Indexed OCR Text
Pages 141-160
١٤١ كتاب الحدود ٣٥٦٧ - (١٣) وعن يزيدَ بنِ نُعيم، عن أبيهِ أنَّ ماعزاً أتى النبيِّ وَِّ فأقرَّ عندَهُ أربعَ مرَّاتٍ، فأمرَ برجمِهِ وقال لهزَّالٍ: ((لو سَتَرْتَهُ بثوبِكَ كانَ خيراً لك)) قال ابنُ المنكدرِ: إِن هزَّالاً أَمرَ ماعزاً أنْ يأتيَ النبيَّ وََّ فِيُخبرَهُ رواه أبو داود. نسب إليه لدرء الحد، فلما أقر أعرض عنه فجاءه من قبل اليمين بعدما كان مائلاً بين يديه، فأعرض عنه فجاءه من قبل الشمال يدل عليه حديث أبي هريرة، ثم جاءه من شقه الآخر وكل ذلك ليرجع عما أقر، فلما لم يجد فيه ذلك فقال: أَبه جنون؟ الخ ونظير سلوك ابن عباس في أخذ القصة أوّلها وآخرها ملخصاً قوله تعالى: ﴿كما أرسلنا إلى فرعون رسولاً فعصى فرعون الرسول فأخذناه أخذاً وبيلاً﴾ [المزمل - ١٦] فالفاء في فأخذناه كالفاء في فأمر به فرجم، فالفاء تستدعي حالات وتارات وشؤوناً لا تكاد تنضبط إلى أن تتصل إلى أوّل القصة من قوله: كما أرسلنا فعصى والله [تعالى] أعلم. وقال النووي في شرح مسلم: هكذا وقع في هذه الرواية، والمشهور في باقي الروايات أنه أتى النبي صلى الله [تعالى] عليه وسلم فقال: طهرني! قال العلماء: لا تناقض بين هذه الروايات، فيكون قد جيء به إلى النبي صلى الله [تعالى] عليه وسلم من غير استدعاء من النبي صلى الله [تعالى] عليه وسلم، وقد جاء في غير مسلم أن قومه أرسلوه إلى النبي صلى الله [تعالی] علیه وسلم، فقال النبي صلی الله (تعالى] علیه وسلم للذي أرسله: لو سترته بشوبك یا هزال لكان خيراً لك. وكان ماعز عنده هزال، فقال النبي صلى الله [تعالى] عليه وسلم لماعز بعد أن ذكر له الذين حضروا معه: ما جرى له أحق ما بلغني عنك الخ. ٣٥٦٧ - (وعن يزيد بن نعيم) بالتصغير (عن أبيه) أي هزال الأسلمي، يكنى أبا نعيم روى عنه ابنه نعيم، ومحمد بن المنكدر (أن ماعزاً أتى النبي وَلاغير، فأقر عنده أربع مرات) أي في أربعة مجالس، (فأمر برجمه) أي فرجم (وقال:) أي النبي صلى الله [تعالى] عليه وسلم (لهزال) بتشديد الزاي مبالغة هازل (لو سترته بثوبك كان خيراً لك! قال) وفي نسخة وقال (ابن المنكدر: إن هزالاً أمر ماعزاً أن يأتي النبي ◌َ لفر فيخبره)، وذلك لأن هزالاً كان له مولاة اسمها فاطمة وقع عليها ماعز، فعلم به هزال فأشار إليه بالمجيء إلى النبي صلى الله [تعالى] عليه وسلم، يريد به السوء والهوان قصاصاً لفعله بمولاته، كذا قيل: والأظهر أنه كان ذلك نصيحة له من هزال على ما سيروى في الحديث الثاني من الفصل الثالث (رواه أبو داود) قال ابن الهمام: أخرج البخاري عن أبي هريرة مرفوعاً ((من نفس عن مسلم كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب الآخرة، ومن ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه)»(١) وأخرج أبو داود والنسائي عن عقبة بن عامر عنه عليه الحديث رقم ٣٥٦٧: أخرجه أبو داود في السنن ٥٤١/٤ الحديث رقم ٤٣٧٨. (١) حديث أبو هريرة رضي الله تعالى عنه لم يخرجه البخاري وإنما أخرجه مسلم في صحيحه ٤/ ٢٠٧٤ الحديث رقم (٣٨ - ٢٦٩٩). وأبو داود في السنن ٢٣٥/٥ الحديث رقم ٤٩٤٦. مع زيادات وأخرجه الترمذي واللفظ له في ٢٦/٤ الحديث رقم ١٤٢٥. /١٠٠٦ ١٤٢ ٠٦١٢١ كتاب الحدود ٣٥٦٨ - (١٤) وعن عمروٍ بن شُعيبٍ، عن أبيهِ، عن جدِّهِ عبد الله بن عمرو بنِ العاص [رضي الله عنهما] أنَّ رسولَ الله وَلِّ قال: ((تعَافُوا الحدودَ فيما بينَكُم، فما بلَغَني من حدٍّ فقدْ وجَبَ)) رواه أبو داود، والنسائي. ٣٥٦٩ - (١٥) وعن عائشةً، أنَّ النبيَّ ◌َ ل﴿ قال: ((أقيلُوا ذوي الهيئاتِ عثراتِهِمْ إِلا الحُدودَ)). الصلاة والسلام قال: ((من رأى أي عورة فسترها كان كمن أحيا موؤدة))(١)، فإذا كان الستر مندوباً إليه ينبغي أن تكون الشهادة [به] خلاف الأولى، التي مرجعها إلى كراهة التنزيه لأنها في رتبة الندب في جانب الفعل، وكراهة التنزيه فى جانب الترك، وهذا يجب أن يكون بالنسبة إلى من لم يعتد الزنا ولم يتهتك به. أما إذا وصل الحال إلى إشاعته، والتهتك به بل بعضهم ربما، افتخر به فيجب كون الشهادة به أولى من تركها لأن مطلوب الشارع إخلاء الأرض من المعاصي والفواحش بالخطابات المفيدة لذلك، وذلك يتحقق بالتوبة من الفاعلين وبالزجر لهم، فإذا ظهر الشره في الزنا مثلاً والشرب وعدم المبالاة [به] وإشاعته وإخلاء الأرض، المطلوب حينئذ بالتوبة احتمال يقابله ظهور عدمها مما اتصف بذلك، فيجب تحقق السبب الآخر للإخلاء، وهو الحدود بخلاف [من] زل مرة أو مراراً مستتراً متخوّفاً متندماً عليه، فإنه محل استحباب ستر الشاهد. وقوله عليه الصلاة والسلام لهزال في ماعز: ((لو كنت سترت بثوبك)) الحديث كان في مثل من ذكرنا، والله [تعالى] أعلم. ٣٥٦٨ - (وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله ﴿ قال: تعافوا) أمر من التعافي، والخطاب لغير الأئمة، أي ((ليعف بعضكم عن بعض)) (الحدود فيما بينكم)، أي قبل أن يبلغني ذلك، (فما بلغني من حد فقد وجب) أي ((فوجب عليّ إقامته عليكم)) وفيه أن الإمام لا يجوز له العفو عن حدود الله، إذا رفع الأمر إليه، وهو بإطلاقه يدل على أن ليس للمالك أن يجري الحد على مملوكه، بل يعفو عنه، [أو] يرفع إلى الحاكم أمره، فإنه داخل تحت هذا الأمر وهو الاستحباب، (رواه أبو داود والنسائي). ٣٥٦٩ - (وعن عائشة، أن النبي وسلم قال: ((أقيلوا))) أمر من الإقالة، (ذوي الهيئات عثراتهم) بفتحتين، أي زلاتهم (إلا الحدود) أي إلا ما يوجب الحدود، والخطاب مع الأئمة أما البخاري فقد أخرج عن ابن عمر في صحيحه «المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يُسلمه ومن ۔ كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه كربة من كربات القيامة. ومن ستر مسلماً ستره الله يوم القيامة)) ٩٧/٥ الحديث رقم ٢٤٤٢. (١) أخرجه أبو داود في السنن ٥/ ٢٠٠ الحديث رقم ٤٨٩١. الحديث رقم ٣٥٦٨: أخرجه أبو داود في السنن ٤/ ٥٤٠ الحديث رقم ٤٣٧٦. والنسائي في ٨/ ٧٠ ٣٥٫٦٤ الحدیث رقم ٤٨٨٥. الحديث رقم ٣٥٦٩: أخرجه أبو داود في السنن ٤ / ٥٤٠ الحديث رقم ٤٣٧٥. وأحمد في المسند ١٨١/٦. ٠٫١١٥٥ / ٣٢٠٠ ٤٫٢٢٣٧ ١٤٣ كتاب الحدود رواه أبو داود. ٣٥٧٠ _ (١٦) وعنها، قالت: قال رسولُ اللهِ وَله: ((اذرَؤوا الحدودَ عن المسلمينَ ما استطعتُم فإِن كانَ لهُ مخرَجْ فخَلُوا سبيلَهُ، فإِنَّ الإِمامَ أنْ يُخطىء في العفوِ خيرٌ مِنْ أن يُخطىءَ في العقوبةِ)). وغيرهم من ذوي الحقوق، ممن يستحق المؤاخذة والتأديب عليها، وأراد من العثرات ما يتوجه فيه التعزير لإضاعة حق من حقوق الله، ومنها ما يطالب به من جهة العبد، فأمر الفريقين بذلك ندب واستحباب بالتجافي عن زلاتهم، ثم إن أريد بالعثرات الصغائر، وما يندر عنهم من الخطايا، فالاستثناء منقطع أو الذنوب مطلقاً، وبالحدود ما يوجبها من الذنوب فهو متصل. وقال الشافعي في تفسير ذوي الهيئة: ((هو من لم يظهر منه ذنبه)). وقال ابن الملك: ((الهيئة الحالة التي يكون عليها الإنسان من الأخلاق المرضية)). وقال القاضي: ((الهيئة في الأصل صورة أو حالة تعرض لأشياء متعددة فيصير بسببها مقولاً عليها إنها واحدة، ثم يطلق على الخصلة)) فيقال: لفلان هيئات، أي خصال والمراد بذوي الهيئات أصحاب المروءات والخصال الحميدة، وقيل: ذوو الوجوه بين الناس أهم، والمعنى بهم الاشراف، وقيل: أهل الصلاح والورع. وقيل: كأنه عليه الصلاة والسلام خاف تغير الزمان وميل الناس إلى المداهنة مع الأكابر في التجاوز والستر إلى أن يتركوا إقامة الحدود عليهم وعلى من يلازمهم خوفاً منهم أو طمعاً فيهم، فأمرهم أن يقيموا الحدود عليهم كما يقيمون على السوقة، فإن وقع العفو فليقع فيما لا يوجب الحد، فأتى ◌َله بأسلوب لطيف حتى لا يتأذى الأكابر بتصريح العبارة، والله تعالى أعلم بالمراد (رواه أبو داود) وكذا أحمد والبخاري في الأدب، ورواه ابن عدي عن ابن عباس، ولفظه: ((ادرؤوا الحدود بالشبهات وأقيلوا الكرام عثراتهم إلا في حد من حدود الله)). ٣٥٧٠ - (وعنها) أي عن عائشة (قالت: قال رسول الله وَلافيه: ((ادرؤوا))) بفتح الراء، أمر من الدرء، أي: ادفعوا (الحدود) أي: إيقاعها (عن المسلمين ما استطعتم) أي مدة استطاعتكم وقدر طاقتكم، (فإن كان له) أي للحد، المدلول عليه بالحدود (مخرج) اسم مكان، أي عذر يدفعه (فخلوا سبيله)، أي اتركوا إجراء الحد على صاحبه، ويجوز أن يكون ضمير له، للمسلم المستفاد من المسلمين، ويؤيده ما ورد في رواية: ((فإن وجدتم للمسلم مخرجاً» فالمعنى: اتركوه أو لا تتعرضوا له، (فإن الإمام أن يخطىء) أي خطؤه (في العفو) مبتدأ خبره (خير من أن يخطىء في العقوبة)، والجملة خبر إن ويؤيده ما في رواية لأن يخطىء بفتح اللام، وهي لام الابتداء، وقال المظهر: بأن يخطىء أو لأن يخطىء، إشارة إلى حذف باء السببية أو لام العلة، لكن لا يظهر له وجه بل ولا معنى، فتأمل ثم قال يعني: ادفعوا الحدود ما استطعتم قبل أن تصل إلي، فإن الإمام إذا سلك سبيل الخطأ في العفو الذي صدر منكم، خير من أن يسلك سبيل الخطأ في الحدود، فإن الحدود [إذا وصلت إليه وجب عليه الانفاذ. قال الطيبي: نزل الحديث رقم ٣٥٧٠: أخرجه الترمذي في السنن ٢٥/٤ الحديث رقم ١٤٢٤. ١٤٤ كتاب الحدود رواه الترمذي، وقال: قذ روي عنها ولم يُرفَغ وهو أصحُ. معنى هذا الحديث على معنى الحديث السابق وهو تعافوا الحدود] فيما بينكم فما بلغني من حد فقد وجب)) وجعل الخطاب في الحديث لعامة المسلمين، ويمكن أن ينزل على حديث أبي هريرة في قصة رجل، وبريدة في قصة ماعز، فيكون الخطاب للأمة لقوله وَلقه للرجل: ((أبك جنون)) ثم قوله: ((أحصنت، ولماعز أبه جنون)) ثم قوله: ((أشرب)) لأن كل هذا تنبيه على أن للإمام أن يدرأ الحدود بالشبهات. قلت: هذا التأويل متعين، والتأويل الأوّل لا يلائمه قوله، فإن كان له مخرج فخلوا سبيله، فإن عامة المسلمين مأمورون بالستر مطلقاً، ولا يناسبه أيضاً لفظ خير كما لا يخفى، فالصواب أن الخطاب للأمة، وإنه ينبغي لهم أن يدفعوا الحدود بكل عذر، مما يمكن أن يدفع به، كما وقع منه عليه الصلاة والسلام لماعز وغير من تلقين الأعذار، وتفتيش مخارج الأوزار، ثم بالغ مبالغة بليغة بقوله فإن الإمام الخ. وأشار إلى أنه إذا وقع لأجل الدرء في الخطأ المتعلق بالعفو خير من وقوعه في الخطأ المتعلق بجانب العقوبة لما في سعة فضل الله تعالى، وللاحتياط في جانب البريء أن لا يضرب، ولا يقتل، فتأمل قال الطيبي، فيكون قوله فإن الإمام مظهر أقيم مقام المضمر على سبيل الالتفات من الخطاب إلى الغيبة، حثاً على إظهار الرأفة، قلت: الظاهر أن تقدير الكلام، فإن الإمام منكم أو إمامكم على أن اللام بدل من المضاف إليه، فكأنه قال: فإن واحداً منكم سبيل عفوه بعذر خير من طريق عقوبته من غير عذر. (رواه الترمذي وقال): أي الترمذي (وقد روي) أي هذا الحديث (عنها ولم يرفع)، أي هذا الحديث، والمعنى أنه موقوف على عائشة، (وهو) أي الوقف، (أصح) أي من رفعه، والمراد أن سند الموقوف أصح من سند المرفوع، وقد رواه ابن أبي شيبة والحاكم، وصححه، والبيهقي في شعبه عن عائشة مرفوعاً بلفظ: ((ادرؤوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم، فإن وجدتم للمسلم مخرجاً، فخلوا سبيله فإن الإمام لأن يخطىء في العفو خير من أن يخطىء في العقوبة)) (١). ورواه الدارقطني والبيهقي بإسناد حسن، عن علي مرفوعاً ((ادرؤوا الحدود)»(٢) ولا ينبغي للإمام تعطيل الحدود، ورواه ابن ماجه عن أبي هريرة ((ادفعوا الحدود عن عباد الله ما وجدتم له مدفعاً))(٣). قال ابن الهمام: ومما يدرأ الحد أن لا يعلم أن الزنا حرام، ونقل في اشتراط العلم بحرمة الزنا إجماع الفقهاء، واستدل عليه بما رواه أبو يعلى في مسنده من حديث أبي هريرة عنه عليه الصلاة والسلام ((ادرؤوا الحدود ما استطعتم)) وما أخرجه الترمذي الحديث الذي في الأصل قال: وقال الترمذي: لا نعرفه مرفوعاً إلا من حديث محمد ابن ربيعة عن يزيد بن زياد ويزيد ضعيف. وأسند في علله عن البخاري يزيد منكر الحديث ذاهب، وصححه الحاكم، وتعقبه الذهبي به. قال البيهقي: والموقوف أقرب إلى الصواب، ولا (١) أخرجه الحاكم في المستدرك ٤/ ٣٨٤. (٢) الدارقطني في السنن ٨٤/٣. (٣) أخرجه ابن ماجه في السنن ٢/ ٨٥٠ الحديث رقم ٢٥٤٥. ١٤٥ كتاب الحدود شك أن هذا الحكم وهو درء الحد مجمع عليه وهو أقوى، وكان ذكر هذه الأحاديث ذكر المستند الإجماع. وفي مسند أبي حنيفة عن مقسم عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى عليه تعالى وسلم: ((ادرؤا الحدود بالشبهات))(١) وأسند ابن أبي شيبة عن إبراهيم هو النخعي قال: قال عمر بن الخطاب: ((لأن أعطل الحدود بالشبهات أحب إليّ من أن أقيمها بالشبهات)). وأخرج عن معاذ وعبد الله بن مسعود وعقبة بن عامر قالوا: إذا اشتبه عليك الحد نادراً. ونقل