارفع محمَّد! وقل تُسمَع، واشفَعْ تُشْفَعْ، وسَلْ تُعْطَه)). قال: ((فأرفع رأسي، فأثني على ربِّي بثناءٍ وتحميد يُعَلّمُنيه، ثم أشفع فيحدُ لي حداً، فأخرج، فأخرجهم من النّار وأُدخلهم الجنَّة، ثمَّ أعود الثانية فأستأذنُ على ربِّي في داره. فيُؤْذنُ لي عليه، فإِذا رأيتُهُ وقعت ساجداً. فيدعُني ما شاءَ اللَّهُ أن يدعَني، ثمَّ يقولُ: ارفع محمَّد! وقل تُسْمَعْ، واشفعْ تُشَفَّعْ، وسَلْ تُعْطه)). قال: ((فأرفع رأسي فأثني على ربِّ بثناءٍ وتحميدٍ يُعلمنيه، ثمَّ أشفع فيحدُ سبحانه. قال التوربشتي [رحمه الله تعالى]: إضافة دار الثواب إلى الله تعالى هنا كاضافته في قوله تعالى: ﴿لهم دار السلام عند ربهم﴾ [الأنعام - ١٢٧]. على أن السلام من أسماء الله تعالى على أحد الوجهين واضافتها إلى الله تعالى الشرف والكرامة. والمراد بالاستئذان عليه أن يدخل مكاناً لا يقف فيه داع إلا استجيب ولا يقوم به سائل إلا أجيب ولم يكن بين الواقف وبين ربه حجاب. والحكمة في نقله النبي ◌ُّلتر عن موقفه ذلك إلى دار السلام لعرض الحاجة هي أن موقف العرض والحساب موقف السياسة، ولما كان من حق الشفيع أن يقوم مقام كرامته فتقع الشفاعة موقعها أرشد ◌َّله إلى النقلة عن موقف الخوف في القيامة إلى موقف الشفاعة والكرامة. وذلك أيضاً مثل الذي يتحرى الدعاء في موقف الخدمة ليكون أحق بالإِجابة. قال القاضي عياض [رحمه الله تعالى]: معناه: فيؤذن لي في الشفاعة الموعود بها والمقام المحمود الذي أخره الله تعالى له فأعلمه أنه يبعثه فيه. (فإذا رأيته) أي بارتفاع الحجاب عني. وفي المشارق: فإذا أنا رأيته بزيادة أنا. قال ابن الملك: أي أني رأيتني وهذا التفات من التكلم إلى الغيبة. (وقعت ساجداً) أي خوفاً منه واجلالاً، أو تواضعاً له واذلالاً أو انبساطاً واذلالاً. (فيدعني) أي يتركني (ما شاء الله أن يدعني) أي في السجود. ففي مسند أحمد أنه يسجد قدر جمعة من جمع الدنيا، كذا ذكره السيوطي [رحمه الله ]في حاشية مسلم. (فيقول: ارفع) أي رأسك من السجود (محمد) أي يا محمد فإنك صاحب المقام المحمود (وقل) أي ما شئت (تسمع) بصيغة المجهول، أي يقبل قولك، أو قل ما ألهمك من الثناء لتسمع أي تجاب. (واشفع) أي فيمن شئت (تشفع) بفتح الفاء المشددة، أي تقبل شفاعتك. (وسل) أي ما تريد من المزيد (تعطه) بهاء السكت وفي نسخة بالضمير، أي تعط ما تسأل. فالضمير راجع إلى المصدر المفهوم من الفعل وهو بمعنى المفعول. (قال: فارفع رأسي فأثني على ربي بثناء وتحميد يعلمنيه) بتشديد اللام، أي يلهمنيه حينئذ ولا أدري ما هو الآن. (ثم أشفع) قال القاضي: وجاء في حديث أنس وحديث أبي هريرة ابتدأ النبي وَسير بعد سجوده وحمده والاذن له في الشفاعة بقوله: أمتي أمتي(١). (فيحد) بضم الياء وفتح الحاء، وفي نسخة بالعكس أي فيعين(٢). (لي حداً) وهو إما مصدر أو اسم، أي مقداراً معيناً في (١) أخرجه البخاري في صحيحه ٤٧٣/١٣ حديث رقم ٧٥١٠. ومسلم في صحيحه ١٨٢/١ حديث رقم (١٩٣.