Indexed OCR Text
Pages 221-240
٢٢١ كتاب الآداب/ باب الحب في الله ومن الله قال اللَّهُ تعالى: طبتَ وطاب مَمشاكَ، وتبوَّأتَ منَ الجنَّةِ منزِلاً)). رواه الترمذي، وقال: هذا حديثٌ غريب. ٥٠١٦ - (١٤) وعن المقدام بن معد يكرب، عن النبيِّ يَّر، قال [٣٧٥ - ب-]: ((إذا أحبَّ الرجلُ أخاهُ فليُخبرهُ أنَّه يحبُّه)). رواه أبو داود، والترمذي. أي صحيحاً. فأو للتنويع، ويحتمل أن تكون للشك بناء على تغليب أحدهما أو نظر الأصل المعنى اللغوي لأن العيادة والزيارة متقاربان في المعنى إلا أن العيادة تستعمل غالباً في المرض، والزيارة في الصحة، والأظهر أن الزيارة أعم في العيادة كما أن كلاً منهما أخص من العبادة (قال الله تعالى) أي بلا واسطة أو على ألسنة بعض الملائكة (طبت))) بكسر الطاء أي صرت طيب العيش في الآخرة أو حصل لك طيب عيش فيها وهو إخبار، ويحتمل الدعاء ((وطاب ممشاك))) أي صار مشيك سبب طيب عيشك فيها، كذا ذكره بعض الشراح ولا بعد في تعميم طيب العيش ليشمل طيب الحياة في الدنيا بالقناعة والرضاء وبركة الرزق وسعة القلب وحسن الخلق وتوفيق العلم والعمل، ويمكن أن يكون الطيب كناية عن قبول نيته وشكر سعيه ((وتبوأت من الجنة منزلاً))) أي هيأت منها بهذه العيادة منزلة عظيمة ومرتبة جسيمة، فإن إدخال السرور في قلب المؤمن أفضل من عبادة الثقلين لا سيما والعيادة فرض كفاية، وفيها موعظة وعبرة وتذكرة وتنبيه على استغنام الصحة والحياة، ورفع الهموم الزائدة نسأل الله العفو والعافية وحسن الخاتمة، (رواه الترمذي وقال: هذا حديث غريب). ٥٠١٦ - (وعن المقدام بن معدي كرب) مر ذكره (عن النبي ◌َّ قال: ((إذا أحب الرجل أخاه فليخبره أنه يحبه))) أي ليحبه أيضاً أو ليدعوه لمحبة الله له كما سيأتي فيكونا من المتحابين. قال الخطابي: معناه الحث على التودد والتألف، وذلك أنه إذا أخبر أنه يحبه استمال قلبه واجتلب به وده، وفيه أنه إذا علم أنه محب له قبل نصحه ولم يرد عليه قوله في عيب أن أخبره به نفسه. (رواه أبو داود والترمذي) وقال: حسن صحيح. قال ميرك: ورواه النسائي في اليوم والليلة اهـ. وفي الجامع الصغير ((إذا أحب أحدكم أخاه فليعلمه أنه يحبه)). رواه أحمد والبخاري في تاريخه وأبو داود الترمذي والحاكم وابن حبان عن المقدام وابن حبان أيضاً عن أنس(١)، وفي رواية لأحمد والضياء عن أبي ذر بلفظ ((إذا أحب أحدكم صاحبه فليأته في منزله فليخبره أنه يحبه الله))(٢). ورواه البيهقي وأبو نعيم في الحلية، إذا أحببت رجلاً فلا تماره ولا تشاره ولا تسأل عنه أحداً فعسى أن توافي له عدوّاً فيخبرك بما ليس فيه فيفرق ما بینك وبینه»(٣). الحديث رقم ٥٠١٦: أخرجه أبو داود في السنن ٣٤٣/٥ الحديث رقم ٥١٢٤، والترمذي في ٤ / ٥١٧ الحديث رقم ٢٣٩٢، وأحمد في المسند ١٣٠/٤. (١) الجامع الصغير ٢٨/١ الحديث رقم ٣٥٧. (٢) المصدر السابق الحديث رقم ٣٥٨. (٣) المصدر السابق الحديث رقم ٣٦١. ٥٤٠٠ ٢٢٢ كتاب الآداب/ باب الحب في الله ومن الله ٥٠١٧ _ (١٥) وعن أنسٍ، قال: مرَّ رجلٌ بالنبيِّ وَ لَ﴿ وعندَه ناسٌ. فقال رجلٌ ممَّنْ عنده: إِنِي لأحبُّ هذا لله. فقال النبيُّ وََّ: ((أَعْلَمتَه؟)). قال لا. قال: ((قُم إِليه فأعلمْه)). فقام إليه فأعلمَه فقال: أحبَّكَ الذي أحببتَني له. قال: ثمَّ رجعَ فسألَه النبيُّ وَّهِ، فأخبرَه بما قال. فقال النبيُّ وَّهِ: ((أنتَ معَ من أحبَبتَ، ولك ما احتسبتَ)). رواه البيهقي في ((شعب الإيمان)). وفي رواية الترمذي: ((المرءُ معَ من أحبَّ ولَه ما اكتسبٌ)). ٥٠١٨ _ (١٦) وعن أبي سعيد، أنه سمع النبي وَ له يقول: ((لا تصاحب إلا مؤمناً ولا يأكل طعامك ٥٠١٧ _ (وعن أنس قال: مر رجل بالنبي وَّ ر وعنده ناس) جملة حالية (((فقال رجل ممن عنده: إني لأحب هذا الله فقال النبي ◌َّاج: أعلمته))) بهمزة مقدرة محققة أو مسهلة، ويجوز أن يقرأ بهمزة ممدودة على أن الثانية منقلبة ((قال: لا، قال: قم إليه))) أي مبادرة ((فاعلمه فقام إليه فأعلمه فقال:))) أي الرجل الأول ((أحبك))) أي الله، كما في نسخة («الذي أحببتني له، قال:))) أي الراوي ((ثم رجع))) أي الرجل الثاني ((فسأله النبي ◌َّ))) أي عما جرى بينهما أو عما أجاب له ((فأخبره بما قال: فقال النبي وَلفيه: أنت مع من أحببت») أي دنيا وأخرى ((ولك ما احتسبت))) أي أجر ما احتسبت والاحتساب طلب الثواب، وأصل الاحتساب بالشيء الاعتداد به، ولعله مأخوذ من الحساب أو الحسب، واحتسب بالعمل إذا قصد به مرضاة ربه. (رواه البيهقي في شعب الإيمان. وفي رواية الترمذي ((المرء مع من أحب وله ما اكتسب))). قال التوربشتي: وكلا اللفظين قريب من الآخر في المعنى المراد منه. قال الطيبي: وذلك لأن معنى ما اكتسب كسب كسباً يعتد به ولا يرد عليه مسبب الرياء والسمعة، وهذا هو معنى الاحتساب لأن الافتعال للاعتمال. في النهاية الاحتساب من الحسب كالاعتداد من العدد، وإنما قيل لمن ينوي، بعمله وجه الله احتسبه لأن له حينئذ أن يعتد عمله، فجعل في مباشرة الفعل كأنه معتد به، والحسبة اسم من الاحتساب كالعدة من الاعتداد. هذا وفي حصن الجزري: ((وإذا قال له: إني أحبك))، وفي رواية ((في الله، قال: أحبك الذي أحببتني له)). رواه النسائي وأبو داود ابن ماجه وابن السني في عمل اليوم والليلة. ٥٠١٨ - (وعن أبي سعيد) أي الخدري (أنه سمع النبي ◌َّ- يقول: ((لا تصاحب))) أي لا تقصد في المصاحبة ((إلا مؤمناً))) أي كاملاً بل مكملاً، أو المراد منه النهي عن مصاحبة الكفار والمنافقين لأن مصاحبتهم مضرة في الدين، فالمراد بالمؤمن جنس المؤمنين ((ولا يأكل طعامك الحديث رقم ٥٠١٧: أخرجه أبو داود في السنن ٣٣٤/٥ الحديث رقم ٥١٢٥، والترمذي في ٥١٤/٤ الحديث رقم ٢٣٨٦، وأحمد في المسند ١٥٠/٣. وأخرجه البيهقي في شعب الإيمان ٤٨٩/٦ الحديث رقم ٩٠١١. الحديث رقم ٥٠١٨: أخرجه أبو داود في السنن ١٦٧/٥ الحديث رقم ٤٨٣٢ والترمذي في ٥١٩/٤ الحديث رقم ٢٣٩٥، والدارمي في ١٤٠/٢ الحديث رقم ٢٠٥٧، وأحمد في المسند ٣٨/٣. ٢٢٣ كتاب الآداب/ باب الحب في الله ومن الله إِلا تقيٍّ)). رواه الترمذي، وأبو داود، والدارمي. ٥٠١٩ - (١٧) وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله وَلقول: ((المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل)). إلا تقي))) أي مؤمن أو متورع يصرف قوّة الطعام إلى عبادة الله الملك العلام وأنهى، وإن نسب إلى التقي ففي الحقيقة مسند إلى صاحب الطعام فهو من قبيل لا أرينك ههنا، فالمعنى لا تطعم طعامك إلا تقياً، وفي رواية بزيادة ((ولا تأكل طعام تقي فإن طعامه غالباً يكون حلالاً مؤثراً في تحصيل العبادة))، وقال الخطابي: هذا إنما جاء في طعام الدعوة. دون طعام الحاجة وذلك أنه تعالى قال: ﴿ويطعمون الطعام على حبه مسكيناً ويتيماً وأسيراً﴾ [الإنسان - ٨] ومعلوم أن إسراءهم كانوا كفاراً غير مؤمنين وإنما حذر من صحبة من ليس بتقي وزجر عن مخالطته ومؤاكلته لأن المطاعم توقع الإلفة والمودة في القلوب. قال الطيبي: فإن قلت: المؤمن يجوز أن يراد به العام، وأن يراد به الخاص الذي يقابله الفاسق كقوله تعالى: ﴿أفمن كان مؤمناً كمن كان فاسقاً﴾ [السجدة - ١٨] فيكون المعنى لا تصاحب إلا صالحاً قلت: المراد بالفاسق الكافر باتفاق المفسرين، ويدل عليه ما بعده من قوله تعالى: ﴿لا يستوون أما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم جنات المأوى نزلاً بما كانوا يعملون وأما الذين