Indexed OCR Text

Pages 1-20

٠ ٠٩٧٨٠
مِزْقَاءُ المُفَاع
لَعَلَّمَةِ الشََّخِ عَلي بن سُاطَانِ عَّ القَّارِي المتوفَسَنة ١٤ ١هـ
شرح مشكاة المصاريج
للإمَام العلامة محمدبن عبد اللَّه الخطيب التبريزي المتوفى سنة ١٤١هـ
تحقيق
الشَّيخ ◌َالْ عَيْتَاني
وضعنا متى المشكاة في أعلى الصفحات، ووضعنا أسفل منها فصنّ فُرفاة
المفاتيح؟ وألحقنافي آخر المجلّ الحادي عشر كتابٌ الإكمال في أسماء الرجال"
وهو تراجم رجال المشكاة للعلامة التبريزي
الجُزء العَاشر
يَحْتَوِي عَلَى الكُتْبِالتَّالِيَة
الفِتَنُ - أَحَالِالقِيَامَةِ وبْدِ الخَلقِ - الفَضَائِل والشَّائل
منشورات
محمد عَلى بيضون
لِنِشْرِكُتِبِ السُّنْقِوَ الجَمَاعَةِ
دار الكتب العلمية
بيروت - لبنان
กทม.
ـنهود
3942

جميع الحقوق محفوظة
Copyright @
All rights reserved
Tous droits réservés
جميع حقوق الملكية الأدبية والفنية محفوظة
لدار الكتب العلمية بيروت - لبنان
ويحظر طبع أو تصوير أو ترجمة أو إعادة
تنضيد الكتاب كاملاً أو مجزأ أو تسجيله على
أشرطة كاسيت أو إدخاله على الكمبيوتر أو
برمجته على اسطوانات ضوئية إلا بموافقة
الناشر خطياً.
Exclusive Rights by
Dar Al-Kotob Al-ilmiyah Beirut - Lebanon
No part of this publication may be
translated, reproduced, distributed in any
form or by any means, or stored in a data
base or retrieval system, without the
prior written permission of the publisher.
Droits Exclusifs à
Dar Al-Kotob Al-ilmiyah Beyrouth - Liban
Il est interdit à toute personne individuelle
ou morale d'éditer, de traduire, de
photocopier, d'enregistrer sur cassette,
disquette, C.D, ordinateur toute
production écrite, entière ou partielle,
sans l'autorisation signée de l'éditeur.
الطّبعَة الأوْلى
١٤٢٢ هـ - ٢٠٠١ م
دار الكتب العلمية
بيروت - لبنان
رمل الظريف، شارع البحتري، بناية ملكارت
هاتف وفاكس : ٣٦٤٣٩٨ - ٣٦٦١٣٥ - ٣٧٨٥٤٢ (١ ٩٦١)
صندوق بريد : ١١٠٩٤٢٤ بيروت - لبنان
Dar Al-Kotob Al-ilmiyah
Beirut - Lebanon
Ramel Al-Zarif, Bohtory St., Melkart Bidg., I st Floor
Tel. & Fax : 00 (961 1) 37.85.42 - 36.61.35 - 36.43.98
P.O.Box : 1 1 - 9424 Beirut - Lebanon
Dar Al-Kotob Al-ilmiyah
Beyrouth - Liban
Ramel Al-Zarif, Rue Bohtory, Imm. Melkart, Jere Etage
Tel. & Fax : 00 (961 1) 37.85.42 - 36.61.35 - 36.43.98
B.P. : 11 - 9424 Beyrouth - Liban
........ .

بسم الله الرحمن الرحيم
كتاب الفتن
الفصل الأول
٥٣٧٩ - (١) عن حذيفة، قال: قام فينا رسول الله وَّ مقاماً، ما ترك شيئاً يكونُ في
مقامه ذلك إلى قيام الساعة إِلا حدَّثَ به، حفِظَهُ من حفظه، ونسيه من نسيه، قد علمه
أصحابي هؤلاء، وإنه ليكون منه الشيء قد نسیته،
(كتاب الفتن)
الفتن جمع الفتنة وهي الامتحان والاختبار بالبلية.
(الفصل الأول)
٥٣٧٩ - (عن حذيفة قال: قام) أي خطيباً أو واعظاً (فينا) أي فيما بيننا أو لأجل أن يعظنا
ويخبرنا بما سيظهر من الفتن لنكون على حذر منها في كل الزمن. (رسول الله وَل ﴿ مقاماً) أما
مصدر ميمي أو اسم مكان. وقيل اسم زمان والجملة المنفية وهي قوله: (ما ترك شيئاً) الخ
صفة، وقوله: (يكون) بمعنى يوجد صفة شيئاً. وقوله: (في مقامه) متعلق بترك ووضع مقامه
موضع ضمير الموصوف. وقوله: (ذلك) صفة مقامه إشارة إلى زمانه وَ لقر. وقوله: (إلى قيام
الساعة) غاية ليكون. والمعنى: قام مقاماً ما ترك شيئاً يحدث فيه وينبغي أن يخبر بما يظهر من
الفتن من ذلك الوقت إلى قيام الساعة. (إلا حدث به) أي بذلك الشيء الكائن (حفظه من
حفظه) أي المحدث به (ونسيه من نسيه قد علمه) أي هذا القيام أو هذا الكلام بطريق الإجمال
(أصحابي هؤلاء) أي الموجودون من جملة الصحابة، لكن بعضهم لا يعلمونه مفصلاً لما وقع
لهم بعض النسيان الذي هو من خواص الإنسان وأنا الآخر ممن نسي بعضه، وهذا معنى قوله:
(وإنه) أي الشأن. وأبعد من قال إن الضمير لقوله: شيئاً. (ليكون منه الشيء قد نسيته) صفة
لشيء واللام فيه زائدة واللام في ليكون مفتوحة على أنه جواب لقسم مقدر. والمعنى ليقع
الحديث رقم ٥٣٧٩: أخرجه البخاري في صحيحه ١١/ ٤٩٤. حديث رقم ٦٦٠٤. ومسلم في صحيحه ٤/
٢٢١٧. حديث رقم (٢٨٩١.٢٣). وأخرجه أبو داود ٤٤١/٤ حديث رقم ٤٢٤٠. والترمذي في
السنن ٤١٠/٤ حديث رقم ٢١٩١. وابن ماجه في السنن ١٣٤٦/٢ حديث رقم ٤٠٥٣. وأحمد
في المسند ٣٨٥/٥.

٤
كتاب الفتن
فأرَاه فأذكره، كما يذكر الرجل وجه الرجلِ إِذا غاب عنه، ثمَّ إِذا رآه عرفه. متفق عليه.
٥٣٨٠ - (٢) وعنه، قال: سمعتُ رسولَ اللَّهِ بَلَه يقول: ((تُعرضُ الفتنُ على القلوبِ
كالحصير عوداً عوداً، فأي قلبٍ أُشربها
شيء مما ذكره النبي و ﴿ وقد نسيته. (فأراه فأذكره) أي فإذا عاينته تذكرت ما نسيته،
والعدول من المضي إلى المضارع لاستحضار حكاية الحال. ثم شبه الموصوف بالمعاين
فقال: (كما يذكر الرجل وجه الرجل إذا غاب عنه) أي ثم ينساه (ثم إذا رآه عرفه. متفق
عليه).
٥٣٨٠ - (وعنه) أي عن حذيفة (قال: سمعت رسول الله وَ لفي يقول: تعرض) بصيغة
المجهول، أي توضع وتبسط. (الفتن) أي البلايا والمحن. وقيل العقائد الفاسدة والأهواء
الكاسدة. (على القلوب) وقيل تعرض عليه، أي يظهر لها ويعرف ما يقبل منها وما يأباه وينفر
منها من عرض العود على الإِناء إذا وضعه عليه بعرضه. وقيل: هو من عرض الجند بين يدي
السلطان لإظهارهم واختبار أحوالهم. (كالحصير) أي كما يبسط الحصير (عوداً عوداً) بضم عين
ودال مهملة ونصبهما على الحال، أي ينسج الحصير حال كونه على هذا المنوال. وقال
التوربشتي [رحمه الله ]: قد رُوِيَ بالرفع وكذا نرويه عن كتاب مسلم وعلى هذا الوجه أورده
صاحب المصابيح. والتقدير هو عود عود، ورواه آخرون بالنصب انتهى. فهو خبر مبتدأ مقدر،
والتقدير ينسج عود عود فهو مفعول ما لم يسم فاعله. وفي نسخة: عوذاً عوذاً بفتح العين
والذال المعجمة، أي نعوذ بالله من ذلك عوذاً بعد عوذ. قال النووي [رحمه الله]: هذان
الحرفان مما اختلف في ضبطه على ثلاثة أوجه أظهرها وأشهرها ضم العين والدال المهملة،
والثاني فتح العين والدال المهملة أيضاً، والثالث فتح العين والذال المعجمة. ومعنى تعرض،
أي تلصق بعرض القلوب أي جانبها كما تلصق الحصير بجنب النائم وتؤثر فيه بشدة التصاقها.
ومعنى عوداً عوداً أي يعاد ويكرر شيئاً بعد شيء. قال ابن السراج [رحمه الله ]: ومن رواه
بالذال المعجمة فمعناه سؤال الاستعاذة منهما كما يقال: غفراً غفراً، أي نسألك أن تعيد[نا]من
ذلك وأن تغفر لنا. وقال الخطابي: معناه تظهر على القلوب، أي تظهر لها فتنة بعد أخرى كما
ينسج الحصير عوداً عوداً وشطية بعد أخرى. قال القاضي عياض: وعلى هذا تتوجه رواية العين
وذلك أن ناسج الحصير عند العرب كلما صنع عوداً أخذ آخر ونسجه فشبه عرض الفتن على
القلوب واحدة بعد أخرى بعرض قضبان الحصير على صانعها واحداً بعد واحد انتهى. فإذا كان
الأمر كذلك (فأي قلب أشربها) بصيغة المفعول. يقال: أشرب في قلبه حبه، أي خالطه.
فالمعنى خالط الفتن واختلط بها ودخلت فيه دخولاً تاماً ولزمها لزوماً كاملاً وحلت منه محل
الحديث رقم ٥٣٨٠: أخرجه مسلم في صحيحه ١٢٨/١ حديث رقم (١٤٤.٢٣١) وأحمد في المسند ٥٪
٤٠٥.
ـهم.
. ..--.