٣٢٦). عن أنس وعن أبي هريرة حديث رقم ١٩٤. (٢) في المخطوطة ((يقول)). بـ٣- ٢٣٣ كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق/ باب الحوض والشفاعة لي حداً، فأخرجُ، فأخرجُهم من النَّار وأُدخلهم الجنَّة، ثم أعودُ الثالثة، فأستأذن على ربي في داره، فيؤذن لي عليه، فإِذا رأيتهُ وقعتُ ساجداً، فيدعُني ما شاء الله أن يدعني، ثمَّ يقول: ارفع محمَّدُ! وقُلْ تُسْمَعْ، واشفع تُشَفَّعْ، وسَلْ تُعْطَّه)) قال: ((فأرفعُ باب الشفاعة. [قال التوريشتي رحمه الله: يريد أنه يبين لي في كل طور من أطوار الشفاعة ]حداً أقف عنده فلا أتعداه مثل أن يقول: شفعتك فيمن أخل بالجماعات، ثم يقول: شفعتك فيمن أخل بالجمعات، ثم يقول: شفعتك فيمن أخل بالصلوات، ومثله فيمن شرب الخمر ثم فيمن زنى وعلى هذا ليريه علو الشفاعة في عظم الذنب على ما فيه من الشناعة. (فأخرج) أي من دار ربي (فأخرجهم من النار وأدخلهم الجنة) قال الطيبي [رحمه الله]: فإن قلت: دل أوّل الكلام [على]أن المستشفعين هم الذين حبسوا في الموقف وهموا وحزنوا لذلك فطلبوا أن يخلصهم من ذلك الكرب، ودل قوله: فأخرجهم من النار على أنهم من الداخلين فيها فما وجهه. قلت: فيه وجهان أحدهما: لعل المؤمنين صاروا فرقتين فرقة سار بهم إلى النار من غير توقف وفرقة حبسوا في المحشر واستشفعوا به وَّ فخلصهم مما هم فيه وأدخلهم الجنة، ثم شرع في شفاعة الداخلين في النار زمراً بعد زمر كما دل عليه قوله: فيحد لي حداً الخ. فاختصر الكلام وهو من حلية التنزيل. وقد ذكرنا قانوناً في فتوح الغيب في سورة هود يرجع إليه مثل هذا الاختصار. قلت: مراده إنه ذكر الفرقة الثانية واقتصر على خلاصها لأنه يفهم منها خلاص الفرقة الأولى بالأولى، وقد يقال إنه من باب الاكتفاء. وثانيهما: أن يراد بالنار الحبس والكربة وما كانوا به من الشدة ودنو الشمس إلى رؤوسهم وحرها والجامهم العرق، وبالخروج الخلاص منها. قلت: وهذا القول وإن كان مجازاً لكنه إلى حقيقة الأمر أقرب وإلى أصل القضية أنسب، فإن المراد بهذه الشفاعة الكبرى وهي المعبر عنها بالمقام المحمود واللواء الممدود على ما قاله والتر: آدم ومن دونه تحت لوائي يوم القيامة. ومحط هذه الشفاعة هي الخلاص من الحبس والقيام والأمر بالمحاسبة للأنام وأماله ◌َ﴿ وكذا لغيره من الأنبياء والأولياء والعلماء والشهداء والصالحين والفقراء بعد ذلك شفاعات متعددة في ادخال بعض المؤمنين الجنة بلا حساب وادخال بعضهم الجنة ولو استحقوا دخول النار، واخراج بعضهم من النار وفي تخفيف عذاب بعضهم وفي ترقي درجات بعضهم في الجنة وأمثالها. ولكن فيه أنه لو أريد هذا المعنى لما كررت هذه القضية مرات على ما لا يخفى، اللهم إلا أن يقال: ينقسم أهل الموقف من المؤمنين العصاة على أقسام ثلاثة. وقال ابن الملك: تكون الشفاعة أقساماً أوّلها للإراحة من الموقف، وثانيها لإدخالهم الجنة بغير حساب، وثالثها عند المرور على الصراط، ورابعها للإخراج من النار. فذكر في الحديث القسمين وطوى الآخرين من البين والله [تعالى] أعلم. (ثم أعود) أي أرجع إلى دار ربي (الثانية) أي المرة الثانية (فأستأذن على ربي في داره) أي في دخولها (فيؤذن لي عليه) أي بالدخول عليه (فإذا رأيته) أي ذلك المكان أو رأيت ربي مع تنزيهه عن المكان وعن سائر صفات الحدثان (وقعت ساجداً فيدعني ما شاء الله أن يدعني) أي في مقام الفناء (ثم يقول:) رداً إلى حال البقاء (ارفع محمد وقل تسمع واشفع تشفع وسل تعطه. قال: فارفع ٢٣٤ كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق / باب الحوض والشفاعة رأسي فأثني على ربِّ بثناءٍ وتحميدٍ يعلّمنيه، ثمَّ أشفع؛ فيحدٍّ لي حدّاً، فأخرجُ، فأُخرجهم من النَّار وأدخلهم الجنَّة، حتى ما يبقى في النَّار إِلاَّ منْ قد حبسه القرآنُ)) أي وجب عليه الخلود، ثمَّ تلا هذه الآية ﴿عسى أن يبعثَك ربُّكَ مقاماً محموداً﴾ قال: ((وهذا المقام المحمود الذي وعدە نبیکم)). متفق عليه. ١٤٠ ٥٥٧٣ _ (٨) وعنه، قال: قال رسول الله وَّر: ((إِذا كانَ يوم القيامة ماجَ النَّاس بعضهم في بعض، فيأتونَ آدم فيقولون: اشفع إِلى ربّك: فيقول: لست لها، رأسي فأثني على ربي بثناء وتحميد يعلمنيه ثم اشفع فيحد لي حداً فأخرج فأخرجهم من النار وأدخلهم الجنة. ثم أعود الثالثة فاستأذن على ربي في داره فيؤذن لي عليه فإذا رأيته وقعت ساجداً فيدعني ما شاء الله أن يدعني، ثم يقول: ارفع محمد وقل تسمع واشفع تشفع وسل تعطه. قال: فارفع رأسي فأثني على ربي بثناء وتحميد يعلمنيه ثم اشفع فيحد لي حداً فأخرج فأخرجهم من النار وأدخلهم الجنة حتى ما يبقى في النار). أي من هذه الأمة (إلا من قد حبسه القرآن) أي منعه من خروج النار بأن أخبر أنه مخلد في دار الفجار، وهذا معنى قول الراوي للحديث عن أنس وهو قتادة من أجلاء التابعين. (أي وجب عليه الخلود) أي دل القرآن على خلوده وهم الكفار. ومعنى وجب أي ثبت وتحقق، أو وجب بمقتضى اخباره تعالى فإنه لا يجوز فيه التخلف أبداً. (ثم تلا [هذه الآية]) أي النبي وَلهو أو أنس أو قتادة تذكراً أو استشهاداً أو اعتضاداً. (﴿عسى أن يبعثك ربك مقاماً محموداً﴾(١). قال:) أي أنس وهو أنسب أو قتادة وهو أقرب. ويحتمل أن فاعله النبي ◌َ ل# على بعد (وهذا المقام) مبتدأ وخبر موصوف بقوله: (المحمود الذي وعده) أي الله سبحانه (نبيكم) وفي نسخة: وعد نبيكم، بصيغة المجهول وهذا على أن فاعل قال غيره وَلجر ظاهر لا اشكال، وأما على القول بأن القائل هو ولي فتوجيهه أنه وضع المظهر موضع المضمر وكان الأصل أن يقول: وعدنيه. وقال الطيبي [رحمه الله]: يحتمل أن يكون فاعل. قال الراوي: وأن يكون النبي ◌ُّر على سبيل التجريد تعظيماً لشأنه والله سبحانه [وتعالى]أعلم. (متفق عليه). ٥٥٧٣ - (وعنه) أي عن أنس رضي الله عنه (قال: قال رسول الله وَلهو: إذا كان يوم القيامة ماج) أي اختلط واضطرب ([الناس] بعضهم في بعض) أي داخلين فيهم، أي مقبلين ومدبرين متحيرين فيما بينهم. (فيأتون آدم) [عليه السلام] (فيقولون: اشفع) أي لنا (إلى ربك) ليأمر بالحساب ثم يجازي بالثواب أو العقاب (فيقول: لست لها) أي لست كائناً للشفاعة ولا مختصاً بها. قال الطيبي [رحمه الله]: اللام فيه مثلها في قوله تعالى: ﴿امتحن الله قلوبهم للتقوى ) :٢٢: ١ /٠٥ (١) الإسراء. آية رقم ٧٩. الحديث رقم ٥٥٧٣: أخرجه البخاري في صحيحه ٤٧٣/١٣. حديث رقم ٧٥١٠ ومسلم في صحيحه ١/ ١٨٢ حديث رقم (٣٢٦. ١٩٣). ٠١٧ مے۔ :a0r. ٢٣٥ كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق/ باب الحوض والشفاعة ولكن عليكم بإِبراهيم فإِنه خليل الرحمن، فيأتون إبراهيم، فيقول: لست لها، ولكن عليكم بموسى فإنه كليم الله، فيأتون موسى، فيقول: لست لها، ولكن عليكم بعيسى فإِنه روح الله وكلمته، فيأتون عيسى، فيقول: لست لها، ولكن عليكم بمحمَّدٍ، فيأتوني فأقول: أنا لها، فأستأذن على ربِّي، فيؤذن لي، ويلهمني محامد أحمده بها لا تحضرني الآن، فأحمده بتلك المحامد، وأخرّ له ساجداً، فيقال: يا محمّد! ارفع رأسك، وقل: تسمع، وسل تعطه، واشفع تشفع، فأقول: يا ربِّ! أُمَّتي أُمَّتي. فيقال: انطلق، فأخرج من كان في قلبه مثقال شعيرة من إِيمان، [الحجر - ٣٥]. الكشاف: اللام متعلقة بمحذوف واللام هي التي في قوله: أنت لهذا الأمر، أي كائن له ومختص به. قال: * أنت لها أحمد من بين البشر * وفي(١) قوله: أنا لها، وقوله: ليس ذلك لك. (ولكن عليكم بإبراهيم) أي الزموه، فالباء زائدة أو المعنى: تشفعوا وتوسلوا به. (فإنه خليل الرحمن، فيأتون إبراهيم فيقول:) أي بعد قولهم: اشفع إلى ربك. فاختصر للعلم به، أو قبل أن يذكروا هذا الأمر بناء على كشف القضية عنه (٢). (لست لها ولكن عليكم بموسى فإنه كليم الله) أي ويناسبه الكلام في مرام هذا المقام (فيأتون موسى (عليه السلام)فيقول: لست لها ولكن عليكم بعيسى فإنه روح الله وكلمته) [أي]فإن روحه مستطابة وكلمته مستجابة. (فيأتون عيسى فيقول: لست لها ولكن عليكم بمحمد) [عليه السلام]أي فإنه خاتم النبيين وسيد المرسلين (فيأتوني) بتشديد النون ويخفف (فأقول: أنا لها. فأستأذن على ربي) أي على كلامه أو على دخول داره (فيؤذن لي ويلهمني محامد أحمده بها) أي حينئذ (لا تحضرني الآن، فأحمده بتلك المحامد) وهي جمع حمد على غیر قیاس کمحاسن جمع حسن أو جمع محمدة. (وأخر) بكسر الخاء المعجمة وتشديد الراء، أي أسقط. (له) أي لله تعالى أو لشكره (ساجداً) حال (فيقول: يا محمد ارفع رأسك وقل تسمع وسل تعطه واشفع تشفع فأقول) أي بعد رفع الرأس أو في حال السجود (يا رب أمتي أمتي) أي ارحمهم واغفر لهم يوم القيامة وتفضل عليهم بالكرامة، وكرره للتأكيد. أو أريد بهم السابقون واللاحقون. (فيقال: انطلق) أي اذهب (فأخرج من كان في قلبه مثقال شعيرة) أي وزنها. قال النووي (رحمه الله]: والله [تعالى]أعلم بقدرها. (من إيمان) ثم المثقال ما يوزن من الثقل بفتحتين وهو اسم لكل سنج (٣). واختلف العلماء في تأويله حسب اختلافهم في أصل الإِيمان. والتأويل المستقيم هو أن يراد بالأمر المقدر بالشعير والذرة والحبة والخردلة غير الشيء الذي هو حقيقة الإيمان من الخيرات وهو ما يوجد في القلوب من ثمرات الإِيمان ولمحات الايقان (١) في المخطوطة ((وعلى)). (٢) في المخطوطة ((عنك)). (٣) سنج: بالسين والصاد. وقال في لسان العرب بالسين أفصح. وقال ابن السكيت وذكره صاحب مختار. الصحاح. بأنه لا يقال ((سنجه)) بالسين. والصنج أو السنج هو الميزان. ٠٠٠- ٩٠ ٢٣٦ كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق/ باب الحوض والشفاعة فأنطلِقُ فأفعل، ثمَّ أعودُ فأحمده بتلك المحامد، ثمَّ أخرُّ له ساجداً، فيقال: يا محمَّدُ! ارفع رأسكَ، وقل تسمع، وسل تعطه، واشفع تشفع، فأقول: يا ربِّ! أمّتي أمَّتي. فيقال: انطلقْ فأخرجْ من كان في قلبه مثقالُ ذرّة أو خردلةٍ من إِيمان، فأنطلق فأفعل، ثم أعود فأحمده بتلك المحامد، ثم أخرُّ له ساجداً، فيقال: يا محمَّدُ! ارفع رأسك، وقُلْ تُسْمَعْ، وسَلْ تُعْطة، واشفعْ تشفَّعْ. فأقول: يا ربّ! أمتي أمتي. فيقال: انطلقْ فأخرجْ من كان في قلبه أدنى أدنى أدنى مثقال حبَّةٍ خردلةٍ من إِيمان، فأخرجه من النار. فأنطلق فأفعل، ثم أعود الرابعةَ فأحمده بتلك المحامد، ثمَّ أَخرُّ له ساجداً فيقال: يا محمَّدُ! ارفع رأسَكَ، وقل تسمع، وسل تعطة، واشفع تشفع فأقول: يا رب! ائذن لي فيمن قال: لا إِله إِلّ الله. قال: ولمعان العرفان، لأن حقيقة الإيمان الذي هو التصديق الخاص القلبي وكذا الاقرار المقرر اللساني لا يدخلها التجزىء والتبعيض ولا الزيادة ولا النقصان على ما عليه المحققون. وحملوا ما قاله غيرهم على الاختلاف اللفظي والنزاع الصوري. (فانطلق) أي فاذهب (فافعل) أي ما أذن لي بالاخراج ممن عين وبين لي. (ثم أعود فاحمده بتلك المحامد ثم أخر له ساجداً فيقال: يا محمد ارفع رأسك وقل تسمع وسل تعطه واشفع تشفع. فأقول: يا رب أمتي أمتي. فيقال: انطلق فاخرج من كان في قلبه مثقال ذرة) وهي أقل الأشياء الموزونة. وقيل: هي الهباء الذي يظهر في شعاع الشمس كرؤوس الأبر. وقيل: النملة الصغيرة. (أو خردلة من إيمان) يحتمل أن يكون أو للتخيير أو للتنويع أو الشك. (فانطلق فافعل ثم أعود فأحمده بتلك المحامد ثم أخر له ساجداً فيقال: يا محمد ارفع رأسك وقل تسمع وسل تعطه واشفع تشفع فأقول: يا رب أمتي أمتي. فيقال: انطلق فأخرج من كان في قلبه أدنى أدنى مثقال حبة خردلة من إيمان) وكرر أدنى ثلاثاً للمبالغة في القلة. (فأخرجه من النار. فانطلق فأفعل ثم أعود الرابعة فأحمده بتلك المحامد ثم أخر له ساجداً فيقال: يا محمد ارفع رأسك وقل تسمع وسل تعطه واشفع تشفع. فأقول: يا رب ائذن لي فيمن قال لا إله إلا الله) أي ولو في عمره مرة بعد إقراره السابق فإنه من جملة عمله اللاحق وأن الله لا يضيع أجر من أحسن عملاً ولاطلاق حديث: من قال لا إله إلا الله دخل الجنة (١). فإنه يشمل دخوله أوّلاً وآخراً. قال الطيبي [رحمه الله]: هذا يؤذن بأن ما قدر قبل ذلك بمثال شعيرة ثم بمثقال حبة أو خردل، غير الإِيمان الذي يعبر به عن التصديق وهو ما يوجد في القلوب من ثمرة الإِيمان، وهو على وجهين: أن يراد بالثمرة ازدياد اليقين وطمأنينة النفس لأن ظاهر الأدلة أقوى للمدلول عليه وأثبت لقوته. وأن يراد بها العمل وأن الإيمان يزيد وينقص بالعمل. وينصر هذا الوجه حديث أبي سعيد بعد هذا يعني قوله: ولم يبق إلا أرحم الراحمين فيقبض قبضة من نار فيخرج منها قوماً لم يعلموا خيراً قط. (قال:) أي الله تعالى (١) أخرجه البزار كما قال السيوطي في الجامع الصغير ٥٣٦/٢ حديث رقم ٨٨٩٦. والأحاديث في معناه كثيرة في كتب السنة. ٠٨٤٠ ٢٣٧ كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق / باب الحوض والشفاعة ليس ذلك لك، ولكن وعزَّتي وجلالي وكبريائي وعظمتي لأخرجنَّ منها من قال: لا إِله إِلا الله)). متفق عليه. ٥٥٧٤ _ (٩) عن أبي هريرةَ، عن النبي ◌َّ قال: ((أسعدُ الناسِ بشفاعتي يومَ القيامةِ من قال: لا إله إلا الله خالصاً من قلبه أو نفسه)). (ليس ذلك لك، ولكن وعزتي وجلالي وكبريائي وعظمتي لأخرجن منها من قال لا إله إلا الله) قال القاضي(١) [رحمه الله]: أي ليس هذا لك وإنما أفعل ذلك تعظيماً لأسمى راجلاً لا التوحيدي. وهو مخصص بعموم قوله ﴿ في حديث أبي هريرة: ((أسعد الناس بشفاعتي)). الحديث على ما سيأتي. ويحتمل أن يجري على عمومه ويحمل على حال ومقام آخر. قال الطيبي [رحمه الله]: إذا فسرنا ما يختص بالله تعالى بالتصديق المجرد عن الثمرة وذكرنا أن ما يختص به رسول الله ◌َ ليل هو الإِيمان مع الثمرة [من]ازدياد اليقين أو العمل فلا اختلاف. وقال شارح من علمائنا المحققين: المعنى: ليس اخراج من قال لا إله إلا الله من النار [لك]، أي إليك يعني مفوضاً إليك وإن كان لك فيهم مكان شفاعة، أو لسنا نفعل ذلك لأجلك بل لأنا أحقاء بأنا نفعله كرماً وتفضلاً. ثم إنه بين بهذا الحديث أن الأمر في اخراج من لم يعمل خيراً قط من النار خارج عن حد الشفاعة، بل هو منسوب إلى محض الكرم موكول إليه. والتوفيق بين هذا الحديث وحديث أبي هريرة: أسعد الناس الخ. أما على الأوّل فظاهر لأنه أخرجهم الله بشفاعته و 38، وأما على المعنى الثاني فهو أن المراد بمن قال لا إله إلا الله في الحديث الأوّل هم الأمم