Indexed OCR Text

Pages 261-280

٢٦١
كتاب الآداب/ باب الحذر والتأني في الأمور
فقامَ، ثمَّ قال له: أدبِرّ، فأدبرَ، ثمّ قال له: أقبِلْ، فأقبلَ، ثمَّ قال له: أقعُدْ، فقعدَ، ثمَّ قال
له: ما خلقتُ خلقاً هوَ خيرٌ منكَ ولا أفضلُ منكَ ولا أحسنُ منكَ، بك آخذ، وبك أعطي،
وبك أُعرف، وبك أعاتب، وبك الثّواب، وعليكَ العقابُ)).
فقام، ثم قال له: أدبر فأدبر، ثم قال له: أقبل فأقبل، ثم قال له: اقعد فقعد))) ظاهر الحديث
أنه خلق مجسداً مجسماً كما يخلق الموت على صورة كبش يذبح بين الجنة والنار، أو المراد
بالقيام والقعود والإقبال والإدبار أمور معنوية حاصلة منه ناشئة عنه باعتبار اختلاف أرباب
العقول، ولعل القيام كناية عن الظهور والقعود عن خفائه، والإقبال عن توجهه إلى شيء،
والإدبار عن إعراضه عنه بحسب ما تعلق به المشيئة والإرادة الأزلية. قال الطيبي: المجموع
كناية عن أن العقل هو محل التكليف، وإليه ينتهي الأوامر والنواهي، وبه يتم غرض خلق
المكلفين من العبادة التي ما خلقت السموات والأرض إلا لأجلها، ويدل عليه ما بعده، قلت:
الصواب وضع الحكمة موضع الغرض لأن أفعاله تعالى لا تعلل بالأغراض، (ثم قال له: ما
خلقت خلقاً هو خير منك))) أي في حد ذاته، فإنه جوهر شريف يحتاج إليه الوضيع والشريف،
ومن جملة الدلالة على كماله أن كل أحد يغضب من نسبة فقده أو نقصانه إليه ((ولا أفضل
منك))) لحصول الفضائل والفواضل وزيادة العبادات والدرجات به ((ولا أحسن منك))) أي في
حسن المعاشرة وتحسين المعاملة ((بك))) أي بسببك أو بقدرك ((آخذ)) أي العبادات من عبادي
(وبك أعطي))) أي الثواب والدرجات ((وبك أعرف))) بصيغة المجهول أي ذاتاً وصفة وحكماً
((وبك أعاتب))) أي على من أعاتب، فإن المجنون ونحوه لا عتب عليه ((وبك الثواب))) أي
وصوله حال الإقبال، ((وعليك العقاب))) أي حصوله وقت الإدبار، واعلم أن شرف العقل إنما
هو لكونه سبباً للعلم المنتج للعمل المؤدي إلى السعادة الأبدية، وسمي عقلاً لأنه يعقل صاحبه
عما لا ينبغي كما يسمى نهية لأنه ينهى عن الفحشاء والمنكر، وقال الراغب: العقل يقال:
للقوّة المتهيئة لقبول العلم، ويقال: للعلم الذي يستفيده الإنسان بتلك القوّة عقل. ولهذا قيل:
فـطـبـع ومسموع
فإن العقل عقلان
إذ لم يـك مـطبوع
ولا ينفع مسموع
وضوء العين ممنوع
كما لا تنفع الشمس
وإلى الأوّل أشار بقوله عليه السلام: ((ما خلق الله خلقاً أكرم عليه من العقل)) وإلى الثاني
أشار بقوله : ((ما كسب أحد شيئاً أفضل من عقل يهديه إلى هدى أو يرده عن ردي))(١)،
وهذا العقل هو المعنى بقوله تعالى: ﴿وما يعقلها إلا العالمون﴾ [العنكبوت - ٤٣] قلت:
الظاهر أنه كما لا ينفع مسموع بلا مطبوع كذلك لا ينفع مطبوع بلا مسموع. ألا ترى أن
الحكماء مع زعمهم أنهم أكبر العقلاء ما نفعهم مجرد عقولهم المطبوعة من غير متابعتهم
للأنبياء، وأقوالهم المسموعة. وقال تعالى: ﴿أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم﴾
(١) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان ١٦١/٤ الحديث رقم ٤٦٦٠.

٢٦٢
4 M:
كتاب الآداب/ باب الحذر والتأني في الأمور
وقد تكلم فيه بعض العلماءِ .
٥٠٦٥ _ (١٣) وعن ابن عمر، قال: قال رسول الله وَله: ((إِنَّ الرجلَ ليكونُ منْ أهل
الصلاة والصوم والزكاة والحج والعمرة)). حتى ذكر سهامَ الخير كلها: وما يُجزي يوم
القيامة إلا بقدرٍ عقله)).
٢/١٣/١
١٩٠
[الجاثية - ٢٣] ونظيره المشاهد لكل أحد، الأصم الخلقي فإنه ينتفع بعقله المطبوع وليس له
حظ من العقل المسموع، ثم هذا الحديث رواه البيهقي في شعب الإيمان، كما أجمله المؤلف
في آخر الفصل وقال هنا ((وقد تكلم فيه))) أي في ضعف هذا الحديث أو وقد طعن في ثبوته
((بعض العلماء)))، ففيه تنبيه نبيه على اختلاف العلماء في حقه، لكن قال السخاوي في
المقاصد: أنه كذب موضوع اتفاقاً (١) ثم رأيت في مختصر الشيخ محمد بن يعقوب الفيروز
آبادي أنه قال: ((أوّل ما خلق الله العقل))، الخ ضعيف ((وما خلق الله خلقاً أكرم من العقل)).
للحكيم ضعيف، وفي شرح الطيبي قال الشيخ تقي الدين ابن تيمية: الحديث الذي ذكروه كذب
موضوع عند أهل المعرفة بالحديث، كما ذكر ذلك أبو جعفر العقيلي وأبو حاتم السبتي وأبو
الحسن الدارقطني وابن الجوزي وغيرهم اهـ. ووجه ذكر هذا الحديث في باب الحذر والتأني
في الأمور ظاهر من نتائج العقل والله أعلم.
٥٠٦٥ - (وعن ابن عمر قال: قال رسول الله وَ له: ((إن الرجل ليكون من أهل الصلاة
والصوم والزكاة والحج والعمرة حتى ذكر سهام الخير))) أي أبوابه وأنواعه ((كلها))) أي جميعها
((وما يجزي))) بصيغة المجهول أي ما يثاب ((يوم القيامة إلا بقدر عقله))) أي بمقدار استعماله
في هذه العبادات، ويحتمل أن يكون المراد بالعقل هنا المستفاد بالعقل فيفيد أن زيادة المثوبان
والدرجات في العبادات باختلاف مراتب علوم أصحابها وعقول أربابها. قال الطيبي: إشارة إلى
أن العقل المسموع لا ينفع كل النفع إلا بالعقل المطبوع لأنه هو المميز الذي يضع كل شيء في
موضعه وبه تتفاوت صلاة عن صلاة وصدقة عن صدقة وصوم عن صوم، لأنه ربما يركع ركعة
في مقام تفضل ألف ركعة في غيره، وكذلك الصدقة وغير ذلك من أعمال البرور بما يعمل
ويظن به خيراً فيرجع عليه وبالاً. قلت: لا خفاء أن العقل المطبوع ليس له التمييز في الأمر
المشروع، ولهذا لا يعتبر التحسين والتقبيح العقليان، فالمدار هنا على العقل المسموع لكن
بمساعدة العقل المطبوع بأن يصلي على ما ينبغي من المعلوم في الشريعة، وفي مقام يليق به
من المسموع في الطريقة، وكذا سائر العبادات والله أعلم بالنيات. فمدار كمال الصلاة مثلاً بعد
مراعاة الشروط والأركان وواجباتها وسننها وآدابها المسموعة المعروفة على حضور القلب مع
الله وقطع النظر عما سواه. فقد روى أحمد وأبو داود وابن حبان عن عمار بن ياسر مرفوعاً أن
الرجل لينصرف وما كتب له إلا عشر صلاته تسعها ثمنها سبعها سدسها خمسها وربعها ثلثها
(١) المقاصد الحسنة ص١٣٤.
الحديث رقم ٤٠٦٥: أخرجه البيهقي في شعب الإيمان ١٥٥/٤ الحديث رقم ٤٦٣٧.
٦/٥٠٠٠١

