Indexed OCR Text

Pages 421-440

٤٢١
كتاب الرقاق/ باب فضل الفقراء وما كان من عيش النبي ◌َّـ
وقمت على باب النار فإِذا عامةُ من دخلها النساءُ)). متفق عليه.
٥٢٣٤ _ (٤) وعن ابن عبّاس، قال: قال رسول الله وَله: ((اطلعتُ في الجنَّة، فرأيت
أكثر أهلها الفقراء. واطلعتُ في النار فرأيت أكثر أهلها النساء)». متفق عليه.
٥٢٣٥ _ (٥) وعن عبد الله بن عمرو [رضي الله عنهما] قال: قال رسول الله وَله:
((إِن فقراءَ المجاهرينَ
الجنة لفقرهم أي من غير وقوف في العرصات ]. وفي الجامع: إلا أصحاب النار فقد أمر بهم
إلى النار. [وخلاصته أن غير بمعنى لكن، والمعنى أن أصحاب الجنة ]جعلوا قسمين محبوسين
ومدخلين، ولكن أصحاب النار جعلوا قسماً واحداً أمر بإدخالهم النار. (وقمت على باب النار
فإذا عامة من دخلها) أي أكثر من دخلها مع الكفار (النساء) لكثرة ميلهن إلى الدنيا ولمنعهن
الرجال عن طريق العقبى (متفق عليه) ورواه أحمد والنسائي عنه.
٥٢٣٤ - (وعن ابن عباس قال: قال رسول الله وَلقر: اطلعت في الجنة) أي أشرفت عليها
لقوله تعالى: ﴿لو اطلعت عليهم﴾ [الكهف - ١٨]. ففي بمعنى على كقوله تعالى:
﴿الأصلبنكم في جذوع النخل﴾ [طه - ٧١]. وحاصلة: نظرت إليها أو أوقعت الإطلاع فيها.
(فرأيت) أي علمت (أكثر أهلها الفقراء) وقال الطيبي (رحمه الله تعالى]: ضمن اطلعت بمعنى
تأملت، ورأيت بمعنى علمت، ولذا عداه إلى مفعولين. ولو كان الإطلاع بمعناه الحقيقي لكفاه
مفعول واحد انتهى. وفيه أنه لم يتعد هنا إلى مفعولين كما لا يخفى. (واطلعت في النار فرأيت
أكثر أهلها النساء. متفق عليه) . هذا الحديث رواه البخاري من حديث عمران بن حصين،
ومن حديث أبي هريرة أيضاً. ورواه مسلم من حديث ابن عباس، ورواه الترمذي من حديث
عمران وابن عباس، كذا قال الشيخ الجزري. وعلى هذا فقول المؤلف في آخر حديث ابن
عباس متفق عليه لا يخلو عن تأمل، ذكره ميرك. وفيه أن مبناه على المسامحة حيث وقع
الاتفاق على لفظ الحديث وإن اختلفا في المروي عنه من الصحابة، نعم كان حقه أن يقول:
رواه مسلم ورواه البخاري عن عمران بن حصين، كما قال في الجامع بعد إيراد الحديث بعينه.
رواه أحمد ومسلم والترمذي عن ابن عباس، والبخاري والترمذي عن ابن عباس، والبخاري
والترمذي عن عمران بن حصين.
٥٢٣٥ - (وعن عبد الله بن عمرو) بالواو (قال: قال رسول الله وَله: إن فقراء المهاجرين
الحديث رقم ٥٢٣٤: أخرجه البخاري في صحيحه ٤١٥/١١. حديث رقم ٦٥٤٦. ومسلم في صحيحه ٤/
٢٠٩١ حديث رقم (٢٧٣٧.٩٤). والترمذي في السنن ٦١٧/٤ حديث رقم ٢٦٠٢. وأحمد في
المسند ٢٣٤/١.
الحديث رقم ٥٢٣٥: أخرجه مسلم في صحيحه ٤/ ٢٢٨٥ حديث رقم (٢٩٧٩.٣٧) وابن ماجه في السنن
١٣٨١/٢ حديث رقم ٤١٢٣. والدارمي في السنن ٢/ ٤٣٧ حديث رقم ٢٨٤٤ وأحمد في المسند
١٦٩/٢.

٤٢٢
كتاب الرقاق/ باب فضل الفقراء وما كان من عيش النبي ◌َّ -
يسبقونَ الأغنياء يومَ القيامةِ إِلى الجنة بأربعين خريفاً». رواه مسلم.
٥٢٣٦ - (٦) وعن سهل بن سعد، قال: مرّ رجلٌ على رسول الله بَّر فقال لرجلٍ عنده
جالس: ((ما رأيك في هذا؟)) فقال رجل من أشراف الناس: هذا والله حريّ إِن خطب إِن
يُنكِحَ، وإِن شَفَعَ أن يُشفِّعَ. قال: فسكت رسول الله وَلَّه ثم مرَّ رجلٌ فقال له رسول الله وَله :
يسبقون الأغنياء) أي من المهاجرين فغيرهم بالأولى، ولذا أطلق الأغنياء. وعلى هذا [يقاس]
فقراء كل طائفة من أهل زمان ومكان على أغنيائهم. (يوم القيامة) أي لمحاسبة الأغنياء
ولخلاص الفقراء عن العناء، فإن المفلس في أمان الله دنيا وأخرى. (إلى الجنة) متعلق
بيسبقون، أي يسابقون ويبادرون إليها. (بأربعين خريفاً) قال الطيبي [رحمه الله ]نقلاً عن
النهاية: الخريف الزمان المعروف بين الصيف والشتاء، ويريد به أربعين سنة لأن الخريف لا
يكون في السنة إلا مرة واحدة انتهى. فالمعنى بمقدار أربعين سنة من أعوام الدنيا أو الأخرى،
مع احتمال أن يراد بها الكثرة ويختلف باختلاف أحوال الفقراء والأغنياء في الكمية والكيفية
المعتبرة. وخلاصته أن الفقراء في تلك المدة لهم حسن العيش في العقبى مجازاة لما فاتهم من
التنعم في الدنيا كما قال تعالى: ﴿كلوا واشربوا هنيئاً بما أسلفتم في الأيام الخالية ﴾ [الحاقة -
٢٤]. أي الماضية، أو الخالية عن المأكل والمشرب صياماً أو وقت المجاعة. وقد ورد على
ما سبق: إن أطول الناس جوعاً يوم القيامة أطولهم شبعاً في الدنيا. ويؤيد ما ذكرناه من تفاوت
المراتب أنه جاء في رواية ابن ماجه عن أبي سعيد بلفظ: أن فقراء المهاجرين يدخلون الجنة
قبل أغنيائهم بمقدار خمسمائة [سنة ](١). (رواه مسلم).
٥٢٣٦ - (وعن سهل بن سعد قال: مر رجل على رسول الله وَله فقال لرجل عنده) الظاهر
أنه كان من الأغنياء فيكون في سؤاله وجوابه له تنبيه نبيه على فضل الفقراء. (جالس:) بالجر
صفة رجل. وفي نسخة بالرفع على أنه فاعل الظرف أو خبر بعد خبر، أو خبر لمبتدأ محذوف
هو هو. (ما رأيك في هذا) أي ما ظنك في حق هذا الرجل المار تظنه خيراً أم شراً، ذكره ابن
الملك. (فقال) أي الذي عنده (رجل) أي هو، أو هذا يعني المار (من أشراف الناس:) أي
كبرائهم وعظمائهم (هذا) أي هذا الرجل بعينه أو هذا الشخص بجنبه، أي مثل هذا الرجل.
(والله حري) على وزن فعيل وهو خبر هذا والقسم معترض بينهما، أي جدير وحقيق. (إن
خطب [الناس ]) أي طلب أن يتزوج امرأة (أن ينكح) [بصيغة المجهول أي بأن يزوجه إياها
أهلها (وإن شفع) أي لأحد عند الحكام أو الرؤساء في جلب العطاء أو دفع البلاء (أن يشفع)]
بصيغة المفعول مشدداً، أي تقبل شفاعته. (قال:) أي الراوي (فسكت رسول الله وَلقر.) أي عن
الجواب ولم يذكر ما تقتضيه المحاورة من الخطاب (ثم مر رجل) أي آخر (فقال له:) أي
(١) أخرجه ابن ماجه في السنن ٢/ ١٣٨١ حديث رقم ٤١٢٣.
٠٠;"
الحديث رقم ٥٢٣٦: أخرجه البخاري في صحيحه ٢٧٣/١١. حديث رقم ٦٤٤٧. وابن ماجه في السنن
١٣٧٩/٢ حديث رقم ٤١٢٠.
٩٥٠

