Indexed OCR Text
Pages 261-280
٢٦١ / :١٠٠٠ كتاب الإمارة والقضاء قال: ((أوَ لا أدلْكَ على خيرٍ من ذلكَ؟ تَصْبِرُ حتى تلقاني)). رواه أبو داود. الفصل الثالث ٣٧١١ - (٥١) عن عائشةَ [رضي الله عنها] عن رسولِ اللهِ وَّ، قال: «أتدرونَ مَنِ السَّابقونَ إِلى ظلّ اللَّهِ عزَّ وجلَّ يومَ القيامةِ؟» قالوا: اللَّهُ ورسولُه أعلمُ. قال: ((الذينَ إِذا أُعطوا الحقَّ قِبِلوهُ، وإِذا سُئِلوهُ بذَلوهُ، وحَكمُوا للنَّاسِ کحکمِھم لأنفُسِھم)). (قال: أو لا أدلك)؟ وفي نسخة أفلا أدلك؟ قال الطيبي: دخل حرف العطف بين كلمة التنبيه المركبة من همزة الاستفهام ولا النافية وجعلتا جملتين أي أتفعل هذا أو لا أدلك، (على خير من ذلك تصبر) خبر بمعنى الأمر أي اصبر على ظلمهم ولا تحاربهم (حتى تلقاني. رواه أبو داود). (الفصل الثالث) ٣٧١١ - (عن عائشة رضي الله عنه عن رسول الله وَ لّ قال: أتدرون) أي أتعلمون (من السابقون) من استفهامية علقت عمل الدراية وسدت بما بعده مسد مفعولية، ذكره الطيبي أي المسارعون (إلى ظل الله) أي ظل عرشه أو تحت حمايته (عز) أي ذاته (وجل) أي صفاته (يوم القيامة) ظرف للسبق. (قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: الذين أعطوا الحق) بصيغة المجهول أي إذا أعطى لهم حقهم أو قيل لهم كلمة الحق (قبلوه) أي أخذوه أو انقادوه (وإذا سألوه)؛ وفي نسخة بحذف الضمير (بذلوه)؛ وفي نسخة بحذف الضمير فيهما أي وإذا سئلوا عن كلمة الحق أجابوه ولم يكتموه ولم يخافوا فيه لومة لائم، أو إذا طلبهم أحد حقه بذلوه بالإعطاء على وجه الإيفاء (وحكموا للناس) أي للأجانب، ولو كان حقيراً (كحكمهم لأنفسهم) أي لذواتهم وقراباتهم كما قال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا كونوا قوّامين بالقسط شهداء الله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين إن يكن غنياً أو فقيراً فالله أولى بهما فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا وإن تلووا أو تعرضوا فإن الله كان بما تعملون خبيراً﴾ [النساء - ١٣٥] قد سبق في الحديث (كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته))! قال الراغب: أصل الحق المطابقة والموافقة لمطابقة رجل الباب في حقه لدورانه على استقامة! والحق يقال على أوجه لموجد الشيء بحسب ما تقتضيه الحكمة، ولهذا قيل في الله تعالى: ((هو الحق)) ولما يوجد بحسب مقتضى الحكمة. ولهذا يقال: ((فعل الله تعالى كله حق)) وللاعتقاد في الشيء المطابق لما عليه ذلك لشيء في نفسه وللفعل وللقول الواقع بحسب ما يجب، وقدر ما يجب، وفي الوقت الذي يجب، كقولنا فعلك حق وقولك حق. قال تعالى: ﴿وكذلك حقت كلمة ربك﴾ [يونس - ٣٣] ويقال: الحديث رقم ٣٧١١: أخرجه أحمد في المسند ٦/ ٦٧. ٢٦٢ .. .: كتاب الإمارة والقضاء ٣٧١٢ - (٥٢) وعن جابر بن سَمرُةً، قال: سمِعتُ رسولَ اللهِوَلَّهِ يقول: ((ثلاثةٌ أخافُ على أُمتي: الاستسقاءُ بالأنْواءِ أحققت كذا أي أثبته حقاً أو حكمت بكونه حقاً. قال الطيبي: يمكن أن ينزل هذا الحديث على أكثر هذه المعاني؛ أحدها: على الفعل الحق والقول الحق، والمراد بالسابقون العادلون من الأئمة لقوله وقال: سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، إمام عادل))(١)، يعني إذا نصحهم ناصح وأظهر كلمة الحق العادل قبلوها وفعلوا مقتضاها من البذل للرعية ومن الحكم بالسوية! وثانيها: على الواجب للإنسان من العطيات، يعني إذا ثبت له حق ثابت إذا أعطى قبل، ثم بذل للمستحقين لينال درجة الأسخياء والأصفياء الذين ينفقون أموالهم سراً وعلانية يرجون تجارة لن تبور. ومنه قوله صلى الله [تعالى] عليه وسلم لعمر رضي الله عنه: ((خذه فتموله وتصدق به))(٢) الحديث؛ وثالثها: على ما يوجد بحسب مقتضى الحكمة وعليه قوله وَالر: ((كلمة الحق ضالة الحكيم فحيث وجدها فهو أحق بها))(٣) لأنه يعلمها ويعمل بها ويعلمها غيره فعلمه بها هو القبول، وتعليم الغير هو البذل، والعمل بها هو الحكم، ولعمري أن هذا الحديث من الكلمات التي هي ضالة كل حكيم. فالمراد بالسابقين على الوجهين الأخيرين، هم السابقون السابقون أولئك المقربون. ٣٧١٢ - (وعن جابر بن سمرة رضى الله عنه قال؛ سمعت رسول الله وَالله يقول: ثلاث) أي من الخصال؛ وفي نسخة ثلاثة أي من الأفعال (أخاف على أمتي) أي من وقوعهم فيها أو من عدم احترازهم عنها (الاستسقاء) أي طلب المطر والماء (بالأنواء) أي بظهور الكواكب أو بمنازل القمر في السماء. قال صاحب النهاية: الأنواء هي ثمان وعشرون منزلة ينزل القمر كل ليلة في منزلة منها ويسقط في المغرب كل ثلاث عشرة ليلة، منزلة مع طلوع الفجر وتطلع أخرى في مقابلتها ذلك الوقت في الشرق فينقضي جميعها في انقضاء السنة(٤) وكانت العرب تزعم أن بسقوط المنزلة وطلوع رقيبها يكون مطر، أو ينسبونه إليها فيقولون: مطرنا بنوء كذا، وإنما سمي نوا لأنه إذا سقط الساقط [منها] بالمغرب ناء الطالع بالمشرق، من ناء ينوء نوأ أي نهض وطلع، وقيل: أراد بالنوء الغروب وهو من الأضداد، وإنما غلظ النبي وّر في أمر الأنواء لأن العرب كانت تنسب المطر إليها، فأما من جعل المطر من فعل الله تعالى وأراد بقوله: مطرنا بنوء كذا، أي في وقت كذا وهو هذا النوء الفلاني فإن ذلك جائز لأن الله [تعالى] قد أجرى العادة أن يأتي المطر في هذه الأوقات. أقول: الظاهر من الحديث النبوي هو المنع (١) متفق عليه البخاري في صحيحه الحديث رقم (١٦٦٠) ومسلم في الحديث رقم (٩١ - ١٠٣١). (٢) أخرجه البخاري في صحيحه ١٣/ ١٥٠ الحديث رقم ٧١٦٣، ومسلم في ٧٢٣/٢ الحديث رقم (١١١ - ١٠٤٥). (٣) أخرجه العسكري في الأمثال عن أبي هريرة ذكره في كنز العمال ١٨٠/١٠ الحديث رقم ٢٨٩٣٦. ٠/ ٠٢٠٢ الحديث رقم ٣٨١٢: أخرجه أحمد في المسند ٩٠/٥. (٤) فى المخطوطة ((الشهر)) والصواب ما أثبت. ٢٦٣ كتاب الإمارة والقضاء وحَّيْفُ السُّلطانِ، وتكذيبٌ بالقدَرِ)). ٣٧١٣ - (٥٣) وعن أبي ذرِّ، قال: قال لي رسولُ الله ◌َِّ: ((سنَّةَ أَيَّام أعقِلْ يا أبا ذرً! ما يقالُ لكَ بعدُ». فلمَّا كانَ اليومُ السَّابِعُ. قال: «أُوِصِيكَ بتقوى اللَّهِ في سرِّ أَمرِكَ وعلانِيتِه، وإِذا أسأتَ فأحسنْ المطلق سداً للباب وقطعاً للنظر عن الأسباب مع أنه قد يتخلف بتقدير رب الأرباب، ولذا قال تعالى: ﴿وينزل الغيث﴾ [لقمان - ٣٤] أي في وقت لا يعلمه إلا الله، (وحيف السلطان) أي جوره وظلمه (وتكذيب بالقدر) أي بأن خيره وشره وحلوه ومره من عند الله. قال الطيبي: ولعله إنما خاف من هذه الخصال الثلاث لأن من اعتقد أن الأسباب مستقلة وترك النظر إلى المسبب وقع في شرك الشرك ومن كذب القدر. وقال: الأمر أنف وقع في حرف التعطيل، ومن افتتن بالسلطان الجائر يأتيه الضلال. =٠ ٣٧١٣ - (وعن أبي ذر رضي الله عنه قال: قال لي) أي خصوصاً أو خطاباً (رسول الله وَلقر: ستة أيام) ظرف القول والمقول قوله: (اعقل يا أبا ذر ما يقال لك)؛ أي تفكر وتأمل واحفظ واعمل بمقتضى ما أقول لك؛ (بعد) أي بعد هذا اليوم! ومنه