٢٦٣
كتاب الآداب/ باب الحذر والتأني في الأمور
٥٠٦٦ _ (١٤) وعن أبي ذر، قال: قال لي رسول الله وَلتون: ((يا أبا ذر! لا عقلَ
کالتدبير، ولا ورع كالكفّ، ولا حسَب کحسن الخلق».
٥٠٦٧ _ (١٥) وعن ابن عمر، قال: قال رسول الله وَّر: ((الاقتصاد في النَّفقة نصفُ
المعيشة، والتودُّد إِلى الناس نصفُ العقل،
نصفها))(١)
٥٠٦٦ - (وعن أبي ذر قال: قال لي:) أي مخاطباً (رسول الله وَليقول: ((يا أبا ذر لا عقل
كالتدبير))). قال الطيبي: أراد بالتدبير العقل المطبوع لما سبق من أن العقل المسموع لا يعتد به
ولا يحتسب لصاحبه إلا بالعقل المطبوع، قلت: وقد تقدم أن العقل المطبوع لا نفع له بدون
العقل المسموع بل ربما ينفع المسموع بدون المطبوع كمن آمن بمجرد التقليد، فالمعنى لا عقل
كعقل التدبير أي كالعقل الذي يصحبه التدبير وهو الذي ينظر في دبر الأمر وعاقبته، ويميز ما
يحمد ويذم في الآخرة، ولا شك أن مداره على العقل المسموع ((ولا ورع كالكف))) أي ولا
تورع عن المحرمات والشبهات مثل الكف عن المعاملات وترك المباحات إلا الضروريات
((ولا حسب))) أي لا مكرمة ولا شرف ((كحسن الخلق))) أي كمداراة الخلق مع مراعاة الحق.
هذا وفي النهاية الورع في الأصل الكف عن المحارم والتحرج فيه ثم استعير للكف عن المباح
والحلال، قلت: فالمراد بالورع في الحديث معناه الأصلي، وبالكف معناه العرفي على ما
قررناه، ولما غفل الطيبي عما حررناه قال بعد كلام صاحب النهاية: فإن قلت: فعلى هذا الورع
هو الكف فكيف قيل: ولا ورع كالكف قلت: الكف إذا أطلق فهم منه كف الأذى أو كف
اللسان كما قال ◌َّر: ((كف هذا وأخذ بلسانه)) كما قيل: ولا ورع كالصمت أو الكف عن أذى
المسلمين ولا حسب كحسن الخلق أي لا مكارم مكتسبة كحسن الخلق مع الخلق، فالأوّل عام
والثاني خاص. قلت: الصواب أن الأول خاص والثاني عام، لأن حسن الخلق شامل لجميع
أنواع المستحسنات، ولذا ورد ((الخلق الحسن أحسن الحسن)). وقال تعالى: ﴿وإنك لعلى خلق
عظيم﴾ [القلم - ٤] فكل الصيد في جوف الفرا والله أعلم.
فر۔۔۔۔
٥٠٦٧ _ (وعن ابن عمر قال: قال رسول الله ويتر: ((الاقتصاد في النفقة))) أي في صرفها
أو في الإنفاق ((نصف المعيشة))) وهو مقتبس من قوله تعالى: ﴿والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا
ولم يقتروا وكان بين ذلك قواماً﴾ [الفرقان - ٦٧] ((والتودد إلى الناس))) أي التحبب إلى
المؤمنين الصالحين ((نصف العقل))) أي استعمال نصفه أو سبب تحصيل نصفه، فإنه
(١) أخرجه ابن حبان في صحيحه ٢١٠/٥ الحديث رقم ١٨٨٩، وأبو داود في السنن ٥٠٣/١ الحديث
رقم ٧٩٦، وأحمد في المسند ٣١٩/٤.
الحديث رقم ٥٠٦٦: أخرجه ابن ماجه في السنن ١٤١٠/٢ الحديث رقم ٤٢١٨، والبيهقي في شعب
الإيمان ٢٧/٥ الحديث رقم ٥٦٤٧.
الحديث رقم ٥٠٦٧: أخرجه البيهقي في شعب الإيمان ٢٥٤/٥ الحديث رقم ٦٥٦٨.
.م.م

٢٦٤
كتاب الآداب/ باب الحذر والتأني في الأمور
وحسنُ السؤال نصفُ العلم)) روى البيهقيُّ الأحاديث الأربعة في ((شعب الإيمان)).
بالاستصحاب يحصل للعقل الاكتساب، فكان عقل المنفرد نصف العقل، فيكمل بعقل صاحبه،
ولذا قيل: ((علمان خير من علم واحد))، وكان بعض العارفين يقول لبعض تلاميذه: («أنا وأنت
إنسان كامل لأنك حافظ القرآن وأنا مفسره)»، ولعل هذا معنى ما رواه ابن أبي الدنيا في الإخوان
عن سهل بن سعد مرفوعاً («المرء كثير بأخيه))، ولا شك أن مصاحبة أرباب الكمال تورث كمال
العقل في جميع الأحوال ((وحسن السؤال نصف العلم)))، فإن السائل الفطن يسأل عما يهمه
وما هو بشأنه أعني، وهذا يحتاج إلى فضل تميز بين مسؤول ومسؤول، فإذا ظفر بمبتغاه وفاز
به كمل علمه، وعلى هذا يمكن أن يحمل قوله: ((لا أدري نصف العلم)) اهـ. والأظهر أن
يقال: يفهم من حسن سؤال الطالب أن له مشاركة في العلم وأنه يريد أن يضيف إليه بقية
العلم، وعلى هذا يمكن أن يحمل قوله: لا أدري نصف العلم بخلاف من يسأل من غير تأمل
وحسن مقال، فإنه يكون نصاً على نقصان عقله وكمال جهله. حكي أن تلميذاً كان لأبي
يوسف ساكتاً في المجلس فقال له: إذا أشكل عليك شيء فسل ولا تستح، فإن الحياء يمنع
العلم، وكان الإمام يتكلم في تعريف الصوم أنه من الصبح إلى الغروب فقال: فإذا لم تغرب
فإلى متى؟ فقال له: اسكت فإن سكوتك خير من كلامك. وما أحسن ما قال بعض أرباب
الحال: ((إن الجاهل إذا تكلم فهو كالحمار، وإذا سكت فهو كالجدار)). هذا والصحيح في
معنى قوله: ((لا أدري نصف العلم)) بيان أن العالم ولو بلغ مبلغ الكمال في العلم فإنه لا بد له
من الجهل ببعضه، ففي ذلك جوابه لا أدري، وروى أنه وَ لّه قال: ((لا أدري أعزير نبي أم لا))
وفي القرآن: ﴿لا أدري ما يفعل بي ولا بكم﴾ [الأحقاف - ٩] ﴿وقل الروح مع أمر ربي﴾
[الإسراء - ٨٥] ﴿وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً﴾ [الإسراء - ٨٥] وقد حكي أن علياً كرم الله
وجهه سئل عن شيء وهو على المنبر فقال: لا أدري، فقيل له: فإذا كنت لا تدري فلم
صعدت المنبر؟ قال: إنما طلعت بقدر علمي، ولو صعدت بقدر جهلي لو صلت: السماء)).
وفي قول الملائكة ﴿سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا﴾ [البقرة - ٣٢] تنبيه على ذلك والله
أعلم. (روى البيهقي الأحاديث الأربعة في شعب الإيمان). قلت: والحديث الأخير رواه
الطبراني في مكارم الأخلاق عن ابن عمر أيضاً، وروى الخطيب عن أنس مرفوعاً ((الاقتصاد
نصف العيش وحسن الخلق نصف الدين)) وروى أحمد عن ابن مسعود مرفوعاً ((ما عال من
اقتصد» .
٩٢ ٠٫٠ ٢٠٠٠٠

٢٦٥
كتاب الآداب/ باب الرفق والحياء وحسن الخلق
(١٩) باب الرفق والحياء وحسن الخلق
الفصل الأول
٥٠٦٨ _ (١) عن عائشة [رضي الله عنها) أنَّ رسول الله وَّر قال: ((إِنَّ الله تعالى رفيق
يُحبُّ الرِّفقَ، ويعطي على الرفق
باب الرفق والحياء وحسن الخلق
الرفق بالكسر ضد العنف وهو المداراة مع الرفقاء ولين الجانب، واللطف في أخذ الأمر
بأحسن الوجوه وأيسرها، وأما الحياء فقال الحكماء: هو تغير وانكسار يعتري الإنسان من
خوف ما يلام به. وقال الجنيد: حالة تتولد من رؤية الآلاء والتقصير في شكل النعماء. وقال
ذو النون: الحياء وجود الهيبة في القلب مع وحشة ما سبق منك إلى ربك. وقال الدقاق: هو
ترك الدعوى بين يدي المولى، وأما حسن الخلق فقالوا: هو الانصاف في المعاملة وبذل
الإحسان والعدل في الأحكام. والأظهر أنه هو الاتباع بما أتى به محمد بَلّ من أحكام الشريعة
وآداب الطريقة وأحوال الحقيقة، ولذا لما سئلت عائشة رضي الله عنها عن خلقه وّر الوارد في
حقه ﴿وإنك لعلى خلق عظيم﴾ [القلم - ٤] فقالت: كان خلقه القرآن(١) تعني أن كل ما فيه من
خصله محمودة كان يتصف بها، وكل فعلة مذمومة فيه يجتنب عنها، ثم الاتباع بقدر المحبة
وتوفيق المتابعة بأخذ كل سهمه ونصيبه، وقد أشار إلى ذلك الشاطبي [رحمه الله] في وصفه
للقراء :
حلاهم بها جاء القرآن مفصلاً
أولو البر والإحسان والصبر والتقى
(الفصل الأوّل)
٥٠٦٨ - (عن عائشة أن رسول الله وَ لتر قال: ((إن الله رفيق))) أي لطيف بعباده يريد بهم
اليسر ولا يريد بهم العسر فيسامحهم ولا يكلف فوق وسعهم، أو يحب أن يرفق العباد بعضهم
بعضاً كما بينه بقوله ((يحب الرفق))) أي يرضى [به] ويثني عليه ((ويعطي على الرفق))) أي
(١) مسلم في صحيحه ٥١٢/١ الحديث رقم (١٣٩ - ٧٤٦).
الحديث رقم ٥٠٦٨: أخرجه مسلم في صحيحه ٢٠٠١/٤ الحديث رقم (٧٧ - ٢٥٩٣)، والرواية الثانية
في ٢٠٠٤/٤ الحديث رقم (٧٨ - ٢٥٩٤)، وأبو داود في السنن ١٥٥/٥ الحديث رقم ٤٨٠٧
و٤٨٠٨، والترمذي في ٥٨/٥ الحديث رقم ٢٧٠١، وابن ماجه في ١٢١٦/٢ الحديث رقم
٣٦٨٨، والدارمي في ٤١٦/٢ الحديث رقم ٢٧٩٣، ومالك في الموطأ ٩٧٩/٢ الحديث رقم ٣٨
من كتاب الاستئذان، وأحمد فى المسند ٦/ ١٧١.