ابن حزم عن أصحابه الظاهرية، أن الحد بعد ثبوته لا يحل أن يدرأ بشبهة، وشنع بأن الآثار المذكورة لإثبات الدرء بالشبهات ليس فيها عن رسول الله صلى الله عليه تعالى وسلم شيء، بل عن بعض الصحابة، من طرق لا خير فيها، وأعل ما عن ابن مسعود مما رواه عبد الرزاق عنه بالإرسال، وهو غير رواية ابن أبي شيبة، فإنها معلولة بإسحاق بن أبي فروة. وأما التمسك بما في البخاري، من قوله عليه الصلاة السلام: ((ومن اجترأ على ما يشك فيه من الإثم أوشك أن يواقع ما استبان(٢) والمعاصي حمى الله تعالى، ومن يرتع حول الحمى يوشك أن يقع فيه))، فإنما معناه إن من جهل حرمة شيء وحله، فالورع أن يمسك عنه، ومن جهل وجوب أمر وعدمه، فلا يوجبه، أوجب الحد أم لا، وجب أن يقيمه. ونحن نقول: إن الإرسال لا يقدح وإن الموقوف في هذا له حكم المرفوع، لأن إسقاط الواجب بعد ثبوته بشبهة خلاف مقتضى العقل، بل مقتضاه أن بعد تحقق الثبوت، لا يرتفع بشبهة فحيث ذكر صحابي حمل على الرفع، وأيضاً في إجماع فقهاء الأمصار على أن الحدود تدرأ بالشبهات كفاية، ولذا قال بعض الفقهاء: هذا الحديث متفق عليه. وأيضاً تلقته الأمة بالقبول، ففي تتبع المروي عن النبي وَل والصحابة ما يقطع في المسألة فقد علمنا أنه عليه الصلاة والسلام قال لماعز: ((لعلك قبلت، لعلك غمزت، لعلك لمست)). كل ذلك يلقنه أن يقول: نعم، بعد إقراره بالزنا، وليس لذلك فائدة إلا كونه إذا قالها تركه وإلا فلا فائدة، ولم يقل لمن اعترف عنده بدين، لعله كان وديعة عندك فضاعت ونحوه، وكذا قال للسارق الذي جيء به إليه: ((أسرقت، ما أخاله سرق)). والغامدية نحو ذلك، وكذا قال علي لشراجه: لعله استكرهك، لعله وقع عليك وأنت نائمة، لعل مولاك زوجك منه وأنت تكتمينه، وتتبع مثله عن كل أحد يوجب طولاً. فالحاصل من هذا كله، كون الحد يحتال في درئه بلا شك، ومعلوم أن هذه الاستفسارات المفيدة لقصد الاحتيال للدرء، كلها كانت بعد الثبوت، لأنه كان بعد صريح الإقرار، وبه الثبوت، وهذا هو الحاصل [من هذه الآثار، ومن] قوله: ادرؤوا الحدود بالشبهات. فكان هذا المعنى مقطوعاً بثبوته من جهة الشرع، فكان الشك فيه شكاً، فلا يلتفت إليه ولا يعوّل عليه، وإنما يقع الاختلاف أحياناً في بعض أهي شبهة صالحة للدرء أو لا، وبين الفقهاء في تقسيمها وتسميتها اصطلاحاً إلى آخر ما ذكره المحقق والله الموفق. (١) مسند أبي حنيفة رضي الله عنه ص١٨٦. (٢) أخرجه البخاري في صحيحه ٢٩٠/٤ الحديث رقم ٢٠٥١. ٠٫٠٠٠ ١٤٦ كتاب الحدود ٣٥٧١ - (١٧) وعن وائل بنُ حجرٍ، قال: استُكْرِهَتِ امرأةٌ على عهد رسول الله وَله فدَرَأَ عنها الحدَّ، وأقامَهُ على الذي أصابَها، ولم يذكر أنَّهُ جعلَ لها مَهْراً. رواه الترمذي. ٣٥٧٢ - (١٨) وعنه: أنَّ امرأةً خرجتْ على عهدِ النبيِّ وَّو تريدُ الصلاةَ، فتلقّاها رجُلٌ فتجللهَا، فقضَى حاجَتَهُ منها، فصاحتْ وانطلَقَ، ومرَّتْ عصَابةٌ من المهاجرينَ فقالت: إِنَّ ذلكَ الرجلَ فعلَ بي كذا وكذا، فأخذُوا الرجُلَ، فأَتَوْا بِهِ رسولَ اللهِوَلَهِ، فقالَ لها: ((اذهبي فقَدْ غفَرَ اللَّهُ لَكِ)) وقال للرجلِ الذي وقع عليها: ((ارْجُموهُ)) وقال: ((لقدْ تابَ توبةً