Indexed OCR Text

Pages 361-380

٣٦١
كتاب الجهاد
منْ ماءِ عذبةٌ، فأعجبْتُه، فقال: لو اعتزلتُ الناسَ، فأقمتُ في هذا الشِعبِ. فذكر ذلكَ
لرسولِ اللهِ وَل﴿ فقال: ((لا تفعلْ؛ فإِنَّ مَقامَ أحدِكم في سبيلِ الله أفضلُ منْ صلاتِه في بيته
سبعين عاماً، أَلاَ تحِبُّونَ أنْ يغفرَ اللَّهُ لكم ويدخلَكم الجنَّةَ؟ اغْزُوا في سبيلِ الله، مَنْ قاتلَ
في سبيلِ الله فُواقَ ناقةٍ وجبَتْ لَهُ الجنَّةَ)). رواه الترمذي.
٣٨٣١ _ (٤٤) وعن عثمانَ [رضي اللَّهُ عنه]، عن رسولِ اللهِ وَ ◌ّرَ، قال: ((رِباطُ يوم
(من ماء) قال الطيبي: صفة عيينة جيء بها مادحة لأن التنكير فيها يدل على نوع ماءٍ صافٍ
تروق به الأعين وتبهج به الأنفس، (عذبة) بالرفع صفة عيينة وبالجر على الجوار أي طيبة أو
طيب ماؤها، قال الطيبي: وعذبة صفة أخرى مميزة لأن الطعم الألذ سائغ في المريء، ومن ثم
أعجب الرجل وتمنى الاعتزال عن الناس (فقال) [أي] الراوي: (فأعجبته) أي العيينة وما يتعلق
بها من المكان (فقال): أي الرجل (لو اعتزلت الناس) لو للتمني، ويجوز أن تكون لو امتناعية.
وقوله: (فأقمت في هذا الشعب) عطف على اعتزلت وجواب لو محذوف أي لكان خيراً لي.
قال التوربشتي وجدنا في سائر النسخ فيه غيضة وليس ذلك بسديد ولم يشهد به رواية. قال
القاضي: وفي أكثر النسخ غيضة من ماء فإن صحت الرواية بها فالمعنى غيضة كانت من ماء،
وهي الأجمة من غاض الماء إذا نضب فإنها مغيض ماء يجتمع فيه الشجر والجمع غياض
واغياض (فذكر) بصيغة المجهول أي ذكروا (ذلك) أي ما صدر عن الرجل (لرسول الله وَالقيد).
وفي نسخة بالفاعل أي ذكر بنفسه استئذاناً لما خطر بقلبه (فقال: لا تفعل) نهى عن ذلك لأن
الرجل صحابي، وقد وجب عليه الغزو فكان اعتزاله للتطوّع معصية لاستلزامه ترك الواجب،
ذكره ابن الملك تبعاً للطيبي [رحمه الله]، وفيه أنه يمكن أنه أراد الاعتزال بعد فراغه من الجهاد
كما هو شأن العباد والزهاد من العباد، (فإن مقام أحدكم) بفتح الميم أي قيامه. وفي نسخة
بضمها، وهي الإقامة بمعنى ثبات أحدكم (في سبيل الله) أي بالاستمرار في القتال مع الكفار
خصوصاً في خدمة سيد الأبرار (أفضل من صلاته في بيته) يدل على أن طلبه كان مفضولاً لا
محرماً (سبعين عاماً). المراد به الكثرة لا التحديد، فلا ينافي ما ورد أن رسول الله وَ له قال:
((مقام الرجل في الصف في سبيل الله أفضل عند الله من عبادة الرجل ستين سنة))(١) رواه الحاكم
عن عمران بن حصين وقال: على شرط البخاري، ورواه ابن عدي وابن عساكر عن أبي هريرة
رضي الله عنهم ولفظه قيام أحدكم (ألا) بالتخفيف للتنبيه أي أما (تحبون أن يغفر الله لكم) أي
مغفرة تامة (ويدخلكم الجنة) أي إدخالاً أوّلياً (اغزوا في سبيل الله) أي دوموا على الغزو في دينه
تعالى كقوله تعالى: ﴿يا أيها النبي اتق الله﴾ [الأحزاب - ١] ((من قاتل في سبيل الله فواق ناقة
وجبت له الجنة)). رواه الترمذي).
٣٨٣١ - وعن عثمان رضي الله عنه عن رسول الله وَ القر قال: ((رباط يوم
٠٠٠صر
(١) الحاكم في المستدرك ٦٨/٢.
الحديث رقم ٣٨٣١: أخرجه الترمذي في السنن ١٦٢/٤ الحديث رقم ١٦٦٧، والنسائي في ٤٠/٦
سففى ٨٢
،۔۔۔ ۔
وته:

٣٦٢
كتاب الجهاد
في سبيلِ اللَّهِ خيرٌ من ألفِ يومٍ فيما سواهُ منَ المَنازِلِ)). رواه الترمذيُّ، والنسائي.
٣٨٣٢ - (٤٥) وعن أبي هريرةَ، أنَّ رسولَ اللهِ وَّرَ قال: ((عُرضَ عَلَيَّ أوَّلُ ثلاثةٍ
يدُخلونَ الجنةَ: شهيدٌ
في سبيل الله خير من ألف يوم فيما سواه)) أي فيما سوى الرقاط أو فيما سوى سبيل الله، فإن
السبيل يذكر ويؤنث (من المنازل) وخص منها المجاهد في المعركة بدليل منفصل عقلي ونقلي
وهو لا ينافي تفسير الرباط بانتظار الصلاة بعد الصلاة في المساجد. وقوله وَلقر: ((فذلكم
الرباط))(١) لأنه رباط دون رباط بل هو مشبه بالرباط للجهاد، فإنه الأصل فيه أو هذا رباط
للجهاد الأكبر كما أن ذاك رباط للجهاد الأصغر، وتفسير لقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا
اصبروا ورابطوا﴾ [آل عمران - ٢٠٠] فإن الرباط الجهادي قد فهم مما قبله كما لا يخفى. وقال
الطيبي: فإن قلت: هو جمع محلى بلام الاستغراق، فيلزم أن يكون المرابط أفضل من
المجاهد في المعركة، ومن انتظار الصلاة بعد الصلاة في المسجد، وقد قال فيه: ((فذلكم
الرباط فذلكم الرباط)» وقد شرحناه، ثمة قلت: هذا في حق من فرض عليه المرابطة وتعين
بنصب الإمام على ما سبق في الحديث السابق قلت: في فرض العين، لا يقال: إنه خير من
غيره لأنه متعين لا يتصوّر خلافه إذ اشتغاله بغير معصية. (رواه الترمذي)، وكذا النسائي
والحاكم(٢) وقد تقدمت روايات أخر تفيده وتقويه.
74مرة
٣٨٣٢ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله وَّفي قال: عرض علي) أي ظهر
لدي (أوّل ثلاثة يدخلون الجنة) بصيغة الفاعل، ويجوز كونه للمفعول. قال الطيبي: أضاف
أفعل(٣) إلى النكرة للاستغراق أي أوّل كل ثلاثة من الداخلين في الجنة هؤلاء الثلاثة، وأما
تقديم أحد الثلاثة على الآخرين فليس في اللفظ إلا التنسيق عند علماء المعاني. اهـ قوله:
للاستغراق، كأنه صفة النكرة أي النكرة المستغرقة لأن النكرة الموصوفة تعم، فالمعنى أوّل كل
ممن يدخل الجنة ثلاثة ثلاثة هؤلاء الثلاثة، ثم لا شك أن تقديم الذكرى يفيد الترتيب الوجودي
في الجملة، وإن لم يكن قطعياً كما في آية الوضوء، وقد قال وَلير: ((ابدؤوا بمال بدأ الله به في
أن الصفا والمروة من شعائر الله)»(٤) وروي ثلة بالضم وهي الجماعة أي أوّل جماعة يدخلون
الجنة؛ وروي برفع ثلاثة فضم أوّل للبناء كضم قبل وبعد وهو ظرف عرض أي عرض على أول
أوقات العرض ثلاثة أو ثلة يدخلون الجنة (شهيد) فعيل بمعنى الفاعل أو المفعول. قال
**** ١١٣٤/١/ ***
الحديث رقم ٣١٦٩. والدارمي في ٢٧٧/٢ الحديث رقم ٢٤٢٤، وأحمد في المسند ٦٥/١.
١ ١ /١١٣٢/١١٣
(١) أخرجه مسلم في صحيحه ٢١٩/١ الحديث رقم (٤١ - ٢٥١).
(٢) الحاكم في المستدرك ٢/ ١٤٣.
الحديث رقم ٣٨٣٢: أخرجه الترمذي في السنن ١٥١/٤ الحديث رقم ١٦٤٢. وأحمد في المسند ٤٢٥/٢.
(٣) في المخطوطة ((الفعل)).
(٤) مسلم في صحيحه من حديث جابر الطويل في الحج ٨٨٦/٢ - الحديث رقم (١٤٧ - ١٢١٨).
Bes