فسقوا فمأواهم النار كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها﴾ [السجدة، ١٨ - ٢٠] قال البيضاوي: هذا عبارة عن خلودهم، وفي تفسير السيد معين الدين الصفوي نزلت في علي رضي الله عنه والوليد بن عقبة بن أبي معيط وكان بينهما تنازع فقال لعلي أنك صبي وأنا والله أبسط لساناً واحد سناناً وأشجع منك جناناً، فقال له علي: اسكت، فإنك فاسق)). هكذا قاله عطاء بن يسار والسدي وغيرهما، فالفاسق ههنا معناه الخارج عن الإيمان الثابت على الكفر فلا يشكل بأن الوليد أسلم آخر عمره، قال الطيبي: ولا يأكل نهي لغير التقي أن يأكل طعامه، والمراد نهيه عن أن يتعرض لما لا يأكل التقي طعامه من كسب الحرام وتعاطي ما ينفر عنه التقي، فالمعنى لا تصاحب إلا مطيعاً ولا تخالل الأتقياء)» اهـ. وهو في غاية من البهاء غير أنه لا يستقيم به وجه الحصر، فالصواب ما قدمناه والله أعلم. (رواه الترمذي وأبو داود) والدارمي وكذا أحمد وابن حبان والحاكم عنه(١). ٥٠١٩ - (وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَلير: ((المرء على دين خليله))) أي غالباً، والخلة الحقيقية لا تتصوّر إلا في الموافقة الدينية، أو الخلة الظاهرة قد تقضي إلى حصول ما غلب على خليله من الخصلة الدينية ويؤيده قوله: ((فلينظر أحدكم من يخالل))) قال تعالى: (١) أخرجه ابن حبان في ٣١٤/٢ الحديث رقم ٥٥٤، والحاكم في المستدرك ١٢٨/٤. الحديث رقم ٥٠١٩: أخرجه أبو داود في السنن ١٦٨/٥ الحديث رقم ٤٨٣٣، والترمذي في السنن ٤/ ٥٠٩، وأحمد في المسند ٣٠٣/٢. والبيهقي في شعب الإيمان ٧/ ٥٥ الحديث رقم ٩٤٣٦. وفر ٥ ,لا ١,٠٩ كتاب الآداب/ باب الحب في الله ومن الله رواه أحمد، والترمذي، وأبو داود، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب. وقال النووي: إسناده صحيح. ٥٠٢٠ _ (١٨) وعن يزيد بن نَعامة، قال: قال رسول الله وَلقوله: ((إِذا آخى الرجلُ الرجلَ فليسأله عن اسمه واسم أبيه، وممَّن هو؟ فإنه أوصلُ للمودَّة)). رواه الترمذي. ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين﴾ [التوبة - ١١٩] وقال الغزالي: مجالسة الحريص ومخالطته تحرك الحرص ومجالسة الزاهد ومخالطته تزهد في الدنيا لأن الطباع مجبولة على التشبه والاقتداء، بل الطبع يسرق من الطبع من حيث لا يدري. هذا وفي النهاية الخليل الصديق فعيل بمعنى فاعل، وقد يكون بمعنى مفعول، والخلة بالضم الصداقة والمحبة التي تخللت القلب فصارت خلاله أي في باطنه اهـ واختلف في أن المحبة أولى أو (١) الخلة أعلى، والظاهر الأول وبسطه يطول فيتعين العدول (رواه أحمد والترمذي وأبو داود والبيهقي في شعب الإيمان. قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب، وقال النووي): وفي نسخة بزيادة ألف؛ (إسناده صحيح). قال الطيبي: ذكره في رياض الصالحين وغرض المؤلف من إيراده والإطناب فيه دفع الطعن في هذا الحديث ورفع توهم من توهم أنه موضوع قال السيوطي: هذا الحديث أحد الأحاديث التي انتقدها الحافظ سراج الدين القزويني على المصابيح وقال: إنه موضوع، وقال الحافظ ابن حجر يعني العسقلاني في رده عليه قد حسنه الترمذي وصححه الحاكم(٢). ٥٠٢٠ - (وعن يزيد بن نعامة) بفتح النون والعين المهملة ضبي، روى عنه سعيد بن سلمان وكان قد شهد حنيناً مشركاً ثم أسلم بعد ذلك. قال الترمذي: لا يعرف له سماع من النبي و 8* ذكره المؤلف في فصل الصحابة، وسيأتي في آخر الحديث أن صحبته مختلف فيها (قال: قال رسول الله وقالله: ((إذا آخى الرجل الرجل))) بمد الهمزة من المؤاخاة أي [إذا] اتخذه أخاً في الله ((فليسائله))) من باب المفاعلة، وفي نسخة فصبحة فليسأل (عن اسمه واسم أبيه وممن هو) أي ويسأله من أي قبيلة وقوم هو ((فإنه))) أي السؤال عما ذكر ((أوصل))) أي أكثر وصلة («للمودة))) أي للمحبة في الأخوة، وفي شرح للمصابيح أوصل أي للمودة (رواه الترمذي). وكذا ابن سعد والبخاري في تاريخه عنه، وقال الترمذي: غريب لا نعرف ليزيد سماعاً عن النبي وَ راهـ، ورجال إسناده موثقون، ويزيد بن نعامة بفتح النون أبو مردود الضبي، ذكره ابن عبد البر في الصحابة، وحكي عن البخاري أنه قال: إن له صحبة، وقال ابن عبد البر: شهد حنيناً مشركاً ثم أسلم بعد اهـ، والجمهور على أنه تابعي ثقة، قال ابن أبي حاتم لا صحبة له وسئل أبي عنه فقال: صالح الحديث، وقال في تهذيب الكمال الصواب أنه يرسل وهو صدوق روى عن أنس، وروى عنه أبو خلدة وسلام بن مسكين نقله ميرك عن التصحيح ١/ (١) في المخطوطة ((و)). (٢) أخرجه الحاكم في المستدرك ٤/ ١٧١. الحديث رقم ٥٠٢٠: أخرجه الترمذي في السنن ٥١٧/٤ الحديث رقم ٢٣٩٢. ١٠٠ ٢١٥ ٢٠٠ ٢٢٤ ٠٠٠ مے ٢٢٥ كتاب الآداب/ باب الحب في الله ومن الله الفصل الثالث ٥٠٢١ - (١٩) عن أبي ذر، قال: خرج علينا رسول الله وَلير قال: ((أتدرون أي الأعمال أحبُّ إِلى الله تعالى؟)) قال قائل؛ الصَّلاةُ والزكاةُ. وقال قائل؛ الجهادُ. قال النبي وَلَّه : ((إِن أحبَّ الأعمال إلى الله تعالى الحبُّ في الله والبغض في الله)). وخلاصة الخلاف أن الصحبة السابقة على الإسلام هل هي معتدة أم لا، والصحيح الثاني مع اتفاقهم على جواز تحمل الحديث في حال الكفر وتأديته حال الإسلام، فإن صحت له الصحبة والسماع فيها ونعمت، وأن ثبتت الصحبة ولم يصح سماعه، فالحديث من مراسيل الصحابة وهو حجة عند الكل وإلا فالحديث من مراسيل التابعي، وهو غير مضر لأنه حجة عند الجمهور وعليه مذهبنا المنصور. هذا وقد اعتضد الحديث برواية ابن عمر على ما أخرجه البيهقي في شعب الإيمان ولفظه ((إذا أحببت رجلاً فاسأله عن اسمه واسم أبيه فإن كان غائباً حفظته وإن كان مريضاً عدته وإن مات شهدته))(١)، وهذا الحديث كالتفسير للسابق والله أعلم بالحقائق. (الفصل الثالث) ٥٠٢١ - (عن أبي ذر قال: خرج علينا رسول الله (وَل*) أي من الحجرة الشريفة (قال:) استئناف بيان جواباً لسؤال مقدر («أتدرون أي الأعمال))) أي أي نوع من أنواعها («أحب إلى الله))) أي أفضل، وأما ما قيل: من أن الأحبية لا تستلزم الأفضلية، ففي هذا المقام غير مستقيمة نعم يتصوّر بالنسبة إلى المخلوق لأن ولده أحب إليه، وليس يلزم منه أنه أفضل، وكذلك علي رضي الله عنه أحب إلى السيد السني مع أنه ليس أفضل من الشيخين، وكذا قد تكون مطالعة علم أو مباشرة عمل أحب عند أحد مع أنه ليس بأفضل عنده أيضاً ((قال: قائل الصلاة والزكاة))). الظاهر أن الواو بمعنى أو، والتقدير وقال قائل: الزكاة (قال) وفي نسخة وقال (قائل: الجهاد، قال النبي ◌َّله: ((إن أحب الأعمال إلى الله الحب في الله والبغض في الله))) ويؤيده غبطة الأنبياء والشهداء، ولعل وجه كونه أفضل من أركان الإسلام وعموده أن هذا أمر زائد بعد حصول الفرائض نعم يلزم منه أن يكون أفضل من نوافل العبادات وهو كذلك، ولا محذور فيه، وحاصله أن بعد ارتكاب المأمورات الشرعية، واجتناب المحظورات المنهية، ((الحب في الله والبغض لله أفضل العبادات وأكمل الطاعات فعليكم بهما)). ومن الواضح المعلوم أنه ليس المراد أنهما أفضل من نحو الصلاة والزكاة بمعنى أنهما يختاران عليهما أو (١) البيهقي في شعب الإيمان ٦/ ٤٩٢ الحديث رقم ٩٠٢٣. الحديث رقم ٥٠٢١: أخرجه أحمد في المسند ١٤٦/٥ وأخرج أبو داود الفصل الأخير في السنن ٦/٥ الحدیث رقم ٤٥٩٩. ٢٢٦ ٠٠٠ كتاب الآداب/ باب الحب في الله ومن الله رواه أحمد، وروى أبو داود الفصل الأخير. ٥٠٢٢ - (٢٠) وعن أبي أمامة، قال: قال