Indexed OCR Text
Pages 41-60
٤١ كتاب الفتن مرَّ بشجرةٍ للمشركين كانوا يُعلّقونَ عليها أَسلحَتَهُم، يقال لها: ذاتُ أنواط. فقالوا: يا رسول الله! اجعل لنا ذات أنواطٍ كما لهُم ذات أنواط فقال رسول الله وَ له: (سبحان الله! هذا كما قال قوم موسى: ﴿اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهةٌ﴾ والذي نفسي بيده لتركبُنَّ سُننَ منْ كان قبلكم». رواه الترمذي. ٥٤٠٩ _ (٣١) وعن ابن المسيب، قال: وقعتِ الفتنةُ الأولى - يعني مقتل عثمان - فلم يبقَ من أصحابٍ بدرٍ أحدٌ، ثم وقعتِ الفتنةُ الثانيةُ - يعني الحرة - فلم يبقَ من أصحاب الحديبيةِ أحدٌ، ثمَّ وقعتِ الفتنةُ الثالثةُ ولا حديثاً. (مر بشجرة للمشركين كانوا يعلقون عليها أسلحتهم) أي ويعكفون حولها يقال لها ذات أنواط جمع نوط، وهو مصدر ناطة أي علقة. (فقالوا:) أي بعضهم ممن لم يكمل له مرتبة التوحيد ولم يطلع على حقيقة التفريد. (يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط) . أي شجرة نحن أيضاً نعلق عليها أسلحتنا. وكأنهم أرادوا به الضدية والمخالفة العرفية وغفلوا عن القاعدة الشرعية. (فقال رسول الله وَ اليه: سبحان الله) تنزيهاً وتعجباً (هذا) أي هذا القول منكم (كما قال قوم موسى: ﴿اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة﴾)(١) لكن لا يخفى ما بينهما من التفاوت المستفاد من التشبيه حيث يكون المشبه به أقوى. (والذي نفسي بيده لتركبن) بضم الموحدة، أي لتذهبن أنتم أيها الأمة. (سنن من كان قبلكم) بضم السين أي طرقهم ومناهجهم وسبل أفعالهم. وفي نسخة بفتحها أي على منوالهم وطبق حالهم وشبه قالهم. (رواه الترمذي) ورواه أيضاً عن ابن ابن عمر رضي الله عنهما مرفوعاً: ليأتين على أمتي ما أتى على بني إسرائيل حذو النعل بالنعل، حتى إن كان منهم من أتى أمه علانية لكان في أمتي من يصنع ذلك. ورواه الحاكم عن ابن عباس: لتركبن سنن من قبلكم شبراً بشبر وذراعاً بذراع حتى لو أن أحدهم دخل حجر ضب لدخلتم، وحتى لو أن أحدهم جامع امرأته بالطريق لفعلتموه(٢). ٥٤٠٩ - (وعن ابن المسيب) بفتح التحتية المشددة وقد تكسر، تابعي جليل. (قال: وقعت الفتنة الأولى يعني) هذا كلام الراوي عن ابن المسيب وتفسير لكلامه، أي يريد بالفتنة الأولى. (مقتل عثمان فلم يبق من أصحاب بدر أحد) هذا كلام ابن المسيب، أي أنهم ماتوا منذ قامت الفتنة بمقتل عثمان إلى أن قامت الفتنة الأخرى بوقعة الحرة. والحاصل أنهم ما ابتلوا بالفتنة مرتين لما صانهم الله ببركة غزوة بدر. (ثم وقعت الفتنة الثانية يعني الحرة) في النهاية : هذه أرض بظاهر المدينة بها حجارة سود كثيرة كانت الوقعة المشهورة في الإِسلام أيام يزيد بن معاوية لما انتهب المدينة عسكره من أهل الشام الذين ندبهم لقتال أهل المدينة من الصحابة والتابعين وأمر عليهم مسلم بن عقبة المزي في ذي الحجة سنة ثلاث وستين. (فلم يبق من أصحاب الحديبية) بالتخفيف ويشدد، أي من أهل بيعة الرضوان. (أحد ثم وقعت الفتنة الثالثة) (١) الأعراف. آية رقم ١٣٨. (٢) الحاكم في المستدرك ٤/ ٤٥٥. الحديث رقم ٥٤٠٩: أخرجه البخاري في صحيحه ٣٢٣/٧. حديث رقم ٤٠٢٤. ٤٢ كتاب الفتن/ باب الملاحم فلم ترتفع وبالناسِ طبَاخٌ. رواه البخاري. (١) باب الملاحم الفصل الأول ٥٤١٠ _ (١) عن أبي هريرة، أنَّ رسولَ اللهِ وَ له قال: ((لا تقومُ الساعةُ لعلها فتنة ابن الزبير وما حصل له ولأهل مكة من الحجاج (فلم ترتفع) وفي نسخة: ولم ترتفع. (وبالناس طباخ) أي أحد وهو بفتح الطاء وتخفيف الباء الموحدة وبالخاء المعجمة على ما صرح به صاحب المشارق والمفهوم من النهاية، فلا وجه لما ضبط في بعض النسخ من كسر الطاء. نعم في القاموس الطباخ كسحاب ويضم القوّة والإحكام والسمن. قال الطيبي [رحمه الله]: أصل الطباخ القوّة والسمن ثم استعمل في غيره، فقيل: فلان لا طباخ له أي لا عقل له ولا خير عنده. أراد أنها لم تبق في الناس من الصحابة أحداً. فالمراد بالناس الصحابة فأل للعهد، [أو المراد بهم الكاملون في مرتبة الإِنس ورتبة الإِنس ] (رواه البخاري). (باب الملاحم) بفتح الميم وكسر الحاء جمع الملحمة وهي المقتلة، أو هي الواقعة العظيمة، وفي النهاية: هي الحرب وموضع القتال، مأخوذ من اشتباك الناس واختلاطهم فيها كاشتباك لحمة الثوب بالسدي. وقيل: هو من اللحم لكثرة لحوم القتلى فيها. اهـ. ومن أسمائه وَلور: نبي الملحمة، وفيه إشارة إلى أنه معدن الجلال كما أنه منبع الجمال لكونه نبي الرحمة والجمع بينهما هو الكمال، وإنما أطلق سبحانه في حقه قوله: ﴿وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين ﴾ [الأنبياء - ١٠٧ ]. بناء على غلبة رحمته تخلقاً بأخلاق الله وصفته كما ورد في الحديث القدسي: ((سبقت رحمتي غضبي))(١). ولذا ينادي: بيا أرحم الراحمين، بل الملحمة في الحقيقة عين المرحمة كما أن المحن من عنده سبحانه هي المنح والمنن والبلاء عين الولاء: ﴿وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم ﴾ [الأعراف - ١٤١]. (الفصل الأوّل) ٥٤١٠ - (عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله وسلم قال: لا تقوم الساعة) بتأنيث (١) متفق عليه وراجع الحديث رقم (٥٧٠٠). الحديث رقم ٥٤١٠: أخرجه البخاري في صحيحه ٨١/١٣. حديث رقم ٧١٢١. وأخرجه مسلم ١/ ١٣٧ حديث رقم (١٥٧.٢٤٨). وأخرجه أحمد في المسند ٣١٣/٢. ٤٣ كتاب الفتن/ باب الملاحم حتى تقتتِلَ فئتانِ عظيمتان، تكون بينهما مقتلةٌ عظيمة، دعواهما واحدة، وحتى يُبْعَثَ دجالونَ كذَّابون، قريبٌ من ثلاثين، كلُّهم يزعم أنَّه رسولُ الله، وحتى يُقبض العلم، وتَكْثُرَ الزلازل، ويتقارب الزمان، ويظهر الفتن، ويكثر الهرج وهو القتل، وحتى يكثرَ فيكم المال فیفیض حتی یھم ربُّ المال من يقبل صدقته، الفعل ويذكر وكذا قوله: (حتى تقتتل فئتان عظيمتان) أي كثيرتان أو كمية أو كيفية لما كان في كل منهما جماعة من الصحابة. ويمكن حمله على التغليب، إذ الجماعة العظيمة في الحقيقة إنما كانت جماعة علي كرم الله وجهه. قال الأكمل: وهذا من المعجزات لأنه وقع بعده في الصدر الأول (تكون بينهما مقتلة عظيمة) أي حرب عظيم وقتال قوي (دعواهما واحدة) أي كل واحدة من الفئتين تدعي الإِسلام. قال ابن الملك: المراد علي ومعاوية ومن معهما، ويؤخذ من قوله: دعواهما واحدة. الرد على الخوارج في تكفيرهم كلتا الطائفتين. اهـ. وفي كون الحديث رداً عليهم مجرد دعوى لا يخفى، فإنه لا يلزم من تحقق الدعوى [وصول ]المدعي وحصول المعنى، مع أن الدعوى قد تصرف إلى دعوى الخلافة ونحوها. (وحتى يبعث) أي يرسل من عالم الغيب إلى صحن الوجود ويظهر (دجالون) أي مبالغون في فساد العباد والبلاد (كذابون) أي على الله ورسوله. في شرح السنة: كل كذاب دجال، يقال: دجل فلان الحق بباطله غطاه، ومنه أخذ الدجال ودجله سحره وكذبه. وقيل: سمي الدجال دجلاً لتمويهه على الناس وتلبيسه. يقال: دجل، إذا موّه ولبس. (قريب من ثلاثين) وهذا لا ينافي حرمه فيما سبق بقوله: ثلاثون، فإنه إما متأخر وإما المراد منه التقريب، وكذا لا ينافي في ما رواه الطبراني عن ابن عمر: ((ولا تقوم الساعة حتى يخرج سبعون كذاباً)(١). فإن المراد منه التكثير، أو الثلاثون مقيدون بدعوى النبوّة والباقون بغيرها على احتمال أن السبعين غير الثلاثين، فتكمل المائة والله [تعالى ]أعلم. (كلهم يزعم أنه رسول الله) وفي نسخة: نبي الله. (وحتى