Indexed OCR Text
Pages 321-340
٣٢١ كتاب الآداب/ باب الظلم ٥١٣٥ - (١٣) وعن أوس بن شَرحبيل، أنَّه سمعَ رسولَ اللَّهِ وَله يقول: ((مَن مشى معَ ظالمٍ ليُقوِّيه وهو يعلمُ أنه ظالمٌ، فقدْ خرجَ منَ الإِسلامِ». ٥١٣٦ - (١٤) وعن أبي هريرةَ، أنَّه سمعَ رجلاً يقولُ: إِنَّ الظالمَ لا يضرُّ إِلا نفسَه. فقال أبو هريرةَ: بَلى والله، حتى الحبارى لتَموتُ في وكُرها هُزلاً لظلمِ الظالمِ. روى البيهقيُّ الأحاديثَ الأربعةِ في ((شعب الإيمان)». ٥١٣٥ - (وعن أوس بن شرحبيل) بضم معجمة وفتح راء وسكون مهملة أو كسر موحدة وترك صرف كذا في المغني ولم يذكره المؤلف (أنه سمع رسول الله وي طهر يقول: ((من مشى مع ظالم ليقويه))) وفي الجامع ليعينه ((وهو يعلم أنه ظالم))) أي فيه ((فقد خرج من الإسلام))) أي من كمال الإيمان أو من حقيقة الإسلام المقتضي أن يسلم المسلمون من لسانه ويده. ٥١٣٦ - (وعن أبي هريرة أنه سمع رجلاً يقول: إن الظالم لا يضر إلا نفسه) وهذا الكلام حق لقوله تعالى: ﴿ولكن كانوا أنفسهم يظلمون﴾ وقوله: ﴿من عمل صالحاً فلنفسه﴾ ومن أساء فعليها وكان أبا هريرة فهم أنه أراد بهذا أنه لا يسري أثر ظلمه إلا إلى نفسه كما يدل عليه الحصر (فقال بلى) أي بلى قد يضر غيره أيضاً وليس ينحصر أثر ضرره على نفسه (والله حتى) أي حتى يتعدى إلى غيره من الإنسان والحيوان المستأنس وغيره حتى (الحبارى) بضم الحاء طير مشهور (لتموت في وكرها) أي بيتها وعشها (هزلاً) بضم هاء وسكون زاي نقيض السمن (لظلم الظالم) أي لأجل ظلمه ولكن الله يعفو عن كثير ويمهل عن بعض ولا يهمل حق المظلوم وإليه الإشارة بقوله تعالى: ﴿ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك عليها من دابة﴾ [النحل - ٦١] الآية وفي النهاية يعني أن الله تعالى يحبس الفطر عن الحبارى بشؤم ذنوب الظالم وإنما خصها بالذكر لأنها أبعد الطير نجعة أي طبعاً للكلأ الناشىء من الغيث فربما تذبح بالبصرة ويوجد في حوصلتها الحبة الخضراء وبين البصرة ومنبتها مسيرة أيام قال الطيبي: قوله بلى الحجاب لما نفى قبله وههنا وقعت جواباً للسيئات فالوجه أن يقال أن مفهوم قوله لا يضر إلا نفسه لا يضر غيره فقال بلى يضر غيره حتى يضر الحبارى (روى البيهقي الأحاديث الأربعة في شعب الإيمان) أما الحديث الأخير فهو موقوف على أبي هريرة وأما الأوّل فقد رواه أحمد والحاكم في مستدركه(١) أيضاً على ما في الجامع ولفظه الدواوين ثلاثة فديوان لا يغفر الله منه شيئاً وديوان لا يعبأ الله به شيئاً وديوان لا يترك الله منه شيئاً أما الديوان الذي لا يغفر الله منه شيئاً فالإشراك بالله وأما الديوان الذي لا يعبأ الله به شيئاً فظلم العبد نفسه فيما بينه وبين ربه من صوم يوم تركه أو صلاة تركها فإن الله يغفر ذلك إن شاء ويتجاوز وأما الديوان الذي لا يترك الله منه شيئاً فظالم العباد بينهم القصاص لا محالة. وأما الحديث الثاني: فقد أخرجه سمويه عن أنس ولفظه إياك الحديث رقم ٥١٣٥: أخرجه البيهقي في شعب الإيمان ١٢٢/٦ الحديث رقم ٧٦٧٥. الحديث رقم ٥١٣٦: أخرجه البيهقي في شعب الإيمان ٦/ ٥٤ الحديث رقم ٧٦٧٩. (١) الحاكم في المستدرك ٤/ ٥٧٥. ٣٢٢ كتاب الآداب/ باب الظلم المظلوم وإن كانت من كافر فإنه ليس لها حجاب دون الله عزَّ وجلّ رواه أحمد وأبو ليلى في مسنديهما والضياء عن أنس اتقوا دعوة المظلوم وإن كان كافراً فإنه ليس ما دون دعائه حجاب ورواه الحاكم عن ابن عمر ولفظه ((اتقوا دعوة المظلوم فإنها تصعد إلى السماء كأنها شرارة))(١) ورواه الطبراني والضياء عن خزيمة بن ثابت ولفظه اتقوا دعوة المظلوم فإنها تحمل على الغمام ثم يقول الله وعزتي وجلالي لأنصرنك ولو بعد حين وأما الثالث فقد أخرجه الطبراني والضياء عن أوس بن شرحبيل أيضاً. وجو: (١) الحاكم في المستدرك ٢٩/٢. ٣٢٣ ٦٠٫٥٢ كتاب الآداب/ باب الأمر بالمعروف ٠٫٩ (٢٢) باب الأمر بالمعروف الفصل الأول ٥١٣٧. (١) عن أبي سعيد الخدريٍّ، عن رسول الله وَّ، قال: ((مَنْ رأى منكم مُنكراً (باب الأمر بالمعروف) في النهاية: المعروف اسم جامع لكل ما عرف من طاعات الله تعالى والتقرب إليه والإِحسان إلى الناس، وكل ما ندب إليه الشرع ونهى عنه من المحسنات والمقبحات، وهو من الصفات الغالبة، أي أمر معروف بين الناس إذا رأوه لا ينكرونه. والمعروف النصفة(١) وحسن الصحبة مع الأهل وغيرهم من الناس، والمنكر ضد ذلك جميعه. اهـ. وكان حق المؤلف أن يقول: والنهي عن المنكر، ولعله تركه لأن الأمر بالمعروف يعم النهي عن المنكر أو [ هو ] من باب الاكتفاء بذكر أحد الضدين عن الآخر كقوله تعالى: ﴿سرابيل تقيكم الحر ﴾ [ النحل. ٨١ ]، أي والبرد. (الفصل الأوّل) ٥١٣٧ - (عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله وَلفي قال: من رأى) أي علم (منكم منكراً) أي في غيره من المؤمنين. والخطاب للصحابة أصالة ولغيرهم من الأمة تبعاً. وفي الإِتيان بمن التبعيضية إشعار بأنه من فروض الكفاية وإيماء إلى أنه لا يباشره إلا من يعرف مراتب الإِحسان وتفاوت المنكرات، ويميز بين المتفق عليه والمختلف فيه منها. وهذا المعنى مقتبس من قوله تعالى: ﴿ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ﴾ [آل عمران: ١٠٤] ﴿ويسارعون في الخيرات﴾ [ آل عمران: ١١٤]. وخلاصة الكلام: من أبصر (١) في المخطوطة ((الصفة)). الحديث رقم ٥١٣٧: أخرجه مسلم في صحيحه ٦٩/١ حديث رقم (٧٨ .٤٩). وأبو داود في السنن ٤/ ٥١١ حديث رقم ٤٣٤٠. والترمذي في السنن ٤٠٨/٤ حديث رقم ٢١٧٢. والنسائي في السنن ١١١/٨ حديث رقم ٥٠٠٨. وأحمد في المسند ٢٠/٣. ٣٢٤ كتاب الآداب/ باب الأمر بالمعروف فلْيُغيّرِه بيدِه، فإِنْ لم يستطع فبلسانِهِ، فإِنْ لم يستطع فبقلبه، وذلكَ أضعفُ الإيمانِ)). ما أنكره الشرع. ﴿فليغيره بيده ﴾ أي بأن يمنعه بالفعل بأن يكسر الآلات ويريق الخمر ويرد المغصوب إلى مالكه. (فإن لم يستطع) أي التغيير باليد وإزالته بالفعل لكون فاعله أقوى منه. (فبلسانه) أي فليغيره بالقول وتلاوة ما أنزل الله من الوعيد عليه وذكر الوعظ والتخويف والنصيحة. (فإن لم يستطع) أي التغيير باللسان أيضاً (فبقلبه) بأن لا يرضى به وينكر في باطنه على متعاطيه فيكون تغييزاً معنوياً، إذ ليس في وسعه إلا هذا القدر من التغيير. وقيل: التقدير: فلينكره بقلبه لأن التغيير لا يتصوّر بالقلب فيكون التركيب من باب: علفتها تبناً وماء بارداً. ومنه قوله تعالى: ﴿والذين تبوّؤوا الدار والإيمان﴾ [ الحشر: ٩]. (وذلك) أي الإنكار بالقلب وهو الكراهية (أضعف الإيمان) أي شعبه أو خصال أهله. والمعنى أنه أقلها ثمرة، فمن غير المراتب مع القدرة كان عاصياً ومن تركها بلا قدرة أو يرى المفسدة أكثر ويكون منكراً بقلبه فهو من المؤمنين. وقيل: معناه وذلك أضعف زمن الإِيمان. إذ لو كان إيمان أهل زمانه قوياً لقدر على الإنكار القولي أو الفعلي ولما احتاج إلى الاقتصار على الإنكار القلبي، أو ذلك الشخص المنكر بالقلب فقط أضعف أهل الإِيمان فإنه لو كان قوياً صلباً في الدين لما اكتفى به، ويؤيده الحديث المشهور: أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر(١). وقد قال تعالى: ﴿ولا يخافون لومة لائم﴾ [ المائدة: ٥٤ ]. هذا وقد قال بعض علمائنا: الأمر الأوّل للأمراء والثاني للعلماء والثالث لعامة المؤمنين. وقيل: المعنى إنكار المعصية بالقلب أضعف مراتب الإِيمان لأنه إذا رأى منكراً معلوماً من الدين بالضرورة فلم ينكره ولم يكرهه ورضي به واستحسنه