Indexed OCR Text
Pages 201-220
٢٠١ كتاب الآداب/ باب الشفقة والرحمة على الخلق وإِنها تصدَّقُ بالأثوار من الإِقطِ، ولا تؤذي بلسانها جيرانها. قال: ((هي في الجنة)). رواه أحمد، والبيهقي في ((شعب الإيمان)). ٤٩٩٣ - (٤٧) وعنه، قال: إِن رسول الله وَّ لو وقف على ناس جلوس فقال: ((ألا أخبركم بخيركم من شركم؟» قال: فسكتوا فقال ذلك ثلاث مرات [٣٧٤ - أ -] فقال رجلٌ: بلى رسول الله! أخبرنا بخيرنا من تقتضي مراعاة المناسبة بين القرينتين، وإلا فلو روي أو قرىء بالرفع، فوجهه ظاهر والله أعلم. ((وأنها))) بالكسر ((تصدق))) بحذف إحدى التاءين وضم القاف، والجملة حال، وإن روي بفتح إن عطفاً على أنها معمول تذكر فله وجه، فتذكر، والمعنى أنها تتصدّق ((بالأثوار من الأقط))) أي بقطع منه جمع ثور بالمثلثة وهو قطعة من الاقط. ذكره الجوهري، ففي الكلام تجريد أو توكيد، وفي ذكره إشارة إلى أن صدقتها بالنسبة لتلك المرأة قليلة جداً، ثم في القرينة الثانية توسطت العبادة المالية بين عبادتي البدنية لعلها بسبب طرفيها تنجبر قلتها ((ولا تؤذي بلسانها جيرانها))) عطف على تصدق أو حال من ضميره ((قال: هي في الجنة))) لأن مدار أمر الدين على اكتساب الفرائص واجتناب المعاصي، إذ لا فائدة في تحصيل الفضول وتضييع الأصول كما هو واقع فيه أكثر العلماء وكثير من الصلحاء حيث لم يقم الأوّلون بما يجب عليهم من العمل، ولم يحصل الآخرون ما يجب عليهم من العلم، وأما الصوفية المجامعون بين العلم والعمل المقرونين بالإخلاص فهم يقدمون رعاية الاحتماء إلى إعطاء الدواء سالكين سبيل الحكماء فيقولون: التخلية مقدمة على التحلية، ولذا جعلوا التوبة أوّل منازل السائرين ومقامات الطائرين، وفي كلمة التوحيد إشارة إلى هذا المعنى بطريق النفي والإثبات دائماً إلى أن الصفات السلبية مقدمة على النعوتية الثبوتية فكأنه يلزم من الأولى حصول الثانية بخلاف العكس والله أعلم. (رواه أحمد والبيهقي في شعب الإيمان)، وكذا البزار وابن حبان في صحيحه، والحاكم وقال: صحيح الإسناد وابن أبي شيبة بإسناد صحيح ذكره ميرك. ٤ دفيفرن ٤٩٩٣ - (وعنه) أي عن أبي هريرة رضي الله عنه (قال: إن رسول الله وَلي: ((وقف على ناس جلوس))) أي جالسين أو ذوي جلوس ((فقال: ألا أخبركم بخيركم من شركم))) أي مميزاً منه حال من المتكلم ((قال:))) أي الراوي ((فسكتوا))) أي متوقفين في أن السؤال أولى أو السكوت أحرى خوفاً من أن يكون من باب لا تسألوا عن أشياء أن تبدلكم تسؤوكم وعملاً بقوله وَ له، وسكت عن أشياء رحمة لكم من غير نسيان فلا تبحثوا عنها ((فقال ذلك:))) أي الكلام السابق ((ثلاث مرات)))، فلما أفاد التكرار أنه لا بد من الاختيار أجاب بعضهم (فقال رجل:) أي كل الرجل شديد القلب، فتنوينه للتعظيم ((بلى يا رسول الله، أخبرنا بخيرنا من ١ الحديث رقم ٤٩٩٣: أخرجه الترمذي في السنن ٤٥٧/٤ الحديث رقم ٢٢٦٣، وأحمد في المسند ٢/ ٣٦٨ والبيهقي في شعب الإيمان ٧/ ٥٤٠ الحديث رقم ١١٢٦٨. هود ٢٠٢ كتاب الآداب/ باب الشفقة والرحمة على الخلق شرنا فقال: ((خيركم من يُرجى خيرُهُ ويؤمن شرّه، شرُّكم من لا یرجی خیرُه ولا يؤمن شرُّه)). رواه الترمذي، والبيهقي في ((شعب الإيمان))، قال الترمذي: هذا حديث حسن صحیح. ٤٩٩٤ - (٤٨) وعن ابن مسعود، قال: قال رسول الله وَّلقول: ((إِن الله تعالى قسم بينكم أخلاقكم كما قسم بينكم أرزاقكم، إن الله تعالى يعطي الدنيا من يحب شرنا»)، وفيه بسط الكلام بمقتضى انبساط المقام ((فقال:))) أي بطريق الإبهام احترازاً من فضيحة الأنام (خيركم من يرجى خيره)))، فخبر الأوّل بمعنى الأخير والثاني مفرد الخيور أي من يرجو الناس منه إحسانه إليهم («ويؤمن شره))) أي من يأمنون عنه من إساءته عليهم ((وشرکم من لا يرجى خيره ولا يؤمن شره)))، وترك ذكر من يأتي منه الخير والشر ونقيضه، فإنهما ساقطاً الاعتبار حيث تعارضا تساقطاً، ونظيره ما أشار إليه وَّ في حديث آخر ما معناه أن من الناس من هو سريع الغضب سريع الفيء، فهذا بذاك، ومنهم بطيء الغضب بطيء الفيء، فكذلك، وخيرهم من يكون بطيء الغضب سريع الرجوع، وشرهم عكس ذلك». هذا وقال الطيبي: ولما توهموا معنى التمييز وتخوفوا من الفضيحة سكتوا حتى كرر ثلاثاً ثم أبرز البيان في معرض العموم لئلا يفضحوا فقال: خيركم))، والتقسيم العقلي يقتضي أربعة أقسام ذكر منها اثنين ترغيباً وترهيباً وترك قسمين لأنه ليس فيها ترغيب وترهيب. (رواه الترمذي والبيهقي في شعب الإيمان، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح). وفي الجامع الصغير ((خيركم من يرجى خيره)»(١) الحديث. رواه أبو يعلى في مسنده عن أنس، وأحمد والترمذي عن أبي هريرة، ورواه أحمد والترمذي وابن حبان عن أبي هريرة بلفظ ((ألا أخبركم بخيرك من شركم، خيركم من يرجى خيره)) الخ. وروى ابن عساكر عن معاذ بلفظ ((ألا أنبئكم بشر الناس من أكل وحده ومنع رفده وسافر وحده وضرب عبده، ألا أنبئكم بشر من هذا، من يبغض الناس ويبغضونه، ألا أنبئكم بشر من هذا، من يخشى شره ولا يرجى خيره، ألا أنبئكم بشر من هذا من باع آخرته بدنيا غيره، ألا أنبئكم بشر من هذا من أكل الدنيا بالدين)). ٤٩٩٤ - (وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله تليفون: ((إن الله تعالى قسم») بالتخفيف، ويجوز تشديده، ففي القاموس قسمه، وقسمه جزأه، والمعنى قدر بمقدار معين ((بینکم أخلاقكم))) أي أعمالكم وأحوالكم ((كما قسم بينكم أرزاقكم))) أي أموالكم سواء حرامكم وحلالكم كما قال تعالى: ﴿نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا﴾ [الزخرف - ٣٢] إلى أن قال: ﴿ورحمة ربك خير مما يجمعون﴾ [الزخرف - ٣٢] اللهم فحسن أخلاقنا وطيب أرزاقنا ((إن الله يعطي الدنيا))) أي الأرزاق الدنيوية الدنية ((من يحب))) أي من يحبه من (١) الجامع الصغير ٢/ ٢٥٠ الحديث رقم ٤١١٣. الحديث رقم ٤٩٩٤: أخرجه البيهقي في كشف الإيمان ٣٩٥/٤ الحديث رقم ٥٥٢٤ وأحمد في المسند ٣٨٧/١. /١١٢١/18 ٢٠٣ كتاب الآداب/ باب الشفقة والرحمة على الخلق ومن لا يحب، لا يعطي الدينَ إِلا من أحب فمن أعطاه الله الدين فقد أحبّه، والذي نفسي بيده لا يُسْلم عبدٌ حتى يسلم قلبه ولسانه، ولا يؤمنُ حتى يأمنَ جارهُ بوائقَه)». الأنبياء والأولياء كسليمان وعثمان (ومن لا يحب))) أي ويعطيها أيضاً من لا يحبه كفرعون وهامان قال تعالى: ﴿كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظوراً﴾ [الإسراء - ٢٠] أي ممنوعاً ﴿انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلاً﴾ [الإسراء - ٢١] ((ولا يعطي الدين))) أي الأخلاق الحسنة والآداب المستحسنة ((إلا من أحب)))، قال بعض العارفين: التصوّف هو الخلق، فمن زاد عليك بخلق حسن فقد زاد عليك في التصوّف ((فمن أعطاه الله الدين فقد أحبه))) أي سواء أعطاه الدنيا أم لا، ولا يتوهم أن من جمع له بين الأرزاق الدنيوية والأخلاق الدينية أنه أفضل ممن اقتصر له على الدين مع قدر كفايته من الدنيا كما يتبادر إلى فهم أرباب العقول الناقصة، فإنه ثبت عنه وَلّر أنه قال: ((من أحب آخرته أضر بدنياه، ومن أحب دنياه أضر بآخرته، فآثروا ما يبقى على ما يفنى)). وفي رواية قال: ((أجوعكم في الدنيا أشبعكم في الآخرة)). وورد أن سليمان عليه السلام يدخل الجنة بعد الأنبياء بخمسمائة عام، وعبد الرحمن بن عوف مع كونه من العشرة المبشرة يدخل الجنة حبواً، وحاصل المسألة يرجع إلى القول: ((بأن الفقير الصابر أفضل أم الغني الشاكر)) وإجماع الصوفية وأكثر العلماء على الأول، بل قال بعضهم: ((الفقير