يقبض) أي يؤخذ ويرفع (العلم) أي النافع المتعلق بالكتاب والسنة بقبض العلماء من أهل السنة والجماعة، فيكثر أهل الجهل والبدعة. (وتكثر الزلازل) أي الحسية وهي تحريك الأرض، أو المعنوية وهي أنواع البلية فإن موت العلماء فوت العالم. (ويتقارب الزمان) قال الخطابي: أراد به زمان المهدي لوقوع الأمن في الأرض فيستلذ العيش عند ذلك لانبساط عدله فتستقصر مدته لأنهم يستقصرون مدة أيام الرخاء وإن طالت. ويستطيلون أيام الشدة وإن قصرت. (ويظهر الفتن) أي ويترتب عليها المحن (ويكثر الهرج) قيل: المراد بكثرته شموله ودوامه. (وهو) أي الهرج (القتل) يحتمل أن يكون مرفوعاً، والأظهر أنه تفسير من أحد الرواة فهو جملة معترضة. (وحتى يكثر فيكم المال فيفبض) بالنصب ويرفع من فاض الماء إذا انصب عند امتلائه، والضمير إلى المال فهو مبالغة لحصول المنال في المآل. (حتى يهم) بضم الياء وكسر الهاء وتشديد الميم، من أهمه أحزنه وأقلقه. وقوله: (رب المال) منصوب على أنه مفعول، والفاعل قوله: (من يقبل صدقته) على تقدير مضاف، أي حتى يوقع في الحزن فقدان من يقبل الصدقة رب المال حيث به،) (١) ذكره السيوطي في الجامع الصغير ٥٨٣/٢ حديث رقم ٩٨٥٥. ٤٤ كتاب الفتن/ باب الملاحم وحتى يعرضه فيقول الذي يعرضه عليه: لا أَرَب لي به، وحتى يتطاول الناس في البنيان، وحتى يمرَّ الرجلُ بقبر الرجل فيقول: يا ليتني مكانه، وحتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت ورآها الناس آمنوا أجمعون، فذلك حين ﴿لا ينفع نفساً إيمانُها لم يجد من يقبله، والتمليك شرط لحصول الزكاة كما أن القبض شرط لحصول الصدقة. وفي بعض النسخ بضم الياء وفتح الهاء على أن همه(١) لغة (٢) بمعنى أحزنه، فرب المال منصوب على حاله وفي بعضها برفعه على أنه فاعل ومن مفعوله، أي يقصده رب المال عكس المتعارف في بقية الأزمنة والأحوال من هم به إذا قصده فيكون من باب الحذف والإِيصال. والمعنى الأوّل هو المعوّل فتأمل. قال النووي (رحمه الله]: في شرح مسلم ضبطوه بوجهين وأشهرهما ضم أوله وكسر الهاء. قال الطيبي [رحمه الله]: وفي جامع الأصول مقيد بضم الياء ورب المال مفعوله والموصول مع صلته فاعله. وقوله: (وحتى يعرضه) بكسر الراء عطف على مقدر، والمعنى حتى يهم طلب من يقبل الصدقة صاحب المال فيطلبه حتى يجده وحتى يعرضه. أهـ. بكسر الراء عطف على مقدر، والمعنى حتى يهم طلب من يقبل الصدقة صاحب المال فيطلبه حتى يجده وحتى يعرضه. اهـ. أي حتى يعرض المال الذي أراد أن يتصدق به على من يظن أنه يقبله. (فيقول الذي يعرضه عليه: لا أرب لي به) بفتح الهمزة والراء، أي لا حاجة لي إليه، إما لغنى قلبه أو لغنى يده. والأظهر أنه لهما جميعاً فكأن الخير وسع الجميع بما فيه وقنع كل أحد بما يكفيه فلا يريد ما يطغيه أو ما لا يعنيه، وإلا فمن المعلوم أنه: ((لو كان لابن آدم واديان من ذهب لابتغى ثالثاً ولن يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ويتوب الله على من تاب))(٣). على ما ورد في الحديث بل في القرآن المنسوخ التلاوة فكأن أهل ذلك الزمان كلهم ممن تاب الله عليهم حتى رجعوا إلى مقام الرضا بالقضاء والقناعة بالكفاية والاستغناء بما قسمه الله على الناس، فإن الاستئناس بالناس من علامة الافلاس. (وحتى يتطاول الناس في البنيان) أي حتى يتزايدوا في طوله وعرضه أو يفتخروا في تزيينه وتحسينه، وهذا غير مقيد بزمان المهدي بل المراد به أما بعده وأما قبله. فإن الآن قد كثر البنيان وافتخر به أهل الزمان وتطاول به اللسان في كل مكان وهدموا العمارة الموضوعة للخيرات وجعلوها دوراً وبساتين ومواضع التنزهات ومحال التلهيات. (وحتى يمر الرجل) أي من كثرة همومه وغمومه في أمر دينه أو دينه أو كثرة بلائه وقلة دوائه. (بقبر الرجل) أي من أقاربه أو أجانبه (فيقول:) بالنصب ويرفع (يا ليتني مكانه) نقل بالمعنى، إذ لفظه: مكانك، أي ليتني كنت ميتاً حتى لا أرى الفتنة ولا أشاهد المحنة. (وحتى تطلع الشمس من مغربها فإذا طلعت ورآها الناس آمنوا أجمعون) تأكيد للناس أو لضميره، أي كلهم لما رأوه من الآية الملجئة والعلامة العيانية(٤). وكان المطلوب منهم الإِيمان في الحالة الغيبة كما أشار إليه سبحانه: الذين يؤمنون بالغيب. ولذا قال: (فذلك) أي الوقت (﴿حين لا ينفع نفساً إيمانها﴾) وكذا ما يترتب على إيمانها من عمل (١) في المخطوطة ((يهمه)). (٣) متفق عليه. راجع الحديث رقم (٥٢٧٣). (٢) زيادة ((بفتح الباء وكسر الهاء)) كذا في المخطوطة. (٤) في المخطوطة بصيغة الجمع. ٤٥ كتاب الفتن/ باب الملاحم لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً﴾، ولتَقومَنَّ الساعةُ وقد نشر الرجلان ثوبَهُما بينهما، فلا يتبايعانه ولا يطويانه، ولتقومنَّ الساعة وقد انصرف الرجل بلبنٍ لقحته فلا يطعمه، ولتقومَنَّ الساعةُ وهو يَليطُ حوضه فلا يسقي فيه، ولتقومنَّ الساعة وقد رَفعَ أُكْلَتَهُ إلى فيه فلا يطعمها)). خيرها، أي الحادثين في ذلك الوقت كما بينه بقوله: (﴿لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً﴾)(١). فأو للتنويع، إذ قد يوجد إيمان مجرد عن العمل وقد يقترن العمل بالإِيقان، لكن لما كان وقوعهما في حال البأس ووقت اليأس لا يكونان نافعين. قال تعالى: ﴿فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا﴾ [غافر - ٨٥ ]. وقيل: التقدير لا ينفع إيمانها ولا كسبها إن لم تكن آمنت من قبل أو لم تكن كسبت، فالكلام من اللف التقديري والنشر الظاهري. هذا وقيل جملة لم تكن آمنت صفة نفس، والأولى أن تحمل على الاستئناف لئلا يقع الفصل بين الصفة والموصوف، وقوله: من قبل، أي قبل إتيان بعض آيات الرب على ما في القرآن مبهماً ومجملاً ومن قبل طلوع الشمس من مغربها على ما في الحديث مفسراً ومبيناً. ثم قيل: أو كسبت، عطف على آمنت. والمراد بالخير التوبة أو الاخلاص فتنوينه للتعظيم، أي لا ينفع تلك النفس إيمانها وقبول توبتها، فيفيد أن أو للتنويع فكأنه قال: لا ينفعها توبة عن الشرك ولا توبة عن المعاصي، وبهذا يندفع استدلال المعتزلة بالآية على أن العمل المعبر عنه بالخير جزاء للإيمان مع أن الظاهر من قوله تعالى: ﴿في إيمانها خيراً﴾. يدفع ذلك. ثم قيل عدم قبول الإِيمان والتوبة في ذلك الوقت مخصوص بمن شاهد طلوعها حتى أن من ولد بعده أو لم يشاهده يقبل كلاهما منه. والصحيح أنه غير مخصوص للخبر الصحيح: إن التوبة لا تزال مقبولة حتى يغلق بابها، فإذا طلعت الشمس من مغربها أغلق. (ولتقومن الساعة) أي النفخة الأولى وهي مقدمة الساعة فأطلقت عليها (وقد نشر الرجلان) الجملة حالية أي والحال أنهما فتحا وفرقاً (ثوبهما بينهما) الإضافة لأحدهما على أنه صاحبه وللآخر على أنه طالبه (فلا يتبايعانه) أي لا يكملان البيع والشراء (ولا يطويانه) أي ولا يجمعان الثوب فيفترقان، بل تقع الساعة عليهما وهما مشغولان بالبيع والشراء كما قال تعالى: ﴿ما ينظرون إلا صيحة واحدة تأخذهم وهم يخصمون﴾. فلا يستطيعون توصية ولا إلى أهلهم يرجعون. وحاصله أن قيام الساعة يكون بغتة لقوم وهم في أشغالهم كما قال تعالى: ﴿لا تأتيكم إلا بغتة﴾ [الأعراف - ١٨٧]. (ولتقومن الساعة وقد انصرف الرجل بلبن لقحته) بكسر اللام وسكون القاف، أي ناقة ذات لبن. (فلا يطعمه) أي فلا يمكن الرجل أن يشرب اللبن الذي حلبه وهو في يده. (ولتقومن الساعة وهو يليط) بفتح أوّله، أي يطين ويصلح، (حوضه) أي