٠٠٠
٤٢٣
كتاب الرقاق/ باب فضل الفقراء وما كان من عيش النبي ◌َّخر
((ما رأيك في هذا؟)) فقال: يا رسول الله! هذا رجلٌ من فقراء المسلمين، هذا حريّ إِن خطب
أن لا ينكح، وإِن شفع أن لا يُشفَع، وإِن قال أن لا يسمع لقوله. فقال رسول الله وَّ: «هذا
خيرٌ من ملء الأرضِ مثل هذا)).
للرجل الذي عنده (ما رأيك في هذا. فقال: يا رسول الله هذا رجل من فقراء المسلمين هذا
حري) ترك القسم لاحتمال التخلف، وأما تأكيد الحكم به سابقاً، فللمبالغة في تحقق الظن فيه.
والمعنى: هذا لائق. (إن خطب أن لا ينكح وإن شفع أن لا يشفع وإن قال) أي بكلام، ولو
كان صدقاً أو حقاً. (أن لا يسمع) بصيغة المجهول ونائب الفاعل قوله: (لقوله:) والمعنى أن
أحداً لا يسمع لكلامه ولا يلتفت إليه من غاية فقره وقلة نظام أمره . * ففي غرائب ما يحكى أن
رجلاً غريباً فقيراً رافق شخصاً ملك بعيراً وحمله حملاً ثقيلاً فقال: ما حملك هذا وما حملك
على هذا. قال: عدل منه حب الطعام وعدل آخر مليء من البطحاء ليعتدل النظام. قال الفقيرُ
له: لو تركت البطحاء وقسمت الحب في العدلين متناصفين لخف حملك وركبت جملك.
فقال: بارك الله فيك لما صدر من فيك فأطاعه فيما بينه وركب على وجه عينه فسأله: هل أنت
بهذا العقل كنت في بلادك سلطاناً. فقال: لا، فقال: فوزيراً فأميراً فتاجراً فرئيساً فصاحب إبل
وصاحب خيل أو غنم أو زراعة ونحو ذلك. فيقول: لا. فقال: أكنت في بلدك فقيراً على هذا
الحال وحقيراً على هذا المنوال، فقال: نعم. فقال: أنت شؤم ووجهك شؤم وكلامك شؤم
ومن يسمعك أيضاً شؤم. ونزل عن بعيره وأمر على تغييره من سوء تدبيره. ومثل هذا مشاهد
في العالم كثيراً، مثلاً إذا كان العالم فقيراً والشيخ إذا كان حقيراً حيث لا يلتفت أحد [إلى
كلامه ]ولا يعظم على قدر مقامه بخلاف العالم والشيخ إذا كان مشهوراً وعلم جاهه بين العوام
منشوراً فإنه (١) يقبل قوله ويتبع فعله، ولو كان في نفس الأمر ناقصاً في علمه أو عمله والله ولي
دينه وناصر نبيه، ومن هذا القبيل قول أهل الجاهلية في حقه * لما كان تاركاً للمال والجاه
على ما حكاه الله تعالى عنهم بقوله: ﴿وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين
عظيم﴾ [الزخرف - ٣١]. وأرادوا بالقريتين مكة والطائف، كان كل أهل قرية(٢) قالوا هذه
المقالة فلف النشر اعتماداً على معرفة تلك الحالة، فقال تعالى رداً عليهم: ﴿أهم يقسمون
رحمة ربك نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ﴾ [الزخرف - ٣٢ ] الآيات. (فقال
رسول الله ◌َله: هذا) أي هذا الرجل وحده وكذا أمثاله (خير من ملء الأرض مثل هذا) [أي
مثل] الرجل الأوّل. ووجهه والله تعالى أعلم أن الفقير لصفاء قلبه أقرب إلى قبول أمر ربه
والوصول إلى مرتبة حبه، بخلاف الأغنياء الأغبياء فإن لهم الطغيان والاستغناء والتكبر
والخيلاء. وقد قال الله تعالى: ﴿سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق ﴾
[الأعراف - ١٤٦]. وهذا أمر مشاهد مرئي في تلامذة العلماء ومريدي الصلحاء والتابعين أولاً
للأنبياء، بل السابقين إلى العبادات من الصلوات وغيرها حتى الحج الذي لم يجب إلا على
الأغنياء. فالفائزون به لا سيما على وجه الإخلاص المبرأ عن الأغراض الفاسدة والمكاسب
(١) في المخطوطة ((شأنه)).
(٢) في المخطوطة ((قومه).

٤٢٤
كتاب الرقاق/ باب فضل الفقراء وما كان من عيش النبي ◌َالر
متفق عليه .
٥٢٣٧ _ (٧) وعن عائشةً، قالتْ: ما شَبعَ آل محمّد من خبز الشعير يومينٍ متتابعين
حتى قُبض رسول الله وَێد .
الكاسدة إنما هم الفقراء. هذا وقال شارح: مثل، منصوب على التمييز من ملء الأرض. ويؤيده
قول الطيبي [رحمه الله]: وقع ملء الأرض مفضلاً عليه باعتبار مميزة وهو قوله: مثل هذا، لأن
البیان والمبين شيء واحد انتھی. ویمکن أن یکون نصبه بنزع الخافض، ويؤيده أنه وقع في بعض
النسخ بالجر، أي من مثل هذا الرجل الأوّل. لكن النسخ المصححة من نسخة [السيد ]وغيرها
على الأوّل فهو المعول. ولا يغرك قول ابن حجر: مثل هذا، بكسر اللام ويجوز فتحها. ثم
المراد من الرجل الأوّل المعبر عنه بأنه من أشراف الناس واحد من أغنياء المؤمنين، وإنما عبر عن
الخاص بلفظ العام للمبالغة في تحصيل المرام. فإن الغني بغير الخواص والعوام. ولا يتوهم أن
المراد بالرجل الأوّل أحد من الكفار لعدم انتظام الكلام حينئذ في قوله عليه الصلاة والسلام: هذا
خير، بمعنى أفضل منه. إذ لا مفاضلة بين الكفار وأهل الإِسلام لأنه لا خير في كفار الأنام حتى
قال بعض العلماء الأعلام: إن من قال النصراني خير من اليهودي يخشى عليه [الكفر ) إذا ثبت
الخير فيمن لا خير فيهم، وإنما لم يجزم بكفره لأنه قد يقصد بالخير أنه أقرب إلى الحق، ولذا
قال تعالى: ﴿لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا ولتجدن أقربهم مودة
للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى﴾ [المائدة - ٨٢ ]. كما أنه قد يقصد بالخير مجرد زيادة
الحسن، ومنه قوله تعالى: ﴿أصحاب الجنة يومئذ خير مستقراً وأحسن مقيلاً﴾ [الفرقان - ٢٤].
لكن إيراد الحديث في هذا الباب يدل على أن ما ذكرناه هو الصواب، وهو لا ينافي ما ذكره
الغزالي: أن عذاب الكافر الفقير الدنيء أخف من الكافر الغني. فإذا كان الفقر ينفع الكافر في
النار فما ظنك بنفعه للأبرار في دار القرار. (متفق عليه).
٥٢٣٧ - (وعن عائشة قالت: ما شبع آل محمد) أي أهل بيته من حرمه وخدمه (من خبز
الشعير) فمن البر بالأولى. (يومين متتابعين) أي بل إن حصل الشبع يوماً وقع الجوع يوماً بناء
على ما اختاره وَ﴿ حين عرض عليه خزائن الأرض وأن يجعل جبال مكة ذهباً، فاختار الفقر
قائلاً: أجوع يوماً فأصبر وأشبع يوماً فأشكر. لأن الإِيمان نصفان، نصفه شكر ونصفه صبر.
كما قال تعالى: ﴿إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور﴾ [إبراهيم - ٥، لقمان - ٣١، سبأ -
١٩، الشورى - ٣٣]. أي لكل مؤمن كامل بالوصفين عالم وعامل (حتى) أي استمر عدم
الشبع على الوجه المذكور حتى (قبض رسول الله (#) أي ودرعه مرهونة عند يهودي في جملة
صاع من الشعير. وفيه رد على من قال: صاري في آخر عمره غنياً. نعم وقع مال كثير في
الحديث رقم ٥٢٣٧: أخرجه البخاري في صحيحه ٥٤٩/٩. حديث رقم ٥٤١٦. ومسلم في صحيحه ٤/
٢٢٨٢ حديث رقم (٢٢. ٢٩٧٠). وأخرجه النسائي في السنن ٢٣٦/٧ حديث رقم ٤٤٣٢
وأخرجه ابن ماجه ١١١٠/٢ حديث رقم ٣٣٤٣.
١٠٠

-
٤٢٥
كتاب الرقاق/ باب فضل الفقراء وما كان من عيش النبي ◌َّ-
متفق عليه .
٥٢٣٨ - (٨) وعن سعيد المقبري، عن أبي هريرة: أنَّه مرَّ بقوم بين أيديهم شاةً
مصلية، فدعوه، فأبى أن يأكلَ، وقال: خرج النبيُّ وَّهِ من الدنيا ولم يشبَعْ من خبز الشعير.
رواه البخاري.
٥٢٣٩ - (٩) وعن أنس، أنه مشى إِلى النبيُّ ◌َّ ر بخبز شعير وإِهالة سنخة، ولقد
رهن النبي ټ# درعاً له بالمدينة عند يهوديّ،
يده لكنه ما أمسكه بل صرفه في مرضاة ربه وكان دائماً غني القلب بغنى الرب. (متفق عليه)
ورواه الترمذي في شمائله عنها. وروي عن ابن عباس قال: كان رسول الله وَيقر يبيت الليالي
الممتابعة طاوياً، أي جائعاً هو وأهله لا يجدون عشاء. وكان أكثر خبزهم خبز الشعير(١).
وبهذا الحديث يتبين أن أحداً في زماننا من الفقراء ما يعيش عيشه وَلاغير، وهو أفضل الأنبياء.
ففي فعله ◌َّ تسلية عظيمة للفقراء، كما أن في قوله(٢) توصية جسيمة للأغنياء فهو رحمة
للعالمين وإمام للعالمين العاملين.
٥٢٣٨ - (وعن سعيد) وفي نسخة أبي سعيد وهو خطأ مخالف للأصول المعتمدة.
والنسخ المصححة على ما صرح به بعضهم. وقال: هو سعيد بن أبي سعيد المقبري، واسم
أبي سعيد كيسان وكان يسكن عند مقبرة فنسب إليها انتهى. ولم يذكرهما المؤلف في أسمائه.
[ثم قوله ]: (المقبري) بفتح ميم وسكون قاف وضم موحدة، ويفتح ويكسر نسبة إلى موضع
القبور. والمراد أبو سعيد وابنه سعيد كذا في أنساب المغني. (عن أبي هريرة أنه مر بقوم بين
أيديهم شاة مصلية) اسم مفعول من صلى على وزن مرمية، أي مشوية. (فدعوه) أي أبا هريرة
إلى أكلها (فأبى أن يأكل) أي فامتنع من أكله إياها. (وقال:) أي معتذراً (خرج النبي ◌َّر من
الدنيا ولم يشبع من خبز الشعير. رواه البخاري).
٥٢٣٩ - (وعن أنس أنه مشى إلى النبي وَل﴿ بخبز شعير) أي مصحوباً به (وإهالة) [بكسر
الهمزة، كل آدهن يؤتدم به. (سنخة) فتح سين مهملة وكسر نون وفتح خاء معجمة بعدها هاء،
أي متغيرة الريح لطول المكث. في النهاية [قيل]: الإِهالة ما أذيب من الألية والشحم، وقيل
الدسم الجامد(٢) والسنخة المتغيرة الريح. (ولقد رهن النبي ◌َّلفي درعاً له بالمدينة عند يهودي
(١) أخرجه الترمذي في السنن ٥٠١/٤ حديث رقم ٢٣٦٠. وكذلك أحمد وابن ماجه.
(٢) في المخطوطة ((حوله)).
الحديث رقم ٥٢٣٨: أخرجه البخاري في صحيحه ٥٤٩/٩. حديث رقم ٥٤١٤.
الحديث رقم ٥٢٣٩: أخرجه البخاري في صحيحه ٣٠٢/٤. حديث رقم ٢٠٦٩. وابن ماجه في السنن ٢/
١٣٨٩ حديث رقم ٤١٤٧. وأحمد في المسند ١٣٣/٣.
(٣) في المخطوطة ((الجلدة)).