٢٦٦
كتاب الآداب/ باب الرفق والحياء وحسن الخلق
ما لا يعطي على العُنْف، وما لا يعطي على ما سواه رواه مسلم.
المثوبات والمآرب أو من الأغراض والمطالب ((ما لا يعطي على العنف))) بالضم، وفي
القاموس هي مثلثة العين ضد الرفق ((وما لا يعطي على ما سواء))) أي سوى الرفق وهو
العنف، ففي الكلام زيادة مبالغة وتأكيد للحكم، والأظهر أن التقدير ما سوى الرفق من الخصال
الحسنة. قال القاضي: والظاهر أنه لا يجوز إطلاق الرفيق على الله تعالى اسماً لأنه لم يتواتر،
ولم يستعمل أيضاً على قصد الاسمية وإنما أخبر به عن تمهيداً للحكم الذي بعده فكأنه قال:
هو الذي يرفق عباده في أمورهم فيعطيهم بالرفق ما لا يعطيهم على ما سواه، وإنما ذكر قوله:
وما لا يعطي على ما سواء بعد قوله: ما لا يعطي على العنف ليدل على أن الرفق أنجح
الأسباب كلها وأنفعها بأسرها. قال الطيبي: وفي معناه قول الشاعر:
٣/١/١١١٠
هيهات أنت بباطل مشغوف
يا طالب الرزق الهنيّ بقوّة
ورعى الذباب الشهد وهو ضعيف
أكل العقاب بقوّة جيف الفلا
المعنى ينبغي للمرء أن لا يحرص في رزقه بل يكل أمره إلى الله تعالى الذي تولى القسمة
في خلقه، فالنسر يأكل الجيفة بعنفه، والنحل يرعى العسل برفقه. قال التوربشتي: فإن قيل:
فما معنى قوله عليه الصلاة والسلام: ((أنت رفيق والله الطبيب))(١)، قلنا: الطبيب الحاذق
بالشيء الموصوف، ولم يرد بهذا القول نفي هذا الاسم عمن(٢) يتعاطى ذلك وإنما حوّل
المعنى من الطبيعة إلى الشريعة وبين لهم أن الذي يرجون من الطبيب فالله فاعله والمنان به على
عباده، وهذا كقوله: فإن الله هو الدهر وليس الطبيب بموجود في أسماء الله سبحانه ولا
الرفيق، فلا يجوز أن يقال في الدعاء: يا طبيب ولا يا رفيق اهــ وفيه إيماء إلى أنه يجوز أن
يقال: هو الطبيب وهو. رفيق على منوال ما ورد. وأما قوله ◌َّ ر في آخر كلامه عند خروجه من
الدنيا: الرفيق الأعلى فيحتمل أن يراد به الله، وأن يراد به الملأ الأعلى، فمع الاحتمال لا يصح
الاستدلال، وفي شرح مسلم للنووي قال المازري: لا يوصف الله سبحانه وتعالى إلا بما سمى
به نفسه، أو سماه به رسوله و 3، أو أجمعت الأمة عليه، وأما لم يرد به أذن في إطلاقه ولا
ورد منع ففيه خلاف. منهم من قال: يبقى على ما كان قبل ورود الشرع، فلا يوصف به ولا
يمنع منه، ومنهم من منعه؛ وبين الأصوليين خلاف في تسمية الله تعالى بما ثبت بخير الآحاد
فقال بعضهم: يجوز لأن الخبر الواحد عنه يقتضي العمل به، وبعضهم لا يجوز ذلك لأنه من
باب العمليات فلا يثبت بالأقيسة وإن كانت يعمل بها في المسائل الفقهية العملية. قال النووي:
والصحيح جواز تسمية الله تعالى رفيقاً وغيره مما يثبت بخبر الواحد. (رواه مسلم). وفي
الجامع الصغير ((إن الله رفيق يحب الرفق، ويعطي عليه ما لا يعطي على العنف)). رواه البخاري
في الأدب المفرد وأبو داود في جامعه عن عبد الله بن مغفل وابن ماجه وابن حبان عن أبي
هريرة وأحمد في مسنده، والبيهقي في شعب الإيمان عن علي والطبراني عن أبي أمامة والبزار
١,٠١٧٠
(١) أخرجه أحمد فى المسند ١٦٣/٤.
(٢) فى المخطوطة ((لمن).
+ يس .
***
٠٫٠٠٠٠

٢٦٧
كتاب الآداب/ باب الرفق والحياء وحسن الخلق
[٣٧٩ _ أ_] وفي رواية له: قال لعائشة: ((عليك بالرفق، وإِيَّاكِ والعُنْفَ والفحش إِنَّ الرِّفقَ
لا یکونُ في شيءٍ إِلاَّ زانه، ولا يُنزَع من شيءٍ إِلا شانه)).
٥٠٦٩ _ (٢) وعن جرير، عن النبي ◌َّه قال: ((من يُخرَمِ الرفقَ يُحرمِ الخير)) رواه مسلم.
٥٠٧٠ _ (٣) وعن ابن عمر، أنَّ رسول الله وَّهِ مرَّ على رجلٍ من الأنصار وهو يَعِظ
أخاه في الحياء،
مهود مطالعة .
عن أنس فكاد الحديث أن يكون متواتراً عند بعضهم (١). (وفي رواية له) [أي] لمسلم ((قال
لعائشة: عليك بالرفق وإياك والعنف والفحش))) أي المتولد منه ((إن الرفق))) استئناف بيان ((لا
يكون))) أي لا يوجد ((في شيء)) أي من الذوات والأعراض ((إلا زانه))) أي زينه وكمله ((ولا
ينزع))) بصيغة المجهول أي لا يفقد ولا يعدم ((من شيء إلا شانه))) أي عيبه ونقصه قال
الطيبي: قوله: يكون يحتمل أن تكون تامة وفي شيء متعلق بها، وأن تكون ناقصة وفي [شيء]
خبر كان، فالاستثناء مفرغ من أعم عام وصف الشيء أي لا يكون الرفق مستقراً في شيء
يتصف بوصف من الأوصاف إلا بصفة الزينة، وفي الجامع الصغير ((عليك بالرفق وإياك والعنف
والفحش)). رواه البخاري في الأدب المفرد عن عائشة(٢). وروى مسلم عن عائشة ((عليك
بالرفق إن الرفق لا يكون في شيء». الحديث والله أعلم.
٥٠٦٩ _ (وعن جرير عن النبي ◌َّقر قال: ((من يحرم))) بصيغة المجهول مجزوماً وقيل
مرفوعاً ((الرفق))) بالنصب على أنه مفعول ثان أي من يصير محروماً منه ((يحرم الخير))) أي كله
كما في الجامع الصغير ففيه فضل الرفق. والحث على التخلق به وذم العنف، وإن الرفق سبب
كل خير. (رواه مسلم)، وكذا أحمد وأبو داود وابن ماجه.
٥٠٧٠ - (وعن ابن عمر أن رسول الله ﴿ مر على رجل من الأنصار وهو يعظ أخاه) أي
ينصحه (في الحياء) بأن لا يكثر منه، فإن الحياء يمنع الرزق ويمنع العلم على ما روى. قال
الطيبي: أي ينذره. قال الراغب: الوعظ زجر مقترن بتخويفه؛ وقال الخليل: هو التذكير بالخير
فيما يرق له القلب اهـ. كلامه. والوعظ هنا بمعنى العتاب لما جاء في شرح السنة، مر رسول
(١) الجامع الصغير ١٠٩/١ الحديث رقم ١٧٤٣.
(٢) الجامع الصغير ٢/ ٣٤٠ الحديث رقم ٥٥٠٤.
الحديث رقم ٥٠٦٩: أخرجه مسلم في صحيحه ٢٠٠٣/٤ الحديث رقم (٧٤ - ٢٥٩٢)، وأبو داود في
السنن ١٥٧/٥ الحديث رقم ٤٨٠٩، وابن ماجه في ١٢١٦/٢ الحديث رقم ٣٦٨٧، وأحمد في
المسند ٣٦٢/٤.
الحديث رقم ٥٠٧٠: أخرجه البخاري في صحيحه ٧٤/١ الحديث رقم ٢٤، ومسلم في ٦٣/١ الحديث
رقم (٣٦/٥٩) وأبو داود في السنن ١٤٧/٥ الحديث رقم ٢٧٩٥، والترمذي في ٣٢٩/٤ الحديث
رقم ٢٠٢٧ والنسائي في ١٢١/٨ الحديث رقم ٥٠٣٣، وابن ماجه في ١/ ٢٢ الحديث رقم ٥٨
ومالك في الموطأ ٩٠٥/٢ الحديث رقم ١٠ من كتاب حسن الخلق، وأحمد في المسند ٢/ ١٤٧.
٠۶۶3

٧٠٥٣
٢٦٨
كتاب الآداب/ باب الرفق والحياء وحسن الخلق
فقال رسول الله وَلجر: ((دَعْهُ فإِنَّ الحياء من الإيمان)) متفق عليه.
٥٠٧١ _ (٤) وعن عمران بن حصين، قال: قال رسول الله وَله: ((الحياء لا يأتي إلاَّ
بخيرٍ)). وفي روايةٍ: ((الحياءُ خيرٌ كلُّهِ). متفق عليه.
الله ◌َله برجل وهو يعاتب أخاه في الحياء ويقول: إنه ليستحي [يعني] كأنه يقول: قد أضربك
(فقال رسول الله وَطهو: ((دعه))) أي اتركه ((على حاله))) من كثرة الحياء ((فإن الحياء من الإيمان)))
أي بعضه أو من شعبه قال النووي: يعظه في الحياء أي ينهاه عنه ويقبح له فعله ويزجره عن
كثرته، فنهاه النبي ◌ّر عن ذلك أي دعه على فعل الحياء وكف عن نهيه، ووقعت لفظة دعه في
البخاري ولم تقع في مسلم. (متفق عليه). قلت: أما قوله: الحياء من الإيمان، فقد رواه
الترمذي أيضاً عن ابن عمر وكذا الترمذي والحاكم والبيهقي عن أبي هريرة والبخاري في الأدب
المفرد، وابن ماجه والحاكم والبيهقي عن أبي بكرة الثقفي والطبراني والبيهقي عن عمران بن
حصين وابن عساكر عن أبي هريرة.
٥٠٧١ - (وعن عمران بن حصين قال: قال رسول الله وَلقوله: ((الحياء لا يأتي إلا بخير)))
أي لا يغري الإنسان إلا بخير، والحياء تغير وانكسار يعتري الإنسان من خوف ما يعاب به
ويذم. ذكره الطيبي. وقال النووي قد يشكل(١) على بعض الناس هذا الحديث من حيث إن
صاحب الحياء قد يستحيي أن يواجه بالحق من يجله ويعظمه فيترك أمره بالمعروف ونهيه عن
المنكر، وقد يحمله الحياء على الإخلال ببعض الحقوق وغير ذلك مما هو معروف في العادة.
والجواب ما أجاب عنه جماعة من العلماء منهم الشيخ أبو عمرو بن الصلاح إن هذا المانع
الذي ذكرناه ليس بحياء حقيقة، بل هو عجز وجور وتسميته حياء بحسب اللغة، وإنما حقيقة
الحياء في اصطلاح أهل الشرع خلق يبعث على ترك القبيح، ويمنع من التقصير في حق ذي
الحق، يدل عليه ما روى الإمام أبو القاسم القشيري عن السيد الجليل أبي القاسم الجنيد قال:
الحياء رؤية الآلاء ورؤية التقصير، فيتولد بينهما حالة تسمى الحياء. قال القاضي عياض وغيره:
إنما جعل الحياء من الإيمان لأنه قد يكون تخلقاً واكتساباً كسائر أعمال البر وقد يكون غريزة،
ولكن استعماله على قانون الشرع يحتاج إلى اكتساب ونية وعلم، وهذا المعنى يقوله وَله:
((الحياء من الإيمان)). قال الطيبي: ويمكن أن يحمل التعريف فيه على العهد ويكون إشارة إلى
ما ورد في قوله ◌َّهر: ((الاستحياء من الله أن يحفظ الرأس وما وعى والبطن ما حوى)) الحديث
اهـ. وهو معنى حسن وقيد مستحسن يزول به الإشكال السابق، وبيانه أن الحياء من الله هو
الذي خير كله، وهو الذي لا يأتي إلا بخير، وهو الذي لا ينفك عن الإيمان، وأما الحياء من
الخلق، فالغالب فيه أيضاً أن يكون محموداً، فالحصر ادعائي أو كله محمود إلا إذا عارضه ترك
الحديث رقم ٥٠٧١: أخرجه البخاري في صحيحه ١٥٢١/١٠ الحديث رقم ٦١١٧ ومسلم في صحيحه
٦٤/١ الحديث رقم (٦٠ - ٣٧)، وأحمد في المسند ٤/ ٤٢٧.
(١) فى المخطوط ((أشكل)).