الذين آمنوا بأنبيائهم لكنهم استوجبوا النار. وفي الثاني هم من أمته ◌َّ ممن خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً. (متفق عليه). ٥٥٧٤ _ (وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ◌َّقير: أسعد الناس بشفاعتي من قال لا إله إلا الله خالصاً من قلبه) أي لا يشوبه شك وشرك ولا يخالطه نفاق وسمعة ورياء. (أو نفسه) شك من الراوي. وقيل: أسعد هنا بمعنى أصل الفعل. وقيل: بل على بابه وإن كل أحد يحصل له سعادة شفاعته، لكن المؤمن المخلص أكثر سعادة فإنه # يشفع في إراحة الخلق من هول الموقف ويشفع في بعض الكفار كأبي طالب في تخفيف عذاب النار وقال الكرماني: المراد هو أسعد ممن لم يكن في هذه المرتبة من الإخلاص البالغ غايته. والدليل على التأكيد ذكر القلب، إذ الإخلاص محله القلب ففائدته التأكيد كما في قوله تعالى: ﴿فإنه آثم قلبه ﴾ [البقرة - ٢٨٣]. وقال القاضى [رحمه الله]: أسعد هنا بمعنى السعيد إذ لا يسعد بشفاعته من لم يكن من أهل التوحيد. أو المراد بمن قال: من لم يكن له عمل يستحق به الرحمة ويستوجب به الخلاص من النار فإن احتياجه إلى الشفاعة أكثر وانتفاعه بها أوفر. قال الطيبي [رحمه الله]: قد سبق أن حلول شفاعته إنما هو في حق من أثمر إيمانه إما مزيد طمأنينة أو عمل. وتختلف (١) في المخطوطة ((الطيبي)). الحديث رقم ٥٥٧٤: أخرجه البخاري في صحيحه ١٩٣/١ حديث رقم ٩٩. وأحمد في المسند ٣٧٣/٢. :٠٧٠. ٢٣٨ ١٫٠٠٥ كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق / باب الحوض والشفاعة رواه البخاري. ٥٥٧٥ - (١٠) وعنه، قال: أتيَ النبي ◌َّ بلحم فَرُفِعَ إِليه الذراع، وكانت تعجبه، فنهس منها نهسة، ثم قال: ((أنا سيّد الناس يومَ القيامةِ، يومَ يقوم الناس لرب العالمين، وتدنو الشمس فیبلغُ الناس مراتب اليقين والعمل، فيكون التفضيل بحسب المراتب ولذلك أكد خالصاً بقوله: من قلبه. أي خالصاً كائناً من قلبه. وقد علم أن الاخلاص معدنه ومكانه القلب، فذكر القلب هنا تأكيد وتقرير كما في قوله تعالى: ﴿فإنه آثم قلبه﴾ [البقرة - ٢٨٣]. الكشاف: فإن قلت: هلا اقتصر على قوله: فإنه آثم. وما فائدة ذكر القلب والجملة هي الآثمة لا القلب وحده. قلت: كتمان الشهادة هو أن يضمرها ولا يتكلم بها، فلما كان آئماً مفترياً بالقلب أسند إليه لأن إسناد الفعل إلى الجارحة التي يعمل بها أبلغ ألا تراك. تقول: إذا أردت التوكيد هذا مما أبصرته عيني ومما سمعته أذني ومما عرفه قلبي. (رواه البخاري) وفي رواية الجامع: خالصاً مخلصاً من قلبه(١). ولم يذكر أو من نفسه. ٥٥٧٥ - (وعنه) أي عن أبي هريرة رضي الله عنه (قال: أتي النبي ◌َّر) أي جيء (بلحم فرفع إليه الذراع وكانت) أي الذراع (تعجبه فنهس) بالمهملة وقيل بالمعجمة، أي فأخذ بمقدم أسنانه. (منها) أي من الذراع يعني مما عليها (نهسة) قال القاضي عياض [رحمه الله]: أكثر الرواة رووه بالسين المهملة. ورواه ابن هامان بالمعجمة. والنهس بالمهملة الأخذ بأطراف الأسنان، وبالمعجمة الأخذ بالأضراس. (ثم قال: أنا سيد الناس) أي جميعهم من الأنبياء وغيرهم (يوم القيامة) أي حيث يحتاجون إلى شفاعتي ذلك اليوم لكرامتي عند الله تعالى، فإذا اضطروا أتوا إلي طالبين لشفاعتي لهم. ويؤيده حديث: ((أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر، وبيدي لواء الحمد ولا فخر وما من نبي يومئذ آدم فمن سواه إلا تحت لوائي، وأنا أول من تنشق عنه