قوله تعالى: ﴿وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون﴾ [العنكبوت - ٤٣] وقيل: ستة أيام ظرف اعقل. وقوله ما يقال: جواب لقوله، أي شيء أعقل بستة أيام، والأوّل هو الظاهر، (فلما كان اليوم السابع قال: ((أوصيك بتقوى الله في سر أمرك وعلانيته)) قال الطيبي [رحمه الله]: وإنما فعل ذلك لينبه أن ما يقوله بعد معنى يجب تلقيه بالقبول والقيام بحقه؛ ولعمري أن الكلمة الأولى لو أدى حقها لكفي بها كلمة جامعة؛ قلت: ولهذا قال تعالى: ﴿ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله﴾ [النساء - ١٣١] وعنه عليه الصلاة والسلام: ((أني أعلم آية لو أخذ الناس بها لكفتهم)) ﴿ومن يتق الله يجعل له مخرجاً ويرزقه من خبث لا يحتسب﴾ [الطلاق - ٢] الآية. فما زال يقرؤها ويعيدها(١). وجاء في حديث أوصيك بتقوى الله فإنه رأس كل شيءٍ(٢). وفي رواية فإنه رأس الأمر كله(٣). قال الطيبي: ومنه قوله تعالى: ﴿اتقوا الله حق تقاته﴾ [آل عمران - ١٠٢] أي تنزه عما يشغل سرك عن لحق وتوجه بشراً شرك إليه تبتيلاً وهذا هو التقوى الحقيقية التي لا غاية لها. وقوله: (وإذا أسأت فأحسن) إشارة إلى أن الإنسان مجبول على الشهوات، ومقتضى البهيمية والسبعية والملكية؛ فإذا ثارت من تلك الرذائل رذيلة يطفئها بمقتضى الملكية، كما قال صلى الله [تعالى] عليه وسلم: ((اتبع السيئة الحسنة تمحها))(٤) وهو يحتمل معنيين، أحدهما: أنه إذا فعل معصية يحدثها توبة أو طاعة، وإذا أساء إلى شخص الحديث رقم ٣٧١٣: أخرجه أحمد في المسند ١٧٢/٥. (١) أخرجه ابن ماجه في السنن ١٤١١/٢ الحديث رقم ٤٢٢٠. (٢) أحمد في المسند ٨٢/٣. (٣) الطبراني في الكبير. (٤) أخرجه الترمذي في صحيحه ٣١٢/٤ الحديث رقم ١٩٨٧. ٠.٠. ٢٦٤ كتاب الإمارة والقضاء ولا تسألَنَّ أحداً شيئاً وإِنْ سقطَ سوطُكَ، ولا تقبِضْ أمانةً، ولا تقضٍ بينَ اثنينٍ)). ٣٧١٤ - (٥٤) وعن أبي أمامةَ، عن النبيِّ وَّ أنَّه قال: ((ما منْ رجلٍ يَلي أمرَ عَشرةٍ فما فوقَ ذلكَ، إِلاَّ أتاهُ اللَّهُ عزَّ وجلَّ مغلولاً يومَ القيامةِ يدُه إلى عُنقِهِ أحسن إليه. ومنه قوله تعالى: ﴿ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن﴾ [فصلت - ٣٤] الآية. (ولا تسألن أحداً) أي من المخلوقين (شيئاً) فيه انتهاء درجة التوكل عليه وتفويض الأمور إليه. وقوله: (وإن سقط سوطك) تتميم له ووجهه أن السؤال ذل ولا يجوز إلا للعزيز الكريم، وقيل: إنه حرام لغير ضرورة لاشتماله على الشكاية من الرب الرحيم. ولذا كان يقول الإمام أحمد في دعائه: ((اللهم كما صنت وجهي عن سجود غيرك فصن وجهي عن مسألة غيرك)). وفي حديث: ((إن كنت لا بد سائلاً فسل الصالحين))(١). رواه أبو داود والنسائي الفراسي، (ولا تقبض أمانة) أي من الناس بلا ضرورة مخافة الخيانة ولكونها مظنة التهمة فقيه دلالة على ثقل محملها وصعوبة أدائها؛ ولذلك مثل الله تعالى ماله من التكليفات على المخلوقات بقوله: ﴿إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وجملها الإنسان أنه كان ظلوماً جهولاً﴾ [الأحزاب - ٧٢] (ولا تقض بين اثنين) أي لا تحكم بين شخصين فضلاً عن أن يكون زائداً، وفيه إشارة إلى معنى قوله وَّ: ((من جعل قاضياً فقد ذبح بغير سكين))(٢)، وسيأتي؛ ويمكن أنه صلى الله [تعالى] عليه وسلم إنما نهى أبا ذر عن قبض الأمانة والحكم في الخصومة لضعفه عن القيام بهما كما سبق في الفصل الأوّل أنه لما طلب الإمارة، قال له صلى الله [تعالى] عليه وسلم: ((يا أبا ذر إني أراك ضعيفاً لا تأمرن على اثنين ولا تولين مال يتيم)» (٣). ٣٧١٤ - (وعن أبي أمامة رضي الله عنه عن النبي ◌َّ [أنه] قال: ((ما من رجل يلي أمر عشرة فما فوق ذلك إلا أتاه الله عزَّ وجلّ) أي جاءه أمر الله أو ملائكته حال كونه (مغلولاً يوم القيامة))). وفي نسخة: أتى الله وهو ظاهر موافق لما في الجامع الصغير (٤) ((يده إلى عنقه))) أي منضمة إليها. قال الطيبي: قوله يده، يحتمل أن يكون مرفوعاً بمغلولاً، وإلى عنقه حالاً، وعلى هذا يكون يوم القيامة متعلقاً بمغلولاً ويحتمل أن يكون مبتدأ، وإلى عنقه خبره، والجملة إما مستأنفة أو حال بعد حال، وحينئذ يوم القيامة إما ظرف لأتاه وهو الأوجه أو لمغلولاً؛ وإذا كانت مستأنفة كانت بياناً لمغلولاً والجملتان مستأنفتان مبينتان للمجموع كأن سائلاً سأل أوّلاً عن كيفية هيئة المغلول؛ فأجيب يده إلى عنقه، ثم سأل ثانياً فما يجري عليه بعد ذلك، فأجيب (١) أخرجه أبو داود في السنن ٢٩٦/٢ الحديث رقم ١٦٤٦. والنسائي في ٩٥/٥ الحديث رقم ٢٥٨٧. (٢) أخرجه أبو داود في السنن ٤/ ٥ الحديث رقم ٣٥٧٢. (٣) راجع الحديث رقم (٣٦٨٢). الحديث رقم ٣٧١٤: أخرجه أحمد في المسند ٢٦٧/٥. (٤) الجامع الصغير الحديث رقم ٨٠٣٩. ٢٦٥ كتاب الإمارة والقضاء فكّه بِرُه، أو أوْبقَه إِثْمُه، أوَّلُها مَلامةٌ، وأوسطُها ندامةٌ، وآخرُها خِزْيٌ يومَ القيامةِ)). ٣٧١٥ - (٥٥) وعن معاوية [رضي الله عنه]، قال: قال رسولُ اللهِ وَلِّ: ((يا معاويةُ! إِنْ وُلْيتَ أمراً فاتَّقِ اللَّهَ واعدِلْ)). قال((: فما زِلتُ أظنُّ أنّي مُبتَلىّ بعملٍ، لقولِ النبيِّ وَل حتى ابتُليتُ . (فكه بره) بكسر الموحدة أي خلصه عدله وإحسانه (أو أوبقه اثمه) أي أهلكه ظلمه وعصيانه (أوّلها) أي ابتداء الإمارة (ملامة) أي عند أهل السلامة، (وأوسطها ندامة) أي للنفس اللوّامة، (وآخرها) أي نتيجتها (خزي) أي فضيحة تامة (يوم القيامة)، فإن الدنيا مزرعة الآخرة، وبهذا يرتفع سؤال وجواب أوردهما الطيبي حيث قال: فإن قلت آخر الشيء منقضاه فلا يصح أن يتخلل بينه وبين ما هو آخره غيرهما، ولا شك أن الإمارة تنقضي في الدنيا فكيف يكون الخزي يوم القيامة آخره؛ قلت: تعتبر صفة الإمارة مستمرة إلى يوم الدين على سبيل المجاز؛ ثم قال: قوله أولها ملامة إشارة إلى أن من يتصدى للولاية الغالب غر غير مجرب للأمور ينظر إلى ملاذها ظاهراً فيحرص في طلبها ويلومه أصدقاؤه، ثم إذا باشرها يلحقه تبعاتها وما تؤول إليه من وخامة عاقبتها ندم، وفي الآخرة خزي ونكال وهذا على رأي من قال: إن الجمل المتناسقة إذا أتي بقيد بعدها يختص بالأخير؛ وأما من قال: إنه مشترك بينها تكون الملامة والندامة والخزي يوم القيامة، ويؤيد الأوّل قوله: أتاه الله عزَّ وجلّ مغلولاً يوم القيامة يده إلى عنقه؛ فإن إتيانه مغلولا يده إلى عنقه هو الخزي وهو الذل والهوان. ٣٧١٥ - (وعن معاوية رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَله: يا معاوية إن وليت) بضم واو وتشديد لام مكسورة أي جعلت والياً (أمراً) أي من أمور الولاية والحكومة (فاتق الله) أي فيما بينك وبينه (واعدل) أي فيما بين الناس (قال): أي معاوية، (فما زلت أظن أني مبتلي بعمل لقول النبي ◌َّ- حتى ابتليت) بصيغة المجهول، وحتى غاية لقوله أظن أو فما زلت. قال الطيبي: الفاء فيه للتسبب يعني بسبب قول رسول الله وَ ل حصول ظني، فإن حمل أن في قوله صلى الله [تعالى] عليه وسلم: إن وليت: على الجزم كما في قوله وَّر في حديث عائشة: ((إن يكن هذا من عند الله يمضه)) (١) وكان المالك أخبره بالقضية؛ كان الظن بمعنى اليقين كما في قوله تعالى: ﴿الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم﴾ [البقرة - ٤٦] فيكون معنى الغاية في حتى نقلاً من علم اليقين إلى حق اليقين، وإن حمل على الترديد فالظن مجرى على معناه لأن ترديد مثل رسول الله * لا يكون إلا راجحاً عند أمته، فمعنى الغاية في حتى النقل من الظن إلى اليقين. -4.5% الحديث رقم ٣٧١٥: أخرجه البيهقي في دلائل النبوة. (١) أخرجه البخاري في صحيحه ٢٢٣/٧ الحديث رقم ٣٨٩٥، ومسلم في ١٨٨٩/٤ الحديث رقم (٧٩ - ٢٢٣٨). تهدد ٠٫٤ -- ٠٠ ...