لو تَابَها أهلُ المدينةِ لقُبلَ منهم)). ٣٥٧١ - (وعن وائل بن حجر) بضم حاء مهملة، وسكون جيم وبالراء، كذا ضبطه المصنف، وقد سبق ذكره. (قال: استكرهت امرأة) بصيغة المجهول، أي جامعها رجل بالإكراه، (على عهد النبي) أي في زمانه (صلى الله عليه وسلم فدرأ)، أي منع (عنها الحد وأقامه على الذي أصابه) أي جامعها. (ولم يذكر) أي الراوي. وفي نسخة بصيغة المجهول، أي ولم يذكر في الحديث (أنه) أي النبي ◌َّر (جعل لها مهراً)، أي على مجامعها. قال المظهر وكذا ابن الملك: لا يدل هذا على عدم وجوب المهر لأنه ثبت وجوبه لها بإيجابه وَ لير (١) في أحاديث أخر، (رواه الترمذي). ٣٥٧٢ - (وعنه) أي عن وائل: (أن امرأة خرجت على عهد النبي ◌َّفير تريد الصلاة) حال أو استئناف تعليل (فتلقاها رجل)، أي فقابلها (فتجللها): أي فغشيها بثوبه، فصار کالجل عليه، (فقضى حاجته منها). قال القاضي: أي غشيها وجامعها كني به عن الوطء كما كني عنه بالغشيان، (فصاحت): أي بعد تخليتها (وانطلق): أي الرجل (ومرت عصابة) بكسر أوّله، أي جماعة قوية (من المهاجرين فقالت: إن ذلك الرجل فعل بي كذا)، أي من الغشيان (وكذا)، أي من قضاء الحاجة، (فأخذوا الرجل، فأتوا به رسول الله وَلقر فقال لها: ((اذهبي فقد غفر الله لك))) لكونها مكرهة (وقال): أي لأصحابه (للرجل الذي وقع عليها) أي في حقه (((ارجموه)) ومعناه أنه أقر بالزنا، فأمر برجمه فرجموه لكونه محصناً. (وقال: لقد تاب توبة)، أي باعترافه أبو بإجراء حده، (لو تابها) أي لو تاب مثل توبته (أهل المدينة)، أي أهل بلد فيهم عشار، وغيره من الظلمة (لقبل منهم). وقال ابن الملك: لو قسم هذا المقدار من التوبة على أهل المدينة لكفاهم. اهـ ولا يخفى أنه ليس تحته شيء من المعنى، فإن التوبة غير قابلة للقسمة والتجزئة، فأما ما ورد استغفروا لماعز بن مالك لقد تاب توبة لو قسمت بين أمة لوسعتهم، فلعله محمول الحديث رقم ٣٥٧١: أخرجه الترمذي في السنن في ٤/ ٤٥ الحديث رقم ١٤٥٣. وابن ماجه الحديث رقم ٢٥٩٨. وأحمد في المسند ٣١٨/٤. (١) في المخطوطة ((رسول الله (وَليتر)). الحديث رقم ٣٥٧٢: أخرجه أبو داود في السنن ٥٤١/٤ الحديث رقم ٤٣٧٩. والترمذي في ٤/ ٤٥ الحديث رقم ١٤٥٣. وأحمد في المسند ٣٩٩/٦. / ١٫١٢٠٢ ١٤٧ كتاب الحدود رواه الترمذي، وأبو داود. ٣٥٧٣ _ (١٩) وعن جابرِ: أنَّ رجُلاً زنى بآمرأةٍ فأمرَ بهِ النبيُّ نَّهِ فِجُلِدَ الحدَّ، ثم أُخبرَ أنَّه مُحصَنٌ فأمرَ بهِ فرُچِمَ. رواه أبو داود. ٣٥٧٤ - (٢٠) وعن سعيد بن سعد بنِ عُبادة، أنَّ سعدَ بنَ عُبادةً أتى النبيَّ وَّهِ برجُلِ - كانَ في الحيِّ - مخدجِ سقيم، فوُجِدَ على أمةٍ من إمائِهم يخبُثُ بها فقال النبيُّ وَّه : ((خُذُوا له ◌ِثْكالاً فيهِ مائةٌ شِمرَاخٍ على المبالغة أو على التأويل الذي ذكرنا والله [تعالى] أعلم، (رواه الترمذي وأبو داود) وكذا النسائي . ٣٥٧٣ - (وعن جابر أن رجلاً زنى بامرأة، فأمر به النبي ◌َّقر فجلد) بصيغة المجهول أي فضرب (الحد) بالنصب على أنه مفعول مطلق. قال الطيبي: قوله فأمر ليس خبر الأول وإن كان اسمها نكرة موصوفة لعدم شيوعه، وإبهامه بل هو معطوف على محذوف هو خبر أن، أي أخبر به