كان كافراً. ولعل الإطلاق الدال على العموم لإفادة التهديد والوعيد الشديد. قال ابن الملك رحمه الله: فإن قلت: هذا الحديث يدل على أن الإيمان يزيد وينقص كما ذهب إليه الشافعي رحمه الله فما تأويله عند الحنفية. قلنا: معناه أضعف ثمرات الإِيمان، والإِنكار بالقلب منها. فإن قلت: لو كان كذلك لزم أن لا يخرج من الإِيمان لانتفائه، وليس كذلك لما جاء في بعض الروايات: وليس وراء ذلك من الإِيمان حبة خردل. قلت: أراد به أن الثمرات القوية والضعيفة إذا انتفت كان الإِيمان كالمعدوم. اهـ. وفيه أنه حينئذ يرجع الحديث دليلاً للخصم. فالصواب أن يقال التقدير: وليس وراء ذلك من كمال الإِيمان أو من الإِيمان الكامل حبة خردل. لا يقال هذا أيضاً يدل على تحقق الكمال والنقصان بالنسبة إلى الإِيمان. فإنا نقول الخلاف إنما هو في حقيق الإِيمان وهو التصديق القلبي هل هو قابل للزيادة والنقصان أم لا. بل المحققون من الشافعية أيضاً على أن النزاع لفظي، فإن نفس الإِيمان وجوهره لا يتجزأ وإنما كماله أن ينضم إليه وجود الأعمال الصالحة، لأن الله تعالى حيث مدح المؤمنين الكاملين عطف الأعمال على الإِيمان وقال: ﴿إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات﴾ [ البروج: ١١]. ومن المعلوم أن الأصل في العطف التغاير. وأما كون الأعمال جزء الإِيمان حقيقة فإنما هو مذهب الخوارج والمعتزلة. وأما (١) ابن ماجه في السنن ١٣٢٩/٢ حديث رقم ٤٠١١. ١ - ٩٢٠ ٢ ١٠ .-- ٣٢٥ كتاب الآداب/ باب الأمر بالمعروف الآيات والأحاديث الدالة على الزيادة والنقصان فإمّا محمولة على ما ذكرنا وإمّا بالنظر إلى تعدد المؤمن به، وهذا بحث طويل الذيل محله كتب العقائد ومباحث الكلام والله تعالى أعلم بحقيقة المرام(١). ثم اعلم أنه إذا كان المنكر حراماً وجب الزجر عنه وإذا كان مكروهاً (١) اختلف العلماء رحمهم الله تعالى في مسألة ازدياد الإيمان ونقصانه. ذهب الإِمام أحمد إلى أن الإِيمان يزيد وينقص بالطاعة والمعصية. فقد روى ابن الجوزي بسنده عن سليمان بن الأشعث قال: سمعت أحمد بن حنبل يقول: ((الإيمان قول وعمل يزيد وينقص، والبر كله من الإِيمان، والمعاصي تنقص من الإيمان)). وقد روى أبو الفضل عبد الواحد بن عبد العزيز التميمي فيما أملاه من عقيدة الإمام أحمد ((وكان أحمد بن حنبل رحمه الله يذهب إلى أن الإيمان قول باللسان، وعمل بالأركان واعتقاد بالقلب، يزيد بالطاعة، وينقص المعصية. ويقوى بالعلم ويضعف بالجهل، وبالتوفيق يقع، وأن الإِيمان مسميات كثيرة من أفعال وأقوال. وذكر الحديث ((الإِيمان بضع وسبعون شعبة ... )) واستدل الإمام أحمد رحمه الله تعالى بقول الله سبحانه وتعالى ﴿ويزداد الذين آمنوا إيماناً﴾ [ سورة المدثر. آية رقم ٣١] وغيرها من الآيات. [ من كتاب العقيدة للإمام أحمد بن حنبل في رواية أبي بكر الخلال ص ٤٩ . ٥٠ ]. وروى الإمام البيهقي رحمه الله في كتابه المعتقد قول الإمام الشافعي رحمه الله تعالى في الإِيمان. فعن الربيع بن سليمان قال سمعت الشافعي يقول: ((الإيمان قول وعمل يزد وينقص)). واستدل بذلك: قال الله تعالى ﴿إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيماناً وعلى ربهم يتوكلون الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون أولئك هم المؤمنون حقاً ﴾ [الأنفال الآيات ٢ و٤] فأخبر الله تعالى بزيادة إيمانهم بتلاوة آياته عليه. وفي كل ذلك دلالة على أن هذه الأعمال وما فيه بها عليه من جوامع الإِيمان، وأن الإيمان يزيد وينقص. وذهب أكثر أهل الحديث إلى أن اسم الإِيمان يجمع الطاعات فرضها ونفلها. والأحاديث في ذلك كثيرة. منها: ((الطهور وشطر الإِيمان)) و((الإِيمان بضع وستون أو سبعون شعبة)). ما أخرجه البخاري ومسلم ((أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً)). ما أخبر أبو داود قال الرسول وَلهو: ((من أحب الله وأبغض لله، وأعطى لله، ومنع الله، فقد استكمل الإِيمان)). حديث رسول الله وَالر: ((يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله وفي قلبه من الإيمان ما يزن بره)). وروي عن سفيان الثوري قوله: ((خالفنا المرجئة في ثلاث: نحن نقول الإيمان قول وعمل، وهم يقولون قول بلا عمل. ونحن نقول: الإيمان يزيد وينقص، وهم يقولون: لا يزيد ولا ينقص. ونحن نقول أهل القبلة عندنا مؤمنون أما عند الله فالله أعلم، وهم يقولون: نحن عند الله مؤمنون)). والأحاديث في تسمية شرائع الإِسلام إيماناً وأن الإِيمان والإِسلام عبارتان عن دين واحد، إذا كان الإِسلام حقيقة ولم يكن بمعنى الإستسلام وأن الإيمان يزيد وينقص. كثيرة. غير التي ذكرت هنا. قال البيهقي رحمة الله: ((وقد روينا في ذلك عن الخلفاء الراشدين أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، ثم عن عبد الله بن رواحة ومعاذ بن جبل وعبد الله بن مسعود وعمار بن ياسر وأبي الدرداء وعبد الله بن عباس وأبي هريرة وعثمان بن حنيف وعمير بن حبيبة وجندب وعقبة بن عامر رضي الله عنهم. ١°: ٣٢٦ کتاب الآداب/ باب الأمر بالمعروف ندب. والأمر بالمعروف أيضاً تبع لما يؤمر به، فإن وجب فواجب وإن ندب فمندوب. ولم يتعرض له في الحديث لأن النهي عن المنكر شامل له، إذ النهي عن الشيء أمر بضده، وضد المنهي إما واجب أو مندوب أو مباح والكل معروف. وشرطهما أن لا يؤدي إلى الفتنة كما علم من الحديث وأن يظن قبوله، فإن ظن أنه لا يقبل فيستحسن إظهاراً لشعار الإِسلام. ولفظ من لعمومه شمل كل أحد رجلاً أو امرأة، عبداً أو فاسقاً أو صبياً مميزاً إذا كان وإن كان يستقبح ذلك من الفاسق. قال تعالى: ﴿أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم﴾ [ البقرة: ٤٤]. وقال عزَّ وجلَّ: ﴿لم تقولون ما لا تفعلون﴾ [الصف: ٢]. وأُنشِدَ: وغير تقيّ يأمر الناس بالتقى * طبيب يداوي الناس وهو مريض قال النووي رحمه الله في شرح مسلم: قوله: فليغيره بيده، هو أمر إيجاب وقد تطابق على وجوبه الكتاب والسنة وإجماع الأمة، وهي أيضاً من النصيحة التي هي الدين. ولم يخالف في ذلك إلا بعض الروافض ولا يعتد بخلافهم. قال إمام الحرمين أبو المعالي: لا نكترث بخلافهم ووجوبه يالشرع لا بالعقل خلافاً للمعتزلة، فمن وجب عليه وفعله ولم يمتثل المخاطب فلا عتب بعد ذلك عليه لكونه أدى ما عليه، وما عليه أن يقبل منه. وهو فرض كفاية ومن تمكن منه وتركه بلا عذر أثم، وقد يتعين كما إذا كان في موضع لا يعلم به إلا هو (١) أو ٠١٦٤٥ وعن التابعين وأتباعهم عن جماعة يكثر تعدادهم. وهو قول [ زيادة الإيمان ونقصانه ] فقهاء = الأمصار رحمهم الله [ تعالى ]: مالك بن أنس والأوزاعي وسفيان بن سعيد الثوري وسفيان بن عيينة وحماد بن زيد وحماد بن سلمة ومحمد بن إدريس الشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن إبراهيم الحنظلي ... وغيرهم من أهل الحديث ... )) [ كتاب الاعتقاد ١٤١. ١٤٥ ]. ومن الفقهاء الذين قالوا بعدم زيادة الإِيمان ونقصانه الإمام أبو حنيفة رحمه الله: فقد قال في كتابه (الفقه الأكبر)): .. وإيمان أهل السماء والأرض لا يزيد ولا ينقص من جهة المؤمن به ويزيد وينقص من جهة اليقين والتصديق. وذكر الملا علي القاري في شرحه للفقه الأكبر قول الإمام الرازي: ((إن الإيمان لا يقبل الزيادة والنقصان)). والمراد بزيادة الإِيمان ونقصانه القوة والضعف. فإن التصديق بطلوع الشمس أقوى من التصديق بحدوث العالم. وإن كانا متساويين في أصل تصديق المؤمن به. وقال: ((ونحن نعلم قطعاً أن إيمان آحاد الأمة ليس كإيمان النبي وَ ل 9. ولا كإيمان أبي بكر الصديق رضي الله عنه باعتبار هذا التحقيق. وهذا معنى ما ورد: ((لو وزن إيمان أبي بكر الصديق رضي الله عنه بإيمان جميع المؤمنين لرجح إيمانه)). يعني لرجحان ابقاته ووقار جنانه وثبات اتقانه وتحقيق عرفانه لا من جهة ثمرات الإِيمان من زيادات الإِحسان لتفاوت أفراد الإنسان من أهل الإيمان في كثرة الطاعات. وقلة العصيان وعكسه في مرتبة النقصان مع بقاء أصل وصف الإِيمان في حق كل منهما بنعت الإِيقان فالخلاف لفظي بين أرباب العرفان)). [ مشرح الفقه الأكبر ١٢٧.