رسول الله وَّةَ: ((ما أحبُّ عبدٌ عبد الله إِلا أکرم ربَّه عزَّ وجلّ)). رواه أحمد. ٥٠٢٣ - (٢١) وعن أسماء بنت يزيد، أنها سمعت رسول الله وَل يقول: ((ألا أنبئكم بخياركم؟)) قالوا: بلى يا رسول الله! قال: [٣٧٦ - أ -] ((خياركم الذين إذا رُؤوا ذُكِر الله)) رواه ابن ماجه . ثوابهما أكثر من ثوابهما مطلقاً، ويؤيده ما رواه الطبراني عن ابن عباس («أحب الأعمال إلى الله بعد الفرائض إدخال السرور في قلب المؤمن)). ورواه أيضاً عن الحكيم بن عمير بلفظ ((أحب الأعمال إلى الله من أطعم مسكيناً من جوع أو دفع عنه مغرماً أو كشف عنه كرباً اهـ». والكل من باب الحب في الله ولا شك أن العبادة المتعدية أفضل من النوافل القاصرة. وقال الطيبي: فإن قلت: ((كيف يكون الحب في الله أحب إلى الله من الصلاة والزكاة والجهاد قلت: من أحب في الله يحب أنبياءه وأولياءه ومن شرط محبتهم أن يقفو أثرهم، وكذلك من أبغض في الله أبغض أعداءه وبذل جهده في المجاهدة معهم بالسنان واللسان)) اهـ. وهو جواب غير شاف كما لا يخفى ولا مناسبة بينهما في المبنى والمعنى. (رواه) أي مجموع الحديث (أحمد، وروي أبو داود الفصل الأخير) أي قوله أحب الأعمال الخ، وفي الجامع الصغير رواه أحمد عن أبي ذر بلفظ ((أحب الأعمال الحب في الله والبغض في الله))(١). ٥٠٢٢ - (وعن أبي أمامة) أي الباهلي (قال: قال رسول الله وَلتر: ((ما أحب عبد عبد الله))) أي لابتغاء مرضاته (إلا أكرم ربه) أي عظمه ((عز))) أي بهاؤه ((وجل))) أي ثناؤه أو ذاته وصفاته أو عزيز وجليل بغير إعزاز وإجلال وإكرام من مخلوق، كما قال في آية العلم ﴿وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولداً ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له ولي من الذل وكبره تكبيراً﴾ [الإسراء - ١١١] (رواه أحمد). ٥٠٢٣ - (وعن أسماء بنت يزيد) أي ابن السكن (أنها سمعت رسول الله وَ القول يقول: ((ألا أنبئكم بخياركم))) جمع خير بمعنى أخبر أي أفاضلكم (((قالوا: بلى يا رسول الله قال: خياركم الذين إذا رؤوا)) بصيغة المفعول، وكذا قوله: (ذكر الله. رواه أحمد) وسبق الحديث مستوفي بطريق مبانيه وبيان معانيه في أواخر الفصل الثالث من باب حفظ اللسان، وفي الجامع الصغير بلفظ ((ألا أنبئكم بخيارك، خياركم الذين إذا رؤوا ذكر الله)). رواه أحمد وابن ماجه عنها (٢). (١) الجامع الصغير ١٩/١ الحديث رقم ٢٠٢. الحديث رقم ٥٠٢٢: أحمد في المسند ٢٥٩/٥. الحديث رقم ٥٠٢٣: أخرجه ابن ماجه في السنن ١٣٧٩/٢ الحديث رقم ٤١١٩. (٢) الجامع الصغير ١٧٢/١ الحديث رقم ٢٨٨٥. ٢٢٧ کتاب الآداب/ باب الحب في الله ومن الله ٥٠٢٤ - (٢٢) وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله وَلّر: (لو إِنَّ عبدینِ تحابًّا لله عزَّ وجلّ، واحدٌ في المشرق وآخرُ في المغرب؛ لجمع الله بينهما يوم القيامة. يقول: هذا الذي كنت تحبُّه فيّ)). ٥٠٢٥ - (٢٣) وعن أبي رَزِينِ، أنه قال له رسولُ اللهِ وَلِ: «ألا أدُلُّك على ملاك هذا الأمر الذي تصيب به خير الدنيا والآخرة؟ عليك بمجالس أهل الذكر، ٥٠٢٤ - (وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله خلقه: ((لو أن عبدين تحابا في الله))) أي تحابيا لله (عز))) أي عدله ((وجل))) أي فضله ((واحد))) بكسر الحاء ويجوز فتحها، وفي نسخة واحدهما ((في المشرق وآخر في المغرب))) أي مثلاً ((لجمع الله بينهما يوم القيامة))) أي لشفاعة أحدهما للآخر أو في الجنة على سبيل المصاحبة والمزاورة والمجاورة ((يقول: ))) أي سيقول أو يقال: ليس عند الله صباح ولا مساء، والأظهر أنه حال من الفاعل، وهو يحتمل أن يقول على لسان ملك أو بغير واسطة لكل واحد منهما ((هذا الذي كنت تحبه فيّ))) أي لأجلي. ٥٠٢٥ - (وعن أبي رَزِين) بفتح الراء وكسر الزاي قال المؤلف: هو لقيط بن عامر بن صبرة العقيلي صحابي مشهور. روى عنه ابن عاصم وابن عمر وغيرهما (أنه قال له رسول الله وتالخر: ألا) (للتنبيه أو الهمزة للاستفهام الإنكاري ولا للنفي، ونفي النفي إثبات إلا أنه ما أتى بيلي في جوابه وهو غير لازم، وعلى كل ففي الكلام تنبيه على التنبه، فالمعنى تنبه لقولي: ((ألا أدلك على ملاك هذا الأمر))) الملاك بكسر الميم ما يتقوم به الشيء، والمشار إليه ما في الذهن وهو مبهم بينه وصفه بقوله: ((الذي تصيب به خير الدنيا والآخرة، عليك بمجالس أهل الذكر))) أي ألزمها جميعها لأنها رياض الجنة على ما رواه الترمذي من حديث أنس مرفوعاً ((إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا)) قالوا: يا رسول الله وما رياض الجنة قال: ((الذكر))(١)، والمعنى إذا مررتم بجماعة يذكرون الله تعالى فاذكروا الله أنتم أيضاً موافقة لهم فإنهم في رياض الجنة، وفي رواية له من حديث أبي هريرة مرفوعاً بلفظ ((إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا قلت: وما رياض الجنة؟ قال: المساجد، قلت: وما الرتع يا رسول الله؟ قال: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر))(٢). قال بعض شراح الحديث، الحديث مطلق في المكان والذكر، فيحمل المطلق على المقيد. ذكره ميرك، والصحيح أن المساجد والأذكار المذكورة ذكرها على سبيل المثال، نعم المساجد خير المجالس، فيحمل على أنه خصها لكونها أفضل، والأذكار هن الباقيات الصالحات، وهن من القرآن، ولذا نص عليها وإلا فمجالس الذكر تشمل مجالس العلماء ومحافل الوعاظ والأولياء ممن يكون مجالسهم مشحونة بذكر الله، وما يتعلق به من هيد ى الحديث رقم ٥٠٢٤: أخرجه البيهقي في شعب الإيمان ٦/ ٤٩٢ الحديث رقم ٩٠٢٢. الحديث رقم ٥٠٢٥: أخرجه البيهقي في شعب الإيمان ٦/ ٤٩٢ الحديث رقم ٩٠٢٤. (١) أخرجه الترمذي في السنن ٤٩٨/٥ الحديث رقم ٣٥١٠. (٢)- الترمذي في الـ ٤٩٧ الحديث رقم ٥٠٩% ٢٢٨ كتاب الآداب/ باب الحب في الله ومن الله وإذا خلوتَ فحرَّكْ لسانك ما استطعت بذكر الله، وأحِبَّ في الله وأَبغض في الله، يا أبا رزين! هل شعرت أن الرجل إذا خرج من بيته زائراً أخاه، شيَّعه سبعون ألف ملك، كلهم يصلون عليه ويقولون: ربَّنا إِنَّه وصل فيك، فَصِلْهُ؟ فإِن استطعت أن تُعمِلَ جسدك في ذلك معرفة العقائد الحقية والشرائع الدينية من العبادات البدنية والمالية، وما يتعلق بالحلال والحرام والترغيب والترهيب وأمثال ذلك، والله أعلم. ((وإذا خلوت فحرك لسانك ما استطعت بذكر الله)))، ومجمله أنه لا تغفل عن ذكر الله لا في الملأ ولا في الخلاء، فقد روى البزار بإسناد صحيح من حديث ابن عباس مرفوعاً قال: قال الله تبارك وتعالى: ((يا ابن آدم إذا ذكرتني خالياً ذكرتك خالياً، وإذا ذكرتني في ملأ ذكرتك في ملأ خير من الذي ذكرتني فيهم»(١)، وفي حديث رواه الجماعة ألا أبا داود يقول الله: ((أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم)) (٢) فقوله في نفسه ظاهر أن المراد به الذكر القلبي لمقابلته بالذكر النفسي الذي هو من جملة الكلام النفسي، ففيه إشارة إلى بيان الأفضل من نوعي الذكر الخفي، وقوله: فحرك لسانك محمول على المبتدىء حيث احتاج إلى أنه يذكر الله بجنانه باستعانة لسانه كما حقق في بحث النية أو إشارة إلى أن الجمع بينهما أكمل وإن كان أحدهما أفضل لما روى أبو يعلى عن عائشة قالت: قال رسول الله وَليقول: ((الفضل الذكر الخفي الذي لا يسمعه الحفظة سبعون ضعفاً، إذا كان يوم القيامة وجمع الله الخلائق لحسابهم وجاءت الحفظة بما حفظوا وكتبوا، قال لهم: انظروا أهل