-.- ٢٦٦ كتاب الإمارة والقضاء ٣٧١٦ - (٥٦) وعن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ الله ◌ََّ: ((تعوَّذُوا باللّهِ مِنْ رأسِ السَّبعَينِ، وإِمارةِ الصِّبيانِ)). روى الأحاديثَ السنَّةَ، أحمد، وروى البيهقيُّ حديثَ معاويةَ في ((دلائل النبوَّةِ)) . ٣٧١٧ - (٥٧) وعن يحيى بن هاشم، عن يونس بنِ أبي إِسحاقَ عن أبيهِ، قال: قال رسولُ اللهِ وَلَّ: ((كما تكونونَ، كذلكَ يُؤَمَّرُ عليكم)». ٣٧١٦ - (وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَله: ((تعوّذوا بالله من رأس السبعين)) أي من فتنة تنشأ في ابتداء السبعين من تاريخ الهجرة أو وفاته عليه الصلاة والسلام. ((وإمارة الصبيان))) بكسر أوّله أي ومن حكومة الصغار ((الجهال))) كيزيد بن معاوية وأولاد الحكم بن مروان وأمثالهم، وأغرب الطيبي حيث قال قوله: وإمارة الصبيان، حال أي والحال أن الصبيان أمراء يدبرون أمر أمتي وهم أغيلمة من قريش رآهم النبي صلى الله [تعالى] عليه وسلم في منامه يلعبون على منبره عليه الصلاة والسلام، وقد جاء في تفسير قوله تعالى: ﴿وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس﴾ [الإسراء - ٦٠] أنه * رأى في المنام إن ولد الحكم يتداولون المنبر كما يتداول الصبيان الكرة، (روى الأحاديث الستة). أي من أوّل الفصل (أحمد) ووافقه الطبراني في الحديث الأوّل، وروى الطبراني والضياء عن عوف بن مالك ولفظه: إن شئتم أنبأتكم عن الإمارة وما هي: أولها ملامة، وثانيها ندامة، وثالثها عذاب يوم القيامة إلا من عدل. (وروى البيهقي حديث معاوية في دلائل النبوّة)، وأخرج ابن عساكر بسند واه عن ابن عباس رضي الله عنه قال: كنت عند النبي ◌َّ وعنده أبو بكر وعمر وعثمان ومعاوية رضي الله تعالى عنهم إذ أقبل علي فقال النبي وَلقر لمعاوية أتحب علياً؟ قال)): نعم. قال: إنها ستكون بينكما هنية. قال معاوية: فما بعد ذلك يا رسول الله؛ قال: عفو الله ورضوانه؛ قال: رضينا بقضاء الله، فنزل، ولو شاء الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد؛ كذا في الدر المنثور في التفسير المأثور. ٣٧١٧ - (وعن يحيى بن هاشم عن يونس بن أبي إسحاق عن أبيه رضي الله عنه) لم يذكره المصنف في الصحابة، وقال في فصل التابعين: هو أبو إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي الهمداني الكوفي رأى علياً وابن عباس وغيرهما من الصحابة، وسمع البراء بن عازب وزيد بن أرقم، وروى عنه الأعمش وشعبة والثوري، وهو تابعي مشهور كثير الرواية ولد لسنتين من خلافة عثمان رضي الله عنه ومات سنة تسع وعشرين ومائة، والسبيعي بفتح السين المهملة وكسر الباء الموحدة وبالعين المهملة (قال: قال رسول الله ومطهر: كما تكونون) [أي مثل ما تكونون] من الصلاح وضده (كذلك) أي مثله وعلى وفقه (يؤمر) بتشديد الميم أي يجعل أميراً وحاكماً (عليكم). قال الطيبي: الكاف مرفوع المحل على الابتداء والخبر يؤمر وكذلك الحديث رقم ٣٧١٦: أخرجه أحمد في المسند ٣٢٦/٢. الحديث رقم ٣٧١٧: أخرجه البيهقي في الشعب ٢٣/٦ الحديث رقم ٣٧٩٢. ٢٦٧ كتاب الإمارة والقضاء ٣٧١٨ - (٥٨) وعن ابنِ عُمَر [رضي اللَّهُ عنه] أنَّ النبيَّ وَِّ قال: ((إِنَّ السلطانَ ظلُّ اللَّهِ في الأرضِ، يأوي إِليهِ كلُّ مظلومٍ منْ عبادِه، فإِذا عدَلَ كانَ له الأجْرُ، وعلى الرَّعيَّةِ الشكرُ، وإِذا جارَ، كانَ عليهِ الإِصْرُ، وعلى الرَّعيةِ الصَّبْرُ)). جيء به تأكيداً وتقريراً للتشبيه وفي معناه قوله: ((أعمالكم عمالكم)) والحديث يوضحه الحديث الآتي لأبي الدرداء اهـ، وفي الجامع الصغير بلفظ: كما تكونوا يولى عليكم؛ رواه الديلمي في مسند الفردوس عن أبي بكرة والبيهقي عن أبي إسحاق السبيعي مرسلاً(١) اهـ. وقوله: ((كما تكونوا)) بحذف النون ((ويولى)) بإثبات الياء المنقلبة ألفاً وهو المشهور على الألسنة، وهو كذلك في لفظ الزركشي وقال: رواه ابن جميع في معجمه عن أبي بكرة والبيهقي في الشعب من حديث يونس بن أبي إسحاق عن أبيه مرفوعاً ثم قال: وهذا منقطع(٢). وفي مختصر المقاصد لابن الربيع حديث: كما تكونون بإثبات النون يولى عليكم [أو يؤمر عليكم] بصيغة الشك؛ أخرجه الديلمي من حديث أبي بكرة مرفوعاً وأخرجه البيهقي بلفظ: يؤمر عليكم بدون شك ويحذف أبي بكرة وقال: إنه منقطع. وفي طريقه يحيى بن هاشم وهو في عداد من يضع، اهـ. ووجه حذف النون إن ما مصدرية عملت عمل أن كما أنها عوملت معاملة ما في قوله تعالى: ﴿أن يتم الرضاعة﴾ [البقرة - ٢٣٣] بالرفع في رواية شاذة. ٣٧١٨ - (وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي ◌َّر قال: ((إن السلطان ظل الله)))؛ وفي رواية ((ظل الرحمن)) (في الأرض) لأنه يدفع الأذى عن الناس كما يدفع الظل أذى حر الشمس، وقد يكنى بالظل عن الكنف والحماية؛ كذا في النهاية. وقال الطيبي: ظل الله تشبيه، وقوله (يأوي إليه كل مظلوم من عباده) جملة مبينة لما شبه به السلطان بالظل أي كما أن الناس يستروحون إلى برد الظل من حر الشمس كذلك يستروحون إلى برد عدله من حر الظلم، وإضافة إلى الله تشريفاً له كبيت الله وناقة الله وإيذاناً بأنه ظل ليس كسائر الظلال، بل له شأن ومزيد اختصاص بالله لما جعل خليفة الله في أرضه، ينشر عدله وإحسانه في عباده، ولما كان في الدنيا ظل الله يأوي إليه كل ملهوف يأوي هو في الآخرة إلى ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله! (فإذا عدل كان له الأجر وعلى الرعية الشكر، وإذا جار) وفي رواية أو حاف أو ظلم (كان عليه الإصر) بكسر أوله أي الوزر كما في رواية (وعلى الرعية الصبر)، ففيه إشارة إلى أن الإمام العادل نعمة ومنحة والسلطان الظالم نقمة ومحنة؛ (وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم وإن في ذلك لآيات لكل صبار شكور) أي لكل مؤمن إذ ورد في الحديث الإيمان نصفان نصف صبر ونصف شكر وفقنا الله تعالى بهما. قال الطيبي: فإن قلت دلت الإضافة وقوله يأوي إليه كل مظلوم أن السلطان عادل فكيف يستقيم على هذا أن يقول: وإذا جار كان عليه الإصر قلت: قوله السلطان (١) الجامع الصغير ٣٩٨/٢ الحديث رقم ٦٤٠٦. (٢) البيهقي في شعب الإيمان ٧/ ٢٢ الحديث رقم ٧٣٩١. الحديث رقم ٣٧١٨: أخرجه البيهقي في شعب الإيمان ١٥/٦ الحديث رقم ٧٣٦٩. ٢٦٨ كتاب الإمارة والقضاء ٣٧١٩ - (٥٩) وعن