٣٦٣
كتاب الجهاد
وعَفيفٌ متعفّفٌ، وعبدٌ أحسَنَ عبادةَ اللَّهِ ونصَحَ لمَواليه)). رواه الترمذي.
٣٨٣٣ - (٤٦) وعن عبدِ الله بنِ حُبَشيٍّ: أنَّ النبيَّ وَّرَ سُئلَ أيُّ الأعمالِ أفضلُ؟ قال:
((طولُ القِيام). قيلَ: فأيُّ الصدَقةِ أفضلُ؟ قال: ((جُهْدُ المقِلُ)». قيلَ: فأيُّ الهِجْرَةِ أفضلُ؟
قال: ((مَنْ هجَرَ
السيوطي: إنما سمي الشهيد شهيداً لأنه حي فكأن روحه شاهدة أي حاضرة. وقيل: لأن الله
تعالى وملائكته يشهدون له بالجنة. وقيل: لأنه يشهد عند خروج روحه ما أعده الله له من
الكرامة. وقيل: لأنه يشهد له بالإيمان من النار. وقيل: لأنه الذي يشهد يوم القيامة بإبلاغ
الرسل (وعفيف) أي عما لا يحل (متعفف) أي عن السؤال مكتف باليسير عن طلب الفضول في
المطعم والملبس. وقيل: أي متنزه عما لا يليق به صابر على مخالفة نفسه وهواه. (وعبد) أي
مملوك (أحسن عبادة الله) بأن قام بشرائطها وأركانها، وقال الطيبي: أي أخلص عبادته من قوله
وَله: ((الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه)) ولا يخفى عدم ملاءمته للمقام لأن المراد به أنه قام
بحق خالقه مما يجب عليه (ونصح لمواليه) أي أراد الخير لهم، وقام بحقوقهم. (رواه
الترمذي) ورواه أحمد والبيهقي والحاكم(١) عنه بلفظ عرض عليّ أول ثلاثة يدخلون الجنة وأول
ثلاثة يدخلون النار، فأما أوّل ثلاثة يدخلون الجنة فالشهيد ومملوك أحسن عبادة ربه ونصح
لسيده وعفيف متعفف، وأما أول ثلاثة يدخلون النار فأمير مسلط وذو سروة من مال لا يؤدي
حق الله في ماله، وفقير فجور.
٥.٩١٠-
٣٨٣٣ - (وعن عبد الله بن حبشي رضي الله عنه) بضم مهملة وسكون موحدة وفي آخره
ياء النسبة. قال المؤلف: خثعمي له رواية عداده في أهل الحجاز، سكن مكة. روى عنه عبيد
بن عمير مصغران وغيره. (أن النبي ◌ّي سئل أي الأعمال) أي أعمال الصلاة (أفضل قال: طول
القيام) لأنه يلزم منه كثرة القراءة وإطالة العبادة؛ وأما ما ورد [من] إن. إطالة السجود أفضل
فلكونها تدل على كمال المسكنة الموجبة للقرب إلى الله تعالى. (قيل: فأي الصدقة) أي من
أنواعها (أفضل قال: جهد المقل) بضم الجيم وضم الميم وكسر القاف وتشديد اللام أي طاقة
الفقير ومجهوده لأنه يكون بجهد ومشقة لقلة ماله، ولهذا ورد ((سبق درهم مائة ألف درهم
رجل له درهمان أخذ أحدهما فتصدق به ورجل له مال كثير فأخذ من عرضه مائة ألف قتصدق
بها)»(٢). رواه النسائي عن أبي ذر وهو والحاكم وابن حبان عن أبي هريرة؛ وقيل: المراد بجهد
المقل ما أعطاه الفقير مع احتياجه إليه فيقيد بما إذا قدر على الصبر ولم يكن له عيال تضيع
بإنفاقة. (قيل: فأي الهجرة) أي من أصنافها (أفضل قال: من هجر) أي هجرة من هجر أو
** 5%
o+wio
(١) الحاكم في المستدرك ٣٨٧/١.
الحديث رقم ٣٨٣٣: أخرجه أبو داود في السنن ١٤٦/٢ الحديث رقم ١٤٤٩، والنسائي في ٥٨/٥
الحديث رقم ٢٥٢٦، وأحمد في المسند ٤١١/٣.
(٢) الحاكم في المستدرك ٤١٦/١، والنسائي في السنن الحديث رقم ٢٥٢٧.
٠۶۶٠٤

٣٦٤
کتاب الجهاد
ما حرَّمَ اللَّهُ عليهِ)). قيلَ: فأيُّ الجِهادِ أفضلُ؟ قال: ((مَنْ جاهدَ المشركينَ بمالِهِ ونفسِه))
قيلَ: فأيُّ القتلِ أشرفُ؟ قال: ((مَنْ أُهْرِيقَ دمُه وعُقرَ جوادُ)) رواه أبو داود.
وفي روايةِ النسائيِّ: أنَّ النبيَّ ◌ََّ سُئلَ: أُّ الأعمالِ أفضلُ؟ قال: ((إِيمانٌ لا شكَّ
فيهِ، وجِهادٌ لا غُلولَ فيهِ، وحَجَّةٌ مبرورةٌ». قيل: فأيُّ الصلاةِ أفضلُ؟ قال: ((طولُ
القُنوتِ)). ثمَّ اتفقا في الباقي.
يقال: التقدير فأي صاحب الهجرة أفضل قال: من هجر (ما حرم الله) وكذا قوله: (قيل: فأي
الجهاد أفضل قال: من جاهد المشركين بماله ونفسه) ولتوقف هذا الجهاد على مجاهدة النفس
ورد ((أفضل الجهاد أن يجاهد الرجل نفسه وهواه)). رواه ابن النجاري عن أبي ذر، ولهذا سمي
جهاداً أكبر، ولا ينافيه ما ورد ((أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر))(١) على ما رواه أحمد
وغيره لأنه أشق على النفس، أو الأفضلية إضافية أو التقدير من أفضل الجهاد. (قيل: فأي
القتل أشرف قال: من أهريق) بسكون الهاء أي أريق وسفك (دمه وعقر جواده) أي جرح فرسه
الجيد (في سبيل الله). وفي الكلام كنايتان عن قتله وقتل مركوبه حيث اجتمع له الاجتهاد في
الجهاد راكباً وماشياً ومالاً ونفساً. قال الطيبي: ولعل تغيير العبارة في قوله: فأي القتل أشرف
إنما كان لاهتمام هذه الخصلة لأن معنى الشرف هو القدر والقيمة والرفعة، وذلك أن منزلة
درجة الشهيد الذي نال من درجات الشهادة أقصاها وغايتها هو الفردوس الأعلى، وهذا الشهيد
هو الذي بذل نفسه وماله وجواده في سبيل الله، وقطع عقب الجواد كناية عن غاية شجاعته وأنه
كان مما لا يطاق أن يظفر به إلا بعقر جواده. (رواه أبو داود، وفي رواية النسائي أن النبي ◌َيقول
سئل أي الأعمال أفضل قال: ((إيمان لا شك فيه))) أي بعده إذ لا يجتمعان (وجهاد لا غلول فيه)
والغلول بضم أوله الخيانة في المغنم، وورد في أفضل الأعمال أحاديث مختلفة ولعلها
باختلاف أحوال سائلها أو بعضها إضافية أو التقدير من أفضلها (وحجة مبرورة). وفي حديث
رواه مالك والبخاري ومسلم وغيرهم ((الحج المبرور ليس جزءاً إلا الجنة))(٢) واختلف في
المراد بالمبرور فقال النووي: إن الأصح أن المبرور هو الذي لا يخالطه إثم. وقيل: المتقبل،
وقيل: الذي لا رياء فيه ولا سمعة ولا رفث ولا فسوق. وقيل: الذي لا معصية بعده. وقال
الحسن البصري: هو أن يرجع زاهداً في الدنيا راغباً في العقبى، (قيل: فأي الصلاة) أي من
أحوالها (أفضل قال: طول القنوت) أي القيام أو السكون والخشوع في السجود (ثم اتفقا) أي
أبو داود والنسائي (في الباقي) أي باقي الحديث.
(١) سبق ذكره.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه ٣/ ٥٩٧ الحديث رقم ١٧٧٣، ومالك في الموطأ ٣٤٦/١ الحديث رقم
٦٥.
٩٧٧٥

٣٦٥
کتاب الجهاد
٣٨٣٤ - (٤٧) وعن المقدام بن معدي كَرِبَ، قال: قال رسولُ اللَّهِ وَّ: («للشهيدِ
عندَ اللَّهِ سِتُ خِصالٍ: يُغْفَرُ لهُ في أوَّلٍ دفعةٍ، ويُرى مقعده من الجنَّةِ، ويجارُ من عذابٍ
القبرِ، ويأمنُ مِنَ الفزعِ الأكبرِ، ويوضَعُ على رَأْسِهِ تاجُ الوَقارِ، الياقوتةُ منها خيرٌ من الدنيا
وما فيها، ويزوَّجُ ثنتينٍ وسبعينَ زوجةً من الحورِ العينِ، ويُشَفَّع في سبعينَ من أقربائِهِ)) رواه
الترمذي، وابن ماجه.
٣٨٣٥ _ (٤٨) وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله وَلّهِ: ((من لقيَ اللَّهَ بغيرَ أثرٍ من
٣٨٣٤ - (وعن المقدام بن معدي كرب قال: قال رسول الله وَه للشهيد عند الله ست
خصال) لا توجد مجموعها لأحد غيره (يغفر له) بصيغة المجهول أي تمحي ذنوبه (في أول دفقة)
بفتح أوله، وفي نسخة بضم أوله الجوهري الدفقة من المطر وغيره بالضم مثل الدفعة وبالفتح
المرة الواحدة أي يغفر له في أول دفقة وصيبة من دمه (ويرى) بضم أوله على أنه من الأراءة
ويفتح. وقوله: (مقعده) بالنصب لا غير على أنه مفعول ثان والمفعول الأوّل نائب الفاعل، أو
على أنه مفعول به وفاعله مسكن في يرى. وقوله: (من الجنة) متعلق به هذا وينبغي أن يحمل
قوله: ويرى مقعده على أنه عطف تفسير لقوله: يغفر له لئلا تزيد الخصال على ست ولئلا يلزم
التكرار في قوله: (ويجار من عذاب القبر) أي يحفظ ويؤمن إذ الإجارة مندرجة في المغفرة إذا
حملت على ظاهرها (ويأمن من الفزع الأكبر) فيه إشارة إلى قوله تعالى: ﴿لا يحزنهم الفزع
الأكبر﴾ [الأنبياء - ١٠٣] قيل: هو عذاب النار، وقيل: العرض عليها، وقيل: هو وقت يؤمر
أهل النار بدخولها، وقيل: ذبح الموت فييأس الكفار عن التخلص من النار بالموت، وقيل:
وقت أطباق النار على الكفار، وقيل: النفخة الأخيرة لقوله تعالى: ﴿ويوم ينفخ في الصور ففزع
من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله﴾ [النحل - ٨٧] (ويوضع على رأسه تاج الوقار)
أي المعزة. وفي النهاية التاج ما يصاغ للملوك من الذهب والجواهر (الياقوتة منها) أي من التاج
والتأنيث باعتبار أنه علامة العز والشرف أو باعتبار أنه مجموع من الجواهر وغيرها (خير من الدنيا
وما فيها ويزوج) أي يعطي بطريق الزوجية (ثنتين وسبعين زوجة) في التقييد بالثنتين والسبعين
إشارة إلى أن المراد به التحديد لا التكثير، ويحمل على أن هذا أقل ما يعطى، ولا مانع من
التفضل بالزيادة عليها (من الحور العين) أي نساء الجنة واحدتها حوراء وهي الشديدة بياض
العين الشديدة سوادها، والعين جمع عيناء وهي الواسعة العين (ويشفع) بتشديد الفاء أي يقبل
شفاعته (في سبعين من أقربائه) أي أقاربه وأحبابه. (رواه الترمذي وابن ماجه).
٣٨٣٥ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَلّر من لقي الله بغير أثر من
الحديث رقم ٣٨٣٤: أخرجه الترمذي في ١٦١/٤ الحديث رقم ١٦٦٣ وابن ماجه في ٩٣٦/٢ الحديث
رقم ٢٧٩٩.
الحديث رقم ٣٨٣٥: أخرجه الترمذي في السنن ١٦٢/٤ الحديث رقم ١٦٦٦ وابن ماجه في ٩٢٣/٢
الحديث رقم ٢٧٦٣.
ريج يم