كتاب الفتن
نكتت فيه نكتة سوداء، وأي قلب أنكرها نُكِتَتْ فيهِ نكتة بيضاء، حتى تصير على قلبين:
أبيض مثل الصَّفا، فلا تضرُّهُ فتنةٌ ما دامت السماوات والأرض، والآخر أسودُ مِزْبَادّاً
كالكوز، مجْخِيّاً لا يَعْرِفُ معروفاً ولا يُنكر منكراً إِلا ما أُشرب من هواه)»
الشراب في نفوذ المسام وتنفيذ المرام. ومنه قول تعالى: ﴿وأُشربوا في قلوبهم العجل
بكفرهم﴾ [البقرة - ٩٣ ]أي حب العجل وإلاشراب خلط لون بلون كأن أحد اللونين شرب
الآخر وكسي لوناً آخر. فالمعنى جعل متأثراً بالفتن بحيث يتداخل فيه حبها كما يتداخل الصبغ
الثوب. (نكتت) بصيغة المجهول، أي نقطت وأثرت. (فيه) أي في قلبه (نكتة سوداء) وأصل
النكت ضرب الأرض بقضيب فيؤثر فيها. (وأي قلب أنكرها) أي رد الفتن وامتنع من قبولها
(نكتت فيه نكتة بيضاء) أي إن لم تكن فيه ابتداء وإلا فمعنى نكتت أثبتت(١) فيه ودامت
واستمرت. (حتى) غاية للأمرين (تصير) بالفوقية وفي نسخة بالتحتية، أي تصير قلوب أهل
ذلك الزمان أو يصير الإِنسان باعتبار قلبه أو يصير قلبه. (على قلبين) أي نوعين أو صفتين
(أبيض) بالرفع أي أحدهما أبيض (مثل الصفا) بالقصر، أي مثل الحجر المرمر الأملس من غاية
البياض والصفا. وفي نسخة بفتحهما على أن الأوّل بدل البعض من قلبين والثاني على الحال
منه، أي مماثلاً ومشابهاً للصفا في النور والبهاء. (فلا تضره فتنة) وظلمة وبلية (ما دامت
السموات والأرض) لأنها قلوب صافية قد أنكرت تلك الفتن في ذلك الزمن فحفظها عنها بعد
تلك الساعة إلى يوم القيامة. (والآخر) بالرفع وكذا قوله: (اسود مرباداً) بكسر الميم وبالدال
المشددة من ارباد كاحمار، أي صار كلون الرماد من الربدة لون بين السواد والغبرة وهو حال أو
منصوب على الذم (كالكوز) أي يشبه الآخر الكوز حال كونه (مجخيّاً) بضم ميم وسكون جيم
وخاء مكسورة مشددة وقد تخفف وياء آخر الحروف. وفي النهاية ورُوِيّ بتقديم الخاء على
الجيم، أي مائلاً منكوساً مشبهاً من هو خال من العلوم والمعارف بكوز مائل لا يثبت فيه شيء
ولا يستقر، وهذا معنى قوله: (لا يعرف) أي هذا القلب (معروفاً ولا ينكر منكراً) والمعنى لا
يبقى فيه عرفان ما هو معروف ولا إنكار ما هو منكر. (إلا ما أشرب) أي القلب (من هواه) أي
فيتبعه طبعاً من غير ملاحظة كونه معروفاً أو منكراً شرعاً. هذا مجمل الكلام وتفصيله ما ذكره
الشراح الكرام في هذا المقام، قال القاضي [رحمه الله ]: أي حتى يصير جنس الإِنس على
قسمين قسم ذو قلب أبيض كالصفا وذو قلب أسود مربداً. قال المظهر: الضمير في يصير
للقلوب أي تصير القلوب على نوعين أحدهما أبيض وثانيهما أسود. قال التوربشتي [رحمه
الله]: الصفا الحجارة الصافية الملساء، وأريد به هنا النوع الذي صفا بياضه وعليه نبه بقوله:
أبيض. وإنما ضرب المثل به لأن الأحجار إذا لم تكن معدنية لم تتغير بطول الزمان ولم يدخلها
لون آخر لا سيما النوع الذي ضرب به المثل فإنه أبداً على البياض الخالص الذي لا يشوبه
كدرة. وإنما وصف القلب بالربدة لأنه أنكر ما يوجد من السواد بخلاف ما يشوبه صفاء وتعلوه
طراوة من النوع الخالص. وفي شرح مسلم قال القاضي عياض [رحمه الله تعالى]: ليس
(١) في المخطوطة ((أثيت)).
٠٠٠٠

٦
-
كتاب الفتن
رواه مسلم.
٥٣٨١ - (٣) وعنه، قال: حدّثنا رسول الله وَ ل﴿ل حديثينِ، رأيتُ أحدَهما وأنا أنتظرُ
الآخر: حدَّثنا: ((إِنَّ الأمانة نزلت في جَذْر قلوب الرجال، ثم علموا من القرآن ثم علموا من
السنة)» .
٠٫٠٧٠
تشبيهه بالصفا بياناً لبياضه لكنه صفة أخرى لشدته على عقد الإيمان وسلامته من الخلل وإن
الفتن لم تلصق به ولم تؤثر فيه كالصفا وهو الحجر الأملس الذي لا يعلق به شيء. وأما قوله:
مرباداً فكذا هو في روايتنا وأصول بلادنا وهو منصوب على الحال. وذكر القاضي عياض
[رحمه الله ]خلافاً في ضبطه فإن منهم من ضبطه كما ذكرناه ومنهم من روى مربئد بهمزة
مكسورة بعد الباء، وأصله أن لا يهمز ويكون مربداً مثل مسود ومحمر لأنه من أربد إلا على
لغة من قال احمأر بهمز بعد الميم لالتقاء الساكنين. فيقال أربأد فهو مربئد والدال مشددة على
القولين. قال المظهر: قوله: إلا ما أشرب. يعني لا يعرف القلب إلا ما قيل من الاعتقادات
الفاسدة والشهوات النفسانية. وقال الطيبي [رحمه الله]: ولعله أراد من باب تأكيد الذم بما
يشبه المدح، أي ليس فيه خير البتة إلا هذا وهذا ليس بخير فيلزم منه أن لا يكون فيه خير.
(رواه مسلم).
٥٣٨١ - (وعنه) أي عن حذيفة (قال: حدثنا رسول الله وَ ر حديثين) أي في أمر الأمانة
الحادثة في زمن الفتنة وبهذا يظهر وجه مناسبة ذكرهما في الباب. قال النووي [رحمه الله ]:
الأول حدثنا أن الأمانة نزلت إلى آخره، والثاني حدثنا عن رفعها. (رأيت أحدهما) وهو نزول
الأمانة (وأنا أنتظر الآخر) وهو رفع الأمانة (حدثنا) وهو الحديث الأول (إن الأمانة) وهي
الإِيمان، ومنه قوله تعالى: ﴿إنا عرضنا الأمانة﴾ [الأحزاب - ٧٢ ]. وعبر عنه بها لأنها مدار
أمر الديانة. (نزلت في جذر قلوب الرجال) بفتح الجيم ويكسر، أي أصل قلوبهم. قال شارح:
جذر كل شيء أصله، أي أن الأمانة أول ما نزلت في قلوب رجال الله واستولت عليها فكانت
هي الباعثة على الأخذ بالكتاب والسنة، وهذا هو المعنى بقوله: (ثم علموا) أي بنور الإيمان
(من القرآن) أي مما يتلقون عنه وَ له واجباً كان أو نفلاً حراماً أو مباحاً مأخوذاً من الكتاب أو
الحديث. وقوله: (ثم من السنة) وفي نسخة صحيحة: ثم علموا من السنة. فيه إشارة إلى
تأخير رتبة المأخوذ من الحديث بالنسبة إلى نص كلام القديم. قال النووي (رحمه الله ]:
الظاهر أن المراد بالأمانة التكليف الذي كلف الله تعالى بها عباده والعهد الذي أخذه عليهم.
قال صاحب التقرير: الأمانة في الحديث هي الأمانة المذكورة في قوله تعالى: ﴿إنا عرضنا
الأمانة﴾. وهي عين الإِيمان انتهى. والظاهر أن المراد بالعهد في كلام النووي العهد الميثاقي
الحديث رقم ٥٣٨١: أخرجه البخاري في صحيحه ٣٣٣/١١. حديث رقم ٦٤٩٧. ومسلم في صحيحه ١/
١٢٦ حديث رقم (١٤٣.٢٣٠). والترمذي في السنن ٤١١/٤ حديث رقم ٢١٧٩. وابن ماجه في
السنن ١٣٤٦/٢ حديث رقم ٤٠٥٣. وأحمد في المسند ٣٨٣/٥.