٢٦٩
كتاب الآداب/ باب الرفق والحياء وحسن الخلق
٥٠٧٢ _ (٥) وعن ابن مسعود قال: قال رسولُ الله وَّهِ: ((إِنَّ مما أدركَ الناس منْ
كلام النبوةِ الأولى: إِذا لم تَسْتَحِى فاصنع ما شئتَ)).
الحياء من الله، فيترك جانبه من أداء الحقوق ويراعي جانب المخلوق، فحينئذ يستحق ذلك
الحياء أن لا يسمى حياء، فالحياء كله خير والله أعلم. (وفي رواية) أي لهما على ما هو ظاهر،
لكن في الجامع أسندها إلى مسلم وأبي داود ((الحياء خير كله))) قيل: عام أريد به الخاص أي
الحياء عن فعل ما لا يرضاه الله سبحانه. (متفق عليه). وفي رواية الطبراني عن قرة الحياء هو
الدین کله.
٥٠٧٢ - (وعن أبي مسعود) هو عقبة بن عمر الأنصاري شهد العقبة، روى عنه ابنه بشير
وخلق سواه. قال ميرك: وفي نسخة ابن مسعود وهو غلط (قال: قال رسول الله وصالر: ((إن مما
أدرك الناس))) بالرفع نص الكازروني على أنه الرواية، وفي بعض النسخ بالنصب أي مما وصل
إليهم وظفروا به ولحقوه (من كلام النبوة)، من تبعيضية، والمعنى أن من جملة أخبار أصحاب
النبوّة (الأولى) أي السابقة من الأنبياء والمرسلين أضافه إليهم إعلاماً بأنه من نتائج الوحي ((إذا
لم تستحى))) بسكون الحاء وكسر الياء وحذف الثانية للجزم ((فاصنع ما شئت))) أي الرادع عما
لا ينبغي هو الحياء، فإذا لم يكن صدر كل ما لا ينبغي، فالأمر بمعنى الخبر أو الأمر للتهديد
وأنشد:
ولم تستحى فاصنع ما تشاء
إذا لم تخش عاقبة الليالي
وفي الدنيا إذا ذهب الحياء
فلا والله ما في العيش خير
قال الطيبي: من في مما ابتدائية، وهو خبر إن واسمه قوله: ((إذا لم تستحى)) على تأويل
أن هذا القول حاصل مما أدرك الناس، والراجع إلى ما محذوف، والناس فاعل أدرك. وعليه
كلام الشيخ التوربشتي حيث قال: المعنى أن مما بقي بين الناس وأدركوه من كلام الأنبياء،
ويجوز أن يكون فاعل أدرك الضمير الراجع إلى ما، والناس مفعوله، وعليه كلام القاضي أي
مما بلغ الناس من كلام الأنبياء المتقدمين ((إن الحياء هو المانع من اقتراف القبائح والاشتغال
بمنهيات الشرع ومستحبات العقل)). وقوله: ((إذا لم تستحى))، الجملة الشرطية اسم إن على
الحكاية قال الخطابي: قوله: من كلام النبوّة الأولى معناه اتفاق كلام الأنبياء عليهم السلام على
استحسان الحياء، فما من نبي إلا وقد ندب إليه وبعث عليه، ولم ينسخ فيما نسخ من شرائعه،
ولم يبدل فيما بدل منها وذلك أنه أمر قد علم صوابه وبأن فضله واتفقت العقول على حسنه،
وما كان هذا صفة له لم يجر عليه النسخ والتبديل، وقيد النبوّة بالأولى للإرشاد إلى اتفاق كلمة
الأنبياء عليهم السلام من أولهم إلى آخرهم؛ وفي شرح السنة قوله: ((فاصنع ما شئت)) فيه
أقاويل أحدها أن معناه الخبر وإن كان لفظه لفظ الأمر كأنه يقول: ((إذا لم يمنعك الحياء فعلت
الحديث رقم ٥٠٧٢: أخرجه البخاري في صحيحه ٥٢٣/١٠ الحديث رقم ٦١٢٠، وأبو داود في السنن ١٤٨/٥
الحديث رقم ٤٧٩٧، وابن ماجه في ٢/ ١٤٠٠ الحديث رقم ٤١٨٣، وأحمد فى المسند ٤/ ١٢١.

نظام ر،فرا ديا،سنه
٥٠٣
،".@.
٢٧٠
كتاب الآداب/ باب الرفق والحياء وحسن الخلق
رواه البخاري.
٥٠٧٣ - (٦) وعن النَّواس بن سمعان، قال: سألتُ رسول الله وَله عن البر والإِثم فقال:
ما شئت مما تدعوك إليه نفسك من القبيح))، وإلى هذا المعنى ذهب أبو عبيد، وثانيها أن معناه
الوعيد كقوله تعالى: ﴿اعملوا ما شئتم﴾ [فصلت - ٤٠] أي اصنع ما شئت فإن الله يجازيك،
وإليه ذهب أبو العباس، وثالثها معناه ((ينبغي أن تنظر إلى ما تريد أن تفعله فإن كان ذلك مما لا
يستحي منه فافعله وإن كان مما يستحيي منه فدعه))، وإليه ذهب أبو إسحاق المروزي، وروى
هذا الحديث جرير عن منصور بإسناده، ثم قال جرير: معناه أن يريد الرجل أن يعمل الخير
فيدعه حياء من الناس كأنه يخاف مذهب الرياء يقول: فلا يمنعك الحياء من مضي ما أردت.
قال أبو عبيد: وهو شبيه بالحديث الآخر ((إذا جاءك الشيطان وأنت تصلي فقال: إنك مراء،
فزدها طولاً)). قلت: ويؤيده كلام الفضيل بن عياض ((ترك العمل لأجل الناس رياء، والعمل
لأجلهم شرك، والإخلاص أن يخلصك الله منهما)). واختار النووي إن صيغة الأمر للإباحة أي
إذا أردت أن تفعل شيئاً فإن كان بحيث لا يستحيي من الله ومن الناس في فعله فافعله وإلا فلا؛
وزبدة كلامه إنك إذا لم تستحى من صنع أمر فذلك دليل على جواز ارتكابه، ثم قال: وعلى
هذا مدار الإسلام وتوجيهه إن أفعال الإنسان إما أن يستحي منها أم لا، فالأول يشمل الحرام
والمكروه وتركهما هو المشروع، والثاني يشمل الواجب والمندوب والمباح، وفعلها مشروع
في الأولين جائز في الثالث، فعلى هذا يتضمن الحديث الأحكام الخمسة. وقال بعض العارفين
التحقيق إن الحياء ينشأ عن علم القلب بأن الله رقيب عليه فيحافظ ظاهره وباطنه من مخالفة
أحكامه، ويستقبح ما صدر من هفواته، ويتحمل أنواع البلاء في نظره نشيطاً، ولا يشتكي إلى
غيره، فإذا ترقى عن ذلك وتحقق أن الله [تعالی جل جلاله ولا إله غيره] أقرب الأشياء إليه بلا
ريب استحيا من قربه فوق ما يستحي من رؤيته، فيدعوه ذلك إلى محبته والخلوة معه مستوحشاً
من الأغيار مستلذاً بروح أنس الملك الغفار حتى تطلع عليه طوالع أنوار التوحيد وتلمع في سره
بوارق أسرار التفريد، فيستحي من شهود مشهوده فانياً عن الخلق باقياً مع الحق. قال العارف
السهروردي: الحياء إطراق الروح إجلالاً لعظم الجلال، ومن هذا القبيل حياء إسرافيل كما ورد
أنه يستتر بجناحه حياء من الله عزَّ وجلّ، وحياء عثمان رضي الله عنه كما قال: ((إني لاغتسل
في البيت المظلم فأنطوي حياء من الله عزَّ وجلّ)). قلت: روى ابن عساكر عن أبي هريرة
مرفوعاً ((الحياء من الإيمان وأحيى أمتي عثمان)). (رواه البخاري)، وكذا رواه أحمد وأبو داود
وابن ماجه عن أبي مسعود وأحمد أيضاً عن حذيفة.
١٦٧/١
٥٠٧٣ - (وعن النواس) بتشديد الواو (ابن سمعان) بكسر السين ويفتح كان من أصحاب
الصفة ((قال: سألت رسول الله ◌َ ﴿ عن البر))) أي الطاعة ((والإثم))) أي المعصية ((فقال: البر)))
الحديث رقم ٥٠٧٣: أخرجه مسلم في صحيحه ٤/ ١٩٨٠ الحديث رقم (١٤ - ٢٥٥٣)، والترمذي في ٤/
٥١٥ الحديث رقم ٢٣٨٩، والدارمي في ٤١٥/٢ الحديث رقم ٢٧٩٩، وأحمد في المسند ١٨٤/٤.
11447 /