عُمرَ بن الخطاب رضي اللهُ عنه، قال: قال رسولُ اللهِ وَله: ((إِنَّ أفضلَ، عبادِ الله عندَ الله منزلةٌ يومَ القيامةِ، إمامٌ عادلٌ رفيقٌ. وإن شرَّ الناسِ عندَ الله منزلةً يوم القيامة، إِمامٌ جائرٌ خَرِقٌ)). ظل الله بيان لشأنه، وإنه مما ينبغي أن يكون كذلك، فإذا جار كأنه خرج عما من شأنه أن يكون ظل الله تعالى وعليه: ﴿يا داود إنا جعلناك خلفية في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى﴾ [ص - ٢٦] فرتب عليه الحكم بالوصف المناسب ونهى عما لا يناسب؛ أقول: الظاهر أن السلطان ظل الله على كل حال فإنه ينتفع به في الجملة والتقسيم، إنما هو باعتبار الوصف الأغلب عليه من العدل أو الجور أو بخصوص قضية جزئية من الأحكام الكلية فيجب الصبر والشكر على الرعية بمقتضى هذه الحكمة العلية، ويؤيده ما سبق من حديث: ((سيليكم أمراء يفسدون في الأرض وما يصلح الله بهم أكثر، فمن عمل منهم بطاعة الله فلهم الأجر وعليكم الشكر ومن عمل منهم بمعصية الله فعليهم الوزر وعليكم الصبر)». ثم لا شك أن السلطان حين ظلمه إنما يكون ظل الشيطان، لكنه بإرادة الرحمن؛ فالرضا بالقضاء باب الله الأعظم، والله سبحانه وتعالى أعلم؛ ويؤيده ما رواه أبو الشيخ عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه: ((السلطان العادل المتواضع ظل الله وروحه في الأرض يرفع له عمل سبعين صديقاً). وروى البيهقي عن أنس رضي الله عنه ((السلطان ظل الله في الأرض فمن غشه ضل ومن نصحه اهتدى وروى أبو الشيخ عن أنس: ((السلطان ظل الله في الأرض فإذا دخل أحدكم بلداً ليس له سلطان فلا يقيمن به)». وروى ابن البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه: ((السلطان ظل الله في الأرض يأوي إليه الضعيف وبه ينتصر المظلوم، ومن أكرم سلطان الله في الدنيا أكرمه الله يوم القيامة)). ٣٧١٩ - (وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَ لقال: ((إن أفضل عباد الله عند الله منزلة يوم القيامة إمام عادل رفيق))) أي لين الجانب مع الأقارب والأجانب لطيف مع الشريف والضعيف (وإن شر الناس عند الله منزلة يوم القيامة)؛ وفي العدول عن شر عباد الله على ما تقتضيه المقابلة ما لا يخفى من النكتة الدالة على أنه سيىء المعاملة، (إمام جائر) أي ظالم (خرق) بفتح فكسر صفة مشبهة من الخرق وهو ضد الرفق. وفي الحديث «[الرفق] یمن، والخرق شؤم، وإذا أراد الله بأهل بيت خيراً أدخل عليهم باب الرفق، فإن الرفق لم يكن في شيء قط الإزانة، وإن الخرق لم يكن في شيء قط الإشانة))؛ الحديث رواه البيهقي عن عائشة [رضي الله عنه](١) قال الطيبي: وجعل الرفيق للعادل من باب التكميل، فإنه صلى الله [تعالى] عليه وسلم لما وصفه بالعادل رأى أن الوصف بمجرد العدل غير واف لأنه قد يكون العادل جافياً غليظ القلب فكمله بالرفيق وجعل الجائر مردفاً بالخرق من باب التتميم لأن الثاني زاد مبالغة في معنى الأوّل، لأن الجفاء والغلظة تزيد في جوره وخرقه. الحديث رقم ٣٧١٩: أخرجه البيهقي في شعب الإيمان ١٦/٦ الحديث رقم ٧٣٧١٠. (١) شعب الإيمان ١٣٩/٧ الحديث رقم ٧٧٢٢. ١٠,٠٠٠ ٦٦٣". ٢٦٩ كتاب الإمارة والقضاء ٣٧٢٠ - (٦٠) وعن عبدِ الله بنِ عَمْرٍو، قال: قال رسولُ اللهِ وَ له: ((مَنْ نظرَ إِلى أخيهِ نظرةً يُخيفُه، أخافَه اللَّهُ يومَ القيامةِ)). روى الأحاديثَ الأربعةَ البيهقيُّ في ((شعبِ الإِيمان))، وقال في حديث يحمي هذا: حديث منقطع، وروايتُه ضعيفٌ. ٣٧٢١ _ (٦١) وعن أبي الدَّرداءِ، قال: قال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((إِنَّ اللَّهَ تعالى يقولُ: أنا اللَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ أنا مالكُ الملوكِ، وملِكُ الملوكِ ٣٧٢٠ - (وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنه) بالواو (قال: قال رسول الله وَله: من نظر إلى أخيه) أي المسلم (نظرة يخيفه) جوّز أن يكون حالاً من فاعل نظر، وأن يكون صفة للمصدر على حذف الراجع أي بها ويؤيده ما في رواية يخيفه بها في غير حق (أخافه الله) أي بنظر غضب عليه جزاء وفاقاً (يوم القيامة)، قال الطيبي: ذكر أخيه للاستعطاف يعني [إن] الأخوّة تقتضي الأمنية لا سيما أخوّة الإسلام؛ والمسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده؛ قلت: وإيراد هذا الحديث في هذا الباب للإشارة إلى أن مجرد الإخافة يترتب عليه العقوبة يوم القيامة فكيف بما فوقها من أنواع المظلمة [ويؤخذ من مفهومه إن من نظر بعين الرحمة والشفقة إلى أخيه نظر الله إليه بعين العناية يوم القيامة، كما روى الحكيم عن ابن عمرو أيضاً بلفظ من نظر إلى أخيه نظرة ودّ غفر الله له] (روى الأحاديث الأربعة البيهقي في شعب الإيمان وقال في حديث يحيى) أي في شأنه: (هذا منقطع)؛ أي هذا الحديث له علة الانقطاع والمراد به هنا الإرسال لأنه حذف الصحابي وهو أبو بكرة كما سبق، وهو لا يضر إذ المرسل حجة عند الجمهور لكن يضره. [قوله (وآروايته ضعيف) أي ورواية يحيى ضعيفة بل قيل: إنها موضوعة؛ وذكر ضعيف لكون الفعيل يستوي فيه التذكير والتأنيث، وكتب مبرك في هامش أصله، ورواية ضعيف ووضع عليه رمز [ظاهر] وهو غير ظاهر لأن الطعن في الحديث إنما هو من جهة يحيى والله تعالى أعلم. ٣٧٢١ - (وعن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَ له: ((إن الله تعالى يقول) أي في الحديث القدسي (أنا الله)) قال الطيبي: على أسلوب أنا أبو النجم أي أنا المعروف المشهور بالوحدانية أو المعبود وقوله: (لا إله إلا أنا) حال مؤكدة لمضمون هذه الجملة، وقوله: (مالك الملوك وملك الملوك) من باب التدلي لإفادة التعميم، أو الثاني من باب التكميل والتتميم. وقال الطيبي [رحمه الله]: وملك الملوك بعد قوله: مالك الملوك من باب الترقي، فإن الملك أعظم من المالك وأقوى تصرفاً منه، لأن المالك هو المتصرف في الأعيان المملوكة والملك هو المتصرف بالأمر والنهي في المأمورين، وقيل: المالك أجمع وأوسع لأنه يقال: مالك الطير والدواب والوحوش وكل شيء، ولا يقال: إلا ملك الناس اهـ، وفيه أن هذا الفرق الحديث رقم ٣٧٢٠: أخرجه البيهقي في شعب الإيمان ٦/ ٥٠ الحديث رقم ٧٤٦٨. الحديث رقم ٣٧٢١: أبو نعيم في الحلية ٣٨٩/٢. ٠٫٫٠ ٢٧٠ كتاب الإمارة والقضاء قُلُوبُ الملوكِ في يدِي، وإِنَّ العِبادَ إِذا أطاعوني، حوَّلتُ قلوبَ ملوكِهم عليهم بالرَّحمةِ والرَّاقَةِ. وإِنَّ العبادَ إِذا عصوْني، حوَّلتُ قلوبَهم بالسَّخْطِ والنّقمةِ، فساموهُم سوءَ العذابِ، فلا تشغَلوا أنفُسَكم بالدُّعاءِ على الملوكِ، ولكنِ اشْغلوا أنفسَكم بالذُكرِ والتضرَّعِ كي أكفِيكم ملوككم». رواه أبو نعيمٍ في ((الحلية)). إنما يستقيم في حد ذاتهما كما حقق في ملك يوم الدين باعتبار قرائته وإلا، فلا يشك عاقل أن مالك الملوك أبلغ من ملك الملوك ولهذا قد يطلق الثاني على المخلوق ولا يصح إطلاق الأول إلا على الله سبحانه: وحاصل المعنى أنه تعالى يملك جنس الملوك ويتصرف فيهم تصرف الملاك فيما يملكون