٤٢٦
كتاب الرقاق/ باب فضل الفقراء وما كان من عيش النبي ◌َّ-
وأخذ منه شعيراً لأهله، ولقد سمعته يقول: ((ما أمسى عند آلٍ محمَّدٍ صاعُ بُرّ ولا صاعُ
حَبّ، وإِن عنده لتسعَ نسوةٍ)). رواه البخاري.
٥٢٤٠ _ (١٠) وعن عمر رضي الله عنه، قال: دخلتُ على رسولِ اللَّهِ وَ لّ فإذا هو
وأخذ منه شعيراً) أي مقداراً معيناً من الشعير (لأهله) أي لأهل بيته. ولعل وجه الأخذ منه
لتكون الحجة بالغة عليه أو ستراً لحاله عن المساكين، أو لئلا يثقل عليهم فيعطوه استحياء، أو
لم يأخذوا منه وقت العطاء رياء. والأظهر أنه مبالغة في تنزهه ومتر عن طلب الأجر من الأمة
ولو صورة حيث قال تعالى: ﴿قل لا أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على الله ﴾
[الشورى - ٢٣]. ونظيره ما وقع لإمامنا الأعظم [رحمه الله ]حيث لم يقف في ظل جدار من
كان يطالبه بدين معللاً بحديث: ((كل قرض جر منفعة فهو رياء» (١). وقد روي أن الإمام حمزة
أحد الأئمة القراء السبعة الذي قال الشاطبي [رحمه الله ]في حقه من المنقبة:
وحمزة ما أزكاه من متورع
إماماً صبوراً للقرآن مرتلا
كان لا يأخذ أجراً على الإقراء لأنه تمذهب بحديث التغليظ في أخذ الأجرة عليه، أو من
كمال تورعه حتى عرض تلميذه عليه ماء في يوم حر فأبى. وقيل إنه وقع في بئر فكل من جاء
ليستخرجه منها سأله هل قرأت عليّ فيقول بلى فيمتنع أن يستعين به إلى الخروج من الخلا إلى
الملا، وأهل الكوفة كانوا كلهم تلاميذه فعجزوا حتى رأوا أعرابياً فأتاه فأخرجه منها بعد أن بين
له أنه قط ما قرأ عليه ولا سمع ممن(٢) يقرأ لديه. (ولقد سمعته) قال الطيبي: ضميراً المفعول
في سمعته عائد إلى أنس والفاعل هو راوي أنس انتهى. وتبعه ابن الملك وغيره من الشراح،
أي قال راوي الحديث عن أنس: سمعت أنساً. (يقول: ما أمسى) أي للذخيرة (عند آل محمد
صاع بر) أي للقوت (ولا صاع حب) تعميم بعد تخصيص. والمعنى أنه لم يدخر في الليل
للغد. (وإن عنده لتسع نسوة) بكسر الهمزة والجملة حالية. وفي بعض الروايات وإن عنده
يومئذ لتسع نسوة، وهذه الجملة من كلام الراوي قطعاً لقوله: عنده. والتأويل بالالتفات مما لا
يلتفت إليه ولا يعول عليه. وإنما الخلاف فيما قبله حيث قال بعضهم: الحق أن الضمير(٣)
المفعول راجع إلى النبي ◌ّير، والفاعل هو أنس كما صرح به الشيخ ابن حجر العسقلاني
[رحمه الله]. ويدل عليه رواية أحمد قال: ولقد سمعت رسول الله ولو الخ. ويؤيده قوله: ما
أمسى عند آل محمد. إذ لو كان من كلام الراوي ناسب أن يقول: عند آل النبي وَّر. والله
[تعالى ]أعلم. (رواه البخاري).
٥٢٤٠ - (وعن عمر رضي الله [تعالى ]عنه قال: دخلت على رسول الله بَ لقر فإذا هو
(١) ذكره السيوطي في الجامع الصغير ٣٩٤/٢ حديث رقم ٦٣٣٦. وقال رواه الحارث عن علي.
(٢) في المخطوطة ((ما)).
(٣) في المخطوطة ((ضمير)).
الحديث رقم ٥٢٤٠: أخرجه البخاري في صحيحه ٨/ ٦٥٧ حديث رقم ٤٩١٣. ومسلم في صحيحه =

٤٢٧
كتاب الرقاق/ باب فضل الفقراء وما كان من عيش النبي تَ لّر
مضطجعٌ على رِمالِ حصيرٍ، ليس بينه وبينه فراش، قد أثَّر الرِّمالُ بجنبه، متكئاً على وسادةٍ
مِنْ أَدَمِ حَشْوُها لِيفٌ. قلتُ: يا رسول الله: ادعُ اللَّهَ فلْيوسع على أمَّتك، فإن فارسَ والزّومَ
قدِ وُسعَ عليهم وهم لا يعبدونَ الله. فقال: ((أو في هذا أنتَ يا ابن الخطاب؟
مضطجع على رمال حصير) بالإضافة، أي على رمال من حصير. قال شارح: الرمال بكسر
الراء وضمها جمع رميل بمعنى مرمول، أي منسوج ويستعمل في الواحد، وهذا من إضافة
الجنس إلى النوع كخاتم فضة. والمراد بالحصير هنا المنسوج من ورق النخل انتهى. وقيل:
الرمال ما ينسج عوداً عوداً. والظاهر أن ضم الراء أشهر ولذا صاحب القاموس عليه اقتصر
وقال: رمال الحصير كغراب مرموله. وفي النهاية: الرمال ما رمل أي نسج. قال الزمخشري:
ونظيره الحطام والزكام لما يحطم ويزكم. وقال غيره: الرمال جمع رمل بمعنى مرمول كخلق
الله تعالى بمعنى مخلوقه. والمراد أنه كان السرير قد نسج وجهه بالسعف ولم يكن على السرير
وطاء سوى الحصير ذكره الطيبي [رحمه الله ]. لكن كون المراد برمال الحصير شريط السرير
بعيد عند الفقير، بل الظاهر أنه مضطجع على منسوج من حصير. (ليس بينه) أي بين النبي وَل قيد
(وبينه) أي بين الحصير (فراش) أي لا من القطن ولا من الحرير. (قد أثر الرمال بجنبه) أي من
بدنه لا سيما عند كشفه من ثوبه (متكئاً) أي حال كونه معتمداً (على وسادة) أي مخدة (من أدم)
بفتحتين، أي جلد (حشوها) أي محشو الوسادة (ليف) في القاموس: ليف النخل بالكسر
معلوم. (قلت: يا رسول الله ادع الله فليوسع) بكسر السين المشددة وسكون العين. (على
أمتك) أي فإنهم لا يطيقون متابعتك في تحمل محنتك، فربما يتنفرون عن الميل إلى ملتك.
(فإن فارس والروم قد وسع عليهم وهم لا يعبدون الله) وكأن ابن الخطاب الناطق بالصواب
الموافق رأيه للكتاب أخذ هذا المعنى من قوله تعالى: ﴿ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا
لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفاً من فضة﴾ [الزخرف - ٣٣ ] الآية. ومفهومها أنه ما وسع
عليهم توسيعاً كلياً ولا ضيق على المؤمنين تضييقاً كلياً وإن كان ذلك مقتضى ظاهر العدل من
تقسيم الدارين بين الفريقين كما أخبر به * في حديث: ((الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر))(١).
فالحكمة البالغة هي المانعة من ميل المؤمنين إلى طريق الكافرين وهي الحالة الوسطى بالنسبة
إلى عموم الخلق، وإن كانت المرتبة العليا بالإضافة إلى الخواص من الأنبياء والأولياء كمال
الزهد في الدنيا والقناعة بأقل ما يتصور من متاعها، ليكون تمتعهم تاماً في العقبى. (فقال:) أي
النبي * (أو في هذا أنت) بفتح الواو بعد استفهام إنكاري والمعطوف عليه مقدر، أي أتقول
هذا الكلام وأنت إلى الآن في هذا المقام ولم يحصل لك الترقي إلى فهم المرام. وقيل: قدم
الاستفهام لصدارته، والواو لمجرد الربط بين الكلام السابق واللاحق. (يا ابن الخطاب) قيل:
في خطابه يابن الخطاب دون عمر إيذان بأن الالتذاذ بطيبات الدنيا من خصال ذوي الجهل
دال- اللوها: جاريا جم/ ٦٦٦/١٢٠١٠٠
٠٦.
+۵۵،
١١٠٥/٢ حديث رقم (١٤٧٩.٣٠). وابن ماجه في السنن ١٣٩٠/٢ حديث رقم ٤١٥٣ وأحمد
=
في المسند ١٤٠/٣.
(١) مسلم في صحيحه ٢٢٧٢/٤ حديث رقم ٢٩٥٦.
/١٠٠٠١/٠١

٤٢٨
كتاب الرقاق/ باب فضل الفقراء وما كان من عيش النبي 15
أُولئكَ قومٌ عُجّلتْ لهم طيّباتهم في الحياة الدنيا)). وفي رواية: ((أمَا ترضى أن تكونَ لهم
الدنيا ولنا الآخرة؟!)). متفق عليه.
٥٢٤١ _ (١١) وعن أبي هريرة، قال: لقد رأيتُ سبعين من أصحاب الصُّفة، ما منهم
رجلٌ عليه رداءٌ، إِما إِزارٌ وإِما كساءً، قد ربطوا في أعناقهم،
والعمى وكأنه يقول: يا ابن ذلك المقيد بطيبات الدنيا الغافل عن نعيم [دار ]العقبى. (أولئك)
أي فارس والروم وسائر الكفار. (عجلت لهم طيباتهم في الحياة الدنيا) أي كما أخبر الله في
كتابه أنه ينكر عليهم يوم القيامة بخطابه حيث قال: ﴿ويوم يعرض الذين كفروا على النار أذهبتم
طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها فاليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تستكبرون في
الأرض بغير الحق وبما كنتم تفسقون﴾ [الأحقاف - ٢٠]. هذا وقد قال الطيبي [رحمه الله]:
قوله: فليوسع، الظاهر نصبه ليكون جواب الأمر، أي ادع الله فيوسع واللام للتأكيد والرواية
الجزم على أنه أمر للغائب، كأنه التمس من رسول الله و ﴿ الدعاء لأمته بالتوسعة وطلب من الله
الإجابة. وكان من حق الظاهر أن يقال: ادع الله ليوسع عليك فعدل إلى الدعاء للأمة إجلالاً
لمحله وَ ل# وإبعادا لمنزلة(١) من رسخ للنبوة أن يطلب من الله تعالى هذا الدنيء الخسيس لنفسه
النفيس، ومع ذلك أنكر عليه هذا الإِنكار البليغ. وقوله: أو في هذا، مدخول الهمزة محذوف،
أي أتطلب هذا وفي هذا أنت وكيف يليق بمثلك أن يطلب من الله التوسعة في الدنيا. (وفي
رواية: أما ترضى أن تكون لهم الدنيا) أي موسعة خاصة (ولنا الآخرة) أي مرضعة خالصة (متفق
عليه). وروى ابن ماجه الرواية الأخيرة.
٥٢٤١ - (وعن أبي هريرة قال: لقد رأيت سبعين من أصحاب الصفة) وفي نسخة: من
أهل الصفة. وهم كانوا أربعمائة من المهاجرين تهيؤوا لتعلم القرآن والخروج في السرايا لقتال
أهل الطغيان، وكان أبو هريرة ناظرهم ونقيبهم ومتفقد حالهم ورقيبهم. وكانوا يأوون في صفة
آخر مسجده ◌َ*و. وقد نزل في حقهم: ﴿للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله لا يستطيعون
ضرباً في الأرض يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف تعرفهم بسيماهم لا يسألون الناس إلحافاً ﴾
[البقرة - ٢٧٣]. أي أصلاً، بل كانوا متوكلين ومتقنعين بالتقاط(٢) النواة ونحوها من جهة الزاد
للمعاش والمعاد. وأما من جهة الكسوة فكما بينه أبو هريرة بقوله: (ما منهم رجل عليه رداء)
ففي النهاية: هو الثوب أو البرد الذي يضعه الإنسان على عاتقه وبين كتفيه فوق ثيابه. قال السيد
جمال الدين [رحمه الله]: قوله: فوق ثيابه، خلاف ما عليه أئمة اللغة، وإنما الرداء هو الذي
:ستر أعالي البدن فقط. قلت: ويؤيده قوله: (إما إزار وإما کساء) أي إزار واحد يستر عورته،
وإما كساء واحد يشتمل به كما بينه بقوله: (قد ربطوا) أي طرفه (في أعناقهم) وحاصل المعنى
١٠٠
(١) في المخطوطة ((لمنزلته).
الحديث رقم ٥٢٤١: أخرجه البخاري في صحيحه ٥٣٦/١ حديث رقم ٤٤٢.
(٢) في المخطوطة ((بالقاط)).
٥٫٠٠٠