:***
٢٧١
کتاب الآداب/ باب الرفق والحياء وحسن الخلق
(البِرُّ حُسْنُ الخلقِ، والإِثمُ ما حاكَ في صدرِك وكرهتَ أن يطَّلع عليهِ الناسُ)). رواه مسلم.
أي أعظم خصاله أو البر كله مجملاً ((حسن الخلق))) أي مع الخلق بأمر الحق أو مداراة الخلق
ومراعاة الحق قيل: فسر البر في الحديث بمعان شتى ففسره في موضع بما اطمأنت إليه النفس
واطمأن إليه القلب، وفسره في موضع بالإيمان، وفي موضع بما يقربك إلى الله وهنا بحسن
الخلق، وفسر حسن الخلق باحتمال الأذى وقلة الغضب وبسط الوجه وطيب الكلام وكلها
متقاربة في المعنى. ذكره الطيبي وقال الترمذي: ((البر هنا الصلة والتصدق والطاعة ويجمعها
حسن الخلق)). وقال بعض المحققين. تلخيص الكلام في هذا المقام أن يقال: ((البر اسم جامع
لأنواع الطاعات والأعمال المقربات)). ومنه بر الوالدين وهو استرضاؤهما بكل ما أمكن، وقد
قيل: إن البر من خواص الأنبياء عليهم السلام أي كمال البر إذ لا يستبعد أن يوجد في الأمة من
يوصف به، وقد أشار إليهما من أوتي جوامع الكلم وَله بقوله: حسن الخلق لأنه عبارة عن
حسن العشرة والصحبة مع الخلق بأن يعرف أنهم اسراء الأقدار وإن كل مالهم من الخلق
والخلق والرزق والأجل بمقدار، فيحسن إليهم حسب الاقتدار فيأمنون منه ويحبونه بالاختيار
قلت: وقد أشار الشاطبي إلى هذا المعنى بقوله:
يعد جميع الناس مولى لأنهم
على ما قضاء الله يجرون أفعلا
هذا مع الخلق، وأما مع الخالق فبأن يشتغل بجميع الفرائض والنوافل ويأتي بأنواع
الفضائل عالماً بأن كل ما أتى منه ناقص يحتاج إلى العذر، وكل ما صدر من الحق كامل يوجب
الشكر. قلت: وإليه الإيماء في قول الشاطبي:
يرى نفسه بالذم أولى لأنها
على المجد لم تلعق من الصبر وإلا لا
ثم يتخلق بأخلاق الله بدوام الأعراض عما سواه والإقبال عليه ودوام ذكره حتى يكتحل
القلب بنور ذكر الذات، فصار بحراً مواجاً من نسمات القرب، وجرى في جداول(١) أخلاق
النفس صفاء النعوت والصفات، وحينئذ يحصل نهاية التحقيق بعناية التوفيق ((والإثم ما حاك)))
أي تردد وتحرك وأثر في صدرك، ورواية الأربعين في نفسك بأن لم تنشرح له وحل في القلب
منه الشك والخوف من كونه ذنباً وأقلقه ولم يطمئن إليه. قال التوربشتي: يريد أن الإثم ما كان
في القلب منه شيء فلا ينشرح له الصدر، والأقرب أن ذلك أمر يتهيأ لمن شرح الله صدره
للإسلام دون عموم المؤمنين. وقال شارح: يعني الإثم ما أثر قبحه في قلبك أو تردد في قلبك
ولم ترد أن تظهره لكونه قبيحاً وهو المعنى بقوله: ((وكرهت أن يطلع عليه الناس))) أي أعيانهم
وأماثلهم إذ الجنس ينصرف إلى الكامل، وذلك لأن النفس بطبعها تحب إطلاع الناس على
خيرها، فإذا كرهت الإطلاع على بعض أفعالها فهو غير ما تقرب به إلى الله أو غير ما أذن
الشرع فيه [وعلم أنه لا خير فيه] ولا بر فهو إذاً إثم وشر. (رواه مسلم). وفي الجامع الصغير
((البر حسن الخلق)) الحديث رواه البخاري في الأدب المفرد ومسلم والترمذي عن النواس(٢)،
(١) فى المخطوط ((جدال)).
(٢) الجامع الصغير ١/ ١٩٢ الحديث رقم ٣١٩٧.
٠/٥٠

٢٧٢
كتاب الآداب/ باب الرفق والحياء وحسن الخلق
٥٠٧٤ - (٧) وعن عبد الله بن عمرو، قال: رسول الله وَله: ((إِنَّ مِن أحبُكم إِليَّ
أحسنكم أخلاقاً».
ورواه أحمد عن أبي ثعلبة ولفظه: ((البر ما سكنت إليه النفس واطمأن إليه القلب، والإثم ما لم
تسكن إليه النفس ولم يطمئن له القلب. وإن أفتاك المفتون)) (١). هذا وفي الأربعين للإمام
النووي عن وابصة بن معبد الأسدي قال: أتيت رسول الله و ◌ّر فقال: جئت تسأل عن البر
فقلت: نعم فقال: استفت قلبك البر ما اطمأنت إليه النفس واطمأن إليه القلب، والإثم ما حاك
في النفس وتردد في الصدر وإن أفتاك الناس وأفتوك(٢). حديث حسن رويناه في مسندي
الإمامين أحمد بن حنبل والدارمي بإسناد حسن. قال الطيبي: في شرح حديث المشكاة مراعاة
المطابقة تقتضي أن نفس حسن الخلق بما يقابل ما حاك في الصدر وهو ما اطمأنت إليه النفس
والقلب كما في حديث وابصة، فوضع موضعه حسن الخلق ليؤذن أن حسن الخلق هو ما
اطمأنت إليه النفس الشريفة الطاهرة من أوضار الذنوب الباطنة والظاهرة، وتبديل مساوي
الأخلاق من الصدق في المقال، واللطف في الأحوال والأفعال أحسن معاملته مع الرحمن
ومعاشرته مع الأخوان وصلة الرحم [والسخاء] والشجاعة أقول: الأحسن في تحسين المقابلة
بين القرينتين الحسنتين أن يقال: المراد بحسن الخلق مستحسن الطبع الجبلي الجبلي الفطري
العاري عن التعلقات التقليدية والتقييدات العرفية، فإن الإنسان إذا خلى وطبعه الأصلي اختار
الأحسن من العقائد والأخلاق والأفعال وسائر الأحوال كما حقق في حديث كل مولود يولد
على الفطرة، وحاصل الجواب على طريق الاستيعاب أن الأمر لا يخلو إما أن يجزم العقل
باستحسانه أو باستقباحه أو يتردد فيما بينهما، فالأوّل هو البر وما عداه هو الإثم وهذا تمهيد
قاعدة كلية تحتها مسائل جزئية فيما لم يعرف من الشرع حسنه وقبحه على طريق اليقين في
العلميات، وعلى سبيل الظن أيضاً في العمليات والله أعلم.
٥٠٧٤ - (وعن عبد الله بن عمرو) بالواو (قال: قال رسول الله وَلاير: ((إن من أحبكم إلي)))
أي أكثركم محبة لي أو أعظمكم محبوبية عندي ((أحسنكم أخلاقاً))) أي شمائل مرضية مراعي
فيها حقوق الربوبية والعبودية، وقد رواه الحكيم عن العلاء بن كثير مرسلاً ((أن محاسن
الأخلاق مخزونة عند الله تعالى، فإذا أحب الله عبداً منحه خلقاً حسناً»، وفي رواية الطبراني في
الأوسط عن أبي هريرة إن هذه الأخلاق من الله، فمن أراد الله به خيراً منحه خلقاً حسناً؛ ومن
أراد الله به سوءاً منحه سيأثم الظاهر أن من زائدة على مذهب من يجوز زيادتها في الكلام
المثبت أو المراد أحسنكم أخلاقاً مع الخلق، ويؤيده ما رواه الترمذي والحاكم عن عائشة ((إن
من أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً وألطفهم بأهله)) (٣)، ويؤيد الأوّل ما في الجامع الصغير
(١) أحمد في المسند ١٩٤/٤.
(٢) وهو الحدیث رقم ٢٧.
الحديث رقم ٥٠٧٤: أخرجه البخاري في صحيحه ١٠٢/٧ الحديث رقم ٣٧٥٩، والترمذي في ٣٢٥/٤
الحديث رقم ٢٠١٨، وأحمد في المسند ١٨٩/٢.
(٣) أخرجه الترمذي في السنن ١٠/٥ الحديث رقم ٢٦١٢، والحاكم في المستدرك ٣/١.