وهو مقتبس من قوله تعالى: ﴿قل اللهم مالك الملك﴾ [آل عمران -٢٦] الآية. وقوله: (قلوب الملوك في يدي) استئناف على سبيل البيان يدل على التصرف التام فيه، وقوله: (وإن العباد) الواو فيه بمنزلة الفاء التفصيلية، وقد روي فإن العباد (إذا أطاعوني) أي أكثرهم (حوّلت قلوب ملوكهم) أي قلبت قلوب ظلمتهم (عليهم) أي على عبادي (بالرحمة والرأفة) أي شدة الرأفة. ففي النهاية الرأفة أرق من الرحمة ولا تكاد تقع في الكراهة، والرحمة قد تقع فيها لمصلحة؛ (وإن العباد إذا عصوني حوّلت قلوبهم) أي قلوب ملوكهم العادلين عليهم ولعل حذف عليهم للإشارة إلى أنهم إذا صبر وإلا يضرهم (بالسخطة) بفتح أوّله أي الكراهة وعدم الرضا بالشيء (والنقمة) بكسر أوّله أي الكراهة والعقوبة. ففي الصحاح: نقمته إذا كرهته، وانتقم الله منه أي عاقبه، والاسم منه النقمة اهـ. ومن الأول قوله عزَّ وجلّ: ﴿وما نقموا منهم﴾ [البروج - ٨] (فساموهم) بضم الميم المخففة من السوم بمعنى التكليف على ما في النهاية أي كلفوهم وعذبوهم وإذا وأذاقوهم سوء العذاب أي أشده ومنه قوله تعالى: ﴿يسومونكم سوء العذاب﴾ [الأعراف - ١٤١] (فلا تشغلوا) بفتح الغين؛ قال الجوهري: شغلت فلاناً فأنا شاغل، ولا تقل أشغلته لأنها لغة ردية. وفي القاموس شغله كمنعه شغلاً، ويضم واشغله لغة جيدة أو قليلة أو ردية، والمعنى لا تستعملوا (أنفسكم بالدعاء على الملوك) أي بضررهم كموت وعزل فإنه قد يأتي أنحس منه، (ولكن اشغلوا أنفسكم بالذكر) أي بذكرى ونسيان غيري (والتضرع) أي إلي والتوكل علي (كي أكفيكم) بالنصب أي لكي أكفيكم (ملوككم) أي شرهم إذ من تضرع إليه أنجاه ومن توكل عليه كفاه في أمر دينه ودنياه؛ (رواه أبو نعيم في الحلية). ٢٧١ كتاب الإمارة والقضاء/ باب ما على الولاة من التيسير (١) باب ما على الولاة من التيسير الفصل الأول ٣٧٢٢ - (١) عن أبي موسى، قال: كان رسولَ اللهِ وَّهِ إِذا بَعَثَ أحداً منْ أصحابهِ في بعضٍ أمرِهِ. قال: ((بشِّروا ولا تُنفِّروا، ويسروا ولا تُعسِروا)). متفق عليه. باب ما على الولاة من التيسير الولاة بضم الواو جمع الوالي وهو يشمل الخليفة وغيره، ومن بيان لما وعلى للوجوب أي باب ما يجب على الحكام من تيسير الأمور وتسهيلها على رعاياهم في قضاياهم. (الفصل الأوّل) ٣٧٢٢ - (عن أبي موسى رضي الله عنه قال: كان رسول الله وَل﴿ إذا بعث أحداً) أي أراد إرسال أحد (من أصحابه في بعض أمره) أي من أمر الحكومة (قال: بشروا) أي الناس بالأجر والمثوبات على الطاعات وفعل الخيرات، والخطاب له ولأتباعه، أو جمع لإفادة التعميم دون تخصيصه (ولا تنفروا) بتشديد الفاء المكسورة أي لا تخوفوهم بالمبالغة في إنذارهم حتى تجعلوهم قانطين من رحمة الله بذنوبهم وأوزارهم، أو بشروهم على الطاعة بحصول الغنائم وغيرها في البلاد ولا تنفروهم بالظلم والغلاظة عن الانقياد؛ وبما ذكرناه من الوجهين في الجهتين المقابلتين ظهرت المناسبة بين الجملتين المتعاطفتين وقال الطيبي: هو من باب المقابلة المعنوية إذ الحقيقة أن يقال: ((بشروا ولا تنذروا واستأنسوا ولا تنفروا)) فجمع بينهما ليعم البشارة والنذارة والاستئناس والتنفير اها وفيه أن الإنذار مطلوب أيضاً لقوله تعالى: ﴿وأنذر به الذين يخافون﴾ [الأنعام - ٥١] وقوله عزَّ وجلّ: ﴿ولينذروا قومهم﴾ [التوبة - ١٢٢] ولأن أمر السياسة والحكومة لا يتم بدون الإنذار مع مجرد البشارة، (ويسروا) أي سهلوا عليهم الأمور من أخذ الزكاة باللطف بهم (ولا تعسروا) أي بالصعوبة عليهم بأن تأخذوا أكثر مما يجب عليهم أو أحسن منه أو بتتبع عوراتهم وتجسس حالاتهم. (متفق عليه)، ورواه أبو داود. الحديث رقم ٣٧٢٢: أخرجه مسلم في صحيحه ١٣٥٨/٣ الحديث رقم (١٧٣٢/٦) وأبو داود في السنن ١٧٠/٥ الحديث رقم ٤٨٣٥. وأحمد في المسند ٣٩٩/٤، وأخرجه البخاري عن أنس في صحيحه ١٦٣/١ الحديث رقم ٦٩. بنحوه. ٢٧٢ كتاب الإمارة والقضاء/ باب ما على الولاة من التيسير ٣٧٢٣ - (٢) وعن أنسٍ، قال: قال رسولُ اللهِ وَ لقوله: ((يسِروا ولا تُعسِّروا، وسكنّوا ولا تُنفِّروا)). متفق عليه. ٣٧٢٤ _ (٣) وعن [ابن] أبي بُرْدَةَ، قال: بعثَ النبيَّ وَّوَ جدَّه أبا موسى ومُعَاذَاً إِلى اليمن. فقال : ٣٧٢٣ - (وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَليقول: ((يسروا ولا تعسروا وسكنوا))) بتشديد الكاف أمر من التسكين أي سكنوهم بالبشارة أو الطاعة. وفي رواية الجامع: وبشروا (ولا تنفروا)، أي بالمبالغة في الإنذار أو بتكليف الأمور الصعبة الموجبة للإنكار، ويؤيده ما في النهاية: أي لا تكلفوهم بما يحملهم على النفور. (متفق عليه)، ورواه أحمد والنسائي . ٣٧٢٤ - (وعن أبي بردة رضي الله عنه)(١) صوابه ابن أبي بردة لما سيأتي (قال: بعث النبي وَلّ جده أبا موسى ومعاذاً) أي ابن جبل (إلى اليمن): ظاهر إيراد المصنف يقتضي أن أبا موسى جد أبي بردة وليس كذلك بل هو أبوه فالصواب أن يقال: عن عبد الله بن أبي بردة عن أبيه قال: بعث النبي وَل# جده أبا موسى، وضمير جده لعبد الله؛ هكذا رواه البخاري من طريق مسلم بن إبراهيم. وفي نسخة عن ابن أبي بردة فلا إيراد ولا إشكال، كذا ذكره بعضهم، وقال بعضهم: صوابه ابن أبي بردة على ما في البخاري، حيث قال سعيد بن أبي بردة قال: سمعت أبي قال: بعث النبي وَّر أبي ومعاذاً إلى اليمن؛ ونقل بعضهم عن جامع الأصول أن بلال بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري كان على البصرة، سمع أباه وغيره، وروى عنه قتادة ونفر من الإعلام وهو قليل الحديث حسنه؛ وقال المؤلف: أبو بردة عامر بن عبد الله بن قيس الأشعري أحد التابعين المشهورين المكثرين، سمع أباه وعلياً وغيرهما، كان على قضاء الكوفة بعد شريح فعزله الحجاج. قال أيضاً: أبو موسى هو عبد الله بن قيس الأشعري أسلم بمكة وهاجر إلى أرض الحبشة ثم قدم مع أهل السفينة ورسول الله وَّالر بخيبر، وولاء عمر بن الخطاب رضي الله عنه البصرة سنة عشرين فافتتح أبو موسى الأهواز ولم يزل على البصرة إلى صدر من خلافة عثمان، ثم عزل عنها فانتقل إلى الكوفة فأقام بها، وكان والياً على الكوفة إلى أن قتل عثمان رضي الله عنه، ثم انتقل أبو موسى إلى مكة بعد التحكيم فلم يزل بها إلى أن مات سنة اثنتين وخمسين اهـ. والظاهر أن أبا بردة له أولاد متعددة، وروى كل منهم عن أبيه عن جده؛ وحيث إن كلاً منهم ثقة لم تضره الجهالة في تنكير ابن في الرواية، (فقال): أي النبي وَلّ أي لهما معاً الحديث رقم ٣٧٢٣: أخرجه البخاري في صحيحه ٥٢٤/١٠ الحديث رقم ٦١٢٥، ومسلم في ١٣٥٩/٣ الحديث رقم (٨ - ١٧٣٤)، وأحمد في المسند ١٣١/٣. الحديث رقم ٣٧٢٤: أخرجه البخاري في صحيحه ٥٢٤/١٠ الحديث رقم ٦١٢٤، ومسلم في ١٣٥٨/٣ الحديث رقم ١٧٣٣، وأحمد في المسند ٤١٢/٤. (١) في المخطوطة عن أبي هريرة رضي الله عنه والصواب عن ابن أبي بردة كما في الصحيحين. ٢٧٣ كتاب الإمارة والقضاء/ باب ما على الولاة من التيسير (يسِّرا ولا تُعسِّرا، وبَشِراً ولا تنفّرا، وتطاوَعا ولا تختَلِفا)). متفق