٣٦٦
!w:
!* + )
کتاب الجهاد
جهاد لقيَ الله وفيه ثُلْمَةٌ)) رواه الترمذي، وابن ماجه.
٣٨٣٦ - (٤٩) وعنه، قال: قال رسولُ اللَّهِ وَلَهِ: ((الشهيدُ لا يجِدْ ألمْ القتل إِلاَّ كما
يجدُ أحدُكم ألمَ القَرْصَةِ)).
٠۵۵v
جهاد) الأثر بفتحتين ما بقي من الشيء دالاً عليه. قاله القاضي، والمراد به هنا العلامة أي من
مات بغير علامة [من علامات] الغزو ومن جراحة أو غبار طريق أو تعب بدن أو صرف مال أو
تهيئة أسباب وتعبية أسلحة (لقي الله) أي جاء يوم القيامة (وفيه ثلمة) بضم المثلثة وسكون اللام
أي خلل ونقصان بالنسبة إلى كمال سعادة الشهادة ومجاهدة المجاهدة، ويمكن أن يكون
الحديث مقيداً بمن فرض عليه الجهاد ومات من غير الشروع في تهيئة الأسباب الموصلة إلى
المراد. وقال الطيبي: قوله: من جهاد، صفة أثر، وهي نكرة في سياق النفي، فتعم كل جهاد
مع العدوّ والنفس والشيطان وكذلك الأثر بحسب اختلاف المجاهدة قال تعالى: ﴿سيماهم في
وجوههم من أثر السجود﴾ [الفتح - ٢٩] والثلمة ههنا مستعارة للنقصان، وأصلها أن تستعمل
في نحو الجدار ولما شبه الإسلام بالبناء في قوله: بني الإسلام على خمس جعل كل خلل فيه
ونقصان ثلمة على سبيل الترشيح، وهذا أيضاً يدل على العموم وينصره حديث أبي أمامة يعني
الآتي، وأما الأثران فأثر في سبيل الله وأثر في فريضة من فرائض الله. (رواه الترمذي وابن
ماجه)، وكذا الحاكم(١).
٣٨٣٦ - (وعنه) أي عن أبي هريرة رضي الله عنه (قال: قال رسول الله وَّقال: الشهيد) أي
الحقيقي، وفي معناه الحكمي (لا يجد ألم القتل). وفي رواية مس القتل أي شدة الموت (إلا
كما يجد أحدكم ألم القرصة). وفي رواية مس القرصة وهي بفتح القاف وسكون الراء هي
المرة من القرص وهو عض النملة الإنسان. وقيل: أخذ الجلد بنحو ظفر. قال الطيبي: القرص
الأخذ بأطراف الأصابع وأتي بأداة الحصر دفعاً لتوهم من يتصور أن ألمه يفضل على ألمها،
وذلك في شهيد دون شهيد [شهيد] يتلذذ ببذل مهجته في سبيل الله طيبة به نفسه كعمير بن
الحمام، والفاء ثمراته ولقائه الموت كما مر وأنشد خبيب الأنصاري حين قتل:
على أي شق كان لله مصرع
ولست أبالي حين أقتل مسلماً
يبارك على أوصال شلو ممزع
وذلك في ذات الإله وإن يشأ
اهـ والمعنى يبارك على أعضاء جسم مقطع، وهو أوّل من صلب في الإسلام، وقصته أنه
شهد بدراً أو أسر في غزوة الرجيع سنة ثلاث فانطلق به إلى مكة فاشتراه أبو الحارث بن عامر؛
وكل خبيب قد قتل الحارث يوم بدر كافراً، فاشتراه بنوه ليقتلوه فأقام عندهم أسيراً ثم صلبوه
(١) الحاكم في المستدرك ٧٩/٢.
الحديث رقم ٣٨٣٦: أخرجه الترمذي في السنن ١٦٣/٤ الحديث رقم ١٦٦٨، والنسائي في السنن ٣٦/٦
الحديث رقم ٣١٦١، وابن ماجه في ٢/ ٩٣٧ الحديث رقم ٢٨٠٢ والدارمي في ٢/ ٢٧١ الحديث
رقم ٢٤٠٨، وأحمد في المسند ٢٩٧/٢.
ميدو

٣٦٧
کتاب الجهاد
رواه الترمذي والنسائي، والدارمي، وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب.
٣٨٣٧ - (٥٠) وعن أبي أمامةً، عن النبيِّ وَّ، قال: «ليسَ شيءٌ أحبَّ إِلى اللَّهِ من
قطرتين، وأَثرينٍ: قطرةُ دموعٍ من خشية الله، وقطرةُ دمٍ يهراقُ في سبيلِ اللَّهِ. وأمَّا الأثرانِ:
فأثرٌ في سبيلِ الله، وأثرٌ في فريضةٍ من فرائضٍ اللَّهِ تعالى)). رواه الترمذي، وقال: هذا
حديثٌ حسنٌ غريب.
٣٨٣٨ - (٥١) وعن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسولُ اللَّهِ وَول: ((لا تركب البحر
إلا حاجٌ أو معتمرٌ، أو غازٍ في سبيلِ الله؛
بالتنعيم، كذا ذكره المؤلف. وفي المواهب لما خرجوا بخبيب من الحرم ليقتلوه، قال: دعوني
أصلي ركعتين ثم أنشد خبيب يقول البيتين، (رواه الترمذي والنسائي والدارمي وقال الترمذي:
هذا حديث حسن غريب)، ورواه الطبراني في الأوسط عن أبي قتادة.
٣٨٣٧ - (وعن أبي أمامة رضي الله عنه عن النبي ◌َّر قال: ((ليس شيء أحب إلى الله من
قطرتين وأثرين))) أي خطوتين (قطرة دموع) بجرها على البدل، ويجوز رفعها ونصبها أي قطرة
بكاء حاصلة (من خشية الله) أي خوفه وعظمته المورثة لمحبته، (وقطرة دم تهراق) بصيغة
المجهول وسكون الهاء ويفتح، وهو بصيغة التأنيث على أنه صفة قطرة. وفي نسخة بالتذكير
على أنه صفة دم (في سبيل الله) وهو بعمومه يشمل الجهاد وغيره من سبيل الخير، ولعل وجه
أفراد الدم وجمع الدموع أن الدمع غالباً يتقاطر ويتكاثر بخلاف الدم. وقال الطيبي: المراد
بقطرة الدم قطراتها، فلما أضيفت إلى الجمع أفردت ثقة بذهن السامع. وفي أفراد الدم وجمع
الدموع إيذان بتفضيل إهراق الدم في سبيل الله على تقاطر الدمع بكاء اهـ. ولما كان ما سبق في
قوّة قوله: فأما القطرتان فكذا وكذا عطف عليه وقال: (وأما الأثران فأثر في سبيل الله) كخطوة
أو غبار أو جراحة في الجهاد أو سواد حبر في طلب العلم، (وأثر فريضة من فرائض الله تعالى)
كإشقاق اليد والرجل من أثر الوضوء في البرد وبقاء بلل الوضوء في الحر، واحتراق الجبهة من
الرمضاء، وخلوف فمه في الصوم واغبرار قدمه في الحج. (رواه الترمذي وقال: هذا حديث
حسن غريب).
٣٨٣٨ - (وعن عبد الله بن عمر وقال: قال رسول الله وَلقول: ((لا تركب البحر))) بصيغة
النهي للمخاطب خطاباً عاماً، وفي بعض النسخ بالنفي وهو بمعنى النهي (إلا حاجاً أو معتمراً أو
غازياً في سبيل الله). قال القاضي: يريد أن العاقل لا ينبغي أن يلقي نفسه إلى المهالك وبوقعه
مواقع الأخطار إلا لأمر ديني يتقرب به إلى الله تعالى، ويحسن بذل النفس فيه، وإيثاره على
الحياة؛ وفيه رد على من قال: إن البحر عذر لترك الحج؛ والصواب ما قاله الفقيه أبو الليث
الحديث رقم ٣٨٣٧: أخرجه الترمذي في السنن ١٦٣/٤ الحديث رقم ١٦٦٩.
الحديث رقم ٣٨٣٨: أخرجه أبو داود في السنن ١٣/٣ الحديث رقم ٢٤٨٩.
ا چی د.
٨٫٥٫٥٠
مرفوعة
٠٩٤٥
نعم.

٣٦٨
كتاب الجهاد
فإِنَّ تحتَ البحرِ ناراً، وتحتَ النارِ بحراً)). رواه أبو داود.
٣٨٣٩ - (٥٢) وعن أُمّ حرام، عن النبيِّ وَّ قال: ((المائدّ في البحر الذي يصيبهُ
القيءُ له أجر شهيد، والغريقُ لهُ أجرُ شهیدین)). رواه أبو داود.
السمرقندي: من أنه إذا كان الغالب السلامة ففرض عليه يعني وإلا فهو مخير وأما قوله تعالى:
﴿ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة﴾ [البقرة - ١٩٥] أي لا توقعوا أنفسكم في الهلاك فمحمول
على ما إذا لم يكن هناك غرض شرعي وأمر ديني، ولذا قال البيضاوي في تفسيره: أي
بالإسراف وتضييع وجه المعاش أو بالكف عن الغزو والإنفاق، فإنه يقوّي العدوّ ويسلطهم على
إهلاككم، ويؤيده ما روي عن أبي أيوب الأنصاري أنه قال: أعز الله الإسلام وكثر [الله] أهله
رجعنا إلى أهالينا وأموالنا نقيم فيها، فنزلت أو بالإمساك وحب المال فإنه يؤدي إلى الهلاك
المؤبد. وقوله: ((فإن تحت البحر ناراً وتحت النار بحراً)) يريد به تهويل شأن البحر وتعظيم
الخطر في ركوبه، فإن راكبه متعرض للآفات المهلكة كالنار والفتن المغرقة كالبحر إحداهما
وراء الأخرى، فإن أخطأت ورطة منها جذبته أخرى بمخالبها، فمهالكها متراكمة بعضها فوق
بعض لا يؤمن الهلاك عليه، وقد احترقت سفينة في زماننا واحترق جمع كثير من أهلها، وغرق
بعض منهم وقليل منهم نجو بمحن شديدة. وقيل: هو على ظاهره، فإن الله على كل شيء
قدير، ويؤيده حديث ((البحر من جهنم)) (١) على ما رواه الحاكم والبيهقي عن أبي يعلى، ويقويه
قوله تعالى: ﴿وإذا البحار سجرت﴾ [التكوير - ٦] أي أحميت وأوقدت أو ملئت بتفجير بعضها
إلى بعض حتى تعود بحراً واحداً وتصير ناراً، (رواه أبو داود).
٣٨٣٩ - (وعن أم حرام) ضد الحلال، قال المؤلف: هي بنت ملحان بكسر الميم ابن
خالد النجارية، وهي أخت أم سليم أسلمت وبايعت، وكان النبي ◌َّ يقيل في بيتها، وهي
زوجة عبادة بن الصامت ماتت غازية مع زوجها بأرض الروم، وقبرها بقبرص. روى عنها ابن
أختها أنس وزوجها عبادة. قال ابن عبد البر: لا أقف لها على اسم صحيح غير كنيتها، وكان
موتها في خلافة عثمان رضي الله عنه. (عن النبي ◌َّ- قال: المائد في البحر) اسم فاعل من ماد
يميد إذا مال وتحرك وهو الذي يدور رأسه من ريح البحر واضطراب السفينة بالأمواج كذا في
النهاية (الذي يصيبه القيء). قال الطيبي: صفة مبنية لا مخصصة، (له أجر شهيد) قال المظهر:
يعني من ركب البحر وأصابه دوران فله أجر شهيد إن ركبه لطاعة كالغزو والحج وتحصيل العلم
أو للتجارة إن لم يكن له طريق سواه، ولم يتجر لطلب زيادة المال بل للقوت. و(الغريق) أي
في البحر لما ذكر (له أجر شهيدين) أحدهما القعود الطاعة والآخر للغرق وكل منهما في حكم
الشهادة. (رواه أبو داود) ورواه الطبراني. في الكبير عنها بلفظ للمائد أجر شهيد، وللغريق أجر
شهیدین.
٢٠٠٠٠
%
(١) الحاكم في المستدرك ٥٩٦/٤.
الحديث رقم ٣٨٣٩: أخرجه أبو داود في السنن ١٥/٣ الحديث رقم ٢٤٩٣.
د جريور