١٢٦ ] والله تعالى أعلم. (١) في المخطوطة ((إذ)). Hive ج: ٣٢٧ كتاب الآداب/ باب الأمر بالمعروف رواه مسلم. ٥١٣٨. (٢) وعن النعمان بن بشيرٍ، قال: قال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((مثلُ المداهنِ في حدودِ الله والواقعِ فيها، مثلُ قومِ اسْتَهموا سفينةً، لا يتمكن من إزالته إلا هو، وكمن يرى زوجته أو ولده أو غلامه على منكر. قالوا: ولا يسقط عن المكلف لظنه أن لا يفيد، بل يجب عليه فعله. فإن الذكرى تنفع المؤمنين. وما على الرسول إلا البلاغ المبين. ولا يشترط في الآمر والناهي أن يكون كامل الحال ممتثلاً ما يأمر به مجتنباً ما ينهى عنه، بل يجب عليه مطلقاً لأن الواجب عليه شيئان أن يأمر نفسه وينهاها ويأمر غيره وينهاه، فإذا أخل بأحدهما كيف يباح له الإِخلال بالآخر. قالوا: ولا يختص ذلك بأصحاب الولايات بل هو ثابت على آحاد المسلمين، فإن السلف الصالح كانوا يأمرون الولاة بالمعروف وينهونهم عن المنكر مع تقرير المسلمين إياهم وترك توبيخهم على التشاغل به. ثم إنه إنما يأمر وينهي من كان عالماً بما يأمر به وينهي عنه وذلك يختلف باختلاف الشيء. فإن كان من الواجبات الظاهرة أو المحرمات المشهورة كالصلاة والصيام والزكاة والزنا والخمر ونحوهما فكل المسلمين عالم بها، وإن كان من دقائق الأفعال والأقوال وما يتعلق بالاجتهاد لم يكن للعوام مدخل فيه لأن إنكاره على ذلك للعلماء. ثم العلماء إنما ينكرون ما أجمع عليه الأئمة، وأما المختلف فيه فلا إنكار فيه لأن على أحد المذهبين كل مجتهد مصيب. وينبغي للآمر والناهي أن يرفق ليكون أقرب إلى تحصيل المطلوب، فقد قال الإِمام الشافعي: من وعظ أخاه سراً فقد نصحه وزانه ومن وعظه علانية فقد فضحه وشانه. قال القاضي عياض رحمه الله : إن هذا الباب باب عظيم في الدين به قوام الأمر وملاكه، فإذا فسد عم العقاب الصالح والظالم، قال تعالى: ﴿واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة ﴾ [الأنفال: ٢٥]. (رواه مسلم) وكذا أحمد والأربعة. ٥١٣٨. (وعن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله يلى: مثل المداهن) أي المداهن المتساهل (في حدود الله) أي ترك القيام لإقامتها أو بالنهي عن ارتكاب المعاصي التي توجب الحدود. ولعل التخصيص للاعتناء بها، أو لأن ضررها قد يتعدى إلى غير فاعلها. ويمكن أن يراد بالحدود مطلق المعاصي، فذكر الحدود لتغليب الأقوى أو لأن حد كل معصية معروف مقرر. (والواقع فيها) أي ومثل الفاعل للمناهي. وفي التعبير بالواقع فيها إشارة إلى أنه بسبب المعصية، كأنه طارح من علو منزلته في هويّ بئر عميق ومكان سحيق. (مثل قوم) بالرفع، أي كمثل جمع مجتمع من الصالحين وغيرهم (استهموا سفينة) أي اقتسموا محالها ومنازلها بالقرعة. وهذا قيد اتفاقي، وإنما يتصوّر في جمع خاص ملكوها بالشركة المتساوية، وإلا فقد يكون الاقتسام بحسب أمر صاحب السفينة على مقتضى الإجارة وغيرها. وقال بعضهم: فيه الحديث رقم ٥١٣٨: أخرجه البخاري في صحيحه ٢٩٢/٥. حديث رقم ٢٦٨٦. والترمذي في السنن ٤/ ٤٠٨ حديث رقم ٢١٧٣. وأحمد في المسند ٢٧٣/٤. ٣٢٨ كتاب الآداب/ باب الأمر بالمعروف فصارَ بعضُهم في أسفلها، وصارَ بعضُهم في أعلاها، فكانَ الذي في أسفلِها يمرُّ بالماءِ على الذينَ في أعلاها، فتأذّوا به، فأخذَ فأساً، فجعل ينقرُ أسفلَ السفينة، فأتوهُ فقالوا: ما لكَ؟ قال: تأذَّيتُم بي ولا بُدَّ لي منَ الماءِ. فإِن أخذوا على يديه أنجَوهُ ونَجَّوا أنفسَهم، وإِن تركوه أهلگوه وأهلکوا أنفسهم». ٠ .*** ١٣٠ ٣٢/٥٢ ندب القرعة إذا تشاجروا، أي تنازعوا على الجلوس في الأعلى والأسفل وذلك إذا نزلوا فيها جملة. أما إذا نزلوا متفرقين فمن سبق منهم إلى مكان فهو أحق به من غيره. قلت: وهذا لا يصح إلا إذا كانت السفينة موقوفة على الفقراء أو على الحجاج والغزاة، بخلاف ما إذا كانت مملوكة لأحد أو لجماعة على سبيل الاشتراك. (فصار بعضهم في أسفلها) أي من المنازل (وصار بعضهم في أعلاها) أي في المجلس (فكان الذي) أي ولو كان واحداً (في أسفلها) أي البعض الذي مستقر في أسفلها، فأفرد الموصول نظراً إلى لفظة البعض وإيماء إلى أنه ولو كان واحداً فالأمر كذلك، وإشعاراً بأن الصلحاء في الأمة كثيرون وأن الطلحاء قليلون مغلوبون مقهورون. أو إيماء إلى أن الصالح وإن كان واحداً فهو كثير كبير عال بعلو الدين، والفسقة وإن كانوا جماعة فهم في مرتبة القلة ومنزلة الذلة ومقام أسفل السافلين. (يمر بالماء) أي بسببه (على الذين في أعلاها فتأذوا به) أي فتأذى من بالأعلى بمروره عليهم. وحاصله أنه يجيء من أسفلها إلى أعلاها ليأخذ الماء ويذهب إلى موضعه، ففي ذهابه وإيابه وإمراره بالماء عليهم تأذوا به بحيث ظهر له أو أظهروا له بالقول الغليظ أو الفعل الشنيع، لا سيما إذا كان الماء كناية عن البول والغائط وإمراره لطرحه في البحر، فإنه حينئذ يوجد التأذي أكثر ووجه المضايقة والمخالفة أظهر، خصوصاً إذا كان أهل السفل فقراء على ما هو الغالب على مقتضى طالعهم ونازلهم في الحظ عن منازلهم. ثم الأظهر أنه صور محل الأوّلين أعلى لخلوهم بأنفسهم عن المعاصي وجعل مقابلهم أسفل لارتكابه المنهي. (فأخذ فأساً) بسكون الهمزة ويبدل ألفاً (فجعل) أي شرع (ينقر) بضم القاف أي يدق ويخرق ويقطع (أسفل السفينة) أي من ألواحها (فأتوه) أي فجاءه أهل العوالي (فقالوا: ما لك) أي أي شيء باعث لك على ذلك (قال: تأذيتم بي ولا بد لي من الماء) أي من استعماله أو طرحه (فإن أخذوا على يديه) أي منعوه، يقال: أخذت على يد فلان إذا منعته عما يريد أن يفعله كأنك أمسكت يده، كذا في النهاية. (أنجوه) أي خلصوه (ونجوا) بالتشديد، أي وخلصوا (أنفسهم) أيضاً فخلصوا من الهلاك جميعاً. وفي الجمع بين اللغتين تفنن في العبارتين (وإن تركوه) أي على فعله (أهلكوه وأهلكوا أنفسهم) والمعنى أنه كذلك إن منع الناس الفاسق عن الفسق نجا ونجوا من عذاب الله تعالى، وإن تركوه على فعل المعصية ولم يقيموا عليه الحد حل بهم العذاب وهلكوا بشؤمه وهذا معنى قوله تعالى: ﴿واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة﴾ [الأنفال: ٢٥]. أي بل تصيبكم عامة بسبب مداهنتكم. والفرق بين المداهنة المنهية والمداراة المأمورة، أن المداهنة في الشريعة أن يرى منكراً ويقدر على دفعه ولم يدفعه حفظاً لجانب مرتكبه أو جانب غيره لخوف أو طمع أو لاستحياء منه أو قلة مبالاة في الدين، والمداراة موافقته بترك حظ نفسه وحق يتعلق بماله وعرضه فيسكت عنه دفعاً للشر ووقوع الضرر. ومنه قول الشاعر: ٠ ٣٢٩ كتاب الآداب/ باب الأمر بالمعروف رواه البخاري. ٥١٣٩. (٣) وعن أسامة بن زيدٍ، قال: قال رسولُ اللهِ وَله: ((يُجاءُ بالرجل يومَ القيامةِ، فَيُلقى في النارِ، فتندَلقُ أقتابُه في النار. فيطحنُ فيها كطحنِ الحمارِ برحاه، فيجتمعُ أهل النارِ عليه فيقولونَ: أَيْ فلانُ! ما شأنُكَ؟ أليسَ كنتَ تأمر بالمعروف وتنهانا عن المنكرِ؟ قال: كنتُ آمرُكم بالمعروف ولا آتِيهِ، وأنهاكم عن المنكرِ وآتيهِ». متفق عليه. * فدارهم ما دمت في دارهم * وحاصل المعنى تحمل الأذى من الخلق رضاً بما قضى له الحق. ومجمله أن المداهنة إنما تكون في الباطل مع الأعداء، والمداراة في أمر حق مع الأحباء. قال الأشرف: شبه النبي وَّة المداهن في حدود الله بالذي في أعلى السفينة وشبه الواقع في تلك الحدود بالذي في أسفلها، وشبه انهماكهم في تلك الحدود وعدم تركه إياها بنقره أسفل السفينة. وعبر عن نهي الناهي الواقع في تلك الحدود بالأخذ على يديه وبمنعه إياه عن النقر، وعبر عن فائدة ذلك المنع بنجاة الناهي والمنهي، وعبر عن عدم نهي النهاة بالترك، وعبر عن الذنب الخاص للمداهنين الذين ما نهوا الواقع في حدود الله بإهلاكهم إياه وأنفسهم. وكأن السفينة عبارة عن الإِسلام المحيط بالفريقين؛ وإنما جمع فرقة النهاة إرشاداً إلى أن المسلمين لا بد وأن يتعاونوا على أمثال هذا النهي، أو إلى أن من يصدر عنه هذا النهي فهو كالجمع قال تعالى: ﴿إن إبراهيم كان أمة﴾ [النحل: ١٢٠ ]. وأفرد الواقع في حدود الله لأدائه إلى ضد الكمال. (رواه البخاري). ٥١٣٩. (وعن أسامة بن زيد) صحابيان جليلان (قال: قال رسول الله وَله: يجاء) أي يؤتى (بالرجل) أي المقصر في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (يوم القيامة فيلقى في النار فتندلق) أي تخرج سريعاً (أقتابه) أي أمعاؤه (فيطحن) بصيغة الفاعل على الصحيح أي يدور (فيها) أي في أقتابه وأقصابه (كطحن الحمار برحاه) أي كدورانه حول رحاه. قال الطيبي رحمه الله: قوله: فيطحن فيها هو على بناء الفاعل، والضمير للرجل وفي فيها للأمعاء. وفي بعض نسخ المصابيح هو على بناء المفعول، وهو خطأ لما ورد في رواية أخرى: ((فيدور كما يدور الحمار برحاه)»(١). قال المظهر: أي يدور ويتردد في أقتابه، يعني يدور حول أقتابه ويضربها برجله. ويمكن أن يكون المعنى: فيدور في النار وما حولها كما يدور الحمار برحاه أي في رحاه. (فيجتمع أهل النار عليه) أي من الفسقة (فيقولون: أي فلان) كناية عن اسمه ووصفه بالعلم أو المشيخة (ما شأنك) أي حالك الغريب ومآلك العجيب (أليس كنت تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر قال: كنت آمركم) بصيغة المتكلم (بالمعروف ولا آتيه) أي لا أفعله (وأنهاكم عن المنكر وآتيه. متفق عليه). الحديث رقم ٥١٣٩: أخرجه البخاري في صحيحه ٣٣١/٦. حديث رقم ٣٢٦٧. ومسلم في صحيحه ٤/ ٢٢٩٠ حديث رقم (٢٩٨٩.٥١) وأحمد في المسند ٢٠٥/٥. (١) وهي رواية مسلم (( ٠٣۶ ١٫٧٥ ٢ جهود ٣٣٠ كتاب الآداب/ باب الأمر بالمعروف الفصل الثاني ٥١٤٠. (٤) عن حُذيفةَ، أنَّ النبيَّ وََّ قال: ((والذي نفْسي بيده لتأمرُنَّ بالمعروف ولتَنْهَوُنَّ عن المنكرِ أو ليُوشكَنَّ اللَّهُ أن يبعث عليكم عذاباً منْ عندِه ثمَّ لتَدْعُنَّه ولا يُستجابُ لكم)). رواه الترمذي. ٥١٤١. (٥) وعن العُرسِ بن عمِيرَةً، عن النبيِّ وَّرِ قال: ((إِذا عُمِلتِ الخطيئةُ في الأرضِ مَن شهِدَها فكرهَها كانَ كمن غابَ عنها، ومَن غابَ عنها فرضِيَها كان كمنْ شهدها». رواه أبو داود. (الفصل الثاني) ٥١٤٠ . (عن حذيفة أن النبي ◌َّفي قال: والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليوشكن) أي ليسرعن (الله أن يبعث عليكم عذاباً من عنده ثم لتدعنه) أي لتسألنه (ولا يستجاب لكم) والمعنى والله إن أحد الأمرين واقع إمَّا الأمر والنهي منكم وإمَّا إنزال العذاب من ربكم، ثم عدم استجابة الدعاء له في دفعه عنكم (رواه الترمذي) ورواه البزار والطبراني في الأوسط عن أبي هريرة ولفظه: لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليسلطن الله عليكم شراركم فيدعو خياركم فلا يستجاب لهم. ٥١٤١ . (وعن العرس) بضم العين المهملة وسكون الراء وسين مهملة. (ابن عميرة) بفتح عين وكسر ميم وبراء، ولا يعرف في الرجال عميرة بالضم بل كله بالفتح كذا في المغني. وقال المؤلف في فصل الصحابة: هو كندي روى عنه عدي بن عدي ابن أخيه وغيره. (عن النبي زَلخير قال: إذا عملت الخطيئة) بصيغة المجهول، أي إذا فعلت السيئة. (في الأرض) أي على وجه الأرض جميعاً (من شهدها) جواب الشرط والفاء محذوفة كما في قوله تعالى: ﴿وإن أطعتموهم إنكم لمشركون﴾ [الأنعام. ١٢١]. ذكره الطيبي رحمه الله. وإنما حسن حذف الفاء فيه لأن الشرط بلفظ الماضي. ذكره القاضي رحمه الله. والمعنى من حضرها. (فكرهها) أي فأنكرها ولو بقلبه (كان كمن غاب عنها) أي ولم يعلم بها (ومن غاب عنها) أي وعلم بها (فرضيها) أي فرضي بها واستحسنها (كان كمن شهدها) أي ولم ينكرها (رواه أبو داود)، ولفظ الجامع مسنداً إليه: إذا عملت الخطيئة في الأرض كان من شهدها فكرهها كمن غاب عنها الحديث. ١٣٩٢ الحديث رقم ٥١٤٠: أخرجه الترمذي في السنن ٤٠٦/٤ حديث رقم ٢١٦٩. وابن ماجه ١٣٢٧/٢ حديث رقم ٤٠٠٤. وأحمد في المسند ٣٨٨/٥. الحدیث رقم ٥١٤١: أخرجه أبو داود في السنن ٥١٠٥/٤ حديث رقم ٤٣٤٥. ؛ صدع" کتاب الآداب/ باب الأمر بالمعروف ٣٣١ ٥١٤٢. (٦) وعن أبي بكر الصديق رضي اللَّهُ عنه، قال: يا أيُّها الناسُ! إِنكم تقرؤونَ هذهِ الآية: ﴿يا أيُّها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضُرُّكم من ضلَّ إذا اهتديتم ﴾. فإني سمعتُ رسول اللهِ وَله يقول: ((إن الناسَ إِذا رأَوْا منكراً فلم يُغَيّروه يوشِكُ أن يعمَّهم الله بعقابه» . ٥١٤٢ - (وعن أبي بكر الصديق) رضي الله عنه (قال: يا أيها الناس إنكم تقرؤون هذه الآية: ﴿يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم﴾(١) أي الزموا حفظ أنفسكم عن المعاصي فإذا حفظتم أنفسكم لم يضركم إذا عجزتم عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ضلال من ضل بارتكاب المناهي إذا اهتديتم إلى اجتنابها (فإني) قال الطيبي: الفاء فصيحة تدل على محذوف، كأنه قال: إنكم تقرؤون هذه الآية وتجرون على عمومها وتمتنعون عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وليس كذلك فإني (سمعت رسول الله - * يقول: إن الناس إذا رأوا منكراً فلم يغيروه) أي مع القدرة على إنكاره (يوشك أن يعمهم الله بعقابه) قال الطيبي رحمه الله: وإنما قلت ليس كذلك لأن الآية نزلت في أقوام أمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر فأبوا القبول كل الإِباء، فذهبت أنفس المؤمنين حسرة عليهم فقيل لهم: عليكم أنفسكم وما كلفتم من إصلاحها والمشي بها في طرق الهدى، لا يضركم الضلال في دينكم إذا كنتم مهتدين. ويشهد لذلك ما قبل هذه الآية: وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول. وهذا تخصيص بحسب الأشخاص. وأما بحسب الزمان فيدل عليه الحديث الآتي لأبي ثعلبة، فإن العام قد يخص مرة أخرى. اهـ. ولا يخفى أنه غير صحيح المبنى وصريح المعنى من وجهين. أما أوّلاً فقوله: نزلت الآية في قومٍ أمروا بالمعروف فأبوا كل الإِباء، فلا يعرف له أصل أصلاً، بل ولا يتصوّر له وجود أبداً، لأن من المعلوم أنه لا يؤمر بالمعروف إلا المؤمنون ولا يمكن أنهم يأبون كل الإِباء، ولم يثبت أن قوماً ارتدوا بسبب هذا الأمر حتى يصح قوله: فذهبت أنفس المؤمنين حسرة عليهم الخ. وأما ثانياً فقوله: ويشهد لذلك ما قبل هذه الآية لا تعلق له بباب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مطلقاً، بل المطلوب منهم أن