الشاكر أفضل))، وقال بعضهم: التفويض والتسليم أكمل، وهو كذلك، لكن ليس له دخل في البحث، بل فيه إشارة إلى قوله تعالى: ﴿إن ربك يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر أنه كان بعباده خبيراً بصيراً﴾ [الإسراء - ٣٠] قد بسطت في الجملة هذه المسألة في شرح حزب الفتح للشيخ أبي الحسن البكري، والعاقل يكفيه الإشارة ولا يحتاج إلى تطويل العبارة، ومن أراد الاستقصاء فعليه بكتاب الأحياء ((والذي نفسي بيده لا يسلم عبد)) أي إسلاماً كاملاً مطابقاً اسمه لمسماه من العبودية وموافقاً وصفه لما أخذه من الإسلام والسلامة، وحاصله أن مدار الخلق الحسن على ترك الإساءة وإحسان القلب واللسان إذ هما منبع الأخلاق، وأحدهما ترجمان الآخر، فإن الإناء يترشح بما فيه ((حتى يسلم قلبه ولسانه))). وفي نسخة يسلم بفتحتين بمعنى ينقاد ((ولا يؤمن))) أي عبد إيماناً تاماً ((حتى يأمن جاره)) أي خصوصاً أو مثلاً ((بوائقه))) أي شرور. قال الطيبي: قوله: إن الله تعالى يعطي الدنيا كالنشر لما لف قبله، وأشار بالدنيا إلى الأرزاق، وبالدين إلى الأخلاق ليشعر بأن الرزق الذي يقابل الخلق هو الدنيا وليس من الدين في شيء، وأن الأخلاق الحميدة لیست غير الدين. قال تعالى: ﴿وإنك لعلى خلق عظيم﴾ [القلم - ٤] ثم أتى بما يفضل الدين من الأعمال الخارجة والداخلة من الانقياد والتصديق كما في حديث جبريل عليه السلام («أتاكم يعلّمكم أمر دينكم بعد ذكر الإسلام والإيمان، وفسرهما بما ينبىء عن الأخلاق، وخص القلب واللسان بالذكر لأن مدار الإنسان عليهما كما ورد في المثل («المرء بأصغريه)»، فإسلام اللسان كفه عما فيه آفاته، وهي لا تكاد تنحصر، وإسلام القلب تطهيره عن العقائد الباطلة والآراء الزائغة والأخلاق الذميمة ثم تحليتهما بما يخالفهما. - " الهرا ارد نهائيا . ٢٠٤ كتاب الآداب/ باب الشفقة والرحمة على الخلق ٤٩٩٥ - (٤٩) وعن أبي هريرة، أنَّ رسول الله وَ ◌ّر قال: ((المؤمن يَأَلَفٌ لا خيرَ فيمن لا يألفَ ولا يُؤلف)» رواهما أحمد، والبيهقي في («شعب الإيمان». ٤٩٩٦ - (٥٠) وعن أنس، قال: قال رسول الله وَله: ((من قضى لأحدٍ من أمَّتي حاجةً يريد أن يَسرَّه بها فقد سرَّني، ومن سرَّني فقد سرَّ الله، ومن سرَّ الله أدخلهُ اللَّهُ الجنةَ)). ٤٩٩٧ - (٥١) وعنه، قال: قال رسول الله وَالرّ: ((من أغاثَ ملهوفاً كتب الله له ثلاثاً وسبعين مغفرةً، ٤٩٩٥ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي وَلقر قال: ((المؤمن يألف))) بفتح اللام مصدر ميمي استعمل في معنى الفاعل والمفعول أي يألف ويؤلف كما في رواية، ويؤيده آخر الحديث أيضاً. وقال الطيبي: يحتمل أن يكون مصدراً على سبيل المبالغة كرجل عدل يعني إذا لم يألف صاحبه ألف معه وإذا ائتلف ائتلف، أو اسم مكان أي يكون مكان الإلفة ومنشؤوها ومنه إنشاؤها وإليه مرجعها، ((ولا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف))) لأن التألف سبب الاعتصام بالله وبحبله، وبه يحصل الاجتماع بين المسلمين، وبضده يحصل التفرقة بهم وهو بتوفيق الله وتأليفه. وإليه أشار تعالى بقوله: ﴿واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخواناً﴾ [آل عمران - ١٠٢] (رواهما) أي الحديثين (أحمد والبيهقي في شعب الإيمان). وفي الجامع الصغير روى الحديث الثاني أحمد عن سهل بن سعد، ورواه الدارقطني في الأفراد، والضياء عن جابر ولفظه: ((المؤمن يألف ويؤلف ولا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف وخير الناس أنفعهم للناس)). ٤٩٩٦ - (وعن أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله وَلخير: ((من قضى لأحد من أمتي)) أي أمة الإجابة ((حاجة))) أي دينية أو دنيوية ((يريد أن يسره))) أي أحد أمتي ((بها))) أي بقضاء حاجته ((فقد سرني))) أي فإني أسر بسرور جميع أمتي ((ومن سرني فقد سر الله))) أي أرضاه ((ومن سر الله أدخله الجنة))) أي وأحسن مثواه، وفي الجامع الصغير ((من قضى لأخيه المسلم حاجة كان له من الأجر كمن حج أو اعتمر)). رواه الخطيب عن أنس. ((ومن قضى لأخيه المسلم حاجة كان له من الأجر كمن خدم الله عمره)). رواه أبو نعيم في الحلية عن أنس أيضاً(١). ١١٣/١٣/١/ ٤٩٩٧ - (وعنه) أي عن أنس رضي الله تعالى عنه (قال: قال رسول الله وَ الجو: ((من أغاث ملهوفاً))) أي ضعيفاً متحيراً، وفي النهاية مكروباً ((كتب الله له ثلاثاً وسبعين مغفرة))) حكمة الحديث رقم ٤٩٩٥: أخرجه البيهقي في شعب الإيمان ٦/ ٢٧٠ الحديث رقم ٨١١٩، وأحمد في المسند ٤٠٠/٢. الحديث رقم ٤٩٩٦: أخرجه البيهقي في شعب الإيمان ٦/ ١١١ الحديث رقم ٧٦٣٥. ۵٠٩* (١) الجامع الصغير ٥٣٩/٢ الحديث رقم ٨٩٦٠. الحديث رقم ٤٩٩٧: أخرجه البيهقي في شعب الإيمان ٦/ ١٢٠ الحديث رقم ٧٦٧٠. ٢٠٥ كتاب الآداب/ باب الشفقة والرحمة على الخلق واحدةً فيها صلاحُ أمره كلِّه، وثنتان وسبعون له درجاتٌ يوم القيامة)). ٤٩٩٨ - (٥٢)، ٤٩٩٩ - (٥٣) وعنه، وعن عبد الله، قالا: قال رسول الله وعليه : ((الخلق عيالُ الله، فأحب الخلق إلى الله من أحسنَ إِلى عياله)). روى البيهقي الأحاديث الثلاثة في ((شعب الإيمان)). العدد مفوّض إلى صاحب الوحي، ولعل فيه إشارة إلى أن مثوبته مزيدة بوصف الجمعية على العدد المشهور في الكثرة، ويمكن أن يكون بالنظر إلى صاحب الحساب عدد الثلاث مأخوذ من الثلاثة الحروف في آخر الملهوف، وعدد السبعين من مجموع الميم واللام، وهذا من أنواع التعمية والإبهام والله أعلم بالمرام. ((واحدة فيها صلاح أمره كله))) أي في الدنيا ((وثنتان وسبعون له درجات يوم القيامة)))، فيه إشارة خفية إلى بشارة جلية وهي أن المغفرة الواحدة تعم جميع ذنوبه في الدنيا، ويعوّض عن سائر أعداد المغفرة بالدرجات العلى في العقبى، ولعل هذا الحديث مأخذ ما قاله بعض العلماء كالنووي وغيره ((أن المكفرات إذا اجتمعت، فتتوجه أوّلاً إلى محو الصغائر، ثم إلى تخفيف الكبائر من السيئات، ثم تكون سبباً لرفع الدرجات العاليات)). وقال الطيبي: فيه ((إن غفران الذنوب مقدمة على فتح باب رحمة الله تعالى في الدنيا والعقبى))، ومن ثم قدمها في قوله تعالى: ﴿ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر﴾ [الفتح - ٢] على قوله: ﴿ويتم نعمته عليك ويهديك﴾ [الفتح - ٢] لأن التحلية بعد التخلية اهـ، فتأمل يظهر لك ما لا يخفى. ٤٩٩٨ - ٤٩٩٩ - (وعنه) أي عن أنس رضي الله تعالى عنه (وعن) بالعاطف مع إعادة العامل ليصح العطف على الضمير المجرور على القول المشهور (عبد الله) أي ابن مسعود (قالا:) أي كلاهما (قال رسول الله وَله: ((الخلق عيال الله))) عيال المرء بكسر العين من يعوله ويقوم برزقه وإنفاقه، وهو بالنسبة إلى غيره مجاز صورة وإلا فهو الرزاق كما أنه هو الخلاق، وقد قال تعالى: ﴿وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها﴾ [هود - ٦] ((فأحب الخلق إلى الله من أحسن إلى عياله))) أي من هيىء ووفق إلى الإحسان إلى خلقه تعالى كما ورد ((خير الناس أنفعهم للناس))، وفي الجامع الصغير («الخلق كلهم عيال الله فأحبهم إلى الله أنفعهم لعياله))، وقال: رواه أبو يعلى في مسنده، والبزار عن أنس، والطبراني عن ابن مسعود. (روى البيهقي الأحاديث الثلاثة في شعب الإيمان)، ولعله عدل عن الضمير بأن يقول: رواها إلى الاسم الظاهر تنصيصاً على العدد لئلا يلتبس بالتثنية لفظاً أو معنى، ثم الحديث الثاني منها أسنده في الجامع الصغير إلى البخاري في تاريخه عنه أيضاً. الحديث رقم ٤٩٩٨: أخرجه البيهقي في شعب الإيمان ٦/ ١٢٠ الحديث رقم ٧٦٧٠. الحديث رقم ٤٩٩٩: أخرجه البيهقي في شعب الإيمان ٦/ ٤٢ الحديث رقم ٧٤٤٧ و٧٤٤٨. "- مصدر «!