٤٢٩
كتاب الرقاق/ باب فضل الفقراء وما كان من عيش النبي ◌َّر
فمنها ما يبلغُ نصفَ الساقين، ومنها ما يبلغُ الكعبين فيجمعه بيده كراهيةَ أن تُرى عورته)).
رواه البخاري.
٥٢٤٢ - (١٢) وعنه، قال: قال رسول الله وَّه: ((إِذا نظر أحدكم إِلى مَنْ فُضّل عليه
في المال والخَلْق؛ فلينظر إِلى من هو أسفل مِنه)).
أنه لم يكن له ثوب يتردى به، بل كان له إما إزار فحسب أو كساء فحسب. وفي العدول عن
ضمير المفرد إلى الجمع في قوله: قد ربطوا في أعناقهم، حيث لم يقل: قد ربطه في عنقه،
إشعار بأن حال جميعهم كان على هذا المنوال كما يفيده تنكير رجل واستغراق النفي مع زيادة
المبالغة بزيادة من في قوله: منهم. ثم تأنيث الضمير في قوله: (فمنها ما يبلغ [نصف ]الساقين
ومنها ما يبلغ الكعبين) مع أنه راجع إلى الكساء والإِزار باعتبار الجمعية في الأكسية والإِزار، أو
الأكسية وحدها لقربها ولمقايسة غيرها عليها. ولها نظائر من قوله تعالى: ﴿واستعينوا بالصبر
والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين﴾ [البقرة - ٤٥]. ومن قوله عزَّ وجلَّ: ﴿والذين
يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله﴾ [التوبة - ٣٤]. فإن المفرد يدل(١) على
الجمع، لا سيما والمراد به الجنس الذي قد يعبر عنه بالتأنيث لدلالته على جمعية الجماعة كما
قد يفرد باعتبار لفظه، وهو المعني بقوله: (فيجمعه) أي يجمع الرجل ذلك الثوب من الكساء
أو الإزار (بيده) لئلا يفترق أحد طرفيه من الآخر (كراهة أن ترى عورته) أي في نظر غيره أو
حال صلاته. هذا وقد قال الطيبي [رحمه الله]: التأنيث باعتبار الجمعية في الأكسية والإِزار
وتعدد المكتسين، والإِفراد في بيده باعتبار الرجل المذكور. (رواه البخاري).
٥٢٤٢ - (وعنه) أي عن أبي هريرة (قال: قال رسول الله وَّ ر: إذا نظر أحدكم إلى من
فضل عليه) بصيغة المجهول من التفضيل، أي زيد عليه. (في المال والخلق) أي في الصورة أو
في الخدم والحشم. وحاصله أنه إذا رأى أحدكم من هو أكثر منه حشمة ومالاً ولباساً وجمالاً
ولم يعرف أن [له ]في الآخرة به وبالاً. (فلينظر إلى من هو أسفل منه) بفتح اللام ويضم، أي
من هو دونه في الدنيا وأقل رتبة منه مالاً ومنالاً وله في الآخرة الدرجة العليا مآلاً. وفي
الحديث دلالة على أن [حال ]أكثر الخلق هو الاعتدال ولو بحسب الإضافة والانتقال. فالسالك
بالنظر إلى حال طرفيه يحصل له حسن الحال، وإيماء إلى أن المفضل على الخلق كلهم من
جميع الوجوه مثلاً أو فرضاً لا ينظر إلى من تحته لئلا يحصل له العجب والغرور والافتخار
والتكبر والخيلاء، بل يجب عليه أن يقوم بحق شكره على النعماء. وأما من لم يكن تحته أحد
في الفقر فينبغي أن يشكر ربه حيث لم يبتله بالدنيا لقلة غنائها وكثرة عنائها وسرعة فنائها وخسة
(١) في المخطوطة ((يدخل)).
الحديث رقم ٥٢٤٢: أخرجه البخاري في صحيحه ٣٢٢/١١ حديث رقم ٦٤٩٠. ومسلم في صحيحه ٤/
٢٢٧٥ حديث رقم (٢٩٦٣.٨). والترمذي في السنن ٥٧٤/٤ حديث رقم ٢٥١٣. وابن ماجه ٢/
١٣٨٧ حديث رقم ٤١٤٢. وأحمد في المسند ٣١٤/٢.

٤٣٠
كتاب الرقاق/ باب فضل الفقراء وما كان من عيش النبي ◌َلخر
متفق عليه. وفي رواية لمسلم، قال: ((انظروا إِلى من هو أسفل منكم، ولا تنظروا إِلى من
هو فوقكم؛ فهو أجدر ألا تزدروا نعمة الله علیکم)).
الفصل الثاني
٥٢٤٣ _ (١٣) عن أبي هريرةَ، قال: قال رسول الله وَّه: ((يدخلُ الفقراء الجنة قبلَ
الأغنياء بخمسمائة عام نصف
شركائها. ولذا كان الشبلي [رحمه الله تعالى ]إذا رأى أحداً من أرباب الدنيا قال: اللهم إني
أسألك العفو والعافية في الدنيا والعقبى. ويناسبه ما حُكِيَ أن شخصاً من الفقراء قام في مجلس
واعظ من الأولياء وشكا أنه لم يأكل كذا مدة في الخلا والملا فقال الشيخ: كذبت يا عدو الله
فإنه لا يعطي الجوع الشديد إلا لأصفيائه وخاصة أنبيائه وخلاصة أوليائه، ولو كنت منهم لما
أظهرت هذه الشكاية ولسترت عن الخلق هذه الغاية. ومجمل الحال وخلاصة المقال أن
المؤمن إذا سلم دينه من الخلل والزوال فلا يبالي بنقصان الجاه والمال وسائر المشقات الكائنة
في الحال والاستقبال، كما روي أن صاحباً للغزالي ضرب وحبس فشكا إليه فقال: اشكر فإن
البلاء قد يكون أعظم من هذا، ثم طرح في بئر من السجن فشكا إليه ورد بما سبق عليه. ثم
أتي بیهودي يسهل كل ساعة ووضع معه مسلسلاً بسلسلته يحتاج كل نفس إلى مرافقته
ومصاحبته مع ضيق المكان وظلمة الزمان والعفونة في كل آن فشكا إلى الإمام من ضيق الصدر
فأمره بالشكر والصبر فأجاب جزعاً: أي بلاء أشد من هذا العذاب. فقال الإمام في الجواب:
هو أن يوضع في رقبتك طوق الكفر والحجاب ويسلك بك عن صوب الصواب. (ربنا لا تزغ
قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب﴾. (متفق عليه) ورواه أحمد.
(وفي رواية لمسلم) وقد أخرجها أحمد والترمذي وابن ماجه عنه أيضاً مرفوعاً (قال: انظروا إلى
من هو أسفل منكم) أي دونكم رتبة (ولا تنظروا إلى من هو فوقكم) أي مرتبة (فهو) أي النظر
المذكور إثباتاً ونفياً (أجدر) أي أحق وأولى (أن لا تزدروا نعمة الله عليكم) أي بعدم الازدراء
والاحتقار لما قسم الله عليكم في هذه الدار، فإنه يظهر لكم بذلك النظر أن الله تعالى عليكم
نعماً كثيرة بالنسبة إلى من دونكم أو نعماً كثيرة حيث اختار لكم الفقر والبلاء وجعلكم من أهل
الولاء وشبهكم بالأنبياء والأولياء وخلصكم عن ظلم الأمراء وظلمة الأغنياء الأغبياء.
(الفصل الثاني)
٥٢٤٣ - (وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَ لاتر: يدخل الفقراء) أي الصابرون،
وقيل: ولو كانوا شاكين(١). (الجنة قبل الأغنياء) أي الشاكرين (بخمسمائة عام) أي سنة (نصف
الحديث رقم ٥٢٤٣: أخرجه الترمذي في السنن ٤٩٩/٤ حديث رقم ٢٣٥٤. وابن ماجه ٢/ ١٣٨٠ حديث
رقم ٤١٢٢. وأحمد في المسند ٣٤٣/٢.
(١) في المخطوطة ((شاكرين)).
ء