يؤمنوا بما أنزل الله إلى الرسول ويتركوا تقليد آبائهم في ضلالتهم وإبائهم فأصروا على بطلانهم وقالوا: حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا. فقال تعالى: ﴿أو لو كان آباؤهم لا يعلمون شيئاً ولا يهتدون ﴾ [ المائدة. ١٠٤]. نعم ورد ما يناسب بين اقتران الآيتين على ما أخرجه ابن أبي حاتم أنه إنما أنزلت هذه الآية لأن الرجل كان يسلم ويكفر أبوه ويسلم الرجل ويكفر أخوه، فلما دخل قلوبهم حلاوة الإِيمان دعوا آباءهم وإخوانهم فقالوا: ﴿حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا﴾ [ المائدة . ١٠٤]. فأنزل الله: ﴿يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم﴾ [المائدة. ١٠٥ ] الآية. وهذا معنى قول البيضاوي: والآية نزلت لما كان المؤمنون يتحسرون على الكفرة ويتمنون إيمانهم. وفي تفسير الحدیث رقم ٥١٤٢: أخرجه أبو داود في السنن ٥٠٩/٤ حديث رقم ٤٣٣٨. والترمذي في السنن ٤٠٦/٤ حديث رقم ٢١٦٨. وأخرجه ابن ماجه في السنن ٢/ ١٣٢٧ حديث رقم ٤٠٠٥. وأحمد في المسند ١/ ٢. (١) سورة المائدة. آية رقم ١٠٥. العامة ٥٤٩٠ ٣٣٢ كتاب الآداب/ باب الأمر بالمعروف رواه ابن ماجه، والترمذي وصححه. وفي رواية أبي داود: ((إِذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمَّهم الله بعقابٍ)). وفي أخرى له: ((ما من قومٍ يُعمل فيهم بالمعاصي ثم يقدرونَ على أن يُغَيّروا ثم لا يُغَيّرون إِلا يوشك أن يعمهم الله بعقابٍ)). وفي أُخرى له: ((ما من قومٍ يُعمل فيهم بالمعاصي هم أكثر ممَّن يعمله)). المعين الصفوي: في هذه الآية رخصة في ترك الحسبة(١) إذا علم عدم قبولها أو فيها مفسدة أو إضرار له، منها اتفقت عليه كلمة السلف على ذلك والأحاديث تدل عليه. أو معنی إذا اهتدیتم، إذا ائتمرتم بالمعروف وأمرتم به وانتهيتم عن المنكر ونهيتم عنه؛ كذا رواه ابن جرير عن سعيد بن المسيب. وروي عن غير واحد من السلف. فإن الاهتداء لا يحصل إلا بإتيان ما يجب عليه ومنه الأمر بالمعروف، أو المراد المنع عن إهلاك النفس أسفاً على ما عليه الكفرة والفسقة كقوله تعالى: ﴿فلا تذهب نفسك عليهم حسرات﴾ [فاطر - ٨ ]. وقال النووي: وأما قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا ﴾ الآية (٢). فليست مخالفة لوجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لأن المذهب الصحيح عند المحققين في معنى الآية أنكم إذا فعلتم ما كلفتم به فلا يضركم تقصير غيركم، مثل قوله تعالى: ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾ [الأنعام . ١٦٤، الإسراء. ١٥، فاطر. ١٨، الزمر. ٧ ]. فإذا كان كذلك فمما كلف به الأمر بالمعروف إذا فعله ولم يمتثل المخاطب فلا عتب بعد ذلك عليه لكونه أدى ما عليه. (رواه ابن ماجه والترمذي وصححه). (وفي رواية أبي داود: إذا رأوا) أي الناس (الظالم) أي الفاسق (فلم يأخذوا على يديه) أي لم يمنعوه عن ظلمه (أوشك أن يعمهم الله بعقاب) أي بنوع من العذاب فإنه أشد الحجاب (وفي أخرى له:) أي لأبي داود (ما من قوم يعمل فيهم) بصيغة المجهول والجار والمجرور وهو النائب، أو التقدير يعمل أحد فيما بينهم. (بالمعاصي ثم يقدرون على أن يغيروا ثم لا يغيرون إلا يوشك أن يعمهم الله بعقاب). (وفي أخرى له: ما من قوم يعمل فيهم بالمعاصي هم أكثر ممن يعمله) هم صفة قوم، أي إذا كان الذين لا يعملون المعاصي أكثر من الذين يعملونها فلم يمنعوهم عنها عمهم العذاب. قال الطيبي رحمه الله: يزاد بعده ثم لا يغيرون إلا يوشك أن يعمهم الله بعقاب. وهم صفة قوم. وإلا يوشك خبر ما. قلت: هذه التقادير مستفادة مما قبله، وإنما أراد المصنف اختلاف الرواية في صدر الحديث. وقال البغوي رحمه الله: وفي رواية: لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليستعملن الله عليكم شراركم فليسومنكم سوء العذاب ثم ليدعن الله خياركم فلا يستجاب لهم. قال أبو عبيد: خاف الصديق أن يتأول الناس الآية غير تأولها فيدعوهم إلى ترك الأمر بالمعروف، فأعلمهم أنها ليست كذلك وأن الذي أذن في الإمساك عن تغييره من المنكر هو الشرك الذي ينطق به المعاهدون [ من أجل ] أنهم يتدينون(٣) به وقد ٨١٦٠ (١) في المخطوطة ((المسنة)). (٢) أي قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم﴾. (٣) في المخطوطة ((يتزينون)). ٣٣٣ كتاب الآداب/ باب الأمر بالمعروف ٥١٤٣. (٧) وعن جَرِير بن عبد الله، قال: سمعتُ رسول الله وَّو يقول: ((ما من رجلٍ يكونُ في قومٍ يُعملُ فيهم بالمعاصي، يَقدرونَ على أن يُغَيّروا عليه ولا يغيّرون، إلا أصابَهم اللَّهُ منه بعقابٍ قبلَ أن يموتوا)). رواه أبو داود، وابن ماجه. صولحوا عليه. فأما الفسوق والعصيان والريب من أهل الإِسلام فلا يدخل فيه. وقال مجاهد وسعيد بن جبير: الآية في اليهود والنصارى، يعني: عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل من أهل الكتاب فخذوا منهم الجزية واتركوهم. وعن ابن مسعود قال في هذه الآية: مروا بالمعروف وانهوا عن المنكر ما قبل منكم، فإن رد عليكم فعليكم أنفسكم. ثم قال: إن القرآن نزل منه، أي قد مضى تأويلهن قبل أن ينزلن، ومنه أي وقع تأويلهن على عهد رسول الله وَله ومنه أي وقع تأويلهن بعد رسول الله وَلّ بيسير، ومنه أي ويقع تأويلهن في آخر الزمان، ومنه أي يقع تأويلهن يوم القيامة وهو ما ذكر من الحساب والجنة والنار، فما دامت قلوبكم وأهواؤكم واحدة ولم تلبسوا شيعاً ولم يذق بعضكم بأس بعض فامروا وانهوا، فإذا اختلفت القلوب والأهواء وألبستم شيعاً وذاق بعضكم بأس بعض فامرؤ ونفسه فعند ذلك جاء تأويل هذه الآية. اهـ. وهو مطابق لما في حديث أبي ثعلبة الآتي. ٥١٤٣ - (وعن جرير بن عبد الله) أي البجلي (قال: سمعت رسول الله صل* يقول: ما من رجل يكون في قوم يعمل) بفتح الياء صفة ثانية لرجل أو حال منه وسوّغه وصفه، أي يفعل (فيهم بالمعاصي) أي بهذا الجنس من العمل (يقدرون) أي القوم (على أن يغيروا عليه) أي على الرجل باليد أو اللسان. فإنه لا مانع من إنكار الجنان. (ولا يغيرون إلا أصابهم الله منه) أي من عنده تعالى (بعقاب قبل أن يموتوا) قال الطيبي رحمه الله: الضمير المجرور إما عائد إلى الرجل أو إلى عدم التغيير، وتكون من ابتدائية. أي بسبب شؤمه وأن يعود إلى الله تعالى، أي عذاباً من عنده وهذا أبلغ كقوله تعالى: ﴿إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن ﴾ [مريم. ٤٥]. (رواه أبو داود وابن ماجه) وأخرجه عبد الرزاق وعبد بن حميد عن جرير البجلي ولفظه: سمعت النبي ◌َّر يقول: ما من قوم يكون بين أظهرهم رجل يعمل بالمعاصي هم أمنع منه وأعز ثم لا يغيرون عليه إلا أوشك أن يعمهم الله منه بعقاب(١). قال الطيبي رحمه الله: وهذا الحديث مخالف للحديث الذي في المصابيح بحسب اللفظ وكان موضعه الفصل الثالث، إلا أنه ذكره هنا تنبيهاً على أن المؤلف ما وجد في الأصول كما في المصابيح. قلت: هذا التنبيه موجه نبيه متضمن للاعتراض الفعلي. وأما كون موضعه الفصل الثالث فليس في موضعه. الحديث رقم ٥١٤٣: أخرجه أبو داود في السنن ٥١٠/٤ حديث رقم ٤٣٣٩. وابن ماجه في السنن ٢/ ١٣٢٨ حديث رقم ٤٠٠٩. وأحمد في المسند ٣٦٤/٤. (١) عبد الرزاق في مصنفه ٣٤٨/١١ حديث رقم ٢٠٧٢٣. ٣٣٤ :2. ٠٩٣٣ كتاب الآداب/ باب الأمر بالمعروف ٥١٤٤. (٨) وعن أبي ثعلبةً في قوله تعالى: ﴿عليكم أنفسكم لا يضرُّكم من ضلَّ إذا اهتدَيتُم﴾. فقال: أَما والله لقد سألتُ عنها رسول اللهِ وَ لَه فقال: ((بل