٧
كتاب الفتن
وحدثنا عن رفعها قال: ((بنامُ الرجل النومة فتقبض الأمانة من قلبه، فَيظلُّ أثرها مثل أثر
الوکْت، ثم ينامُ النومة فتقبض، فيبقى أثرها مثل أثر المَجْل كجمرٍ دَخْرَجْتَهُ علی رجلك،
فَنفِطَ، فتراه منتبراً وليس فيه شيء،
وهو الإيمان الفطري، فذكر قول صاحب التقرير لبيان مزيد تحرير التقرير لا لأنه مخالف
للظاهر على ما هو المتبادر، فإنه غير موافق لصدر الحديث السابق، وكذا ما يأتيه من ختم
الحديث بقوله اللاحق حيث قال: وما في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان، على أن الإيمان
هو منع الأمانة. وأما قوله وَلّر: لا إيمان لمن لا أمانة له(١). فالمراد به نفي الكمال والله
[تعالى] أعلم بالحال. (وحدثنا) وهو الحديث الثاني (عن رفعها) أي ارتفاع ثمرة الإيمان
وانتقاصه فإنه سيكون بعد عصره في عصر الصحابة. (قال: ينام الرجل النومة) وهي [إما ]على
حقيقتها فما بعده أمر اضطراري، وأما النومة كناية عن الغفلة الموجبة لارتكاب السيئة الباعثة
على نقص الأمانة ونقص الإيمان. (فتقبض الأمانة) أي بعضها كما يدل عليه ما بعده. والمعنى
يقبض بعض ثمرة الإيمان. (من قلبه فيظل) بفتحات فتشديد لام، أي فيصير. (أثرها) أي أثر
الأمانة وهو (٢) ثمرة الإِيمان. (مثل أثر الوكت) بفتح الواو وإسكان الكاف وبالفوقية وهو الأثر
اليسير كالنقطة في الشيء. (ثم ينام النومة) أي الأخرى (فتقبض) أي الأمانة أي بعض ما بقي
منها. (فيبقى) معروفاً، وقيل مجهولاً (أثرها مثل أثر المجل) بفتح الميم وسكون الجيم وتفتح،
وهو أثر العمل في اليد. (كجمر) أي تأثيراً كتأثير(٣) جمر. وقال شارح: أبدل من مثل أثر
المجل أي يكون أثرها في القلب كأثر جمر، أو خبر مبتدأ محذوف، أي هو يعني أثر المجل
كجمر. (دحرجته) أي قلبته ودورته (على رجلك فنفط) بكسر الفاء ذكر الضمير فيه، وكذا
قوله: (فتراه منتبراً) بكسر الموحدة أي منتفخاً مع أن الرجل مؤنث سماعي على إرادة الموضع
المدحرج عليه الجمر، ومنه قول عمر رضي الله [تعالى ]عنه: إياكم والتخلل بالقصب فإن الفم
ينتبر منه، أي يرم وينتفط. قيل: المعنى يخيل إليك أن الرجل ذو أمانة وهو في ذلك بمثابة
نقطة تراها منتفطة مرتفعة كبيرة لا طائل تحتها. وفي الفائق الفرق بين الوكت والمجل، أن
الوكت النقطة في الشيء من غير لونه، والمجل غلظ الجلد من العمل لا غير. ويدل عليه
قوله: فتراه منتبراً. (وليس فيه شيء) أي صالح بل ماء فاسد. وفي شرح مسلم قال صاحب
التحرير: معنى الحديث أن الأمانة تزول عن القلب شيئاً فشيئاً فإذا زال أول جزء منها زال نورها
وخلفته ظلمة كالوكت، وهو اعتراض لون مخالف للون الذي قبله، فإذا زال شيء آخر صار
كالمجل وهو أثر محكم لا يكاد يزول إلا بعد مدة وهذه الظلمة فوق التي قبلها. ثم شبه زوال
ذلك النور بعد وقوعه في القلب وخروجه بعد استقراره فيه واعتقاب الظلمة إياه بجمر يدحرجه
على رجله حتى يؤثر فيها، ثم يزول الجمر ويبقى النفط. وإنما ذكر نفط ولم يقل نفطت اعتباراً
بالعضو انتهى. وقال شارح من علمائنا: يريد أن الأمانة ترفع عن القلوب عقوبة لأصحابها على
(١، أحمد في المسند ٢١٠/٣.
(٣) في المخطوقة ((كأثر)).
(٢) في المخطوطة ((وهي).

٨
كتاب الفتن
ويصبحُ الناسُ يتبايعونَ ولا يكاد أحدٌ يؤدِّي الأمانة، فيقال: إِن في بني فلان رجلاً أَميناً
ويقال للرجل: ما أعقله! وما أظرفه! وما أجلده! وما في قلبِهِ مثقالُ حبَّةٍ مِنْ خردلٍ من
إِيمان)). متفق عليه.
٢٠١١ غرامالية جهد يب خا مسعبربيدي
٥٣٨٢ - (٤) وعنه، قال: كانَ الناسُ
ما اجترحوا من الذنوب حتى إذا استيقظوا من منامهم لم يجدوا قلوبهم على ما كانت عليه
ويبقى فيه أثر تارة مثل الوكت وتارة مثل المجل، وهو انتفاظ اليد من العمل والمجل وإن كان
مصدراً، إلا أن المراد به ههنا نفس النفطة وهذا أقل من المرة الأولى لأنه شبهها بالمجوف
بخلاف المرة الأولى أراد به خلو القلب عن الأمانة مع بقاء أثرها من طريق الحساب. (ويصبح
الناس) أي يدخلون في الصباح أو يصيرون (يتبايعون) أي يجري بينهم التبايع ويقع عندهم
التعاهد (ولا يكاد أحد يؤدي الأمانة) بل يظهر من كل أحد منهم الخيانة في المبايعة والمواعدة
والمعاهدة(١). ومن المعلوم أن حفظ الأمانة أثر كمال الإيمان فإذا نقص الأمانة نقص الإيمان
وبطل الإِيقان وزال الإِحسان. (فيقال:) أي من غاية قلة الأمانة في الناس. (إن في بني فلان
رجلاً أميناً) أي كامل الإِيمان وكامل الأمانة (ويقال) أي في ذلك الزمان (للرجل:) أي من
أرباب الدنيا ممن له عقل في تحصيل المال والجاه وطبع في الشعر والنثر وفصاحة وبلاغة
وصباحة وقوة بدنية وشجاعة وشوكة. (ما أعقله وما أظرفه وما أجلده) تعجباً من كماله
واستغراباً من مقاله واستبعاداً من جماله. وحاصله أنهم يمدحونه بكثرة العقل والظرافة والجلادة
ويتعجبون منه ولا يمدحون أحداً بكثرة العلم النافع وصلاح العمل الصالح. (وما في قلبه) حال
من الرجل والحال أنه ليس في قلبه. (مثقال حبة) أي مقدار شيء قليل (من خردل) من بيانية
لحبة أي هي خردل. (من إيمان) أي كائناً منه. وهو يحتمل أن يكون المراد منه نفي أصل
الإِيمان أو كماله والله [تعالى] أعلم. قال الطيبي [رحمه الله ]: لعله إنما حملهم على تفسير
الأمانة في قوله: إن الأمانة نزلت بالإيمان لقوله آخراً: وما في قلبه مثقال حبة من خردل من
إيمان، فهلا حملوها على حقيقتها لقوله: ويصبح الناس يتبايعون ولا يكاد أحد يؤدي الأمانة
فيكون وضع الإيمان آخراً موضعها تفخيماً لشأنها وحثاً على أدائها. قال وَ له: لا دين لمن لا
أمانة(٢) له. قلت: إنما حملهم عليه ما ذكر آخراً وما صدر أولاً من قوله: نزلت في جذر قلوب
الرجال، فإن نزول الأمانة بمعنى الإيمان هو المناسب لأصل قلوب المؤمنين، ثم يعلمون إيقانه
واتقانهم بتتبع الكتاب والسنة. وأما الأمانة فهي جزئية من كلية ما يتعلق بالإيمان والقرآن والله
سبحانه [وتعالى ]أعلم. (متفق عليه).
٥٣٨٢ - (وعنه) أي عن حذيفة رضي الله تعالى عنه (قال: كان الناس) أي أكثرهم
(١) في المخطوطة زيادة كلمة ((والمعابرة)).
الحديث رقم ٥٣٨٢: أخرجه البخاري في صحيحه ٦١٥/٦. حديث رقم ٣٦٠٦. ومسلم في صحيحه ٣/
١٤٧٥ حديث رقم (٥١ .١٨٤٧). وابن ماجه ١٣١٧/٢ حديث رقم ٣٩٧٩.
*