بقي له من شيء؛ فيقولون: ما تركنا شيئاً مما علمناه وحفظناه إلا وقد أحصيناه وكتبناه، فيقول الله: إن لك عندي حسناً لا تعلمه وأنا أجزيك به وهو الذكر الخفي)) اهـ؛ وفي قوله: ((لا تعلمه)) إشارة خفية إلى ما قالت الصوفية: من فناء الذاكر في الذكر، وبقائه بالمذكور، كما في قوله تعالى: ﴿واذكر ربك إذا نسيت﴾ [الكهف - ٢٤] أي نسيت نفسك أو ذكرها أيضاً، بل الشعور عنها والشعور عن عدم الشعور، هو المقام المعبر عنه بفناء الفناء رزقنا الله البقاء واللقاء ((وأحب في الله))) أي من [لا] يعينك على ذكر الله ((وأبغض في الله))) أي من يشغلك عن الله ((يا أبا رزين))) تكرار النداء المستطاب لزيادة الاقتراب ورفع الحجاب ((هل شعرت))) بفتح العين، ويجوز ضمه، ففي القاموس شعر به كنصر وكرم علمه به وفطن، والمعنى هل علمت ((أن الرجل إذا خرج من بيته زائراً أخاه))) أي حال كونه مريداً زيارة أخيه في الله ((شيعه سبعون ألف ملك كلهم يصلون عليه))) أي يدعون له ويستغفرون له أو يثنون عليه ((ويقولون: ربنا أنه وصل))) أي أخاه ((فيك))) أي لأجلك («فصله))) أي يوصلك المعبر عن قربك جزاء وفاقاً أوصله بصلة من عندك ((فإن استطعت))) أي دائماً ((أن تعمل جسدك))) من الأعمال أي أن قدرت أن تبذل جهدك وتستفرغ طاقتك ((في ذلك))) أي في مجموع ما ذكر أو في الحب في الله والبغض فيه أو في (١) كشف الأستار ٤/ ٦ الحديث رقم ٣٠٦٥. (٢) أخرجه البخاري في صحيحه ٣٨٤/١٣ الحديث رقم ٧٤٠٥، ومسلم في ٢٠٦٧/٤ الحديث رقم (٢٠ - ٢٦٧٥). ٢٢٩ كتاب الآداب/ باب ما ينهى عنه من التهاجر والتقاطع واتباع العورات فافعل)). ٥٠٢٦ - (٢٤) وعن أبي هريرة، قال: كنتُ مع رسول الله وَله فقال رسول الله وَ ل: ((إِن في الجنة لعُمُداً من ياقوتٍ عليها غُرفٌ من زبرجد، لها أبواب مفتحة تضيء كما يضيء الكوكب الدريُّ)). فقالوا: يا رسول الله! من يسكنها؟ قال: ((المتحابُّون في الله، والمتجالسون في الله، والمتلاقون في الله)) روى البيهقي الأحاديث الثلاثة في ((شعب الإيمان)». (١٧) باب ما ينهى عنه من التهاجر والتقاطع واتباع العورات زيارة الأخ الله ((فافعل))) أي ولا تمل في حصول العمل رجاء لوصول الأمل. ٥٠٢٦ - (وعن أبي هريرة قال: كنت مع رسول الله (وَّر) أي وحدي ليترتب فائدة على ذكر الجملة الكونية (فقال رسول الله ويتليفون: ((إن في الجنة لعمداً)) بضمتين جمع عمود بمعنى الأسطوانة، وفي نسخة بفتحهما، وقرىء بالوجهين في عمد ممددة، وفي القاموس العمود معروف والجمع أعمدة وعمد وعمد ((من ياقوت، عليها))) أي على العمد (غرف) بضم ففتح جمع غرفة ((من زبرجد)) بفتحتين فسكون ففتح ((لها))) أي للغرف ((أبواب مفتحة))) إشارة إلى كمال الأمن أو إيماء إلى انتظار مقدم صاحبها ((تضيء))) أي الأبواب أو الغرف بما فيها، وأضاء لازم ومتعد ((كما يضيء الكوكب الدري))) بضم الدال وبكسر وتشديد الراء والتحتية، وفي القاموس يثلث قال البيضاوي: في قوله تعالى: ﴿كأنها كوكب دري﴾ [النور - ٣٥] أي مضيء متلألىء كالزهرة في صفائه وزهرته منسوب إلى الدر، أو فعيل كمريق أي العصفر من الدرء، فإنه يدفع الظلام بضوئه أو بعض ضوئه بعضاً من لمعانه إلا أنه قلب همزته ياء، ويدل عليه قراءة حمزة وأبي بكر على الأصل، وقراءة أبي عمرو الكسائي دري كشريب أي كثير الشرب، وقد قرىء به مقلوباً أي بكسر الدال وقلب همزته ياء لكنه شاذ قرأ به الزهري (فقالوا: يا رسول الله من يسكنها))) أي هذه الغرف («قال: المتحابون في الله والمتجالسون في الله والمتلاقون))) أي المتزاورون أو المتصافحون ((في الله)). روى البيهقي الأحاديث الثلاثة في شعب الإيمان)، وروى الحديث الأخير ابن أبي الدنيا في كتاب الإخوان. باب ما ينهى عنه من التهاجر والتقاطع واتباع العورات الهجر ضد الوصل، والتهاجر أخص من التقاطع، والاتباع بمعنى التتبع والتجسس، والعورة ما في المرء عيب وخلل. الحديث رقم ٥٠٢٦: أخرجه البيهقي في شعب الإيمان ٦/ ٤٨٧ الحديث رقم ٩٠٠٢. ٢٣٠ كتاب الآداب/ باب ما ينهى عنه من التهاجر والتقاطع واتباع العورات الفصل الأول ٥٠٢٧ _ (١) عن أبي أيُّوب الأنصاري، قال: قال رسول الله وَّر: ((لا يحل للرجل أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليالٍ، ٧٧٧٠ ٤:٠٠ (الفصل الأوّل) ٥٠٢٧ - (عن أبي أيوب الأنصاري قال: قال رسول الله وَلاير: ((لا يحل لرجل أن يهجر))) بضم الجيم ((أخاه))) أي المسلم، وهو أعم من أخوّة القرابة والصحابة. قال الطيبي: وتخصيصه بالذكر إشعار بالعلية، والمراد به أخوّة الإسلام، ويفهم منه أنه إن خالف هذه الشريطة وقطع هذه الرابطة جاز هجرانه فوق ثلاثة اهـ. وفيه أنه [حينئذ] يجب هجرانه وقوله: (فوق ثلاث ليال))) أي بأيامها، وإنما جاز الهجر في ثلاث وما دونه لما جبل عليه الآدمي من الغضب فسومح بذلك القدر ليرجع فيها ويزول(١) ذلك العرض ذكره السيوطي وقال: أكمل الدين من أئمتنا في الحديث دلالة على حرمة هجران الأخ المسلم فوق ثلاثة أيام، وأما جواز هجرانه في ثلاثة أيام فمفهوم منه لا منطوق، فمن قال بحجية المفهوم كالشافعية جاز له أن يقول بإباحته ومن لا فلا اهـ. وفيه أن الأصل في الأشياء الإباحة، والشارع إنما حرم المهاجرة المقيدة لا المطلقة مع أن في إطلاقها حرجاً عظيماً حيث يلزم منه أن مطلق الغضب المؤدي إلى مطلق الهجران يكون حراماً. قال الخطابي: رخص للمسلم أن يغضب على أخيه ثلاث ليال. لقلته، ولا يجوز فوقها إلا إذا كان الهجران في حق من حقوق الله تعالى، فيجوز فوق ذلك. وفي حاشية السيوطي على الموطأ قال ابن عبد البر: هذا مخصوص بحديث كعب بن مالك ورفيقيه حيث أمر ◌ّلتر أصحابه بهجرهم يعني زيادة على ثلاث إلى أن بلغ خمسين يوماً، قال: وأجمع العلماء على أن من خاف من مكالمة أحد وصلته ما يفسد عليه دينه أو يدخل مضرة في دنياه يجوز له مجانبته وبعده، ((ورب صرم جميل خير من مخالطة تؤذيه)). وفي النهاية يريد به الهجر ضد الوصل يعني فيما يكون بين المسلمين من عتب ومواجدة أو تقصير يقع في حقوق العشرة والصحبة دون ما كان من ذلك في جانب الدين، فإن هجرة أهل الأهواء والبدع واجبة الحديث رقم ٥٠٢٧: أخرجه البخاري في صحيحه ٤٩٢/١٠ الحديث رقم ٦٠٧٧، ومسلم في ٤ / ١٩٨٤ الحديث رقم (٢٥ - ٢٥٦٠)، وأبو داود في السنن ٢١٤/٥ الحديث رقم ٤٩١١، والترمذي في ٢٨٨/٤ الحديث رقم ١٩٣٢، ومالك في الموطأ ٩٠٦/٢ الحديث رقم ١٣ من كتاب حسن الخلق، وأحمد في المسند ١٧٦/١. (١) في المخطوطة ((زوال ٢٣١ كتاب الآداب/ باب ما ينهى عنه من التهاجر والتقاطع واتباع العورات يلتقيان فيُعرض هذا ويعرض هذا وخيرهما الذي يبدأ بالسلام)). متفق عليه. ٥٠٢٨ _ (٢) وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله وَلّى: ((إِياكم والظنَّ، فإنَّ الظنَّ أكذبُ الحدیث، على مر الأوقات ما لم يظهر منه التوبة والرجوع إلى الحق، فإنه ◌َّر لما خاف على كعب بن مالك وأصحابه النفاق حين تخلفوا عن غزوة تبوك أمر بهجرانهم خمسين يوماً، وقد هجر نساءه شهراً، وهجرت عائشة ابن الزبير مدة، وهجر جماعة من الصحابة جماعة منهم وماتوا متهاجرين، ولعل أحد الأمرين منسوخ بالآخر قلت: الأظهر أن يحمل نحو هذا الحديث على المتؤاخيين أو المتساويين بخلاف الوالد مع الولد والأستاذ مع تلميذه، وعليه يحمل ما وقع من السلف والخلف لبعض الخلف، ويمكن أن يقال: الهجرة المحرمة إنما تكون مع العداوة والشحناء كما يدل عليه الحديث الذي يليه، فغيرها