عليه. ٣٧٢٥ - (٤) وعن ابن عمر، أنَّ رسولَ الله ◌ََّ قال: ((إِنَّ الغادرَ يُنصبُ له لواءٌ يومَ القيامةِ، فيقالُ: هذهِ أو لكل منهما منفرداً، والأول هو الظاهر لما سيأتي. (يسرا ولا تعسرا وبشرا ولا تنفرا وتطاوعا) أي اتفقا في الحكم (ولا تختلفا) أي في الأمر، وهذا بحسب الظاهر يدل على أن أحدهما تحت أمر الآخر. قال الطيبي: يعني كونا متفقين في أحكامكما ولا تختلفا، فإن اختلافكما يؤدي إلى اختلاف أتباعكما وحينئذ تقع العداوة والمحاربة بينهم. (متفق عليه). قال الطيبي: الأحاديث الثلاثة متعاضدة على معنى عدم الحرج والتضييق في أمور الملة الحنيفية السمحة كما قال تعالى: ﴿ما جعل عليكم في الدين من حرج﴾ [الحج - ٧٨] مفعول أوّل وفي الدین ثان، وزيدت من للاستغراق والتنكير في حرج للشيوع وعليكم متعلق به قدم للاختصاص، كأنه قيل وسع الله عليكم دينكم يا أمة محمد نبي الرحمة خاصة ورفع الحرج عنكم أياً كان، فظهر من هذا ترجيح فعل الأوّلين من السلف الصالحين على رأي المتكلفين فيما نقله الشيخ محيي الدين النووي في الروضة من الشرح الكبير من أنه لا يشترط أن يكون للمجتهد مذهب مدوّن، وإذا دوّنت المذاهب فهل يجوز للمقلد أن ينتقل من مذهب إلى مذهب إن قلنا: يلزمه الاجتهاد في طلب الأعلم، وغلب على ظنه أن الثاني أعلم ينبغي أن يجوز بل يجب، وإن خيرناه فينبغي أن: يجوز أيضاً كما لو قلد في القبلة هذا أياماً وهذا أياماً، ولو قلد مجتهداً في مسائل وآخر في ( مسائل أخرى واستوى المجتهدان عنده خيرناه؛ لكن الأصوليون منعوا منه وحكى الحناطي وغيره عن أبي إسحاق فيما إذا اختار من كل مذهب ما هو أهون عليه أنه يفسق به، وعن أبي (٤ حنيفة أنه لا يفسق به، ويعضد هذا الترجيح قول الإمام مالك حين أراد الرشيد الشخوص من المدينة إلى العراق وقال له: ينبغي أن تخرج معي فإني عزمت أن أحمل الناس على الموطأ كما حمل عثمان الناس على القرآن، فقال: أما حمل الناس على الموطأ فليس لك إلى ذلك سبيل لأن أصحاب رسول الله وَ﴿ افترقوا بعده في الأمصار فحدثوا، فعند كل أهل مصر علم؛ وقد قال ◌َ له: اختلاف أمتي رحمة. ٣٧٢٥ - (وعن ابن عمر رضي الله عنه أن رسول الله وَلهوقال: إن الغادر) أي ناقض العهد. والوفاء! قال القاضي: الغدر في الأصل ترك الوفاء، وهو شائع في أن يغتال الرجل من عهده وأمنه (ينصب له لواء) أي يركز لأجل إفضاحه علم قائماً بقدر غدره كما سيأتي. (يوم القيامة فيقال: هذه) وفي رواية زيادة إلا للتنبيه أي هذا اللواء، وأنث لكونه بمعنى الراية أو مراعاة الحديث رقم ٣٧٢٥: أخرجه البخاري في صحيحه ٥٦٣/١٠ الحديث رقم ٦١٧٨، ومسلم في ١٣٦٠/٣ ٤ الحديث رقم (١٠ - ١٧٣٥)، وأبو داود في السنن ١٨٨/٣ الحديث رقم ٢٧٥٦ والترمذي في ٤٪. ١٢٢، الحديث رقم ١٥٨١، وابن ماجه في ٩٥٩/٢، الحديث رقم ٢٨٧٢، والدارمي في ٧٢ ٣٢٣ الحديث رقم ٢٥٤٢، وأحمد في المسند ٤١١/١. ٤ج ٢٧٤ كتاب الإمارة والقضاء/ باب ما على الولاة من التيسير غَدرةُ فلانٍ بن فلانٍ)). متفق عليه. ٣٧٢٦ - (٥) وعن أنسٍ، عن النبيِّ وَِّ قال: (لكلِّ غادرٍ لواءٌ يومَ القيامةِ يُعرَفُ بِهِ)). متفق عليه . ٣٧٢٧ - (٦) وعن أبي سعيدٍ، عن النبيِّ وَ ◌ّ قال: «لكلِّ غادرٍ لواءٌ عندَ أستِهِ يومَ القيامةِ)). وفي روايةٍ: ((لكلِّ غادرٍ لواءٌ يومَ القيامةِ يُرفَعُ له بقَدْرِ غذْرِهِ، ألا ولا غادِرَ أعظمُ غدراً مِن أميرِ عامَّةٍ)) . لخبره، وهي (غدرة فلان ابن فلان) أي علامتها أو نتيجتها أو عقوبتها فإنها فضيحة صريحة على رؤوس الإشهاد. (متفق عليه)؛ ورواه مالك وأبو داود والترمذي. ٣٧٢٦ - (وعن أنس رضي الله عنه عن النبي وَّر قال: ((لكل غادر لواء))). وفي نسخة أن لكل غادر لواء يوم القيامة (يعرف به) أي قدره. (متفق عليه)؛ وكذا أنس عنه، ورواه أحمد ومسلم عن ابن مسعود، ومسلم عن ابن عمر، ورواه أحمد والطيالسي عن أنس، ولفظه أن لكل غادر لواء يوم القيامة یعرف به عند استه. ٣٧٢٧ - (وعن أبي سعيد رضي الله عنه عن النبي ◌َّر قال: ((لكل غادر لواء عند أسته))) بهمزة وصل وسكون سين أي خلف ظهره والأست الدبر (يوم القيامة) وإنما ينصب للغادر تشهيراً له بالغدر وتفضيحاً على رؤوس الأشهاد، وإنما قال عند أسته استخفافاً بذكره واستهانة بأمره أو لأن علم العزة ينتصب تلقاء الوجه فناسب أن يكون علم المذلة فيما هو كالمقابل له وفي شرح مسلم اللواء الراية العظيمة الذي لا يمسكها إلا صاحب جيش الحرب أو صاحب دعوة الجيش ويكون الناس تبعاً له، وقال العسقلاني: الراية بمعنى اللواء، وهو العلم الذي يحمل في الحرب يعرف به صاحب الجيش، وقد يحمله أمير الجيش، وقد يدفعه إلى مقدم العسكر، وقد صرح جماعة من أهل اللغة بترادفهما. (وفي رواية لكل غادر لواء يوم القيامة بقدر غدره) أي طولاً وعرضاً في مقابلة غدره كمية وكيفية (ألا) للتنبيه (ولا غادر أعظم غدراً من أمير عامة) أي من غدر أمير عامة وهو من يستولي على الأمور بتقديم العوام من غير استحقاق ولا مشورة من أهل الحل والعقد، وعظم قدره لنقض العهد المشروع إذا الولاية برأي الخواص، وهو قد تولى ما لا يستعده ومنعه عمن يستحقه، فنقض بهذا عهد الله ورسوله وعهود المسلمين أيضاً بالخروج على إمامهم والتغلب على نفوسهم وأموالهم. قال النووي: فيه بيان غلظ تحريم الغدر لا سيما صاحب الولاية العامة لأن عذره يتعدى ضرره إلى خلق كثير، والمشهور أن هذا الحديث وارد في ذم الغادر وغدره للأمانة التي قلدها لرعيته والتزام القيام بها الحديث رقم ٣٧٢٦: أخرجه البخاري في صحيحه ٢٥٣/٦ الحديث رقم ٣١٨٦، ومسلم في ١٣٦١/٣ الحديث رقم (١٤ - ١٣٧٣٧) وأحمد في المسند ٣/ ٢٧٠. الحديث رقم ٣٧٢٧: أخرجه مسلم في صحيحه ١٣٦١/٣ الحديث رقم (١٥ - ١٧٣٨). ٢٧٥ كتاب الإمارة والقضاء/ باب ما على الولاة من التيسير رواه مسلم . الفصل الثاني ٣٧٢٨ - (٧) عن عمرو بنِ مُرَّةَ أَنَّهُ قالَ لمعاويةً: سمعتُ رسولَ اللهِوَّهِ يقولُ: ((مَنْ ولأَّهُ اللَّهُ شيئاً من أمرِ المسلمينَ، فاحتجبَ دونَ حاجتِهِم، وخَلَّتِهِم، وفقرهم؛ احتجبَ اللَّهُ دونَ حاجتهِ، وَخلَِّهِ، وفقرِهِ)). والمحافظة عليها، فمتى خانهم أو ترك الشفقة عليهم والرفق بهم فقد غدر بعهده، ويحتمل أن يكون المراد نهى الرعية عن الغدر بالإمام فلا يشق عليهم العصا، فلا يتعرض لما يخاف حصول فتنة بسببه؛ والصحيح الأول (رواه مسلم). (الفصل الثاني) ٣٧٢٨ - (عن عمرو بن مرة) بضم الميم وتشديد الراء. قال المؤلف: يكنى أبا مريم الجهني، ويقال: الأزدي، وشهد أكثر المشاهد وسكن الشام ومات في أيام معاوية روى عنه جماعة (أنه قال لمعاوية سمعت رسول الله * يقول من ولاه الله شيئاً من أمر المسلمين فاحتجب دون حاجتهم) أي امتنع من الخروج، أو من الإمضاء عند احتياجهم إليه، (وخلتهم) بفتح خاء معجمة فلام مشددة، أي وعرض شكايتهم عليه، (وفقرهم) أي ومسكنتهم ومسائلتهم لديه يعني احتقاراً بهم وعدم مبالاة بشأنهم، (احتجب الله دون حاجته وخلته وفقره) أي أبعده ومنعه عما يبتغيه من الأمور الدينية، أو