٣٦٩
كتاب الجهاد
٣٨٤٠ _ (٥٣) وعن أبي مالكِ الأشعريّ، قال: سمعتُ رسولَ اللَّهِ وَالله يقول: ((من
فصَلَ في سبيلِ الله، فماتَ، أو قُتِلَ، أو وقَصَهُ فرسُهُ أو بعيرُهُ، أو لدَغتهُ هامَّةٌ، أو ماتَ
على فراشهِ بأي حثْفٍ شاءَ الله؛ فإِنَّهُ شهيدٌ، وإِنَّ له الجنَّةَ)). رواه أبو داود.
: قيش
٣٨٤١ _ (٥٤) وعن عبد الله بن عمرٍو، أنَّ رسولَ الله وَّهِ قال: («قَفْلَةٌ كغزوةٍ)).
٣٨٤٠ - (وعن أبي مالك الأشعري رضي الله عنه). قال المؤلف: هو أبو مالك كعب بن
عاصم الأشعري. كذا قاله البخاري في التاريخ وغيره، وقال البخاري: في رواية عبد الرحمن
ابن غنم عنه، حدثنا أبو مالك أو أبو عامر بالشك، قال ابن المديني وأبو مالك: هو الصواب.
روى عنه جماعة مات في خلافة عمر رضي الله عنه (قال: سمعت رسول الله وَ ر يقول: من
فصل) أي خرج من منزله، ومنه قوله تعالى: ﴿فلما فصل طالوت بالجنود﴾ [البقرة - ١٤٩]
الکشاف فصل عن موضع کذا إذا انفصل عنه وجاوزه، وأصله فصل نفسه ثم کثر محذوفاً به.
المفعول حتى صار في حكم غير المتعدي كانفصل، وقيل: فصل عن البلد فصولاً (في سبيل
الله) أي للجهاد ونحوه (فمات) أي بجراحة (أو قتل أو وقصه). قال المظهر: أي صرعه ودق
عنقه (فرسه أو بعيره أو لدغته) بالدال المهملة والغين المعجمة أي لسعته (هامة) بتشديد الميم
أي ذات سم تقتل أما ما يسم ولا يقتل، فهو السامة كالعقرب والزنبور كذا في النهاية (أو مات
على فراشه بأي حتف) بفتح فسكون أي أي نوع من الهلاك (شاء الله) أي قدره وقضاه (فإنه
شهيد) أي أما حقيقة أو حكماً (وإن له الجنة) أي دخولاً أوّلياً مع الشهداء والصالحين. قال
الطيبي: هو تقرير لمعنى حصول الشهادة بسبب المقاتلة في سبيل الله، وإن له بدله الجنة، فهو
تلميح إلى قوله تعالى: ﴿إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة﴾ [ التوبة
١١١] (رواه أبو داود).
٣٨٤١ - (وعن عبد الله بن عمرو إن رسول الله ◌َلي قال: ((قفلة كغزوة))). في النهاية هو
المرة من القفول وهو الرجوع من سفره وفيه وجوه أحدها إن أجر المجاهد في انصرافه إلى
أهله بعد غزوه كأجره في إقباله إلى الجهاد، لأن في قفوله إراحة للنفس واستعداد بالقوة للعود،
وحفاظاً لأهله برجوعه إليهم، ونظيره ما ورد أن الحاج في ضمان الله مقبلاً ومدبراً، وثانيها
إرادته التعقيب وهو رجوعه ثانياً في الوجه الذي جاء منه منصرفاً وإن لم يلق عدواً، ولم يشهد
قتالاً، وقد يفعل ذلك الجيس إذا انصرفوا من مغزاهم نوعين أحدهما أن العدوّ إذا رآهم قد
انصرفوا عنهم أمنوهم وخرجوا من أمكنتهم، فإذا قفل الجيش إلى دار العدوّ نالوا الفرصة منهم
فأغاروا عليهم، والآخر إنهم إذا انصرفوا ظاهرين لم يأمنوا أن يقفوا العدو أثرهم، فيوقعوا بهم
وولم غارون، فربما استظهر الجيش أو بعضهم بالرجوع على أدراجهم، فإن كان العدوّ طلب
كانوا مستعدين للقائهم وإلا فقد سلموا وأحرزوا ما معهم من الغنيمة، وثالثها أن يكون ◌َلأو سئل
الحديث رقم ٣٨٤٠: أخرجه أبو داود في السنن ١٩/٣ الحديث رقم ٢٤٩٩.
الحديث رقم ٣٨٤١: أخرجه أبو داود في السنن ١٢/٣ الحديث رقم ٢٤٨٧ وأحمد في المسند ١٧٤/٢.
มติเกิดี อ

م٠١٧
.T ML ٣٥- 4"٣٠: ٧٣٣٤٠ ٣٦
١٠١٧
كتاب الجهاد
٣٧٠
رواه أبو داود.
٣٨٤٢ - (٥٥) وعنه، قال: قال رسولُ اللَّهِ وَّ: («للغازي أجرُهُ، وللجاعلِ أجرُهُ
وأجرُ الغازي)). رواه أبو داود.
/١١٣٠/
عن قوم قفلوا لخوفهم أن يدهمهم من عدوّهم من هو أكثر عدداً منهم فقفلوا يستضيفوا إليهم
عدداً (١) آخر من أصحابهم ثم يكروا على عدوهم قال التوربشتي: والأول أقوم لأن القفول إنما
يستعمل في الرجوع عن الوجه الذي ذهب إليه لحاجة إلى حيث توجه منه قلت: ويؤيده أن
القفلة على ما ذكرت في الوجهين الآخرين لا يشك أحد فيها أنها غزوة، فلا يظهر وجه قوله:
كغزوة فالمعوّل على الأول، والمعنى يثاب الغازي بقفوله ورجوعه كما يثاب بتوجهه إلى العدوّ
وغزوه لأن حركات القفول من توابع الغزو فتكون في حكمه. قال الطيبي [رحمه الله]: التشبيه
إنما يذهب إليه إما لإلحاق الناقص بالكامل أو لبيان المساواة، فالتنكير إما للتعظيم فيكون معناه
أرب قفلة تساوي الغزوة لمصلحة مّا كما ذكر في الوجه الأول، بل يمكن أن تكون القفلة أرجح
من الغزوة إذا لم يكن في الغزوة مصلحة للمسلمين، وفي القفلة مصلحة لهم، كما ذكر في
الوجه الثالث، ولا يبعد أن تستعار القفلة للكرة (رواه أبو داود) وكذا أحمد والحاكم(٢).
٣٨٤٢ - (وعنه) أي عن عبد الله بن عمرو] (قال: قال رسول الله وَلي: «للغازي أجره)))
أي ثوابه الكامل المختص به (وللجاعل) أي للمعين للغازي ببذل جعل له أو بتجهيز أسبابه وما
يحتاج إليه (أجره) أي أجر نفقته (وأجر الغازي) أي الذي يغزو بسبب أجرته، قال ابن الملك:
الجاعل من يدفع جعلاً أي أجرة إلى غاز ليغزو، وهذا عندنا صحيح فيكون للغازي أجر سعيه
وللجاعل أجران أجر إعطاء المال في سبيل الله وأجر كونه سبباً لغزو ذلك الغازي، ومنعه
الشافعي وأوجب رده أن أخذه، قال الطيبي (رحمه الله]: تقرر في علم المعاني أن المعرفة إذا
أعيدت كان الثاني عين الأوّل، فالمراد بالغازي الأوّل هو الذي جعل له جعالة، فمن شرط
للغازي جعلاً فله أجر بذل المال الذي جعله جعلاً وأجر غزاء المجعول له فإنه حصل بسببه كما
قال ◌َله: ((من سن سنة حسنة فله أجرها))(٣) الحديث. قلت: الأظهر كقوله وَليل: ((الدال على
الخير كفاعله))(٤)، وفي شرح السنة فيه ترغيب للجاعل ورخصة للمجعول له، واختلفوا في
جواز أخذ الجعل على الجهاد، فرخص فيه الزهري ومالك وأصحاب أبي حنيفة، ولم يجوزه
قوم. وقال الشافعي: لا يجوز أن يغزو بجعل فإن أخذه فعليه رده. قال القاضي: وعلى هذا
فتأويل الحديث أن يحمل الجاعل على المجهز للغازي والمعين له ببذل ما يحتاج إليه [ويتمكن
به] من الغزو من غير استئجار وشرط، قلت: ويؤيد مذهبنا جعله غازياً لا أجيراً كما سيجىء
في الحديث الذي يليه. (رواه أبو داود).
(١) في المخطوطة ((عدواً)).
/ ١٣٢ ١٩/١
(٢) الحاكم في المستدرك ٢/ ٧٣.
الحديث رقم ٣٨٤٢: أخرجه أبو داود في السنن ٣٦/٣ الحديث رقم ٢٥٢٦، وأحمد في المسند ٢/ ١٧٤.
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه ٢/ ٧٠٥ الحديث رقم (٦٩ - ١٠١٧).
(٤) كشف الأستار ١/ ٩٠ الحديث رقم ١٥٤.
/ ١٠٠