٤٣١
كتاب الرقاق/ باب فضل الفقراء وما كان من عيش النبي وَ #
يوم)). رواه الترمذي.
٥٢٤٤ - (١٤) وعن أنس، أن النبي ◌َّر قال: ((اللَّهم أحيني مسكيناً،
يوم) بالجر على أنه صفة فارقة أو بدل أو عطف بيان عن خمسمائة عام، فإن اليوم الأخروي
مقدار طوله ألف سنة من سني الدنيا لقوله تعالى: ﴿وإن يوماً عند ربك كألف سنة مما تعدون ﴾
[الحج - ٤٧]. فنصفه خمسمائة. وأما قوله تعالى: ﴿في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة ﴾
[المعارج - ٤]. فمخصوص من عموم ما سبق أو محمول على تطويل ذلك اليوم على الكفار
كما يطوى حتى يصير كساعة بالنسبة إلى الأبرار، كما يدل عليه قوله تعالى: ﴿فإذا نقر في
الناقور فذلك يومئذ يوم عسير على الكافرين غير يسير﴾ [المدثر - ٨ - ٩ - ١٠]. قال
الأشرف: فإن قلت: كيف التوفيق بين هذا الحديث والحديث السابق من قوله: بأربعين خريفاً.
قلت: يمكن أن يكون المراد من الأغنياء في الحديث الأول أغنياء المهاجرين أي يسبق فقراء
المهاجرين إلى الجنة بأربعين خريفاً، ومن الأغنياء في الحديث الثاني الأغنياء الذين ليسوا من
المهاجرين فلا تناقض بين الحديثين انتهى. وفيه أن هذا إنما يتم إذا أريد بالفقراء الخاص
وبالأغنياء العام فلا يفهم حكم الفقراء من غير المهاجرين. فالأولى حمل الحديث على معنى
يفهم الحكم [عموماً ]وهو بأن يقال: المراد بكل من العددين إنما هو التكثير لا التحديد، فتارة
عبر به وأخرى بغيره تفنناً ومآلهما واحد، أو أخبر أولاً بأربعين كما أوحي إليه ثم أخبر ثانياً
بخمسمائة عام زيادة من فضله على الفقراء ببركته ول#، أو التقدير بأربعين خريفاً إشارة إلى أقل
المراتب وبخمسمائة عام إلى أكثرها. ويدل عليه ما رواه الطبراني عن مسلمة بن مخلد ولفظه:
[سبق ]المهاجرون الناس بأربعين خريفاً إلى الجنة ثم يكون الزمرة الثانية مائة خريف. انتهى.
فالمعنى أن يكون الزمرة الثالثة مائتين وهلم جرا وكأنهم محصورون في خمس زمر والله [تعالى]
أعلم. أو الاختلاف باختلاف مراتب أشخاص الفقراء في حال صبرهم ورضاهم وشكرهم وهو
الأظهر المطابق لما في جامع الأصول حيث قال: وجه الجمع بينهما أن الأربعين أراد بها تقدم
الفقير الحريص على الغني، وأراد بالخمسمائة تقدم الفقير الزاهد على الغني الراغب، فكان
الفقير الحريص على درجتين من خمس وعشرين درجة من الفقير الزاهد، وهذه نسبة الأربعين
إلى الخمسمائة. ولا تظنن أن هذا التقدير وأمثاله يجري على لسان النبي و # جزافاً ولا باتفاق
بل أسر أدركه ونسبة أحاط بها علمه(١)، فإنه ◌َ ل ﴿ ﴿وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي
يوحى﴾ [النجم - ٣ - ٤]. (رواه الترمذي) وقال: حسن صحيح. ورواه ابن حبان في صحيحه.
قال المنذري: ورجاله محتج بهم في الصحيح، ورواه ابن ماجه بزيادة من طريق موسى بن
عبيدة عن عبد الله بن دينار عن عبد الله بن عمر.
٥٢٤٤ - (وعن أنس أن النبي وَلجزر قال: اللهم أحيني مسكيناً) ولم يقل فقيراً لئلا يتوهم
(١) في المخطوطة ((عليه).
الحديث رقم ٥٢٤٤: أخرجه الترمذي في السنن ٤٩٩/٤ حديث رقم ٢٣٥٢.
٠٠ :٠٠.
จานญ

٤٣٢
كتاب الرقاق/ باب فضل الفقراء وما كان من عيش النبي 53#
وأمتني مسكيناً، واحشرني في زمرة المساكين)). فقالت عائشةُ: لِمَ يا رسول الله؟ قال:
(إِنَّهم يدخلون الجنة قبل أغنيائهم بأربعين خريفاً، يا عائشة! لا تَرُدِّي المسكين ولو بشق
تمرة؛ يا عائشة! أَحبي المساكين وقربيهم، فإِنَّ الله يقرِّبُكِ يومَ القيامةِ)). رواه الترمذي
والبيهقي في ((شعب الإيمان)).
كونه محتاجاً حقيراً فينافيه دعاؤه: ((اللهم اجعلني في نفسي صغيراً وفي أعين الناس كبيراً)(١).
وأما المسكين فهو من مادة (٢) المسكنة وهو التواضع على وجه المبالغة ولو أفضى إلى المذلة
أو من السكون والسكينة وهو الوقار والاطمئنان والقرار تحت أحكام الأقدار رضاً بقضاء
الجبار. وقال بعضهم: أي اجعلني متواضعاً لا جباراً متكبراً. وفيه تعليم الأمة ليعرفوا فضل
الفقراء فيحبوهم ويجالسوهم لينالهم بركتهم. وفيه تسلية للمساكين وتنبيه على علو درجاتهم.
ويجوز أن يراد بهذا أن يجعل قوته كفافاً ولا يشغله بالمال، فإن كثرة المال في حق المقربين
مؤونة من الوبال في خشية المآل وخشونة الحال. (وأمتني) وفي رواية الحاكم: وتوفني
(مسكيناً) دل على أنه # كان على وصف المسكنة إلى آخر العمر. (واحشرني في زمرة
المساكين) أي فريقهم وجماعتهم. وفيه مبالغة لا تخفى لأنه لو قال: واحشرهم في زمرتي
لكان لهم فضل كثير وعلو كبير. ونظيره ما قال بير: فضل العالم على العابد كفضلي على
أدناكم(٣). حيث لم يقل: كفضلي على أعلاكم. هذا وقد مر بعض سلاطين الإِسلام على
طائفة من الفقراء والصلحاء الكرام فلم يلتفتوا إليه ولم يقبلوا عليه فقال: من أنتم. فقالوا: نحن
قوم ومحبتنا ترك الدنيا وعداوتنا ترك العقبى فجاوزهم وتجاوز عنهم. وقال: نحن لم نقدر على
محبتكم ولا طاقة لنا على عداوتكم. (فقالت عائشة رضي الله عنها ]: لم يا رسول الله) أي لأي
شيء دعوت هذا الدعاء واخترت الحياة والممات والبعثة مع المساكين والفقراء دون أكابر
الأغنياء. (قال: إنهم) استئناف في معنى التعليل، أي لأنهم مع قطع النظر عن بقية فضائلهم
وحسن أخلاقهم وشمائلهم. (يدخلون الجنة قبل أغنيائهم) أي زماناً ومكاناً ومكانة. (بأربعين
خريفاً) والاكتفاء به لأنه أقل موعود في مدة المسابقة كمضاعفة الحسنة بالعشرة في الطاعة. (يا
عائشة لا تردي المسكين) أي لا ترديه خائباً بل سامحيه جائياً وآيباً وأحسني إليه قليلاً أو
كثيراً (٤). (ولو بشق تمرة) أي بنصفها أو ببعضها، أو رديه رداً جميلاً تستحقي به جزاء جزيلاً.
ولذا لما وقف مسكين عندها وأعطته حبة عنب بقيت في يدها وعاتب المسكين [عليها ]ولم يدر
ما ألقي من الفهم إليها. قالت: قال تعالى: ﴿فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره﴾ [الزلزلة - ٧].
والحبة مشتملة على مقدار كذا من الذرة. (يا عائشة أحبي المساكين) أي بقلبك (وقربيهم) أي
إلى مجلسك حال تحديثك. (فإن الله يقربك يوم القيامة) أي بتقريبهم تقرباً إلى الله سبحانه
وتعالى. (رواه) أي الحديث بكماله (الترمذي والبيهقي في شعب الإيمان) أي عن أنس.
(١) البزار كذا ذكره السيوطي في الجامع الصغير ٩١/١ حديث رقم ٦٤٧٩.
(٢) في المخطوطة ((عادة)).
(٤) في المخطوطة كثيراً أو قليلاً.
(٣) الترمذي في السنن ٤٨/٥ حديث رقم ٢٦٨٥.

٤٣٣
كتاب الرقاق/ باب فضل الفقراء وما كان من عيش النبي %90
٥٢٤٥ - (١٥) وروى ابن ماجه عن أبي سعيدٍ إِلى قوله ((في زمرة المساكين)).
٥٢٤٦ - (١٦) وعن أبي الدرداء، عن النبي وَ لهر قال: ((ابغوني في ضعفائكم، فإِنما
تُرزقون - أو
٥٢٤٥ - (وروى) وفي نسخة: ورواه. (ابن ماجه عن أبي سعيد إلى قوله: في زمرة
المساكين) قال ميرك نقلاً عن المنذري: ورواه الحاكم أي عن أبي سعيد وزاد: وإن أشقى
الأشقياء من اجتمع عليه فقر الدنيا وعذاب الآخرة. وقال: صحيح الإسناد(١). ورواه أبو الشيخ
والبيهقي عن عطاء بن أبي رباح، سمع أبا سعيد يقول: أيها الناس لا يحملنكم العسر على
طلب الرزق من غير حله فإني سمعت رسول الله وسلم يقول: اللهم توفني فقيراً ولا توفني غنياً
واحشرني في زمرة المساكين، فإن أشقى الأشقياء من اجتمع عليه فقر الدنيا وعذاب الآخرة.
قال أبو الشيخ: زاد فيه غير أبي زرعة عن سليمان بن عبد الرحمن: ولا تحشرني في زمرة
الأغنياء. قلت: إن لم يكن دليل آخر غير هذا الحديث الشريف لكفي حجة واضحة وبينة
لائحة على أن الفقير الصابر خير من الغني الشاكر. وأما حديث: الفقر فخري وبه أفتخر.
فباطل لا أصل له على ما صرح به الحفاظ من العسقلاني وغيره. وأما حديث: كاد الفقر أن
يكون كفراً(٢). فهو ضعيف جداً، وعلى تقدير صحته فهو محمول على الفقر القلبي المؤدي
إلى الجزع والفزع بحيث يفضي إلى عدم الرضا بالقضاء والاعتراض على تقسيم رب الأرض
والسماء ولذا قال ◌َله: ليس الغنى عن كثرة العرض إنما الغنى غنى النفس(٣). وقد رُوِيّ:
الفقر [أ]زين على المؤمن من العذار الحسن على خد العروس. رواه الطبراني عن شداد بن
أوس(٤). ورُوِيَ: الفقر شين عند الناس وزين عند الله يوم القيامة. رواه الديلمي في مسند
الفردوس عن أنس(٥). ورُوِيَ: الفقر أمانة فمن كتمه كان عبادة ومن باح به فقد قلد إخوانه
المسلمين. رواه ابن عساكر عن عمر (٦).
٥٢٤٦ - (وعن أبي الدرداء عن النبي ◌َّلتر قال: ابغوني) بهمزة قطع مفتوحة. وفي بعض
النسخ بهمزة وصل مكسورة أي اطلبوا رضائي. (في ضعفائكم) أي فقرائكم بالإِحسان إليهم
والمظلومين ولو [من أغنيائكم ]بالمساعدة لديهم. (فإنما ترزقون) أي رزقاً حسياً أو معنوياً (أو
الحديث رقم ٥٢٤٥: أخرجه ابن ماجه ٢/ ١٣٨١ حديث رقم ٤١٢٦.
(١) الحاكم في المستدرك ٣٢٢/٤.
(٢) أبو نعيم في الحلية.
(٣) البخاري في صحيحه ٢٧١/١١ حديث رقم ٦٤٤٦. ومسلم ٧٢٦/٢. حديث رقم ١٠٥١.
(٤) ذكره السيوطي في الجامع الصغير ٢/ ٣٧٠ حديث رقم ٥٩٨٦. وذكر فيه على ((خذ الفرس)) وأما في
(٥) مسند الفردوس ١٥٤/٣ حديث رقم ٤٤١٨.
المخطوطة فذكر على ((حد العرش)).
(٦) ذكره السيوطي في الجامع الصغير ٢/ ٣٧٠ حديث رقم ٥٩٨٧.
الحديث رقم ٥٢٤٦: أخرجه أبو داود في السنن ٧٣/٣ حديث رقم ٢٥٩٤. والترمذي في السنن ١٧٩/٤
حديث رقم ١٧٠٢. والنسائي في السنن ٦/ ٤٥ حديث رقم ٣١٧٩. وأحمد في المسند ١٩٨/٥.