كتاب الفتن
٩
ain Sher
يسألون رسولَ الله ◌َّ عن الخير، وكنتُ أسأله عن الشر مخافة أن يدركني، قال: قلتُ: يا
رسول الله! إِنا كنَّا في جاهليّةٍ وشرِّ، فجاءنا الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير من شر؟
قال: ((نعم)). قلتُ: وهل بعد ذلك الشر من خير؟ قال: ((نعم، وفيه دَخنٌ)). قلت: وما
دَخَنُه؟ قال: ((قومٌ يَستنُون بغير سنتي، ويهدون بغير هَذْيي، تعرفُ منهم وتُنكر)).
(يسألون رسول الله (بَ ل﴿ عن الخير) أي عن الطاعة ليمتثلوها أو عن السعة والرخاء ليفرحوا به
ويستعينوا بالدنيا على الأخرى (وكنت أسأله عن الشر) أي عن المعصية أو الفتنة المترتبة على
التوسعة. (مخافة أن يدركني) أي خشية أن يلحقني الشر نفسه أو بسببه. وهذا الطريق هو مختار
الحكماء وكثير من الفضلاء أن رعاية الاحتماء أولى في دفع الداء من استعمال الدواء، وأن
التخلية مقدمة على التحلية. وفي كلمة التوحيد إشارة إلى ذلك حيث نفي السوي ثم أثبت
المولى، بل مدار جل معرفة الله [سبحانه ]على النعوت التنزيهية كقوله تعالى [جلَّ جلاله ]:
﴿ليس كمثله شيء﴾ [الشورى - ١١]. دون الصفات الثبوتية لظهور وجودها في خالق الأشياء
بالضرورة العقلية. قال الطيبي (رحمه الله تعالى]: المراد بالشر الفتنة ووهن عرى الإسلام
واستيلاء الضلالة وفشو البدعة، والخير عكسه يدل عليه ما نقله الراوي عنه. (قال: قلت: يا
رسول الله إنا كنا في جاهلية) أي أيام غلب فيها الجهل بالتوحيد والنبوة وما يتبعهما من سائر
أحكام الشريعة. فقوله: (وشر) عطف تفسيري أو المعني به الكفر فهو تخصيص بعد تعميم.
(فجاءنا الله بهذا الخير) أي الخير العظيم وهو الإسلام ببركة بعثتك. ومفهومه أنه ذهب بالشر
عنا بهدم قواعد الكفر والضلال ولعله حذف وجعل من باب الاكتفاء لا سيما وهما ضدان لا
يجتمعان. (فهل بعد هذا الخير) أي الثابت (من شر) أي من حدوث بعض شر (قال: نعم.
قلت: وهل بعد ذلك الشر من خير. قال: نعم وفيه دخن) بفتحتين، أي كدورة إلى سواد.
والمراد أن لا يكون خيراً صفواً بحتاً بل يكون مشوباً بكدورة وظلمة. (قلت: وما دخنه. قال:
قوم يستنون) بتشديد النون الأولى، أي يقتدون. (بغير سنتي ويهدون) أي يدلون الناس (بغير
هديي) أي بغير طريقتي ويتخذون سيرة غير سيرتي. (تعرف منهم وتنكر) قال المظهر: أي ترى
فيهم ما تعرفه أنه من ديني وترى أيضاً ما تنكر أنه ديني. قال الأشرف: يعرف منهم المنكر بأن
يصدر المنكر عنهم، وتنكر هو خبر بمعنى الأمر، أي أنكر عليهم صدور المنكر عنهم. قال
الطيبي [رحمه الله]: الوجه الأول راجع إلى معنى قوله: نعم. وفيه دخن، أي تعرف فيهم
الخير فتقبل والشر فتنكر فهو من المقابلة المعنوية، والوجه الثاني راجع إلى معنى قوله: يستنون
بغير سنتي. فالوجه أن يكون المعطوف والمعطوف عليه كلاهما في معنى الأمر، أي اعرف
منهم ذلك وأنكر والخطاب في تعرف وتنكر من الخطاب العام. أقول: وفيه نظر لا يخفى، إذ
ليس كل أحد له قابلية معرفة المعروف وإنكار المنكر فالخطاب خاص لحذيفة وأمثاله من أهل
العلم والديانة. قيل: المراد بالشر الأول الفتن التي وقعت عند قتل عثمان رضي الله [تعالى]
عنه وما بعده، وبالخبر الثاني ما وقع في خلافة عمر بن عبد العزيز [رضي الله عنه ]وبالذين
تعرف منهم وتنكر الأمراء بعده فكان فيهم من يتمسك بالسنة والعدل ومنهم من يدعو إلى
البدعة ويعمل بالجور، [أو ]ومنهم من يعمل بالمعروف تارة ويعمل بالمنكر أخرى بحسب ما
الضوء
أمور /
ارب۔ ۔۔

١٠
37٠٠
كتاب الفتن
قلت: فهل بعد ذلك الخير من شر؟ قال: ((نعم؛ دعاةٌ على أبواب جهنم، من أجابهم إِليها
قذفُوه فيها)). قلت: يا رسول الله! صِفْهم لنا. قال: ((هم من جلدتنا، ويتكلمون بألسنتنا)).
قلت: فما تأمرني إِن أدركني ذلك؟ قال: ((تلزمُ جماعة المسلمين وإِمامهم)). قلت: فإِنْ لم
يكن لهم جماعةٌ ولا إِمام؟ قال: ((فاعتزلْ تلك الفِرقَ كلَّها، ولو أن تَعَضَّ بأصلٍ شجرةٍ
يقع لهم من تتبع الهوى وتحصيل غرضهم من أمور الدنيا، لا أنهم يريدون تحري الأحرى
١٠
٦٢٥٥
ورعاية الدار الأخرى كما عليه بعض أمراء زماننا. وقيل: المراد من الشر الأول فتنة عثمان
[رضي الله عنه ]وما بعده، وبالخير الثاني ما وقع من صلح الحسن مع معاوية والإجماع عليه،
وبالدخن ما كان في زمنه من بعض الأمراء كزياد بالعراق وخلاف من خالف عليه من الخوارج.
(قلت: فهل بعد ذلك الخير من شر. قال: نعم دعاة) جمع داع (على أبواب جهنم) قال
الأشرف: أي جماعة يدعون الناس إلى الضلالة ويصدونهم عن الهدى بأنواع من التلبيس ومن
الخير إلى الشر ومن السنة إلى البدعة ومن الزهد إلى الرغبة. جعل النبي 98ّ دعوة الدعاء
وإجابة المدعوين سبباً لإدخالهم إياهم في جهنم ودخولهم فيها، وجعل كل نوع من أنواع
التلبيس بمنزل باب من أبواب جهنم. (من أجابهم) أي الدعاة (إليها) أي إلى جهنم يعني إلى
الضلالة المؤدية إليها (قذفوه فيها) أي رموه وصاروا سبباً لقذفه في جهنم. قيل: المراد بالدعاة
من قام في طلب الملك من الخوارج والروافض وغيرهما ممن لم يوجد فيهم شروط الإمارة
والإمامة والولاية، وجعلوا دعاة على أبواب جهنم باعتبار المآل نحو قوله تعالى: ﴿إن الذين
يأكلون أموال اليتامى ظلماً إنما يأكلون في بطونهم ناراً﴾ [النساء - ١٠]. وقيل: هو كقوله
تعالى: ﴿إن الأبرار لفي نعيم وإن الفجار لفي جحيم﴾ [الانفطار - ١٤ ]. فكأنهم(١) كائنون
على أبواب جهنم داعين الناس إلى الدخول في ضيافتهم، أو لأن المباشر بسبب شيء فكأنه
واقع به داخل فيه. (قلت: يا رسول الله صفهم لنا) أي أنهم منا أو من غيرنا (قال: هم من
جلدتنا) أي من أنفسنا وعشيرتنا كذا في النهاية. وقيل: معناه من أهل ملتنا ذكره الأشرف وهو
الألطف. وقيل: من أبناء جنسنا وفيه أن الجلدة أخص من الجلد وجلد الشيء ظاهره، وهو في
الأصل غشاء البدن. (ويتكلمون بألسنتنا) أي بالعربية أو بالمواعظ والحكم أو بما قال الله وقال
رسوله وما في قلوبهم شيء من الخير. يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم. (قلت: فما
تأمرني) أي أن أفعل به فيهم (إن أدركني ذلك) أي ذلك الزمان (قال: تلزم جماعة المسلمين)
أي طريقتهم وحضور جمعتهم وجماعتهم (وإمامهم) أي ورعاية إمامهم ومتابعتهم ومساعدتهم.
(قلت: فإن لم تكن لهم جماعة) أي متفقة (ولا إمام) أي أمير يجتمعون عليه وهو يحتمل
فقدهما أو فقد أحدهما: (قال: فاعتزل تلك الفرق كلها) أي الفرق الضالة الواقعة على خلاف
الجادة من طريق أهل السنة والجماعة. (ولو أن تعض بأصل شجرة) أي ولو كان الاعتزال
بالعض. وأن مصدرية وتعض منصوب في النسخ المصححة والأصول المعتمدة. وقيل إن
(١) في المخطوطة ((فهم)).

١١
كتاب الفتن
حتى يُذْرِككَ الموتُ وأنتَ على ذلك)). متفق عليه. وفي رواية لمسلم: قال: ((يكونُ بعدي
أئمةٌ لا يهتدون بهُداي، ولا يستنُون بسنتي، وسيقومُ فيهم رجالٌ، قلوبُهم قلوبُ الشياطين
في جُثمان إِنس)). قال حذيفة: قلت: كيفَ أصنع يا رسول الله إِن أدركتُ ذلك؟ قال:
تَسْمَعُ وتطيعُ الأمير، وإِن ضُرِب ظهرك وأخِذَ مالك فاسمع وأطع)).
مخففه من المثقلة. قال التوربشتي [رحمه الله ]: أي تمسك بما يصبرك وتقوى به على اعتزالك
ولو بما لا يكاد يصح أن يكون متمسكاً. قال الطيبي [رحمه الله ]: هذا شرط يعقب به الكلام
تتميماً ومبالغة أي اعتزل الناس اعتزالاً لا غاية بعده ولو قنعت فيه بعض أصل الشجر افعل فإنه
خير لك. (حتى يدركك الموت وأنت على ذلك) أي على ما ذكرت من الاعتزال أو العض أو
الخير. (متفق عليه. وفي رواية لمسلم) قال ميرك: أخرج مسلم هذه الرواية عقب الحديث
المتقدم من حديث أبي سلام عن حذيفة، وذكر الدارقطني أن أبا سلام لم يسمع من حذيفة ولذا
قال فيه: قال حذيفة: فيكون الحديث منقطعاً. وقال بعض الحفاظ إنما لم يخرج البخاري لأبي
سلام شيئاً في صحيحه لأن رواياته مرسلة. اهـ. وأبو سلام اسمه ممطر الأسود الحبشي. وقال
النووي [رحمه الله]: ما قاله الدارقطني صحيح ولكن المتن صح بالطريق الأوّل وإنما أتى
مسلم بها متابعة، فإن المرسل إذا أتى من طريق آخر تبين به صحة المرسل وجاز به الاحتجاج
ويصير في المسألة حديثان صحيحان والله [تعالى ]أعلم. أقول: هذا الإشكال إنما هو على
قول الشافعي ومن تبعه من أن المرسل ليس بحجة، وأما على قول الجمهور بأنه حجة ومعهم
أبو حنيفة [رحمه الله ]عنه فلا شبهة فيه. (قال:) أي النبي وَ لتر (يكون بعدي أئمة) بتحقيق
الهمزة الثانية وتسهيلها وإبدالها جمع إمام على أن أصله أئمة على وزن أفعلة، أي جماعة يطلق
عليهم الأئمة. (لا يهتدون بهداي) أي من حيث العلم (ولا يستنون بسنتي) أي من حيث
العمل. والمعنى أنهم لا يأخذون بالكتاب والسنة. (وسيقوم فيهم رجال قلوبهم قلوب
الشياطين) أي كقلوبهم في الظلمة والقساوة والوسوسة والتلبيس والآراء الكاسدة والأهواء
الفاسدة. (في جثمان أنس) بضم الجيم، أي في جسده. والمراد به جنس الإنس فيطابق الجمع
السابق. (قال حذيفة: قلت: كيف أصنع يا رسول الله إن أدركت ذلك) أي ذلك الوقت أو ما
ذكر من أهل الزمان. (قال: تسمع) أي ما يأمرك الأمير، خبر بمعنى الأمر وكذا قوله: (وتطيع)
فيما لا معصية فيه (الأمير) مفعول تنازع فيه الفعلان. (وإن ضرب ظهرك) بصيغة المجهول، أي
ولو ضربت. (وأخذ مالك) وفي نسخة بصيغة المعلوم فيهما ففيهما ضمير للأمير والإِسناد
حقيقي أو مجازي، وتخصيص الظهر لبيان الواقع غالباً. وقوله: (فاسمع وأطع) جزاء الشرط
أتى لمزيد تقرير واهتمام تحرير بشأنه، وإلا فما قبل الشرط أغنى عنه. قال ابن الملك: إلا
إذا(١) أمرك بإثم فلا تطعه لكن لا تقاتل بل فر منه.
(١) في المخطوطة ((إن)).
مک