إما مباح أو خلاف الأولى ((يلتقيان))) أي يتلاقيان، وهو مع ما عطف عليه من قوله: ((فيعرض هذا))) أي وجهه عنه (ويعرض هذا) استئناف لبيان كيفية الهجران أو حال من فاعل يهجر ومفعوله فيفيد أنه إذا لم يحصل التلاقي والإعراض فلا بأس بالهجران المطلق، وهل يعتبر التثليث أم لا محل بحث أو توقف ((وخيرهما))) عطف على لا يحل، وقال الطيبي: عطف على يلتقيان من حيث المعنى لما يفهم منها أن ذلك الفعل ليس بخير اهـ؛ وتكلفه بل تعسفه لا يخفى، والمعنى أفضلهما في طريق الأخلاف وحسن المعاشرة ((الذي يبدأ بالسلام؟) أي ثم الذي يرده، وفيه إيماء إلى أن من لم يرده ليس فيه خير أصلاً، فيجوز هجرانه بل يجب، لأنه بترك رد السلام صار فاسقاً، وإنما يكون البادىء خيرهما لدلالة فعله على أنه أقرب إلى التواضع، وأنسب إلى الصفاء وحسن الخلق، وللإشعار بأنه معترف بالتقصير، وللإيماء إلى حسن العهد وحفظ المودة القديمة أو كأنه بادىء في المحبة والصحبة والله أعلم. قال الأكمل: وفيه حث على إزالة الهجران وأنه يزول بمجرد السلام اهـ. وفيه إيماء بأنه لا ينبغي لمسلم أن يبدأ بالكلام قبل السلام كما ورد فيما سبق. (متفق عليه). ٥٠٢٨ - (وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَليقول: ((إياكم والظن))) أي احذروا اتباع الظن في أمر الدين الذي مبناه على اليقين. قال تعالى: ﴿يتبع أكثرهم إلا ظناً إن الظن لا يغني من الحق شيئاً﴾ [يونس - ٣٦] قال القاضي: التحذير عن الظن فيما يجب فيه القطع أو التحدث به عند الاستغناء عنه أو عما يظن كذبه اهـ، أو اجتنبوا الظن فى التحديث والأخبار، ويؤيده قوله: ((فإن الظن))) في موضع الظاهر زيادة تمكين في ذهن السامع حثاً على الاجتناب ((أكذب. الحديث). ويقويه حديث (كفى بالمرء كذباً أن يحدث بكل ما سمع))(١)، وقيل: أي الحديث رقم ٥٠٢٨: أخرجه البخاري في صحيحه ٤٨٤/١٠ الحديث رقم ٦٠٦٦، ومسلم في ٤ / ١٩٨٥ الحديث رقم (٢٨ - ٢٥٦٣)، وأبو داود في السنن ٢١٣/٥ الحديث رقم ٤٩١٠ في الحديث ٤٩١٧، ومالك في الموطأ ٩٠٧/٢ الحديث رقم ١٤ من كتاب حسن الخلق وأحمد في المسند ٣/ ١١٠. (١) مسلم في مقدمة صحيحه ١/ ١٠ الحديث رقم (٥ - ٥). ٢٣٢ كتاب الآداب/ باب ما ينهى عنه من التهاجر والتقاطع واتباع العورات ولا تحسَّسوا ولا تجسَّسوا ولا تناجشوا ولا تحاسدوا، ولا تباغضوا، أكذب حديث النفس لأنه يكون بإلقاء الشيطان أو ((اتقوا سوء الظن بالمسلمين)). قال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيراً من الظن﴾ [الحجرات - ١٢] وهو ما يستقر عليه صاحبه دون ما يخطر بقلبه أن بعض الظن وهو أن يظن ويتكلم إثم فلا تجسسوا وهو الملائم لقوله ((ولا تحسسوا ولا تجسسوا))) بحاء مهملة في الأوّل، وبالجيم في الثاني، فقال ابن الملك: أي لا تطلبوا التطلع على خير أحد ولا على شره وكلاهما منهي عنه لأنه لو اطلعت على خير أَحَدٍ رُبَّما يحصل لك حَسَدٌ بأن لا يكون ذلك الخير فيك، ولو اطلعت على شره تعيبه، وتفضحه. وقد ورد طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس، وفي شرح مسلم للنووي قال بعض العلماء: التحسس بالحاء الاستماع لحديث القوم عن بواطن الأمور، وأكثر ما يقال في الشر، وقيل: بالجيم التفتيش عن بواطن الأمور، وقيل: هما بمعنى، وهو طلب معرفة الأخبار الغائبة والأحوال قلت: وهذا أقرب الأقوال لكن الأنسب أن يقيد بالأخبار التي تفضي إلى سوء الظن كما تفيده الآية الشريفة، وقد قرىء فيها بالحرفين، لكن الحاء شاذ قال البيضاوي: أي لا تبحثوا عن عورات المسلمين تفعل من الجس باعتبار ما فيه من معنى الطلب كالتلمس، وقرىء بالحاء من الحس الذي هو أثر الجس وغايته ولذلك قيل للحواس الجوّاس اهـ. وقيل: بالجيم التفتيش عن بواطن الأمور بتلطف، ومنه الجاسوس، وبالحاء تطلب الشيء بالحاسة كاستراق السمع وإبصار الشيء خفية. وقيل: الأوّل التفحص عن عورات الناس وبواطن أمورهم بنفسه أو غيره، والثاني بنفسه. وقيل: الأوّل مخصوص بالشر والثاني [أعم] ((ولا تناجشوا))) من النجش بالجيم والمعجمة. قيل: المراد [به] طلب الترفع والعلو على الناس وهو المناسب السابقه ولاحقه؛ وقيل: أن يغري بعض بعضاً على الشر والخصومة وهو من نتائج التجسس؛ وقيل: هو الزيادة في الثمن بغير رغبة في السلعة بل ليخدع (١) المشتري بالترغيب من النجش رفع الثمن، وهذا المعنى هو المشهور عند الفقهاء؛ وقيل: النجش بمعنى التنفير أي لا ينفر بعضكم بعضاً بأن يسمعه كلاماً أو يعمل شيئاً يكون سبب نفرته ((ولا تحاسدوا))) أي لا يتمنى بعضكم زوال نعمة بعض سواء أرادها لنفسه أو لا. قال تعالى: ﴿ولا تمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض﴾ [النساء - ٣٢] إلى أن قال: ﴿واسألوا الله من فضله﴾ [النساء - ٣٢] أي مثل تلك النعمة أو أمثل منها، وهذا الحسد المحمود المسمى بالغبطة كما تقدم في حديث لا حسد إلا في اثنتين. الحديث ((ولا تباغضوا))) أي لا تختلفوا في الأهواء والمذاهب لأن البدعة في الدين والضلال عن الطريق المستقيم يوجب البغض، كذا قيل؛ والأظهر أن النهي عن التباغض تأكيد للأمر بالتحابب مطلقاً إلا ما يختل به الدين، فإنه لا يجوز حينئذ التحابب، ويجوز التباغض لأن غرض الشارع اجتماع كلمة الأمة لقوله تعالى: ﴿واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا﴾ ولا شك أن التحابب سبب الاجتماع، والتباغض موجب الافتراق. فالمعنى لا يبغض بعضكم بعضاً، وقال بعض المحققين: أي لا تشتغلوا بأسباب العداوة [إذ العداوة] (١) في المخطوطة ((لينخدع)). ٢٣٣ كتاب الآداب/ باب ما ينهى عنه من التهاجر والتقاطع واتباع العورات ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إِخوانا)). وفي رواية: ((ولا تنافسوا)). متفق عليه. ٥٠٢٩ - (٣) وعنه، قال: قال رسول الله وَلتر [٣٧٦ - ب-]: ((تفتحُ والمحبة مما لا اختيار فيه، فإن البغض من نفار النفس عما ما يرغب [عنه]، وأوّله الكراهة، وأوسطه النفرة، وآخره العداوة، كما أن الحب من انجذاب النفس إلى ما يرغب فيه ومبدؤه الميل، ثم الإرادة، ثم المودة وهما من عزائز الطبع والله أعلم. وقيل: لا توقعوا بين المسلمين فيكون نهياً عن النميمة، لما فيه من تأسيس الفساد، وهذا إذا لم يكن لمصلحة، فإذا دعت كما لو أخبر أن إنساناً يريد الفتك به أو بأهله أو بماله فلا منع، بل قد يكون واجباً ((ولا تدابروا))) بحذف إحدى التاءين فيه وفيما قبله من الأفعال الخمسة، ويجوز تشديد التاء وصلاً كما قرأ به البزي، راوي ابن كثير في نحو لا تيمموا أي لا تقاطعوا ولا تولوا ظهوركم عن إخوانكم ولا تعرضوا عنه مأخوذ من الدبر، لأن كلاً من المتقاطعين يولي دبره صاحبه؛ وقيل: معناه لا تغتابوا («وكونوا عباد الله إخوانا)) خبر آخر أو بدل أو هو الخبر، وعباد الله منصوب على الاختصاص بالنداء. قال الطيبي: وهذا الوجه أوقع؛ قلت: بل وقوعه خبراً واقعاً تحت الأمر أوجه لكون هذا الوجه مشعراً بالعلية من حيث العبودية، ويؤيده أن في رواية ضبط عباداً بالنصب، ولله باللام الأجلية، والمعنى أنتم مستوون في كونكم عبيد الله وملتكم واحدة، والتحاسد والتباغض والتقاطع منافية لحالكم، فالواجب أن تعاملوا معاملة الأخوة، والمعاشرة في المودّة، والمعاونة على البر، والنصيحة بكل حسنة. قيل: الأخ النسبي يجمع على الأخوة، قال تعالى: ﴿فإن كان له إخوة﴾ [النساء - ١١] والمجازي على الإخوان، قال تعالى: ﴿إخواناً على سرر متقابلين﴾ [الحجر - ٤٧] فقوله تعالى: ﴿إنما المؤمنون إخوة﴾ [الحجرات - ١٠] للمبالغة، والمفهوم من القاموس عدم الفرق بينهما والله أعلم. وفي رواية ((ولا تنافسوا)) ظاهره أن محله بعد الكل، ويحتمل أن يكون بدلاً عن إحدى صيغ النهي، ويمكن أن يكون بعد لا تحاسدوا وهو الأظهر، ولذا قال الشراح: التنافس والتحاسد في المعنى واحد وإن اختلفا في الأصل، قلت: لكن التنافس يفيد المبالغة التي قد تفضي إلى المنازعة، فالمعنى ((لا تحاسدوا ولا تنازعوا في الأمور الخسيسة الدينية والدنيوية، بل ينبغي أن يكون تنافسكم في الأشياء النفيسة المرضية الأخروية، كما قال تعالى: ﴿وفي ذلك فليتنافس المتنافسون﴾ [المطففين - ٢٦] وما أنفس نفس الشاطبي حيث ذكر مضمون هذا الكلام النفيس بقوله: وبع نفسك الدنيا بأنفاسها العلى)) ((عليك بها ما عشت فيها منافساً (متفق عليه). وزاد في الجامع الصغير قوله: ((ولا يخطب الرجل على خطبة أخيه حتى ينكح أو يترك، وقال: رواه مالك وأحمد والشيخان وأبو داود والترمذي عنه (١). ٥٠٢٩ - (وعنه) أي عن أبي هريرة (قال: قال رسول الله ◌َلاتر: ((يفتح))) بالتذكير ويؤنث (١) الجامع الصغير ١٧٣/١ الحديث رقم ٢٩٠١. الحديث رقم ٥٠٢٩: أخرجه مسلم في صحيحه ٤/ ١٩٨٧ الحديث رقم (٣٥ - ٢٥٦٥)، وأبو داود في = ٢٣٤ كتاب الآداب/ باب ما ينهى عنه من التهاجر والتقاطع واتباع العورات أبوابُ الجنة يوم الاثنين ويوم الخميس، فيُغفر لكل عبد لا يشرك بالله شيئاً إِلا رجلاً كانت بينه وبين أخيه شحناءُ فيقال: انظروا هذين حتى يصطلحا)). رواه مسلم. ٥٠٣٠ - (٤) وعنه، قال: قال رسول الله وَل: ((تُغْرض مخففاً مجهولاً ((أبواب الجنة))) أي أبواب طبقاتها أو غرفها ودرجاتها ((يوم الاثنين ويوم الخميس))) أي لكثرة الرحمة النازلة فيهما الباعثة على المغفرة، وفي شرح مسلم قال القاضي عياض: معنى وإن فتح أبواب الجنة كثرة الصفح والغفران، ورفع المنازل، وإعطاء الثواب الجزيل، ويحتمل أن يكون على ظاهره وإن فتح أبوابها علامة لذلك ((فيغفر))) أي فيهما كما في رواية الجامع الصغير ((لكل عبد لا يشرك بالله)) صفة عبد ((شيئاً))) أي من الإشراك أو من الأشياء أو شيئاً من شرك جلي أو خفي، وفي رواية لكل عبد مؤمن، ولعل المراد به مؤمن كامل ((إلا رجل))) بالرفع في جميع نسخ المشكاة أي إلا ذنب رجل، فالمضاف مقدر، وإلا فالظاهر النصب؛ كذا قاله السيد جمال(١) الدين، وفيه أن تقدير المضاف لا يجوز كونه رفعاً، نعم لو روي بالجر لكان له وجه بأن حذف المضاف المنصوب وأبقى المضاف إليه مجروراً على حال أصله. قال الطيبي: والظاهر فيه النصب لأنه(٢) استثناء من كلام موجب، ويمكن أن يقال: إن الكلام محمول على المعنى أي لا يبقى ذنب أحد إلا ذنب رجل، ونحوه قوله تعالى: ﴿فشربوا منه إلا قليل﴾ [البقرة - ٢٤٩] أي فلم يطيعوه إلا قليل منهم اهـ؛ وقراءة الرفع شاذة والمتواترة بالنصب. وقيل: وجه رفعه أنه صفة لكل عبد فإن محله الرفع وإلا بمعنى غير أي غير رجل ((كانت)))، وفي نسخة كان ((بينه))) أي بين الرجل ((وبين أخيه المسلم شحناء))) فعلاء من الشحن أي عداوة تملأ القلب ((فيقال: انظروا))) بقطع الهمزة وكسر الظاء أي امهلوا ((هذين))) أي الرجلين، وأخروا مغفرتهما من ذنوبهما مطلقاً زجراً لهما أو من ذنب الهجران فقط وهو الأظهر ((حتى يصطلحا))) أي يتصالحا ويزول عنهما الشحناء، فلا يفيد التصالح للسمعة والرياء، والظاهر أن مغفرة كل واحد متوقفة على صفائه وزوال عداوته سواء صفا صاحبه أم لا، والله أعلم. قال الطيبي: وأتى باسم الإشارة بدل الضمير لمزيد التمييز والتعيين [(رواه مسلم)، وكذا البخاري في الأدب المفرد، وأبو داود والترمذي عنه. ٥٠٣٠ _ (وعنه) أي] عن أبي هريرة (قال: قال رسول الله وَاجى: ((يعرض))) بالتذكير ويؤنث السنن ٢١٦/٥ الحديث رقم ٤٩١٦، والترمذي في ٣٢٧/٤ الحديث رقم ٢٠٢٣ ومالك في الموطأ = ٩٠٨/٢ الحديث رقم ١٧ من كتاب حسن الخلق، وأحمد في المسند ٢٦٨/٢. (١) في المخطوطة ((حلال)). (٢) في المخطوطة ((أي أنه)). الحديث رقم ٥٠٣٠: أخرجه مسلم في صحيحه ١٩٨٧/٤ الحديث رقم (٣٦ - ٢٥٦٥)، وأبو داود في السنن ٨١٤/٢ الحديث رقم ٢٤٣٦، والترمذي في السنن ١٢٢/٣ الحديث رقم ٧٤٧، والنسائي في ٢٠٢/٤ الحديث رقم ٢٣٥٩، والدارمي في ٣٢/٢ الحديث رقم ١٧٥٠ ومالك في الموطأ ٩٠٩/٢ الحديث رقم ١٨ من كتاب من حسن الخلق، وأحمد فى المسند ٢٦٨/٢. ٢٣٥ كتاب الآداب/ باب ما ينهى عنه من التهاجر والتقاطع واتباع العورات أعمال الناس في كل جمعة مرتين يوم الاثنين ويوم الخميس، فيُغفر لكل عبد مؤمن إلا عبداً بينه وبين أخيه شحناءُ، فيقال: اتركوا هذين حتى يفيئا)). رواه مسلم. ٥٠٣١ _ (٥) وعن أم كلثوم بنت عقبة بن أبي مُعَيط، قالت: سمعت رسول الله وَّل يقول: ((ليس الكذابُ الذي يُصلح بين الناس ويقول خيراً وينمي خيراً». ((أعمال الناس)))، يحتمل اختصاصه بالمؤمنين، فإنهم الناس ((في كل جمعة))) بضمتين ويسكن الثاني أي أسبوع ((مرتين))) أي عرضتين ((يوم الاثنين ويوم الخميس))) نصب على الظرفية، والأظهر أنهما بدل من مرتين لئلا يتوهم أن العرض مرتين في كل من اليومين. قال القاضي: أراد بالجمعة الأسبوع، وعبر عن الشيء بآخره وما يتم به ويوجد عنده، والمعروض عليه هو الله تعالى أو ملك وكله الله على جميع صحف الأعمال وضبطها، والأوّل هو الصحيح لما سيأتي به التصريح ((إلا عبداً)). قال التوربشتي: وجدناه في كتاب المصابيح إلا عبد على الرفع، وهو في كتاب مسلم بالنصب وهو الأوجه، فإنه استثناء من كلم موجب وبه وردت الرواية الصحيحة ((بينه وبين أخيه شحناء، فيقال: اتركوا هذين))) أو أوقفوا أمر مغفرتهما ((حتى يفيئا))) مضارع مثنى من فاء إذا رجع أي حتى يرجعا من العداوة إلى المحبة. (رواه: مسلم)، ورواه الطبراني عن أسامة بن زيد بلفظ ((تعرض الأعمال على الله يوم الاثنين والخميس، فيغفر الله إلا ما كان من متشاحنين أو قاطع رحم)). وفي رواية الحكيم عن والد عبد العزيز ولفظه ((تعرض الأعمال يوم الاثنين والخميس على الله تعالى وتعرض على الأنبياء وعلى الآباء والأمهات يوم الجمعة فيفرحون بحسناتهم وتزداد وجوههم بياضاً وإشراقاً، فاتقوا الله ولا تؤذوا موتاكم))، وبهذه الأحاديث يظهر وجه حكمة النهي عن المهاجرة فوق ثلاث كيلا يقع محروماً عن المغفرة في يومي عرض الأعمال والله أعلم بالأحوال. ٥٠٣١ - (وعن أم كلثوم) بضم الكاف ويفتح، ففي المغني بضم کاف وسكون لام وضم مثلثة، وفي القاموس الكلثوم كزنبور الكثير لحم الخدين، وأطلق الزنبور في بابه، فمقتضاه الفتح. قال: وأم كلثوم بنت رسول الله وَله ولذا ميزها (١) المؤلف بقوله مبدلاً: ((بنت عقبة ابن أبي معيط))) بالتصغير أسلمت بمكة وهاجرت ماشية وبايعت، وسبق بقية ترجمتها (((قالت: سمعت رسول الله (8* يقول: ((ليس الكذاب))) أي ذو الكذب ((الذي)))، وفي رواية الجامع بالذي ((يصلح بين الناس))) أي بكذبه ويقول خيراً أي لكل من المتخاصمين ما يفيد النصيحة المفتضية إلى الخير، والتقدير كلام خير أو قول خير أي حسناً أو يقول كلام خير الذي ربما سمعه منه ويدع شره عنه ((وينمي خيراً))) بفتح الياء وكسر الميم أي ويبلغه لهما ما لم يسمعه منهما من الخير بأن يقول: ((فلان يسلم عليك ويحبك وما يقول فيك إلا خيراً، ونحو ذلك))، الحديث رقم ٥٠٣١: أخرجه البخاري في صحيحه ٢٩٩/٥ الحديث رقم ٢٦٩٢، ومسلم في صحيحه ٤/ ٢٠١١ الحديث رقم (١٠١ - ٢٦٠٥)، وأحمد في المسند ٤٠٣/٦. (١) في