٠٠٣/
كتاب الرقاق/ باب فضل الفقراء وما كان من عيش النبي وَلـ
٤٣٤
تنصرون - بضعفائکم)). رواه أبو داود.
٥٢٤٧ - (١٧) وعن أُمية بن خالد بن عبد الله بن أَسيد، عن النبي وَلّر: أنه كان
يستفتح بصعاليك المهاجرين. رواه في ((شرح السنة)).
تنصرون) أي على الأعداء الظاهرة والباطنة، وأو للتنويع. ويؤيده رواية الواو. ويحتمل أن
تكون أو للشك من الراوي. (بضعفائكم) أي ببركة وجودهم وإحسانهم، إذ منهم الأقطاب
والأوتاد وبهم نظام البلاد والعباد. قال ابن الملك: يعني اطلبوا إلي حفظ حقوقهم وجبر
قلوبهم فإني معهم بالصورة في بعض الأوقات وبالقلب في جميعها لا أعلم من شرفهم وعظيم
منزلتهم عند الله، فمن أكرمهم فقد أكرمني ومن آذاهم فقد آذاني. انتهى. ويؤيده الحديث
القدسي: ((من عادى لي ولياً فقد بارزني بالحرب))(١). قال الطيبي [رحمه الله ]: قوله:
ابغوني. بهمزة القطع والوصل يقال: بغى يبغي بغاء إذا طلب. وهذا نهي عن مخالطة الأغنياء
وتعليم منه. انتهى. ويؤيده حديث: اتقوا مجالسة الموتى. قيل: ومن الموتى. قال: الأغنياء.
وفي مختصر النهاية: ابغني(٢)، كذا بهمزة الوصل، أي اطلبه لي(٣)، وبهمزة القطع أعني على
الطلب. وفي القاموس: بغيته طلبته وأبغاه الشيء طلبه له كبغاه إياه كرماه أو أعانه على طلبه.
(رواه أبو داود) وكذا الترمذي والنسائي، وقال الترمذي: حسن صحيح. نقله ميرك عن
التصحيح. وفي الجامع بلفظ: ابغوني الضعفاء فإنما ترزقون وتنصرون بضعفائكم (٤). رواه
أحمد والثلاثة [والحاكم ]وابن حبان عنه.
٥٢٤٧ - (وعن أمية) بالتصغير (ابن خالد بن عبد الله بن أسيد) بفتح فكسر، لم يذكره
المؤلف في أسمائه. ونقل ميرك عن التصحيح أنه قال: ابن عبد البر أمية بن خالد، روى عن
النبي ◌َ ﴿ وذكر هذا الحديث وقال: ولا يصح عندي صحبته، والحديث مرسل. قلت: مرسل
التابعي حجة عند الجمهور، فكيف مرسل من اختلف في صحة صحبته. (عن النبي ◌َّر أنه كان
يستفتح) أي يطلب الفتح والنصرة على الكفار من الله تعالى. (بصعاليك المهاجرين) أي
بفقرائهم وببركة دعائهم. وفي النهاية: أي يستنصر بهم. ومنه قوله [تعالى]: ﴿إن تستفتحوا
فقد جاءكم الفتح﴾ [الأنفال - ١٩]. وقال ابن الملك: بأن يقول: اللهم انصرنا على الأعداء
بحق عبادك الفقراء المهاجرين. وفيه تعظيم الفقراء والرغبة إلى دعائهم والتبرك بوجوههم.
أقول: ولعل وجه التقييد بالمهاجرين لأنهم فقراء غرباء مظلومون مجتهدون مجاهدون، فيرجى
تأثير دعائهم أكثر من عوام المؤمنين وأغنيائهم. والصعاليك جمع صعلوك كعصفور الفقير على
ما في القاموس. (رواه) أي البغوي (في شرح السنة) بإسناده وحيث أطلقه وما بین إرساله دل
على أنه قال بصحبة الراوي واتصال سنده مع أنه معتضد في المعنى بما سبق من حديث: إنما
(١) البخاري في صحيحه ٣٤٠/١١ حديث رقم ٢٥٠٢. ولفظه .. ((فقد آذنته بالحرب)).
(٣) في المخطوطة ((ولي).
(٢) في المخطوطة ((اجفي)).
(٤) الجامع الصغير ١٠/١ حديث رقم ٥٨. والحديث أخرجه الحاكم في المستدرك ١٠٦/٢.
الحديث رقم ٥٢٤٧: أخرجه البغوي في شرح السنة ٢٦٤/١٤ حديث رقم ٤٠٦٢.
١
· عدة

٤٣٥
كتاب الرقاق/ باب فضل الفقراء وما كان من عيش النبي ◌َّ-
٥٢٤٨ - (١٨) وعن أبي هريرةَ، قال: قال رسول الله وَله: ((لا تغبطنَّ فاجراً بنعمة،
فإنك لا تدري ما هو لاقٍ بعد موته، إِنَّ له عند الله قاتلاً لا يموت)). يعني النار. رواه في
((شرح السنة)).
٥٢٤٩ - (١٩) وعن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله وَالر: ((الدنيا سجن
المؤمن وسنَتُهُ، وإِذا فارق الدنيا فارق السجنَ والسنةَ)).
تنصرون بضعفائكم. ثم رأيت في الجامع أنه رواه ابن أبي شيبة والطبراني عن أمية بن عبد الله
ولفظه: كان ◌َّ* يستفتح ويستنصر بصعاليك المسلمين(١).
٥٢٤٨ - (وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَله: لا تغبطن) بكسر الموحدة وتشديد
النون المؤكدة. (فاجراً) أي كافراً، أو فاسقاً. (بنعمة) أي بنعمة هو فيها من طول عمر أو كثرة
أولاد أو سعة مال وجاه بأن تطلب زوالها عنه، أو تريد مثلها لنفسك. (فإنك لا تدري ما هو
لاق) أي ملاق في مقابلة تلك النعمة من النقمة والمحنة. (بعد موته) أي في القبر أو الحشر (إن
له) أي للفاجر (عند الله قاتلاً) أي مهلكاً له أو معذباً عذاباً شديداً من شأنه أن يقتل. (لا يموت)
أي لا يفنى ولا ينعدم ذلك القاتل، بل موجود دائماً ولا ينقطع [أبداً ]. (يعني النار) قال الطيبي
[رحمه الله تعالى]: هذا تفسير عبد الله ابن مريم راوي أبي هريرة كذا في شرح السنة انتهى.
وقال الجزري قيل: قوله: قائلاً بهمزة مكسورة من القيلولة، أي مقيلاً باقياً، يعني تحشر معه
النار وتقبل حيث قال وتبيت حيث بات. وقيل هو بالتاء المثناة من فوق، أي من تقتله أي
النار. (رواه) أي البغوي (في شرح السنة) أي بإسناده. وفي الجامع رواه البيهقي في الشعب عنه
ولفظه: لا تغبطن فاجراً بنعمة أن له عند الله قاتلاً لا يموت(٢).
i
٥٢٤٩ - (وعن عبد الله بن عمرو) بالواو (قال: قال رسول الله وَيقول: الدنيا سجن المؤمن)
أي حبسه وعذابه بالنسبة إلى ما أعد الله له في الآخرة من نعيمه وثوابه. (وسنته) بفتحتين، أي
قحطه وشدة معيشته. ولذا روي: لا يخلو المؤمن من قلة أو علة أو ذلة وقد يجتمع للمؤمن
الكامل جميع ذلك. قال الطيبي [رحمه الله]: السنة من الأسماء الغالبة القحط. وقال ابن
عطاء: ما دمت في هذه الدار لا تستغرب وقوع الأكدار، أي بل استغرب خلاف ذلك إن وقع
شيء هنالك. (وإذا فارق الدنيا) أي المؤمن. (فارق السجن والسنة) ولعل الجمع بينهما لدفع ما
يتوهم أن السجن قد يكون فيه السعة كما قد يقع نادراً، فدفع هذا الوهم بقوله: والسنة، فيكون
زيادته من باب التذييل والتكميل. وأطلق فيما سبق من الحديث الصحيح اعتماداً على غالب
(١) الجامع الصغير ٤٣٤/٢ حديث رقم ٧٠٤٧.
الحديث رقم ٥٢٤٨: أخرجه البغوي في شرح السنة ٢٩٤/٤ حديث رقم ٤١٠٣.
(٢) الجامع الصغير ٢/ ٥٨٢ حديث رقم ٩٨٣٤. والحديث أخرجه البيهقي في شعب الإيمان حديث رقم.
٤٥٤٢.
الحديث رقم ٥٢٤٩: أحمد في المسند ١٩٧/٢.