ليسقي إبله أو غنمه منه (فلا يسقي) أي إبله، وهو بفتح الياء ويجوز ضمها. (فيه) أي في ذلك الحوض أو من مائه. والمعنى أن الساعة تأخذ الناس بغتة تأتيهم وهم في أشغالهم فلا تمهلهم أن يتموها. (ولتقومن الساعة وقد رفع أكلته) بضم الهمزة أي لقمته (إلى فيه فلا يطعمها) أي فلا يبلعها ولا يأكلها، (١) سورة الأنعام. آية رقم ١٦٨. ٤٦ ٢٠٢ كتاب الفتن/ باب الملاحم متفق عليه . ٥٤١١ - (٢) وعنه، قال: قال رسول الله وَله: ((لا تقومُ الساعةُ حتى تقاتلوا قوماً نِعالهم الشعر، وحتى تقاتِلوا التركَ صغارَ الأعين، حمر الوجوه، ذُلفَ الأنوفِ، كأنَّ وجوهَهُم المجَانُّ المُطْرَقة)). وهذا أبلغ مما قبله من الصور (متفق عليه). ٥٤١١ - (وعنه) أي عن أبي هريرة رضي الله عنه (قال: قال رسول الله وَطاهر: لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا قوماً نعالهم الشعر) بفتحتين وسكون العين، أي من جلود مشعرة غير مدبوغة. (وحتى تقاتلوا الترك) قال السدي: من الترك شرذمة يأجوج ومأجوج، عن قتادة أنهم كانوا ثنتين وعشرين [قبيلة بني ذو القرنين السد على إحدى وعشرين وبقيت واحدة وهي الترك، سموا بذلك لأنهم تركوا خارجين. (صغار الأعين) بالنصب، وهو من أمارات الحرص على أمتعة الدنيا صغيرها وحقيرها والبخل على نقيرها وقطميرها (خمر الوجوه) أي من شدة حرارة باطنهم وغليان الغضب في أجوافهم (ذلف الأنوف) بضم الذال المعجمة أي صغيرها، فيكون كناية عن عدم شمومهم الجق أو عريضها فيدخل فيها الحق والباطل من غير تمييز لهم بينهما. والأظهر أن معناه فطس الأنوف كما في الرواية الآتية جمع أفطس من الفطس بالتحريك، وهو تطامن قصبة الأنف وانخفاضها وانتشارها فيرجع إلى معنى عريضها. وقال القاضي: ذلف جمع أذلف وهو الذي يكون أنفه صغيراً ويكون في طرفه غلظ. (كأن) بتشديد النون (وجوههم المجان) بفتح الميم وتشديد النون جمع المجن بكسر الميم وهو الترس. (المطرقة) بضم الميم وفتح الراء المخففة المجلدة طبقاً فوق طبق. وقيل هي التي ألبست طراقاً أي جلداً يغشاها، وقيل هي اسم مفعول من الأطراق وهو جعل الطراق بكسر الطاء أي الجلد على وجه الترس. اهـ. شبه وجوههم بالترس لتبسطها وتدويرها، وبالمطرقة لغلظها وكثرة لحمها. وفيه إشارة إلى أنهم لكبر وجوههم وإدارتها وكثرة لحمها ويبوستها أبوا الوجوه الطامعة في المال والأهل ليس فيها لينة الإِنسانية ولا ملاءمة الإِحسانية، بل كأنهم نوع آخر من جنس الناس ينبغي أن يقال إنهم نسناس، ويكفي في ذمهم أنهم فضلة يأجوج ومأجوج ومن إخوانهم وأنموذج وعينة من أعيانهم فلا شك أنهم يكونون في غاية من الفساد ونهاية من الضرر للعباد والبلاد (١). ولا أرانا الله وجوههم إلى يوم الميعاد. قال القاضي [رحمه الله ]: وقد ورد ذلك في الحديث الذي بعده صفة لخوز وكرمان ولو لم يكن ذلك من بعض الرواة، فلعل المراد الحديث رقم ٥٤١١: أخرجه البخاري في صحيحه ١٠٤/٦. حديث رقم ٢٩٢٨. ومسلم في صحيحه ٤/ ٢٢٣٣ حديث رقم (٢٩١٢.١١). أخرجه أبو داود في السنن ٤٨٦/٤ حديث رقم ٤٣٠٤. والترمذي في السنن ٤٣٠/٤ حديث رقم ٢٢١٥. والنسائي ٢٤/٦ حديث رقم ٣١٧٧. وابن ماجه ١٣٧١/٢ حديث رقم ٤٠٩٦. وأحمد في المسند ٢٣٩/٢. (١) في المخطوطة ((البلاد والعباد)). ٤٧ پیو ، كتاب الفتن/ باب الملاحم متفق عليه. ٥٤١٢ - (٣) وعنه، قال: قال رسول الله وَليقول: ((لا تقومُ الساعةُ حتى تُقاتلوا خوزاً وكرمان من الأعاجم، حمر الوجوه، فطس الأنوف، صغار الأعين، وجوههم المجانُ المُطرقة، نعالهم الشعر)). رواه البخاري. ٥٤١٣ - (٤) وفي رواية له عن عمرو بن تغلب بهما صفتان من الترك كان أحد أصول أحدهما من خوز وأحد أصول الآخر من كرمان فسماهم الرسول و ﴿ باسمه وإن لم يشتهر عندنا، كما نسبهم إلى قنطوراء وهي أمة كانت لإبراهيم عليه [الصلاة ]والسلام. ولعل المراد بالموعود في الحديث ما وقع في هذا العصر بين المسلمين والترك. اهـ. والأقرب أنه إشارة إلى قضية جنكيز(١) وما وقع له من الفساد وخصوصاً في بغداد والله رؤوف بالعباد (متفق عليه). ٥٤١٢ - (وعنه) أي عن أبي هريرة رضي الله عنه (قال: قال رسول الله وَل جر: لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا خوزاً) بضم الخاء المعجمة وسكون الواو وبالزاي في القاموس الخوز بالضم. جيل من الناس واسم لجميع بلاد خوزستان. (وكرمان) بكسر الكاف وتفتح وكذا ضبط في النسخ المصححة، لكن في القاموس كرمان وقد يكسر أو لحن، إقليم بين فارس وسجستان. وقال التوربشتي [رحمه الله]: الخوز جيل من الناس وإنما جاء في الحديث منوناً بسكون وسطه هكذا. وقد ذكر ابن الأثير بالخاء المعجمة المضمومة وبالزاي مع الإضافة. يقال: خوز كرمان من غير واو العطف، قال: وروي خوز وكرمان. قال: والخوز جيل معروف وكرمان صقع معروف في العجم. ويروى بالراء المهملة وهو من أرض فارس وصوّبه الدار قطني [رحمه الله]: وقيل: إنه إذا أضيف به فبالراء وإذا عطف فبالزاي نقله الجزري. (من الأعاجم) بيان لهما. قال شارح: المراد صنفان من الترك سماهما باسم أبويهما ولا نحمله على أهل خوزستان وكرمان لأنهم لم يوجدوا على النعت المذكور في الحديث، بل وجد عليه الترك. (حمر الوجوه فطس الأنوف صغار الأعين وجوههم المجان المطرقة نعالهم الشعر. رواه البخاري). ٥٤١٣ - (وفي رواية له) أي للبخاري (عن [عمرو بن ]تغلب): بالتاء فوقها نقطتان وبالغين المعجمة وهو غير منصرف. قال المؤلف في فصل الصحابة: هو العبدي بن عبد (١) هو جنكيز خان ويعرف بـ ((تيموجين)). ودخل هولاكو بغداد عام (٦٥٦). واعمل السيف بها. وهولاكو هو حفيد جنكيز خان. فتح سورية وإيران. وقضى على الخلافة العباسية في بغداد. [ راجع تاريخ الخلفاء ص ٤٣٨.٤٣٠ ]. الحديث رقم ٥٤١٢: أخرجه البخاري في صحيحه ٦٠٤/٦. حديث رقم ٣٥٩٠. وابن ماجه في السنن ٢/ ١٣٧٢ حديث رقم ٤٠٩٨. وأحمد في المسند ٣١٩/٢. الحديث رقم ٥٤١٣: البخاري في صحيحه ١٠٣/٦ حديث رقم ٢٩٢٧. ا .هټ،۵ بجدة ٤٨ .... كتاب الفتن/ باب الملاحم «عراض الوجوه)). ٥٤١٤ _ (٥) وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله وَلّى: ((لا تقومُ الساعةُ حتى يُقاتل المسلمون اليهود، فيقتلهم المسلمون، حتى يختبىء اليهودي من وراء الحجر والشجر، فيقول الحجر والشجر: يا مسلم! يا عبد الله! هذا يهوديّ خلفي، فتعال فاقتله، إِلا الغرقد فإنه من شجر الیهود». رواه مسلم. ٥٤١٥ _ (٦) وعنه، قال: قال رسول الله وَليقول: ((لا تقومُ الساعةُ حتى يخرجَ رجلٌ من قحطانَ يسوقَ الناسَ بعصاه)). متفق عليه. القيس، روى عنه الحسن البصري وغيره. (عراض الوجوه) بالنصب على الحكاية وبالرفع على الإعراب لكونه مبتدأ لخبر مقدم. ٥٤١٤ _ (وعنه) أي عن أبي هريرة رضي الله عنه نظراً إلى أن مرجع الضمير إلى المضمون السابق. وفي نسخة صحيحة: وعن أبي هريرة بالإظهار لئلا يتوهم عود الاضمار إلى الصحابي اللاحق، فإنه لقربه ربما يظن أنه الأحق بمرجع اللاحق. (قال: قال رسول الله إليه : لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود فيقتلهم) أي غالبهم أو فيغلبهم (المسلمون حتى يختبىء) أي يختفي (اليهودي من وراء الحجر والشجر فيقول الحجر والشجر:) أي كلاهما أو أحدهما (يا مسلم يا عبد الله) جمعاً بين الوصفين لزيادة التعظيم (هذا) أي تنبه ذا (يهودي خلفي فتعال فاقتله إلا الغرقد) استثناء من الشجر وهو نوع شجر ذو شوك يقال له العوسج، كذا ذكره شارح. وفي النهاية: هو ضرب من شجر العضاة وشجر الشوك ومنه قيل لبقيع (١) أهل المدينة بقيع الغرقد لأنه كان فيه غرقد وقطع. (فإنه من شجر اليهود) أضيف إليهم بأدنى ملابسة. قيل: هذا يكون بعد خروج الدجال حين يقاتل المسلمون من تبعه من اليهود. (رواه مسلم). ٥٤١٥ - (وعنه) أي عن أبي هريرة: (قال: قال رسول الله وَله: لا تقوم الساعة حتى يخرج رجل من قحطان) بفتح القاف وسكون الحاء، وهو أبو اليمن. وقيل قبيلة منهم. (يسوق الناس) أي لأجل حكمه (بعصاه) هذا عبارة عن تسخير الناس واسترعائهم كسوق الراعي غنمه بعصاه. قيل: لعل الرجل القحطاني هو الذي يقال له جهجاه على ما سيأتي. (رواه البخاري). الحديث رقم ٥٤١٤: أخرجه البخاري في صحيحه ١٠٣/٦ حديث رقم ٢٩٢٦. ومسلم في صحيحه ٤/ ٢٢٣٩. حديث رقم (٨٢ .