٢٧٣
كتاب الآداب/ باب الرفق والحياء وحسن الخلق
رواه البخاري.
٥٠٧٥ _ (٨) وعنه، قال: قال رسول الله وَله: ((إِنَّ مِنْ خيارِكم أحسنكم أخلاقاً)).
متفق عليه .
الفصل الثاني
٥٠٧٦ - (٩) عن عائشة [رضي الله عنها] قالت: قال النبي وَلَهُ: ((مَنْ أُعطِي حَظَّهُ من
الرفق أُعطي حظّه من خيرِ الدنيا والآخرةِ، ومنْ حُرِم حظّه من الرفق حُرِم حظّهُ منْ خير
الدنيا والآخرة)). رواه في ((شرح السّنة)).
٥٠٧٧ _ (١٠) وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله وَل: ((الحياءُ من الإيمانِ،
والإيمان في الجنة.
على ما رواه أحمد والشيخان والترمذي عن ابن عمر بلفظ ((خياركم أحسنكم أخلاقاً». (رواه البخاري).
٥٠٧٥ - (وعنه) أي عن ابن عمرو (قال: قال رسول الله وَليقول: ((إن من خياركم
أحسنكم)))، وفي نسخة صحيحة أحسنكم (أخلاقاً. متفق عليه).
(الفصل الثاني)
٥٠٧٦ - (عن عائشة قالت: قال النبي ◌َّار: ((من أعطي))) بصيغة المجهول ((حظه))) أي
نصيبه ((من الرفق))) أي اللطف ((أعطي حظه من خير الدنيا والآخرة، ومن حرم))) على بناء
المفعول ((حظه))) بالنصب أي نصيبه ((من الرفق حرم حظه من خير الدنيا والآخرة))) وهذا
تصريح بما علم ضمناً للمبالغة والتأكيد في الحكم. (رواه في شرح السنة)، ورواه أحمد
والترمذي عن أبي الدرداء لكن لفظه من الخير بدل من خير الدنيا والآخرة(١). والحديثان
متفقان في المعنى لأن المراد بالخير جنسه الشامل لنوعيه.
٥٠٧٧ - (وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَلافي: ((الحياء من الإيمان والإيمان))) أي
أهله ((في الجنة))). قال الطيبي: جعل أهل الإيمان عين الإيمان دلالة على أنهم تمحضوا منه
الحديث رقم ٥٠٧٥: أخرجه البخاري في صحيحه ٥٦٦/٦ الحديث رقم ٣٥٥٩، ومسلم في ٤/ ١٨١٠
الحديث رقم (٦٨ - ٢٣٢١) والترمذي في السنن ٣٠٨/٤ الحديث رقم ١٩٧٥، وأحمد في
المسند ١٩٣/٢.
يوم
الحديث رقم ٥٠٧٦: أخرجه البغوي في شرح السنة ٧٤/١٣ الحديث رقم ٣٤٩١، وأحمد في المسند ٦/ ١٥٩.
(١) أخرجه الترمذي في السنن ٣٢٣/٤ الحديث رقم ٢٠١٣.
الحديث رقم ٥٠٧٧: أخرجه الترمذي في السنن ٣٢١/٤ الحديث رقم ٢٠٠٩، وأحمد في المسند ٢/ ٥٠١.
آ ھو،

٢٧٤
٠٫٢٠١٩
كتاب الآداب/ باب الرفق والحياء وحسن الخلق
والبذاء مِنَ الجفاء، والجفاء فى النار)). رواه أحمد، والترمذي.
٥٠٧٨ _ (١١) وعن رجل من مزينةً، قال: قالوا: يا رسول الله! ما خيرُ ما أُعطى
الإنسانُ؟ قال: ((الخلق الحَسَنُ)). رواه البيهقيُّ في ((شعب الإيمان)).
٥٠٧٩ _ (١٢) وفي ((شرح السنة)) عن أسامة بن شريك.
وتمكنوا من بعض شعبه الذي هو أعلى فرع منه كما جعل الإيمان مقراً ومبوّأ لأهله في قوله
تعالى: ﴿والذين تبوّؤا الدار والإيمان﴾ لتمكنهم من الإيمان واستقامتهم عليه ((والبذاء))) بفتح
الباء خلاف الحياء الناشىء منه الفحش في القول والسوء في الخلق ((من الجفاء)))، وهو
خلاف البر الصادر منه الوفاء ((والجفاء))) أي أهله التاركون للوفاء الثابتون على (١) غلاظة الطبع
وقساوة القلب ((في النار))) أما مدة أو أبداً لأنه في مقابل الإيمان الكامل أو مطلقه، فصاحبه أما
من أهل الكفران أو الكفر. (رواه أحمد والترمذي). وكذا الحاكم(٢) والبيهقي عنه والبخاري في
الأدب وابن ماجه والحاكم والبيهقي عن أبي بكرة الثقفي والطبراني(٣)، والبيهقي عن عمران بن
حصين، وفي رواية لأحمد والترمذي والحاكم عن أبي أمامة ((الحياء والعي شعبتان من الإيمان،
والبذاء والبيان شعبتان من النفاق))(٤).
٥٠٧٨ - (وعن رجل من مزينة) بالتصغير قبيلة معروفة وجهالة الصحابي لا تضر لأنهم
كلهم عدول ومرسلهم عند الكل مقبول ((قال: قالوا:) أي بعض الأصحاب (يا رسول الله ما
خير ما أعطي الإنسان))) بالرفع أي أعطيه الإنسان، فالمفعول الثاني محذوف من الصلة، وفي
نسخة بالنصب، فنائب الفاعل ضمير راجع إلى ما ((قال: الخلق الحسن))) أي هو هذا (رواه
البيهقي في شعب الإيمان).
٥٠٧٩ - (وفي شرح السنة عن أسامة بن شريك). قال ميرك: وظاهره أن البيهقي لم يرو
الحديث عن أسامة لكن قال الشيخ الجزري: رواه البيهقي في الشعب من حديث أسامة قلت:
وفي الجامع ((خير ما أعطى الناس خلق حسن)). رواه أحمد والنسائي وابن ماجه والحاكم عن
أسامة بن شريك(٥)، وروى ابن أبي شيبة عن رجل من جهينة ولفظه: ((خير ما أعطي الرجل
المؤمن خلق حسن وشر ما أعطي الرجل قلب سوء في صورة حسنة)) (٦)، وقد روى البيهقي عن
(١) في المخطوطة ((عليه)).
(٢) الحاكم في المستدرك ١/ ٥٢.
(٣) الحاكم في المستدرك ٥٣/١ وابن ماجه في السنن ٢/ ١٤٠٠ الحديث رقم ٤١٨٤.
(٤) الحاكم في المستدرك ٩/١، وأحمد في المسند ٢٦٩/٥، والترمذي في السنن ٣٢٩/٤ الحديث رقم
٢٠٢٧،.
الحديث رقم ٥٠٧٨: أخرجه أحمد في المسند ٤/ ٢٧٨، والبيهقي في شعب الإيمان ٦/ ٢٣٥ الحديث رقم ٧٩٩٢.
الحديث رقم ٥٠٧٩: أحمد في المسند ٢٧٨/٤.
(٥) الجامع الصغير ٢٤٨/٢ الحديث رقم ٤٠٧٨.
(٦) الجامع الصغير المصدر السابق الحديث رقم ٤٠٧٩.
+۴۴9

٢٧٥
كتاب الآداب/ باب الرفق والحياء وحسن الخلق
٥٠٨٠ _ (١٣) وعن حارثةَ بن وهب، قال: قال رسول الله وَله: ((لا يدخلُ الجنَّةَ
الجوَّاظ ولا الجَعْظِرِيُّ)) قال: والجواظُ: الغليظُ الفظُ رواه أبو داود في ((سننه)). والبيهقي في
(شعب الإيمان)) وصاحب ((جامع الأصول)) فيه عن حارثة وكذا في ((شرح السنة)) عنه،
ولفظه: ((لا يدخل الجنَّة الجوَّاظُ الجعظريّ يقال: الجعظريُّ: الفظ الغليظ.
صصرف.
الحسن مرسلاً «ثلاث خلال من لم تكن فيه واحدة منهن كان الكلب خيراً منه، ورع يحجزه
عن محارم الله عزَّ وجلّ، أو حلم يرد به جهل جاهل، أو حسن خلق يعيش به في الناس)).
وقد ذكر السيوطي عن الحسن، عن أبي الحسن، عن جد الحسن: ((إن أحسن الحسن الخلق
الحسن))(١).
الياتے
توق
٥٠٨٠ - (وعن حارثة بن وهب) قال المؤلف في فصل الصحابة: خزاعي أخو عبيد الله
ابن عمر بن الخطاب لأمه، روى عنه أبو إسحاق السبيعي (قال: قال رسول الله وَلير: ((لا يدخل
الجنة الجواظ))) بفتح جيم وتشديد واو وظاء معجمة ((ولا الجعظري))) بفتح جيم وسكون عين
مهملة وفتح ظاء معجمة فراء فتحتية مشددة ((قال:))) أي الراوي ((الجوّاظ الغليظ الفظ)))
بتشديد الظاء أي سيىء الخلق، قال تعالى: ﴿ولو كنت فظاً غليظ القلب﴾ [آل عمران - ١٥٩].
فاللائق أن يفسر الجعظري بغليظ القلب، وكأن غلظ القلب إيماء إلى سوء باطنه من الأحوال،
والفظ إشارة إلى قبح ظاهره من الأفعال، وقدم الجواظ ما لظهوره وأما لأن مداراً لحكم عليه،
وإنما أتى بلا المزيدة إشارة إلى ((أن الموصوف بكل من الخصلتين لا يدخل الجنة مطلقاً إن
كان من المنافقين أو لا يدخلها مع الفائزين إن كان من المؤمنين)). (رواه أبو داود والبيهقي في
شعب الإيمان). قال الطيبي: قوله: الجواظ الغليظ الفظ كذا في سنن أبي داود والبيهقي، وفي
النهاية وشرح التوربشتي وكلام القاضي الجواظ: المختال، وقيل: الجموع المنوع، وقيل: هو
السمين، وقيل: الصياح المهذار والجعظري: الفظ الغليظ، وقيل: القصير المنتفخ بما ليس
عنده، وقيل: ((العظيم الجسم الأكول والمانع لمن شأنه هذا أن يدخل الجنة حيث يدخلها
الآخرون عجبهم وسوء خلفهم وشرههم على الطعام وإفراطهم في الكلام)). اهـ. والأظهر ما
قدمناه من أن المراد غليظ القلب سيىء الخلق، وسببه ما روى الخطيب عن عائشة مرفوعاً ((إن
لكل شيء توبة إلا صاحب سوء الخلق فإنه لا يتوب من ذنب إلا وقع في شر منه)). (وصاحب
جامع الأصول) أي ورواه أيضاً (فيه) أي في الجامع (عن حارثة، وكذا في شرح السنة عنه) أي
روى عن حارثة (ولفظه) أي ولفظ ما في شرح السنة أو لفظ صاحب شرح أو لفظ حارثة في
الشرح (قال: ((لا يدخل الجنة الجواظ الجعظري))) أي من غير عاطفة وزيادة لا ولعله عد
الموصوفان واحد الكمال الاتحاد بين الوصفين، أو المراد الجامع بينهما فهو الفرد الكامل في
ټ,اه۔ ۔
(١) الجامع الصغير ١٣٣/١ الحديث رقم ٢١٨٣.
الحديث رقم ٥٠٨٠: أخرجه أبو داود في السنن ١٥١/٥ الحديث رقم ٤٨٠١، والبغوي في شرح السنة
١٦٩/١٣ الحديث رقم ٣٥٩٣، وأخرجه البيهقي في شعب الإيمان ٢٨٥/٦ الحديث رقم ٨١٧٣.