٣٠
: سم
٣٧١
كتاب الجهاد
٣٨٤٣ _ (٥٦) وعن أبي أيوبَ، سمعَ النبيِّ نَّهِ يقول: «ستفتحُ عليكمُ الأمصارُ،
وستكون جنود مجنَّدةٌ، يُقْطَعُ عليكم فيها بعوثٌ، فيكرهُ الرجلَّ البعثَ، فيتخلصُ من قومه،
ثمَّ يتصفّحُ القبائلَ يعرِضُ نفْسَهُ عليهم، منْ أَكْفيهِ بُعثَ كذا أَلا وذلك الأجيرُ إِلى آخرِ قطرةٍ
من دمه)). رواه أبو داود.
٣٨٤٤ - (٥٧) وعن يَعْلى بن أُميَّةَ، قال: آذنَ رسولُ اللَّهِ وَّهِ بالغزوِ وأنا شيخٌ كبيرٌ
ليسَ لي خادمٌ، فالتمستُ أجيراً يكفيني، فوجدتُ رجلاً سمَّيْتُ له ثلاثةَ دنانيرَ
٣٨٤٣ - (وعن أبي أيوب رضي الله عنه سمع النبي). وفي نسخة رسول الله (وَ ل* يقول:
((ستفتح عليكم الأمصار))) أي البلدان الكبار، وخصت لأنه عليها مدار الديار (وستكون) أي
توجد وتقع (جنود) جند أي أعوان وأنصار (مجندة) بتشديد النون المفتوحة أي مجتمعة. وفي
النهاية أي مجموعة، كما يقال: ألوف مؤلفة وقناطير مقنطرة (يقطع) بصيغة المجهول أي يعين
(ويقدر عليكم فيها) أي في تلك الجنود (بعوث) جمع بعث بمعنى الجيش يعني يلزمون أن
يخرجوا بعوثاً تنبعث من كل قوم إلى الجهاد. قال المظهر: يعني إذا بلغ الإسلام في كل ناحية
يحتاج الإمام إلى أن يرسل في كل ناحية جيشاً ليحارب من يلي تلك الناحية الكفار كيلاً يغلب
كفار تلك الناحية على من في تلك الناحية من المسلمين، (فيكره الرجل البعث) أي الخروج
من البعث إلى الغزو بلا أجرة (فيتخلص من قومه) أي يخرج من بين قومه ويفر طلباً للخلاص
من الغزو (ثم يتصفح القبائل يعرض نفسه عليهم) أي يتفحص عنها ويتساءل فيها، والمعنى أنه
بعد أن فارق هذا الكسلان قومه كراهية الغزو يتتبع القبائل طالباً منهم أن يشرطوا له شيئاً ويعطوم
(قائلاً: من أكفيه بعث كذا) أي من يأخذني أجيراً أكفيه جيش كذا ويكفيني هو مؤنتي وعيش
كذا (إلا) للتنبيه (وذلك) أي الرجل الذي كره البعث تطوّعاً (الأجير) أي لا أجر له (إلى آخر
قطرة من دمه) فالأجير خبر ذلك أي، وذلك الأجير أجير وليس بغاز إلى أن يقتل، قال
التوربشتي: أراد بقوله هذا من حضر القتال رغبة فيما عقد له من المال لا رغبة في الجهاد،
ولهذا سماه أجيراً. وقال ابن الملك: أفاد به أنه لم يكن له جهاد كسائر الأجير إذا لم يقصد
بغزوه وإلا الجعل المشروط، والمراد المبالغة في نفي ثواب الغزو عن مثل هذا الشخص اهـ
وهذا يؤيد مذهب أبي حنيفة رضي الله عنه (رواه أبو داود).
٣٨٤٤ - (وعن يعلى بن أمية) بالتصغير (قال: آذن) بالمد أي أعلم أو نادى (رسول الله
﴿ ﴿ بالغزو) أي بالخروج للغزو (وأنا شيخ كبير ليس لي خادم)، قال الطيبي: ليس لي خادم
صفة شيخ أي ليس لي من يخدمني في الغزو ويعاونني اهـ. والظاهر أنه خبر ثان أو حال من(١)
المبتدأ على مذهب من يجوزه، ولو كان صفة شيخ لقال: ليس له خادم (فالتمست) أي طلبت
(أجيراً يكفيني، فوجدت رجلاً سميت له ثلاثة دنانير). وفي نسخة سمى أي عين له ثلاثة
الحديث رقم ٣٨٤٣: أخرجه أبو داود في السنن ٣٥/٣ الحديث رقم ٢٥٢٥، وأحمد في المسند ٤١٣/٥.
الحديث رقم ٣٨٤٤: أخرجه أبو داود في السنن ٣٧/٣ الحديث رقم ٢٥٢٧، وأحمد في المسند ٢٢٣/٤

-------- %
٣٧٢
كتاب الجهاد
فلما حضرتْ غَنيمةٌ، أردتُ أن أُجريَ له سهمَه، فجئتُ النبيَّ نَّهِ، فذكرتُ له. فقال: ((ما
أجِدُ له في غزوٍتِهِ هذه في الدنيا والآخرةِ الا دنانيرَه التي تسمَّى)). رواه أبو داود.
٣٨٤٥ _ (٥٨) وعن أبي هريرةً، أنَّ رجلاً قال: يا رسولَ الله! رجلٌ يريدُ الجهادَ في
سبيلِ الله وهو يبتغي عَرَضاً من عرَضِ الدُّنيا. فقال النبيُّ نَّهِ: ((لا أجْرَ لهُ)). رواه أبو داود.
٣٨٤٦ - (٥٩) وعن مُعاذٍ، قال: قالَ رسولُ اللّهِ وَله: ((الغزوُ
دنانير، ولعلها ما عداً الأكل والشرب وتوابعها (فلما حضرت غنيمة) أي وقعت وحصلت
(أردت أن أجري) من الإجراء أي أمضي (له سهمه) أي راكباً أو ماشياً كسائل الغزاة فترددت في
جوازه وعدمه (فجئت النبي وَ ل﴿ فذكرت له) أي القضية (فقال: ما أجد) أي ما أعرف (له في
غزوته هذه في الدنيا والآخرة إلا دنانيره التي تسمى) بصيغة المجهول [أي] تعين، ولعل اختيار
المضارع لاستحضار الحال الماضية، وتقبيح حاله في ميله إلى المال، وإعراضه عن المآل. في
شرح السنة اختلفوا في الأجير للعمل، وحفظ الدواب يحضر الواقعة هل يسهم له فقيل: لا
سهم له قاتل أو لم يقاتل أتماله أجرة عمله، وهو قول الأوزاعي وإسحاق واحد قولي الشافعي،
وقال مالك وأحمد: يسهم له وإن لم يقاتل إذا [كان] مع الناس عند القتال، وقيل: يخير بين
الأجرة والسهم اهـ [ويظهر لي قول والله تعالى أعلم به: أنه إذا قاتل ولم يشترط في إجارته
القتال يجمع له من الأجرة والسهم] لأنهما غير متنافيين بل متعاضدين(١)، وهو ظاهر قاعدة
مذهبنا السابق بأن الإجارة والأجر يجتمعان (رواه أبو داود).
٣٨٤٥ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلاً قال: يا رسول الله رجل يريد الجهاد)
أي في سبيل الله كما في نسخة صحيحة (وهو) أي والحال (أنه يبتغي عرضاً) بفتح الراء ويسكن
قيل: العرض بالتحريك ما كان من مال قل أو كثر، والعرض بالتسكين المتاع وكلاهما هنا
جائز، وكل شيء فهو عرض سوى الدراهم والدنانير فإنها عين أي يطلب شيئاً (من عرض
الدنيا) أي من أعراضها من المال بالأجرة أو الجاه بالسمعة، (فقال النبي ◌َليجو: ((لا أجر له))) إذ
لم يغز لله، وأما إذا غزا لله وقصد حصول الغنيمة فلا شك أن له الأجر، نعم أجره أنقص من
أجر من غزا الله ولم يقصد الغنيمة لقوله تعالى: ﴿منكم من يريد الدنيا﴾ [آل عمران - ١٥٢] أي
الغنيمة أيضاً ومنكم من يريد الآخرة أي الأجر فقط، وقد سبق في حديث أن الغازي يرجع
بأجر وغنيمة (رواه أبو داود). كان الأخصر أن يجمع المؤلف بين الأحاديث الثمانية ويقول:
رواها أبو داود کما هو عادته.
/ ١٠٥٠ /٣*
٣٨٤٦ - (وعن معاذ رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَطير: ((الغزو))) أي جنسه لا الغزو
(١) في المخطوطة متعارفان.
الحديث رقم ٣٨٤٥: أخرجه أبو داود في السنن ٣٠/٣ الحديث رقم ٢٥١٦. وأحمد في المسند ٢/ ٢٩٠.
الحديث رقم ٣٨٤٦: أخرجه أبو داود في السنن ٣٠/٣ الحديث رقم ٢٥١٥، وأخرجه النسائي في السنن =

٣.٩٩-
٣٧٣
کتاب الجهاد
غزوانٍ، فأمَّا من ابتغَى وجهَ اللَّهِ، وأطاعَ الإِمامَ، وأنفقَ الكريمةَ، وياسرَ الشَّريكَ، واجتنبَ
الفسادَ؛. فإِنَّ نَوْمه ونُبْهَهُ أجرٌ كلُّه. وأمَّا من غزَا فخراً، ورياءً، وسُمعةً، وعصى الإمامَ،
وأفسد في الأرض؛ فإنه لم یرِجغ بالكفافِ».
المعهود (غزوان) أي نوعان أو قسمان، قال القاضي: أي غزو على ما ينبغي وغزو لا على ما
ينبغي، فاقتصر الكلام واستغنى بذكر الغزاة وعد أصنافها، وشرح حالهم، وبيان أحكامهم عن
ذكر القسمين، وشرح كل واحد منهما مفصلاً حيث قال: (فأما من ابتغى وجه الله) أي طلب
رضا مولاه، وفي رواية فأما من غزا ابتغاء وجه الله تعالى (وأطاع الإمام) أي في غزوه فأتى به
على نحو ما أمره (وأنفق الكريمة) أي المختارة من ماله وقتل نفسه، والتاء للنقل من الوصفية
إلى الاسمية (وياسر الشريك) من المياسرة بمعنى المساهلة أي ساهل الرفيق على وجه
المبالغة، واستعمل اليسر معه نفعاً بالمعونة وكفاية بالمؤنة (واجتنب الفساد) أي التجاوز عن
المشروع قتلاً وضرباً وتخريباً ونهباً على قصد الفساد لقوله تعالى: ﴿ولا تعثوا في الأرض
مفسدين﴾ [البقرة - ٦٠] أي لا تفسدوا فيها حال كونكم قاصدين الفساد بل مريدين صلاح
البلاد والعباد، (فإن نومه) أي حينئذ (ونبهه) بفتح الموحدة. وفي نسخة صحيحة بسكونها أي
يقظته، وفي معناهما غفلته وذكره، وأكله وشربه، وحركته وسكونه (أجر) أي ذو أجر وثواب
(كله) بالرفع على أنه مبتدأ خبره مقدم عليه، والجملة خبران أي كل ما ذكر أجر مبالغة كرجل
عدل أو مقتض للأجر جالب للثواب، وفي نسخة بالنصب على أنه تأكيد لاسم أن أتى به بعد
الخبر، وفي جوازه محل نظر، قال الطيبي: لا يصح أن يكون كله تأكيداً للأجر على ما لا
يخفى أي لمضي الخبر الذي هو محط الحكم، فإن فائدة التأكيد إنما تظهر قبل إيقاع الخبر
عليه، فالوجه أن يقال: التقدير أعني كله فيكون جملة مؤكدة، قال: والمعنى كل من ذلك
أجر، وهذا التركيب مشعر باهتمام حمل الأجر على النوم والنبه مبالغة في بيان كونهما شيئين
مستقلين غاية الاستقلال، (وأما من غزا فجراً) أي مفاخرة أو للفخر، ففي النهاية الفخر ادعاء
العظمة والكبرياء والشرف، ومنه (([أنا] سيد ولد آدم ولا فخر أي لا أقول تبجعاً، ولكن شكراً
لله وتحدثاً بنعمته))، (ورياء وسمعة) أي ليراه الناس، ويسمعوا صيته في جلادته وشجاعته.
(وعصى الإمام) أي في أمره ونهيه، (وأفسد في الأرض) أي قصد الفساد فيها بإهلاك الحارث
والنسل والله لا يحب الفساد (فإنه لم يرجع بالكفاف) بفتح الكاف؛ وفي نسخة بكسرها. ففي
القاموس. كفاف الشيء كسحاب مثلثة، ومن الرزق ما كف عن الناس، وكفاف الشيء بالكسر
خياره، وفي النهاية: الكفاف الذي لا يفضل عن الشيء ويكون بقدر الحاجة إليه. قال
القاضي: أي لم يرجع بالثواب مأخوذ من كفاف الشيء وهو خياره أو من الرزق أي لم يرجع
بخير أو بثواب يغنيه يوم القيامة، فقوله الأوّل يشير إلى أن الكفاف بالكسر، والثاني إلى أنه
بالفتح، وقال المظهر: أي لم يعد من الغزو رأساً برأس بحيث لا يكون له أجر ولا عليه وزر،
٤٩/٦ الحديث رقم ٣١٨٨. والدارمي في ٢٧٤/٢ الحديث رقم ٢٤١٧، ومالك في الموطأ ٢/
٢٦٦ الحديث رقم ٤٣، وأحمد في المسند ٢٣٤/٥.
=
ـوى