٢٩٢٢) وأحمد في المسند ٤١٧/٢. (١) في المخطوطة ((المقبرة)). الحديث رقم ٥٤١٥: أخرجه البخاري في صحيحه ٥٤٥/٦٥. حديث رقم ٣٥١٧. ومسلم في صحيحه ٤/ ٢٢٣٢ حديث رقم (٢٩١٠.٦) وأحمد في المسند ٤١٧/٢. / ١١٣٢٤ / ٢٦٦: ١٠٠٠٠ ٤٩ كتاب الفتن/ باب الملاحم ٥٤١٦ - (٧) وعنه، قال: قال رسول الله وَلقول: ((لا تذهبُ الأيام والليالي حتى يملك رجل يقال له: الجهجاهُ)). وفي رواية: ((حتى يملك رجلٌ من الموالي يقال له: الجَهجاه). رواه مسلم. ٥٤١٧ - (٨) وعن جابر بن سمرة، قال: سمعت رسول الله وَ ل﴿ يقول: ((لتفتحنَّ عصابةٌ من المسلمين كنز آلٍ كسرى الذي في الأبيض)). رواه مسلم. ٥٤١٨ _ (٩) وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله وَالر: ((هلك كسرى ٥٤١٦ - (وعنه) أي عن أبي هريرة رضي الله عنه (قال: قال رسول الله وَله: لا تذهب الأيام والليالي) أي لا ينقطع الزمان ولا تأتي القيامة (حتى يملك رجل يقال له الجهجاه) قال النووي [رحمه الله ]: بفتح الجيم وسكون الهاء. وفي بعض النسخ الجهجها بهاءين، وفي بعضها الجهجا بحذف الهاء التي بعد الألف، والأوّل هو المشهور. (متفق عليه). (وفي رواية: حتى يملك رجل من الموالي) بفتح الميم جمع المولى أي المماليك. والمعنى: حتى يصير حاكماً على الناس (يقال له الجهجاه) قال الجزري: لم أجد هذه الرواية في واحد من الصحيحين نقله ميرك، فيكون من غير الصحيحين للاستشهاد والاعتضاد فلا يرد على المؤلف إيرادها في الفصل الأول لأن اختصاصه بحديث الشيخين إنما هو في الأصول. ٥٤١٧ - (وعن جابر بن سمرة قال: سمعت رسول الله وَلاير يقول: لتفتحن) بفتح الحاء، وفي نسخة صحيحة: لتفتتحن. قال التوربشتي [رحمه الله]: وجدناه في أكثر نسخ المصابيح بتاءين بعد الفاء، ونحن نرويه عن كتاب مسلم بتاء واحدة وهو أمثل معنى لأن الافتتاح أكثر ما يستعمل بمعنى الاستفتاح فلا يقع موقع الفتح في تحقيق الأمر، ووقوعه، والحديث إنما ورد في معنى الأخبار عن الكوائن. والمعنى: لتأخذن. (عصابة) بكسر العين أي جماعة من المسلمين (كنز آل كسرى) بكسر الكاف ويفتح، والآل مقحم أو المراد به أهله وأتباعه. (الذي في الأبيض) قال القاضي [رحمه الله ]: الأبيض قصر حصين كان بالمدائن وكانت الفرس تسميه سفيد كرشك والآن بني مكانه مسجد المدائن، وقد أخرج كنزه في أيام عمر رضي الله [تعالى] عنه. وقيل: الحصن الذي بهمدان بناه دارين دار يقال له شهرستان. (رواه مسلم). ٥٤١٨ - (وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَّر: هلك كسرى) جملة خبرية أي الحديث رقم ٥٤١٦: أخرجه مسلم في صحيحه ٢٢٣٢/٤ حديث رقم (٢٩١١.٦١) والترمذي في السنن ٤٣٧/٤ حديث رقم ٢٢٢٨. وأحمد في المسند ٣٢٩/٢. الحديث رقم ٥٤١٧: أخرجه مسلم في صحيحه ٢٢٣٧/٤ حديث رقم (٧٨ .٢٩١٩) وأحمد في المسند ١٠٠/٥. الحديث رقم ٥٤١٨: أخرجه البخاري في صحيحه ٦/ ١٥٧. حديث رقم ٣٠٢٧. ومسلم في صحيحه ٤/ ٢٢٣٧ حديث رقم (٧٦ .٢٩١٨). وأخرجه الترمذي في السنن ٤٣١/٤ حديث رقم ٢٢١٦. وأحمد في المسند ٣١٣/٢. ٥٠ كتاب الفتن/ باب الملاحم فلا يكون كسرى بعده، وقيصر ليهلكَنَّ ثم لا يكون قيصرُ بعده، ولتقسمنَّ كنوزُهما في سبيل الله)) وسمى ((الحرب خذعة)). متفق عليه. ١٠٠٠ سيهلك ملكه وإنما عبر عنه بالمضي لتحقق وقوعه وقربه أو دعاء وتفاؤل. (فلا يكون كسرى) وفي نسخة بالتنوين حيث أريد به التنكير. (بعده) أي بعد كسرى الموجود في زمنه وَالر. والمعنى: لا يملك مُلْك كسرى كافر بل يملكه المسلمون بعده إلى يوم القيامة (وقيصر) وهو ملك الروم مبتدأ وخبره ليهلكن والتغاير بينهما للتفنن أو عطف على كسرى. وأتى بقوله: (ليهلكن) للتأكيد مع زيادة المبالغة المستفادة من لام القسم ونون التأكيد (ثم لا يكون قيصر) بالوجهين أي قيصر آخر (بعده) أي بعد الأول. قال الطيبي [رحمه الله ]: هلاك كسرى وقيصر كانا متوقعين فأخبر عن هلاك كسرى بالماضي دلالة على أنه كالواقع بناء على إخبار الصادق، وأتى في الإخبار عن قيصر بلام القسم في المضارع وبني الكلام على المبتدأ والخبر إشعاراً لاهتمامه بالاعتناء بشأنه وأنه أطلب منه، وذلك أن الروم كانوا سكان الشام وكان ير في فتحه أشد رغبة، ومن ثم غزا بَّر تبوك وهو من الشام. أقول: لما كان هلاك كسرى قبل قيصر بحسب وقائع الحال فناسب أن يعبر عن الأول بالماضي وعن الثاني بالاستقبال. (ولتقسمن) بصيغة المجهول مخففاً (كنوزهما) أي كنز كل منهما (في سبيل الله. وسمى) عطف على قال رسول الله وَطير، أي قال الراوي وسمى النبي ◌َّ (الحرب خدعة) بفتح الخاء وضمها مع سكون الدال وبضم الخاء مع فتح الدال على ما سبق مبناه وتحقق معناه. ومجمله ما في القاموس الحرب خدعة مثلثة وكهمزة، ورُوِيَ بهن جميعاً، أي ينقضي بخدعة هذا. والراوي جمع بين حديثين والظاهر أنهما وقعا في وقتين فلا يحتاج إلى طلب المناسبة بين إيرادهما معاً على أن في ذكره إشارة إلى أن هلاكهما وأخذ كنوزهما إنما يكون بالحرب، وربما يكون محتاجاً إلى خدعة فنية أصحابه إلى جوازها حتى لا يتوهموا أن الخدعة من باب الغدر والخيانة والله [تعالى ]أعلم. وقال الطيبي [رحمه الله]: فإن قلت: ما وجه المناسبة بين قوله وسمى الحرب خدعة وبين الكلام السابق. قلت: هو وارد على سبيل الاستطراد لأن أصل الكلام كان في ذكر الفتح وكان حديثاً مشتملاً على الحرب فأورده في الذكر كما أورد قوله تعالى: ﴿ومن كل تأكلون لحماً طرياً﴾. بعد قوله: ﴿وما يستوي البحران هذا عذب فرات﴾ [فاطر - ١٢]. إذ المراد منهما المؤمن والكافر. قلت: فقوله: من كل تأكلون. إشارة إلى تكميل التشبيه وتتميم وتذييل وهو إفادة أنه ينتفع بهما ونظام العالم بوجودهما، بل هما الدالان على مظهر الجمال والجلال وهما صفتا الكمال وعليهما مدار الكونين ومآل الفريقين كما دل عليهما مثال البحرين حيث قال: ﴿هذا عذب فرات وهذا ملح أجاج ﴾ [الفرقان - ٥٣]. فكل في بابه في غاية من الكمال، يضل من يشاء ويهدي من يشاء ويعذب من يشاء ويغفر لمن يشاء وهو على كل شيء قدير. (متفق عليه). சபா ٥١ كتاب الفتن/ باب الملاحم ٥٤١٩ - (١٠) وعن نافع بن عتبة، قال: قال رسول الله وَله: ((تغزون جزيرة العرب فيفتحها الله، ثمَّ فارس فيفتحها الله، ثمَّ تغزونَ الروم فيفتحها الله، ثم تغزون الدجال فيفتحه الله)). رواه مسلم. ٥٤٢٠ - (١١) وعن عوف بن مالك، قال: أتيتُ النبيَّ وَلّ في غزوة تبوك وهو في قبَّةٍ من أدَم فقال: ((اعدد ستاً بينَ يدي الساعة: موتي، ثمَّ فتح بيت المقدس، ثمَّ موتان يأخذ فيكم كفُعاص الغنم ٥٤١٩ - (وعن نافع بن عتبة) أي ابن أبي وقاص الزهري القرشي يعرف بالمرقال