Indexed OCR Text

Pages 401-420

٤٠١
كتاب الطب والرقى / باب الفأل والطيرة
في شيءٍ ففي الدارِ والفرسِ والمرأةِ)).
(في شيء) أي من الأشياء ((ففي الدار))) أي فهي في الدار الضيقة ((والفرس))) أي الجموح
((والمرأة)))، أي السليطة، والمعنى أن فرض وجودها تكون في هذه الثلاثة، ويؤيده ما ورد في
الصحيح بلفظ: ((إن كان الشؤم في شيء، ففي الدار والمرأة والفرس))، والمقصود منه نفي
صحة الطيرة على وجه المبالغة، فهو من قبيل قوله ◌َلغير («لو كان شيء سابق القدر، لسبقته
العين))، فلا ينافيه حينئذ عموم نفي الطيرة في هذا الحديث وغيره. وقيل: إن تكن بمنزلة
الاستثناء أي لا تكون الطيرة إلا في هذه الثلاثة، فيكون أخباراً عن غالب وقوعها، وهو لا
ينافي ما وقع من النهي عنها. وقيل: يحتمل أنه و * عرف أن في هذه الأشياء ما يقع عن اليمن
بمعزل، فلا يبارك لصاحبه فيه، ويدل عليه قوله وَلجر: ((ذروها ذميمة)) ولكن لما كان ذلك أمراً
مخفياً لا يطلع عليه أحد إلا بالتخمين والظن أتى فيه بصيغة التردد لئلا يجترىء أحد على القول
فيه بالظن والتخمين، وقيل: أراد بالطيرة الكراهة الطبيعية لا التشاؤم كأنه قال: ((إن كرهتم هذه
الأشياء فأبدلوها بالأخرى))، قلت: وهذا معنى حسن ومقصد مستحسن لولا أنه جاء في رواية،
فإن يكن الشؤم في شيء الخ. هذا وفي شرح مسلم للنووي قال الخطابي وكثيرون: هو في
معنى الاستثناء من الطيرة أي الطيرة منهي عنها إلا في هذه الأشياء. قال الطيبي: يحتمل أن
يكون معنى الاستثناء على حقيقته، وتكون هذه الأشياء خارجة من حكم المستثنى منه أي الشؤم
ليس في شيء من الأشياء إلا في هذه الأشياء كما ورد في رواية لمسلم ((إنما الشؤم في ثلاثة
المرأة والفرس والدار))، وفي رواية ((الشؤم في الدار والمرأة والفرس)). وفي حديث أنس
((ذروها ذميمة)) قلت: وهذا عين كلام الجمهور مآلا، وإنما قالوا في معنى الاستثناء لأنه ليس
في الكلام من الأداة شيء، بل وقعت بعد نفي الطيرة، ونهيها جملة شرطية قد يستفاد منها
معنى الاستثناء. قال: ويحتمل أن ينزل على باب قوله تعالى: ﴿ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من
النساء إلا ما قد سلف﴾ [النساء - ٢٢] قلت: على تقدير صحة كون الحديث من باب الآية،
ففي الآية أقوال، فقيل: استثناء من المعنى اللازم للنهي كأنه قيل: تستحقون العقاب بنكاح ما
نكح آباؤكم إلا ما قد سلف، أو من لفظ ((ما نكح)) للمبالغة في التحريم والتعميم كقول
الشاعر :
ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم
ويسد الطريق في إباحته كما تعلق بالمحال في التأييد نحوه قوله تعالى: ﴿حتى بلج
الجمل﴾ [الأعراف - ٤٠] والمعنى ((ولا تنكحوا حلائل آبائكم إلا ما قد سلف أن أمكنكم أن
تنكحوه))، وذلك غير ممكن، وقيل: الاستثناء منقطع، ومعناه لكن ما قد سلف، فإنه لا
مؤاخذة عليه لا أنه مقرور ولا يخفى إن شيئاً من هذه المعاني لا يلائم المقام ليبني عليه
الكلام، نعم بحسب المعنى يمكن حمله على المعنى الأوسط، ويؤيده قول الطيبي عطفاً على
باب قوله تعالى وقوله وَ ير ((لو كان شيء سابق القدر سبقته العين))، وقد سبق تقريره، وعليه
كلام القاضي حيث قال: ووجه تعقيب قوله: ((ولا طيرة)) بهذه الشرطية أنها تدل على أن الشؤم
أيضاً منفي عنها، والمعنى أن الشؤم لو كان له وجود في شيء لكان في هذه الأشياء، فإنها أقبل

٤٠٢
ther
- ٠٠٠٠٠.
كتاب الطب والرقى / باب الفأل والطيرة
رواه أبو داود.
٤٥٨٧ - (١٢) وعن أنسٍ، أن النبي ◌َّ كان يُعجبه إِذا خرج لحاجةٍ أن يسمع: يا
راشد، يا نجيح. رواه الترمذي.
٤٥٨٨ _ (١٣) وعن بريدة: أن النبي وَ﴿ كان لا يتطيرُ من شيءٍ، فإِذا بعثَ عاملاً
سألَ عن اسمِهِ فإِذا أعجبَهُ فرحَ به، ورُئِي بِشْرُ ذلكَ في
الأشياء لها، لكن لا وجود له فيها، فلا وجود له أصلاً اهـ. كلامه فعلى هذا الشؤم في
الأحاديث المستشهد بها محمول على الكراهية التي سببها ما في الأشياء من مخالفة الشرع أو
٤) الطبع كما قيل: ((شؤم الدار ضيقها، وسوء جيرانها))، وكذا شبهة في كناها وبعدها عن الجماعة
بحيث تفوته الصلاة مع الإمام، وشؤم المرأة عدم ولادتها وسلاطة لسانها وغلاء مهرها ونحوها
من حملها الزوج على ما لا يليق بأرباب التقوى، وشؤم الفرس أن لا يغزى عليها أو يركب
عليها افتخاراً وخيلاء))، وقيل: ((حرانها وغلاء ثمنها)) ويؤيده ما ذكر في شرح السنة كأنه يقول:
إن كان لأحدكم دار يكره سكناها أو امرأة، يكره صحبتها أو فرس لا تعجبه فليفارقها بأن ينتقل
عن الدار، ويطلق المرأة، ويبيع الفرس حتى يزول عنه ما عده في نفسه من الكراهة، كما
قال ◌َّهر في جواب من قال: يا رسول الله إنا كنا في دار كثر فيه عددنا الخ ((ذروها ذميمة))،
فأمرهم بالتحوّل عنها لأنهم كانوا فيها على استثقال لظلها واستيحاش، فأمرهم النبي ◌َّ
بالانتقال عنها ليزول عنهم ما يجدون من الكراهة لا أنها سبب في ذلك اهـ. وحاصله أن تغيير
هذه الثلاثة ليست من باب الطيرة المنهية، بل جائزة وإن كان في الظاهر تشبه بالتطير، ولعل
هذا وجه قول الأكثر رضي الله عنهم أجمعين. (رواه أبو داود). وفي الجامع: ((إن كان الشؤم
في شيء، ففي الدار والمرأة والفرس))(١). رواه مالك وأحمد والبخاري وابن ماجه عن سهل
بن ساعد، والشيخان عن ابن عمر، ومسلم والنسائي عن جابر رضي الله عنه.
٤٥٨٧ - (وعن أنس رضي الله عنه أن النبي ◌َلير كان يعجبه) أي يستحسنه ويتفاءل به (إذا
خرج لحاجة أن يسمع يا راشد) أي واجد الطريق المستقيم (يا نجيح) أي من قضيت حاجته،
والمراد هذا وأمثاله لما ورد من أنه كان يعجبه الفأل الحسن ويكره الطيرة على ما في الجامع
من رواية ابن ماجه عن أبي هريرة، والحاكم عن عائشة. (رواه الترمذي).
٤٥٨٨ - (وعن بريدة رضي الله تعالى عنه أن النبي والأر كان لا يتطير من شيء) أي من
جهة شيء من الأشياء إذا أراد فعله، ويمكن أن تكون من مرادفة للباء، فالمعنى ما كان يتطير
بشيء مما يتطير به الناس، (فإذا بعث عاملاً) أي أراد إرسال عامل (سأل عن اسمه، فإذا أعجبه
اسمه فرح به ورئي) أي أبصر وظهر (بشر ذلك) بكسر الموحدة أي أثر بشاشته وانبساطه (في
(١) الجامع الصغير ١/ ١٦٠ الحديث رقم ٢٦٧٢.
الحديث رقم ٤٥٨٧: أخرجه الترمذي في السنن ١٣٨/٤ الحديث رقم ١٦١٦.
الحديث رقم ٤٥٨٥: أخرجه أبو داود في السنن ٢٣٦/٤ الحديث رقم ٣٩٢٠، وأحمد في المسند ٣٤٧/٥.

١٩٦٤٠
كتاب الطب والرقى / باب الفأل والطيرة
٤٠٣
وجهِهِ. وإِنْ كَرِهِ اسمَه رُئي كراهيةُ ذلك في وجهه. وإِذا دخل قريةً سأل عن اسمِها، فإِنْ
أعجبَهُ اسمُها فرح به ورُئي بشر ذلك في وجهه، وإِن كره اسمها رُئي كراهية ذلك في
وجهه. رواه أبو داود.
٤٥٨٩ _ (١٤) وعن أنس، قال: قال رجل: يا رسول الله! إِنَّا كنَّا في دارِ كثُر فيها عددُنا
وأموالنا فتحولنا إلى دارٍ قلَّ فيها عددنا وأموالنا. فقال رسول الله وَلَّ: ((ذَرُوها ذميمةً)).
وجهه وإن كره اسمه رئي كراهيته ذلك) أي ذلك الاسم المكروه (في وجهه) أي وغير ذلك
الاسم إلى اسم حسن، ففي رواية البزار والطبراني في الأوسط عن أبي هريرة ((إذا بعثتم إليَّ
رجلاً فابعثوه حسن الوجه، حسن الاسم)). قال ابن الملك: فالسنة أن يختار الإنسان لولده
وخادمه من الأسماء الحسنة، فإن الأسماء المكروهة قد توافق القدر كما لو سمي أحد ابنه
بخسار فربما جرى قضاء الله بأن يلحق بذلك الرجل أو ابنه خسار، فيعتقد بعض الناس أن ذلك
بسبب اسمه فيتشاءمون ويحترزون عن مجالسته ومواصلته؛ وفي شرح السنة ينبغي للإنسان أن
يختار لولده وخدمه الأسماء الحسنة، فإن الأسماء المكروهة قد توافق القدر روي عن سعيد بن
المسيب أن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قال لرجل: ما اسمك؟ قال: جمرة. قال:
ابن من؟ قال: ابن شهاب، قال: ممن؟ قال: من الحراقة، قال: اين مسكنك؟ قال: بحرة
النار، قال: بأيها؟ قال: بذات لظى، فقال عمر: أدرك أهلك فقد احترقوا)) فكان كما قال عمر
رضي الله تعالى عنه اهـ. ولعل في هذا المعنى ما قيل: إن الأسماء تنزل من السماء، فالحديث
في الجملة يرد على ما في الجاهلية من تسمية أولادهم بأسماء قبيحة ككلب وأسد وذئب
وعبيدهم براشد ونجيح ونحوهما معللين بأن أبناءنا لأعدائنا، وخدمنا لأنفسنا، (وإذا دخل قرية
سأل عن اسمها، فإن أعجبه اسمها فرح) أي به كما في الأصل الأصح أي باسمها، وفي نسخة
بها أي بتلك القرية أو باسمها على تقدير مضاف أو اكتسب تأنيث من المضاف إليه، (ورئي بشر
ذلك في وجهه، وإن كره اسمها رئي كراهية ذلك في وجهه)، ليس في الحديث أنه كان يتطير
بالأسماء القبيحة كما يوهمه إيراده في الباب، فإن محله باب الأسماء، وكان المصنف راعي
صدر الحديث، فأورده اعتماداً على دلالته نفي التطير مطلقاً. (رواه أبو داود) أي الحديث
بكماله، ولعله مركب من حديثين كما يدل عليه ما في الجامع من أن الحكيم الترمذي والبغوي
رويا عن بريدة أنه لو كان لا يتطير، ولكن يتفاءل، وتقدم أنه كان يتفاءل ولا يتطير، وكان
یحب الاسم الحسن .
٤٥٨٩ _ (وعن أنس) رضي الله تعالى عنه (قال: قال رجل: يا رسول الله أنا كنا في دار
كثر) بضم المثلثة (فيها عددنا) أي أهلونا (وأموالنا فتحوّلنا إلى دار قل فيها عددنا وأموالنا)،
والمعنى أنتركها ونتحوّل إلى غيرها أو هذا من باب الطيرة المنهي عنها؟ (فقال:) أي رسول
الله ◌َي* كما في نسخة ((ذروها ذميمة))) أي اتركوها مذمومة فعيلة بمعنى مفعولة كذا في النهاية،
الحديث رقم ٤٥٨٩: أخرجه أبو داود في السنن ٢٣٨/٤ الحديث رقم ٣٩٢٤.
٦هيد
:43
١١٧٦٢٠٠

٤٠٤
٢٠٠
كتاب الطب والرقى / باب الفأل والطيرة
رواه أبو داود.
٤٥٩٠ - (١٥) وعن يحيى بن عبد الله بنَ بحيرٍ، قال: أخبرني من سمع فروة بنَ
مُسَيْكِ يقول: قلت: يا رسول الله! عندنا أرض يقال لها أبَيْن، وهي أرضُ ريفِنا وميرتنا،
وإِن وباءَها شديدٌ. فقال: ((دعها عنك؛ فإنَّ من القَرَف التلف)). رواه أبو داود.
والمعنى اتركوها بالتحوّل عنها حال كونها مذمومة لأن هواءها غير موافق لكم، قال الخطابي:
إنما أمرهم بالتحوّل عنها إبطالاً لما وقع في نفوسهم من أن المكروه إنما أصابهم بسبب
السكنى، فإذا تحوّلوا عنها انقطعت مادة ذلك الوهم وزال عنهم ما خامرهم من الشبهة. (رواه
أبو داود).
٤٥٩٠ - (وعن يحيى بن عبد الله بن بحير) رضي الله عنه بفتح الموحدة وكسر المهملة
فسكون تحتية فراء، قال المؤلف: صنعاني روى عمن سمع فروة بن مسيك وعنه معمر (قال):
أي يحيى (أخبرني من سمع فروة) بفتح فاء وسكون راء (ابن مُسَيك) تصغير مسك بالسين
المهملة، قال المؤلف: مرادي غطيفي من أهل اليمن قدم على رسول الله وَ لقر سنة تسع، فأسلم
وانتقل إلى الكوفة زمن عمر وسكنها، روى عنه الشعبي وغيره وكان من وجوه قومه ومقدمیھم،
وكان شاعراً محسناً (يقول: قلت: يا رسول الله عندنا أرض يقال لها أبين) بهمزة مفتوحة
فسكون موحدة فتحتية فنون، وهو في الأصل اسم رجل ينسب إليه عدن، ويقال: عدن أبین،
في النهاية هو بوزن أحمر قرية إلى جانب البحر من ناحية اليمن، وقيل: هو اسم مدينة عدن،
(وهي أرض ريفنا) بكسر الراء وسكون التحتية ففاء، وهو الأرض ذات الزرع والخصب على ما
في النهاية، وقال بعض شراح المصابيح، قوله: ريعنا أي يحصل لنا فيها الثمار والنبات والريع
الزيادة (وميرتنا) بكسر الميم وهي معطوفة على ريفنا أي طعامنا المجلوب أو المنقول من بلد
إلى بلد (وإن وباءها) أي وخمها الناشىء عن كثافة هوائها (شديد) أي قوي كثير، وقيل: أراد
بوبائها شؤمها، ولعل هذا سبب إيراد الحديث في هذا الباب والله أعلم بالصواب. (فقال: دعها
عنك) أي اتركها عن دخولك فيها وترددك إليها لأنه بمنزلة بلد الطاعون، (فإن من القرف
التلف) بفتحتين فيهما، والمعنى أن الدخول في أرض بها وباء من مداناة المرض، وفي النهاية
القرف ملابسة الداء ومداناة المرض والتلف الهلاك، قيل: وليس هذا من باب العدوى، وإنما
هو من باب الطب، فإن استصلاح الأهواء من أعون الأشياء على صحة الأبدان، وفساد الهواء
من أسرع الأشياء إلى الأسقام. (رواه أبو داود).
الحديث رقم ٤٥٩٠: أخرجه أبو داود فى السنن ٢٣٨/٤ الحديث رقم ٣٩٢٣، وأحمد فى المسند ٤٥٣/٣.
/٦٨٥:١
วิธี สตร

٤٠٥
كتاب الطب والرقى / باب الكهانة
الفصل الثالث
٤٥٩١ _ (١٦) عن عروة بن عامر، قال: ذُكِرتِ الطِيرةُ عندَ رسول الله وَ له فقال:
((أحْسَنُها الفألُ، ولا تردّ مسلماً، فإذا رأى أحدكم ما يكره فليقل: اللهمَّ لا يأتي بالحسناتِ
إِلا أنتَ، ولا يدفعُ السيِّئاتِ إِلا أنت، ولا حولَ ولا قوَّةً إِلا بالله)). رواه أبو داود، مرسلاً.
(٢) باب الكهانة
(الفصل الثالث)
٤٥٩١ - (عن عروة بن عامر) رضي الله عنه قال المؤلف: قرشي تابعي سمع ابن عباس
وغيره، روى عنه عمرو بن دينار وحبيب بن أبي ثابت، أخرج حديثه أبو داود في الطيرة وهو
مرسل (قال) أي عروة، (ذكرت الطيرة) بصيغة المجهول (عند رسول الله وَلقر فقال: أحسنها
الفأل) سبق نظيره من قوله: خيرها الفأل، وتقدم تأويله من الأقوال (ولا ترد) أي الطيرة
(مسلماً)، والجملة عاطفة أو حالية، والمعنى إن أحسن الطيرة ما يشابه الفأل المندوب إليه،
ومع ذلك لا تمنع الطيرة مسلماً عن المضي في حاجته، فإن ذلك ليس من شأن المسلم
الكامل، بل شأنه أن يتوكل على الله في جميع أموره ويمضي في سبيله بنوره على غاية حضوره
ونهاية سروره، (فإذا رأى أحدكم ما يكره) أي إذا رأى من الطيرة شيئاً يكرهه على ما ذكره
الجزري في الحصن (فليقل: ((اللهم لا يأتي بالحسنات))) أي بالأمور الحسنة الشاملة للنعمة
والطاعة ((إلا أنت، ولا يدفع السيئات))) أي الأمور المكروهة الكافلة للنقمة والمعصية ((إلا
أنت، ولا حول))) أي على دفع السيئة ((ولا قوّة))) أي على تحصيل الحسنة ((إلا بالله))) هو في
أصل الحصن إلا بك، وهو مقتضى الكلام، وفي الحاشية إلا بالله وعليه رمز مص إشارة إلى
مصنف ابن أبي شيبة، فإنه مشارك لأبي داود في رواية هذا الحديث، ففيه التفات. (رواه أبو
داود مرسلاً) أي لحذف الصحابي كما تقدم، وقد ذكر ميرك أنه مختلف في صحبته، لكن ذكره
ابن حبان في ثقات التابعين، وكذا في التقريب أيضاً، وعلى هذا فالحديث مرسل والله أعلم.
باب الكهانة
بفتح الكاف وكسرها، كذا في النسخ، وفي القاموس كهن له كمنع ونصر وكرم، كهانة
بالفتح قضى به بالغيب وحرفته الكهانة بالكسر اهـ، والمراد بها هنا الأخبار المستورة من الناس
في مستقبل الزمان، وقد كانت في العرب كهنة، ومنهم من كان يدعي أن له تابعاً من الجن
يلقي إليه الأخبار ويروى أن الشياطين كانت تسترق السمع فتلقيه إلى الكهنة فتزيد فيه ما تزيد،
الحديث رقم ٤٥٩١: أخرجه أبو داود فى السنن ٢٣٥/٤ الحديث رقم ٣٩١٩.
٥٤٦