المخطوطة ((أبرزها)). ٢٣٦ كتاب الآداب/ باب ما ينهى عنه من التهاجر والتقاطع واتباع العورات متفق عليه. وزاد مسلم قالت: ولم أسمعه - تعني النبي ◌َّ - يرخص في شيء ممَّا يقول النَّاسُ كذبٌ إِلا في ثلاث: الحرب، وظاهر الحديث. وقال القاضي: أي يبلغ خير ما سمعه ويدع شره قلت: فلا يظهر وجه نفي الكذب عنه مع أن الكلام في معنى استثناء الكذب، وسيأتي صريح الاستثناء قال: يقال: نميت الحديث مخففاً في الإصلاح، ونميته مثقلاً في الإفساد، وكان الأوّل من النماء لأنه رفع لما يبلغه، والثاني من النميمة قلت: مراده أن أصل الثاني نممته بالميمين وإبدال الثانية كما في تقضي البازي، ولكنه خلاف الظاهر ففي القاموس ذكرهما في مادة واحد. فقال: إنما ينمو زاد كنمى ينمي وأنمى ونمى، والحديث ارتفع ونميته ونميته رفعته، وأنماه أذاعه على وجه النميمة اهـ؛ ومفهومه أن المخفف والمثقل منهما لا فرق بينهما، وإنما الإنماء يستعمل في الإفساد؛ وعبر عنه بالنميمة لا مشتق منها وعلى كل تقدير فينمي المخفف في الحديث متعين لمعنى الإصلاح، فقوله: خير الإفادة التأكيد أو على قاعدة التجريد أو على أنه بالمعنى الأعم، فيحتاج إلى التقييد وهو الأظهر، فتدبر. ثم قال: وإنما نفى عن المصلح کونه کذاباً باعتبار قصده دون قوله، قلت: (متفق عليه)؛ وفي الجامع [الصغير] بلفظ فينمي خيراً رواه أحمد والشيخان وأبو داود والترمذي عنها، والطبراني عن شداد بن أوس (١)، وفي رواية لأبي داود عنها بلفظ ((لم يكذب من ينم بين اثنين ليصلح)»(٢)، (وزاد مسلم) أي على البخاري في المرخص للكذب حيث ((قالت: ))) أي الراوية ((ولم أسمعه))) لعل الواو عاطفة على كلام سبق لها غير حديث البخاري وإلا فيلزم التكرار كما لا يخفى، وضمير المفعول راجع إليه ◌َ طاهر، ولذا قال الراوي عنها: ((تعني))) أي تريد بضمير اسمعه ((النبي وَّرِ يرخص في شيء))). قال ميرك: هذه الزيادة في البخاري أيضاً، لكن قال ابن شهاب: ولم يرخص في شيء ((مما يقول الناس: كذب))) بالرفع، وفي نسخة بالنصب، وفي أخرى بالجر وهو بفتح الكاف وكسر الذال، ويجوز الكسر والسكون. قال الطيبي: كذب مرفوع على أنه خبر مبتدأ محذوف مقول للقول، ومما يقول بيان لقوله في شيء أي في شيء من أقوال الناس هو كذب، أقول: الأظهر أنه مبتدأ خبره محذوف ومن تبعيضية، والمعنى لم أسمعه يرخص في شيء من جملة ما يقول الناس فيه أي في حقه كذب ((إلا في ثلاث))) أي كذبات استثناء من شيء بإعادة العامل. قال: وإن روي منصوباً كان مفعولاً مطلقاً أي قولاً كذباً، أقول: ويمكن أن يكون حالاً من مفعول، يقول: المقدر العائد إلى الموصول. قال: وإن روي مجروراً كان صفة أخرى لشيء، أقول: الأظهر أنه بدل من شيء أو من الموصول ((الحرب))) بالجر بدل من ثلاث، وسبق تحقيقه. وفي نسخة بالرفع على تقدير أحدها أو أوّلها أو منها، ويجوز نصبه بأعني، والرواية في جامع الأصول. وفي أكثر نسخ المصابيح هي الأولى فهي الأولى. قيل: الكذب في الحرب كأن يقول في جيش المسلمين (١) الجامع الصغير ٤٦٤/٢ الحديث رقم ٧٥٨١. (٢) أخرجه أبو داود في السنن ٢١٨/٥ الحديث رقم ٤٩٢٠، وفي المخطوطة ذكر من ((ينمي)) وفي الحدیث عند أبي داود من ((نمی)). ٢٣٧ كتاب الآداب/ باب ما ينهى عنه من التهاجر والتقاطع واتباع العورات والإصلاح بين الناس، وحديث الرجل امرأته وحديث المرأة زوجها. ٥٠٣٢ - (٦) وذكر حديث جابر: ((إِن الشيطان قد أيس)) في ((باب الوسوسة)). الفصل الثاني ٥٠٣٣ _ (٧) عن أسماء بنت يزيد، قالت: قال رسول الله وَالر: ((لا يحلُّ الكذبُ إِلا في ثلاث: كذب الرجلِ كثرة وجاءهم مدد كثير، أو يقول: انظر إلى خلفك فإن فلاناً قد أتاك من ورائك ليضربك. ذكره ابن الملك ((والإصلاح بين الناس))) أي ثانيتها وثالثتها مجموع قوله: ((وحديث الرجل امرأته وحديث المرأة زوجها))) أي فيما يتعلق بأمر المعاشرة وحصول الإلفة بينهما قالوا: والأخيرة عاطفة على ما قبلها وما قبلها مع ما عطف عليه عطف على السابق؛ قال ابن الملك: كأن يقول: لا أحد أحب إليّ منك، ومثله حديث المرأة زوجها وهما في قوّة حديث الزوجين ليكون الثالث. قال الخطابي: هذه أمور قد يضطر الإنسان فيها إلى زيادة القول ومجاوزة الصديق طالباً للسلامة ودفعاً للضرر، وقد رخص في بعض الأحوال في اليسير من الإفساد لما يؤمل فيه الكثير من الإصلاح، فالكذب في الإصلاح بين اثنين هو أن ينمي من أحدهما إلى صاحبه خيراً ويبلغه جميلاً وإن لم يكن سمعه منه يريد بذلك الإصلاح والكذب في الحرب أن يظهر من نفسه قوة ويتحدث بما يقوي به أصحابه ويكيد به عدوه؛ وقد روي عن النبي وَّ أنه قال: ((الحرب خدعة، وأما كذب الرجل زوجته هو أن يعدها ويمنيها ويظهر لها من المحبة أكثر مما في نفسه يستديم بذلك صحبتها، ويصلح به خلقها)). قال سفيان بن عيينة: لو أن رجلاً اعتذر إلى رجل بحرف الكلام ولحنه ليرضيه بذلك لم يكن كاذباً، وقوله: وحديث الرجل امرأته، وحديث المرأة زوجها في معنى حديث أحد الزوجين الآخر ليستقيم مع إلا في ثلاث. ٥٠٣٢ - ((وذكر حديث جابر: ((إن الشيطان قد أيس))) أي من أن يعبده المصلون في جزيرة العرب، ولكن في التحريش بينهم ((في باب الوسوسة))) أي لكونه أنسب به في حاصل المعنى لا سيما صدر الحديث وإن كان التحريش مفسراً بالمعاصي التي من جملتها ما عنون بها هذا الباب والله أعلم بالصواب. (الفصل الثاني) ٥٠٣٣ - (عن أسماء بنت يزيد قالت: قال رسول الله وَلاير: ((لا يحل الكذب إلا في ثلاث))) أي ثلاث كذبات (((كذب الرجل))) بالجر على البدلية، ويجوز وجهان آخران باعتبار الحديث رقم ٥٠٣٢: مسلم في صحيحه ٢١٦٦/٤ الحديث رقم (٦٥ - ٢٨١٢). الحديث رقم ٥٠٣٣: أخرجه الترمذي في السنن ٢٩٢/٤ الحديث رقم ١٩٣٩، وأحمد في المسند ٦/ ٤٦١. ٢٣٨ كتاب الآداب/ باب ما ينهى عنه من التهاجر والتقاطع واتباع العورات امرأته ليُرضيها، والكذب في الحرب، والكذب ليصلح بين الناس)). رواه أحمد، والترمذي. ٥٠٣٤ - (٨) وعن عائشة، أن رسول الله وَ له قال: ((لا يكون لمسلم أن يهجر مسلماً فوق ثلاثة؛ فإذا لقيه سلَّم عليه ثلاث مرَّات كل ذلك لا يردُّ عليه فقد باء بإِثمه)). رواه أبو داود. ٥٠٣٥ - (٩) وعن أبي هريرة، أن رسول اللهوَ لّ قال: ((لا يحلّ لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث، فمن هجر فوق ثلاث فمات دخل النار)). رواه أحمد، وأبو داود. قواعد العربية ((امرأته))) أي لها ((ليرضيها))) أي في المباشرة أو المعاشرة، وحذف قرينته للاكتفاء أو المقايسة أو وقع اختصاراً من الراوي («والكذب في الحرب))) أي مع الكفرة ((والكذب ليصلح بين الناس») أي فيما بينهم من المخاصمة المالية وغيرها. (رواه أحمد والترمذي). ٥٠٣٤ - (وعن عائشة أن رسول الله و الإ قال: ((لا يكون))) أي لا ينبغي ولا يصح أو لا يوجد مبالغة في النفي لتأكيد النهي أو لا يكون حلالاً («لمسلم أن أيهجر مسلماً فوق ثلاثة))) أي ثلاثة أيام، ((فإذا لقيه))) أي المسلم المسلم بعد ثلاثة ((سلم عليه))) حال من فاعل لقيه أو بدل من لقيه، ويؤيد الأوّل قوله في حديث أبي خراش ((فلقيه فليسلم عليه)) ((ثلاث مرات))) أي إن لم يرد عليه في الأولى والثانية أو ثلاث دفعات من الملاقاة وهو الأظهر ((كل ذلك))) بالرفع مبتدأ خبره ((لا يرد عليه)))، والجملة صفة ثلاث مرات والعائد محذوف أي لا يرد فيها أي في المرات، وفي نسخة بالنصب على أنه ظرف لا يرد («فقد باء بإثمه))). قال الطيبي: هو جواب إذا أي