بكسر الميم وسكون الراء وبالقاف، وهو ابن أخي سعد بن أبي وقاص صحابي من مسلمة الفتح من المؤلفة. روى عنه ابن عمر وجابر بن سمرة نقله ميرك عن التصحيح. (قال: قال رسول الله وَل : تغزون) أي بعدي (جزيرة العرب) وقد سبق تفسيرها وتحريرها وتقريرها. ومجمله على ما حُكِيَ عن مالك مكة والمدينة واليمامة واليمن. فالمعنى بقية الجزيرة أو جميعها بحيث لا يترك كافر فيها. (فيفتحها الله) أي عليكم (ثم فارس) أي ثم تغزونها (فيفتحها الله ثم تغزون الروم فيفتحها ثم تغزون الدجال) الخطاب فيه للصحابة، والمراد الأمة: (فيفتحه الله) أي يجعله مقهوراً مغلوباً ويقع هلاكه على أيدي بني إسرائيل لمعاونة الأمة وأنزل لمساعدة الملة (رواه مسلم) أي في الفتن من حديث جابر بن سمرة عن نافع بن عتبة ولفظه: حفظت من رسول الله أربع كلمات عدهن في يدي قال: تغزون جزيرة العرب فيفتحها الله الخ. والعجب أن الحاكم أخرجه في مستدركه على الصحيح وقال: على شرط مسلم. وأقره الذهبي نقله ميرك عن التصحيح. وفيه أن الظاهر هو أن الحاكم رواه بإسناد آخر رجاله رجال مسلم فيكون مستدركاً ولا يكون مستدركاً. พัสฯ ٥٤٢٠ - (وعن عوف بن مالك رضي الله عنه) أي الأشجعي صحابي مشهور (قال: أتيت النبي 188 في غزوة تبوك وهو في قبة) أي خيمة (من أدم) بفتحتين أي من جلد (فقال: اعدد) أي احسب وعد (ستاً) أي من العلامات الواقعة (بين يدي الساعة) أي قدامها (موتي) أي فوتي بانتقالي من دار الدنيا إلى الأخرى لأنه أول زوال الكمال بحجاب الجمال. (ثم فتح بيت المقدس) بفتح ميم وسكون قاف وكسر دال. وفي نسخة بضم ففتح فتشديد. (ثم موتان) بضم الميم، أي وباء (يأخذ فيكم) أي يتصرف في أبدانكم (كقعاص الغنم) بضم القاف داء يأخذ الغنم فلا يلبثها أن تموت. قال التوربشتي [رحمه الله ]: أراد بالموتان الوباء وهو في الأصل موت يقع في الماشية [والميم منه مضمومة واستعماله في الإِنسان تنبيه على وقوعه فيهم وقوعه الحديث رقم ٥٤١٩: أخرجه مسلم في صحيحه ٢٢٢٥/٤ حديث رقم (٢٩٠٠.٣٨). وابن ماجه ٢/ ١٣٧٠ حديث رقم ٤٠٩١. وأحمد في المسند ٣٣٨/٤. الحديث رقم ٥٤٢٠: أخرجه البخاري في صحيحه ٢٧٧/٦. حديث رقم ٣١٧٦. ومسلم في صحيحه ١/ ٣٦٠ حديث رقم (٥٠٣.٢٤٩) وابن ماجه ١٣٤١/٢ حديث رقم ٤٠٤٢ وأحمد فى المسند ٢٤/٦. காளி ٥٢ كتاب الفتن/ باب الملاحم ثم استفاضةُ المال حتى يُعطى الرجل مائة دينار فيظلُّ ساخطاً، ثمَّ فتنةٌ لا يبقى بيت من العرب إِلا دخلته، ثمَّ هُدنة تكون بينكم وبين بني الأصفر فيغدرون، فيأتونكم تحت ثمانين غايةً، تحت كل غاية اثنا عشر ألفاً)). رواه البخاري. ٥٤٢١ - (١٢) وعن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ اللهِ وَّ: ((لا تقومُ الساعةُ حتى تنزل الرومُ بالأعماق أو بدابق في الماشية ]. فإنها تسلب سلباً سريعاً وكان ذلك في طاعون عمواس زمن عمر بن الخطاب رضي الله [تعالى ] عنه وهو أول طاعون وقع في الإِسلام، مات منه سبعون ألفاً في ثلاثة أيام. وعمواس قرية من قرى بيت المقدس وقد كان بها معسكر المسلمين. (ثم استفاضة المال) أي كثرته في شرح السنة وأصله التفرق والانتشار. يقال: استفاض الحديث إذا انتشر. وفي النهاية: هو من فاض الماء والدمع وغيرهما إذا كثر. (حتى يعطى الرجل مائة دينار فيظل) بالرفع وجوز النصب، أي فيصير. (ساخطاً) أي غضبان لعده المائة قليلاً. وهذه الكثرة ظهرت في خلافة عثمان رضي الله (تعالى )عنه عند الفتوح، وأما اليوم فبعض أهل زماننا يعدون الألف قليلاً ويحقرونه (ثم فتنة) أي بلية عظيمة. قيل: هي مقتل عثمان وما بعده من الفتن المترتبة عليها. (لا يبقى بيت من العرب إلا دخلته) قيل: المراد من بيوت أمته. وإنما خص العرب لشرفها وقربها منه، ففيه نوع تغليب أو إيماء إلى ما قيل: إن من أسلم فهو عربي. (ثم هدنة) أي مصالحة (تكون بينكم وبين بني الأصفر) أي الأروام سموا بذلك لأن أباهم الأول وهو الروم بن عيصو بن يعقوب بن إسحاق، كان أصفر في بياض. وقيل: سموا باسم رجل أسود ملك الروم فنكح من نسائها فولد له أولاد في غاية الحسن فنسب الروم إليه. (فيغدرون) أي ينقضون عهد الهدنة (فيأتونكم تحت ثمانين غاية) أي راية وهي العلم. قال الطيبي [رحمه الله ]: ومن رواه بالباء الموحدة أراد بها الأجمة، فشبه كثرة رماح العسكر بها، (تحت كل غاية اثنا عشر ألفاً) أي ألف فارس. قال الأكمل: جملته سبعمائة ألف وستون ألفاً. (رواه البخاري) وكذا ابن ماجه والحاكم في المستدرك وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وأقره الذهبي. وهذا أيضاً من الوهم فإن الحديث في صحيح البخاري في كتاب الجهاد في باب ما يجوز من الغدر، نقله ميرك عن التصحيح. وقدمت ما يدفع عنه والله (تعالى ]أعلم بالصحيح. ٥٤٢١ - (وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَلاغير: لا تقوم الساعة حتى تنزل الروم بالأعماق) بفتح الهمزة. قال التوربشتي [رحمه الله]: العمق ما بعد من أطراف المفاوز، وليس الأعماق ههنا بجمع وإنما هو اسم موضع بعينه من أطراف المدينة. (أو بدابق) بفتح الموحدة وقد تكسر ولا يصرف وقد يصرف. قال التوريشتي [رحمه الله]: هو بفتح الباء دار نخلة موضع سوق بالمدينة. وفي المفاتيح: هما موضعان، أو شك من الراوي. وقال الجزري: دابق بكسر الموحدة وهو الصواب وإن كان عياض في المشارق ذكر فيه الفتح ولم يذكر غيره. الحديث رقم ٥٤٢١: أخرجه مسلم في صحيحه ٢٢٢١/٤ حديث رقم (٢٨٩٧.٣٤). ,٠۵١٤ ٥٣ كتاب الفتن/ باب الملاحم فيخرجُ إليهم جيشٌ من المدينة، من خيار أهل الأرض يومئذ، فإذا تصافُوا قالت الروم: خَلُّوا بينَنَا وبينَ الذين سَبَوْا منَّا نقاتلهم، فيقول المسلمون: لا والله لا نخلي بينكم وبين إِخواننا، فيقاتلونهم، فيَنهزمُ ثُلثّ لا يتوبُ اللَّهُ عليهم أبداً، ويقتلُ ثُلُهم أفضلَ الشهداء عند الله، ويفتتح الثلثُ لا يفتنون أبداً فيفتتحون قسطنطينية، وهو موضع معروف من عمل حلب ومرج دابق مشهور. قال صاحب الصحاح: إلا غلب التذكير والصرف لأنه في الأصل اسم قال، وقد يؤنث ولا يصرف. اهـ. والذي يؤنثه ولا يصرفه يريد به البقعة. قلت: وفي القاموس دابق كصاحب موضع بحلب، لكن المضبوط في النسخ بغير صرف. (فيخرج) بالنصب ويرفع (إليهم جيش من المدينة) قال ابن الملك: قيل: المراد بها حلب، والأعماق ودابق موضعان بقربه. وقيل: المراد بها دمشق. وقال في الأزهار: وأما ما قيل من أن المراد بها مدينة النبي ◌َّلر فضعيف، لأن المراد بالجيش الخارج إلى الروم جيش المهدي بدليل آخر الحديث ولأن المدينة المنوّرة تكون خراباً في ذلك الوقت. (من خيار أهل الأرض) بيان للجيش (يومئذ) احتراز من زمنه وَلــ (فإذا تصافوا) بتشديد الفاء المضمومة (قالت الروم: خلوا بيننا وبين الذين سبوا منا) على بناء الفاعل (نقاتلهم) يريدون ذلك مخاتلة المؤمنين ومخادعة بعضهم عن بعض ويبغون به تفريق كلمتهم، والمرادون بذلك هم الذين غزوا بلادهم فسبوا ذريتهم كذا ذكره التوربشتي [رحمه الله]: وهو الموافق للنسخ والأصول. قال ابن الملك: وروي بسبوا ببناء المجهول. قال القاضي: ببناء المعلوم هو الصواب. وقال النووي [رحمه الله]: كلاهما صواب لأن عساكر الإسلام في بلاد الشام ومصر كانوا مسبيين، ثم هم اليوم بحمد الله يسبون الكفار. قال التوربشتي: والأظهر هذا القول منهم يكون بعد الملحمة الكبرى التي تدور رحاها بين الفئتين بعد المصالحة والمناجزة لقتال عدو يتوجه