برمجي
كتاب الطب والرقى / باب الكهانة
٤٠٦
الفصل الأول
٤٥٩٢ - (١) عن معاوية بن الحكم، قال: قلتُ: يا رسول الله! أُموراً كنا نصنعُها في
الجاهلية، كنا نأتي الكهان. قال: ((فلا تأتوا الكهان)). قال: قلت: كنَّا نتطيّرُ قال: ((ذلك
شيء يجده أحدكم في نفسه، فلا يصدَّنَّكم)). قال: قلت: ومنا رجال يخطُون.
فيقبله الكفار منهم، فلما بعث وَّر حرست السماء وبطلت الكهانة، ومنهم من كان يزعم أنه
يعرف الأمور بمقدمات أسباب يستدل بها على مواقعها من كلام من يسأله، أو فعله، أو حاله،
وهذا يخصونه باسم العراف كالذي يدعي معرفة الشيء المسروق ومكان الضالة ونحوها.
(الفصل الأوّل)
٤٥٩٢ - (عن معاوية بن الحكم) بفتحتين قال المؤلف في فصل الصحابة: سلمي كان
نزل المدينة وعداده في أهل الحجاز، روى عنه ابنه كثير وعطاء بن يسار وغيرهما، مات سنة
سبع عشرة ومائة (قال: قلت: ((يا رسول الله أموراً))) منصوب على شريطة التفسير، وفائدته
التفخيم لأن البيان بعد الإبهام أوقع في النفس. ذكره الطيبي («كنا نصنعها في الجاهلية))) أي
نفعلها، ومن جملتها ((كنا نأتي الكهان))) بضم الكاف وبتشديد الهاء جمع كاهن، والمعنى كنا
نأتيهم ونستخبر منهم أموراً ((قال: فلا تأتوا الكهان))) أي لا تعتقدوا صدقهم (١) في إخبارهم
(قال) أي معاوية: (قلت: ((كنا نتطير))) أي نتشاءم بالطير ونحوها، ((قال: ذلك شيء))) أي من
قبل الظنون المعترضة بحكم البشرية ((يجده أحدكم في نفسه))) أي ولا تأثير منه ولا ضرر فيه.
قال الطيبي: هو نفي للتطير بالبرهان وهو أبلغ من قوله: ((لا تطيروا))، كما قال: ((فلا تأتوا
الكهان)) يعني لا تطير، فإن الطيرة لا وجود لها، بل هي شيء يوجد في النفوس البشرية وما
يعتري الإنسان من قبل الظنون من غير أن يكون له فيه ضرر، ((فلا يصدنكم))) بتشديد الدال
المفتوحة أي لا يمنعكم التطير عن المضي في حاجتكم وعن الأمر الذي قصدتم في خاطركم.
قال الطيبي: هو من باب لا أرينك ههنا، فإنه نهي ما يجد في النفس عن الصد، وفي الحقيقة
المنهي هم المخاطبون عن التعرض له (قال: قلت: ومنا رجال يخطون) بضم الخاء والطاء
المشددة قال الطيبي: قد غير النسق في التفصيل ليدل به على امتياز أولئك الرجال الذي خطوا
من الأمور العامة وما يتعلق ببقية ألفاظ الحديث مضى بحثه فيما لا يجوز من العمل في الصلاة
/٠١٣/١١٣٢/١٧
الحديث رقم ٤٥٩٢: أخرجه مسلم في صحيحه ١٧٤٨/٤ الحديث رقم (١٢١ - ٥٣٧)، وأبو داود في
السنن ٢٢٩/٤ الحديث رقم ٣٩٠٩، والنسائي في ١٤/٣ الحديث رقم ١٢١٨، وأحمد في
المسند ٤٤٧/٥.
(١) في المخطوطة صدقتهم
هذة
١٠٠٠٠ / ١٣

٤٠٧
كتاب الطب والرقى / باب الكهانة
قال: ((كان نبيٌّ من الأنبياءِ يخط، فمن وافق خطَّه فذاك)). رواه مسلم.
٤٥٩٣ - (٢) وعن عائشة [رضي الله عنها]، قالت: سأل أُناسٌ رسول الله وَ ل عن
الكهان. فقال لهم رسول الله وَّل: ((إِنهم ليسوا بشيء)). قالوا: يا رسول الله! فإنهم يحدّثون
أحياناً بالشيءٍ يكون حقاً. فقال رسول الله وَله: ((تلك الكلمة من الحق، يخطفها الجني،
فَيَقُرَّها في أُذنِ وليِّهِ قَرَّ الدجاجة،
codr
(قال: ((كان نبي من الأنبياء))) قيل: دانيال، وقيل: ادريس عليهما السلام ((يخط))) أي بأمر
إلهي أو علم لدني، ((فمن وافق))) أي خطه ((خطة))) بالنصب على أنه مفعول، وفي نسخة
بالرفع على الفاعلية، فالمفعول مقدر ((فذاك))) أي مصيب، وإلا فلا، وهو جواب الشرط،
وحاصله أنه في هذا الزمان حرام لأن الموافقة معدومة أو موهومة. (رواه مسلم).
٤٥٩٣ - (وعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: سأل أناس) أي جماعة من الناس
(رسول الله ◌َّ﴾ عن الكهان) أي هل لهم علم بشيء، (فقال لهم رسول الله يَّر: ليسوا)، وفي
نسخة أنهم ليسوا ((بشيء)))، أي يعتمد عليه، فلا تعتمدوا على أخبارهم، ولا تعتقدوا في
أخبارهم (قالوا يا رسول الله: فإنهم) تعليل لمقدر أي نفي تصديق أخبارهم على إطلاقه مشكل
فإنهم ((يحدثون))) أي يخبرون ((أحياناً))) أي في بعض الأوقات، ((بالشيء يكون))) صفة أو
حال أي يصير ((حقاً))) أي صدقاً موافقاً للواقع، (فقال رسول الله وَليقول: ((تلك الكلمة من الحق)))
أي من الأمر الواقع والصدق الثابت المسموع من الملائكة الذين هم أخذوا من الحق بواسطة
الوحي أو بمكاشفة اللوح المحفوظ لهم، وفي نسخة صحيحة من الجن أي مسموعة منهم،
وفي الحقيقة لا خلاف في المعنى إذا الكهان يسمعون من الجن، وهم يسمعون من الملائكة
كما يدل عليه قوله: ((يخطفها الجني))) أي يسرقها من الملائكة بسرعة، قال النووي: بالجيم
والنون في جميع نسخ مسلم في بلادنا، وروي أيضاً بالحاء المهملة والقاف، وقوله:
((فيقرها))) بفتح الياء وضم القاف وتشديد الراء ((في أذن وليه قر الدجاجة))) بفتح القاف،
والدجاجة بالدال، قال أهل اللغة: والغريب القر ترويدك الكلام في إذن المخاطب حتى يفهمه،
تقول: قررته أقره قراً وقر الدجاجة صوتها إذا قطعته، يقال: قرت تقرقراً وقريراً، فإن رددته
قلت: قررت قرقرة، ويروى قر الزجاجة بالزاي، ويدل عليه ثبوت رواية البخاري فيقرها في
أذنه كما تقر القارورة اهـ؛ واختار الشيخ التوربشتي هذه الرواية ورد الرواية الأولى، وقال: ومن
الناس من رواه قر الزجاجة بالزاي، وأراها أحفظ الروايتين لما في غير هذه الرواية قر القارورة،
يقال: قررت على رأسه دلواً من ماء أي صيبت، وقر الحديث في إذنه يقره كأنه صبه فيها،
واستعمال قر الحديث في الاذن شائع مستفيض في كلامهم، وأما استعماله على الوجه الذي
فسروا عليه الحديث، فإنه غير مشهور لم نجد له شاهداً في كلامهم، وكل ذلك يدل على أن
تجود
الحديث رقم ٤٥٩٣: أخرجه البخاري في صحيحه ٥٩٥/١٠ الحديث رقم ٦٢١٣، ومسلم في ٤/ ١٧٥٠
الحديث رقم (١٢٣ - ٢٢٢٨)، وأحمد في المسند ٨٧/٦.
٥٤or

٤٠٨
كتاب الطب والرقى / باب الكهانة
فيخلطون فيها أكثر من مائة كذبة)). متفق عليه.
٤٥٩٤ - (٣) وعنها، قالت: سمعت رسول الله وَ لهيقول: ((إِنَّ
الدجاجة بالدال تصحيف أو غلط من السامع، قال الطيبي رحمه الله: لا ارتياب أن قر
الدجاجة مفعول مطلق وفيه معنى التشبيه، فكلما يصح أن يشبه ترديد ما اختطفه من الكلام
في إذن الكاهن بصب الماء في القارورة يصح أن يشبه ترديد كلام الجني في إذن الكاهن
بترديد الدجاجة صوتها في إذن صواحبها كما تشاهد الديكة إذا وجدت حبة أو شيئاً تقر
وتسمع صواحبها، فيجتمعن عليها، وباب التشبيه مما فيه وسع لا يفتقر إلا إلى العلاقة
على أن الاختطاف هنا مستعار للكلام من خطف الطير. قال تعالى: ﴿فتخطفه الطير﴾
[الحج - ٣١] فتكون الدجاجة أنسب من القارورة لحصول الترشيح في الاستعارة، ويؤيد ما
ذهبت إليه ما ذكر ابن الصلاح في كتابه من أن الأصل قر الدجاجة بالدال فصحف إلى قر
الزجاجة اهـ. واعلم أن الدجاجة في أصل المشكاة بالدال المهملة لا غير وهي بفتح أوّله؛
وفي القاموس الدجاجة معروف للذكر والأنثى، وأما الزجاجة فهي بضم الزاي كما لا يخفى
إذا علمت ذلك، فقوله: فيقرها أي يصب الجني تلك الكلمة بمعنى يلقيها أو يصوت بها
في إذن وليه أي من الكهان قر الدجاجة أي مثل صوتها، وقيل: معنى يقرها يصبها، وكقر
الدجاجة أي كصبها المني في صاحبته بحيث لا يعرفه الناس، فكذا الجني يصبها في إذن
وليه بحيث لا يطلع عليه غيره، وأما ما روي أن الزجاجة بالزاي المعجمة فمعناها يصب
في أذن صاحبه كصب الزجاجة أي كما يصب ماء قارورة في أخرى، (فيخلطون) بكسر
اللام أي الكهان، وقال الطيبي: أي الأولياء جمع بعد الأفراد نظراً إلى الجنس (فيها) أي
في تلك الكلمة (أكثر من مائة كذبة) بفتح الكاف وسكون الذال؛ وفي نسخة بكسر الكاف،
ففي شرح مسلم الكذبة بفتح الكاف وكسرها، والذال ساكنة فيهما. قال القاضي: وأنكر
بعضهم الكسر إلا إذا أرادوا به الحالة والهيئة، وليس هذا موضعها قلت: هذا موضعها لأن
المراد أنهم يأتون بمائة نوع من الكذب كما يدل عليه قوله: فيخلطون، وكذا قوله في
الحديث الآتي: ((فيكذبون معها مائة كذبة))، فإنه أبلغ من أنهم يكذبون مائة مرة لأنه صادق
على تكرار كذب واحد مائة مرة مع أنه لو أريد هذا المعنى لاكتفى بمائة أو قيل: مائة
كذب، فالعدول إلى الإتيان بالتاء لا بد له من إفادة زائدة. هذا وفي القاموس كذب يكذب
كذباً وكذباً وكذبة وكذبة بفتح الكاف وكسر الذال وكسر أوّله وسكون ثانية في الأوّلين
وفتح الكاف وكسرها مع سكون الذال فيهما فما ضبط في بعض النسخ من فتح الكاف
وكسر الذال وجود التاء غير صحيح رواية ودراية، ويخشى على صاحبه أن يدخل في وعيد
من كذب عليه وَلاخر. (متفق عليه).
٤٥٩٤ - (وعنها) أي عن عائشة رضي الله عنها (قالت: سمعت رسول الله وَلفيه يقول: ((إن
الحديث رقم ٤٥٩٤: أخرجه البخاري في صحيحه ٣٠٤/٦ الحديث رقم ٣٢١٠.
٠٫٫٠٠٠
د. رم۴،