١٢
طبيب بـ
کتاب الفتن
٥٣٨٣ - (٥) وعن أبي هريرةً، قال: قال رسول الله وَ له: ((بادروا بالأعمال فتناً كقَطع
الليل المظلم، يصبحُ الرجلُ مؤمناً ويُمْسي كافِراً، ويمسي مؤمناً ويصبح كافراً، يبيع دينه
بعرض من الدنيا)). رواه مسلم.
٥٣٨٣ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَلات: بادروا) أي سابقوا
وسارعوا (بالأعمال) أي بالاشتغال بالأعمال الصالحة (فتناً) أي وقوع فتن (كقطع الليل المظلم)
بكسر القاف وفتح الطاء جمع قطعة. والمعنى كقطع من الليل المظلم لفرط سوادها وظلمتها
وعدم تبين الصلاح والفساد فيها. وفيه إيماء إلى أن أهل هذه الفتن ما قال تعالى في حقهم:
﴿كأنما أغشيت وجوههم قطعاً من الليل مظلما﴾ [يونس - ٢٧]. وقد قرأ ابن كثير والكسائي
في الآية بسكون الطاء على أن المراد به جزء من الليل أو من سواده، ويرادفه قطعة، وحاصل
المعنى تعجلوا بالأعمال الصالحة قبل مجيء الفتن المظلمة من القتل والنهب والاختلاف بين
المسلمين في أمر الدنيا والدين فإنكم لا تطيقون الأعمال على وجه الكمال فيها. والمراد من
التشبيه بيان حال الفتن من حيث إنه بشيع فظيع ولا يعرف سببها ولا طريق الخلاص منها،
فالمبادرة المسارعة بإدراك الشيء قبل فواته أو يدفعه قبل وقوعه. (يصبح الرجل مؤمناً) أي
موصوفاً بأصل الإِيمان أو بكماله. (ويمسي كافراً) أي حقيقة، أو كافراً للنعمة أو مشابهاً للكفرة
أو عاملاً عمل الكافر. (ويمسي مؤمناً ويصبح كافراً) وقيل: المعنى يصبح محرماً ما حرمه الله
ويمسي مستحلاً إياه وبالعكس. وحاصلة التذبذب في أمر الدين والتتبع لأمر الدنيا كما بينه
بقوله: (يبيع) أي الرجل أو أحدهم كما في الجامع (دينه) أي بتركه (بعرض) بفتحتين، أي
بأخذ متاع دنيء وثمن رديء. (من الدنيا) زاد في الجامع: قليل بالجر على أنه صفة عرض.
وقد روى ابن ماجه والطبراني عن أبي أمامة مرفوعاً: ستكون فتن يصبح الرجل فيها مؤمناً
ويمسي كافراً إلا من أحياه الله بالعلم(١). فقوله: يصبح، استئناف لبيان بعض الفتن في ذلك
الزمن. وقال الطيبي [رحمه الله ]: استئناف بيان الحال المشبه وهو قوله: فتناً. وقوله: يبيع
الخ. بيان للبيان. قال المظهر: فيه وجوه أحدها أن يكون بين طائفتين من المسلمين قتال
لمجرد العصبية والغضب فيستحلون الدم والمال، وثانيها أن يكون ولاة المسلمين ظلمة فيريقون
دماء المسلمين ويأخذون أموالهم بغير حق ويزنون ويشربون الخمر فيعتقد بعض الناس أنهم
على الحق، ويفتيهم بعض علماء السوء على جواز ما يفعلون من المحرمات من إراقة الدماء
وأخذ الأموال ونحوها، وثالثها ما يجري بين الناس مما يخالف الشرع في المعاملات
والمبايعات وغيرها فيستحلونها والله [تعالى] أعلم. (رواه مسلم) وكذا أحمد والترمذي. وروى
البيهقي عن أبي أمامة مرفوعاً: بادروا بالأعمال [هرماً فاغضاً وموتاً خالساً ومرضاً حابساً
٤ **
الحديث رقم ٥٣٨٣: أخرجه مسلم في صحيحه ١١٠/١ حديث رقم (١١٨.١٨٦). وأبو داود في السن
٤٥٧/٤٠ حديث رقم ٤٢٥٩. والترمذي في السنن ٤٢٢/٤ حديث رقم ٢١٩٥. وابن ماجه ٢/
١٣٠٥. حديث رقم ٣٩٥٤. وأحمد في المسند ٢/ ٣٠٤.
(١) ابن ماجه فى السنن ٢/ ١٣٠٥ حديث رقم ٣٩٥٤.
.4

١٣
كتاب الفتن
٥٣٨٤ _ (٦) وعنه، قال: قال رسول الله وَله: (ستكونُ فِتَنْ، القاعدُ فيها خيرٌ من
القائم، والقائمُ فيها خيرٌ من الماشي، والماشي فيها خيرٌ من الساعي، من تشرَّف لها
تستشرفه، فمن وجد ملجأً
i
وتسويفاً مسيئاً (١). وروى الترمذي والحاكم عن أبي هريرة مرفوعاً ]: بادروا بالأعمال سبعاً، ما
تنتظرون إلا فقراً منسياً أو غنى مطغياً أو مرضاً مفسدا أو هرماً مفنداً أو موتاً مجهزاً أو الدجال،
فإنه شر منتظر أو الساعة، والساعة أدهى وأمر(٢). وروى الطبراني عن عابس الغفاري مرفوعاً:
بادروا بالأعمال ستاً، أمارة السفهاء وكثرة الشرط وبيع الحكم واستخفافاً بالدم وقطيعة الرحم
ونشوا يتخذون القرآن مزامير يقدمون أحدهم ليغنيهم وإن كان أقلهم فقهاً(٣).
٥٣٨٤ - (وعنه) أي عن أبي هريرة رضي الله عنه (قال: قال رسول الله وَلاتر: ستكون فتن)
أي عظيمة أو كثيرة متعاقبة متوالية أو متراخية (القاعد فيها) أي في تلك الفتن (خير من القائم)
لأنه يرى ويسمع ما لا يراه ولا يسمعه القاعد، فيكون أقرب من عذاب تلك الفتنة بمشاهدته ما
لا يشاهده القاعد. ويمكن أن يكون المراد بالقاعد هو الثابت في مكانه غير متحرك لما يقع من
الفتنة في زمانه، والمراد بالقائم ما يكون فيه نوع باعث وداعية لكنه متردد في إثارة الفتنة.
(والقائم فيها) أي من بعيد متشرف عليها، أو القائم بمكانه في تلك الحالة. (خير من الماشي)
أي من الذاهب على رجله إليها. (والماشي [فيها ]) أي إليها أو فيما بينها (خير من الساعي)
أي من المسرع إليها ماشياً أو راكباً (من تشرف لها) بتشديد الراء، أي من نظر إليها (تستشرفه)
بالجزم ويرفع، أي تطلبه وتجذبه إليها. قال التوربشتي (رحمه الله ]: أي من تطلع لها دعته إلى
الوقوع فيها والتشرف التطلع واستعير هنا للإصابة بشرها، أو أريد به أنها تدعوه إلى زيادة النظر
إليها. وقيل: إنه من استشرفت الشيء أي علوته، يريد من انتصب لها انتصبت له وصرعته.
وقيل: هو من المخاطرة والإِشفاء على الهلاك، [أي ]من خاطر بنفسه فيها أهلكته. قال الطيبي
[رحمه الله]: ولعل الوجه الثالث أولى لما يظهر منه معنى اللام في لها وعليه كلام الفائق وهو
قوله: أي من غالبها غلبته. قلت: ولعل الوجه الأوّل أولى لما فيه من رعاية المعنى المفهوم
منه المبالغة المفيدة للاحتراس واختيار الأخرى النافع في الدنيا والأخرى. قال شارح: تشرف
واستشرف، أي صعد شرفاً أي مرتفعاً لينظر إلى شيء، هذا هو الأصل. ثم استعملا في النظر
إلى أي شيء في أي مكان كان يعني من قرب من تلك الفتن ونظر إليها نظرت إليه الفتن.
(وتجره إلى نفسها) فالخلاص في التباعد منها والهلاك في مقاربتها. (فمن وجد ملجأً) أي
(١) البيهقي في شعب الإيمان حديث رقم ١٠٥٧٤.
(٢) الحاكم في المستدرك ٥١٦/٤ ولفظه ((بادروا ستاً)).
(٣) ذكره السيوطي في الجامع الصغير ١٨٧/١ حديث رقم ٣١٢٠.
الحديث رقم ٥٣٨٤: أخرجه البخاري في صحيحه ٦/ ٦١٢. ٧٠ حديث رقم ٣٦٠١. ومسلم في صحيحه
٢٢١٢/٤ حديث رقم (٢٨٨٦.١٠). وأخرجه الترمذي في السنن ٤٢١/٤ حديث رقم ٢١٩٤
وأحمد فى المسند ٢٨٢/٢.