وا ٢٠٦ كتاب الآداب/ باب الشفقة والرحمة على الخلق ٥٠٠٠ - (٥٤) وعن عقبة بن عامرٍ، قال: قال رسول الله وَلّى: ((أولُ خصمين يوم القيامة جاران)). رواه أحمد. ٥٠٠١ _ (٥٥) وعن أبي هريرة، أن رجلاً شكا إلى النبي وَلّ قَسْوة قلبه فقال: ((امسح رأس اليتيم، وأطعم المسكين)). رواه أحمد. ٥٠٠٠ - (وعن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَلاتر: ((أوّل خصمين))) أي متخاصمين بعد خصام أهل الدار ((يوم القيامة جاران))) أي فيما حصل من الأذى أو وقع تقصير من حقوق واجب الأداء، وقال السيوطي ورد أوّل ((ما يحاسب به العبد صلاته))، وورد ((أوّل ما يقضى بين الناس الدم))، ولا تنافي لأن ذلك بالنسبة إلى المظالم كذا في الزجاجة حاشية على ابن ماجه، وحاصله أن ((أوّل ما يحاسب العبد فيما بينه وبين ربه هو الصلاة لفضلها على سائر العبادات، وأوّل ما يقضى من حقوق العباد قتل النفس، فإنه أكبر الخطيئات))، وأما هذا الحديث فمقيد باختصام خصمين وقع الذنب من كل منهما نوع تقصير، وإن فرض أن التقصير من أحدهما، وإطلاق الخصمين على التغليب أو المشاكلة كقوله تعالى: ﴿وجزاء سيئة سيئة مثلها﴾ [الشورى - ٤٠] فالأول إضافية، ولعل المراد منه الصغائر دون الكبائر والله أعلم. (رواه أحمد)، وكذا الطبراني عنه. ٥٠٠١ _ (وعنه) أي عن أبي هريرة رضي الله عنه ((أن رجلاً شكا))) ينبغي أن يكتب بالألف كدعا وعفا، ويجوز كتابتها بالياء أيضاً لأن شكيت لغة في شكوت ((إلى النبي ◌َّر قسوة قلبه))) أي قساوته وشدته وقلة رقته وعدم إلفته ورحمته ((قال: امسح رأس اليتيم))) لتتذكر الموت فيغتنم الحياة، فإن القسوة منشؤها الغفلة ((واطعم المسكين))) لترى آثار نعمة الله عليك حيث أغناك وأحوج إليك سواك، فيرق قلبك ويزول قسوته؛ ولعل وجه تخصيصهما بالذكر أن الرحمة على الصغير والكبير موجبة لرحمة الله تعالى على عبده المتخلق ببعض صفاته، فينزل عليه الرحمة ويرتفع عنه القسوة، وحاصله أنه لا بد من ارتكاب أسباب تحصيل الأخلاق بالمعالجة العلمية أو بالعملية أو بالمعجون المركب منهما على ما بينه في الأحياء. وقال الطيبي: خصهما بالذكر تلميحاً إلى قوله تعالى: ﴿أو إطعام في يوم ذي مسغبة يتيماً ذا مقربة أو مسكيناً ذا متربة﴾ [البلد، ١٤ - ١٦] ومراعاتهما من اقتحام العقبة الشاقة لما في ذلك من معاناة المشقة ومجاهدة النفس، فمن اقتحم تلك العقبة يرق قلبه وتسمح نفسه في تعاطي كل خير، وفيه أن من ابتلي بداء من الأخلاق الذميمة يكون تداركه بما يضاده من الدواء، فالتكبر يداوى بالتواضع، والبخل بالسماحة وقاسي القلب بالتعطف والرقة. (رواه أحمد). ٦٫٠٠٠٠ الحديث رقم ٥٠٠٠: أحمد في المسند ١٥١/٤. الحديث رقم ٥٠٠١: أخرجه أحمد في المسند ٢٦٣/٢. ٢٠٧ ٫٠١ ١٩/٥٫ كتاب الآداب/ باب الحب في الله ومن الله ٥٠٠٢ - (٥٦) وعن سراقة بن مالك، أن النبي وَ لوقال: ((ألا أدلكم على أفضل الصدقة؟ ابنتُك مردودةً إليك ليس لها كاسبٌ غيرك)) [٣٧٤ - ب -] رواه ماجه. (١٦) باب الحب في الله ومن الله الفصل الأول ٥٠٠٣ - (١) عن عائشة، قالت: قال رسول الله وَلهو: ((الأرواح جنودٌ ٥٠٠٢ - (وعن سراقة) بضم السين (ابن مالك) أي ابن جعشم المدلجي صحابي مشهور (أن النبي ◌َّلتر قال: ألا أدلكم على أفضل الصدقة ابنتك))) بالرفع أي هو صدقتها ((مردودة))) بالنصب على الحالية أي مطلقة ((راجعة إليك ليس لها كاسب))) أي منفق عليها ((غيرك))) بالرفع على الوصفية، وفي نسخة بالنصب على الاستثناء لكنه ضعيف، لأن الصحيح في ذي الحال أن يكون معرفة. هذا وفي النهاية المردودة هي التي تطلق وترد إلى بيت أبيها، وأراد ألا أدلك على أفضل أهل الصدقة، فحذف المضاف. قال الطيبي: ويمكن أن تقدر صدقة تستحقها ابنتك في حال ردها إليك وليس لها كاسب غيرك، وهما حالان إما متردافان أو متداخلتان والله أعلم. (رواه ابن ماجه). باب الحب في الله ومن الله الحب في الله أي في ذات الله وجهته لا يشوبه الرياء والهوى، ومن الله أي من جهة الله أي إذا أحب عبداً أحبه لأجل الله وسببه، ومن ههنا كما في قوله تعالى: ﴿تفيض من الدمع﴾ [المائدة - ٨٣] وفي كما قوله تعالى: ﴿والذين جاهدوا فينا﴾ [العنكبوت - ٦٩] وهو أبلغ من حيث جعل المحبة مظروفاً كذا حققه الطيبي، وفيه أن مآلهما إلى معنى واحد، والظاهر أن مراده من عنوان الباب فضيلة الحب الله وما يترتب عليه من الحب من جانب الله كما سيصرح الأحاديث الآتية بهذا المعنى، فالصواب أن يقال: إن في تعليلية، ومن ابتدائية والمعنى حب العبد لعبد لأجل رضا الرب، والحب الكائن من الله للعبد، والثاني نتيجة الأوّل كما في الشريعة أو مقدمة له كما في الطريقة، أو هو محفوف بهما كما في الحقيقة على ما حقق في قوله تعالى: ﴿يحبهم ويحبونه﴾ [المائدة - ٥٤] وقوله تعالى: ﴿إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله﴾ [آل عمران - ٣١] والله أعلم. (الفصل الأوّل) ٥٠٠٣ - (عن عائشة قالت: قال رسول الله وَالفر: ((الأرواح))) أي أرواح الإنسان ((جنود))) الحديث رقم ٥٠٠٢: أخرجه ابن ماجه في السنن ١٢٠٩/٢ الحديث رقم ٣٦٦٧، وأحمد في المسند ٤/ ١٧٥. الحديث رقم ٥٠٠٣: أخرجه البخاري في صحيحه ٣٦٩/٦ الحديث رقم ٣٣٣٦، ومسلم في ٢٠٣١/٤ = ٢٠٠٠: ٦ - -العدمل بدة Fsees ٢٠٨ كتاب الآداب/ باب الحب في الله ومن الله مجندة، ما تعارف منها ائتلفَ، وما تناكر منها اختلف)). جمع جند أي جموع ((مجندة))) بفتح النون المشددة أي مجتمعة متقابلة أو مختلطة منها حزب الله ﴿ألا أن حزب الله هم المفلحون﴾ [المجادلة - ٢٢] ومنها حزب الشيطان ﴿ألا أن حزب الشيطان هم الخاسرون﴾ [المجادلة - ١٩] وفي قوله تعالى: ﴿ولله جنود السموات والأرض) [الفتح - ٤] إشارة إلى أن الجندين أحدهما علوي الهمة والآخر سفلي النهمة ((فما تعارف منها))) التعارف جريان المعرفة بين اثنين والتناكر ضده أي فما تعرف بعضها من بعض قبل حلولها في الأبدان ((ائتلف))) بهمزة وصل ثم همزة ساكنة تبدل ألفاً في الوصل جوازاً وتبدل ياء حال الابتداء وجوباً أي حصل بينهما الإلفة والرأفة حال اجتماعهما بالأجساد في الدنيا ((وما تناكر منها))) أي في عالم الأرواح ((اختلف))) أي في عالم الأشباح، والأفراد والتذكير في الفعلين باعتبار لفظ ما، والمراد منه بطريق الإجمال والله أعلم بحقية الحال. إن الأرواح البشرية التي هي النفوس الناطقة مجبولة على مراتب مختلفة وشواكل متباينة، وكل ما شاكل منها في عالم الأمر في شاكلته تعارفت في عالم الخلق وائتلفت واجتمعت، وكل ما كان على غير ذلك في عالم الأمر تناكرت في عالم الخلق، فاختلفت وافترقت. فالمراد بالتعارف ما بينهما من التناسب والتشابه، وبالتناكر ما بينهما من التنافر والتباين، فتارة على وجه الكمال وتارة على وجه النقصان، إذ قد يوجد كل من التعارف والتناكر بأدنى مشاكلة بينهما إما ظاهراً وإما باطناً، وتحقيقه بطول وتخاف من أعراض الملول واعتراض الفضول. هذا وقيل: هذا الاجتماع كان يوم الميثاق فمن تقابل منهم اثنان يومئذ يأتلفان في الدنيا غاية المؤالفة ومن تدابر منهم شخصان يختلفان في نهاية المخالفة، ومن وقع في الاجتناب له مشاركة من مشاكلة كل باب كالمنافقين وأشباههم مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء ثم لا يمنع من هذا التعارف والتناكر وصلة الأجانب وشجنة الأقارب. ولم يكن بين نوح وابنه رحم كانت مودة سلمان له نسباً ولا يدفعه بعد الدار ولا یجمعه قرب المزار. مناسبة الأرواح بيني وبينها وإلا فأين