إلى المسلمين، وبعد غزوة الروم لهم وذلك قبل فتح قسطنطينية، فيطأ الروم أرض العرب حتى ينزل بالأعماق، أو بدابق فيسأل المسلمين أن يخلوا بينهم وبين من سبى ذريتهم فيردون الجواب على ما ذكر في الحديث. (فيقول المسلمون: لا والله لا نخلي بينكم وبين إخواننا فيقاتلونهم) أي المسلمون الكفرة (فينهزم ثلث) أي من المسلمين (لا يتوب الله عليهم أبداً) كناية عن موتهم على الكفرة وتعذيبهم على التأبيد (ويقتل ثلثهم أفضل الشهداء) بالرفع على تقدير مبتدأ هو هم. وفي نسخة بالنصب على أنه حال (ويفتح الثالث) أي الباقي من المسلمين (لا يفتنون) أي لا يبتلون ببلية أو لا يمتحنون بمقاتلة، أو لا يعذبون. (أبداً) ففيه إشارة إلى حسن خاتمتهم. (فيفتتحون) الفاء تعقيبية أو تفريعية. قال ابن الملك: وفي نسخة فيفتحون بتاء واحدة وهو الأصوب، لأن الافتتاح أكثر ما يستعمل في معنى الاستفتاح فلا يقع موقع الفتح. قلت: سبق مثل هذا في كلام التوربشتي، لكن الظاهر أن فيه إيماء إلى أن الفتح كان بمعالجة تامة . وفي القاموس: فتح كمنع ضد أغلق كفتح وافتتح والفتح النصر وافتتاح دار الحرب والاستفتاح الاستنصار والافتتاح. والمعنى: فيأخذون من أيدي الكفار. (قسطنطينية) وهي بضم القاف وسكون السين وضم الطاء الأولى وكسر الثانية وبعدها ياء ساكنة ثم نون. قال النووي [رحمه الله] : هكذا ضبطناه ههنا وهو المشهور. ونقل القاضي [رحمه الله] في المشارق عن المتقنين ٥٤ كتاب الفتن/ باب الملاحم فبينا هم يقتسمون الغنائم قد علقوا سيوفهم بالزيتون، إِذْ صاح فيهم الشيطان: إِنَّ المسيح قد خَلَفَكُم في أَهْلِيكُم فيخرجون، وذلك باطل، فإذا جاؤوا الشامَ خرجَ، فبينا هم يُعدُّونَ للقتالِ يسؤُّون الصفوف، إِذْ أُقيمت الصلاة، فينزل عيسى ابنُ مريم، فأمَّهُم، فإذا رآه عدو الله ذابَ كما يذوب الملح في الماءِ فلو تركه لانذابَ حتّى يهلك، ولكن يقتله الله بيده، فيريهم دمه في حزبته)). زيادة ياء مشددة بعد النون. قلت: ونسخ المشكاة متفقة على ما قاله عياض. [وفي] بعض النسخ زيادة ياء مخففة بدل ياء مشددة. فقد قال الجزري: ثم نون ثم ياء مخففة، وحكى بعضهم تشديدها وقال آخرون بحذفها. ونقله عياض عن الأكثرين، ثم هي مدينة مشهورة أعظم مدائن الروم. قال الترمذي: والقسطنطنية قد فتحت في زمن بعض أصحاب النبي وَلّر، وتفتح عند خروج الدجال. قال الحجازي في حاشية الشفاء: قسطنطينة وقسطنطينية، ويروى بلام التعريف دار ملك الروم وفيها ست لغات: فتح الطاء الأولى وضمها مع تخفيف الياء الأخيرة وتشديدها، مع حذفها وفتح النون وهذه بضم الطاء أكثر استعمالاً والقاف مضموم بكل حال. (فبينا هم) أي المسلمون (يقتسمون الغنائم قد علقوا سيوفهم بالزيتون) أراد الشجر المعروف، والجملة حال دال على كمال الأمن. (إذ صاح فيهم الشيطان) أي نادى بصوت رفيع (إن المسيح) بكسر الهمزة لما في النداء من معنى القول، ويجوز فتحها أي أعلمهم. والمراد بالمسيح ههنا الدجال. (قد خلفكم) بتخفيف اللام، أي قام مقامكم. (في أهليكم) أي في ذراريكم كما في رواية (فيخرجون) أي جيش المدينة من قسطنطينية (وذلك) أي القول من الشيطان (باطل) أي. كذب وزور (فإذا جاؤوا) أي المسلمون (الشام) الظاهر أن المراد به القدس منه لما في بعض الروايات تصريح بذلك. (خرج فبينا هم يعدون) بضم فكسر، أي يستعدون ويتهيؤون. (للقتال) فقوله: (يسوّون الصفوف) بدل منه (إذ أقيمت الصلاة) وفي نسخة صحيحة إذا بالألف، أي وقت إقامة المؤذن للصلاة. (فينزل عيسى ابن مريم) أي من السماء على منارة مسجد دمشق فيأتي القدس. (فأمهم) عدل إلى الماضي تحقيقاً (١) للوقوع وإشعاراً بجواز عطف الماضي على المضارع وعكسه، أي أم عيسى المسلمين في الصلاة ومن جملتهم المهدي. وفي رواية: قدم المهدي، معللاً بأن الصلاة إنما أقيمت لك وإشعاراً بالمتابعة وأنه غير متبوع استقلالاً، بل هو مقرر ومؤيد ثم بعد ذلك يؤم بهم على الدوام. فقوله: فأمهم، فيه تغليب أو تركب مجاز أي أمر إمامهم بالإِمامة ويكون الدجال حينئذ محاصراً للمسلمين. (فإذا رآه) أي رأى عيسى (عدوّ الله) بالرفع أي الدجال (ذاب) أي شرع في الذوبان (كما يذوب الملح في الماء، فلو تركه) أي لو ترك عيسى [عليه الصلاة والسلام] الدجال ولم يقتله، (لأنذاب حتى يهلك) أي بنفسه بالكلية (ولكن يقتله الله بيده) أي بيد عيسى [عليه الصلاة والسلام] (فيريهم) أي عيسى (عليه الصلاة والسلام] أو الله تعالی المسلمین أو الکافرین أو جمیعهم. (دمه) أي دم الدجال (في حربته) أي في حربة عیسی (١) في المخطوطة ((تحقق)). 515 كتاب الفتن/ باب الملاحم ٥٥ 443 رواه مسلم. ٥٤٢٢ - (١٣) وعن عبد الله بن مسعود، قال: إِنَّ الساعةَ لا تقومُ حتى لا يُقْسَمَ ميراثٌ، ولا يُفرحَ بغنيمةٍ. ثم قال: عدوٌّ يجمعون لأهلِ الشام ويجمع لهم أهلُ الإِسلام، يعني الروم، فيتشرَّطُ المسلمون شُرْطَةٌ للموت لا ترجعُ إِلا غالبةً، ٦/٠٠٠٠١ [عليه الصلاة والسلام] وهو رمح صغير. وقد روى الترمذي عن مجمع بن جارية مرفوعاً: يقتل ابن مريم الدجال باب له (١). والمشهور أنه من أبواب مسجد القدس. وفي النهاية: هو موضع بالشام، وقيل بفلسطين ذكره السيوطي [رحمه الله] في شرحه للترمذي. ولعل الدجال يهرب من بيت المقدس بعدما كان محاصراً فيلحقه عيسى (عليه الصلاة والسلام] في أحد الأماكن فيقتله والله [تعالى] أعلم. (رواه مسلم) أي بهذا السياق. وروى البخاري عن خروج الدجال ونزول عيسى عليه [الصلاة] والسلام، كذا ذكره ميرك عن التصحيح. ٥٤٢٢ - (وعن عبد الله بن مسعود قال: إن الساعة لا تقوم حتى لا يقسم ميراث) أي من كثرة المقتولين، وقيل من كثرة المال والأول أصح كذا في الأزهار. وقيل: حتى يوجد وقت لا يقسم فيه ميراث لعدم من يعلم الفرائض. وأقول: لعل المعنى أنه يرفع الشرع فلا يقسم ميراث أصلاً أو لا يقسم على وفق الشرع كما هو مشاهد في زماننا. ويحتمل أن يكون معناه أنه من قلة المال وكثرة الفقراء لا يقسم ميراث بين الورثة، إما لعدم وجود شيء أو لكثرة الديون المستغرقة، أو لأن أصحاب الأموال تكون ظلمة فيرجع مالهم إلى بيت المال فلا يبقى لأولادهم نصيب في المال ولا لهم خلاق في المآل والله [تعالى] أعلم بالحال. ويؤيده قوله: (ولا يفرح) بصيغة المجهول، أي ولا يفرح أحد. (بغنيمة) إما لعدم العطاء أو ظلم الظلمة وإما للغش والخيانة فلا يتهنأ بها أهل الديانة. ومن القواعد المقررة أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب فلا يضره ما ذكره الراوي. (ثم قال:) أي ابن مسعود (عدوّ) أي من الروم أو عدو كثير وهو مبتدأ خبره، (يجمعون) أي الجيش والسلاح (لأهل الشام) أي لمقاتلة أهل الشام (ويجمع لهم) أي لقتال العدو (أهل الإسلام يعني) أي قال الراوي يريد ابن مسعود بالعدو (الروم فيتشرَّط المسلمون) من باب التفعل استعمل تشرط مكان اشترط. يقال: اشترط فلان بنفسه لأمر كذا، أي قدمها وأعلمها وأعدها، وأشرط نفسه للشيء أعلمه. ويروى فيشترط المسلمون، أي يهيؤون ويعدون. (شرطة) بضم الشين وسكون الراء طائفة من الجيش تتقدم للقتال وتشهد الواقعة، سموا بذلك لأنهم كالعلامة للجيش. وقوله: (للموت) أي للحرب وفيه نوع تجريد. ففي القاموس: الشرطة واحد الشرط كصرد وهم كتيبة تشهد الحرب وتتهيأ للموت وطائفة من أعوان الولاة. اهـ. والمراد هنا المعنى الأول. وقيل: سموا بها لأنهم يشترطون أن يتقدموا ويعدواً أنفسهم للهلكة. ويؤيده قوله: (لا ترجع) أي تلك الشرطة (إلا غالبة) فالجملة (١) الترمذي في السنن ٤/ ٤٤٧ حديث رقم ٢٢٤٤. الحديث رقم ٥٤٢٢: أخرجه مسلم في صحيحه ٢٢٢٣/٤ حديث رقم (٢٨٩٩.