٤٠٩
كتاب الطب والرقى/ باب الكهانة
٢٢٤
الملائكة تَنْزِلُ في العَنَان - وهو السحاب - فتذكر الأمر قُضيَ في السَّماءِ، فتسترق الشياطينُ
السمعَ، فَتُوحيهِ إِلى الكهان، فيكذبون معها مائةٍ كذبةٍ من عند أنفسهم. رواه البخاري.
٤٥٩٥ - (٤) وعن حفصة، قالت: قال رسول الله وَ لجر: ((من أتى عَرَّافاً
الملائكة))) أي جماعة منهم ((تنزل في العنان))) بفتح العين ((وهو السحاب))) قال الطيبي:
يحتمل أن يكون من قول الراوي تفسير للعنان، فالسحاب مجاز عن السماء كما أن السماء
مجاز عن السحاب في قوله تعالى: ﴿وأنزلنا من السماء ماء﴾ [المؤمنون - ١٨] في وجه قلت:
ارتكاب المجاز في الآية له وجه، وأما ارتكابه في الحديث فلا يظهر له وجه إذ لا يعدل عن
الحقيقة إلى المجاز إلا لضرورة مع أنه يؤول الكلام إلى أن الملائكة تنزل في السماء، اللهم إلا
أن يراد سماء الدنيا على أن سماع الجن من الملائكة في السحاب أقرب، فهو بالاعتبار أنسب،
وهذا لا ينافيه قوله: وأصل ذلك أن الملائكة تسمع في السماء ما يقضي الله تعالى في كل يوم
من الحوادث في الدنيا، فيحدث بعضهم بعضاً فيسترقه الشيطان فيلقيه إلى الكهان، ويشهد له
حديث أبي هريرة في أوّل الفصل الثالث، وما روى أبو داود عن ابن مسعود قال: ((إذا تكلم الله
عزَّ وجلّ بالوحي سمع أهل السماء صلصلة كجر السلسلة على الصفا فيصعقون، فلا يزالون
كذلك حتى يأتيهم جبريل، فإذا جاء جبريل فزع عن قلوبهم فيقولون: يا جبريل ماذا قال ربكم؟
فيقول: الحق))(١). (فتذكر) أي الملائكة (الأمر قضي) بصيغة المجهول حال أو صفة على أن
أل في الأمر للعهد الذهني أو صلة الموصول المحذوف أي الأمر الذي قضى الله في كل يوم
من الحوادث في الدنيا، وقوله: (في السماء) ظرف لقضي لا لتذكر، ففيه دلالة صريحة على
أن المراد بالعنان السحاب إذ لا معنى لقوله: ((إن الملائكة تنزل من السماء فتذكر الأمر الذي
قضي في السماء»، بل المعنى أن الملائكة ينزلون من السماء [في السحاب] فيحكي بعضهم
لبعض الأمور التي قضيت في السماء، وسمعوا حال كونهم فيها، (فتسترق الشياطين السمع)
أي مسموع الملائكة، (فتسمعه) أي الشياطين أوّلاً، (فتوحيه) أي فتلقيه (إلى الكهان) من
الإيحاء وهو الأعلام بالخفية، وعن الزجاج أن الإيماء يسمى وحياً (فيكذبون) أي الكهان
(معها) أي مع الكلمة الصادقة الواحدة (مائة كذبة) من عند أنفسهم، والمعنى أن هذا سبب
موافقتهم في بعض الأخبار للواقع لكن لما كان الغالب عليهم الكذب سد الشارع باب الاستفادة
منهم وقال: ((إنهم ليسوا بشيء))، ولهذا ما اعتبر شهادة الكاذب مع أن الكذوب قد يصدق والله
أعلم. (رواه البخاري).
٤٥٩٥ - (وعن حفصة رضي الله تعالى عنها) أي بنت عمر أم المؤمنين (قالت: قال
رسول الله وَّر: ((من أتى عرافاً)) بتشديد الراء، وهو مبالغة العارف، قال الجوهري: هو الكاهن
والطبيب؛ وفي المغرب هو المنجم، وهو المراد في الحديث ذكره بعض الشراح وقال النووي:
(١) أبو داود في السنن ١٠٥/٥ الحديث رقم ٤٧٣٨.
الحديث رقم ٤٥٩٥: أخرجه مسلم في صحيحه ١٧٥١/٤ الحديث رقم (١٥ - ٢٢٣٠)، وأحمد في
المسند ٦٨/٤.
٤ العلاج

٤١٠
١٠٠٠/
٫٥٠٠
٦٢٠٠٢
ےے
٢٢٢٧
كتاب الطب والرقى / باب الكهانة
فسأله عن شيء لم تُقبل له صلاة أربعين ليلة)). رواه مسلم.
٤٥٩٦ - (٥) وعن زيد بن خالد الجهني، قال: صلَّى لنا رسولُ اللهَ وَ ل صلاة الصبح
العراف من جملة أنواع الكهان، قال الخطابي وغيره: العراف هو الذي يتعاطى معرفة مكان
المسروق ومكان الضالة ونحوهما ((فسأله عن شيء))) أي على وجه التصديق بخلاف من سأله
على وجه الاستهزاء أو التكذيب، وأطلق مبالغة في التنفير عنه، والجملة احتراز عمن أتاه
لحاجة أخرى ((لم تقبل له))) بصيغة التأنيث، وجوّز تذكيره أي قبول كمال حيث لا يترتب عليه
الثواب أو تضاعفه وهو الأظهر الأقرب إلى الصواب («صلاة)) بالتنوين فقوله: ((أربعين ليلة)))
ظرف، وفي نسخة بالإضافة إلى قوله: أربعين ليلة أي من الأزمنة اللاحقة، وروى الطبراني عن
واثلة ولفظه: ((من أتى كاهناً فسأله عن شيء حجبت عنه التوبة أربعين ليلة، فإن صدقه بما قال
كفر»، ففي الحديث إشارة إلى أن أعمال التائب لها درجة كمال القبول يشير إليه قوله سبحانه:
﴿إنما يتقبل الله من المتقين﴾ [المائدة - ٢٧] قال النووي: وأما عدم قبول صلاته فمعناه أنه لا
ثواب له فيها وإن كانت مجزئة في سقوط الفرض عنه، ولا يحتاج معها إلى إعادة، ونظير هذه
الصلاة في الأرض المغصوبة مجزئة مسقطة للقضاء ولكن لا ثواب له فيها. كذا قاله جمهور
أصحابنا قالوا: فصلاة الفرض وغيرها من الواجبات إذا أتى بها سى وجهها الكامل يترتب عليها
شيئان سقوط الفرض عنه، وحصول الثواب، فإذا أداها في أرض مغصوبة حصل الأوّل دون
الثاني، ولا بد من هذا التأويل في هذا الحديث، فإن العلماء متفقون على أنه لا يلزم على من
أتى العراف إعادة صلاة أربعين ليلة، فوجب تأويله. قلت: وجوب تأويله مسلم، لكن تأويله
المذكور غيره متعين، فإن مذهب أهل السنة ((إن الحسنات لا تبطلها السيئات إلا الردة)) مع
الإجماع على عدم لزوم الإعادة حتى في الردة إذا عاد إلى الإسلام إلا الحج، فإنه فرض
العمر، ثم مفهوم التأويل السابق أنه لو صلى النفل يكون له ثواب، وكذا الفرض لأنه تعالى
﴿لا يضيع أجر من أحسن عملاً﴾، نعم التضاعف من فضله سبحانه وتعالى، فإذا فعل العبد ما
يوجب غضبه تعالى، فله إسقاط المضاعفة الزائدة على مقتضى العدل والله أعلم، ثم تخصيص
الصلاة من بين الأعمال يحتمل أن يكون لكونها عماد الدين، والأحسن أن يفوض علمه إلى
الشارع، وذكر العدد يحتمل التحديد والتكثير والله أعلم. (رواه مسلم). وفي الجامع رواه أحمد
ومسلم عن بعض أمهات المؤمنين.
٤٥٩٦ - (وعن زيد بن خالد الجهني) رضي الله تعالى عنه منسوب إلى قبيلة جهينة بضم
ففتح وهو غير مذكور في أسماء المؤلف (قال: صلى لنا) أي أماماً (رسول الله وَليقول صلاة الصبح
الحديث رقم ٤٥٩٦: أخرجه البخاري في صحيحه ٣٣٣/٢ الحديث رقم ٨٤٦، ومسلم في ٨٣/١
الحديث رقم (١٢٥ - ٧١)، وأبو داود في السنن ٢٢٧/٤ الحديث رقم ٣٩٠٦، والنسائي في ٣/
١٦٤ الحديث رقم ١٥٢٥، ومالك في الموطأ ١٩٢/١ الحديث رقم ٤ من كتاب الاستسقاء
وأحمد في المسند ٤/ ١١٧.
وحدة