ائتمِروا بالمعروفِ، وتَناهَوا عن المنكر، حتى إذا رأيتَ شُحّاً مُطاعاً، وهوَى مُتَّبَعاً، ودنياً مُؤثَرةً، وإِعجابَ كلّ ذي رأيٍ برأيه، ٥١٤٤ - (وعن أبي ثعلبة) أي ابن جرهم بن ثابت الخشني بايع النبي وَ الر بيعة الرضوان وأرسله إلى قومه فأسلموا. ونزل بالشام ومات بها سنة خمس وخمسين. (في قوله تعالى: ﴿عليكم أنفسكم﴾) قال البيضاوي رحمه الله: أي احفظوها والزموا إصلاحها. والجار مع المجرور جعل اسماً لألزموا ولذلك نصب أنفسكم. وقرىء بالرفع على الابتداء. (﴿لا يضركم من ضل إذا اهتديتم﴾)(١) أي لا يضركم الضلال إذا كنتم مهتدين. ومن الاهتداء أن ينكر المنكر حسب طاقته على ما سبق من الحديث. ولا يضركم يحتمل الرفع على أنه مستأنف، ويؤيده أن قرىء: لا يضركم، بالجزم على الجواب أي للأمر أو على النهي لكنه ضمت الراء اتباعاً لضمة الضاد المنقولة إليها من الراء المدغمة. ويؤيده قراءة من قرأ: لا يضركم، بالفتح، ولا يضركم بكسر الضاد وضمها، أي مع سكون الراء من ضاره يضيره ويضوره. قال الطيبي رحمه الله : يقول الراوي: سئل أبو ثعلبة في شأن قوله تعالى: ﴿عليكم أنفسكم﴾ (فقال:) أي أبو ثعلبة (إما) بتخفيف الميم للتنبيه (والله لقد سألت عنها) أي عن الآية (رسول الله وَلقر فقال: بل ائتمروا) أي امتثلوا (بالمعروف) أي ومنه الأمر به (وتناهوا) أي انتهوا واجتنبوا (المنكر) ومنه الامتناع عن نهيه. أو الائتمار بمعنى التآمر كالاختصام بمعنى التخاصم. ويؤيده التناهي. والمعنى: ليأمر بعضكم بعضاً بالمعروف وتنه طائفة منكم طائفة عن المنكر. وقال الطيبي رحمه الله: قوله: بل ائتمروا، إضراب عن مقدر أي سألت عنها رسول الله وَّلته وقلت: أما نترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بناء على ظاهر الآية. فقال عليه الصلاة والسلام: لا تتركوا بل ائتمروا بالمعروف الخ. اهـ. والمعنى: كونوا قائمين بهما على وجه كمالهما. (حتى إذا رأيت) أي أيها المخاطب، خطاباً عاماً ونكتة الأفراد انفراد المستقيم واجتماع العامة على العدول عن الطريق القويم. والمعنى: إذا عملت الغالب على الناس. (شحاً مطاعاً) أو إذا عرفت شحاً، أي بخلاً مطاعاً بأن أطاعته نفسك وطاوعه غيرك. (وهوى متبعاً) بصيغة المفعول أي وهوى للنفس متبوعاً وطريق الهدى مدفوعاً. وحاصله أن كلاً يتبع هواه وما تأمره نفسه الأمارة وما تتمناه. (ودنيا) بالقصر وفي نسخة بالتنوين، وهي عبارة عن المال والجاه في الدار الدنيا (مؤثرة) أي مختارة على أمور الدين ودرجات الآخرة (وإعجاب كل ذي رأي برأيه) أي من غير نظر إلى الكتاب والسنة وإجماع الأمة والقياس على أقوى الأدلة وترك الاقتداء بنحو الأئمة الأربعة، والإِعجاب بكسر الهمزة، وهو وجدان الشيء حسناً ورؤيته مستحسناً بحيث يصير صاحبه به 2٣٥ الحديث رقم ٥١٤٤: أخرجه أبو داود في السنن ٥١٢/٤ حديث رقم ٤٣٤١. والترمذي في السنن ٢٤٠/٥ حدیث رقم ٣٠٥٨. وابن ماجه ١٣٣١/٢ حديث رقم ٤٠١٥. (١) سورة المائدة . آية رقم ١٠٥. ٦,٠٩ ٣٣٥ کتاب الآداب/ باب الأمر بالمعروف ورأيتَ أمراً لا بدَّ لك منه؛ فعليك نفسَكَ، ودعْ أمرَ العوامٌ، فإِنَّ وراءكم أيامَ الصَّبرِ، فمن صبرَ فيهنَّ قَبضَ على الجمرِ، للعاملِ فيهنَّ أجرُ خمسينَ رجلاً يعملونَ مثلَ عملِهِ)). قالوا: يا رسولَ الله! أجرُ خمسينّ منهم؟ قال: ((أجرُ خمسينَ منكم)). رواه الترمذي، وابن ماجه. معجباً، وعن قبول كلام الغير مجتنباً وإن كان قبيحاً في نفس الأمر. (ورأيت أمراً لا بد لك منه) بضم الموحدة وتشديد المهملة في جميع النسخ المصححة والأصول المعتمدة. وقال الطيبي رحمه الله: يحتمل أن يكون بالباء الموحدة بمعنى لا فراق لك منه. والمعنى: رأيت أمراً يميل إليه هواك ونفسك من الصفات الذميمة حتى إذا قمت بين الناس لا محالة أن تقع فيها (فعليك نفسك) واعتزل عن الناس حذراً من الوقوع. وأن يكون بالياء المثناة كما في بعض نسخ المصابيح. والمعنى: فإن رأيت أمراً لا طاقة لك من دفعه فعليك نفسك. اهـ. ونفسك منصوب، وقيل مرفوع. أي فالواجب أو فيجب عليكم حفظها من المعاصي، لكن يؤيد الأول وهو أن يكون للإغراء بمعنى الزم خاصة نفسك قوله: (ودع أمر العوام) أي واترك أمر عامة الناس الخارجين عن طريق الخواص. وحاصله أنه إذا رأيت بعض الناس يعملون المعاصي ولا بد لك من السكوت لعجزك فاحفظ نفسك عن المعاصي واترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واشتغل بنفسك ودع أمر الناس إلى الله، فإنه تعالى: ﴿لا يكلف نفساً إلا وسعها﴾. (فإن وراءكم) أي قدامكم من [ الأزمان الآتية، أو خلفكم من الأمور الهاوية](١). (أيام الصبر) أي أياماً لا طريق لكم فيها إلا الصبر أو أياماً يحمد فيها الصبر، وهو الحبس على خلاف النفس من اختيار العزلة وترك الخلطة والجلوة. (فمن صبر فيهن) أي في تلك الأيام (قبض على الجمر) يعني يلحقه المشقة بالصبر كمشقة الصابر على قبض الجمر بيده. وقد أشار إليه الشاطبي بقوله : وهذا زمان الصبر من لك بالتي * كقبض على جمر فتنجو من البلاء (للعامل فيهن) أي الكامل ولو لم يكن مكملاً لغيره (أجر خمسين رجلاً يعملون مثل عمله) أي في غير زمانه (قالوا: يا رسول الله أجر خمسين) بتقدير الاستفهام (منهم) فيه تأويلان: أحدهما أن يكون أجر كل واحد منهم على تقدير أنه غير مبتلى ولم يضاعف أجره. وثانيهما أن يراد أجر خمسين منهم أجمعين لم يبتلوا ببلائه. (قال: أجر خمسين منكم. رواه الترمذي وابن ماجه) وقد صححه الترمذي ورواه ابن جرير والبغوي في معجمه وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه والحاكم وصححه. والبيهقي [ في الشعب ] عن أبي أمية الشعباني قال: أتيت أبا ثعلبة الخشني فقلت له: كيف تصنع في هذه الآية، قال: أي آية، قلت: قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم﴾ [المائدة. ١٠٥]. قال: أما والله لقد سألت عنها خبيراً. سألت عنها رسول الله وير الحديث إلى أن قال: فإن من ورائكم أيام الصبر، الصابر فيهن مثل القابض على الجمر للعامل فيهن مثل أجر خمسين رجلاً يعملون مثل عملكم. وقد ذكر البغوي في تفسيره بإسناده إلى ابن المبارك عن عتبة بن أبي حكيم كما (١) فى المخطوطة بدل ما بين المعكوفتين ((الزمان)). ويري شهادة موزير دهون ٠٠٠٦٠ ٣٥٤. ٣٣٦ كتاب الآداب/ باب الأمر بالمعروف ٥١٤٥. (٩) وعن أبي سعيد الخدريّ، قال: قام فينا رسولُ اللهِ وَ لَهُ خطيباً بعدَ العصرِ، فلم يدع شيئاً يكونُ إِلى قيامِ السَّاعةِ إلاَّ ذكرَه، حفظه مَن حفِظه، ونسيَه مَن نسيَه، وكانَ فيما قال: ((إِنَّ الدُّنيا حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ، وإِنَّ اللَّهَ مُستخلِفُكم فيها، فناظرٌ كيفَ تعملونَ، أَلاَ فاتقوا الدنيا واتقوا النساءَ)) وذكرَ: ((إِنَّ لكلُ غادِرٍ لواءٌ يومَ القيامة بقدرٍ غَدرتِه في الدنيا، في أصل المشكاة إلى قوله: مثل عمله، ثم قال: وزاد في غيره قال: يا رسول الله [ أجر خمسين منهم ]. قال: أجر خمسين منكم. ٠٢٥ ٢٠٠ ٥١٤٥ - (وعن أبي سعيد الخدري قال: قام فينا) أي فيما بيننا أو في حقنا أو لأجلنا (رسول الله* خطيباً) أي واعظاً لقوله: (بعد العصر فلم يدع) أي لم يترك (شيئاً) أي مما يتعلق بأمر الدين مما لا بد منه (يكون) أي يقع ذلك الشيء (إلى قيام الساعة) أي ساعة القيامة (إلا ذكره) أي عينه وبينه (حفظه من حفظه) أي ممن وفقه الله وحفظه (ونسيه من نسيه) أي ممن أنساه الله وترك نصره (وكان فيما قال:) أي من خطبته وموعظته (إن الدنيا) وفي