الأرض ولا فخر وأنا أول شافع وأوّل مشفع ولا فخر)). على ما رواه أحمد والترمذي وابن ماجه عن أبي سعيد(٢). (يوم يقوم الناس لرب العالمين) قال الطيبي [رحمه الله]: بدل من قوله: يوم القيامة. وقال ابن الملك: يحتمل أن يكون جواب سائل قال ما يوم القيامة. قلت: ويمكن أن يكون منصوباً بأعني مقدراً أو مرفوعاً بتقدير مبتدأ محذوف هو هو وفتح يوم على الحكاية. (وتدنو الشمس) أي تقرب من رؤوس الناس (فيبلغ الناس) بالنصب أي فيلحقهم وفي نسخة بالرفع، أي ١٠٣/١ (١) الجامع الصغير ٦٨/١ حديث رقم ١٠٢١. الحديث رقم ٥٥٧٥: أخرجه البخاري في صحيحه ٣٩٥/٨. حديث رقم ٤٧١٢. ومسلم في صحيحه ١/ ١٨٤ حديث رقم (١٩٤.٣٢٧). والترمذي في السنن ٢٤٤/٤ حديث رقم ١٨٣٧. وابن ماجه ٢/ ١٠٩٩ حديث رقم ٣٣٠٧. وأحمد في المسند ٤٣٥/٢. (٢). أحمد في المسند ٣/ ٢ وابن ماجه في السنن الحديث رقم ٤٣٠٨. والترمذي في السنن حديث رقم ٣٦١٥. :Her ٢٣٩ كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق / باب الحوض والشفاعة من الغم والكرب ما لا يطيقون، فيقول الناس: أَلا تنظرون من يشفعُ لكم إِلى ربَّكم؟ فيأتون آدم)). وذكر حديث الشفاعة وقال: ((فأنطلق فآتي تحت العرش، فأقعُ ساجداً لربي، ثم يفتح الله عَليَّ من محامده وحسن الثناءِ عليه شيئاً لم يفتحه على أحد قبلي، ثم قال: يا محمّد! ارفع رأسكَ، وسَلْ تُعطّة، واشفعْ تُشَفَّغْ، فأرفع رأسي فأقول: أمّتي يا رب! أمَّتي يا رب! أمَّتي يا رب! فيقال: يا محمَّدُ! أَدْخلْ من أُمَّتك من لا حساب عليهم من الباب الأيمن من أبواب الجنةِ، وهم شركاءُ الناسِ فيما سوى ذلك من الأبواب)). ثم قال: ((والذي نفسي بيده إِنَّ ما بين المصراعين من مصاريع الجنَّة كما بين مكّة وهَجَر)). متفق عليه. فيصلون. (من الغم) أي من أجله وسببه (والكرب) وهو الهم الشديد الحاصل من القيام ودنو الشمس المترتب عليه الحر التام الموجب للعرق على وجه الإلجام. (ما لا يطيقون) أي ما لا يقدرون على الصبر عليه فيجزعون ويفزعون. (فيقول الناس:) أي بعضهم لبعض (ألا تنظرون) أي ألا تتأملون وألا تتفكرون أو ألا تبصرون (من يشفع لكم إلى ربكم) أي ليريحكم من هذا الهم والغم (فيأتون آدم (عليه السلام]وذكر) أي أبو هريرة أو النبي وَّر (حديث الشفاعة) أي بطوله كما سبق (وقال: فأنطلق) أي فاذهب (فآتي) بالمد، أي فأجيء. (تحت العرش) قيل: وجه الجمع بينه وبين حديث أنس [رضي الله تعالى عنه]: على ربي في داره، أن يقال داره الجنة والجنة تحت العرش. وقيل: حديث أنس في الجنة وحديث أبي هريرة في الموقف. (فأقع ساجداً لربي ثم يفتح الله عليّ من محامده وحسن الثناء عليه شيئاً لم يفتحه على أحد قبلي ثم قال: يا محمد ارفع رأسك سل تعطه) جملة مستأنفة (واشفع تشفع فأرفع رأسي فأقول: أمتي يا رب أمتي يا رب أمتي يا رب) ثلاث مرات للتأكيد والمبالغة، أو إشارة إلى طبقات العصاة. (فيقال: يا محمد أدخل من أمتك من لا حساب عليهم من الباب الأيمن من أبواب الجنة وهم) أي من لا حساب عليهم (شركاء الناس فيما سوى ذلك من الأبواب) أي ليسوا ممنوعين من سائر الأبواب، بل هم مخصوصون للعناية بذلك الباب. (ثم قال: والذي نفسي بيده إن ما بين المصراعين) بكسر الميم أي البابين المضروبين(١) على مدخل واحد. (من مصاريع الجنة كما بين مكة وهجر) بفتحتين مصروفاً وقد لا يصرف. ففي الصحاح: هجر اسم بلد مذكر(٢) مصروف. وقال شارح: هي قرية من قرى البحرين، وقيل من قرى المدينة والأول هو المعول. قال المظهر: المصارعان البابان(٣) المغلقان على منفذ واحد، والمصراع مفعال من الصرع وهو الإلقاء وإنما سمي الباب المغلق مصراعاً لأنه كثير الإلقاء والدفع. (متفق عليه). -*** (١) في المخطوطة ((المكبرين)). (٢) في المخطوطة ((مذكور)). (٣) في المخطوطة (الباب)). 