٤١١
كتاب الطب والرقى / باب الكهانة
بالحديبيةِ على أثر سماءٍ كانت من اللّيل، فلما انصرف أقبل على الناس، فقال: ((هل تدرونَ
ماذا قال ربُّكم؟)) قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: ((قال: أصبح من عبادي مؤمنٌ بي وكافرٌ؛
فأما مَن قال: مُطرنا بفضل الله ورحمته، فذلك مؤمنٌ بي كافرٌ بالكوكب، وأما من قال:
مُطرنا بِنَوءِ كذا وكذا فذلك كافرٌ بي مؤمنٌ بالكوكب)). متفق عليه.
٥٤٨٠
.. ( المطار"
بالحديبية) بالتخفيف ويشدد (على أثر سماء) أي عقب مطر وهو بفتح الهمزة والمثلثة،
وفي نسخة بكسر فسكون، قال النووي: هو بكسر الهمزة وإسكان الثاء وفتحهما جميعاً
لغتان مشهورتان، والسماء المطر اهـ. وفي القاموس خرج في أثره، وأثره بعده، وقال:
السماء معلوم، والسحاب المطر أو المطرة الجيدة (كانت) أي كان المطر، وتأنيثه باعتباره
معنى الرحمة أو لفظ السماء، والجملة صفة سماء وقوله: (من الليل) ظرف لها أي في
بعض أجزائه وأوقاته (فلما انصرف) أي عن الصلاة (أقبل على الناس فقال: هل تدرون
ماذا) أي أي شيء (قال ربكم) أي في هذا الوقت (قالوا: الله ورسوله أعلم قال:) أي النبي
وَلجر، (قال:) أي سبحانه وتعالى (أصبح) أي الشأن (من عبادي) أي بعضهم (مؤمن بي)،
فمن للتبعيض وهو مبتدأ وما بعده خبره، (وكافر) أي بي كما في نسخة يعني وبعضهم
كافر بي، أو التقدير بعضهم مؤمن بي وكافر بغيري، وبعضهم كافر بي ومؤمن بغيري،
وترك اكتفاء بتفصيل المجمل وهو قوله: ((فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته، فذلك
مؤمن بي كافر بالكوكب، وأما من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا))) أي بسقوط نجم وطلوع
نظيره على ما سبق، ((فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب))) قال الطيبي: هذا تفصيل للمجمل
وهو قوله: مؤمن بي وكافر، ولا بد من تقدير فيه ليطابقه المفصل، فالتقدير مؤمن بي
وكافر بالكوكب، وكافر بي ومؤمن بالكوكب، فهو من باب الجمع مع التقسيم، وفي
الكشاف قيل نزل قوله تعالى: ﴿وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون﴾ [الواقعة - ٨٢] أي
وتجعلون شكر ما رزقكم الله من الغيث أنكم تكذبون كونه من الله حيث تنسبونه إلى
النجوم، قال النووي: واختلفوا في كفر من قال: ((مطرنا بنوء كذا) على قولين: أحدهما
هو كفر بالله سبحانه سالب لأصل الإيمان وفيه وجهان أحدهما أنه من قاله معتقداً بأن
الكوكب فاعل مدبر منشىء للمطر كزعم أهل الجاهلية، فلا شك في كفره وهو قول
الشافعي والجماهير، وثانيهما أنه من قال معتقداً بأنه من الله تعالى بفضله، وأن النوء علامة
له ومظنة بنزول الغيث، فهذا لا يكفر لأنه بقوله: هذا، كأنه قال: مطرنا في وقت كذا،
والأظهر أنه مكروه كراهة تنزيه لأنه كلمة موهمة مترددة بين الكفر والإيمان فيساء الظن
بصاحبها، ولأنها شعار أهل الجاهلية، والقول الثاني كفران لنعمة الله تعالى لاقتصاره على
إضافة الغيث إلى الكوكب، ويؤيد هذا التأويل الرواية الأخرى أصبح من الناس شاكراً أو
كافراً، وفي أخرى ((ما أنعمت على عبادي من نعمة إلا أصبح فريق بها كافرين)). (متفق
عليه).
i

٤١٢
كتاب الطب والرقى/ باب الكهانة
٤٥٩٧ - (٦) وعن أبي هُريرةَ، عن رسولِ اللهِ وَلَّ قال: «ما أنزلَ الله من السّماءِ من
بركةٍ إِلا أصبحَ فريقٌ من الناسِ بها كافرين، ينزل الله الغيث، فيقولون: بكوكبٍ كذا وكذا).
رواه مسلم.
الفصل الثاني
٤٥٩٨ - (٧) عن ابنِ عبَّاسٍ، قال: قال رسولُ الله ◌َّهِ: ((مَنِ اقتبسَ علماً منَ النجومِ
أقتبسَ شُعبةً منَ السخرِ زادَ ما زادَ)).
٤٥٩٧ - (وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه عن رسول الله وَ ل# قال: ((ما أنزل الله من
السماء من بركة))) أي مطر أو من نعمة كما في رواية ((إلا أصبح فريق من الناس بها))) أي
بسببها ((كافرين))) من الكفر أو الكفران ((ينزل الله الغيث))) استئناف بيان أو تمثال برهان
((فيقولون))) أي فريق من الناس ((بكوكب كذا وكذا))) أي هذا بسبب طلوع نجم كذا وغروب
نجم كذا. (رواه مسلم).
(الفصل الثاني)
٤٥٩٨ - (عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله وَلخير من اقتبس) أي
أخذ وحصل وتعلم (علماً من النجوم) أي علماً من علومها أو مسألة من علمها (اقتبس شعبة)
أي قطعة (من السحر زاد) أي المقتبس من السحر (ما زاد) أي مدة زيادته من النجوم، فما
بمعنى ما دام ويؤيده ما ذكر شارح حيث قال: أي زاد النبي ◌َّير على ما رواه ابن عباس منه في
حق علم النجوم كذا في الشرح، والظاهر أن معناه زاد اقتباس شعبة السحر ما زاد اقتباس علم
النجوم، وقال الطيبي [رحمه الله]: نكر علماً للتقليل ومن ثم ذكر الاقتباس لأن فيه معنى القلة
ومن النجوم صفة علماً، وفيه مبالغة وفاعل زاد الشعبة ذكرها باعتبار السحر وزاد ما زاد جملة
مستأنفة على سبيل التقرير والتأنيث أي يزيد السحر ما يزيد الاقتباس، فوضع الماضي موضع
المضارع للتحقيق. وفي شرح السنة المنهي من علم النجوم ما يدعيه أهلها من معرفة الحوادث
التي لم تقع، وربما تقع في مستقبل الزمان مثل أخبارهم بوقت هبوب الرياح ومجيء ماء المطر
ووقوع الثلج وظهور الحر والبرد وتغيير الأسعار ونحوها، ويزعمون أنهم يستدركون معرفتها
بسير الكواكب واجتماعها وافتراقها، وهذا علم استأثر الله به لا يعلمه أحد غيره كما قال تعالى:
الحديث رقم ٤٥٩٧: أخرجه مسلم في صحيحه ٨٤/١ الحديث رقم (١٢٦ - ٧٢)، والنسائي في السنن
١١٤/٣ الحديث رقم ١٥٢٤، وأحمد في المسند ٣٦٢/٢.
الحديث رقم ٤٥٩٨: أخرجه أبو داود في السنن ٢٢٦/٤ الحديث رقم ٣٩٠٥، وابن ماجه في ١٢٢٨/٢
الحديث رقم ٣٧٢٦، وأحمد في المسند ١/ ٣١١.

٤١٣
٢٢٣٢
كتاب الطب والرقى/ باب الكهانة
رواه أحمد، وأبو داود، وابن ماجه.
٤٥٩٩ _ (٨) وعن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ اللهِ وَّ: ((مَنْ أتى كاهناً فصدَّقه بما
يقولُ، أو أتى امرأتَه حائضاً، أو أتى امرأتَه في دُبرِها؛ فقد برىء مِمَّا أُنزلَ على محمَّدٍ)).
رواه أحمد، وأبو داود.
الفصل الثالث
٤٦٠٠ - (٩) عن أبي هريرةً، أنَّ نبيَّ الله ◌َّهِ قال: ((إِذا قضى اللَّهُ الأمرَ
﴿إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث﴾ [لقمان - ٣٤] فأما ما يدرك من طريق المشاهدة من علم
النجوم الذي يعرف به الزوال وجهة القبلة (١) فإنه غير داخل فيما نهى عنه. قال الله تعالى: ﴿وهو
الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر﴾ [الأنعام - ٩٧] وقال تعالى:
﴿وبالنجم هم يهتدون﴾ [النحل - ١٦] فأخبر الله تعالى أن النجوم طرق لمعرفة الأوقات والمسالك
ولولاها لم يهتد الناس إلى استقبال الكعبة. روي عن عمر رضي الله تعالى عنه أنه قال: «تعلموا
من النجوم ما تعرفون به القبلة والطريق ثم أمسكوا)). (رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه).
٤٥٩٩ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَليقول: ((من أتى كاهناً فصدقه
بما يقول)))، الفرق بين الكاهن والعراف، إن الكاهن إنما يتعاطى الخبر عن الغيب في مستقبل
الزمان ويدعي معرفة الأسرار، والعراف هو الذي يتعاطى معرفة الشيء المسروق ومكان الضالة
ونحوهما من الأمور، ((أو أتى امرأته))) أي بالوطء، وفي التفخيذ خلاف ((حائضاً)) قال
الطيبي: حال منتقلة، ولهذا جاز حذف التاء، ولو كانت صفة كانت التاء لازمة اهـ. ولا شك
أن المراد بها الوصف القائم بها ليترتب عليه الوعيد الآتي، وإنما ترك التاء لأنها من أوصاف
النساء خاصة كطالق ((أو أتى امرأته في دبرها))) أي حائضاً أو طاهرة ((فقد برىء مما أنزل على
محمد ◌َّ﴾﴾) أي كفر، وهو محمول على الاستحلال أو على التهديد والوعيد. (رواه أحمد وأبو
داود). وفي الجامع الصغير رواه أحمد والأربعة، وفي رواية لأحمد والحاكم عن أبي هريرة
بلفظ: ((من أتى عرافاً أو كاهناً فصدقه بما يقول، فقد كفر بما أنزل على محمد))(٢).
(الفصل الثالث)
٤٦٠٠ - (عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن نبي الله وَّ ر قال: إذا اقضى الله الأمر) أي
(١) في المخطوطة ((القلب)).
الحديث رقم ٤٥٩٩: أخرجه أبو داود في السنن ٢٠٢٥/٤ الحديث رقم ٣٩٠٤، والترمذي في ٢٤٣/١
الحديث رقم ١٣٥، وأحمد في المسند ٤٠٨/٢.
(٢) الجامع الصغير ٥٠٦/٢ الحديث رقم ٨٢٨٥.
الحديث رقم ٤٦٠٠: أخرجه البخاري في صحيحه ٥٣٧/٨ الحديث رقم ٤٨٠٠، والترمذي في السنن ٥٪
٣٣٧ الحديث رقم ٣٢٢٣، وابن ماجه في ٦٩/١ الحديث رقم ١٩٤.