٤٣٦
كتاب الرقاق/ باب فضل الفقراء وما كان من عيش النبي #
رواه في ((شرح السنة)).
٥٢٥٠ - (٢٠) وعن قتادة بن النعمان، أنَّ رسول الله وَ ﴿ قال: ((إذا أحبَّ اللَّهُ عبداً
حماه الدنيا، كما يظلُّ أحدكم يحمي سقيمه الماءَ)). رواه أحمد، والترمذي.
الأحوال مع أنه لا يخلو من نوع ضيق مكان وبطء رزق وتشتت البال ولو قام بخدمته الرجال
(رواه في شرح السنة) وقد أخرجه ابن المبارك والطبراني عنه. قال ميرك: رواه الحاكم في
صحيح(١)، لكن في سنده عبد الله بن أيوب المغافري انتهى. وقد سبق طرف هذا الحديث
وبعض معانيه في أول الباب والله [تعالى ]أعلم بالصواب. قال الإمام الحافظ أبو القاسم
الوراق: إن قيل: كيف يكون معنى الحديث وقد نرى مؤمناً في عيش رغد وكافراً في ضنك
وقصر يد. قلنا: الجواب من وجهين، أحدهما أن الدنيا كالجنة للكافر ذي جنب ما أعد الله له
من العذاب في الآخرة وإنها كالسجن للمؤمن بالإضافة إلى ما وعده الله له من الثواب في
الآخرة ونعيمها، فالكافر يحب المقام فيها ويكره مفارقتها، والمؤمن يتشوق الخروج منها
ويطلب الخلاص من آفاتها كالمسجون الذي يريد أن يخلى سبيله. الثاني أن يكون هذا صفة
المؤمن المستكمل الإيمان الذي قد غرق نفسه عن ملاذ الدنيا وشهواتها فصارت عليه بمنزلة
السجن في الضيق والشدة، وأما الكافر فقد أهمل نفسه وأمرحها في طلب اللذات وتناول
الشهوات فصارت الدنيا كالجنة له في السعة والنعمة .
٥٢٥٠ - (وعن قتادة بن النعمان) بضم أوله. قال المؤلف: أنصاري عقبي بدري شهد
المشاهد کلها، وروى عنه أخوه من أمه أبو سعيد الخدري وعمر ابنه وغيرهما. مات سنة ثلاث
وعشرين وله خمس وستون سنة، وصلى عليه عمر وكان من فضلاء الصحابة. (إن رسول
الله * قال: إذا أحب الله عبداً حماه الدنيا) أي حفظه من مال الدنيا ومنصبه وما يضر بدينه
ونقصه في العقبى. قال الأشرف: أي منعه عنها ووقاه من أن يتلوث بزينتها كيلا يمرض قلبه
بداء محبتها. (كما يظل) بفتح الظاء من ظل زيد صائماً أي صار. والمعنى: كما يكون.
(أحدكم يحمي سقيمه) أي مريضه لا سيما إذا كان معه مرض الاستسقاء أو ضعف المعدة
ونحوهما مما يضره الماء فيمنعه (الماء) أي لئلا يزيد مرضه بشربه ولا ينظر إلى رأي العليل من
طلب الماء وحبه، مع أن الماء أرخص شيء غالباً فلا يتصور فيه البخل، خصوصاً بالنسبة إلى
المريض الذي يحن عليه كل أحد. والحاصل أن الحكمة تقتضي أن المحبوب عند أهله وآله
يكون ممنوعاً من كل شيء يضره في حاله. (رواه أحمد والترمذي) ولفظ الجامع: إذا أحب الله
عبداً حماه الدنيا كما يحمي أحدكم سقيمه الماء. رواه الترمذي والحاكم والبيهقي في
الشعب(٢). وفي رواية للبيهقي عن حذيفة بلفظ: إن الله يحمي عبده المؤمن كما يحمي الراعي
(١) الحاكم في المستدرك ٣١٥/٤.
الحديث رقم ٥٢٥٠: أخرجه الترمذي في السنن ٣٣٤/٤ حديث رقم ٢٠٣٦. وأحمد في المسند ٤٢٧/٥.
(٢) الجامع الصغير ٢٨/١ حديث رقم ٣٥٥ والحديث أخرجه الحاكم في المستدرك ٤/ ١٠٧.

٤٣٧
كتاب الرقاق/ باب فضل الفقراء وما كان من عيش النبي ◌َ موه
٥٢٥١ _ (٢١) وعن محمود بن لَبيد، أنَّ النبيَّ وَّ قال: اثنتان يكرههما ابن آدم:
يكره الموتَ، والموتُ خيرٌ للمؤمنِ منَ الفتنةِ، ويكره قِلةَ المال، وقلةُ المال أقلُّ
للحساب». رواه أحمد.
الشفيق غنمه عن مراتع الهلكة (١). وهذا المعنى مقتبس من التنزيل وهو قوله: ﴿وأنت أرحم
الراحمين﴾ [الأعراف - ١٥١، الأنبياء - ٨٣ ].
٥٢٥١ - (وعن محمود بن لبيد) بفتح فكسر. قال المؤلف: أنصاري أشهلي ولد على
عهد رسول الله ◌َ﴿ وحدث عنه أحاديث. قال البخاري: له صحبة. وقال أبو حاتم: لا يعرف
له صحبة. وذكره مسلم في التابعين في الطبقة الثانية منهم. قال ابن عبد البر: والصواب قول
البخاري فأثبت له صحبة، وكان محمود أحد العلماء. روي عن ابن عباس وعتبان بن مالك
مات سنة ست وتسعين. (أن النبي وَلي قال: اثنتان) أي خصلتان (يكرههما) أي بالطبع (ابن آدم)
أي وهما خير له بالشرع كما بينه بقوله: (يكره الموت والموت خير للمؤمن من الفتنة) قال ابن
الملك: الفتنة التي الموت خير منها هي الوقوع في الشرك أو فتنة يسخطها الإنسان ويجري
على لسانه ما لا يليق وفي اعتقاده ما لا يجوز. وقال الراغب: الفتنة من الأفعال التي تكون من
الله تعالى ومن العبد كالبلية والمصيبة والقتل والعذاب وغير ذلك من الأفعال الكريهة. قال
الطيبي [رحمه الله]: وقد تكون الفتنة في الدين مثل الارتداد وإكراه الغير على المعاصي، وإليه
أشار بقوله و 9: ((إذا أردت فتنة في قوم فتوفني غير مفتون))(٢). قلت: وقد أخرج أبي نعيم في
الحلية عن أبي عبد الله الصنابحي قال: الدنيا تدعو إلى فتنة والشيطان يدعو إلى خطيئة ولقاء الله
خير من الإقامة معهما (٣). (ويكره قلة المال وقلة المال أقل للحساب) أي وأبعد من العذاب.
(رواه أحمد) وكذا سعيد بن منصور في سننه بسند صحيح عن محمود بن لبيد. وأخرج البيهقي
في شعب الإيمان عن زرعة بن عبد الله مرسلاً أن النبي وَّر قال: يحب الإِنسان الحياة والموت
خير لنفسه، ويحب الإنسان كثرة المال وقلة المال أقل لحسابه(٤). هذا وأخرجه الحاكم في
المستدرك والطبراني في الكبير وابن المبارك في الزهد والبيهقي في شعب الإيمان عن عبد الله
ابن عمرو قال: قال رسول الله وَله: تحفة المؤمن الموت(٥). [وأخرج ]المروزي في الجنائز
وابن أبي شيبة في المصنف والطبراني عن ابن مسعود قال: ذهب صفو الدنيا فلم يبق منها إلا
الكدر فالموت تحفة لكل مسلم. وأخرج المروزي وابن أبي الدنيا والبيهقي في الشعب عن ابن
مسعود قال: حبذا المكروهان الفقر والموت(٦). وأخرج أحمد في الزهد وابن أبي الدنيا عن
(١) البيهقي في شعب الإيمان حديث رقم ١٠٤٥١.
الحديث رقم ٥٢٥١: أخرجه أحمد في المسند ٤٢٧/٥.
(٢) أخرجه الترمذي ٣٤٢/٥ حديث رقم ٣٢٣٣.
(٣) لم أجده في الحلية.
(٤) البيهقي في شعب الإيمان حديث رقم ١٠٥٧٠.
(٥) الحاكم في المستدرك ٣١٩/٤. والبيهقي في شعب الإيمان حديث رقم ٩٨٨٤.
(٦) البيهقي في شعب الإيمان حديث رقم ٩٩٧٥.

٤٣٨
كتاب الرقاق/ باب فضل الفقراء وما كان من عيش النبي ◌َّ -
٥٢٥٢ - (٢٢) وعن عبد الله بن مغفّل، قال: جاء رجلٌ إِلى النبي ◌َّ فقال: ((إني
أُحبُّك. قال: ((انظر ما تقول)). فقال: والله إني لأحبُّك، ثلاث مرّات. قال: ((إِن كنتَ
صادقاً فأعدَّ للفقرِ تخفافاً، للفقرُ أسرعُ إِلى من يحبُّني من السيل إِلى منتهاه)). رواه الترمذيُّ،
وقال: هذا حديث حسنٌ غريبٌ.
ابن مسعود قال: ليس للمؤمن راحة دون لقاء الله تعالى. وأخرج ابن أبي الدنيا عن جعفر الأحمر
قال: من لم يكن له في الموت خير فلا خير له في الحياة. قلت: وكذا من لم يكن له خير في
الحياة فلا خير له في الممات. وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف وعبد الرزاق في تفسيره
والحاكم في المستدرك والطبراني والمروزي في الجنائز عن ابن مسعود قال: ما من نفس برة ولا
فاجرة إلا والموت خير لها من الحياة، فإن كان باراً فقد قال الله تعالى: ﴿وما عند الله خير
للأبرار﴾ [آل عمران - ١٩٨]. وإن كان فاجراً فقد قال تعالى: ﴿ولا يحسبن الذين كفروا إنما
نملي لهم خير لأنفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا إثماً ولهم عذاب مهين ﴾ [آل عمران - ١٧٨].
٥٢٥٢ - (وعن عبد الله بن مغفل قال: جاء رجل إلى النبي ◌َّله فقال: إني أحبك) أي حباً
بليغاً، وإلا فكل مؤمن يحبه. (قال: انظر ما تقول) أي تفكر فيما تقول فإنك تدعي أمراً عظيماً
وتقصد خطباً جسيماً. (فقال: والله إني لأحبك ثلاث مرات) ظرف لقال (قال: إن كنت صادقاً)
أي في دعوى محبتي وعلى تحمل محنتي. ولفظ الجامع: إن كنت تحبني (فأعدّ) أي فهيىء
(للفقر) أي بالصبر عليه بل بالشكر والميل إليه. (تجفافاً) بكسر الفوقية وسكون الجيم أي درعاً
وجنة. ففي المغرب: هو شيء يلبس على الخيل عند الحرب كأنه درع، تفعال من جف لما
فيه من الصلابة واليبوسة انتهى. فتاؤه زائدة على ما صرح به في النهاية. وفي القاموس:
التجفاف بالكسر آلة للحرب يلبسه الفرس والإنسان ليقيه في الحرب. فمعنى الحديث: إن كنت
صادقاً في الدعوى ومحقاً في المعنى فهيىء آلة تنفعك حال البلوى فإن البلاء والولاء متلازمان
في الخلا والملا. ومجمله أنه تهيأ للصبر خصوصاً على الفقر لتدفع به عن دينك بقوة يقينك ما
ينافيه من الجزع والفزع وقلة القناعة وعدم الرضا بالقسمة. وكنى بالتجفاف عن الصبر لأنه يستر
الفقر كما يستر التجفاف (١) البدن عن الضر. (للفقر) بلام مفتوحة وهي لام الابتداء (أسرع إلى
من يحبني من السيل) أي الماء الكثير (إلى منتهاه) والمعنى أنه لا بد من وصول الفقر بسرعة
إليه ومن نزول البلايا والرزايا بكثرة عليه، فإن أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل
[خصوصاً ]سيد الأنبياء فيكون بلاؤه أشد من بلائهم، ويكون لأتباعه نصيب على قدر ولائهم،
والمرء مع من أحب مشاركة فيما يكره (٢) وأحب. وفيه أن الفقر أشد البلايا لاشتماله على
جميع المحن والرزايا، لكنه مع مرارته في الدنيا يورث حلاوة في العقبى بمزيد العطايا. (رواه
الترمذي) وكذا أحمد (وقال:) أي الترمذي (هذا حديث حسن غريب).
الحديث رقم ٥٢٥٢: أخرجه الترمذي في السنن ٤٩٨/٤ حديث رقم ٢٣٥٠.
(٢) في المخطوطة ((مرة)).
(١) في المخطوطة ((الجفاف)).
دSM