النبي # فأمر بقرينة قوله أخبر اهـ، وهو تكلف مستغنى عنه، والظاهر أن زنى خبر أن، وقوله فأمر عطف عليه، وهو يحتمل أنه أخبر بأنه غير محصن، ويحتمل أنه ما وقع أخبار، وإنما ظن ظناً، ولعل هذا كان في أول الأمر، (ثم أخبر أنه محصن) بفتح الصاد ويكسر (فأمر به فرجم)، فيه دليل على أن أحد الأمرين لا يقوم مقام الآخر، وعلى أن الإمام إذا أمر بشيء من الحدود، ثم بان له أن الواجب غيره، عليه المصير إلى الواجب الشرعي. ذكره الأشرف وتبعه ابن الملك لكن قوله أحد الأمرين لا يقوم مقام الآخر لا يصح على إطلاقه، إذ الرجم يقوم مقام الجلد صورة ومعنى، فإنه لا شك في أنه يكفره مع الزيادة، (رواه أبو داود). ٣٥٧٤ - (وعن سعيد بن عبادة). لم يذكره المؤلف في أسمائه (إن سعد بن عبادة) بضم أوله وتخفيف الموحدة قال المؤلف: يكنى أبا ثابت الأنصاري الساعدي الخزرجي، كان أحد النقباء الاثني عشر، وكان سيد الأنصار مقدماً فيهم وجيهاً، له رياسة وسيادة تعترف له قومه بها. روى عنه نفر يقال: إن الجن قتلته لأنهم لم يختلفوا أنه وجد ميتاً في مغتسله، وقد أحضر جسده، ولم يشعروا بموته حتى سمعوا قائلاً يقول: ((ولا يرون أحداً: قد قتلنا سيد الخزرج سعد بن عبادة ورميناه بسهم فلم يخطه فؤاده. (أتى النبي) أي جاءه (وَّ ر وسلم برجل كان في الحي)، أي في القبيلة (مخدج)، مجرور بصيغة المجهول أي ناقص الخلقة، (سقيم) أي مريض لا يرجى برؤه لما سبق (فوجد) أي الرجل (على أمة من إمائهم يخبث)، بضم الموحدة أي يزني بها، فإن الزنا من خبيث الفعل، (فقال النبي وَلقر: ((خذوا له عثكالاً))) بكسر أوله أي كباسة وهي للرطب بمنزلة العنقود للعنب، (فيه مائة شمراخ) بكسر أوله وهو ما عليه الحديث رقم ٣٥٧٣: أخرجه أبو داود في السنن ٥٨٦/٤ الحديث رقم ٤٤٣٨. الحديث رقم ٣٥٧٤: أخرجه ابن ماجه في السنن ٨٥٩/٣ الحديث رقم ٢٥٧٤ وأحمد في المسند ٢٢٢/٥. ١٤٨ كتاب الحدود فاضربوهُ ضربةً)). رواه في ((شرح السنة)) وفي رواية ابن ماجه نحوه. البسر من عيدان الكباسة. وقال الطيبي: العشكال الغصن الكبير الذي يكون عليه أغصان صغار، ويسمى كل واحد من تلك الأغصان شمراخاً (فاضربوه) أي بها، كما في نسخة (ضربة) أي واحدة، لكن بحيث يصل [أثر] ضرب المائة جميعها إلى بدنه، (رواه في شرح السنة وفي رواية ابن ماجه نحوه). قال ابن الملك: هذا الحديث غير معمول به لمخالفته النص، وهو قوله تعالى: ﴿ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله﴾ [النور - ٢] والضرب على هذا الوجه من جملة الرأفة اهـ. وهو خطأ تفسيراً وحديثاً وفقهاً، أما لتفسير فمعنى قوله تعالى: ﴿ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله﴾ أي في طاعته، وإقامة حده، فتعطلوه أو تسامحوا فيه. ولذلك قال عليه الصلاة والسلام على ما رواه الستة: ((لو سرقت فاطمة بنت محمد لقطعت يدها))(١). كذا قاله البيضاوي. وفي المعالم اختلفوا في معنى الآية، فقال قوم: ((لا تأخذكم بهما رأفة فتعطلوا الحدود ولا تقيموها)) وهذا قول مجاهد وعكرمة وعطاء وسعيد بن جبير والنخعي والشعبي، وقال جماعة معناها: ولا تأخذكم بهما رأفة فتخففوا الضرب، ولكن أوجعوهما ضرباً، وهو قول سعيد