٤١٤
Dou:
كتاب الطب والرقى / باب الكهانة
في السَّماءِ ضرَبتِ الملائكةُ بأجنحتها خُضعاناً لقوله، كأنَّه سلسلةٌ على صَفْوان، فإِذا فُزْعَ
عن قلوبهم قالوا: ماذا قال ربُّكم؟ قالوا: لِلَذي قال الحقَّ وهوَ العليُّ الكبيرُ. فسمعها
مُسترِقوا السَّمعِ،
١٩/١٣٩٠٧/١١٥
قدره أو حكم به، والمعنى أظهر قضاءه في السماء (ضربت الملائكة بأجنحتها) أي مثنى وثلاث
ورباع (خضعاناً) بضم أوّله وبكسر أي تواضعاً وتخاشعاً لقوله، وانقياداً لحكمه، ففي النهاية
الخضعان مصدر خضع يخضع خضوعاً وخضعاناً وهو الانقياد والمطاوعة كالغفران والكفران،
ويروى بالكسر كالوجدان، ويجوز أن يكون جمع خاضع. قال الطيبي: إذا كان جمعاً كان حالاً
وإذا كان مصدراً يجوز أن يكون مفعولاً مطلقاً لما في ضرب الأجنحة من معنى الخضوع أو
مفعولاً له؛ قلت: وهو الأظهر، قال: وذلك لأن الطائر إذا استشعر خوفاً أرخى جناحيه
مرتعداً، قلت: الله أعلم بكيفية ضرب جناحهم وسببه من الخوف أو غيره (كأنه) أي قوله
سبحانه (سلسلة) بكسر السينين المهملتين (على صفوان) بفتح أوّله أي حجر أملس، والجملة
حال، ونظيره في المعنى قوله ◌َّ في صفة الوحي النازل عليه أحياناً: ((يأتيني في مثل صلصلة
الجرس وهو أشد علي فيفصم عني))، وقد وعيت ما قال، (فإذا فزع) بضم الفاء وتشديد الزاي
أي أزيل الفزع وكشف (عن قلوبهم)، وقرأ ابن عامر في قوله تعالى: ﴿حتى إذا فزع عن
قلوبهم﴾ [سبأ - ٢٣] على بناء الفاعل وهو الله تعالى. قال الطيبي: وزوال الفزع عنهم هنا بعد
سماعهم القول كالفصم عن رسول الله ◌َّر بعد سماع الوحي اهـ، ولعله نظيره، وإلا فالفرق
ظاهر بينهما فإنه ◌َّر يفصم عنه، وقد وعى ما قال، وهم يكشف الفزع عنهم ولم يدروا ما قال
الله تعالى بقرينة السؤال، أو يقال يحصل العلم لبعضهم من أرباب الكمال، فقوله: (قالوا) أي
بعضهم ممن لم يدر إما لغلبة الفزع عليه أو لقلة الكشف له (ماذا قال ربكم: قالوا) وهم
المقربون للسائلين، وهم سائر الملائكة (للذي قال) أي سبحانه وتعالى (الحق) بالنصب أي
قالوا الحق لأجل ما قاله تعالى أي عبروا عن قوله تعالى: ﴿وما قضاه وقدره﴾ بلفظ الحق،
فالحق منصوب على أنه صفة مصدر محذوف أي القول الحق، وفي نسخة بالرفع، فالتقدير
قوله الحق؛ والمراد بالحق أما كلمة كن أو ما يقابل الباطل، فالمراد بكن ما هو سببها من
الحوادث اليومية بأن يغفر ذنباً، ويفرج كرباً، ويرفع قوماً ويضع آخرين، ويولج الليل في النهار
ويولج النهار في الليل، ويخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي، ويشفي سقيماً
ويسقم صحيحاً، ويبتلي معافي ويعافي مبتلي، ويعز ذليلاً ويذل عزيزاً، ويفقر غنياً ويغني
فقيراً، فسبحان الذي إذا أراد شيئاً أن يقول له: كن، فيكون، وإنما كانت الكلمة حقاً لا باطلاً
لقوله تعالى: ﴿ربنا ما خلقت هذا باطلاً﴾ [آل عمران - ١٩١] أي عبثاً، بل هو صواب
وحكمة، ويجوز أن يراد به القول المسطور في اللوح المحفوظ؛ والحق بمعنى الثابت أي
قضى وقدر وحكم في الكائنات بما كان مقرراً في الأزل ثابتاً في اللوح المحفوظ (وهو) أي الله
سبحانه (العلي) أي الرفيع شأنه (الكبير) أي العظيم برهانه. قال الطيبي: ويؤيد الأوّل تأنيث
الكناية في قوله: (فسمعها) أي الكلمة الحقة (مسترقوا السمع)، وإنما عدلوا عن صريح القول
وهو التفصيل والتصريح بالمقضي من الشؤون والأمور إلى هذا القول المجمل الموجز لأن

٤١٥
كتاب الطب والرقى/ باب الكهانة
ومُسترقوا السَّمعِ هكذا، بعضه فوقَ بعضٍ)) ووصفَ سفيانُ بكفه فحرَّفها، وبدَّدَ بينَ أصابعِه
((فيسمعُ الكلمةَ فيُلقيها إِلى مَن تحتَه،. ثمَّ يُلقيها الآخرُ إِلى من تحتَه، حتى يُلقيها على
لسان الساحرِ أو الكاهنِ. فربما أدركَ الشهاب قبلَ أن يُلقيَها، وربما ألقاها قبلَ أن يُدركه،
-
قصدهم في ذلك إزالة الفزع عن قلوبهم بالكلية يعني لا تفزعوا وتبقوا على قلوبكم، فإن هذا
القول هو ما عهدتموه كل يوم من قضاء الشؤون لا ما تظنونه من قيام الساعة؛ هذا ومما يدل
على أن المجيبين الملائكة المقربون كجبريل وميكائيل وغيرهما، ما روى أبو داود عن ابن
مسعود قال: ((إذا تكلم الله عزَّ وجلّ بالوحي تسمع أهل السماء صلصلة كجر السلسلة على
الصفا، فيصعقون، فلا يزالون كذلك حتى يأتيهم جبريل، فإذا جاء جبريل فزع عن قلوبهم
فيقولون: يا جبريل ماذا قال ربكم، فيقول: الحق، فيقولون: الحق)). (ومسترقوا السمع) مبتدأ
خبره (هكذا) وهو إشارة إلى ما صنعه من التحريف والتنديد وركوب بعضها على بعض،
وقوله: (بعضه فوق بعض) توضيح أو بدل وفيه معنى التشبيه أي مسترقوا السمع بعضه راكب
بعض مردفين كركوب أصابعي هذه بعضها فوق بعض، وأفراد الضمير في بعضه والمرجوع إليه
جمع لإرادة المذكور، ومنه قوله تعالى: ﴿وآتوا النساء صدقاتهن نحلة فإن طبن لكم عن شيء
منه نفساً﴾ [النساء - ٤] الضمير في منه جار مجرى اسم الإشارة كأنه قيل: عن شيء من ذلك،
كذا حققه الطيبي، (ووصف سفيان) أي ابن عيينة راوي الحديث (بكفه) أي بأصابعها (فحرفها)
بتشديد الراء أي ففرج كفه (وبده) بتشديد الدال الأولى أي وفرق (بين أصابعه)، قال الطيبي:
أي بين كيفية ركوب بعضها فوق بعض بأصابعه كقوله تعالى ﴿تصف ألسنتكم الكذب﴾،
وقولكم وجهه يصف الجمال، (فيسمع) أي أحدهم أو المسترق (الكلمة). قال الطيبي: هو
عطف على قوله: ومسترقوا السمع؛ وكلام الراوي معترض بينهما وهو الأظهر عندي؛ إن هذا
إعادة لقوله: فسمعها مسترقوا السمع لطول الفصل بقول الصحابي ((ومسترقوا السمع)) الخ،
وبيان لتفسير التابعي بقوله: ((ووصف)) الخ؛ وإنما عدل عن الماضي إلى المضارع لأن المعنى
عليه أو استحضاراً للحال المشار إليه (فيلقيها) أي يرميها ويقذفها (إلى من تحته) أي من الجن
(ثم يلقيها الآخر إلى من تحته حتى يلقيها على لسان الساحر)، وإنما عدل من إلى إلى على
للإشارة إلى انتهاء الأمر واستقلال ظهور المقصود، قال الطيبي: والساحر المنجم كما جاء في
الحديث المنجم ساحر لأن الساحر لا يخبر عن الغيب اهـ، فأو في قوله: (أو الكاهن) للتنويع،
وحديث ابن عباس الآتي صريح في أن الكاهن ساحر، فالساحر كاهن، فأو للشك (فربما أدرك
الشهاب) بالرفع، وفي نسخة بالنصب (قبل أن يلقيها)، قال الطيبي: يحتمل أن يكون منصوباً
ومرفوعاً يعني الجني قد يسترق السمع قبل أن يلقيه إلى وليه أدرك الشهاب أو أدركه الشهاب
قلت: الثاني هو الظاهر لقوله تعالى: ﴿إلا من خطف الخطفة فأتبعه شهاب ثاقب﴾ [الصافات -أ
١٠] أي لحقه وأدركه، والشهاب ما يرى كأنه كوكباً انقض. ذكره البيضاوي؛ (وربما ألقاها قبل
أن يدركه)؛ وظاهره أن الإدراك واقع لا محالة، قال القاضي: واختلفوا في أن المرجوم هل
يتأذى به فيرجع أو يحترق، لكن قد يصيب الصاعد مرة وقد لا يصيب كالموج لراكب السفينة،
ولذلك لا يرتدعون عنه رأساً ولا يقال: ((إن الشيطان من النار فلا يحترق. لأنه ليس في النار
١
١