الجامع: أما بعد فإن الدنيا (حُلوة) بضم أوّله أي لذيذة حسنة (خضرة) بفتح فكسر أي ناعمة طرية. وفي الجامع تقديم خضرة. وإنما وصفها بالخضرة لأن العرب تسمي الشيء الناعم خضراً، أو لشبهها بالخضراوات في ظهور كمالها وسرعة زوالها. وفيه بيان أنها غدارة مكارة سجارة تفتن الناس بلونها وطعمها. وتوضيحه أن الدنيا طيبة مليحة في عيون أربابها وقلوب أصحابها لا يشبعون من جمع المال ولا من سعة الجاه وكثرة الإِقبال وطول الآمال. وفيه إيذان بشدة انجذاب النفوس إليها لأن كلاً من هذين الوصفين تميل إليه النفوس الناقصة، فإن(١) اجتمعا كانت إليها أميل وعليها أقبل. (وإن الله مستخلفكم فيها) أي جاعلكم خلفاء في الدنيا. ومعناه أن أموالكم ليست في الحقيقة لكم وإنما هي الله جعلكم في التصرف فيها بمنزلة الوكلاء، أو جاعلكم خلفاء فيمن كان قبلكم وأعطى ما كان في أيديهم إياكم. (فناظر كيف تعملون) أي تعتبرون بحالهم وتتفكرون في مآلهم وتتصرفون في دنياكم وتراعون في دينكم لعقباكم. وحاصله أنه يتعلق به العلم التنجيزي على طبق العلم الأزلي التقديري. (ألا) للتنبيه (فاتقوا الدنيا) أي احذروا زيادتها على قدر الحاجة المعينة للدين النافعة في الأخرى. (واتقوا النساء) أي مكرهن وغدرهن وحبهن البالغ الباعث على جمع المال المانع من تحصيل العلم والعمل من أسباب الكمال. وفي الجامع زيادة: فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء. (وذكر) أي النبي بَّر في جملة ما ذكر (أن) بفتح الهمزة وتكسر (لكل غادر) من الغدر، وهو ترك الوفاء. (لواء) بكسر اللام، أي علما إعلاماً بسوء حاله وقبح مآله. (يوم القيامة) أي يوم الفضيحة (بقدر غدرته) مصدر بمعنى الغدر. ولعل وجه الإتيان بصيغة المرة أن يجازى بغدره في العقبى ولو كان مرة. (في الدنيا) ولا شك أن الغدر فيها له مراتب مختلفة، فلهذا قال: الحديث رقم ٥١٤٥: أخرجه الترمذي في السنن ٤١٩/٤ حديث رقم ٢١٩١. وابن ماجه في السنن ٢/ ١٣٢٥ حديث رقم ٤٠٠٠. وأحمد في المسند ٦١/٣. (١) ابن ماجه في السنن ٣٢٩/٢ حديث رقم ٤٠١١. ٣٣٧ كتاب الآداب/ باب الأمر بالمعروف ولا غذْرَ أكبرُ من غذْرِ أميرِ العامَّةِ، يُغْرَزُ لواؤه عندَ آستِه)). قال: «ولا يمنعنَّ أحداً منكم هيبةُ الناسِ أنْ يقولَ بحقٍ إِذا علمَه)) وفي رواية: ((إِن رأى مُنكراً أنْ يُغيّرَه)) فبكى أبو سعيدٍ وقال: قدْ رأيناهُ فمنعتْنا هيبةُ النَّاسِ أنْ نتكلمَ فيهِ. ثمّ قال: ((أَلاَ إِنَّ بني آدمَ (ولا غدر أكبر من غدر أمير العامة) قال التوربشتي رحمه الله: أراد به المتغلب الذي يستولي على أمور المسلمين وبلادهم بتأمير العامة ومعاضدتهم إياه من غير مؤامرة من الخاصة وأهل العقد من أولي العلم، ومن ينضم إليهم من ذوي السابقة ووجوه الناس. وقوله: (يغرز لواؤه عند استه) من شأن الأمراء أن يكون لواؤهم خلفهم ليعرفوا به. فيوم القيامة يكون لكل من دعا إلى حق أو باطل لواء يعرف به. وذكر عند استه استهانة وتنبيهاً على أنه يلصق به ويدنى منه دنوّاً لا يكون معه اشتباه. اهـ. فقوله: يغرز، بصيغة المجهول، أي ينصب لواؤه عند استه تحقيراً له. وهو بهمزة الوصل، مكسورة العجز أو حلقة الدبر. (قال:) أي النبي ◌َّر (ولا يمنعن) بالتذكير ويؤنث (أحداً منكم هيبة الناس) أي عظمتهم وشوكتهم ومخالفتهم ومهابتهم (أن يقول بحق) أي من أن يتكلم به أو يأمر به (إذا علمه) وفي النهاية: يجعل العربي القول عبارة عن جميع الأفعال ويطلقه على غير الكلام فيقول: قال بيده، أي أخذ، وقال برجله أي مشى (وفي رواية:) أي بدلاً من قوله: أن يقول بحق (إن رأى منكراً) بأن الشرطية (أن يغيره) مفعول لا يمنعن، أي من تغيير المنكر (فبكى أبو سعيد وقال: قد رأيناه) أي المنكر (فمنعتنا هيبة الناس أن نتكلم فيه) أي عملاً بما في بعض الأحاديث من رخصة السكوت عند المخافة على نفسه أو عرضه أو ماله عند العجز وضعف زمن الإيمان. وأما العزيمة فأن لا يبالي بشيء مما ذكر، ولذا ورد: ((أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر)). على ما رواه ابن ماجه عن أبي سعيد وجماعة عن أبي أمامة وغيره. وقد قال تعالى: ﴿ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله﴾ [البقرة. ٢٠٧ ]. أي يبيعها ببذلها في الجهاد أو يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر حتى يقتل طلباً لرضاه لا لغرض سواه. فإن (١) أكابر الصحابة في الصدر الأول عجزوا مع كمال قوّتهم في الدين واليقين والمعرفة ولم يقدروا على إظهار الحق لأهل البطلان كيزيد والحجاج وأمثالهما من الظلمة والفسقة، فكيف حالنا اليوم والحال أن بعد الألف أيام تقهقر الإِسلام وتسلط السلاطين على جميع الأنام من غير تحققهم بشروط الإمامة والخلافة وقلة العلماء العاملين وكثرة الفضلاء الجاهلين والقضاة الظالمين والمشايخ المرائين فإنا لله وإنا إليه راجعون. فهذا لا شك أنه زمان الصبر المقرون بالشكر المنضم إلى الرضا بالقضاء المتعين فيه السكوت وملازمة البيوت والقناعة بالقوت إلى أن يموت. (ثم قال:) أي النبي ◌َّر (ألا) للتنبيه (إن بني آدم) خصوا بالذكر لأن الملائكة خُلِقُوا للخير فقط، والشياطين خلقوا للشر فقط. فالأوّلون مظاهر الجمال والآخرون مظاهر الجلال وبنو آدم خلقوا على وصف (٢) الكمال. ولعل هذا معنى قوله وَلّ: ((إن الله خلق آدم على صورته))(٣)، أي على صفة الكمال الجامعة (١) في المخطوطة ((كان)). (٢) في المخطوطة ((وجه). (٣) من حديث متفق عليه. راجع الحديث رقم (٤٦٢٨). ج ھو. ٠١٠٧٢ 41.82 كتاب الآداب/ باب الأمر بالمعروف ٣٣٨ خُلقوا على طبقاتٍ شَتَّى، فمنهم مَن يولَدُ مؤمناً، ويحيى مؤمناً، ويموت مؤمناً؛ ومنهم مَن يولدُ كافِراً، ويحيى كافِراً، ويموتُ كافراً؛ ومنهم مَن يولدُ مؤمناً، ويحيى مؤمناً، ويموتُ كافراً؛ ومنهم مَن يولدُ كافِراً، ويحيى كافراً، ويموتُ مؤمناً)) قال: وذكر الغضبَ ((فمنهم مَن یکون سريع الغضبِ النعوت الجلال والجمال. ولما خلق فيهم هذه القابلية الكاملة قدروا على حمل الأمانة الشاملة التي عرضت على السموات والأرض والجبال، أي على أهلها من العلويات والسفليات، فأبين أن يحملنها أي امتنعن لعدم استعدادهن وأشفقن منها لعدم استطاعتهن، وحملها الإنسان. [فالإنسان] معجون مركب من النعوت الملكية الموجبة لعناية الجمال الرباني، والصفات الشيطانية المقتضية لغضب الجلال الصمداني. فإن مال السالك إلى الملك صار خيراً منه، وإن مال إلى الشيطان صار شراً منه. وهم مع هذا الوصف الإجمالي والنعت الإكمالي كما قال وَلات (خلقوا) أي جبلوا على ما خلق الله فيهم من اختيار الخير والشر (على طبقات شتى) أي مراتب مختلفة باعتبار اختلاف أحوال الإيمان والكفر وأوقاتهما. (فمنهم من يولد مؤمناً) أي من أبويه المؤمنين أو في بلاد المؤمنين. فإنه حين يولد قبل التمييز لا ينسب إليه الإيمان إلا باعتبار ما علم الله فيه من الأزل أو باعتبار ما يؤول إليه أمره في الاستقبال. (ويحيا) أي يعيش في جميع عمره من حين تمييزه إلى انتهاء عمره (مؤمناً) أي كاملاً أو ناقصاً (ويموت مؤمناً) أي كذلك جعلنا الله منهم (ومنهم من يولد كافراً) أي بخلاف ما سبق. وهو لا ينافي [ ما ورد: ((كل مولود يولد على الفطرة))(١). فإن المراد بها قابلية قبول الهداية لولا مانع من بواعث الضلالة، كما يشهد له ] قوله: فأبواه يهودانه الحديث. (ويحيا كافراً ويموت كافراً) نعوذ بالله من ذلك (ومنهم من يولد مؤمناً ويحيا مؤمناً ويموت كافراً) [ نسأل الله العافية من خاتمة الهاوية (ومنهم من يولد كافراً ويحيا كافراً ويموت مؤمناً) ] فالعبرة بالخواتيم اللاحقة المطابقة للكتابة السابقة من السعادة الكاملة والشقاوة الشاملة. وكأن التقسيم (٢) غالبي، وإلا فمنهم من يولد مؤمناً ويحيا كافراً ويموت مؤمناً، ومنهم من يولد كافراً ويحيا مؤمناً ويموت كافراً. ولعل عدم ذكرهما لأن المقصود منه أن العبرة بالخاتمة وقد علمت مما ذكر إجمالاً. (قال:) أي أبو سعيد (وذكر) أي النبي وَّر (الغضب) وهو فرد من أنواع الأخلاق إشارة إلى أنها أيضاً كالإِيمان مجبولة مجعولة في أفراد الإنسان وأن أصحابه على طبقات شتى. ويقاس عليه سائر الشمائل المرضية(٣) والأخلاق الدنية (فمنهم) أي من بني آدم مع أنهم كلهم من نسل نبي الله وصفيه. ولكنه لما كانت طينته معجونة بوصف: خلقته(٤) بيدي. اقتضت هذه القضية المختلفة التي وقعت له أولاً من الصعود والهبوط والاجتباء آخراً أن يكون على طبقها طبقات أولاده من الإيمان والكفر على ما سبق ومن الأخلاق الناشئة عنهما بقوله: فمنهم: (من يكون سريع الغضب) أي بمقتضى (١) البخاري في صحيحه ٢٤٥/٣ حديث رقم ١٣٨٥. (٢) في المخطوطة ((القلم)). (٤) في المخطوطة ((خلقته)). 5ame الهة. (٣) في المخطوطة ((الرضية)). Andc ٣٣٩ کتاب الآداب/ باب الأمر بالمعروف سريعَ الفيْءٍ فإِحداهُما بالأخرى؛ ومنهم مَن يكونُ بطيءَ الغضب بطيءَ الفيءٍ فإِحداهُما بالأخرى، وخيارُكم مَن يكونُ بطيءَ الغضبِ سريعَ الفيءٍ، وشرارُكم مَن يكونُ سريعَ الغضبِ بطيءَ الفيءٍ). قال: ((اتقوا الغضبَ؛ فإِنَّه جمرةٌ على قلبٍ ابن آدم، أَلاَ ترَونَ إِلى انتفاخِ أوداجِه؟ وحُمرةٍ عينيه؟ فمنْ أحسَّ بشيءٍ منْ ذلكَ فليضْطجع ولْيتَلَبِّد بالأرض)) قال: وذكرَ الدَّينَ فقال: ((منكم مَن يكونُ حسَن القضاءِ، الخلق النفساني (سريع الفيء) أي الرجوع من الغضب (فإحداهما بالأخرى) أي إحدى الخصلتين مقابلة بالأخرى، ولا يستحق المدح والذم فأعلهما لاستواء الحالتين فيه [ بمقتضى العقل ]، فلا يقال في حقه أنه خير الناس ولا شرهم. (ومنهم من يكون بطيء الغضب) فعيل. من الإِبطاء مهموز، وقد يدل ويدغم. وهو ضد السريع (بطيء الفيء فإحداهما بالأخرى) كما سبق بيانه في الأولى (وخياركم من يكون بطيء الغضب سريع الفيء وشراركم من يكون سريع الغضب بطيء الفيء) والتقسيم [ بمقتضى] العقل رباعي لا خامس له. وفيه إشارة إلى أن الإِنسان خلق فيه جميع الأخلاق المرضية والدنية وأن كماله أن تغلب له الصفات الحميدة على الذميمة، لا أنها تكون معدومة فيه بالكلية. وإليه الإشارة بقوله تعالى: ﴿والكاظمين الغيظ ﴾ [آل عمران: ١٣٤]. حيث لم يقل: والعادمين. إذ أصل الخلق لا يتغير ولا يتبدل ولذا ورد: ولو سمعتم أن جبلاً زال عن مكانه فصدقوه وإن سمعتم أن رجلاً تغير عن خلقه أي الأصلي هوم فلا تصدقوه. ومما يدل على جواز تبديل الأخلاق في الجملة دعاؤه بيلي: ((اللهم اهدني لصالح [ الأخلاق ] لا يهدي لصالحها إلا أنت واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت))(١). (قال:) أي النبي عليه الصلاة والسلام في إعادة قال إشارة إلى أنه لم يحفظ الحديث بكماله لطوله. (اتقوا الغضب) أي ما يؤدي إليه من السبب أو بالتعوذ منه إلى الرب (فإنه جمرة) أي حرارة غريزية وحدة جبلية مشعلة جمرة نار مكمونة في كانون النفس (على قلب ابن آدم) أي متعالية عليه عند غلبته بحيث لا تخلي للقلب والعقل معها مجال تصرف وتعقل (ألا ترون) أي ألا تنظرون (إلى انتفاخ أوداجه) أي عروق حلق الغضبان (وحمرة عينيه) كما يوجد مثل هذا عند حرارة الطبيعة في أثر الحمى، فإن الظاهر عنوان الباطن، وكل إناء يترشح بما فيه. (فمن أحس بشيء من ذلك) أي أدرك ظهور أثر منه، أو من علم في باطنه شيئاً منه. (فليضطجع) أي تواضعاً لله وإظهاراً لعجزة عنه (وليتلبد بالأرض) أي ليلتصق ويلتزق بها حال اضطجاعه، أو يزيد عليه بالتمرغ في ترابها حتى يسكن غضبه. وإنما أمر به لما فيه من الضعة عن الاستعلاء وتذكار أن من كان أصله من التراب لا يستحق أن يتكبر ويتجبر على الأصحاب، وأن الأنانية الناشئة عن غلبة العنصر النارية من صفة الشيطان وما يترتب عليها من الإِفساد، وأن الإنسان خلق من تراب يقتضي التواضع والتحمل وسائر ما يقتضي صلاح العباد والمعاد (قال:) أي أبو سعيد (وذكر) أي النبي ◌َّر (الدين) أي أنواع قضائه (فقال: منكم من يكون حسن القضاء) أي (١) البزار. ٣٤٠ والمخوطة كتاب الآداب/ باب الأمر بالمعروف وإِذا كانَ له أفحشَ في الطلبِ، فإحداهما بالأخرى؛ ومنهم مَن يكونُ سَيِىءَ القضاءِ، وإِنْ كانَ له أجملَ في الطلب، فإِحداهُما بالأخرى. وخياركم مَن إِذا كانَ عليه الدَّينُ أحسَنَ القضاءَ، وإِن كانَ له أجملَ في الطلبِ؛ وشرارُكم مَن إِذا كان عليهِ الدِّينُ أساءَ القضاء وإِنْ كانَ له أفحشَ في الطلبٍ)). حتى إذا كانتِ الشَّمسُ على رؤوسِ النَّخلِ وأطرافِ الحيطانِ فقال: (أَما إِنَّه لم يبق من الدنيا فيما مضى منها إِلاَّ كما بقيَ من يومِكم هذا فيما مضى منه)). رواه الترمذي. ٥١٤٦. (١٠) وعن أبي البختري، عن رجل من أصحاب رسولِ الله وَّة، قال: قال رسولُ اللهِ وَّ: ((لنْ يَهلكَ النَّاسُ ٢٥٠ مستحسن الأداء إذا كان عليه الدين (وإذا كان) أي الدين (له) أي على أحد (أفحش في الطلب) بأن لم يراع الأدب وآذى في تقاضيه وعسر على صاحبه في الطالب (فإحداهما بالأخرى) أي فالخصلتان متعارضتان متساقطتان متساويتان (ومنهم من يكون سيىء القضاء وإن كان له) أي الدين (أجمل) أي أسهل وأيسر (في الطلب) أي في طلب دينه (فإحداهما بالأخرى) إذ لا خير في اجتماعها (وخياركم من إذا كان عليه الدين أحسن القضاء وإن كان له) أي الدين (أجمل في الطلب، وشراركم من إذا كان عليه الدين أساء القضاء وإن كان له) أي الدين (أفحش في الطلب) فالتقسيم عقلي رباعي (حتى إذا كانت الشمس) قال الطيبي رحمه الله: غاية قوله: قام فينا خطيباً، أي قام فلم يدع شيئاً إلا ذكره حتى إذا كانت الشمس، أي وقعت (على رؤوس النخيل وأطراف الحيطان) جمع حائط بمعنى الجدار. ثم قوله: إذاً، للمستقبل وكانت ماضٍ. وفائدته استحضار الحال الماضية في مشاهدة السامع كقوله تعالى: ﴿وقالوا لإخوانهم إذا ضربوا في الأرض ﴾ [ آل عمران: ١٥٦]. الكشاف هو على حكاية الحال الماضية كقوله: حين يضربون في الأرض. (فقال: أما) للتنبيه (إنه) أي الشأن (لم يبق من الدنيا فيما مضى منها) أي في جملة ما مضى منها. وفي حديث: ما سبق منها. (إلا كما بقي من يومكم هذا فيما مضى منه) يعني نسبة ما بقي من أيام الدنيا إلى جملة ما مضى، كنسبة ما بقي من يومكم هذا إلى ما مضى منه. وقوله: إلا كما بقي، مستثنى من فاعل لم يبق، أي لم يبق شيء من الدنيا إلا مثل ما بقي من يومكم هذا. (رواه الترمذي) وفي الجامع رواه أحمد والترمذي والحاكم والبيهقي عن أبي سعيد، لكن مع نوع تغيير وزيادة يسير (١) . ٥١٤٦ - (وعن أبي البختري) بفتح موحدة وسكون معجمة فمثناة فوقية مفتوحة فراء فتحتية مشددة. اسمه سعيد بن فيروز(٢)، ذكره المؤلف في التابعين وقال: حديثه في رؤية الهلال. (عن رجل من أصحاب النبي ◌َّه) وكلهم عدول فلا تضر جهالته ولا توهم إرساله (قال: قال رسول الله وَله: لن يهلك) بفتح ثم كسر، أي لن يفسد ولن يتلف. (الناس) أي (١) الجامع الصغير ١٠١/١ حديث رقم ١٦١٠. الحديث رقم ٥١٤٦: أخرجه أبو داود في السنن ٥١٥/٤ حديث رقم ٤٣٤٧. وأحمد في المسند ٤/ ٢١٠. (٢) في الخطوطة ((فيرد)).