٣٧). مقصود ٥٦ ١ كتاب الفتن/ باب الملاحم فيقتتلون، حتى يحجزَ بينَهُم الليلُ، فيفيء هؤلاءِ وهؤلاءٍ، كل غير غالب، وتفنى الشرطة، ثم يتشرط المسلمون شرطة للموت لا ترجع إِلاَّ غالبة، فيقتتلون، حتى يحجز بينهم الليل، فيفي هؤلاءِ وهؤلاءٍ، كل غير غالب، وتفنى الشرطة، ثم يتشرط المسلمون شرطة صفة شرطة كاشفة مبينة موضحة. والمعنى: أن المسلمين يبعثون مقدمتهم على أن لا ينهزموا بل يتوقفوا ويثبتوا إلى أن يقتلوا أو يغلبوا. (فيقتتلون) أي المسلمون والكفار (حتى يحجز) بضم جيم ويكسر، أي يمنع. (بينهم الليل) أي دخوله وظلامه فيتركون القتال (فيفيء) مضارع من الفيء بمعنى الزوال، أي يرجع (هؤلاء) أي المسلمون (وهؤلاء) أي الكافرون (كل) أي من الفريقين (غير غالب) أي وغير مغلوب (وتفنى) أي تهلك وتقتل (الشرطة) أي جنسها من الجانبين. والحاصل أنه يرجع معظم الجيش وصاحب الرايات من الطرفين ولم يكن لأحدهما غلبة على الآخر وتفنى شرطة الطرفين، وإلا لكانت الغلبة لمن تفنى شرطهم، وقد قال كل غير غالب. هذا وفي بعض النسخ المصححة شرطة بفتح الشين، فقال السيد جمال الدين: اعلم أن لفظ الشرطة يحتمل وجهين، إن كان الشين فيها (١) مفتوحة فمعناه يشترطون معهم شرطة واحدة ومعنى فيئهما زوالهما بسبب دخول الليل، وإن كانت مضمومة فالمراد منها طائفة هي خيار الجيش ففيه إشكال من حيث إن الشرطة إذا فاءت غير غالبة لم تفن، إذ لو فنيت غير غالبة فكيف قال: فيفي هؤلاء وهؤلاء كل غير غالب وتفنى الشرطة، ويمكن أن يقال كان مع الشرطة جمع آخر من الجيش وهم الراجعون غير غالبين لا الشرطة، أو كان سائر المسلمين في كل يوم مع الشرطة ذلك اليوم، فالراجع سائرهم دونها. اهـ. والمعتمد ما قدمناه، ثم يؤيد ما قررناه ما ذكره الطيبي [رحمه الله] حيث قال في الفائق: يقال: شرط نفسه لكذا إذا أعلمها له وأعدها، فحذف المفعول والشرط نخبة الجيش وصاحب رايتهم لا النفر الذين تقدموا وهم الشرطة. وقوله: فيتشرط فإنه في الحديث كذلك استعمل تشرط مكان اشترط. يقال: اشترط فلان بنفسه لأمر كذا، أي قدمها وأعدها وأعلمها. ولو وجدت الرواية بفتح الشين من الشرط لكان معناها أوضح وأقوم مع قوله: وتفنى الشرطة، أي يشترطون فيما بينهم شرطاً أن لا يرجعوا إلا غالبة، يعني يومهم ذلك فإذا حجر بينهم الليل ارتفع الشرط الذي شرطوه. وإنما أدخل فيه التاء لتدل على التوحيد، أي يشترطون شرطة واحدة لا مثنوية فيها ولا نعرف ذلك من طريق الرواية. فقال الطيبي [رحمه الله] : إذا وجدت الرواية الصريحة الصحيحة وجب الذهاب إليها والانحراف عن التحريف من ضم الشين إلى فتحها والتزام التكلف في تأويل التاء والعدول عن الحقيقة في نفي الشرطة إلى ذلك المجاز البعيد، وأي مانع من أن يفرض أن الفئة العظيمة من المسلمين أفرزوا من بينهم طائفة تتقدم الجيش للمقاتلة واشترطوا عليها أن لا ترجع إلا غالبة فلذلك بذلوا جهدهم وصدقوا فيما عاهدوا وقاتلوا حتى قتلوا عن آخرهم، وهو المراد من قولهم: وتفنى الشرطة. قال الجوهري: قد شرط عليه كذا واشترط عليه وشرط. وقوله: فيفيء هؤلاء وهؤلاء، المراد منهما الفئتان العظيمتان لا الشرطة. (ثم يتشرط المسلمون شرطة) أي (١) في المخطوطة ((منها). ٠٢٠١٠ ٠٠٦٠ ٥٧ كتاب الفتن/ باب الملاحم ٦٫٣٥ ٠٠٣٣٧ للموت لا ترجع إِلا غالبة، فيقتتلون حتى يمسوا، فيفيء هؤلاءِ وهؤلاءٍ، كل غير غالب وتفنى الشرطة فإذا كان يوم الرابع نَهَد إِليهم بقيةُ أهلِ الإِسلام فيجعلُ الله الدَّبَرةَ عليهم، فيقتلون مقتلة لم يُر مثلها، حتى إِن الطائر ليمرُّ بجنباتهم فلا يخلّفهم حتى يخرّ ميّتاً، فيتعاد بنو الأب كانوا مائة فلا يجدونه بقي منهم إِلا الرجل الواحد، فبأي غنيمة يفرح ثالثة (للموت لا ترجع إلا غالبة فيقتتلون حتى يحجز بينهم الليل فيفيء هؤلاء وهؤلاء كل غير غالب وتفنى الشرطة ثم يتشرط المسلمون شرطة) أي ثالثة (للموت لا ترجع إلا غالبة فيقتتلون حتى يمسوا) أي يدخلوا في المساء بأن يدخل الليل، ففي العبارة تفنن. (فيفيء هؤلاء وهؤلاء كل غير غالب وتفنى الشرطة. فإذا كان يوم الرابع نهد إليهم) أي نهض وقام وقصد [إلى] قتالهم (بقية أهل الإسلام فيجعل الله الدبرة) بفتح المهملة والموحدة اسم من الإدبار، ورُوِيّ الدابر وهي بمعنى الأولى أي الهزيمة. (عليهم) أي على الكفار. وقال شارح: أي على الروم. (فيقتتلون) من باب الافتعال هذا هو الصحيح الموجود في أكثر النسخ المعتمدة. وفي نسخة: فيقتلون بصيغة المجهول من الثلاثي، وهذا مبني لما توهم من أنه متعلق بقوله: فيجعل الله، والحال أن الأمر خلاف ذلك بل هو متعلق بمجموع ما تقدم والله [تعالى] أعلم. وقوله: (مقتلة) مفعول مطلق من غير بابه، أو بحذف زوائده، ونظيره قوله تعالى: ﴿والله أنبتكم من الأرض نباتاً﴾ [نوح - ١٧]. والمعنى مقاتلة عظيمة. (لم ير) أي لم يبصر أو لم يعرف (مثلها حتى أن الطائر) بكسر الهمزة وتفتح (ليمر) أي ليريد المرور (بجنباتهم) بجيم فنون مفتوحين [فموحدة] أي بنواحيهم (فلا) وفي نسخة صحيحة: فما (يخلفهم) بكسر اللام المشددة من خلفت فلاناً ورائي إذا جعلته متأخراً عنك. والمعنى فلا يجاوزهم. (حتى يخر) بكسر معجمة وتشديد راء، أي حتى يسقط الطائر (ميتاً) بتشديد التحتية ويخفف. قال المظهر: يعني يطير الطائر على أولئك الموتى فما وصل إلى آخرهم حتى يخر ويسقط ميتاً من نتنهم أو من طول مسافة مسقط الموتى. وقال الطيبي [رحمه الله تعالى] : والمعنى الثاني ينظر إلى قول البحتري في وصف بركة: لبعد ما بين قاصيها ودانيها لا يبلغ السمك المجصور غايتها (فيتعاد) بصيغة المعلوم، وقيل بالمجهول من باب التفاعل والمعنى يعد. (بنو الأب) أي جماعة حضروا تلك الحرب كلهم أقارب (كانوا مائة فلا يجدونه) الضمير المنصوب لمائة بتأويل المعدود أو العدد، أي فلا يجدون عددهم أو لبني الأب لأنه ليس بجمع حقيقة لفظاً، بل معنى، كذا قيل: والحاصل أن بني الأب بمعنى القوم والقوم مفرد اللفظ جمع المعنى فروعي كل منهما حيث قال: فلا يجدونه. (بقي منهم إلا الرجل الواحد) وخلاصة المعنى أنهم يشرعون في عد أنفسهم فيشرع كل جماعة في عد أقاربهم فلا يجدون من مائة إلا واحداً، وزبدته أنه لم يبق من مائة إلا واحد. (فبأي غنيمة يفرح) الفاء تفريعية أو فصيحة. قال الطيبي [رحمه الله] : هو جزاء شرط محذوف أبهم أولاً في قوله: أن الساعة لا تقوم حتى لا يقسم ميراث ولا يفرح بغنيمة. حيث أطلقه، ثم بينه بقوله: امد. د ٥٨ كتاب الفتن/ باب الملاحم أو أيّ ميراث يقسم؟ فبينا هم كذلك إذ سمعوا ببأس هو أكبر من ذلك، فجاءهم الصريخ: إن الدجّال قد خلفهم في ذراريّهم، فيرفضون ما في أيديهم، ويُقبلون فيبعثون عشر فوارِس طليعة)). قال رسول الله وَلّر: ((إني لأعرفُ أَسماءهم وأسماء آبائهم، وألوان خيولهم، هم خير فوارس، أو من خير فوارس، على ظهر الأرض يومئذ)). رواه مسلم. ٥٤٢٣ _ (١٤) وعن أبي هريرةَ، أنَّ النبي ◌َّ قال: ((هل سمعتم بمدينةٍ، جانبٌ منها في البرّ، وجانبٌ منها في البحر؟)) قالوا: نَعَمْ يا رسول الله! عد (١) الخ. بأن ذلك مقيد بهذه الصفة فحينئذ يصح أن يقال: فإذا كان كذلك فبأي غنيمة يفرح (أو أي ميراث) الظاهر أنه بالرفع، أي فأي ميراث. (يقسم) وأو للتنويع، وفي النسخ بالجر. فالمعنى: فبأي ميراث تقع القسمة وتأخير الميراث مع تقدمه سابقاً نظيره قوله تعالى: ﴿يوم تبيض وجوه وتسود وجوه فأما الذين اسودت وجوههم ﴾ [آل عمران - ١٠٦] الآية. (فبينا هم كذلك إذ سمعوا) أي المسلمون (ببأس) بموحدة وهمزة ساكنة ويبدل، أي بحرب شديد. (هو أكبر) أي أعظم (من ذلك) أي مما سبق. والمراد بالبأس أهله بارتكاب أحد المجازين المشهورين. (فجاءهم) أي المسلمين (الصريخ) فعيل من الصراخ وهو الصوت، أي صوت المستصرخ وهو المستغيث. (إن الدجال) بفتح أن ويكسر (قد خلفهم) بتخفيف اللام، أي قعد مكانهم. (في ذراريهم) بتشديد الياء، أي أولادهم وفي رواية: في أهليهم (فيرفضون) بضم الفاء، أي فيتركون ويلقون (ما في أيديهم) أي من الغنيمة وسائر الأموال فزعاً على الأهل والعيال (ويقبلون) من الإقبال، أي ويتوجهون إلى الدجال (فيبعثون) أي يرسلون (عشر فوارس) جمع فارس أي راكب فرس (طليعة) وهو من يبعث ليطلع على حال العدوّ كالجاسوس فعيلة بمعنى فاعلة يستوي فيه الواحد والجمع، وإنما قال: عشر، نظر إلى أن الفوارس طلائع. (قال رسول الله وير: إني لأعرف أسماءهم) أي العشرة (وأسماء آبائهم وألوان خيولهم) فيه مع كونه من المعجزات دلالة على أن علمه تعالى محيط بالكليات والجزئيات من الكائنات وغيرها (هم خير فوارس أو من خير فوارس) ظاهره أنه شك من الراوي (على ظهر الأرض) احتراز من الملائكة (يومئذ) أي حينئذ وهو احتراز من العشرة المبشرة وأمثالهم (رواه مسلم). ٥٤٢٣ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ◌َّر قال: هل سمعتم بمدينة جانب منها ٤/ في البر وجانب منها في البحر. قالوا: نعم يا رسول الله) قال شارح: هذه المدينة في الروم. وقيل: الظاهر أنها قسطنطينية، ففي القاموس: قسطنطينية دار ملك الروم وفتحها من أشراط الساعة وتسمى بالرومية بورنطيا، وارتفاع سوره أحد وعشرون ذارعاً وكنيستها مستطيلة وبجانبها 444 عمود عال في دور أربعة أبواع تقريباً وفي رأسه فرس من نحاس وعليه فارس وفي إحدى يديه (١) في المخطوط ((عدو)). الحديث رقم ٥٤٢٣: أخرجه مسلم في صحيحه ٢٢٣٨/٤ حديث رقم ٠٧٨ ٢٩٢٠. ٥٩ كتاب الفتن/ باب الملاحم قال: ((لا تقومُ الساعةُ حتى يغزوها سبعون ألفاً من بني إِسحاق، فإذا جاؤوها نزلوا، فلم يقاتلوا بسلاح، ولم يرموا بسهم، قالوا: لا إله إلا الله، والله أكبر، فيسقط أحدُ جانبيها. قالَ ثورُ بنُ يزيد الراوي: لا أعلمه إلا قال -: ((الذي في البحر، ثم يقولون الثانية: لا إِله إلا الله، والله أكبر، فسقط جانبها الآخر، ثم يقولون الثالثة: لا إِله إِلا الله، والله أكبر، فيفرجُ لهم فيدخلونها فيغنمون، فبينا هُمْ يقتسمون المغانم إِذ جاءهم الصريخ، فقال: إِن الدجال قد خرج، فيتركون كلَّ شيءٍ ويرجعون)). رواه مسلم. كرة من ذهب. وقد فتح أصابع يده الأخرى مشيراً بها. وهو صورة قسطنيطين بانيها. اهـ. ويحتمل أنها مدينة غيرها، بل هو الظاهر لأن قسطنطينية تفتح بالقتال الكثير، وهذه المدينة تفتح بمجرد التهليل والتكبير. (قال: لا تقوم الساعة حتى يغزوها سبعون ألفاً من بني إسحاق) قال المظهر: من أكراد الشام هم من بني إسحاق النبي عليه [الصلاة] والسلام وهم مسلمون. اهـ. وهو يحتمل أن يكون معهم غيرهم من بني إسماعيل وهم العرب أو غيرهم من المسلمين، واقتصر على ذكرهم تغليباً لهم على من سواهم. ويحتمل أن يكون الأمر مختصاً بهم. (فإذا جاؤوها) أي المدينة (نزلوا) أي حواليها محاصرين أهلها (فلم يقاتلوا بسلاح ولم يرموا بسهم) تخصيص بعد تعميم لتأكيد إفادة عموم النفي (قالوا:) استئناف أو حال (لا إله إلا الله والله أكبر فيسقط) بصيغة المضارع (أحد جانبيها) أي أحد طرفي سور المدينة (قال ثور بن يزيد: الراوي) قال المؤلف في فصل التابعين: هو كلاعي شامي حمصي سمع خالد بن معدان روى عنه الثوري ويحيى بن سعيد، له ذكر في باب الملاحم. (لا أعلمه) أي لا أظن أبا هريرة (إلا قال الذي في البحر) أحد جانبيها الذي في البحر. والمعنى: لكني لا أجزمه؛ ويمكن أن يكون هذا منه رداً على من نازعه ممن سمع الحديث عن أبي هريرة بغير هذا القيد، وبهذا يندفع ما قال الطيبي [رحمه الله تعالى] . هذا إشارة إلى أن ما وقع في نسخ المصابيح من قوله: الذي في البحر، مدرج من قول الراوي. (ثم يقولون) أي المسلمون (الثانية). أي الكرة الثانية (لا إله إلا الله والله أكبر فسقط) بصيغة الماضي تفنناً وتحققاً (جانبها الآخر) أي الذي في البر (ثم يقولون الثالثة: لا إله إلا الله والله أكبر فيفرج) بتشديد الراء المفتوحة، أي فيفتح. (لهم) والظرف نائب الفاعل (فيدخلونها فيغنمون) أي ما فيها (فبينا هم يقتسمون المغانم) أي يريدون الاقتسام ويشرعون فيه (إذ جاءهم الصريخ فقال: إن الدجال قد خرج فيتركون كل شي) أي من الغنائم وغيرها من الأنفال (ويرجعون) أي سريعاً لمقابلة الدجال ومساعدة الأهل والعيال. (رواه مسلم). ٦٠ كتاب الفتن/ باب الملاحم الفصل الثاني ٥٤٢٤ - (١٥) عن معاذ بن جبل، قال: قال رسول الله وَله: ((عُمران بيت المقدس خرابُ يثرب، وخرابُ يثرب خروج الملحمة، وخروجُ الملحمة فتح قسطنطينيَّةَ، وفتحُ قسطنطينيَّةً خروج الدجال)). (الفصل الثاني) ٥٤٢٤ - (عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَلهو: عمران بيت المقدس) بالتخفيف وتشدد، وعمرانه بضم العين وسكون الميم أي عمارته بكثرة الرجال والعقار والمال. (خراب يثرب) أي وقت خراب المدينة. قيل: لأن عمرانه باستيلاء الكفار. وفي الأزهار قال بعض الشارحين: المراد بعمران بيت المقدس عمرانه بعد خرابه فإنه يخرب في آخر الزمان ثم يعمره الكفار. والأصح أن المراد بالعمران، الكمال في العمارة أي عمران بيت المقدس كاملاً مجاوزاً عن الحد وقت خراب يثرب، فإن بيت المقدس لا يخرب. قال ابن الملك: وأما الآن فقد عمره السلطان الملك الناصر واستخرج فيه العيون وأجرى فيه المياه جزاه الله خيراً. قلت: وزاد بنو عثمان حفظهم الله من آفات الدوران في عمارته وأرزاقه وتكياته لكنه مع هذا لم يبلغ عمارة المدينة المعطرة. (وخراب يثرب خروج الملحمة) أي ظهور الحرب العظيم. قال ابن الملك: قيل: بين أهل الشام والروم. والظاهر أنه يكون بين تاتار والشام. قلت: الأظهر هو الأول لما في الحديث السابق ولما سيأتي في الحديث اللاحق ولقوله: (وخروج الملحمة فتح قسطنطينية وفتح قسطنطينية) وفي نسخة بالتعريف (خروج الدجال) قال الأشرف: لما كان بيت المقدس باستيلاء الكفار عليه وكثرة عمارتهم فيها أمارة مستعقبة بخراب يثرب، وهو أمارة مستعقبة بخروج الملحمة وهو أمارة مستعقبة بفتح قسطنطينية وهو أمارة مستعقبة بخروج الدجال جعل النبي 98 كل واحد عين ما بعده وعبر به عنه. اهـ. وخلاصته أن كل واحد من هذه الأمور أمارة لوقوع ما بعده وإن وقع هناك مهلة. قال الطيبي [رحمه الله]: فإن قلت: قال هنا فتح القسطنطينية خروج الدجال، وفي الحديث السابق إذا صاح فيهم الشيطان أن المسيح قد خلفكم في أهليكم فيخرجون وذلك باطل، فكيف الجمع بينهما. قلت: إنه ◌َّ جعل الفتح علامة لخروج الدجال لا إنها مستعقبة له من غير تراخ، وصراخ الشيطان كان للإيذان بأنه واقع ليشتغلوا عن القسم وكان باطلاً يدل عليه الحديث الآتي: الملحمة العظمى فتح القسطنطينية /٢/١٢/٢/١٣٦/٧ '۔۔ الحديث رقم ٥٤٢٤: أخرجه أبو داود في السنن ٤٨٢/٤ حديث رقم ٣٢٩٤. وابن ماجه في السنن ٢/ ١٣٧٠ حديث رقم ٤٠٩٢. وأحمد في المسند ٢٣٢/٥. <255