٤١٦
مسهوج
كتاب الطب والرقى / باب الكهانة
فيكذِبُ معها مائةً كذبةٍ. فيُقالُ: أليسَ قد قال لنا يومَ كذا وكذا: كذا وكذا؟ فيُصدَّقُ بتلكَ
الكلمةِ التي سُمعت منَ السَّماءِ». رواه البخاري.
٤٦٠١ - (١٠) وعن ابنِ عبَّاسٍٍ، قال: أخبرني رجلٌ منْ أصحابِ النبيِ وَّ من
الأنصارِ: أنهم بينا هُم جُلوسٌ ليلةَ معَ رسول الله وَِّ رُميَ بنجم واستنارَ، فقال لهم رسولُ
الله ◌َّهُ: ((ما كُنتم تقولونَ في الجاهليَّة إِذا رُميَ بمثلِ هذا؟» قالوا: اللَّهُ ورسولُه أعلمُ، كنّا
نقولُ: وُلدَ الليلةَ رجلٌ عظيمٌ؛ وماتَ رجلٌ عظيمٌ. فقال رسولُ اللهِ وَله: ((فإنها لا يُرمى بها
الموتِ أحدٍ ولا لحَياتِه؛ ولكنْ ربُّنا تبارك اسمُه إذا قضى أمراً سبَّح حملةُ العرشِ، ثمَّ سبِّحَ
الصرف، كما أن الإنسان ليس لأنه من التراب الخالص مع أن النار القوية إذا استولت على
الضعيفة استهلكتها، (فيكذب) أي الكاهن (معها) أي مع تلك الكلمة المسموعة الصادقة الوقوع
(مائة كذبة) أي ويخبر الناس بتلك الكلمة في أثناء الكلمات الكذبة، فإذا أكذبه أحد ببعض
كذبانه (فيقال): أي فيقول: الناس، وفي نسخة فقال أي من يصدق الكاهن (أليس قد قال لنا
يوم كذا وكذا) أي من الشهر والسنة (كذا وكذا) أي من الخبر المطابق للواقع، (فيصدق) بصيغة
المجهول مشددة الدال أي الكاهن في جميع كلماته وكذباته (بتلك الكلمة التي سمعت من
السماء) أي بسببها، وهذا من أغرب الغرائب وأعجب العجائب أن الكاذب في مائة كلمة يعد
صادقاً بكلمة واحدة واقعة، ومع هذا ما يصدقون من لم يسمع منه في جميع عمره إلا الصدق،
فالتصديق في التحقيق من التوفيق. (رواه البخاري).
٤٦٠١ - (وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: أخبرني رجل من أصحاب النبي
وَالجو من الأنصار أنهم) أي الأصحاب (بينا هم جلوس) أي ذوو جلوس أو جالسون (ليلة مع
رسول الله ( *) أي مصاحبين له (رمي) بصيغة المجهول أي قذف (بنجم واستنار) أي الجوّبة،
قال الطيبي، هو جواب بينا، ولم يؤت بإذ كما يستفصحه الأصمعي وأنشد:
وبينا نحن نرقبه أتانا
١٣٠٠٠
,or
وهم جلوس مبتدأ وخبر لأن بينا وبينما يستدعيان أن يليهما جملة اسمية، وبينا مع
الجواب خبران، (فقال لهم رسول الله وَلقر: ((ما كنتم تقولون في الجاهلية إذا رمي بمثل هذا))
ولما لم يكن سؤاله وَلقر للاستعلام لأنه كان عالماً بذلك بل لأن يجيبوا عما كانوا يعتقدونه في
الجاهلية فيزيله عنهم ويقلعه عن أصله (قالوا: الله ورسوله أعلم ((كنا نقول: ولد) بصيغة
المجهول أي يولد (الليل رجل عظيم) أي باعتبار المآل (ومات رجل عظيم). الظاهر أن الواو
بمعنى أو المعنى كنا نقول تارة كذا وأخرى كذا، (فقال رسول الله وَّطاهر: فإنها) أي النجوم بدلالة
النجم المراد به الجنس (لا يرمى بها لموت أحد ولا لحياته) أي ولا لحياة أحد آخر (ولكن ربنا
تبارك اسمه) أي تكاثر خير اسمه فكيف مسماه (إذا قضى أمراً سبح حملة العرش ثم سبح
الحديث رقم ٤٦٠١: أخرجه مسلم في صحيحه ٤/ ١٧٥٠ الحديث رقم (١٢٤ - ٢٢٢٩) والترمذي في
السنن ٣٣٧/٥ الحديث رقم ٣٢٢٤، وأحمد في المسند ٢١٨/١.

٤١٧
٦٧٫٧٥
كتاب الطب والرقى/ باب الكهانة
أهلُ السَّماءِ الذينَ يلونَهم، حتى يبلُغَ التسبيحُ أهلَ هذه السَّماءِ الدنيا، ثمَّ قال الذينَ يلونَ حملةً
العرشِ لحملةِ العرشِ: ماذا قال ربُّكم؟ فيُخبرونَهم ما قال فيستخبرُ بعض أهل السماوات بعضاً
حتى يبلغَ هذه السماءَ الدنيا، فيخطَّفُ الجنُّ السمعَ، فيقذفونَ إِلى أوليائهم، ويُرمَونْ، فما
جاؤوا به على وجهِه فهوَ حقٍّ، ولكنهم يقرِفونَ فيه ويزيدونَ)). رواه مسلم.
٤٦٠٢ - (١١) وعن قتادةَ، قال: خلقَ اللَّهُ تعالى هذه النجومَ لثلاثٍ: جعلَها زينةً
للسماءِ، ورُجوماً للشياطينِ، وعلاماتٍ يُهتَدی بها؛
أهل السماء الذين يلونهم حتى يبلغ التسبيح) أي صوته أو نوبته (أهل هذه السماء الدنيا) قال
الطيبي، فإن قلت: الدنيا صفة للسماء، والسماء صفة لاسم الإشارة، فكيف يصح وصف
الوصف، قلت: إنما لا يصح حيث كانت الصفة مفهوماً لا ذاتاً، وأوصاف اسم الإشارة ذوات
فيصح وصفها، (ثم قال الذين يلون) بضم اللام أي يقربون (حملة العرش لحملة العرش)
وضع(١) الظاهر موضع الضمير لئلا يتوهم، رجع الضمير لبعض الذين يلون (ماذا قال ربكم،
فيخبرونهم ما قال) أي بما قال تعالى، (فيستخبر بعض أهل السموات) أي التحتانية (بعضاً) أي
من أهل السموات الفوقانية (حتى يبلغ) أي يصل الخبر (هذه السماء الدنيا) أي أهلها من
الملائكة، (فيخطف الجن السمع) أي المسموع وضبط الفعل بالتذكير وفتح الطاء، وفي نسخة
بالتأنيث وكسر الطاء، ففي القاموس خطف كسمع وضرب، وهذه قليلة أو رديئة استلبه،
والشيطان السمع استرقه كاختطفه (فيقذفون) أي الجن يرمون مسموع الملائكة (إلى أوليائهم)
من الكهنة والمنجمين (ويرمون) بصيغة المجهول أي الجن يقذفون (بالشهب) قال الطيبي: هو
معطوف على يقذفون، وهذا رميهم بالشهاب بعد إلقائهم الكلمة إلى أوليائهم وهو إحدى
الحالتين اللتين ذكرنا في الحديث السابق وهي قوله: وربما ألقاها قبل أن يدركه قلت: الأظهر
أن الواو لمطلق الجمع فالرمي شامل للحالتين (فما جاؤوا) أي أولياؤهم (به على وجهه) أي من
غير تصرف فيه (فهو حق) أي كائن واقع (ولكنهم يقرفون) بكسر الراء أي يكذبون (فيه). قال
الطيبي: عداه بقي على تضمين معنى الكذب اهـ. ففي القاموس قرف عليهم [بغى] ولعياله
كسب وخلط وكذب، فالأظهر أن معناه هنا يوقعون الكذب في المسموع الصادق ويخلطونه،
ولا يتركونه على وجهه غالباً، (ويزيدون) أي دائماً كذبات أخر منضمة إليه. (رواه مسلم).
٤٦٠٢ - (وعن قتادة) رضي الله تعالى عنه تابعي جليل مشهور سبق ذكره وهو من أجلاء
المفسرين (قال: خلق الله تعالى هذه النجوم لثلاث) أي من الحكم (جعلها زينة للسماء ورجوماً
للشياطين) أي كما قال تعالى: ﴿ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح وجعلناها رجوماً للشياطين﴾
[الملك - ٥] (وعلامات يهتدى بها) بصيغة المجهول قال تعالى: ﴿وبالنجم هم يهتدون﴾
(١) في المخطوطة ((وصف)).
الحديث رقم ٤٦٠٢: أخرجه البخاري تعليقاً ٢٩٥/٦ باب (٣) من كتاب بدء الخلق.
२१में