٢٧٦
كتاب الآداب/ باب الرفق والحياء وحسن الخلق
وفي نسخ ((المصابيح)) عن عكرمة بن وهب ولفظه قال: والجوَّاظ: جَمَعَ ومَنَعَ.
والجعظريُّ: الغليظ الفَظُ.
٥٠٨١ _ (١٤) وعن أبي الدرداءِ، عن النبي ◌َِّ قال: ((إِن أثقلَ شيءٍ يوضَعُ في ميزانٍ
المؤمن يومَ القيامة خُلُقٌ حسنٌ، وإِنَّ اللَّهَ يُبغضُ الفاحِشَ البذيء)). رواه الترمذي وقال: هذا
حديث حسن صحيح.
*7/8/
القبح، (وفي نسخ المصابيح عن عكرمة بن وهب) أي في بعضها، وإلا ففي أكثرها عن حارثة
ابن وهب، (ولفظه) أي لفظ المصابيح، وفيه تجوز (والجوّاظ الذي جمع) أي مالاً مما لا يجوز
(ومنع) أي منعه من الصرف فيما يجب عليه (والجعظري الغليظ الفظ). قال الطيبي: أشار
المؤلف بهذا أن راوي الحديث في الأصول المذكورة هو حارثة بن وهب وهو صحابي، وفي
نسخ المصابيح عن عكرمة بن وهب وقد قال الشيخ التوريشتي: لم يذكره أحد في الصحابة،
فالحديث مرسل حينئذ أي إن صح كونه تابعياً وكذا قوله الذي جمع ومنع ليس في الأصول،
وقد أثبت في حواشي المصابيح، فالحق بالمتن. وكذا قوله: ((الغليظ الفظ)) في المصابيح
تفسير للجعظري، وفي الأصول تفسير للجواظ تم كلامه. وفي الجامع برواية الطبراني عن أبي
الدرداء ((ألا أخبرك بأهل النار كل جعظري جواظ مستكبر جماع منوع ألا أخبرك بأهل الجنة كل
مسكين لو أقسم على الله لأبره).
٥٠٨١ - (وعن أبي الدرداء عن النبي ◌َّلي قال: ((إن أثقل شيء يوضع))) أي ثوابه
وصحيفته أو عينه المجسد ((في ميزان المؤمن يوم القيامة خلق حسن))) فإنه تعالى يحبه ويرضى
عن صاحبه ((وإن الله يبغض الفاحش))) أي لفحشه أي والفحش أيضاً («البذيء))) فعيل من
البذاء، وهو ضد الحي ذكره شارح وهو المناسب للمقام، وفي الغريبين رجل بذيء أي فاحش
سيىء الخلق اهـ. ومن المقرر أن كل ما يكون مبغوضاً لله ليس له وزن وقدر كما أن كل ما
يكون محبوباً له يكون عنده عظيماً قال تعالى في حق الكفار: ﴿فلا نقيم لهم يوم القيامة وزناً﴾
[الكهف - ١٠٥] وفى الحديث المشهور ((كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان
حبيبتان إلى الرحمن سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم))(١). وبهذا تمت المقابلة بين
القرينتين. هذا وقال الطيبي: أوقع قوله: وإن الله يبغض الفاحش البذيء مقابلاً لقوله: إن أثقل
شيء يوضع في الميزان دلالة على أن أخف ما يوضع في الميزان هو سوء الخلق وإن حسن
الخلق أحب الأشياء عند الله والخلق السيىء أبغضها، وإن الفحش والبذاءة أسوأ شيء في
مساوىء الأخلاق. (رواه) أي الحديث بكماله (الترمذي وقال: هذا حديث حسن صحيح.
(١) الجامع الصغير ١٧٠/١ الحديث رقم ٢٨٥٣.
الحديث رقم ٥٠٨١: أخرجه أبو داود والفصل الأول في السنن ١٤٩/٥ الحديث رقم ٤٧٩٩، والترمذي
في السنن بأكمله ٣١٨/٤ الحديث رقم ٢٠٠٢، وأحمد في المسند ٤٤٢/٦.
(٢) متفق عليه.

٢٧٧
كتاب الآداب/ باب الرفق والحياء وحسن الخلق
وروى أبو داود الفصلَ الأول.
٥٠٨٢ - (١٥) وعن عائشة [رضي الله عنها] قالت: سمعت رسول الله وَ له يقول:
(إِنَّ المؤمن ليدرك بحُسْن خُلقه درجة قائم اللَّيل وصائم النهار)). رواه أبو داود.
٥٠٨٣ _ (١٦) وعن أبي ذرّ، قال: قال لي رسول الله وَل: ((اتق اللهَ حيثُما كنت،
وروى أبو داود الفصل الأوّل) أي القرينة الأولى دون الثانية، وقد روى أحمد عن أسامة بن زيد
((إن الله يبغض الفاحش المتفحش»، وروى الديلمي في مسند الفردوس عن علي رضي الله عنه
((إن الله يبغض المعبس في وجوه إخوانه)).
٥٠٨٢ - (وعن عائشة قالت: سمعت رسول الله ﴿ يقول: ((إن المؤمن))) أي الكامل،
وهو العالم العامل ((ليدرك بحسن خلقه درجة قائم الليل))) أي في الطاعة ((وصائم النهار))).
قال: الحسن: ((حسن الخلق بسط الوجه بذل الندى وكف الأذى))، وقال الواسطي: ((هو أن لا
يخاصم ولا يخاصم من شدة معرفته بالله تعالى)) وقال أيضاً: ((هو إرضاء الخلق في السراء
والضراء»، وقال سهل: ((أدنى حسن الخلق الاحتمال وترك المكافأة والرحمة للظالم والاستغفار
له والشفقة عليه». (رواه أبو داود). وفي الجامع بلفظ ((درجة القائم الصائم)). رواه أبو داود
وابن حبان في صحيحه [عنها].
٥٠٨٣ - (وعن أبي ذر) أي الغفاري رابع الإسلام أو خامسه، زاد النووي في أربعينه
ومعاذ بن جبل (قال: قال رسول الله وَلهو:) أي مختصاً لي بخطابه وهو لا ينافي في التعدد
لاحتمال اختلاف المجلس مع أنه غير مذكور في الأربعين («اتق الله))) أي بالإتيان بجميع
الواجبات والانتهاء عن سائر المنكرات، فإن التقوى أساس الدين وبه يرتقي إلى مراتب اليقين،
ثم التحقيق ((إن التقوى أدناها التبرىء عن الشرك بالله وأعلاها الإعراض عما سواه، وما بينهما
مراتب بعضهما فوق بعض من ترك المحظور ثم المكروه ثم المباح مما لا يعني))، ولله در من
قال من أهل الحال:
معرفة الله فذاك الشقي
من عرف الله فلم تغنه
فالعزكل العز للمتقي
ما يصنع العبد بعز الغنى
((حيثما كنت))) أي في الخلاء والملأ وفي النعماء والبلاء فإن الله عالم بسر أمرك كما أنه
مطلع على ظواهرك، فعليك برعاية دقائق الأدب في حفظ أوامره ومراضيه، والاحتراز عن
الحديث رقم ٥٠٨٢: أخرجه أبو داود في السنن ١٤٩/٥ الحديث رقم ٤٧٩٨، ومالك في الموطأ ٢/ ٩٠٤
الحديث رقم ٦ من كتاب حسن الخلق، وأحمد في المسند ٦/ ٩٠.
الحديث رقم ٥٠٨٣: أخرجه الترمذي في السنن ٣١٢/٤ الحديث رقم ١٩٨٧، والدارمي في ٤١٥/٢.
الحديث رقم ٢٧٩١ وأحمد في المسند ١٥٣/٥.

cer
//
ريبي
:نوم
کتاب الآداب/ باب الرفق والحياء وحسن الخلق
٢٧٨
وأتبع السَّيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن)). رواه أحمد، والترمذي
والدارمي.
/١٣/٦/١٢/١٢/
مساخطه ومساويه، وعن داود الطائي أنه سمع صوتاً من قبر ألم أزك ألم أصل ألم أصم ألم
أفعل كذا، فأجيب بلى يا عبد الله، ولكن إذا خلوت بارزته بالمعاصي ولم تراقبه ((وأتبع»)
أمر من باب الأفعال وهو متعد إلى مفعولين ((السيئة الحسنة))) أي التوبة والطاعة [مطلقاً] أو
بأن تباشر حسنات تضاد آثارها تلك السيئات. قال الطيبي: فسماع الملاهي يكفر بسماع
القرآن وبمجالس الذكر والوعظ عن المناهي وشرب الخمر يكفر بالتصدق بكل شراب حلال،
وعلى هذا ففسر، لأن المرض يعالج بضده والمتضادات هي المناسبات، فلذلك ينبغي أن
يمحو كل سيئة بحسنة من جنسها لكن تضادها، فالبياض يزال بالسواد لا بغيره وحب الدنيا
لأن أثر السرور بها في القلب، فلا جرم كفارته كل أذى يصيب المسلم من الهم والغم اهـ.
ولا خفاء أنه لا يظهر حسن المقابلة بين حب الدنيا وما ذكره من المشاكلة لأن الهم والغم
ليسا من الأمور الاختيارية المراد بها في الحديث على ما هو ظاهر من قوله: ((اتبع))،
فالصواب أن مقابلة حب الدنيا بضدها وهو بغضها بأن يتصدق ولو ببعضها على أن هذه
المناسبات غير لازمة في محو السيئات لقوله تعالى: ﴿إن الحسنات يذهبن السيئات﴾ [هود -
١١٤] وقد وردت الآية فيمن قبل امرأة ثم صلى معه وَلّ والله أعلم ((تمحها))) أي تدفع
الحسنة السيئة وترفعها، والإسناد مجازي، والمراد يمحو الله بها آثارها من القلب أو من
ديوان الحفظة هذا إذا كانت بينه وبين الله تعالى، فإن تعلقت بالعبد فتدفع الحسنة إلى خصمه
عوضاً عن المظلمة أو يرضيه الله من فضله. حكي عن بعضهم أنه رئي في المنام فقيل له:
((ما فعل الله بك قال: غفر لي وأحسن إلي إلا أنه حاسبني حتى طالبني بيوم كنت صائماً.
فلما كان وقت الإفطار أخذت حنطة من حانوت صديق لي فكسرتها فذكرت أنها ليست لي
فألقيتها على حنطته، فأخذ من حسناتي مقدار أرش كسرها)). قال البيضاوي: صغائر الذنوب
تقع مكفرة بالحسنات وكذا ما خفي من الكبائر لعموم قوله تعالى: ﴿نكفر عنكم سيئاتكم﴾
[النساء - ٣١] والحديث إما ما ظهر منها وتحقق عند الحاكم فلا يسقط حدها ولا بالتوبة،
ولما وصاه بما يتعلق بحقوق الله تعالى وإصلاح نفسه ذكر ما يتعلق بحقوق العباد فقال
((وخالق الناس))) أمر من المخالقة مأخوذ من الخلق مع الخلق أي خالطهم وعاملهم («بخلق
حسن)))، وهو بسط المحيا وبذل الندى وتحمل الأذى، (رواه أحمد والترمذي والدارمي).
وفي الأربعين رواه [أحمد] والترمذي وقال: حديث حسن، وفي بعض النسخ حسن
صحيح(١) اهـ كلامه. وفي الجامع [الصغير] رواه أحمد والترمذي والحاكم والبيهقي عن أبي
ذر وأحمد والترمذي والبيهقي عن معاذ وابن عساكر عن أنس(٢).
(١) وهو الحديث رقم ١٨.
(٢) الجامع الصغير ١٤/١ الحديث رقم ١١٥.