١٤
كتاب الفتن
أو معاذاً فليَعُذْ بِهِ». متفق عليه. وفي رواية لمسلم، قال: ((تكون فتنةٌ، النائمُ فيها خيرٌ من
اليقظان، واليقظانُ فيها خيرٌ من القائم، والقائمُ فيها خيرٌ من الساعي، فمن وجد ملجاً أو
معاذاً فَلْيَسْتَعِذْ بِهِ)).
٥٣٨٥ _ (٧) وعن أبي بكرة، قال: قال رسول الله وَله: ((إِنّها ستكون فتنّ، أَلا ثم
تكون فِتَنْ، ألا ثمَّ تكونُ فتنةٌ، القاعدُ خير من الماشي فيها، والماشي فيها خيرٌ من الساعي
إليها، أَلا فإِذا وقعت فمن كان له إِبل فليَلحق بإِبله، ومن كان له غَنمٌ فَلْيَلْحَقْ بغنمه، ومن
کانت له أرض
مناصاً ومفراً ومهرباً (أو معاذاً) بفتح الميم، أي موضعاً أو شخصاً ملاذاً يتخلص بالذهاب إليه
وبالعياذ به من الفتن. (فليعذ) بضم العين، أي فليستعذ (به) أي بالمعاذ أو بما ذكر من الملجأ
والمعاذ، أي فليذهب إليهما. (متفق عليه) ورواه أحمد (وفي رواية لمسلم [رحمه الله ]قال:
تكون فتنة) أي عظيمة (النائم فيها خير من اليقظان) بسكون القاف، أي المنتبه لعدم شعور النائم
عنها. وفي معناه الغافل ولو كان يقظان. فالمراد باليقظان هو العالم بالفتنة سواء كان(١) مضطجعاً
أو قاعداً أو قائماً. (واليقظان) أي مضطجعاً، أو جالساً (خير من القائم) أي لتطلعه وإشرافه، أو
لأن فيه نوع حركة. (والقائم فيها) أي لتوقفه في مكانه (خير من الساعي) أي مشياً أو ركوباً إليها
(فمن وجد ملجأ أو معاذاً فليستعذ به) وفي الجامع روى الحاكم عن خالد بن عرفطة: ستكون
أحداث وفتنة وفرقة واختلاف فإن استطعت أن تكون المقتول لا القاتل فافعل(٢).
٥٣٨٥ - (وعن أبي بكرة) أي الثقفي (قال: قال رسول الله وَليه: إنها) أي القصة (ستكون)
أي ستوجد وتحدث وتقع (فتن، ألا) للتنبيه (ثم تكون فتنة) أي عظيمة، وفي بعض النسخ
المصححة: ألا ثم تكون فتن. بصيغة الجمع ثم بعده: ألا ثم تكون فتنة. بصيغة الوحدة. قال
الطيبي [رحمه الله]: فيه ثلاث مبالغات، أقحم حرف التنبيه بين [المعطوف ][ و]المعطوف عليه
لمزيد التنبه لها وعطف بثم لتراخي مرتبة هذه الفتنة الخاصة تنبيهاً على عظمها، وهو لها على
أنه من عطف الخاص على العام لاختصاصها بما يفارقها من سائر أشكالها وأنها كالداهية
الدهياء نسأل الله العافية منها بفضله وعميم طوله. (القاعد فيها خير من الماشي والماشي فيها
خير من الساعي إليها) أي يجعلها غاية سعيه ومنتهى غرضه لا يرى مطلباً غيرها، ولام الغرض
وإلى الغاية متقاربان معنى فحينئذ يستقيم التدرج والترقي من الماشي فيها إلى الساعي إليها.
(ألا) للتنبيه زيادة للتأكيد. (فإذا وقعت) أي الفتن أو تلك الفتنة (فمن كان له إبل) أي في البرية
(فليلحق بإبله ومن كان له غنم فليلحق بغنمه ومن كانت له أرض) أي عقار أو مزرعة بعيدة عن
(١) في المخطوطة ((يكون)).
(٢) الجامع الصغير ٢٨٨/٢ حديث رقم ٤٦٧٩. والحديث أخرجه الحاكم في المستدرك ٢٨١/٣.
الحديث رقم ٥٣٨٥: أخرجه مسلم في صحيحه ٢٢١٢/٤ حديث رقم (٢٨٨٦.١٢). وابن ماجه في
السنن ١٣٠٨/٢ حديث رقم ٣٩٥٨. وأحمد في المسند ٤٨/٥.

١٥
ـرد،٠
كتاب الفتن
فَلْيَلْحَقْ بِأرضه)). فقال رجلٌ: يا رسول الله! أرأيت من لم يكن له إِبل ولا غنم ولا أرض؟
قال: ((يعمِد إِلى سيفه فيدق على حدِّه بحجر، ثم لينجُ إِن استطاع النجاء، اللهم هل
بلغت؟)) ثلاثاً، فقال رجل: يا رسول الله! أرأيت إِن أُكْرِهت حتى يُنْطَلَقّ بي إِلى أحد
الصَّفين، فضربني رجلٌ بسيفه أو يجيء سهمٌ فيقتلني؟ قال: ((يَبُوءُ باثمه وإِثمك، ويكونُ من
أصحاب النار))
-
الخلق (فليلحق بأرضه) فإن الاعتزال والاشتغال بخويصة الحال حينئذ واجب لوقوع عموم الفتنة
العمياء بين الرجال كما قال الشاعر:
أن لا تمر على حال بواديها
إن السلامة من ليلى وجارتها
(فقال رجل: يا رسول الله أرأيت) أي أخبرني (من لم تكن له إبل ولا غنم ولا أرض) أي
فأين يذهب أو كيف يفعل (قال: يعمد) بكسر الميم، أي يقصد. (إلى سيفه) أي إن كان له
(فيدق على حده) أي فيضرب على جانب سيفه الحاد (بحجر) والمعنى فليكسر سلاحه كيلا
يذهب به إلى الحرب، لأن تلك الحروب بين المسلمين فلا يجوز حضورها. (ثم لينج) بكسر
اللام ويسكن ويفتح الياء وسكون النون وضم الجيم، أي ليفر ويسرع هرباً حتى لا تصيبه
الفتن. (إن استطاع النجاء) بفتح النون والمد، أي الإسراع. قال الطيبي (رحمه الله ]: قوله:
ليعمد الخ، عبارة عن تجرده تجرداً تاماً كأنه قيل: من لم يكن له ما يشتغل به من مهامه فلينج
برأسه. اهـ. والظاهر أنه حمل قوله: فلينج. على أنه أمر من النجاة وليس كذلك كما يدل عليه
قوله: إن استطاع النجاء، حيث لم يقل: إن استطاع النجاة، اللهم إلا أن يراد به حاصل المعنى
مع قطع النظر عن المادة والمبنى والله [تعالى ]أعلم. (اللهم) أي قال وَليزر بعد ذكر هذه الفتن
والتحذير عن الوقوع في محن ذلك الزمن اللهم، أي يا الله. (هل بلغت) أي قد بلغت إلى
عبادك ما أمرتني به أن أبلغه إياهم. (ثلاثاً) مصدر للفعل المقدر أي قاله ثلاث مرات. (فقال
رجل: يا رسول الله أرأيت) أي أخبرني (إن أكرهت) أي أخذت بالكره وأجبرت (حتى ينطلق)
بصيغة المجهول، أي يذهب. (بي إلى أحد الصفين) [أي صفي المتخاصمين ] (فضربني رجل
بسيفه، أو) للتنويع (يجيء سهم) بصيغة المضارع عطفاً على الماضي (فيقتلني) الظاهر أنه تفريع
على الأخير والإِسناد مجازي، ويحتمل أن يشتمل أيضاً على الأول فتأمل. والمعنى فما حكم
القاتل والمقتول (قال: يبوء) أي يرجع القاتل، وقيل: المكره. (بإثمه) أي بعقوبة ما فعله من
قبل عموماً (وإثمك) أي وبعقوبة قتلك إياه خصوصاً. أو المراد بإثمه قصده القتل وبإثمك لو
مددت يدك إليه. أو المراد بإثمك سيئاتك التي فعلتها بأن توضع في رقبة القاتل بعد فقد حسناته
على ما ورد. (ويكون) أي هو (من أصحاب النار) قال تعالى: ﴿وذلك جزاء الظالمين ﴾
[المائدة - ٢٩، الحشر - ١٧]. وإنما لم يقل: وأنت من أصحاب الجنة، وإن كان هذا هو
المفهوم منه وترك للاكتفاء احتياطاً لتبادر الفهم إلى الخطاب المعين، لا المفروض المقدر
المراد به الخطاب العام على طريق الإبهام، ثم الحكم مقتبس من قوله تعالى: ﴿واتل عليهم نبأً
ابني آدم بالحق﴾ [المائدة - ٢٧]. الخ. وقد قال وَلهو: كن خير ابني آدم. وفي رواية: كن
عبد الله المقتول ولا تكن عبد الله القاتل. قال الطيبي (رحمه الله ]: يبوء الخ. فيه وجهان
جوده
٠٠" ش