٣٧٤
م
٠٫٢٥٠ J٩ص٥.
کتاب الجهاد
رواه مالك، وأبو داود، والنسائي.
٣٨٤٧ - (٦٠) وعن عبد الله بن عمرو، أنَّه قال: يا رسول الله! أخبرني عن الجهاد.
بل وزره أكثر لأنه لم يغز لله وأفسد في الأرض. يقال: دعني كفافاً أي تكف عني وأكف عنك
اهـ. ويدل على أنه اقتصر على كسر الكاف وأراد به المصدر من باب المفاعلة؛ قال الطيبي:
الوجه ما قاله القاضي، لأن الكفاف على هذا المعنى يقتضي أن يكون له ثواب أيضاً وإثم،
ويزيد اثمه على ثوابه كما قال عمر رضي الله عنه («وددت أنى سلمت من الخلافة كفافاً لا علي
ولا لي))(١) والمرائي المفسد ليس له ثواب البتة. قال الشيخ أبو حامد: في المرائي الذي لا
يبتغي وجه الله بل يعمل فخراً ورياء وسمعة تبطل عبادته لأن الأعمال بالنيات، وهذا ليس يقصد
العبادة، ثم لا يقتصر على إحباط عبادته حتى يقال: صار كما كان قبل العبادة، بل يعصي بذلك
ويأثم اهـ. ولا يخفى أن كلام الإمام قيد المرائي بالذي لا يبتغي وجه الله، وليس في الحديث
دلالة على ذلك، فيمكن أن يكون ممن جمع في العبادة بين النيتين، وقد صرح الإمام في
منهاج العابدين: أن الرياء ضربان. رياض محض، رياء تخليط، فالمحض أن يريد به نفع الدنيا
لا غير، والتخليط أن يريدهما جميعاً، فهذا أحدهما وأما تأثيرهما فإن إخلاص العمل أن يجعل
الفعل قربة وإخلاص طلب الأجر أن يجعله مقبولاً وافر الأجر إلى أن قال: والمختار أن من
تأثير الرياء رفع القبول والنقصان في الثواب والله أعلم بالصواب. وقال: في عين العلم
الأفحش في الرياء أن لا يريد الثواب أصلاً وهو في غاية المقت ثم ما فيه إرادتان، والرياء
غالب فهو بقربه ثم ما استويا فيه، فالمرجو أن لا يكون له ولا عليه ثم ما ترجح فيه قصد
الثواب، فالمظنون أن الراجح فيه النقصان لا البطلان أو الثواب والعقاب بحسب القصدين،
والأصل أن القرب منه تعالى بالميل إليه والبعد عنه بالذهول، وما ورد أنا أغنى الأغنياء عن
الشرك ونحوه محمول على الأوّل، وهو أن لا يريد الثواب أصلاً، وفي الأحياء أنه محمول
على ما إذا تساويا أو ترجح الرياء. قال الأشرف: ولا بد في قوله: فأما من ابتغى وجه الله،
وفي قوله: وأما من غزا من إضمار مضاف تقديره فأما غزو من ابتغى وأما غزو من غزا فإنهما
قسمان لمورد القسمة، قال الطيبي ولا يستتب على هذا التقدير إجراء الخبر على المبتدأ فينبغي
أن يقدر الغزو غزوان غزو من ابتغى وجه الله وغزو من لم يبتغ وجه الله فحكمه كذا، وأما من
غزا فخراً فحكمه كذا، فيكون من باب الجمع مع التفريق والتقسيم كقوله تعالى: ﴿يوم يأتي لا
تكلم نفس إلا بإذنه فمنهم شقي وسعيد فأما الذين شقوا﴾ [هود - ١٠٥ - ١٠٦] الآيتين فحذف
التفريق لدلالة التقسيم عليه، وهذا معنى قول القاضي فاقتصر الكلام واستغنى بذكر الغزاة عن
ذكر القسمين. (رواه مالك وأبو داود والنسائي)، وكذا أحمد والحاكم والبيهقي.
٣٨٤٧ - (وعن عبد الله بن عمرو) بالواو (أنه قال: يا رسول الله أخبرني عن الجهاد) أي
(١) سبق ذكره في كتاب الإمارة.
الحديث رقم ٣٨٤٧: أخرجه أبو داود في السنن ٣٢/٣ الحديث رقم ٢٥٣٩.

- كيفو .
٣٧٥
كتاب الجهاد
فقال: ((يا عبدَ الله بن عمرو! إِنْ قاتلتَ صابراً محتسباً؛ بعثكَ اللَّهُ صابراً محتسباً. وإِنْ
قاتلتَ مرائياً، مُكاثِراً؛ بعثكَ الله مرائياً مُكاثراً. يا عبدَ الله بن عمرٍو! على أيّ حالٍ قاتلتَ،
أو قُتلتَ؛ بعثكَ اللَّهُ على تلك الحال)). رواه أبو داود.
٣٨٤٨ _ (٦١) وعن عُقبةَ بن مالكِ، عن النبيِّ وَّرَ قال: ((أعجزتم إِذا بعثتُ رجلاً
فلم يَمضِ لأمري أن تجعلُوا مكانَهُ من يَمضي لأمري؟».
تفضيله وتفصيله، قال الطيبي: هو مطلق يحتمل أنه سأل عن حقيقته وعن ثوابه عن كونه مقبولاً
عند الله وغيره مقبول، والجواب ينبىء أنه سأل عن الثالث، (فقال: يا عبد الله بن عمرو) لعل
المراد بالنداء إظهار خصوصيته والحث على إقباله بكليته (إن قاتلت صابراً محتسباً) أي خالصاً
لله تعالى وهما حالان مترادفان أو متداخلان (بعثك الله تعالى صابراً محتسباً) أي متصفاً بهذين
الوصفين لما روي كما تعيشون تموتون وكما تموتون تحشرون. قال الطيبي: أعاده في الجزاء
ليؤذن بالتنكير فيهما على أن له أجراً وثواباً لا يقادر قدره أي بعثك الله صابراً كاملاً فيه، فيوفي
أجرك بغير حساب، ومحتسباً أي مخلصاً متناهياً في إخلاصه راضياً مرضياً ورضوان من الله
أكبر، (وإن قاتلت مرائياً) أي في نية الأعمال (مكاثراً) أي في تحصيل المال (بعثك الله مرائياً
مكاثراً). قال الطيبي: التكاثر التباري في الكثرة والتباهي بها، وقد يكون هذا في الأنفس
والأموال قال تعالى: ﴿وتكاثر في الأموال والأولاد﴾ [الحديد - ٢٠] فالرجل يجاهد للغنيمة
وإكثار المال ليباهى به ولأن يكثر رجاله وأعوانه وأجناده ولإعلاء كلمة الله وإظهار دينه؛ وقال
ابن الملك: قوله: مكاثراً أي مفاخراً، وقيل: هو أن يقول الرجل لغيره: أنا أكثر منك مالاً
وعدداً أي غزوت ليقال: إنك أكثر جيشاً وأشجع أي ينادي عليك يوم القيامة إن هذا غزا فخراً
ورياء لا محتسباً بأعماله (يا عبد الله بن عمرو) أي كن حاضراً يقظاً متأملاً متفكراً (على أي حال
قاتلت أو قتلت بعثك الله على تلك الحال)، وكذا بقية الأعمال على هذا المنوال (رواه أبو
داود).
%من٥
٢٠٠٢
٣٨٤٨ - (وعن عقبة بن مالك رضي الله عنهما) لم يذكره المؤلف في أسمائه (عن النبي
وَل قال: أعجزتم) بفتح الجيم ويكسر أي أما قدرتم (إذا بعثت رجلاً) أي أميراً، والمعنى إذا
جعلته عليكم أميراً (فلم يمض لأمري) بأن خالف أمري أو نهي (أن تجعلوا مكانه من يمضي
الأمري) مفعول أعجزتم. قال الطيبي: أي إذا أمرت أحداً أن يذهب إلى أمر فلم يذهب إليه
فأقيموا مكانه غيره أو إذا بعثته لأمر ولم يمض لإمضاء أمري وعصاني فاعزلوه. قال ابن
الملك: أي فاعزلوه واجعلوا مكانه أميراً آخر يمتثل أمري وعلى هذا إذا ظلم الأمير رعيته ولم
يقم بحق حفظهم جاز لهم أن يعزلوه ويقيموا غيره مكانه. وقيل: هذا إذا لم يكن في عزله إثارة
فتنة وإراقة دم فإن كان ذلك فإن كان ظالماً في الأموال لم يجز لهم ذلك، وإن كان سفاكاً
للدماء ظلماً فإن كان حصول القتل في عزله أقل من القتل في بقائه على العمل جاز لهم قتله
الحديث رقم ٣٨٤٨: أخرجه أبو داود في السنن ٩٤/٣ الحديث رقم ٢٥٣٧، وأحمد في المسند ٤/ ١١٠.
2/٠١/٠١