الدنيوية، فلا يجد سبيلاً إلى حاجة من حاجاته الضرورية، ويؤيده ما رواه الطبراني عن ابن عمر مرفوعاً ((من ولي شيئاً من أمور المسلمين لم ينظر الله في حاجته حتى ينظر في حوائجهم)). قال القاضي: المراد باحتجاب الوالي أن يمنع أرباب الحوائج والمهمات أن يدخلوا عليه، فيعرضوها له ويعسر عليهم إنهاؤها واحتجاب الله تعالى أن لا يجيب دعوته، ويخيب آماله، والفرق بين الحاجة والحلة والفقر أن الحاجة ما يهتم به الإنسان وإن لم يبلغ حد الضرورة بحيث لو [لم] يحصل لا أختل به أمره، والخلة ما كان كذلك مأخوذ من الخلل، ولكن ربما لم يبلغ حد الاضطرار، بحيث لو لم يوجد لا امتنع التعيش، والفقر هو الاضطرار إلى ما لا يمكن التعيش دونه، مأخوذ من الفقار كأنه كسر فقاره. ولذلك فسَّر الفقير بالذي لا شيء له أصلاً، واستعاذ رسول الله و لتر من الفقر اهـ، والأظهر أنها ألفاظ متقاربة، وإنما ذكرها للتأكيد والمبالغة، وقال المظهر: يعني من احتجب دون حاجة الناس موخلتهم فعل الله به يوم القيامة ما فعل بالمسلمين. قال الطيبي: ولعل هذا الوجه أعني الحديث رقم ٣٧٢٨: أخرجه أبو داود في السنن ٣٥٧/٣ الحديث رقم ٢٩٤٨، والترمذي في ٦١٩/٣. الحديث رقم ١٣٣٢، وأحمد في المسند ٢٣١/٤. ٢٧٦ كتاب الإمارة والقضاء/ باب ما على الولاة من التيسير فجعلَ معاويةُ رجلاً على حوائج الناس. رواه أبو داود، والترمذي. وفي رواية له ولأحمَدَ: ((أغلقَ اللَّهُ أبوابَ السَّماءِ دونَ خَلَّتِهِ، وحاجتِهِ، ومسكنته)). الفصل الثالث ٣٧٢٩ - (٨) عن أبي الشَّماخ الأزديِّ، عن ابنِ عمَّ لهُ من أصحابِ النبيِّ وَّ، أنَّهُ أتى معاويةً، فدخلَ عليهِ، فقال: سمعتُ رسولَ اللهِ وَ لَ يقول: مَنْ وَليَ من أمر الناسِ شيئاً، ثمَّ أغلَقَ بابَهُ دونَ المسلمينَ، أو المظلوم، أو ذي الحاجةِ؛ أغلَقَ اللَّهُ دونَهُ أبوابَ رحمتِهِ عند حاجتِهِ وفقرهِ أفقرَ ما یکونُ إلیهِ)). مضر٠ ٥ التقييد بيوم القيامة أرجح، لأن الترقي في قوله: حاجته، وخَلْته، وفقره، في شأن الملوك والسلاطين يؤذن بسد باب فوزهم بمطالبهم، ونجاح حوائجهم بالكلية وليس إلا في العقبى، ونحوه قوله تعالى: ﴿كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون﴾ [المطففين - ١٥] تغليظاً عليهم وتشديداً. ولما كان جزاء المقسطين يوم القيامة أن يكونوا على منابر من نور عن يمين الرحمن، كان جزاء القاسطين البعد والاحتجاب عنهم، والإقناط عن مباغيهم، ويؤيده الحديث الذي يليه أفقر ما يكون (فجعل معاوية رجلاً على حوائج الناس) أي على تبليغها أو على قضائها؛ (رواه أبو داود) والترمذي، وفي رواية له أي للترمذي وأحمد أغلق الله أبواب السماء دون خلته وحاجته و مسکنته. (الفصل الثالث) ٣٧٢٩ - (عن أبي الشمّاخ رضي الله عنه) بتشديد الميم (الأزْدي) بفتح فسكون، لم يذكره المؤلف في أسمائه (عن ابن عم له من أصحاب رسول الله)، وفي نسخة من أصحاب النبي (وَلاقه أنه أتى معاوية، فدخل عليه، فقال: سمعت رسول الله وَ ل﴿ يقول: ((من وُلِي))) بضم واو فتشديد لام مكسورة، وفي نسخة بفتح فكسر لام مخفف (من أمر الناس) التعريف فيه لاستغراق الجنس، فيدخل فيه المسلم. والذمي، والمعاهد (شيئاً) أي من الأمور، أو الولاية، (ثم أغلق بابه)، عبارة عن الاحتجاب ونصب الحجاب أو كناية عن الامتناع عن قضاء مقصود المحتاجين بالباب، (دون المسلمين) أي والمسلم لا يمنع (أو المظلوم أو ذي الحاجة)، وفي نسخة صحيحة دون المسكين، والمظلوم، وذي الحاجة، وهو أنسب بالحديث السابق، ودال على أن أو في تلك الرواية للتنويع، والتفصيل، وأنه مطلقاً سواء كان مظلوماً أو ذا حاجة، أو غيره، لا يدخل إلا للتظلم أو لحاجة ماسَّة؛ (أغلق الله دونه أبواب رحمته عند حاجته وفقره). أي إلى الله تعالى في أمر الدنيا، أو العقبى، أو إلى مخلوق مثله في الدنيا حال كونه (أفقر ما يكون إليه)، الحديث رقم ٣٧٢٩: أخرجه البيهقي في شعب الإيمان ٢١/٦ الحديث رقم ٧٣٨٤ ٦٫٣/٨ ٢٧٧ كتاب الإمارة والقضاء/ باب ما على الولاة من التيسير ٣٧٣٠ _ (٩) وعن عمر بن الخطابِ [رضي الله عنه] أنَّهُ كانَ إِذا بعثَ عُمَّالَه شرطَ عليهم: أن لا تركبُوا برْذَوناً، ولا تأكلُوا نقيَّاً، ولا تلبسوا رقيقاً، ولا تُغْلِقُوا أبوابَكُم دونَ حوائجِ النَّاسِ، فإِن فعَلْتُم شيئاً مِنْ ذلكَ؛ فقد حلَّثْ بكم العقوبةُ، ثمَّ يشيّعهم. رواهما البيهقي في ((شعب الإيمان)). أي أحوج أوقات يكون مفتقراً إليه ومحتاجاً لديه. قال الطيبي رحمه الله (١): قد مر أنّ ما مصدرية، والوقت مقدّر، وأفقر حال من المضاف إليه في فقره، وجاز لأنه من إضافة المصدر إلى الفاعل، وليس هذا الافتقار الكلي في وقت من الأوقات إلاّ يوم القيامة، كما سبق في الحديث السابق. ٣٧٣٠ - (وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه كان إذا بعث عُمّاله) بضمّ عين وتشديد ميم جمع عامل أي حكامه (شرط عليهم أن لا تركبوا) بالخطاب حكاية للفظه، (برذَوناً) بكسر موحدة، وسكون راء، وفتح ذال معجمة، أي خيلاً تركياً. في المغرب؛ البرذون التركي من الخيل، والجمع البراذين، وخلافها العراب، والأنثى برذونة، قال الطيبي [رحمه الله]: إذا جعل العلة للنهي عن ركوب البراذين الخيلاء، والتكبر، كان النهي عن العراب أحرى وأولى. وقال الراغب الخيلاء أو التكبر عن تخيل فضيلة تراءت للإنسان من نفسه، ومنها تؤول لفظ الخيل، لما قيل: إنه لا يركب أحد فرساً إلا وجد في نفسه نحوه، (ولا تأكلوا نقياً) وهو ما نخل مرة بعد أخرى، (ولا تلبسوا رقيقاً، ولا تغلقوا أبوابكم دون حوائج الناس، فإن فعلتم شيئاً من ذلك فقد حلّت بكم العقوبة)، أي في الدنيا أو العقبى. قال الطيبي: فالنهي عن ركوب البرذون نهي عن التكبر، وعن أكل النقي ولبس الرقيق، نهي عن التنعم، والسرف، والنهي عن الاحتجاب نهي عن تقاعدهم عن قضاء حوائج الناس، والاشتغال عنهم بخويصة نفسه، (ثم يشيّعهم)، بتشديد التحتية المكسورة، وهو عطف على شرط والمشايعة مستحبة، لما روى الحاكم في مستدركه عن ابن عباس قال: ((مشى مع الغزاة رسول الله وَّه إلى بقيع الفرقد، حين وجههم ثم قال: ((انطلقوا على اسم الله، اللهم أعنهمّ)) (٢) (رواهما) أي الحديثين (البيهقي في شعب الإيمان). (١) في المخطوطة ((الخطابي)). الحديث رقم ٣٧٣٠: أخرجه البيهقي في شعب الإيمان ٢٤/٦ الحديث رقم ٧٣٩٤. ١٠ ٢٧٨ كتاب الإمارة والقضاء/ باب العمل في القضاء والخوف منه (٢) باب العمل في القضاء والخوف منه الفصل الأول ٣٧٣١ - (١) عن أبي بكرةَ، قال: سمعتُ رسولَ اللهَ وَلَه يقول: ((لا يَقْضَيَنَّ حَكمْ بینَ اثنین وهوَ غضبانُ)). متفق عليه. ٣٧٣٢ - (٢) وعن عبدِ الله بنِ عَمْرٍو، وأبي هريرةَ، قالا: قال رسول الله وَّو ((إذا حكمَ الحاكِمُ فاجتهدَ فأصابَ؛ فله أجرانٍ، وإِذا حكمَ فاجتهدَ فأخطأ؛ فلهُ أجرٌ واحدٌ». باب العمل في القضاء والخوف منه عطف على العمل والضمير في منه للقضاء. (الفصل الأوّل) ٣٧٣١ - (عن أبي بكرة رضي الله عنه. قال: سمعت رسول الله* يقول: ((لا