١٦
كتاب الفتن
٠-٠
رواه مسلم.
٥٣٨٦ _ (٨) وعن أبي سعيد، قال: قال رسول الله وَّ: ((يوشك أن يكونَ خيرَ مالٍ
المسلمِ غنمٌ يتبع بها شعَفَ الجبال ومواقع القطر، يَفِرُّ بدينِهِ من الفِتَنِ)). رواه البخاري.
/٠٠١
٥٣٨٧ - (٩) وعن أسامة بن زيد، قال: أشرف النبيُّ وَّ على أُطُم من آطام المدينةِ،
فقال: ((هل ترون ما أرى؟)) قالوا: لا. قال: ((فإِني لأرى الفتنَ تقعُ خِلال بيوتكم كوقع
المطَر)» .
أحدهما: أراد بمثل إثمك على الإتساع أي يرجع بإثمه ومثل إثمك المقدر لو قتلته، وثانيهما
أراد بمثل قتلك على حذف المضاف وإثمه السابق على القتل. (رواه مسلم).
٥٣٨٦ - (وعن أبي سعيد قال: قال رسول الله وَليل: يوشك) أي يقرب (أن يكون خير
مال المسلم) بالنصب (غنم) أي قطعة من الغنم. [قال الطيبي رحمه الله: غنم أنكرة موصوفة
وهو اسم يكون والخبر قوله: خير مال، معروف فلا يجوز. اللهم إلا أن يراد بالمسلم الجنس
فلا يعتبر فيه حينئذ. وفائدة التقديم أن المطلوب حينئذ الاعتزال وتحري الخير بأي وجه كان.
اهـ. وقيل: يجوز رفع خير وغنم على الابتداء والخبر وفي يكون ضمير الشأن، كذا في
المفاتيح. (يتبع) بتشديد التاء وفي بعض النسخ بسكونها وفتح الموحدة، أي يتتبع. (بها) أي
مع الغنم أو بسببها (شعف الجبال) بفتح الشين والعين أي رؤوس الجبال أو أعاليها، وأحدها
شعفة. (ومواقع القطر) بفتح فسكون، أي مواضع المطر وآثاره من النبات وأوراق الشجر يريد
بها المرعى من الصحراء والجبال، فهو تعميم بعد تخصيص. وفي تقديم شعف الجبال إشعار
بالمبالغة في فضيلة الاعتزال عن الخلق في تلك الحال. (يفر بدينه) أي بسبب حفظه من الفتن
أي المحن الدينية، أو يهرب. (من الفتن) الدنيوية مصحوباً بدينه ليتخلص بإقامته هناك عنها
(رواه البخاري).
٥٣٨٧ - (وعن أسامة بن زيد) صحابيان رضي الله عنهما (قال: أشرف النبي وَلاغير) أي
اطلع (على أطم) بضمتين، أي شاهق جبل أو حصن أو بناء مرتفع. (من آطام المدينة) بمد
أوله، جمع الأطم. (فقال: هل ترون ما أرى) أي من الأشياء الظاهرة منه المرتفعة عنه (قالوا:
لا. قال: فإني لأرى الفتن تقع) أي منه (خلال بيوتكم) أي وسطها (كوقع المطر) والمعنى أن
الله تعالى أرى نبيه وَله حين رأى ذلك الأطم أو حين صعده اقتراب الفتن ليخبر بها أمته فيكونوا
الحديث رقم ٥٣٨٦: أخرجه البخاري في صحيحه ٦٩/١. حديث رقم ١٩. وأخرجه أبو داود في السنن
٤٦١/٤ حديث رقم ٤٢٦٧. والنسائي ١٢٣/٨ حديث رقم ٥٠٣٦. وابن ماجه في السنن ٢/
١٣١٧ حديث رقم ٣٩٨٠. وأحمد في المسند ٦/٢.
الحديث رقم ٥٣٨٧: أخرجه البخاري في صحيحه ٩٤/٤. حديث رقم ١٨٧٨. ومسلم في صحيحه ٤/
٢٢١١ حديث رقم (٢٨٨٥.٩). وأحمد في المسند ٥/ ٢٠٠.
الفطرة

١٧
كتاب الفتن
متفق عليه .
٥٣٨٨ - (١٠) وعن أبي هريرةً، قال: قال رسول الله وَلّر: «هَلكةُ أمتي على يَدَي
غِلْمةٍ مِنْ قُرْيشٍ)) رواه البخاري.
٥٣٨٩ - (١١) وعنه، قال: قال رسول الله وَّه: ((يتقاربُ الزمانُ، ويُقبضُ العلم،
وتَظْهَرُ الفِتنُ،
على حذر ويعرفوا أنها من قدر ويعدوا معرفتها من معجزاته وَ لقر. قال الطيبي [رحمه الله ]:
قوله: تقع، يحتمل أن يكون مفعولاً ثانياً، والأقرب إلى الذوق أن يكون حالاً والرؤية بمعنى
النظر، أي كشف لي فأبصرها عياناً. (متفق عليه) وفي الجامع برواية أحمد والشيخين عن
أسامة بلفظ: هل ترى ما أرى، إني لأرى مواقع الفتن خلال بيوتكم كمواقع القطر(١).
٥٣٨٨ - (وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَلي: هلكة أمتي) بفتح الهاء واللام أي
هلاكهم. والمراد بالأمة [هنا ]الصحابة لأنهم خيار الأمة وأكابر الأئمة. (على يدي) تثنية مضافة
إلى (غلمة [من قريش ]) بكسر الغين جمع غلام، أي على أيدي الشبان الذين ما وصلوا إلى
مرتبة كمال العقل والأحداث السن الذين لا مبالاة لهم بأصحاب الوقار وأرباب النهي. والظاهر
أن المراد ما وقع بين عثمان رضي الله [تعالى ]عنه وقتلته وبين علي والحسين رضي الله تعالى
عنهما ومن قاتلهم. وقال المظهر: لعله أراد بهم الذين كانوا بعد الخلفاء الراشدين مثل يزيد
وعبد الملك بن مروان وغيرهما. (رواه البخاري) ولفظ الجامع: هلاك أمتي على يدي غلمة
من قريش. رواه أحمد والبخاري عن أبي هريرة(٢).
٥٣٨٩ - (وعنه) أي عن أبي هريرة رضي الله عنه (قال: قال رسول الله ◌َليقول: يتقارب
الزمان) أي زمان الدنيا وزمان الآخرة فيكون المراد اقتراب الساعة. قال التوربشتي [رحمه الله]:
يريد به اقتراب الساعة. ويحتمل أنه أراد بذلك تقارب أهل الزمان بعضهم من بعض في الشر،
أو تقارب الزمان نفسه في الشر حتى يشبه أوله آخره. وقيل بقصر أعمار أهله. اهـ. ويحتمل أن
يكون كناية عن قلة بركة الزمان من كثرة العصيان. وقال القاضي: يحتمل أن يكون المراد به أن
يتسارع الدول إلى الانقضاء والقرون إلى الانقراض فيتقارب زمانهم ويتدانى إبانهم. (ويقبض
العلم) أي في ذلك الزمان يقبض العلماء الأعيان (وتظهر الفتن) أي ويترتب عليها المحن
(ويلقى الشح) في قلوب أهله أي على اختلاف أحوالهم حتى يبخل العالم بعلمه والصانع
(١) الجامع الصغير ٥٦٩/٢ ولفظه ٥٩٨٩ ولفظه ((هل ترون)).
الحديث رقم ٥٣٨٨: أخرجه البخاري في صحيحه ٦١٢/٦. حديث رقم ٣٦٠٥. وأحمد في المسند ٢٨٨/٢.
(٢) الجامع الصغير ٢/ ٥٦٩ حديث رقم ٩٥٩٣.
الحديث رقم ٥٣٨٩: أخرجه البخاري في صحيحه ١٨٢/١. حديث رقم ٨٥. ومسلم في صحيحه ٤/
٢٠٥٧ حديث رقم (١٥٧.١١) وأبو داود في السنن ٤٥٤/٤ حديث رقم ٤٢٥٥. وابن ماجه ٢/
١٣٤٥ حديث رقم ٤٠٥٢. وأحمد في المسند ٤٠٢/١.
لأجود