559 ٢٤٠ كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق / باب الحوض والشفاعة ٥٥٧٦ _ (١١) وعن حذيفةً في حديث الشفاعة، عن رسول الله وَ ل ◌ّ قال: ((وترسلُ الأمانة والرحم، فتقومان جَنَبتي الصراط يميناً وشمالاً)). رواه مسلم. ٥٥٧٧ - (١٢) وعن عبدِ الله بن عمرو بن العاص، أن النبي وَلّر تلا قول الله تعالى في إِبراهيم: ﴿ربِّ إِنهنَّ أضللن كثيراً من الناس فم تبعني فإِنه مني﴾ وقال عيسى: ﴿إِن تعذِّبْهم فإنهم عبادك ﴾ ٥٥٧٦ - (وعن حذيفة في حديث الشفاعة عن رسول الله وَليفر قال: وترسل الأمانة والرحم فتقومان جنبتي الصراط) بفتحات أي بجانبيه (يميناً وشمالاً) قال التوربشتي [رحمه الله]: يريد بجنبتي الصراط ناحيتيه اليمنى واليسرى. والمعنى: إن الأمانة والرحم لعظمة شأنهما وفخامة أمرهما مما يلزم العباد من رعاية حقهما يمثلان هنالك للأمين والخائن والواصل والقاطع فيحاجان عن المحق الذي راعاهما ويشهدان على المبطل الذي أضاعهما ليتميز كل منهما. وقيل: ترسل من الملائكة من يحاج لهما وعنهما. وفي الحديث حث على رعاية حقهما والاهتمام بأمرهما. وقال الطيبي [رحمه الله]: ويمكن أن تحمل الأمانة على الأمانة العظمى وهي ما في قوله تعالى: ﴿إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال ﴾ [الأحزاب - ٧٢]. وصلة الرحم صلتهما الكبرى وهي ما في قوله تعالى: ﴿يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة ﴾. إلى قوله تعالى: ﴿واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام ﴾ [النساء - ١]. فيدخل في الحديث معنى التعظيم لأمر الله والشفقة على خلق الله وكأنهما اكتنفا جنبي الإِسلام الذي هو الصراط المستقيم وقطري الإِيمان والدين القويم. (رواه مسلم). ٥٥٧٧ - (وعن عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي ليزر تلا قول الله تعالى في إبراهيم:) [عليه السلام]أي في سورته أو حاكياً في حقه (﴿رب إنهن﴾) أي الأصنام (﴿أضللن كثيراً من الناس ﴾) أي صرن سبب ضلال كثير منهم (﴿فمن تبعني﴾) أي في التوحيد والإخلاص والتوكل (﴿فإنه مني﴾) أي من أتباعي وأشياعي وتمامه: (﴿ومن عصاني فإنك غفور رحيم﴾)(١) أي تغفر ما دون الشرك لمن تشاء وترحمه بالتفضل على من تشاء، أو تغفر للعاصي المشرك بأن توفقه للإيمان والطاعة في الدنيا وترحم عليه بزيادة المثوبة في العقبى. (وقال عيسى (عليه السلام):) قال النووي [رحمه الله]: هو مصدر يقال: قال قولاً وقالاً وقيلاً، وقد أضاف إلى عيسى عطفاً على مفعول تلا، أي تلا قول الله وقول عيسى. (﴿إن تعذبهم فإنهم عبادك﴾) وآخره (﴿وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم﴾)(٢) أي لا يغلبك شيء فإنك القوي القادر وتحكم بما تشاء فأنت الحاكم الذي لا معقب لحكمه، أو الحكيم الذي يضع - .٠٫٠٫٥ الحديث رقم ٥٥٧٦: أخرجه مسلم في صحيحه ١٨٤/١ حديث رقم (١٢٩. ١٩٥). الحديث رقم ٥٥٧٧: أخرجه مسلم في صحيحه ١٩١/١ حديث رقم (٢٠٢.٣٤٦). (١) سورة إبراهيم - آية رقم ٣٦. (٢) سورة المائدة. آية رقم ١١٨. وتكملة الآيتان ليست موجودة في متن المشكاة.