الترك من ساكني نجد قال حكيم: أقرب القرب مودة القلب، وإن تباعد جسم أحدهما من الثاني، وأبعد البعد تنافر التداني، وفي النهاية قوله: ((جنود مجندة)) أي مجموعة، كما يقال ألوف مؤلفة وقناطير مقنطرة، ومعناه الاخبار عن مبدأ كون الأرواح وتقدمها الأجساد أي أنها خلقت أول خلقتها على قسمين من ائتلاف واختلاف كالجنود المجندة المجموعة إذا تقابلت وتواجهت، ومعنى تقابل الأرواح ما جعلها الله عليها من السعادة والشقاوة والأخلاق في مبدأ الخلق. يقول: ((إن الأجساد التي فيها الأرواح تلتقي في الدنيا فتأتلف وتختلف على حسب ما خلقت عليه، ولهذا /١١٣٠ الحديث رقم (١٥٩ - ٢٦٣٨)، وأبو داود في السنن ١٩٩/٥ الحديث رقم ٤٨٣٤، وأحمد في المسند ٢٩٥/٢. م ج٠۶ = ٠ ٤٠ ٢٠٩ ـ ابدع .. كتاب الآداب/ باب الحب في الله ومن الله رواه البخاري. ٥٠٠٤ - (٢) ورواه مسلم عن أبي هريرة. ٥٠٠٥ _ (٣) وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله وَلور: ((إِن الله إذا أحبَّ أحداً دعا جبريلَ فقال: إِني أحب فلاناً فأحبَّهُ، قال: فيحبُّه جبريلُ، ثم ينادي في السماء ترى الخير يحب الأخيار ويميل إليهم والشرير يحب الأشرار ويميل إليهم، اهـ، وفيه الإشارة إلى المناسبة بين الحديث وعنوان الباب لا سيما وهو صدر الخطاب، وفي شرح السنة فيه دليل على ((أن الأرواح ليست بأعراض، وعلى أنها كانت موجودة قبل الأجساد في الخلقة)). (رواه البخاري) أي عن عائشة. ھترج ٥٠٠٤ - (ورواه مسلم عن أبي هريرة). وفي الجامع الصغير: رواه البخاري عن عائشة، ورواه أحمد ومسلم وأبو داود عن أبي هريرة، والطبراني عن ابن مسعود، ورجاله رجال الصحيح وزاد فيه تلتقي فتشأم كما تشأم الخيل. قال البيهقي: سألت الحاكم عن معناه فقال: ((المؤمن والكافر لا يسكن قلبه إلا إلى شكله))، ورواه مسلم عن أبي هريرة أيضاً بلفظ ((الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها في الله ائتلف، وما تناكر منها في الله اختلف))(١). ٥٠٠٥ - (وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَليقول: ((إن الله إذا أحب عبداً)) أي إذا أراد إظهار محبته لعبد من عباده وهي إما من صفات الذات، فمعناها إرادة الخير أو من صفات الأفعال، فهي بمعنى إكرامه له وإحسانه به وإنعامه عليه ((دعا جبريل))) يدل على جلالته من حيث خصه من بين أفراد الملائكة فيكون أفضل من إسرافيل وميكائيل وسائر حملة العرش والملائكة المقربين، ويحتمل أن يكون وجه تخصيصه لكونه سفيراً بين الله ورسله المبعوثين إلى المخلوقين («فقال:))) أي الله ((إني أحب فلاناً))، وفي عدم ذكر سبب لمحبته من أوصاف عبده إشارة إلى أن أفعاله تعالى مبرأة عن الأغراض والعلل، بل يترتب على محبته تعالى محبة العبد إياه بسلوك سبيله واتباع رسله، ودوام اشتغاله بذكره، ودعائه وثنائه، والشوق إلى رضائه ولقائه، ((فأحبه))) أي أنت أيضاً زيادة لإكرام العبد وإلا فكفى بالله محباً ومحبوباً وطالباً ومطلوباً. وحامداً ومحموداً ((قال:))) أي رسول الله وَ لتر ((فيحبه جبريل))) أي ضرورة عدم عصيانه أمر ربه فيحبه لحبه، وهذا من المحبة في الله أي لا يحبه لغرض سوى مرضاة مولاه، ومحبة جبريل دعاؤه واستغفاره له والميل إلى الاجتماع به ونحو ذلك ((ثم ينادي))) أي جبريل بأمر الملك الجليل ((في السماء))) أي في أهل السماء كما في قرينته الآتية، والمعنى بحيث يصل بسماع(: ١ الحديث رقم ٥٠٠٤: أخرجه مسلم في صحيحه ٢٠٣١/٤ الحديث رقم (١٥٩ - ٢٦٣٨). خيو (١) الجامع الصغير ١٨٣/١ الحديث رقم ٣٠٥٠. ١ الحديث رقم ٥٠٠٥: أخرجه البخاري في صحيحه ٦/ ٣٠٣ الحديث رقم ٣٢٠٩، ومسلم في ٢٠٣٠/٤ ١ الحديث رقم (١٥٧ - ٢٦٣٧)، ومالك في الموطأ ٢/ ٩٥٣ الحديث رقم ١٥ من باب ما جاء في: المتحابين، وأحمد في المسند ٢٦٧/٢. ٢٢٩٤ ٢١٠ كتاب الآداب/ باب الحب في الله ومن الله ٠٠١٣ ٠٠٥٠ فيقولُ: إِنَّ اللَّهَ يُحبُّ فلاناً فأحبُّوه، فيحبُّه أهلُ السَّماءِ، ثمَّ يوضعُ له القَبُولُ في الأرض. وإِذا أبغضَ عبداً دعا جبريلَ فيقولُ: إِني أبغضُ فلاناً فأبغضْه. قال: فيبغضُه جبريلُ، ثمَّ يُنادي في أهلِ السماءِ: إِنَّ اللَّهَ يبغضُ فلاناً فأبغضوه. قال: فيبغضونه. يوضعُ له البغضاءُ في الأرض)). رواه مسلم. ٠١٠٠ كلامه إلى أهلها كلهم ((فيقول: إن الله يحب فلاناً فأحبوه فيحبه أهل السماء))) أي جميعهم ((ثم يوضع له القبول)))، وهو من آثار المحبة، ثم هذا الوضع ابتداء من جبريل أو غيره ((في الأرض))) أي في قلوب أهلها من أهل المحبة، فلا يرد أن كثيراً من الأولياء ليس لهم قبول عند أهل الدنيا لأن العبرة بخواص الأنام لا بالعوام كالأنعام، ((وإذا أبغض عبداً دعا جبريل فيقول: إني أبغض فلاناً فابغضه قال: فيبغضه جبريل))). قال النووي: محبة الله العبد هي إرادة الخير له وهدايته وإنعامه عليه ورحمته، وبغضه إرادة عقوبته وشقاوته ونحو ذلك، وحب جبريل والملائكة يحتمل وجهين أحدهما استغفارهم له وثناؤهم عليه ودعاؤهم له، وثانيهما أن محبتهم على ظاهرها المعروفة من المخلوقين، وهو ميل القلب إليه واشتياقه إلى لقائه قلت: هذا هو الأظهر لأنه متى صح حمل اللفظ على معناه الحقيقي فلا وجه للعدول عنه إلى المجاز مع أن المعنى الأوّل متفرع على الثاني قال: وسبب حبهم إياه كونه مطيعاً لله محبوباً له قلت: كونه مطيعاً إما سابقاً أو لاحقاً كما حقق في مرتبتي السالك والمجذوب، والمريد والمراد. قال: ومعنى يوضع له القبول في الأرض الحب في قلوب الناس ورضاهم عنه فتميل إليه القلوب وترضى عنه. وقد جاء في رواية ((فتوضع له المحبة)). قال الطيبي: والكلام في المحبة وبيان اشتقاقها مضى مستوفى في أسماء الله الحسنى قلت: وبقي كثير محله كتاب الأحياء ((ثم ينادي))) أي جبريل ((في أهل السماء إن الله))) بالكسر على إضمار القول عند البصريين وعند الكوفيين على أن في النداء معنى القول. ذكره ابن الملك، ويحتمل أن يكون بالفتح كما في بعض النسخ على إضمار الباء كما ذكره المفسرون في قوله تعالى: ﴿فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب أن الله﴾ [آل عمران - ٣١] فإن جمهور القراء فيه على الفتح وقد يفرق بينهما بأن إن إذا كان مكسورة تكون من جملة المنادي بخلاف ما إذا كانت مفتوحة، وحاصله أنه سبحانه («يبغض فلاناً فابغضوه))) وفيه إشعار بأن الملأ الأعلى ليس لهم شعور بمحبوبه تعالى ومبغوضه إلا بإعلامه إياه، ثم مثل هذا المحبوب والمبغوض لا ينقلب حكمه لئلا يلزم خلف في أخباره تعالى ((قال: فيبغضونه ثم يوضع له البغضاء في الأرض)). رواه مسلم). وفي الدر المنثور عند قوله تعالى: ﴿إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن وداً﴾ [مريم - ٩٦] أخرج الحكيم الترمذي وابن مردويه عن علي قال: سألت رسول الله وَ لجرد عن قوله: سيجعل لهم الرحمن وداً ما هو؟ قال: المحبة في صدور المؤمنين والملائكة المقربين، يا علي إن الله أعطى المقت والمحبة والحلاوة والمهابة في صدور الصالحين))، وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وهناد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس سيجعل لهم الرحمن وداً قال: يحبهم ويحببهم، وأخرج عبد بن حميد والبخاري ومسلم والترمذي وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات عن أبي هريرة إن رسول الله وس لو قال: ((إذا Foon سے ٢١١ :١٣٣/7 كتاب الآداب/ باب الحب في الله ومن الله ٥٠٠٦ _ (٤) وعنه قال: قال رسولُ الله وَلِ: ((إِنَّ اللَّهَ يقولُ يومَ القيامةِ: أينَ المتحابُّونَ بجلالي؟ اليومَ أُظلُّهم في ظِلي يومَ لا ظلَّ إِلاَّ ظِلي)). رواه مسلم. ٥٠٠٧ - (٥) وعنه، عن النبيِّ وَلّ: ((أنَّ رجلاً زارَ أخاً أحب الله عبداً نادى جبريل عليه السلام إني قد أحببت فلاناً فأحبه، فينادي في السماء ثم تنزل له المحبة في أهل الأرض، فذلك قول الله تعالى: ﴿إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم. الرحمن وداً﴾ [مريم - ٩٦] وإذا أبغض الله عبداً نادى جبريل أني قد أبغضت فلاناً فينادي في أهل السماء، ثم ينزل له البغضاء(١) في الأرض)) اهـ. فحديث المشكاة متفق عليه في المعنى. ٥٠٠٦ - (وعنه) أي عن أبي هريرة (قال: قال رسول الله وَطاهر: ((إن الله تعالى يقول يوم القيامة:) أي على رؤوس الأشهاد تعظيماً لبعض العباد من العباد ((أين المتحابون بجلالي))) أي بسبب عظمتي ولأجل تعظيمي، أو الذين يكون التحابب بينهم لأجل رضا جنابي وجزاء ثوابي، قال الطيبي: الباء فيه بمعنى في وفيه ما فيه، قال: وخص الجلال بالذكر لدلالته على الهيبة والسطوة أي المنزهون عن شائبة الهوى والنفس والشيطان في المحبة فلا يتحابون إلا لأجلي ولوجهي قلت: ويمكن أن يكون من باب الاكتفاء والتقدير بجلالي وجمالي أي المتحابون لي أي في حالتي القبض والبسط والخوف والرجاء والمحنة والمنحة، فيفيد دوام تحابيهم ((اليوم))). قال شارح: ظرف متعلق بأين. قلت: الأظهر أنه ظرف لقوله: ((أظلهم في ظلي))) أي أدخلهم في ظل حمايتي أو أريحهم من حرارة الموقف راحة من استظل، أو أظلهم في ظل عرشي وهو الأظهر فتدبر. ويؤيده ما رواه الطبراني في الكبير عن أيوب ((المتحابون في الله على كراسي من ياقوت تحت العرش)) وقوله: ((يوم لا ظل إلا ظلي))) بدل من اليوم المتقدم كما قاله الطيبي أو منصوب بتقدير أعني وهو الأظهر. وفي شرح مسلم للنووي قال القاضي: الظاهر أنه. في ظل الله عن الحر ووهج الموقف، وقال عيسى بن دينار: هو كناية عن كونه في كنفه. وستره، ومنه قولهم: السلطان ظل الله في الأرض، ويحتمل أن يكون عبارة عن الراحة. والتنعم. يقال: هو في عيش ظليل أي طيب. ذكره الطيبي، وأوسط الأقوال إذ لا يصح إسناد الظل حقيقة إلى الله تعالى فيتعين تأويله بارتكاب المجاز أو بحذف المضاف وما أبعد الاحتمال الأخير إذ يصير التقدير أنعمهم في نعمتي، ولكن التقليد متغلب على الأمي وحسب الشيء يصم ويعمي. (رواه مسلم)، وكذا أحمد. ٠٨٦٦٠ ارتن ؟ ٥٠٠٧ - (وعنه) أي عن أبي هريرة (عن النبي و #9: ((إن رجلاً زار أخاً له))) أي أراد زيارةُ(: (١) في المخطوطة ((البغض)). ١٠زې د الحديث رقم ٥٠٠٦: أخرجه مسلم في صحيحه ١٩٨٨/٤ الحديث رقم (٣٧ - ٢٥٦٦)، والترمذي في السنن ٥١٦/٤ الحديث رقم ٢٣٩٠، والدارمي في ٤٠٣/٢ الحديث رقم ٢٧٥٧، ومالك في(٤ الموطأ ٩٥٢/٢ الحديث رقم ١٣ من باب جاء في المتحابين في الله، وأحمد في المسند ٣٣٨/٢. الحديث رقم ٥٠٠٧: أخرجه مسلم في صحيحه ١٩٨٨/٤ الحديث رقم (٣٨ - ٢٥٦٧). ا يود ٢١٢ كتاب الآداب/ باب الحب في الله ومن الله له في قريةٍ أخرى، فأرصدَ اللَّهُ له على مَذْرجتِهِ ملَكاً قال: أينَ تُريدُ؟ قال: أُريدُ أخاً لي في هذِهِ القريةِ. هلْ لكَ عليه من نعمةٍ تَرُبُّها؟ قال: لا، غيرَ أني أحببتُه في اللَّهِ. أخيه المسلم أو متؤاخيه في الله وهو أعم من أن يكون أخاه حقيقة أو مجازاً ((في قرية أخرى))) أي غير مكان الزائر ((فأرصد الله له على مدرجته))) أي أعد وهيأ أو أقعد في طريقه ((ملكاً))، وفي النهاية أي وكله بحفظ مدرجته. يقال: رصدته إذا قعدت له على طريقه تترقبه اهـ فقوله تعالى: ﴿إن ربك لبالمرصاد﴾ [الفجر - ١٤] فيه تجريد، والمعنى أنه مراقب للعباد. قال: المدرجة بفتح الميم والراء هي الطريق سمي بذلك لأن الناس يدرجون عليها أي يمضون ويمشون اهـ، والأظهر أن المدرجة من الطريق مكان مرتفع يمشي فيه درجة درجة في الطلوع والنزول، ومنه مدرجة منى التي هي وصلة إلى منى يعرفها من ذهب في طريق المعرفة إلى عرفات، الهنا من هنا ((قال: ))) استئناف جواب لمن قال وما بعد ذلك قال: أي الملك للزائر ((أين تريد))). الظاهر أن هذا من باب تجاهل العارف مع ما فيه من التورية حيث إن مقصوده الأصلي من تريد، ولما كان من القواعد المقررة أن من أحب شيئاً أكثر ذكره، والإناء يترشح بما فيه ((قال:))) أي الزائر (أريد أخاً) أي زيارة أخ ((لي))) أي مختصاً لي («في هذه القربة»)، ولعل تعيينها علم بالإشارة، وأطنب في الكلام ليتضمن المرام على نوع من أسلوب الحكيم فكأنه قال له: لا تسأل عن المحل واكتف بالسؤال عن الحال، فإن هذا طريق أرباب الحال بلا محال. قال الطيبي: فإن قلت: كيف طابق هذا سؤاله بقوله: أين تريد قلت: من حيث إن السؤال متضمن لقوله: أين تتوجه، ومن تقصد ولما كان قصده الأولى الزيارة ذكره وترك ما لا يهمه، قلت: هذا إنما يتم لو لم يقل: في هذه القرية، ونظيره قوله: ﴿وما أعجلك عن قومك يا موسى قال هم أولاء على أثري وعجلت إليك رب لترضى﴾ [طه - ٨٤] لما كان الغرض من السؤال في استعجاله إنكار تركه القوم وراءه وتقدمه عليهم قدمه في الجواب وأخر ما وقع السؤال عنه. قلت: في كونه نظيراً له نظر، بل مثال له بحسب المعنى، وتوضيحه ما ذكره البيضاوي من أن قوله تعالى: ﴿وما أعجلك عن قومك يا موسى﴾ سؤال عن سبب العجلة يتضمن إنكارها من حيث إنها نقيصة في نفسها انضم إليها إغفال القوم وإبهام التعظيم عليهم، فلذلك أجاب موسى عن الأمرين وقدم جواب الإنكار لأنه أهم. قال: هم أولاء على أثري أي ما تقدم عنهم إلا بخطا يسيرة لا يعتد بها إعادة وليس بيني وبينهم إلا مسافة قريبة يتقدم بها الرفقة بعضهم بعضاً، وعجلت إليك رب لترضى، فإن المسارعة إلى امتثال أمرك والوفاء بوعدك يوجب مرضاتك اهـ. ((قال:))) أي الملك للزائر ((هل لك عليه))) أي على المزور ((من نعمة ترُبُّها))) بضم الراء والموحدة المشددة أي تقوم بإصلاحها وإتمامها أي هل هو مملوكك أو ولدك أو غيرهما ممن هو في نفقتك وشفقتك لتحسن إليه، من رب فلان الضيعة أي أصلحها وأتمها، وفي بعض النسخ ((هل له عليك من نعمة تربها؟ أي تقوم بشكرها، ثم قيل: نعمة مبتدأ ومن زائدة ولك خبره وعليه متعلق بحال محذوف أي هل لك نعمة داعية على زيارته تربها أي تحفظها أو تستزيدها بالقيام على شكرها، وقال الطيبي: أي هل أوجبت عليه شيئاً من النعم الدنيوية تذهب إليها فتربها أي تملكها منه وتستوفيها ((قال: لا، غير أني أحببته في الله))) أي ١٠/١١٣ ٢١٣ کتاب الآداب/ باب الحب في الله ومن الله قال: فإِنِي رسولُ الله إليكَ بأنَّ اللَّهَ قدْ أحبَّكَ كما أحببتَه فيه)). رواه مسلم. ٥٠٠٨ - (٦) وعن ابنِ مسعودٍ، قال: جاءَ رجلٌ إِلى النبيِّ وَ لَ فقال: يا رسولَ الله! كيفَ تقولُ في رجلٍ أحبَّ قوماً ولم يَلحقْ بهم؟ فقال: ((المرءُ معَ مَنْ أحبَّ)). متفق عليه. ٥٠٠٩ - (٧) وعن أنسٍ، أنَّ رجلاً قال: يا رسولَ الله! متى السَّاعةُ؟ ليس لي داعية إلى زيارته إلا محبتي إياه في طلب مرضاة الله ((قال:))) أي الملك («فإني رسول الله ◌َّ﴿ إليك بأن الله قد أحبك كما أحببته فيه)))، ولعل وجه التشبيه أنه كما أحبه من غير سبب دنيوي كذلك الحق أحبه من غير باعث آخر من عمل أخروي، ويمكن أن تكون الكاف للتعليل كقوله تعالى: ﴿واذكروا كما هداكم﴾ [البقرة - ١٩٨] قال النووي: فيه فضل المحبة في الله وأنها سبب لحب الله وفضيلة زيارة الصالحين، وأن الإنسان قد يرى الملائكة، قلت: رؤية غير الأنبياء والرسل من المؤمنين للملائكة على صور البشر أمر واضح ثبت في صدر الكتاب في حديث جبريل وغيره، وإنما يقال هنا: فيه دليل على إرسال الله الملائكة إلى الأولياء ومخاطبته إياهم بتبليغ المرام زيادة على مرتبة الإلهام؛ والظاهر أن هذا من خصائص الأمم السابقة تحقيقاً الختم النبوّة والله سبحانه أعلم. (رواه مسلم). ٥٠٠٨ - (وعن ابن مسعود قال: ((جاء رجل إلى النبي وَّ فقال: يا رسول الله كيف تقول في رجل أحب قوماً))) أي من العلماء أو الصلحاء ((ولم يلحق بهم))) أي بالصحبة أو العلم أو العمل أو بمجموعهما أي لم يصاحبهم ولم يعامل معاملتهم وقيل: أي لم يرهم («فقال المرء: مع من أحب))) أي يحشر مع محبوبه ويكون رفيقاً لمطلوبه قال تعالى: ﴿ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم﴾ [النساء - ٦٩] الآية. وظاهر الحديث العموم الشامل للصالح والطالح، ويؤيده حديث ((المرء على دين خليله)) كما سيأتي، ففيه ترغيب وترهيب ووعد وعيد. (متفق عليه). وفي الجامع الصغير ((المرء مع من أحب))(١) رواه أحمد والشيخان وأبو داود والترمذي والنسائي عن أنس، والشيخان أيضاً عن ابن مسعود، وفي رواية للترمذي عن أنس ((المرء مع من أحب وله ما اكتسب))(٢). ٥٠٠٩ - (وعن أنس أن رجلاً قال: يا رسول الله متى الساعة:) أي وقت قيام القيامة ولما الحديث رقم ٥٠٠٨: أخرجه البخاري في صحيحه ٥٥٧/١٠ الحديث رقم ٦١٦٩ ومسلم في ٤/ ٢٠٣٤ الحديث رقم (١٦٥ - ٢٦٤٠)، وأبو داود في السنن ٣٤٤/٥ الحديث رقم ٥١٢٦، والترمذي في السنن ٥١٤/٤ الحديث رقم ٢٣٨٧، والدارمي في ٤١٤/٢ الحديث رقم ٢٧٨٧، وأحمد في المسند ٣٩٢/١. (٢) الجامع الصغير ٢/ ٥٥٠ الحديث رقم ٩١٩١. (١) الجامع الصغير ٢/ ٥٥٠ الحديث رقم ٩١٩٠٠ الحديث رقم ٥٠٠٩: أخرجه البخاري في صحيحه ٥٥٣/١٠ الحديث رقم ٦١٦٧، ومسلم في ٤/ ٢٠٣٢، الحديث رقم (١٦١ - ٢٦٣٩)، والدارمي في السنن ٤١٤/٢ الحديث رقم ٢٧٨٧، وأحمد في المسند ١٦٨/٣. فى تعهد !۔ ٢١٤ كتاب الآداب/ باب الحب في الله ومن الله قال: ((وَيلكَ! وما أعدَذْتَ لها؟)). قال: ما أعدَدتُ لها إِلاَّ أني أُحبُّ اللَّهَ ورسولَه. قال: ((أنتَ معَ مَنْ أحبَبتَ)). قال أنسٌ: فما رأيتُ المسلمينَ فرحوا بشيءٍ بعدَ الإِسلامِ فرحهم بها . كان السؤال محتملاً لأن يكون تعنتاً وإنكاراً لها وأن يكون تصديقاً بها وإشفاقاً منها واشتياقها للقاء بها ((قال:))) امتحاناً له ((ويلك وما أعددت لها))) وإلا لو تحقق عنده ◌َّه إيمانه بها وإيقانه لها لقال له: ويحك بدل ويلك ((قال: ما أعددت لها إلا أني أحب الله ورسوله))) ولم يذكر غيره من العبادات القلبية والبدنية والمالية لأنها كلها فروع للمحبة مترتبة عليها ولأن المحبة هي أعلى منازل السائرين وأغلى مقامات الطائرين، فإنها باعثة لمحبة الله أو نتيجة لها قال تعالى: ﴿يحبهم ويحبونه﴾ [المائدة - ٥٤] وقال: ﴿إن كنتم تحبون الله فاتبعوني یحببكم الله﴾، فكان من المعلوم الواضح عندهم أن المحبة المجردة من غير المتابعة ليس لها كثير فائدة ولا كبير عائدة ((قال: أنت مع من أحببت))) أي ملحق بمن غلب محبته على محبة غيره من النفس والأهل. والمال ومدخل في زمرته ومن علامة المحبة الصادقة أن يختار أمر المحبوب ونهيه على مراد غيره، ولذا قالت رابعة العدوية: هذا لعمري في القياس بديع تعصي الإله وأنت تظهر حبه إن المحب لمن يحب مطيع لو كان حبك صادقاً لأطعته ١ وقال الطيبي: سلك مع السائل طريق الأسلوب الحكيم لأنه سأل عن وقت الساعة فقيل له: فيم أنت من ذكراها، وإنما يهمك أن تهتم بأهبتها وتعتني بما ينفعك عند إرسالها من العقائد الحقة والأعمال الصالحة، فأجاب بقوله: ما أعددت لها إلا أني أحب الله ورسوله اهـ. وبعده من المبني والمعنى لا يخفى (قال أنس: ((فما رأيت المسلمين فرحوا بشيء بعد الإسلام») أي بعد فرحهم به أو دخولهم فيه ((فرحهم))) بفتحات أي كفرحهم ((بها») أي بتلك الكلمة، وهي ((أنت مع من أحببت)). قال الخطابي: ألحقه عليه السلام بحسن النية من غير زيادة عمل بأصحاب الأعمال الصالحة اهـ، ولا يخلو عن إيهام وإبهام، والتحقيق أنهم حسبوا أن لا تحصل المعية بمجرد المحبة مع وجود المتابعة، بل تتوقف على كثرة العبادات وزيادة الرياضات والمجاهدات، ويدل عليه ما أورده عماد الدين ابن كثير في تفسيره بإسناده إلى عائشة قال: ((جاء رجل إلى النبي ◌ّله فقال: يا رسول الله إنك لأحب إلي من نفسي وأحب إلي من أهلي وأحب إلي من ولدي وأني لأكون في البيت فاذكرك فما أصبر حتى آتيك فانظر إليك وإذا ذكرت موتي وموتك عرفت أنك إذا دخلت الجنة رفعت مع النبيين وإن دخلت الجنة خشيت أن لا أراك)» فلم يرد عليه النبي ◌َّل حتى نزلت: ﴿ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً﴾ [النساء - ٦٩] فتبين بهذا أن المراد بالمعية هنا معية خاصة، وهى أن تحصل فيها الملاقاة بين المحب والمحبوب أنهما يكونان في درجة واحدة لأنه بديهي البطلان. وقد روي مالك عن أبي هريرة أن رسول الله وسلم قال: ((إن أهل الجنة ليتراؤون في الجنة كما تراؤون أو ترون الكوكب الدري الغارب في ٢١٥ كتاب الآداب/ باب الحب في الله ومن الله متفق عليه . ٥٠١٠ - (٨) وعن أبي موسى، قال: قال رسولُ الله [٣٧٥ - أ -] وَلَ: ((مثلُ الجليسِ الصالحِ والسَّوءِ، كحامل المسكِ ونافخ الكيرِ؛ فحاملُ المسكِ إِمَّا أن يُحذيكَ وإِمَّا أن تبتاعَ منه، وإِمَّا أن تجدَ منه ريحاً طيّةً؛ ونافخُ الكيرِ إِمَّا أن يُحرِقَ ثيابَكَ، وإِمَّا أنْ تجد منه ريحاً خبیئةً)). الأفق الطالع في تفاضل الدرجات، قالوا: يا رسول الله أولئك النبيون قال: بلى والذي نفسي بيده أقوام آمنوا بالله وصدقوا المرسلين))، يعني وأنهم عملوا بمقتضى إيمانهم وتصديقهم ما يدل على إيقانهم وتحقيقهم، ثم جاء في حديث بيان كيفية الملاقاة المذكورة وهو ما ذكره ابن كثير في تفسيره عن ابن جرير، حدثنا المثنى، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع في قوله تعالى: ﴿ومن يطع الله ورسوله﴾ [النساء - ١٣] الآية. قال: إن أصحاب رسول الله بكلّ قالوا: قد علمنا أن النبي ◌ّ# له فضل على من آمن به في درجات الجنات وعلى من اتبعه وصدقه، وكيف لهم إذا اجتمعوا في الجنة أن يرى بعضهم بعضاً فأنزل الله في ذلك يعني هذه الآية فقال: يعني رسول الله ◌َّلة: ((إن الأعلين ينحدرون إلى من هو أسفل منهم، فيجتمعون في رياضها فيذكرون ما أنعم الله عليهم، ويثنون عليه، وينزل لهم أهل الدرجات فيسعون عليهم بما يشتهون وما يدعون به، فهم في روضة يحبرون ويتنعمون))، ثم الظاهر أن هذه المعية والمواجهة والمجاملة تختلف باختلاف حسن المعاملة والله أعلم. (متفق عليه). ٥٠١٠ - (وعن أبي موسى قال: قال رسول الله وَلقر: ((مثل الجليس))) أي المجالس ((الصالح والسوء))) بفتح السين ويضم أي والجليس الصالح ((كحامل المسك))) ناظر إلى الأوّل ((ونافخ الكير))) بكسر الكاف زق ينفخ فيه الحدّاد، وأما المبنى من الطين فكور كذا في القاموس ((فحامل المسك أما أن يحذيك))) من الأحذاء أي يعطيك مجاناً ((وإما أن تبتاع منه))) أي تشتري ((وإما أن تجد منه رائحة طيبة)))، وهذا بيان أقل المنفعة ((ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك») من الاحراق أي يكون سبباً للإحراق أو التقدير يحرق بناره ثيابك، ولعله وقع اختصاراً حيث لم يقل: إما أن يحرق أعضاءك أو ثيابك ((وأما أن تجد منه ريحاً خبيثة))) أي دخانه وهذا أقل المضرة، والمعنى فعليك بمحبة الأوّل ومصاحبته وإياك، ومودة الثاني ومرافقته، قيل: فيه إرشاد إلى الرغبة في صحبة الصلحاء والعلماء ومجالستهم فإنها تنفع في الدنيا والآخرة، وإلى الاجتناب عن صحبة الأشرار والفساق فإنها تضر ديناً ودنيا، قيل: ((مصاحبة الأخيار تورث الخير ومصاحبة الأشرار تورث الشر كالريح