:579
٢٧٩
كتاب الآداب/ باب الرفق والحياء وحسن الخلق
٥٠٨٤ - (١٧) وعن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله وَلجر: ((ألا أُخبرَكم بمن
يَخْرُمُ عَلَى النار وبمن تحرمُ النارُ عليه؟ على كلّ هينٍ لينِ قريبٍ سهلٍ». رواه أحمد،
والترمذي وقال: هذا حديث حسن غريب.
٥٠٨٥ _ ((١٨) وعن أبي هريرةً، عن النبيِّ وَِّ، قال: ((المؤمنُ غِرّ كريمٌ
٥٠٨٤ - (وعن عبد الله بن مسعود قال: ألا أخبركم بمن يحرم))) بضم الراء ((على النار)))
أي بمنع عنها ((وبمن تحرم النار عليه))) زيادة تأكيد، وإلا فالمعنيان متلازمان، ولما كان مآلهما
واحداً اكتفى بالجواب عن الأول لأنه المعول، والثاني مؤكد محمل مجمل، فقال: قبل
قولهم: بلى ((على كل هين لين)) بتشديد التحتية فيهما أي تحرم على كل سهل طلق حليم لين
الجانب، قيل: هما يطلقان على الإنسان بالتثقيل والتخفيف وعلى غيره بالتشديد، وعن ابن
الأعرابي بالتخفيف للمدح وبالتشديد للذم. ذكره ابن الملك. ثم قوله: هين فعيل من الهون
وهو السكون والوقار والسهولة فعينه واو فأبدلت وأدغمت، وأما اللين فيأتي ((قريب))) أي من
الناس بمجالستهم في محافل الطاعة وملاطفتهم بقدر الطاعة ((سهل))) أي في قضاء حوائجهم
أو معناه أنه سمح القضاء، سمح الاقتضاء، سمح البيع، سمح الشراء على ما ورد في فضل
المؤمن الكامل. هذا وقال الطيبي: قوله: على كل هين لين هذا جواب عن السؤالين والجواب
الظاهر عنهما كل هين لين، ثم في الدرجة الثانية أن يقال عن الأوّل: يحرم على النار كل هين
لين، وعلى الثاني تحرم النار على كل هين لين، فأتى بجواب موجز يدل عليهما بالتفصيل،
ولو أتى به كما يقتضيه الظاهر وهو قوله: كل هين لين لم يدل على التفصيل اهـ، وهو غريب
منه. فإن دلالة ما يقتضيه الظاهر على التفصيل أظهر من دلالة الجواب الموجز عنده عليه كما
يظهر بأدنى تأمل، فإن تقديره حينئذ [هو] كل هين لين ويكون مرجع الضمير ما ذكر من
الوصفين وهو ((من يحرم على النار ومن تحرم عليه النار)) بل لو حققت النظر ودققت التأمل
لوجدت أن جوابه الموجز على زعمه لا دلالة له على التفصيل أصلاً، بل دلالته إجمالية كما
قدمناه، وقد يقال: إنه من باب الاكتفاء كقوله تعالى: ﴿سرابيل تقيكم الحر﴾ [النحل - ٨١] أي
والبرد، فكذلك هنا يقدر وعلى كل هين لين مع احتمال أن القرينة الثانية زائدة من بعض الرواة
لأجل المبالغة، ويؤيده ما في الجامع بلفظ: ((ألا أخبركم بمن تحرم عليه النار غداً على كل
هين لين قريب سهل)) والله أعلم. (رواه أحمد والترمذي وقال: هذا حديث حسن غريب). وفي
الجامع رواه أبو يعلى في مسنده عن جابر والترمذي والطبراني عن ابن مسعود.
٥٠٨٥ - (وعن أبي هريرة عن النبي ير، قال: ((المؤمن))) أي البار ((غر)) بكسر الغين
المعجمة وتشديد الراء ((كريم)) أي موصوف بالوصفين أي له الاغترار لكرمه، وله المسامحة
الحديث رقم ٥٠٨٤: أخرجه الترمذي في السنن ٥٦٤/٤ الحديث رقم ٢٤٨٨. وأحمد في المسند ٤١٥/١.
الحديث رقم ٥٠٨٥: أخرجه أبو داود في السنن ١٤٤/٥ الحديث رقم ٤٧٩٠، والترمذي في ٣٠٣/٤
الحديث رقم ١٩٦٤، وأحمد فى المسند ٣٩٤/٢.
٠٠,٠٠٠٠٠٠٠

٢٨٠
كتاب الآداب/ باب الرفق والحياء وحسن الخلق
والفاجرُ خَبُّ لئيمٌ)). رواه أحمد، والترمذي، وأبو داود.
٥٠٨٦ _ (١٩) وعن مكحولٍ، قال: قال رسولُ اللهِ وَّرَ: ((المؤمنونَ هيِّنونَ ليّنونَ
كالجملِ الآنفِ [٣٨٠ _ أ _]
في حظوظ الدنيا لا لجهلة، ((والفاجر خب))) بفتح خاء معجمة وتكسر وتشديد موحدة أي
خداع (لئيم))) أي بخيل لجوج سيىء الخلق، وفي كل منهما الوصف الثاني سبب للأوّل، وهو
نتيجة الثاني فتأمل، فكلاهما من باب التذييل والتكميل، وفي النهاية أي ليس بذي مكر فهو
ينخدع لانقياده ولينه وهو ضد الخب يريد ((أن المؤمن المحمود من طبعه الغرارة، وقلة الفطنة
للشر وترك البحث عنه وليس ذلك فيه جهلاً، ولكنه كرم وحسن خلق، والفاجر من عادته
البحث لا على أنه عقل منه بل خبث ولؤم)). اهـ. قال الفرزدق:
إن الكريم إذا خادعته انخدعا
وقيل: هم الذين لم يجربوا الأمور فهو قليلو الشر منقادون، فإن من آثر الخمول
وإصلاح نفسه والمتزوّد لمعاده ونبذ أمور الدنيا فليس غراً فيما قصده ولا مذموماً بنوع من
الذم. قال الطيبي: والأوّل هو الوجه لما سبق في قوله وَير: ((لا يلدغ المؤمن من حجر
مرتين))، ولأن المؤمن قد ينخدع في مقام اللين والتعطف مع الأغيار. روي أن ابن عمر رضي
الله عنهما كلما صلى عبد له أعتقه، فقيل له، فقال: ((من خادعنا بالله ننخدع))، قلت: ومن
ذلك انخداع آدم وحوّاء بكلام إبليس حيث قاسمهما ﴿إني لكما لمن الناصحين﴾ [الأعراف -
٢١] قال: ولفظ الحديث أيضاً يساعده لأنه وَل﴿ لما وصفه بالغرور أي بوصف غير كامل كمله
بقوله: ((كريم)) لئلا يتوهم فيه ذلك نقصاً، والخب بالفتح الخداع وهو الحريز الذي يسعى بين
الناس بالفساد. يقال: رجل خب، وقد تسكر خاؤه، وأما المصدر فبالكسر لا غير اهـ. فالكسر
يحتمل وجهين فتأمل. (رواه أحمد والترمذي وأبو داود)، وكذا الحاكم(١)، ورواه البيهقي عن
أبي هريرة بلفظ: ((المؤمن هين لين حتى تخاله من اللين أحمق)).
434
١٢/ ١٠/١/١٠
٥٠٨٦ - (وعن مكحول) تابعي جليل (قال: قال رسول الله وَلقى: ((المؤمنون هينون
لينون))) بالتشديد ويخففان، ففي النهاية هما تخفيف الهين واللين اهـ، وكأنه اعتمد على كلام
ابن الأعرابي وقد سبق أنه ضعيف خلاف الأصل، فلا يثبت إلا بثبت، فالجزم به غير تثبت،
وفي الفائق والمحذوفة من ياءي هين ولين الأولى، وقيل: الثانية، قلت: الثانية أولى من
الأولى للاحتياج عندها للتخفيف ولئلا يحتاج إلى تخفيف آخر فتدبر. ((كالجمل الأنف))) بفتح
الهمزة ويمد وكسر النون، ففي القاموس أنف البعير كفرح اشتكى أنفه من البرة فهو أنف ككتف
وصاحب، والأوّل أصح وأفصح، وقال شارح: المد فيه خط، وهو يحتمل أنه أراد رواية أو
(١) الحاكم في المستدرك ٤٤/١.
الحديث رقم ٥٠٨٦: أخرجه أبو نعيم في الحلية ٥/ ١٨٠.
./