جنيهو."
٣٧٦
كتاب الجهاد
رواه أبو داود.
وذُكِرَ حديثُ فَضَالة: ((والمجاهدُ من جاهد نفسَهُ))، في ((كتاب الإيمان)).
الفصل الثالث
٣٨٤٩ _ (٦٢) عن أبي أمامةَ، قال: خرجْنا معَ رسولِ اللهِ وَّرَ فِي سَريَّةِ، فمرَّ رجلٌ
بغارِ فيهِ شيءٌ من ماءٍ وبَقْلٍ، فحدَّث نفسهُ بأن يقيمَ فيه ويتخلَّى من الدُّنيا، فاستأذنَ رسولَ
اللّهِ وَ في ذلك. فقالَ رسولُ اللَّهِ وَّهِ: ((إِنّي لم أُبعث
وقتل متعصبته، وإن كان الأمر بالعكس لا يجوز لهم قتله. (رواه أبو داود وذكر حديث فضالة)
بفتح الفاء (المجاهد من جاهد نفسه) أي في طاعة الله (في كتاب الإيمان) أي في ضمن حديث
طويل فلتكراره على وضع المصابيح أسقطه المؤلف من ههنا.
(الفصل الثالث)
٣٨٤٩ - (عن أبي أمامة رضي الله عنه قال: خرجنا مع رسول الله وَّر في سرية) بفتح سين
مهملة وكسر راء وتشديد تحتية وهي الطائفة من الجيش يبلغ أقصاها أربعمائة تبعث إلى العدوّ
سموا بذلك لأنهم يكونون خلاصة العسكر وخيارهم من السري، وهو الشيء النفيس. وفي
المغرب سرى بالليل يسري من باب ضرب بمعنى سار ليلاً وأسرى مثله، ومنه السرية لواحدة
السرايا لأنها تسري خفية، ويجوز أن يكون من الإسراء والاختيار لأنها جماعة سراة أي
مختارة، ولم يرد في تحديدها نص، ومحصول ما ذكره محمد [رحمه الله] في السير إن التسعة
فما فوقها سرية، والثلاثة والأربعة ونحو ذلك طليعة لا سرية، وما روي أن رسول الله بَل بعث
أنيساً وحده سرية يخالف ذلك هذا، وقد قال السيد جمال الدين في روضة الاحباب: ما معناه
أن الغزو في اصطلاح أهل السير والمحدثين هو الذي حضره وَالر بنفسه الأنفس، وغيره يسمى
بعثاً وسرية فعلى هذا يشكل قول أبي أمامة خرجنا مع رسول الله وَّر في سرية اللهم إلا أن
يقال: إنه ** مشيعاً لهم، أو يراد بالسرية المعنى اللغوي وهو طائفة قليلة تسري بالمعنى
الأعم، ويراد به الأخص وهو علنا أو جرد في معناه من قيد خفية (فمر رجل) أي من رجال
السرية (بغار فيه شيء) أي قليل (من ماء) أي يكفي لطهارة السالك وشربه، وهو يحتمل أنه
كان جارياً أم لا (وبقل) بالجر عطف على ماء. وفي نسخة بالرفع عطفاً على شيء، والمراد
بقل يأكل منه الطالب أو يتنزه منه الناظر، (فحدث) أي كلم الرجل (نفسه) على التجريد أو
حدث في نفسه (بأن يقيم فيه) أي بعد الجهاد أو قبله بحسب الجذبة (ويتخلى من الدنيا) أي
من أهلها ومتعلقاتها، ويكون متجرداً لعبادة الله وثمراته (فاستأذن رسول الله وَتر في ذلك) أي
في ذلك الأمر في ذلك المكان أو بعد مراجعته إليه بَ له (فقال رسول الله يقول: إني لم أبعث)
الحديث رقم ٣٨٤٩: أخرجه أحمد في المسند ٢٦٦/٥.
..

٣٧٧
كتاب الجهاد
باليهوديَّةِ، ولا بالنصرانيَّةِ، ولكني بُعِثْتُ بالحنيفيةِ السمحةِ، والذي نفسُ محمَّدٍ بيدهٍ لَغَدْوةٌ
أو رَوْحَةٌ في سبيلِ اللَّهِ؛ خيرٌ من الدنيا وما فيها، ولَمِقَامُ أحدِكم في الصفُّ؛ خيرٌ من
صلاتِهِ ستینَ سنةً)). رواه أحمد.
٣٨٥٠ _ (٦٣) وعن عبادة بن الصامتِ، قال: قالَ رسولُ اللَّهِ وَالَ: ((من غَزَا في
سبيلِ اللَّهِ ولم يَنْوِ إِلا عِقالاً فَلَهُ ما نوى)). رواه النسائي.
بصيغة المجهول أي لم أرسل ولم أومر (باليهودية والنصرانية) أي بالملة التي فيها أمور شاقة من
الرهبانية، ونتيجتها قاصرة على سلاك تلك الطريقة، (ولكني بعثت بالحنيفية) أي الملة المائلة
عن السيل الزائغة إلى طريق التوحيد وسبيل الاستقامة (السمحة) أي السهلة ليس فيها حرج
ومشقة زائدة، ومنفعتها إلى الغير متعدية كالجهاد، والجمعة، والجماعة، وعيادة المريض،
وتشييع الجنازة، وتعلم وتعليم، وتحصيل كمال ثم تكميل، فإن العلماء الأولياء ورثة الأنبياء.
قال الطيبي: لكن يقتضي مخالفة [وما بعدها] لما قبلها كما هو مقرر (١) أي ما بعثت بالرهبانية
الشاقة بل بعثت بالحنيفية السمحة فوضع قوله: باليهودية ولا بالنصرانية. موضع الرهبانية الشاقة
(والذي نفس محمد بيده) أي بتصرفه فضلاً عن سائر النفوس (لغدوة أو روحة في سبيل الله) أي
الجهاد أو الحج أو العلم أو غيرهما من طرق الطاعة والعبادة، وأو للتنويع، والغدوة مرة من
ذهاب أوّل النهار، والروحة من آخر النهار أو أوّل الليل، ولعل التقييد باعتبار الغالب العادي
(خير من الدنيا وما فيها). قال النووي: الظاهر أن الغدوة والروحة غير مختصتين بالغدو
والروح بل كل لمحة وساعة هو في سبيل الله خير له من الدنيا وما فيها لو ملكها، وتصوّر تنعمه
فيها لأنه زائل، ونعيم الآخرة باق. وقيل: لو ملكها وأنفقها في أمور الآخرة، (ولمقام أحدكم)
بفتح الميم أي لوقوفه وثباته (في الصف) أي صف القتال أو صف الجماعة (خير من صلاته) أي
على انفراده (ستين سنة) أراد به التكثير فلا ينافي ما ورد من رواية سبعين. (رواه أحمد).
عمد
٣٨٥٠ - (وعن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَلتر ((من غزا في
سبيل الله))) أي من أراد الجهاد (ولم ينو إلا عقالاً) بكسر العين أي تحصيله وهو حبل صغير
يشد به ركبة البعير لئلا يفر (فله ما نوى)! قال الطيبي: هو مبالغة في قطع الطمع عن الغنيمة بل
ينبغي أن يكون خالصاً لله تعالى غير مشوب بأغراض دنيوية كقوله والقر: ((وإنما لامرىء ما
نوى))(٢) انتهى. وسبق أن هذا هو الكمال وإلا فقد تقدم جواز قصد الغنيمة، لكن لا بخصوص
شيء معين، وأيضاً سبق أن الرياء المخلط لا يبطل الثواب بالكلية. (رواه النسائي)، وكذا أحمد
والحاكم(٣).
(١) في المخطوطة ((مقدر)).
الحديث رقم ٣٨٥٠: أخرجه النسائي في السنن ٢٤/٦ الحديث رقم ٣١٣٨. والدارمي في ٢٧٤/٢
الحديث رقم ٢٤١٦ وأحمد في المسند ٣١٥/٥.
(٢) الحديث الأول من الكتاب.
(٣) الحاكم في المستدرك ١٠٩/٢.
.. .

٣٧٨
کتاب الجهاد
~**..
/٢٦/١٢
٣٨٥١ _ (٦٤) وعن أبي سعيدٍ [رضي اللهُ عنه] أنَّ رسولَ اللَّهِ نَ ◌ّه قال: ((من رضي
باللهِ رباً، وبالإِسلام ديناً، وبمحمَّدٍ رسولاً؛ وجبت له الجنَّةُ)). فعجبَ لها أبو سعيدٍ.
فقال: أعِذْها عليَّ يا رسول الله! فأعادَها عليه، ثمَّ قال: ((وأخرى يرفعُ الله بها العبدَ مائةً
درجةٍ في الجنَّةِ، ما بينَ كلٌ درجتينٍ كما بينَ السماءِ والأرضِ)). قال: وما هي يا رسولَ
الله؟ قال: ((الجهادُ في سبيل الله، الجهادُ في سبيلِ الله، الجهادُ في سبيلِ الله)).
٣٨٥١ _ (وعن أبي سعيد رضي الله عنه أن رسول الله وَلقر قال: ((من رضي بالله رباً)))
تمييز أي من رضي بربوبيته على وفق قضائه وقدره من خيره وشره وحلوه ومره، (وبالإسلام
ديناً) أي بشرائعه وأحكامه من المأمورات والمنهيات (وبمحمد رسولاً) أي وبرسالته المورثة
لمتابعته في أقواله وأفعاله وأحواله المعبر عنها بالشريعة والطريقة والحقيقة، (وجبت له الجنة)
أي ثبتت وتحققت وعبر عنه بالمضي مبالغة في تحقق وقوعه أو حصلت له الجنة في الدنيا وهو
الغيبة عن السوي والحضور مع المولى، ويشير إلى هذا المعنى قوله تعالى: ﴿ولمن خاف مقام
ربه جنتان﴾ [الرحمن - ٤٦] أي جنة في الدنيا وأخرى في الأخرى (فعجب لها) أي لأجل هذه
الكلمات أو لهذه القضية (أبو سعيد فقال: أعدها عليّ يا رسول الله فأعادها عليه ثم قال:) أي
النبي ◌ّ﴾ (وأخرى) أي وكلمة أو فائدة أو قضية أخرى مما يتعجب لها فيتعين أن يرغب فيها
وهي (يرفع الله بها العبد مائة درجة في الجنة ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض،
قال:) أي أبو سعيد (وما هي) أي تلك الخصلة الأخرى (يا رسول الله قال: الجهاد) أي هي
الجهاد (في سبيل الله الجهاد في سبيل الله الجهاد في سبيل الله ثلاث مرات)، وفيه إيماء إلى أن
الجهاد فرض كفاية حيث عطف على لوازم الإسلام بطريق الإلزام، فإن العطف يقتضي المغايرة
في الكلام. وقال الطيبي: أخرى صفة موصوف محذوف وهو مبتدأ، وقوله: يرفع الله خبره أو
منصوب على إضمار فعل أي ألا أبشرك بشارة أخرى، وقوله: يرفع الله صفة أو حال، وقيل:
هناك خصلة أخرى، وفي هذا الأسلوب تفخيم أمر الجهاد وتعظيم شأنه، فإن قوله: من رضي
بالله رباً وبالإسلام ديناً مشتمل على جميع ما أمر الله به ونهى عنه، ومنه الجهاد، وكذا إبهامه
بقوله: وأخرى، وإبرازه في صورة البشارة ليسأل عنها فيجاب بما يجاب. لأن التبيين بعد
الإبهام أوقع في النفس، وكذا تكراره ثلاث مرات، ونظير الحديث قوله تعالى: ﴿هل أدلكم
على تجارة تنجيكم﴾ إلى قوله: ﴿وابشر المؤمنين﴾ [الصف - ١٣] وقال ابن الملك: قيل: قد
ورد من أنفق زوجين في سبيل الله دعاه كل من خزنة الجنة الحديث، وذلك أعظم أجراً؛
وأجيب بما تقرر من أن الحكم المترتب على الأثقل مقدم على الحكم المترتب على الأخف،
وبأن سبيل الله أعم من الجهاد فيدخل فيه أو يكون المراد بالزوجين الراكب ومركوبه وإنفاقهما
إهلاكهما، فصار الحديثان متقاربين في المعنى، وفيه أن الأجر فضل من الله تعالى يجوز أن
الحديث رقم ٣٨٥١: أخرجه مسلم في صحيحه ١٥٠١/٣ الحديث رقم (١١٦ - ١٨٨٤) والنسائي في ٦/
١٩ الحديث رقم ٣١٣١.
/ ٦٦٧٦٢