٤٣٩
كتاب الرقاق/ باب فضل الفقراء وما كان من عيش النبي ◌َ﴾
٥٢٥٣ _ (٢٣) وعن أنس، قال: قال رسول الله وَله: ((لقد أُخِفتُ في الله وما يُخاف
أحد، ولقد أُوذيتُ في الله وما يُؤذى أحدٌ، ولقد أَتَتْ عليَّ ثلاثون من بين ليلةٍ ويومٍ، وما
لي ولبلال طعام يأكله ذو كبدٍ، إِلا شيء يواريه إِبطُ بلالٍ)). رواه الترمذي قال: ومعنى هذا
الحديث: حينَ خَرَجَ النبيِّ وَ ◌ّ هارباً من مكةً
٥٢٥٣ _ (وعن أنس [رضي الله تعالى عنه ]قال: قال رسول الله يقول: لقد أخفت) مجهول
ماض من الإخافة، أي خوفت. (في الله) أي في إظهار دينه (وما يخاف) بضم أوله، أي مثل ما
أخفت. (أحد) أي غيري (ولقد أوذيت) أي بالفعل بعد التخويف بالقول (في الله) أي في سبيله
وطريق رضاه (وما يؤذي أحد) أي خوفت وحدي وأوذيت بانفرادي. وفائدة التقييد بالجملة
الحالية في الجملتين أن أمرهما صعب في تينك الحالتين، فإن البلية إذا عمت طابت. وخلاصة
المعنى أنه حكاية حال لا شكاية بال، بل تحدث بالنعمة وتوفيق بالصبر على المحنة إلى أن
تنتهي إلى المنحة على ما تقتضيه المحبة وتسلية للأمة لإزالة ما قد يصيبم من الغمة. [أي كنت]
وحيداً في ابتداء إظهاري للدين فخوفني في ذلك وآذاني الكفار الملاعين ولم يكن معي أحد
حينئذ يوافقني في تحمل الأذى، إلا مساعدة المولى ومعاونة الرفيق الأعلى. ثم بين أنه كان مع
ذلك كله [في ]قلة الزاد وعدم الاستعداد بقوله: (ولقد أتت) أي مضت (على ثلاثون من بين
ليلة ويوم) أي من بين أوقات وهي الليلة واليوم. وقال الطيبي: تأكيد للشمول، أي ثلاثون يوماً
وليلة متواترات لا ينقص منها شيء من الزمان. (وما لي) أي والحال أنه ليس لي (ولبلال طعام
يأكله ذو كبد) بفتح فكسر. وفي القاموس بالفتح والكسر وككتف معلوم أي حيوان. قال
الطيبي: أي ما معنا طعام سواء كان مما يأكل الدواب أو الإِنسان. (إلا شيء) أي قليل (يواريه)
أي يستره ويغطيه (إبط بلال) بكسر الهمزة وسكون الموحدة وتكسر. ففي الصحاح: الإبط
بسكون الباء ما تحت الجناح. وفي القاموس: الإبط ما تحت المنكب وتكسر الباء وقد يؤنث،
والمعنى أن بلالاً كان رفيقي في ذلك الوقت وما كان لنا من الطعام إلا شيء قليل بقدر ما
يأخذه بلال تحت إبطه، ولم يكن لنا ظرف [نضع ]الطعام فيه. (رواه الترمذي) وفي الجامع
بتقديم: لقد أوذيت. رواه أحمد والترمذي وابن ماجه وابن حبان عنه. (وقال:) أي الترمذي.
وفي نسخة: قال. (ومعنى هذا الحديث حين خرج النبي ◌َّفر هارباً من مكة) أي فاراً من الخلق
إلى الله كما قال تعالى: ﴿ففروا إلى الله﴾ [الذاريات - ٥٠]. رُوِيَ أنّه وَلقر خرج من مكة هارباً
إلى عبد ياليل بالطائف ليحميه من كفار مكة حتى يؤدي رسالة ربه، فسلط عليه صبيانه فرموه
بالأحجار حتى أدموا كعبه *، كذا ذكره بعضهم. وفي المواهب اللدنية [أن ]خروجه عليه
الصلاة والسلام إلى الطائف كان بعد موت خديجة بثلاثة أشهر في ليال بقين من شوّال سنة
عشر من النبوة لما ناله من قريش بعد موت أبي طالب، وكان معه زيد بن حارثة. فأقام به شهراً
الحديث رقم ٥٢٥٣: أخرجه الترمذي في السنن ٥٥٦/٤ حديث رقم ٢٤٧٢. وابن ماجه في السنن ١/ ٥٤
حديث رقم ١٥١. وأحمد في المسند ١٢٠/٣.
بس.٢ :٠٠٣

٤٤٠
٦٫٠,٢
٠٫٢٠
كتاب الرقاق/ باب فضل الفقراء وما كان من عيش النبي ◌َ ◌ّ-
ومعه بلال، إنما كان مع بلال من الطعام ما يحملُ تحتَ إِبطه.
٥٢٥٤ _ (٢٤) وعن أبي طلحة، قال: شكونا إِلى رسولِ اللَّهِ وَله الجوعَ، فرفعنا عن
بطوننا عن حجرٍ حَجَرٍ،
.. "
يدعو أشراف ثقيف إلى الله تعالى فلم يجيبوه وأغروا به سفهاءهم وعبيدهم يسبونه. قال موسى
ابن عقبة: ورجموا عراقيبه بالحجارة حتى اختضبت نعلاء بالدماء، زاد غيره: وكان إذا أزلفته
الحجارة قعد إلى الأرض فيأخذون بعضديه فيقيمونه فإذا مشی رجموه وهم يضحكون، وزيد
بن حارثة يقيه بنفسه حتى لقد شج في رأسه شجاجاً. وفي الصحيحين عن عائشة أنها قالت
للنبي ول9: هل أتى عليك يوم أشد من يوم أحد. قال: لقد لقيت من قومك وكان أشد ما لقيت
منهم يوم العقبة إذ عرضت نفسي على عبد ياليل بن عبد كلال فلم يجبني إلى ما أردت،
فانطلقت وأنا مهموم على وجهي فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب. فرفعت رأسي فإذا بسحابة
قد أظلتني فنظرت فإذا فيها جبرائيل فناداني فقال: إن الله قد سمع قول قومك وما ردوا عليك
وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت. فناداني ملك الجبال فسلم علي ثم قال: يا محمد
إن الله قد سمع قول قومك وأنا ملك الجبال وقد بعثني ربك إليك لتأمرني بأمرك، [إن شئت]
أن أطبق عليهم الأخشبين. وفي القاموس: هما جبلا مكة أبو قبيس والأحمر أو جبلا مني. قال
النبي *: بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئاً. وعبد
ياليل بتحتانية بعدها ألف فلام مكسورة فتحتانية ساكنة، فلام ابن عبد كلال بضم الكاف
وتخفيف اللام. وكان عبد ياليل من أكابر أهل الطائف من ثقيف، وقرن الثعالب هو ميقات أهل
نجد ويقال له: قرن المنازل. وروى الطبراني في كتاب الدعاء عن عبد الله بن جعفر قال: لما
توفي أبو طالب خرج النبي ◌َّهر ماشياً إلى الطائف فدعاهم إلى الإسلام فلم يجيبوه فأتى تحت
ظل شجرة فصلى ركعتين ثم قال: اللهم إليك أشكو ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على
الناس. أرحم الراحمين أنت أرحم الراحمين أنت رب المستضعفين إلى من تكلني إلى عدو
بعيد يتجهمني، أي يلقاني بغلظة ووجه كريه على ما في النهاية، أم إلى صديق قريب كلفته
أمري إن لم تكن غضباناً علي فلا أبالي غير أن عافيتك أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي
أشرقت له الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة أن ينزل بي غضبك أو يحل بي سخطك لك
العتبى حتى ترضى ولا حول ولا قوة إلا بك. ثم قوله: (ومعه بلال) لا ينافي كون زيد بن
حارثة معه أيضاً مع احتمال تعدد خروجه عليه [الصلاة ]والسلام، لكن أفاد بقوله: معه بلال.
إنه لم يكن هذا الخروج في الهجرة من مكة إلى المدينة لأنه لم يكن معه بلال حينئذ. (إنما
كان مع بلال من الطعام ما يحمل تحت إبطه) وهو كناية عن كمال قلته وخفة مؤونته.
٥٢٥٤ - (وعن أبي طلحة قال: شكونا إلى رسول الله (18) وفي نسخة: إلى النبي ◌َّه.
(الجوع فرفعنا عن بطوننا) أي فكشفنا ثيابنا عنها كشفاً صادراً (عن حجر حجر) أي لكل منا
الحديث رقم ٥٢٥٤: أخرجه الترمذي في السنن ٥٠٦/٤ حديث رقم ٢٣٧١.