١٨
كتاب الفتن
ويُلْقَى الشخُّ، ويَكْثُر الهَرْج)) قالوا: وما الهرج؟ قال: ((القتلُ)). متفق عليه.
٥٣٩٠ - (١٢) وعنه، قال: قال رسول الله وَلجر: ((والذي نفسي بيده لا تذهبُ الدنيا
حتى يأتي على الناس يومٌ لا يدري القاتلُ فيم قَتَل؟ ولا المقتولُ فيم قُتِل؟)) فقيل: كيف
يكونُ ذلك؟ قال: ((الهَرْجُ، القاتِلُ والمقتول في النار)). رواه مسلم.
٥٣٩١ - (١٣) وعن معقل بن يسار، قال: قال رسول الله وَال: ((العبادة في الهرج
کھجرةٍ إِليّ)).
بصنعته والغني بماله. وليس المراد وجود أصل الشح لأنه موجود في جبلة الإنسان إلا من
حفظه الله ولذا قال تعالى: ﴿ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون﴾ [الحشر - ٩، التغابن
- ١٦]. (ويكثر الهرج) بفتح الهاء وسكون الراء وبالجيم (قالوا: وما الهرج. قال: القتل) في
القاموس: هرج الناس وقعوا في فتنة واختلاط وقتل. اهـ. فعلم أن المراد بالهرج قتل خاص
وهو الممزوج بالفتنة والاختلاط، فاللام فيه للعهد. (متفق عليه).
٥٣٩٠ - (وعنه) أي عن أبي هريرة رضي الله عنه (قال: قال رسول الله وَليقول: والذي نفسي
بيده لا تذهب الدنيا) أي جميعها (حتى يأتي على الناس يوم) أي يوم عظيم فيه شر جسيم (لا
يدري القاتل فيم قتل) أي المقتول هل يجوز قتله أم لا (ولا المقتول) أي نفسه أو أهله (قيم
قتل) هل بسبب شرعي أو بغيره کما کثر النوعان في زماننا (فقيل: کیف یکون ذلك) أي ما
سبب وقوع القتل بحيث لا يعرف القاتل ولا المقتول بسببه (قال: الهرج) أي الفتنة والاختلاط
الكثيرة الموجبة للقتل المجهول. والمعنى: سببه ثوران الهرج بالكثرة وهيجانه بالشدة. (القاتل
والمقتول في النار) أما القاتل فلقتله مسلماً وأما المقتول فلأنه (١) كان حريصاً على قتل مسلم
أيضاً ولم يجد الفرصة. قال النووي [رحمه الله ]: أما القاتل فظاهر وأما المقتول فإنه أراد قتل
صاحبه، وفيه دلالة للمذهب الصحيح المشهور أن من نوى المعصية وأصر على النية يكون آثماً
وإن لم يفعلها ولم يتكلم بها (رواه مسلم).
٥٣٩١ - (وعن معقل بن يسار) هو ممن بايع تحت الشجرة، مزني سكن البصرة وإليها
ينسب. مات زمن ابن زياد، وقيل زمن معاوية. (قال: قال رسول الله وَيقول: العبادة) أي ثوابها
مع الاستقامة والاستدامة عليها (في الهرج) أي زمن الفتنة ووقت المحاربة بين المسلمين
(كهجرة إليَّ) أي قبل فتح مكة، ومن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله.
ونظيره ما ورد ذاكر الله في الغافلين بمنزلة الصابر في الفارين. (رواه مسلم) وكذا أحمد
الحديث رقم ٥٣٩٠: أخرجه مسلم في صحيحه ٢٢٣١/٤ حديث رقم (٢٩٠٨.٥٦).
(١) في المخطوطة ((فإنه)).
الحديث رقم ٥٣٩١: أخرجه مسلم في صحيحه ٢٢٦٨/٤ حديث رقم (١٣٠ .٢٩٤٨). وأخرجه الترمذي
في السنن ٤٢٤/٤ حديث رقم ٢٢٠١. وابن ماجه في السنن ١٣١٩/٢ حديث رقم ٣٩٨٥.
وأحمد في المسند ٢٥/٥.

١٩
كتاب الفتن
رواه مسلم .
٥٣٩٢ - (١٤) وعن الزبير بن عدي، قال: أتينا أنسَ بن مالكِ فشكونا إليهِ ما نلقى
من الحجّاجِ. فقال: ((اصبروا، فإنه لا يأتي عليكم زمانٌ إِلا الذي بعده أشرُّ منه حتى تَلْقَوْا
ربّكم)). سمعتُهُ من نبيّكم رَّ.
ونظيره ما ورد ذاكر الله في الغافلين بمنزلة الصابر في الفارين. (رواه مسلم) وكذا أحمد
والترمذي وابن ماجه.
٥٣٩٢ - (وعن الزبير بن عدي) قال المؤلف: همداني بسكون الميم كوفي كان قاضي
الري وهو تابعي، سمع أنس بن مالك روى عنه الثوري وغيره. (قال: أتينا أنس بن مالك
فشكونا إليه ما نلقى من الحجاج) بفتح الحاء أي من ظلمه وهو حجاج بن يوسف، روى أنه
قتل مائة وعشرين ألفاً سوى ما قتل في حروبه. (فقال: اصبروا فإنه لا يأتي عليكم زمان إلا
الذي بعده أشر منه) أي غالباً ومن وجه دون وجه (حتى تلقوا ربكم) قال القاضي [رحمه الله ]:
أخير وأشر أصلان متروكان لا يكاد يستعملان إلا نادراً، وإنما المتعارف في التفضيل خير
وشر. وفي القاموس: هو شر منه وأشر منه قليلة أو رديئة، وفيه أيضاً هو أخير منك كخير.
اهـ. وفيه تنبيه أن استعمال أخير خير من استعمال أشر ولعل السبب فيه أن خير يستعمل
للتفضيل وغيره فيكون أخير نصاً في المقصود بخلاف شر، وإنما يبالغ فيه بإتيان الهمز والله
سبحانه [وتعالى ]أعلم. (سمعته) أي قوله: اصبروا الخ، والأظهر لما سيأتي أنه لا يأتي عليكم
الخ. (من نبيكم 8$) قيل: هذا الإطلاق يشكل بزمن عمر بن عبد العزيز فإنه بعد الحجاج
بيسير وبزمن المهدي وعيسى عليه [الصلاة ]والسلام. وأجيب بأنه محمول على الأكثر الأغلب
وأن المراد بالأزمنة الفاضلة في السوء من زمن الحجاج إلى زمن الدجال، وأما زمان عيسى
عليه [الصلاة ]والسلام فله حكم مستأنف. وأقول: الأظهر أن يقال إن زمن عيسى عليه
[الصلاة] والسلام مستثنى شرعاً من الكلام وأما بقية الأزمنة فيمكن أن تكون الأشرية فيها
موجودة من حيثية دون حيثية وباعتبار دون آخر وفي موضع دون موضع وفي أمر دون أمر من
علم وعمل وحال واستقامة وغيرها مما يطول تفصيلها، وهذا من مقتضيات البعد البعدية عن
زمان الحضرة النبوية، فإنها بمنزلة المشعل المنوّر للعالم فكلما أبعد عن قربه وقع في زيادة
ظلام وحجبة، وقد أدركت الصحابة رضى الله [تعالى آعنهم أجمعين مع كمال صفاء باطنهم
التغير من أنفسهم بعد دفنه وَله، وحُكِيَ عن بعض المشايخ الكبار أني كنت في جامع شيراز
مشغولاً بوردي في ليل إذا هجم علَيَّ الخاطر وأراد بالخروج من غير ظهور داع وباعث له،
فخرجت فإذا امرأة ملتصقة بجدار فخطر لي أنها تريد بيتها وتخاف في طريقها من أهل الفساد،
فذكرت لها ذلك فأشارت إلي بأن نعم. فتقدمت عليها وقلت لها: قال موسى عليه [الصلاة]
والسلام لابنة شعيب إن أخطأت الطريق القويم ارمي حجراً يدلني على الطريق المستقيم
الحديث رقم ٥٣٩٢: أخرجه البخاري في صحيحه ١٩/١٣. حديث رقم ٧٠٦٨. وأحمد في المسند ١٧٩/٣.
.... "

١٣٧٢
كتاب الفتن
٢٠
Mi.
.١٣.
رواه البخاري.
-ـ
الفصل الثاني
٥٣٩٣ - (١٥) عن حذيفةَ، قال: واللهِ ما أدري أنسيَ أصحابي أم تناسَوا؟ واللهِ ما
تركَ رسولُ اللهِوَلَهُ مِنْ قائدٍ فتنةٍ
فأوصلتها إلى بيتها ورجعت إلى حزيي ولم يخطر لي حينئذ شيء من الخطرات النفسانية. ثم
بعد مدة من الأزمنة المتأخرة عن تلك الحالة الروحانية هجس في النفس وتوسوس في الخاطر
من الأمور الشيطانية فتأملت أنه هل باعث هذا تغير في مأكلي أو مشربي أو ملبسي أو في
مقصدي لعبادتي وطاعتي، أو حدوث حادث في صحبة أحبتي أو خلطة ظالم وأمثال ذلك فما
رأيت سبباً لظهور هذه الظلمة إلا البعد عن [نور ]زمان الحضرة الموجب لحصول [مثل] هذه
الخطرة. (رواه البخاري) وفي الجامع عن أنس مرفوعاً بلفظ: لا يأتي عليكم عام ولا يوم إلا
والذي بعده شر منه حتى تلقوا ربكم. رواه أحمد والبخاري والنسائي(١). وأخرج الطبراني عن
أنس مرفوعاً: ما من عام إلا الذي بعده شر منه حتى تلقوا ربكم(٢). وفي الكبير للطبراني عن
أبي الدرداء مرفوعاً: ما من عام إلا ينقص الخير فيه ويزيد الشر (٣). قال الزركشي [رحمه الله]:
وأخرج الطبراني عن ابن عباس رضي الله عنه قال: ما من عام إلا ويحدث الناس بدعة ويميتون
سنة حتى تمات السنن وتحيا البدع. فهذا الحديث صريح في أن المراد بالشر موت السنن
وإحياء البدع، ولا شك في تحقق هذين الأمرين في كل زمن من الملوين. ويؤيده ما في
البخاري عن أنس مرفوعاً: لا يأتي على الناس زمان إلا الذي بعده شر منه (٤). وأما ما اشتهر
على ألسنة العامة من حديث: كل عام ترذلون. فهو من كلام الحسن البصري (رحمه الله ]في
رسالته على ما ذكره الزركشي وغيره والله [تعالى] أعلم.
(الفصل الثاني)
٥٣٩٣ - (عن حذيفة قال: والله ما أدري أنسي أصحابي) أي من الصحابة(٥) (أم تناسوا)
أي أظهروا النسيان (والله ما ترك رسول الله ﴿ من قائد فتنة) أي داعي ضلالة وباعث بدعة،
ومن زائدة لتأكيد الاستغراق في النفي. (إلى أن تنقضي الدنيا) أي إلى انقضائها وانتهائها (يبلغ)
(١) الجامع الصغير ٥٨٦/٢ حديث رقم ٩٩٣٧.
الترمذي في السنن ٤٢٦/٤ حديث رقم ٢٢٠٦ وليس للطبراني. كذا في الجامع الصغير.
(٢)
(٣) ذكره السيوطي في الجامع الصغير ٢/ ٨٩٢ حديث رقم ٨٠٥٩.
(٤) البخاري تعليقاً ١٩/١٣ الباب ٦ من كتاب ((الفتن)).
الحديث رقم ٥٣٩٣: أخرجه أبو داود في السنن ٤٤٣/٤ حديث رقم ٤٢٤٣.
(٥) في المخطوطة ((صحابته).
: جk ت
٠٠٢٤