يقضين))) أي لا يحكمن البتة (حكم) بفتحتين أي حاكم (بين اثنين) أي متخاصمين (وهو غضبان) بلا تنوين أي والحال أن [ذلك] الحكم في حال الغضب، لأنه لا يقدر على الاجتهاد والفكر في مسألتهما. قال المظهر: أي لا ينبغي للحاكم أن يحكم في حال الغضب، لأنه يمنعه عن الاجتهاد والفكر، وكذلك في الحر الشديد والبرد الشديد والجوع والعطش والمرض، فإن حكم في هذه الأحوال نفذ حكمه مع الكراهية، (متفق عليه). ٣٧٣٢ - (وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه) بالواو (وأبي هريرة قالا: قال رسول الله وَل: ((إذا حكم الحاكم فاجتهد))) عطف على الشرط على تأويل أراد الحكم (فأصاب) عطف على فاجتهد؛ وفي نسخة صحيحة بالواو أي وقع اجتهاده موافقاً لحكم الله (فله أجران) أي أجر الاجتهاد وأجر الإصابة، والجملة جزاء الشرط ((وإذا حكم فاجتهد فأخطأ))). وفي نسخة وأخطأ. ((فله أجر واحد)))؛ قال الخطابي: إنما يؤجر المخطىء على اجتهاده في طلب الحق الحديث رقم ٣٧٣١: أخرجه البخاري في صحيحه ١٣٦/١٣ الحديث رقم ٧١٥٨، ومسلم في ١٣٤٢/٣ الحديث رقم (١٦ - ١٧١٧) والترمذي في السنن ٦٢٠/٣ الحديث رقم ١٣٣٤، والنسائي في ٢٤٧/٨ الحديث رقم ٥٤٢١، وابن ماجه في ٢/ ٧٧٦ الحديث رقم ٢٣١٦، وأحمد في المسند ٣٦/٥. الحديث رقم ٣٧٣٢: أخرجه البخاري في صحيحه ٣١٨/١٣ الحديث رقم ٧٣٥٢، ومسلم في ١٣٤٢/٣ الحديث رقم ١٧١٦/١٥، والترمذي في السنن ٦١٥/٣ الحديث رقم ١٣٣٦، والنسائي في ٨/ ٢٢٣ الحديث رقم ٥٣٨١. ٢٧٩ كتاب الإمارة والقضاء/ باب العمل في القضاء والخوف منه متفق عليه . الفصل الثاني ٣٧٣٣ _ (٣) عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ اللهِ وَّرَ: ((من جُعِلَ قاضياً بينَ النَّاسِ؛ فقد ذُبحَ بغیرِ سکینٍ)). لأن اجتهاده عبادة، ولا يؤجر على الخطأ، بل يوضع عنه الإثم فقط، وهذا فيمن كان جامعاً لآلة الاجتهاد، عارفاً بالأصول، عالماً بوجوه القياس، فأما من لم يكن محلاً للاجتهاد، فهو متكلف، ولا يعذر بالخطأ بل يخاف عليه الوزر، ويدل عليه قوله ويثير: ((القضاة ثلاثة واحد في الجنة واثنان في النار))(١) وهذا إنما هو في الفروع المحتملة للوجوه المختلفة دون الأصول التي هي أركان الشريعة، وأمهات الأحكام التي لا تحتمل الوجوه، ولا مدخل فيها للتأويل، فإن من أخطأ فيها كان غير معذور في الخطأ، وكان حكمه في ذلك مردوداً. قال النووي: اختلفوا في أن كل مجتهد مصيب، أما المصيب واحد، وهو من وافق الحكم الذي عند الله تعالى، والآخر مخطىء؛ والأصل عند الشافعي وأصحابه، الثاني، لأنه سمي مخطئاً، ولو كان مصيباً لم يسم مخطئاً، وهو محمول على من أخطأ النص أو اجتهد فيما لا يسوغ فيه الاجتهاد. [ومن ذهب إلى الأول قال: قد جعل للمخطىء أجر، ولولا إصابته لم يكن له أجر، وهذا إذا كان أهلاً للاجتهاد] وأما من ليس بأهل حكم، فلا يحل له الحكم، ولا ينفذ، سواء وافق الحكم أم لا، لأن إصابته اتفاقية، فهو عاص في جميع أحكامه اهـ، ومذهب أبي حنيفة فيما لا يوجد بيانه في النصوص من الكتاب والسنة والإجماع، فلا إمكان له إلا بالقياس، فيكون كمتحري القبلة، فإنه مصيب وإن أخطأ، (متفق عليه). ورواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه عن عمرو بن العاص وأحمد والستة عن أبي هريرة رضي الله عنه. (الفصل الثاني) ٣٧٣٣ - (عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَلاغير: من جعل) بصيغة المجهول أي من جعله السلطان (قاضياً بين الناس فقد ذبح بغير سكين). قال الطيبي: يحتمل وجوهاً، الأول، قال القاضي: يريد به القتل بغيره كالخنق والتغريق والإحراق والحبس عن الطعام والشراب، فإنه أصعب وأشد من القتل بالسكين لما فيه من مزيد التعذيب وامتداد مدته. الثاني، أن الذبح إنما يكون في العرف بالسكين، فعدل به إلى غيره ليعلم أن الذي أراد به ما يخاف عليه من هلاك دينه دون هلاك بدنه. قال صاحب الجامع؛ قال التوربشتي: وشتان بين (١) يأتي في الحديث ٣٧٣٥. الحديث رقم ٣٧٣٣: أخرجه أبو داود في السنن ٥/٤ الحديث رقم ٣٥٧٢، والترمذي في ٦١٤/٣ الحديث رقم ١٣٢٥ وابن ماجه في ٧٧٤/٢ الحديث رقم ٢٣٠٨، وأحمد في المسند ٢٣٠/٢. ٢٨٠ كتاب الإمارة والقضاء/ باب العمل في القضاء والخوف منه رواه أحمد، والترمذي، وأبو داود، وابن ماجه. ٣٧٣٤ - (٤) وعن أنس، قال: قال رسولُ اللَّهِ وَلّهِ: ((مَن ابتغى القضاء وسألَ فيه شفعاء وُكُلَ إِلى نفسِهِ، ومن أَكْرِهَ عليهِ؛ أَنزّلَ اللَّهُ عليهِ ملكاً يُسدِّدُه)). رواه الترمذي، وأبو داود، وابن ماجه . الذبحين، فإن الذبح بالسكين عناء ساعة والآخر عناء عمر، يله ما يعقبه من الندامة يوم القيامة . الثالث، قال الأشرف: يمكن أن يقال: المراد به أن من جعل قاضياً فينبغي أن يموت جميع دواعيه الخبيثة وشهواته الرديئة، فهو مذبوح بغير سكين. قال الطيبي [رحمه الله]: فعلى هذا القضاء مرغوب فيه ومحثوث عليه، وعلى الوجهين الأولين تحذير على الحرص عليه، وتنبيه على التوقي منه، لما تضمن من الأخطار المردية. قال المظهر: خطر القضاء. كثير وضرره عظيم، لأنه قلما عدل القاضي بين الخصمين لأن النفس مائلة إلى من يحبه أو يخدمه أو من له منصب يتوقى جاهه أو يخاف سلطنته، وربما يميل إلى قبول الرشوة وهو الداء العضال. (رواه أحمد والترمذي وأبو داود وابن ماجه)؛ وكذا الحاكم في مستدركه(١) . :/ / ٣٧٣٤ - (وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَلّى: ((من ابتغى))) أي طلب في نفسه (القضاء) أي الحكومة الشاملة للإمارة (وسأل) أي وطلبه من الناس، وفي رواية: ((وسأل فيه شفعاء)» (وكل) بضم واو فكاف مخففة مكسورة (إلى نفسه) أي لم يعنه الله، وخلي مع طبعه وما اختاره لنفسه، (ومن أكره عليه) أي واختاره بحكم إجباره أو تعينه، معتقداً إن الخير فيما اختاره الله له. (أنزل الله عليه ملكاً) أي من حيث لا يعلم (يسدده) أي يحمله على السداد والصواب. قال الطيبي (رحمه الله]: وإنما جمع بين ابتغى وسأل إظهاراً لحرصه، فإن النفس مائلة إلى حب الرياسة وطلب الترفع على الناس، فمن منعها سلم من هذه الآفات، ومن اتبع هواها وسأل القضاء هلك، فلا سبيل إلى الشروع فيه إلا بالإكراه، وفي الإكراه قمع هوى النفس، فحينئذ يسدد ويوفق لطريق الصواب، وإلى هذا نظر من قال: ((من جعل قاضياً فينبغي أن يموت جميع دواعيه الخبيثة وشهواته الرديئة)) قلت: ويؤيده ما رواه الدارقطني والبيهقي والطبراني عن أم سلمة مرفوعاً ((من ابتلي بالقضاء بين المسلمين فليعدل بينهم في لحظه وإشارته ومقعده ومجلسه))(٢). وفي رواية أخرى للطبراني والبيهقي عنها أيضاً ((من ابتلي بالقضاء بين المسلمين فلا يرفع صوته على أحد الخصمين ما لا يرفع على الآخر)). (رواه الترمذي وأبو داود وابن ماجه). ٠٠٢٠٠٫٠٠: ٢٥٠٢٠٢٪١٧٠ (١) الحاكم في المستدرك ٤/ ٩١. الحديث رقم ٣٧٣٤: أخرجه أبو داود في السنن ٨/٤ الحديث رقم ٣٥٧٨، والترمذي في ٦١٤/٣ الحديث رقم ١٣٢٤، وابن ماجه في ٧٧٤/٢ الحديث رقم ٢٣٠٩. (٢) الدارقطني في السنن ٢٠٥/٤. ١٠٠٠