إذا هبت على الطيب عبقت طيباً، وإن مرت على النتن حملت نتناً وقيل: إذا جالست الحمقى علق بك من حماقتهم ما لا يعلق بك من العقل إذا الحديث رقم ٥٠١٠: أخرجه البخاري في صحيحه ٩/ ٦٦٠ الحديث رقم ٥٥٣٤، ومسلم في ٢٠٢٦/٤ الحديث رقم (١٤٦ - ٢١٢٨)، وأبو داود في السنن ١٦٦/٥ الحديث رقم ٤٨٢٩، وأحمد في المسند ٤٠٨/٤. ١٨٤- APRL *: كتاب الآداب/ باب الحب في الله ومن الله ٢١٦ متفق عليه. الفصل الثاني ٥٠١١ _ (٩) عن معاذٍ بن جبل، قال سمعتُ رسولَ الله وَله يقول: ((قال اللَّهُ تعالى: وجَبَتْ محبَّتي للمتحابّينَ فيَّ، والمتجالسينَ فيَّ، والمتزاورينَ فيَّ، والمتباذلينَ فِيّ)). رواه مالك. وفي رواية الترمذيٍّ، قال: ((يقولُ اللَّهُ تعالى: المتحابُّونَ في جلالي جالست العقلاء لأن الفساد أسرع إلى الناس وأشد اقتحاماً في الطبائع)). والحاصل أن الصحبة تؤثر، ولذا قال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين﴾ [التوبة - ١٨٩] وقال بعض العارفين: ((كونوا مع الله، فإن لم تقدروا أن تكونوا مع الله فكونوا من يكون مع الله)). وتفصيل هذه المسألة وتفصيل الخلطة والعزلة في الأحياء بطريق الاستقصاء. (متفق عليه). وفي الجامع الصغير ((مثل الجليس الصالح والجليس السوء كمثل صاحب المسك وكبر الحداد لا يعديك من صاحب المسك إما تشتريه أو تجد ريحه، وكير الحداد يحرق بيتك أو ثوبك أو تجد منه ريحاً خبيثة)) (١). رواه البخاري عن أبي موسى ((مثل الجليس الصالح مثل العطار إن لم يعطك من عطره أصابك من ريحه))(٢). رواه أبو داود والحاكم عن أنس ((مثل المؤمن كمثل العطار إن جالسته نفعك وإن ماشيته نفعك وإن شاركته نفعك)) (٣). رواه الطبراني عن ابن عمر والله أعلم. (الفصل الثاني) جو+ مصر Ba aimap ٥٠١١ - (عن معاذ بن جبل قال: سمعت رسول الله وَ ال* يقول: ((قال الله تعالى: وجبت) أي ثبتت أو تقدمت ((محبتي للمتحابين في))) بتشديد التحتية أي لأجلي ((والمتجالسين في))) أي في حبي أو سبيلي ((والمتزاورين في))) بأن يزور بعضهم بعضاً لعيادة ونحوها ((والمتباذلين))) أي بأن يبذل بعضهم لبعض المال ((فيّ))) أي في رضائي. (رواه مالك))). وفي الجامع الصغير رواه أحمد والطبراني والحاكم والبيهقي عن معاذ(٤)، (وفي رواية الترمذي) بالإضافة ((قال: يقول الله تعالى: المتحابون في جلالي))) أي لأجل إجلالي وتعظيمي أو هو من الجامع الصغير ٤٩٧/٢ الحديث رقم ٨١٣٠. (١) الجامع الصغير ٤٩٧/٢ الحديث رقم ٨١٣١. (٢) (٣) الجامع الصغير ٤٩٨/٢ الحديث رقم ٨١٤٤. الحديث رقم ٥٠١١: أخرجه الترمذي في السنن ٥١٥/٤ الحديث رقم ٢٣٩٠، ومالك في الموطأ ٩٥٣/٢ الحديث رقم ١٦ وأحمد في المسند ٢٤٧/٥. (٤) الجامع الصغير ٢/ ٣٧٥ الحديث رقم ٦٠٣٨. ١٠ .٫٨ ٢١٧ كتاب الآداب/ باب الحب في الله ومن الله لهم منابرُ من نورٍ يغبِطهم النبيُّونَ والشهداءُ)). باب الاكتفاء كما سبق ((لهم منابر من نور يغبطهم النبيون والشهداء))) بكسر الموحدة من الغبطة بالكسر وهي تمني نعمة على أن لا تتحوّل عن صاحبها بخلاف الحسد، فإنه تمنى زوالها عن صاحبها، فالغبطة في الحقيقة عبارة عن حسن الحال كذا قيل، وفي القاموس الغبطة حسن الحال والمسرة فمعناها الحقيقي مطابق للمعنى اللغوي، فمعنى الحديث يستحسن أحوالهم الأنبياء والشهداء وبهذا يزول الإشكال الذي تحير فيه العلماء. وفي الجامع الصغير ((المتحابون في الله على كراسي من ياقوت حول العرش)) (١). رواه الطبراني عن أبي أيوب. وقال القاضي كل ما يتحلى به الإنسان أو يتعاطاه من علم وعمل فإن له عند الله منزلة لا يشاركه فيه صاحبه ممن لم يتصف بذلك، وإن كان له من نوع آخر ما هو أرفع قدراً وأعز ذخراً فيغبطه بأن يتمنى ويحب أن يكون له مثل ذلك مضموماً إلى ماله من المراتب الرفيعة والمنازل الشريفة، وذلك معنى قوله: ﴿يغبطهم النبيون والشهداء﴾ فإن الأنبياء قد استغرقوا فيما هو أعلى من ذلك من دعوة الخلق وإظهار الحق وإعلاء الدين وإرشاد العامة والخاصة إلى غير ذلك من كليات أشغلتهم عن العكوف على مثل هذه الجزئيات، والقيام بحقوقها والشهداء وإن نالوا رتبة الشهادة وفازوا بالفوز الأكبر، فلعلهم لم يعاملوا مع الله معاملة هؤلاء فإذا رأوهم يوم القيامة في منازلهم وشاهدوا قربهم وكرامتهم عند الله ودوا لو كانوا ضامين خصالهم، فيكونون جامعين بين الحسنتين فائزين بالمرتبتين، هذا والظاهر أنه لم يقصد في ذلك إلى إثبات الغبطة لهم على حال هؤلاء بل بيان فضلهم وعلوّ شأنهم وارتفاع مكانهم وتقريرها على آكد وجه وأبلغه، والمعنى أن حالهم عند الله يوم القيامة بمثابة لو غبط النبيون والشهداء يومئذ مع جلالة قدرهم ونباهة أمرهم حال غيرهم لغبطوهم، وقال الطيبي: يمكن أن تحمل الغبطة هنا على استحسان الأمر المرضي المحمود فعله لأنه لا يغبط إلا في الأمر المحبوب المرضي، كأن الأنبياء والشهداء يحمدون إليهم فعلهم ويرضون عنهم فيما اتجروا من المحبة في الله، ويعضده ما رويناه في صحيح مسلم عن المغيرة بن شعبة أنه غزا مع رسول الله وَ لو بتبوك قال: فتبرز رسول الله وَلّر قبل صلاة الفجر للوضوء وحملت معه أداوة ثم أقبلنا حتى نجد الناس قدموا عبد الرحمن بن عوف فصلى بهم، فأدرك رسول الله و له إحدى الركعتين فصلى مع الناس الركعة الأخيرة، فلما سلم عبد الرحمن قام رسول الله وَسير يتم صلاته فأفزع ذلك المسلمين فأكثروا التسبيح، فلما قضى رسول الله وَلّ أقبل عليهم ثم قال: ((أحسنتم)) أو قال: أصبتم يغبطهم أن صلوا الصلاة لوقتها(٢)، فقوله: يغبطهم الخ كلام الراوي تفسيراً وبياناً لقوله وَالتر: ((أحسنتم أو أصبتم)) قال: وأيضاً لا يبعد أن هذه الحالة في المحشر قبل دخول الناس في الجنة أو النار لقوله يعني في الحديث الآتي ((لا يخافون إذا خاف الناس))، والتعريف للاستغراق فيحصل لهؤلاء الأمن والفراغ في بعض الأوقات ما لا يحصل لغيرهم لاشتغالهم بحال أنفسهم أو حال أمتهم فيغبطونهم لذلك (١) الجامع الصغير ٢ /٥٤٩ الحديث رقم ٩١٦٧. (٢) مسلم في صحيحه ٣١٧/١ الحديث رقم (١٠٥ - ٢٧٤). غرام : HATE ٢١٨ كتاب الآداب/ باب الحب في الله ومن الله ٥٠١٢ - (١٠) وعن عُمَرَ، قال: قال رسول الله وَله: ((إِنَّ منْ عبادِ الله لأُناساً ما هُم بأنبياءَ ولا شهداءَ يغبطُهم الأنبياءُ والشهداءُ يومَ القيامةِ بمكانهم من اللَّهِ)). قالوا: يا رسولَ الله! تخبرُنا مَن هُم؟ قال: ((هُم قومٌ تحابَّوا بروحِ الله، اهـ. وقوله: فيحصل لهؤلاء الأمن ما لا يحصل لغيرهم غير صحيح لقوله تعالى: ﴿الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن﴾ [الأنعام - ٨٢] وأيضاً تصوّر أمن المتحابين وخوف الأنبياء على أنفسهم خطأ فاحش لأنه يلزم منه تفضيل الأولياء على الأنبياء كما يشعر به ظاهر الحديث، والعلماء عاملون في تأويله بوجه يزيل الإشكال والله أعلم بالحال. وكذا قول بعض الشراح: ((يغبطهم وقت الحساب قبل دخولهم الجنة يعني هم على المنابر والخلق في الحساب)) اهـ، وهو بظاهره عدول عن صوب الصواب. ٥٠١٢ - (وعن عمر قال: قال رسول الله وَله: ((إن من عباد الله))) أي الكاملين في الإيمان العاملين بالإحسان ((لأناساً))) أي جماعة عظيمة من الأولياء ((ما هم بأنبياء ولا شهداء يغبطهم الأنبياء))) أي ممن فاتهم التزاور، وإلا فالتحابب والتجالس لله بين كل نبي وأمته حاصل بلا شبهة اللهم إلا أن يراد بالتحابب ونحوه وجود الفعل بين المتماثلين ((والشهداء))) أي ممن فاتهم المجالسة ونحوها ((يوم القيامة بمكانهم))) أي بمنزلة الأولياء المتحابين ومكانتهم ومرتبتهم الزائدة على غيرهم ((من الله))) أي من