إذا سلم عليه ثلاث مرات غير مردود فيها جوابه فقد رجع بإثمه، والضمير فيه يحتمل أن يكون للثاني أي لمن لم يرد، فالمعنى أن المسلم خرج من اثم الهجران وبقي الإثم على الذي لم يرد السلام أي فهو قد باء بإثم هجرانه، ويحتمل أن يكون للمسلم، والمعنى أنه ضم إثم هجران المسلم إلى اثم هجرانه وباء بهما لأن التهاجر يعد منه وبسببه. (رواه أبو داود). ٥٠٣٥ - (وعن أبي هريرة إن رسول الله وَلي قال: ((لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث))) أي ثلاث ليال، ففيه تفنن، ويتحصل من مجموعهما أن المراد ثلاثة أيام ولياليها كما في قضية زكريا عليه الصلاة والسلام ((فمن هجر فوق ثلاث))) ظاهره ولو ساعة، ويحتمل أن يكون المراد بما فوق الثلاث الأربع لأنه به يتم زيادة عدد المعدود فتأمل. ((فمات))) أي على تلك الحالة من غير توبة ((دخل النار))). قال التوربشتي: أي استوجب دخول النار، فالواقع في الإثم كالواقع في العقوبة إن شاء عذبه وإن شاء غفر له. (رواه أحمد وأبو داود)، وكذا النسائي بإسناد على شرط الشيخين. ذكره ميرك. الحديث رقم ٥٠٣٤: أخرجه أبو داود في السنن ٢١٥/٥ الحديث رقم ٤٩١٣. الحديث رقم ٥٠٣٥: أخرجه أبو داود في السنن ٢١٥/٥ الحديث رقم ٤٩١٥، وأحمد في المسند ٢٠٠/٤. ٢٣٩ كتاب الآداب/ باب ما ينهى عنه من التهاجر والتقاطع واتباع العورات ٥٠٣٦ - (١٠) وعن أبي خراش السُّلَميَّ، أنه سمع رسول الله وَلو يقول: ((مَن هَجَر أخاه سنةً [٣٧٧ - أ -] فهو کسفك دمِه)). رواه أبو داود. ٥٠٣٧ _ (١١) وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله وَّر: ((لا يحلّ لمؤمنٍ أن يهجر مؤمناً فوق ثلاث، فإن مرَّت به ثلاثُ فَلْيلقَهُ فليسلم عليه، فإن ردَّ عليه السلام فقد اشتركا في الأجر، ٥٠٣٦ - (وعن أبي خراش) بكسر الخاء المعجمة وتخفيف الراء وبالشين المعجمة واسمه حدرد بفتح الحاء وسكون الدال المهملتين وفتح الراء صحابي أسلمي ذكره المؤلف فقوله: (السلمي) بضم ففتح من خطأ الكتاب(١)، وقد قال ميرك: صوابه الأسلمي، قال المنذري: أبو خراش حدرد بن أبي حدرد الأسلمي، قال العسقلاني في الكنى: أبو خراش الأسلمي اسمه حدرد بن أبي حدرد وقد تقدم، وقال في الأسماء حدرد بن حدرد الأسلمي صحابي له حديث واحد (سمع رسول الله وَ لقر يقول: ((من هجر أخاه سنة فهو))) أي هجره سنة (((كسفك دمه))) السفك الإراقة والصب يعني مهاجرة الأخ المسلم سنة توجب العقوبة، كما أن سفك دمه يوجبها، فهي شبيهة بالسفك من حيث حصول العقوبة بسببها إلا أنها في العقوبة لأن القتل كبيرة عظيمة لا يكون بعد الشرك أعظم منه، فشبه الهجران به تأكيداً في المنع عنه، وفي المشابهة تكفي المساواة في بعض الصفات. كذا ذكره بعض شراح الحديث. قال الطيبي: التشبيه إنما يصار إليه للمبالغة كما يقال: زيد كالأسد. إلحاقاً له بالأسد في الجراءة وأنه نظيره فيها، ولم يقصد به أنه دونه كذلك [ههنا] لأن قوله وَله: ((لا يحل لمؤمن أن يهجر مؤمناً فوق ثلاث)) دل على أن التهاجر فوق الثلاث حرام، وراكبه راكب الإثم، فإذا امتد إلى مدة يهجر فيها الغائب والمسافر عن أهله غالباً بلغ التهاجر والتقاطع إلى الغاية، فيبلغ إثمه أيضاً إلى الغاية، وهذا معنى تخصيص ذكر السنة والله أعلم اهـ، ويمكن أن يكون تخصيص السنة بالذكر لاشتمالها على الفصول الأربعة، فإذا لم يعتدل مزاجه بمرور السنة علیه فلا یرجی رجوعه، ونظيره مسألة العنين المنقولة في الفروع المعلومة بما قلنا في الأصول. (رواه أبو داود). قال ميرك [وسكت عليه]: ورواه الحاكم(٢) وقال: صحيح، وأقره الذهبي، ورواه البيهقي أيضاً. وفي الجامع الصغير رواه أحمد والبخاري في تاريخه، وأبو داود الحاكم(٣). ٥٠٣٧ - (وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَليقول: ((لا يحل لمؤمن أن يهجر مؤمناً فوق ثلاث، فإن مرت به ثلاث فليلقه فليسلم عليه، فإن رد عليه السلام فقد اشتركا في الأجر))) أي (١) في المخطوطة ((خطاب الكتابة)). (٢) الحاكم في المستدرك ٤/ ١٦٣. (٣) الجامع الصغير ٢/ ٥٤٥ الحديث رقم ٩٠٦٩. الحديث رقم ٥٠٣٦: أخرجه أبو داود في السنن ٢١٥/٥ الحديث رقم ٤٩١٥. وأحمد في المسند ٢٢٠/٤. الحديث رقم ٥٠٣٧: أخرجه أبو داود في السنن ٢١٤/٥ الحديث رقم ٤٩١٢، ومالك في الموطأ ٩٠٦/٢ الحديث رقم ١٣ من كتاب حسن الخلق. ٢٤٠ كتاب الآداب/ باب ما ينهى عنه من التهاجر والتقاطع واتباع العورات وإن لم يَرُدَّ عليه فقد باء بالإثم وخرج المُسلِمُ من الهجرة)). رواه أبو داود. ٥٠٣٨ - (١٢) وعن أبي الدرداء، قال: قال رسول الله وَلاتر: ((ألا أخبركم بأفضل من درجةِ الصِّيام والصدقةِ والصلاةِ؟)) قال: قلنا: بلى. قال: ((إِصلاح ذاتِ البينِ، وفسادُ ذات : في أجر السلام أو في أجر ترك الهجر أو فيهما ((وإن لم يرد عليه))) أي السلام ((فقد باء بالإثم))) أي رجع بإثم الهجران. كذا قاله شارح، والأظهر أنه بإثم الهجر وبإثم ترك السلام، فاللام للجنس أو عوض عن المضاف إليه أي بإثم الأمرين، ولا يبعد أن يقال: باء بإثم ترك السلام زيادة على إثم الهجران المستمر الذي يقارب سفك الدم، ((وخرج المسلم))) بتشديد اللام المكسورة ((من الهجرة))) أي من إثم الهجران. (رواه أبو داود)، أي من طريق هلال بن أبي هلال مولى بني كعب عن أبي هريرة. قال أحمد في هلال: لا أعرفه. وقال أبو حاتم: ليس بالمشهور، ووثقه بعضهم، ذكره ميرك. ٥٠٣٨ - (وعن أبي الدرداء قال: قال رسول الله وَلجر: ((ألا أخبركم بأفضل))) أي بعمل أفضل درجة وأكثر مثوبة ((من درجة الصيام))) أي نفلاً بقرينة قوله: ((والصدقة)))، فإنها للمندوبة غالباً ((والصلاة)))، لعل تأخيرها للترقي، وظاهر الواو أنه للجمع، فالمعنى أنه أفضل من فعل مجموعها، ويحتمل أن يكون بمعنى أو، فالمعنى أنه أفضل من كل منها، والأوّل أبلغ في مقام الترغيب كما لا يخفى. قال الأشرف: المراد بهذه المذكورات النوافل دون الفرائض، قلت والله أعلم بالمراد: إذ قد يتصوّر أن يكون الإصلاح في فساد يتضرع عليه سفك الدماء ونهب الأموال وهتك الحرم أفضل من فرائض هذه العبادات القاصرة مع إمكان قضائها على فرض تركها، فهي من حقوق الله التي هي أهون عنده سبحانه من حقوق العباد، فإذا كان كذلك فيصح أن يقال: هذا الجنس من العمل أفضل من هذا الجنس لكون بعض أفراده أفضل ((كالبشر خير من الملك والرجل خير من المرأة)) ((قال:))) أي أبو الدرداء(١) ((قلنا: بلى))) أي أخبرنا، وفي نسخة زيادة يا رسول الله ((قال: إصلاح ذات البين)) أي هو هذا. قيل: يريد بذات البين الخصلة التي تكون بين القوم من قرابة ومودّة ونحوهما وقيل: المراد بذات البين المخاصمة والمهاجرة بين اثنين بحيث يحصل بينهما بين أي فرقة، والبيين من الأضداد الوصل والفرق، وقال الطيبي: إصلاح ذات البين أي أحوال بينكم يعني ما بينكم من الأحوال ألفة ومحبة واتفاق كقوله تعالى: ﴿والله عليم بذات الصدور﴾ [آل عمران - ١٥٤] وهي مضمراتها، ولما كانت الأحوال ملابسة للبين قيل لها: ((ذات البين)) كقولهم: (اسقني ذا إناءك))(٢) يريدون ما في الإناء من الشراب. كذا في الكشاف في قوله تعالى: ﴿وأصلحوا ذات بينكم﴾ [الأنفال - ١] اهـ، ولما الحديث رقم ٥٠٣٨: أخرجه أبو داود في السنن ٢١٨/٥ الحديث رقم ٤٩١٩، والترمذي في ٤/ ٥٧٢ الحديث رقم ٢٥٠٩، ومالك في ٩٠٢/٢ الحديث رقم ٧ من كتاب حسن الخلق وأحمد في المسند ٤٤٤/٦. (١) في المخطوطة ((أبو داود)) (٢) كشف الأستار ٢/ ٤٤١ الحديث رقم ٢٠٥٩.