٤١٨
کتاب الطب والرقى/ باب الكهانة
فمن تأوَّلَ فيها بغيرِ ذلك أخطأ وأضاعَ نصيبَه، وتكلَّفَ ما لا يعلمُ. رواه البخاريُّ تعليقاً -
وفي رواية رزين -: («تكلفَ ما لا يعنيه وما لا علمَ له به، وما عجزَ عن علمِه الأنبياءُ
والملائكةُ».
٤٦٠٣ - (١٢) وعن الربيع مثلُه، وزاد: واللَّهِ ما جعلَ اللَّهُ في نجم حياةَ أحدٍ، ولا
رزقَّه، ولا موتَه؛ وإنما يفترونَ عَلَى اللَّهِ الكذِبَ ويتعلَّلونَ بالنجومِ.
[النحل - ١٦] (فمن تأول فيها بغير ذلك) أي من ذكر في النجوم فائدة أخرى من غير ما ذكر
(أخطأ) أي حيث تكلم رجماً بالغيب (وأضاع نصيبه) أي حظه من عمره، وهو الاشتغال بما
يعنيه وينفعه في الدنيا والآخرة (وتكلف ما لا يعلم) أي شيئاً لا يتصوّر علمه لأن أخبار السماء
لا تعلم إلا من طريق الكتاب والسنة، وليس فيهما أزيد مما تقدم والله أعلم، ومن حكايات
الظرفاء أن منجماً سرق منه شيء فقال له بعض العارفين: أنت لا تعرف ما في الأرض، كيف
تدعي معرفة ما في السماء. (رواه البخاري تعليقً) أي بلا إسناد، (وفي رواية رزين، وتكلف ما
لا يعنيه) أي ((ومن حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه)) كما في الحديث المشهور (وما لا علم
له به). قال الطيبي: ليس نفياً لما يتعاناه المنجم من الأحكام وإثباتاً لغيره، بل نفيه بالكلية،
ويؤيده ما اتبعه من قوله: (وما عجز عن علمه الأنبياء والملائكة) أي حيث لم يظهر منهم
شيء، وإلا فالله أعلم بأنهم يعلمون بعض الأحكام المتعلقة بالنجوم أم لا .
٤٦٠٣ - (وعن الربيع) أي ابن زياد يروي عن عمر وأبي بن كعب، ويروي عنه قتادة وأبو
نضرة، كذا قيل، ولم يذكره المؤلف في أسمائه (مثله) أي مثل ما تقدم عن قتادة (وزاد) أي
الربيع على ما سبق (والله ما جعل الله في نجم حياة أحد) أي ولادته أو طول بقائه (ولا رزقه)
أي مالاً ولا جاهاً (ولا موته وإنما يفترون) أي المنجمون (على الله الكذب ويتعللون بالنجوم)
أي ويجعلون طلوع نجم مثلاً علة لشيء مما ذكر أو المعنى يتسترون في كذبهم بتعلقهم
بالنجوم. قال الطيبي: واعلم أن الشيخ أبا القاسم عبد الكريم بن هوازن القشيري [رحمه الله]
في كتابه المسمى بمفاتيح الحجج في إبطال مذهب المنجمين أطنب فيه وذكر أقوالهم قال:
وأقربها قول من قال: إن هذه الحوادث يحدثها الله تعالى ابتداء بقدرته واختياره، ولكن أجرى
العادة بأنه إنما يخلقها عند كون هذه الكواكب في البروج المخصوصة، وتختلف باختلاف
سيرها واتصالاتها ومطارح أشعتها على جهة العادة من الله تعالى كما أجرى العادة بخلق الولد
عقيب الوطء، وخلق الشبع عقيب الأكل ثم قال: هذا في القدرة جائز لكن ليس عليه دليل ولا
إلى القطع به سبيل لأن ما كان على جهة العادة يجب أن يكون الطريق فيه مستمراً، وأقل ما فيه
أن يحصل التكرار، وعندهم لا يحصل وقت في العالم مكرر على وجه واحد لأنه إذا كان في
سنة الشمس مثلاً في درجة من برج، فإذا عادت إليها في السنة الأخرى، فالكواكب لا يتفق
الحديث رقم ٤٦٠٣: رواه رزین.
١٣٠

٤١٩
كتاب الطب والرقى / باب الكهانة
٤٦٠٤ - (١٣) وعن ابنِ عبّاس، قال: قال رسولُ الله وَلّهِ: ((مَنِ اقتبسَ باباً من علم
النجومِ لغيرِ ما ذَكَرَ اللَّهُ؛ فقدٍ اقتبسَ شعبةً منَ السحرِ، المنجِّمُ كاهنٌ، والكاهنُ ساحرٌ،
والساحرُ كافرٌ)). رواه رزين.
كونها في بروجها كما كانت في السنة الماضية، والأحكام تختلف بالقرائن والمقابلات ونظر
الكواكب بعضها إلى بعض، فلا يحصل شيء من ذلك مكرراً، واتفقوا على أنه لا سبيل إلى
الوقوف على الأحكام ولا يجوز القطع على البت لتعذر الإحاطة بها على التفصيل، ومما يدل
على أنه لا حجة في قولهم إنهم اختلفوا فيما بينهم في حكم الزنج فلأهل هند وسند طريق
يخالف طريق أرباب الزنج الممتحن، وفصل الشيخ في الاختلاف بينهم تفصيلاً ثم قال: ومما
يدل على فساد قولهم أن يقال لهم أخبرونا عن مولودين ولداً في وقت واحد ليس يجب
تساويهما في كل وجه ولا تمييز بينهما في الصورة والقد والمنظر، وحتى لا يصيب أحد نكبة
إلا أصاب الآخر، وحتى لا يفعل هذا شيئاً إلا والآخر يفعل مثله، وليس في العالم اثنان هذا
صفتهما قالوا: من المحال أن يوجد مولودان في العالم في وقت واحد، ولا بد أن يتقدم
أحدهما على الآخر فيقال: أمحال ذلك في العقل، والتقدير أم في الوجود فإن قالوا بالأوّل بأن
فساد قولهم، وإن قالوا بالثاني قيل: وما مثلكم منه، فإن قالوا: ليس أمر الكسوفين يصدق
قلنا: ليس أمر الكسوفين من الأحكام وإنما هو من طريق الحساب، وذلك غير منكر، ويجوز
أن يكون أمر سير الكواكب على ما قالوه. وقد ورد في الشريعة في أمر الكسوفين بأنه آية من
آيات الله، فإن قالوا: إن قولكم في المنجمين أنهم مخطؤون في جميع ما يحكمون مكابرون
للعقول، قلنا: أنا نقول: إنهم مخطؤون في أصولهم عن شبه وقعت لهم، فلا يعرفون بطلان
قولهم مكابرة للعقول ولا بالضرورة بل جزموا على مقتضى قواعد بنوها على أصول فاسدة
وقعت الشبهة لسلفهم في أصول قواعدهم، فربما يصيبون في تركيب الفروع على تلك
الأصول، فمنزلتهم في الأحكام كمنزلة أصحاب الحدث والتخمين وأصحاب الزوج والفرد،
فربما يصيبون اتفاقاً لا عن ضرورة وربما يخطؤون وكثيراً ما نجد من الفلاحين والملاحين
يعتبرون نزع ما اعتادوا من توقع المطر وهبوب الرياح في أوقات راعوها بدلالات ادعوا أنهم
جربوها في السماء والهواء وغير ذلك، فيحصل بعض أحكامهم اتفاقاً لا تحقيقاً.
٤٦٠٤ - (وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله وَالتر: (من اقتبس
باباً من علم النجوم))) أي تعلم نوعاً من علومها ((لغير ما ذكر الله))). وهو الثالث المذكور في
حديث قتادة، (فقد اقتبس شعبة من السحر) أي أخذ قطعة من علم السحر، وهو العلم المذموم
الذي بعضه فسق وبعضه كفر على ما قررنا سابقاً ((المنجم كاهن، والكاهن ساحر))) لأنه يسحر
الناس بكلامه، (والساحر كافر) من الكفر أو الكفران أي فكذلك الكاهن وكذا المنجم كافر.
(رواه رزين).
i
الحديث رقم ٤٦٠٤: رواه رزين.

٤٢٠
كتاب الطب والرقى/ باب الكهانة
٤٦٠٥ - (١٤) وعن أبي سعيدٍ قال: قال رسولُ اللهِ وَِّ: ((لو أمسكَ اللَّهُ القطْرَ عن
عبادِه خمسَ سنينَ، ثمَّ أرسلَه، لأصبحت طائفةٌ منَ الناس كافرينَ، يقولونَ: سُقينا بنوءِ
المِجْدَحِ)). رواه النسائي.
٤٦٠٥ - (وعن أبي سعيد) رضي الله تعالى عنه (قال: قال رسول الله وَ ليو لو أمسك الله
القطر) بفتح فسكون أي لو منع الله المطر (عن عباده خمس سنين) أي مثلاً، أو المراد مدة
تورث الإقناط عن إنزال الغيث وأما قول الطيبي: لم يرد به التحديد بل طول الزمان ففيه بعد
لأن عدد الخمس ليس متعارفاً في التكثير، (ثم أرسله) أي أنزل القطر بعدها (لأصبحت طائفة
من الناس كافرين) وهم المنجمون ومصدقوهم (يقولون): استئناف بيان أو حال (سقينا) بصيغة
المجهول أي مطرنا (بنوء المجدح) بكسر الميم وسكون الجيم وفتح الدال المهملة فمهملة من
الأنواء التي لا تكاد تخطىء، وهو ثلاثة كواكب كالأثافي كأنها مجدح، وهو خشبة في رأسها
خشبتان معترضتان يجدح بها السويق أي يضرب، ويخلط، وقال الطيبي: وهو نجم من
النجوم، وقيل: هو ثلاثة كواكب كالأثافي تشبيهاً بالمجدح الذي له ثلاث شعب، وهو عند
العرب من الأنواء الدالة على المطر اهـ، والمعنى أنه يقال لهم: ((فأين كان هذا النوء في مدة
خمس سنين مثلاً، هل كان يطلع كل سنة أم لا، وهل له تأثير دائماً أو في بعض السنين))،
وبهذا يظهر بطلان قولهم باليقين. (رواه النسائي).
١
الحديث رقم ٤٦٠٥: أخرجه النسائي في السنن ١٦٥/٣ الحديث رقم ١٥٢٦.