قربه سبحانه ((قالوا: يا رسول الله تخبرنا») بهمزة مقدرة وهو أقرب إلى الأدب أو خبر معناه الأمر بمعنى الالتماس أي أخبرنا ((من هم قال: هم قوم تحابوا))) اقتصر عليه لأن ما سبق من التجالس والتزاور والتبادل فرع التحابب، والمعنى تحابب بعضهم بعضاً ((بروح الله))) بضم الراء وهو ما يحيا به الخلق ويكون حياة لهم، وفي بعض النسخ بفتحها، ففي النهاية الروح بفتح الراء نسيم الريح، فالمعنى أنه بإذن الله أو بنفحة من نفحاته، ومنه ما روي ((أني لأجد نفسي الرحمن من قبل اليمن))، وأن الله في أيام دهركم نفحات إلا فتعرضوا لها، ففيه إيماء إلى أن هذه النعمة لم تحصل لكل أحد، ولا توجد في كل وقت لأنها تتوقف على جذبة من جذبات الحق توازي عمل الثقلين، فالتحابب سبب التجاذب، وأما رواية الضم، فقال القاضي: الروح بضم الراء قيل: أراد به هنا القرآن لقوله تعالى: ﴿وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا﴾ [الشورى - ٥٢] سمي بذلك لأنه يحيا به القلب كما يحيا بالروح البدن، والمعنى أنهم يتحابون بداعية الإسلام، ومتابعة القرآن وما حثهم عليه من موالاة المسلمين ومصادقتهم اهـ. وخلاصته أن السبب الداعي إلى تحاببهم هو الوحي المنزل الهادي إلى سواء السبيل لا شيء آخر من الأغراض، وقيل: المراد من الروح المحبة، فإنه يقال: أنت روحي أي محبوبي كالروح أي تحابوا بما ألقى الله في قلوبهم من المحبة الخالصة لله عزَّ وجلّ، وأما قول الطيبي ومنه قوله تعالى: ﴿فأرسلنا إليها روحنا﴾ [مريم - ١٧] فبعيد جداً، إذا المراد به جبريل باتفاق المفسرين وسمي روحاً لأن الدين يحيا به ووحيه الحديث رقم ٥٠١٢: أخرجه أبو داود في السنن ٧٩٩/٣ الحديث رقم ٣٥٢٧، وأحمد في المسند ٣٤٣/٥. ٢١٩ ٠٢٣٠ كتاب الآداب/ باب الحب في الله ومن الله على غيرِ أرحام بينهم، ولا أموالٍ يتعاطَونَها، فوَالله إِنَّ وُجوهَهم لنورٌ، وإِنَّهم لعلى نورٍ، لا يخافونَ إِذا خافَ النَّاس، ولا يحزنونَ إِذا حزنَ النَّاسُ)) وقرأَ هذه الآية: ﴿إِلاَّ إِنَّ أولياء اللَّهِ لا خوف عليهم ولا هم يحزنونَ﴾. رواه أبو داود. ٥٠١٣ - (١١) ورواه في ((شرح السنة)) عن أبي مالك بلفظ ((المصابيح)) مع زوائد وكذا في ((شعب الإيمان)). ((على غير أرحام))) أي حال كون تحاببهم على غير أرحام ((بينهم))) أي بغير سبب نسب صوري بل لأجل قرب معنوي ((ولا أموال))) أي ولا اشتراك أموال ((يتعاطونها))) أي بالمعاملة أو المجاملة، ولما كانت الأغراض الفاسدة في المحبة منحصرة في أنها إما أن تكون للقرابة على ما هو مركوز في الطبائع أو للمال من حيث إنه مطمح الأطماع اقتصر عليهما، والمقصود تحسين النية وتزيين الطوية ((فوالله أن وجوههم لنور))) أي منورة أو ذات نوراً وهي نفس النور مبالغة كرجل عدل ((وأنهم لعلى نور))) أي على منابر من نور كما جاء في حديث آخر قال القاضي: وهو تمثيل لمنزلتهم ومحلهم مثلها بما هو أعلى ما يجلس عليه في المجالس والمحافل على أعز الأوضاع وأشرفها من جنس ما هو أبهى وأحسن ما يشاهد ليدل على أن رتبتهم في الغاية القصوى من العلاء والشرف والبهاء اهـ. وعبر عنها بالنور مبالغة ((فهم نور على نور في غاية من الظهور ولهم سرور على سرور)) (لا يخافون إذا خاف الناس ولا يحزنون إذا حزن الناس))) بكسر الزاي ((وقرأ))) أي النبي وَالأر استشهاداً للفقرة الأخيرة من الحديث أو قرأ الصحابي اعتضاداً (هذه الآية ((إلا)) للتنبيه (﴿إن أولياء الله﴾) أي المتقون الأعم من المتحابين (﴿لا خوف عليهم)) أي يوم القيامة من لحوق عقاب (﴿ولا هم يحزنون)) من فوت ثواب. (رواه أبو داود) أي عن عمر بلفظ المشكاة . ٥٠١٣ - (ورواه) أي البغوي (في شرح السنة) أي بإسناده (عن أبي مالك). قال المؤلف في فصل الصحابة: هو كعب بن عاصم الأشعري، كذا قاله البخاري في التاريخ وغيره، روى عنه جماعة مات في خلافة عمر - (بلفظ المصابيح مع زوائد) أي مع كلمات زائدة أو مع زوائد فوائد على حديث أبي داود - (وكذا) أي مثل حديث المصابيح (في شعب الإيمان) أي للبيهقي ولفظ المصابيح هكذا عن أبي مالك الأشعري أنه قال: كنت عند النبي ◌َّلير إذ قال: ((إن الله عزَّ وجلّ عباد ليسوا بأنبياء ولا شهداء يغبطهم النبيون والشهداء بقربهم ومقعدهم من الله يوم القيامة)) فقال أعرابي: حدثنا من هم؟ فقال: ((هم عباد من عباد الله من بلدان شتى وقبائل شتى لم يكن بينهم أرحام يتواصلون ولا دنيا يتباذلون بها يتحابون بروح الله يجعل الله وجوههم نوراً (١) سورة يونس، الآية: ٦٢. الحديث رقم ٥٠١٣: أخرجه البغوي في شرح السنة ٥٣/١٣ الحديث رقم ٣٤٦٨، والبيهقي في شعب الإيمان ٤٨٦/٦ الحديث رقم ٨٩٩٨. ٢٢٠ كتاب الآداب/ باب الحب في الله ومن الله ٥٠١٤ _ (١٢) وعن ابنِ عبَّاسٍ، قال: قال رسولُ اللهِ وَلَوَ لأبي ذرًّ: ((يا أبا ذرً! أيُّ عُرى الإيمانِ أوثقُ؟)) قال: اللَّهُ ورسولُه أعلمُ. قال: ((الموالاةُ في اللَّهِ، والحبُّ في الله، والبُغضُ في الله)). رواه البيهقي في ((شعب الإيمان)). ٥٠١٥ _ (١٣) وعن أبي هريرةَ، أنَّ النبيَّ بَِّ قال: ((إِذا عادَ المسلمُ أخاهُ أوْ زارَه ويجعل لهم منابر من نور قدام عرش الرحمن)). قال ابن مالك في شرحه: هذا عبارة عن قرب المنزلة من الله عزَّ وجلّ، وقال شارح آخر قوله: قدم الرحمن أي قدام عرش الرحمن يفزع الناس ولا يفزعون، ويخاف الناس ولا يخافون. قال ابن الملك: الفرق بين الفزع والخوف أن الفزع أشد أنواع الخوف وقيل: الفزع خوف مع جبن، والخوف غم يلحق الإنسان بسبب أمر مكروه سيقع اهـ، والأظهر في الفرق أن المراد بالفزع هنا الاستغاثة على ما في القاموس، وهي تنشأ من خوف العقوبة، وقد تكون من طمع تعلية الدرجة والله أعلم. هذا وكان حق المؤلف أن يصدر الحديث بقوله عن ابن مالك، ويأتي بالحديث على ما في المصابيح بمقتضى أصله فيقول: رواه البيهقي في الشعب، وكذا رواه في شرح السنة، ثم يقول: ورواه أبو داود ونحوه مع تغيير يسير، لكن من رواية عمر لأن التصنيف معهما أمكن حقه أن لا يغير. ١٩٫٧٥ الأمة المعلم: ٥٠١٤ _ (وعن ابن عباس قال: قال رسول الله وَل﴿ لأبي ذر: ((يا أبا ذر أي عرى الإيمان))) بضم عين وفتح راء جمع عروة، وهي في الأصل ما يتعلق به من طرف الدلو والكوز ونحوهما فاستعير لما يتمسك به في أمر الدين يتعلق به من شعب الإيمان وقوله: ((أوثق))) أي أحكم ((قال: الله ورسوله أعلم)))، ولعل الحكمة في السؤال بأن يقع الجواب في حال التوجه إليه وإقبال الفكر عليه فهو بمنزلة التأكيد لديه ((قال: المولاة في الله))) أي المعاونة والمحاببة من الطرفين ((والحب في الله))) أي لأجله ولو من طرف واحد كحبنا لبعض أولياء الله ممن لم يرنا ولا نراه ((والبغض في الله)) أي في سبيله قال تعالى: ﴿لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه﴾ [المجادلة - ٢٢] الآية. (رواه البيهقي في شعب الإيمان)، ورواه الطبراني عن ابن عباس مرفوعاً بلفظ «أوثق عرى الإيمان الموالاة في الله، والمعاداة في الله، والحب في الله، والبغض في الله عزَّ وجلّ)). وروى أبو داود والضياء عن أبي أمامة مرفوعاً ((من أحب الله وأبغض لله وأعطى الله ومنع لله فقد استكمل الإيمان))(١)، وفي رواية فقد استکمل إيمانه. ٥٠١٥ - (وعن أبي هريرة أن النبي ◌َّلي قال: إذا عاد المسلم أخاه) أي مريضاً (أو زاره) الحديث رقم ٥٠١٤: أخرجه البيهقي في شعب الإيمان ٧/ ٧٠ الحديث رقم ٩٥١٤. (١) أبو داود في السنن ٥/ ٦٠ الحديث رقم ٤٦٨١. الحديث رقم ٥٠١٥: أخرجه الترمذي في السنن ٣٢٠/٤ الحديث رقم ٢٠٠٨، وابن ماجه في ٤٦٤/١، وأحمد في المسند ٣٤٤/٢.