٣٧٩
NTAY,
کتاب الجهاد
رواه مسلم.
٣٨٥٢ - (٦٥) وعن أبي موسى، قال: قال رسولُ الله وَّل: ((إِنَّ أبوابَ الجنَّةِ تحتَ
ظلالِ السُّيوفِ».
يعطي من شاء ممن عمل عملاً قليلاً أجراً جزيلاً، وقدراً جليلاً، فأي حاجة إلى وجه التكلف
اهـ. ولا يخفى عدم التنافي بين الحديثين فالسؤال ساقط من أصله في البين (رواه مسلم).
٣٨٥٢ - (وعن أبي موسى رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَليقول: ((إن أبواب الجنة تحت
ظلال السيوف))) يعني كون المجاهد في القتال بحيث يعلوه سيوف الأعداء سبب الجنة حتى
كان أبوابها حاضرة معه، أو المراد بالسيوف سيوف المجاهدين، وهذا كناية عن الدنو من العدوّ
في الحرب لأنها أكثر سلاح الجهاد. وقال الطيبي: قوله: تحت ظلال السيوف مشعر بكونها
مشهرة غير مغمدة، ثم هو مشعر بكونها واقعة فوق رؤوس المجاهدين كالظلال، ثم هو على
التسايف والتضارب في المعارك، ثم هو على إعلاء كلمة الله العليا ونصرة دينه القويم الموجبة
لأن يفتح لصاحبها أبواب الجنة كلها، ويدعى أن يدخل من أي باب شاء، وهو أبلغ في الكرامة
من أن يقال: الجنة تحت ظلال السيوف اهـ. وأراد أنه أبلغ مما ورد ((أن الجنة تحت أقدام
الأمهات))(١)، وفي كونه أبلغ نظر لأهل البلاغة إذ لا خفاء أن نفس شيء تحت ظل شيء أبلغ
الحديث رقم ٣٨٥٢: أخرجه مسلم في صحيحه ١٥١١/٣ الحديث رقم ١٤٦ - ١٩٠٢، والترمذي في ٤/
١٥٩ الحديث رقم ١٦٥٩، وأحمد في المسند ٣٩٦/٤.
(١) قال السخاوي في المقاصد الحسنة ((حديث: الجنة تحت أقدام الأمهات)) أحمد والنسائي وابن ماجه
والحاكم في مستدركه من حديث ابن جريج ... عن معاوية بن جاهمة السلمي أن جاهمة جاء إلى
النبي ◌ّ﴿﴿ فقال يا رسول الله أردت أن أغزو وقد جئت أستشيرك فقال هل لك من أم؟ قال: نعم قال
فألزمها فإن الجنة تحت رجليها)). وقال الحاكم أنه صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وتعقب
بالاضطراب. فقيل هكذا كما اتفقا عليه حجاج بن محمد وروح بن عبادة وأبو عاصم عليهم عن ابن
جريج وقيل عن معاوية أنه السائل أخرجه ابن ماجه أيضاً من حديث محمد بن إسحاق عن محمد بن
طلحة بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق عن معاوية بن جاهمة قال أتيت النبي ◌ّلتر فقلت يا رسول
الله إني كنت أردت الجهاد معك أبتغي بذلك وجه الله والدار الآخرة؟ قال ويحك أحبة أمك قلت نعم
يا رسول الله. قال ويحك ألزم رجلها فثم الجنة)). وجعله أيضاً بلا واسطة بين محمد بن طلحة
ومعاوية. وقد أخرجه ابن شاهين من جهة إبراهيم بن سعد عن ابن إسحاق فأثبته وتابعه محمد بن
سلمة الخزاعي عن ابن إسحاق وهو المشهور عنه. وقيل عن طلحة بن معاوية أنه هو الذي سأل
ورجح البيهقي الأول. وفيه من الاختلاف غير ذلك عما بسطه غير هذا المحل. وفي الباب ما أخرجه
الخطيب في جامعه والقضاعي في مسنده من حديث منصور بن المهاجر البزوري عن أبي النضر الأبار
عن أنس رفعه: الجنة تحت أقدام الأمهات. قال ابن طاهر ومنصور وأبو النضر لا يعرفان والحديث
منكر وذكره أيضاً من حديث ابن عباس وضعفه، وهذا وقد عزاه الديلمي لمسلم عن أنس فينظر
والمعنى أن التواضع للأمهات سبب لدخول الجنة [ولم يخرجه مسلم أجلاً وإن عزاه الزركشي =

٣٨٠
کتاب الجهاد
فقامَ رجلٌ رَتُّ الهيئَةِ فقال: يا أبا موسى! أنتَ سمِعتَ رسولَ اللهِوَلَه يقولُ هذا؟ قال:
نعمْ. فرجعَ إِلى أصحابِهِ، فقال: أقرَأُ عليكمُ السَّلامَ، ثمَّ كسرَ جَفْنَ سيفِه، فألْقاهُ، ثمَّ مشى
بِسَيفِه إِلى العدُوِّ فضربَ به حتى قُتلَ. رواه مسلم.
٣٨٥٣ - (٦٦) وعن ابنِ عبَّاسٍ، أنَّ رسولَ اللهِوَ لِ قال لأصحابِهِ: ((إِنَّه لمَّا أُصيبَ
إِخْوانُكم يومَ أُحُدٍ؛ جعلَ اللَّهُ أرواحهم في جوفِ طَيرٍ خُضْرٍ، ترِدُ أنهارَ الجنَّةِ تأكلُ منْ
ثمارِها، وتأوي إِلى قَناديلَ منْ ذهبٍ معلّقةٍ في ظلُّ العرشِ، فلمَّا وجَدوا طِيبَ مأكَلِهِم،
ومشرَیِهمْ، ومَقِیلھِم
من أن يكون تحت ظله بابه، فيحتاج إلى الدخول بخلاف الأوّل، فإنه يدل على أنه واقع فيه
لكمال قربه. قال النووي: معناه أن [الجهاد] وحضور معركة القتال طريق إلى الجنة وسبب
لدخولها أقول: هو كذلك، وهو لا ينافي المبالغة أنه في حال جهاده كأنه في الجنة كما سبق
إليه الإشارة (فقام رجل رث الهيئة) أي فقير الحال كسير البال، في النهاية متاع رث أي خلق
بال (فقال: يا أبا موسى أنت سمعت رسول الله ( يقول هذا؟) أي سماعك هذا الحديث
بطريق الجزم واليقين (قال: نعم، فرجع) أي الرجل (إلى أصحابه) أي من أهل رحله (فقال:
اقرأ عليكم السلام) أي سلام مودع (ثم كسر جفن سيفه) بفتح الجيم وسكون الفاء أي غلافه
(فألقاه) أي الغلاف إشعاراً بأنه لا يريد الرجوع إلى الدنيا بعد إقباله على العقبى (ثم مشى بسيفه
إلى العدوّ فضرب به حتى قتل. رواه مسلم). كان الأخصر أن يجمع بين الحديثين ويقول:
رواهما مسلم وكذا أحمد والترمذي.
٣٨٥٣ - (وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله وَ ◌ّ ير قال لأصحابه) أي
المخصوصين في بابه (أنه) أي الشأن (لما أصيب إخوانكم) أي من سعادة الشهادة (يوم أحد)
أي في سبيل أحد لا ثاني له (جعل الله أرواحهم في جوف طير خضر) أي في أجواف طيور
خضر خالية من الأرواح على أشباح مصوّرة بصور الطيور حتى تتلذذ الأرواح بنسب الأشباح،
وفيه رد على من يقول إن عذاب البرزخ ونعيمه إنما هو روحاني فقط. (ترد أنهار الجنة) من
الماء واللبن والعسل والشراب الطهور (تأكل من ثمارها) استئناف أو حال أو بدل، (وتأوي إلى
قناديل من ذهب معلقة في ظل العرش) أي بمنزلة أوكار الطيور (فلما وجدوا) أي الشهداء (طيب
مأكلهم ومشربهم ومقيلهم) بفتح فكسر أي مأواهم(١) ومستقرهم والثلاثة مصادر ميمية ولا يبعد
أن يراد بها المكان والزمان، ثم أصل المقيل المكان الذي يؤوي إليه للاستراحة وقت الظهيرة
والنوم فيه. قال الطيبي [رحمه الله]: وهو ههنا كناية عن التنعم والترفه لأن المترفهين في الدنيا
محمد ١٩٠بـ
٠٣١٠
والسيوطي تقليداً للديلمي]. والمعنى أن التواضع للأمهات سبب لدخول الجنة. [المقاصد الحسنة
=
ص١٨٨ الحديث رقم ٣٧٣].
الحديث رقم ٣٨٥٣: أخرجه أبو داود في السنن ٣٢/٣ الحديث رقم ٢٥٢٠، وأحمد في المسند ٢٦٦/١.
(١) في المخطوطة ((دمائهم)).