بن المسيب والحسن وروي أن عبد الله بن عمر جلد جارية له زنت فقال للجلاد: اضرب ظهرها ورجليها، فقال له ابنه: ﴿ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله﴾، فقال يا بني: إن الله لم يأمرني بقتلها وقد ضربت فأوجعت اهـ. ومن المعلوم أن المريض الشديد الذي لا يرجى برؤه لو ضرب ضرباً وجيعاً لمات، ولم يؤمر بقتله ﴿ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها﴾ [البقرة - ٢٨٦] وما لم يدرك كله لا يترك كله، فهذا هو الحيلة مراعاة للمجانبين كما قال تعالى لأيوب عليه الصلاة والسلام، وكان قد حلف أن يضرب امرأته مائة سوط لما توهم أنها تستحق الضرب، فأمره الله تعالى بقوله: ﴿خذ بيدك ضغئاً﴾ [ص - ٤٤] وهو ملء الكف من الشجر أو الحشيش، فاضرب به لعدم استحقاقها الضرب المتعارف، ولا تحنث في يمينك، فأخذ ضغثاً يشتمل على مائة عود صغار فضربها به ضربة واحدة. وأما الحديث فتبين لك من التفسير أن الحديث لا يخالف الآية مع أن الآية ليس فيها نص على مقصوده كما توهم، وأما الفقه، فقد تقدم نقل الإمام ابن الهمام عن مذهبنا ومذهب الشافعي خصوص هذه المسألة(٢)، قال القاضي: فيه دليل على أن الإمام ينبغي أن يراقب المجلود ويحافظ على حياته، وإن حد المريض لا يؤخر إلا إذا كان له أمر مرجوّ كالحيل، لحديث علي رضي الله عنه. وقال مالك وأصحاب أبي حنيفة: يؤخر الحد إلى أن يبرأ. وقد عد الحديث من المراسيل فإن سعيداً لم يدرك النبي وَلتر، ولم يذكر أنه سمعه من أبيه أو (١) راجع الحديث رقم (٣٦١٠). قال ابن الهمام في فتح القدير « ولو كان المرض لا يرجى زواله كالسل أو كان خدلجا ضعيف الخلقة (٢) فعندنا وعند الشافعي يضرب بعثكال فيه مائة شمراخ فيضرب به دفعة. وقد سمعت في كتاب الإيمان أنه لا بد من وصول كل شمراخ إلى بدنه ... )) [٢٩/٥]. ..... ١٤٩ أ. د. 54:7 كتاب الحدود ٣٥٧٥ _ (٢١) وعن عِكْرمَةَ، عن ابنِ عبَّاسٍ، قال: قال رسول الله وَلّى: (منْ وجدتمُوهُ يعملُ عملَ قوم لوطٍ فاقتُلُوا الفاعِلَ والمفعولَ به)). رواه الترمذي وابن ماجه. ٣٥٧٦ - (٢٢) وعن ابن عبّاس قال: قال رسولُ اللهِ وَّر: ((من أتي بهيمةً فاقتلوهُ واقتلُوها معَهُ)) قيلَ لابنِ عبَّاسٍ: ما شأنُ البهيمةِ؟. غيره، وهو وإن كان كذلك، فهم محجوجون به، إذ المراسيل مقبولة عندهم، قلت: نعم، المراسيل حجة عندنا وعند الجمهور، وقد علمت أنه إنما لم يؤخر لأنه لم یکن يرجى برؤه. ٣٥٧٥ - (وعن عكرمة عن ابن عباس قال: قال رسول الله وَلخير: ((من وجدتموه))) أي علمتموه (يعمل عمل قوم لوط: ((فاقتلوا الفاعل والمفعول به))). في شرح السنة اختلفوا في حد اللوطي، فذهب الشافعي في أظهر قوليه، وأبو يوسف، ومحمد إلى أن حد الفاعل حد الزنا، أي إن كان محصناً يرجم وإن لم يكن محصناً يجلد مائة، وعلى المفعول به عند الشافعي على هذا القول جلد مائة وتغريب عام رجلاً كان أو امرأة، محصناً أو غير محصن، لأن التمكين في الدبر لا يحصنها، فلا يحصنها حد المحصنات، وذهب قوم إلى أن اللوطي يرجم محصناً كان أو غير محصن، وبه قال مالك وأحمد، والقول الآخر للشافعي: أنه يقتل الفاعل والمفعول به كما هو ظاهر الحديث. وقد قيل في كيفية قتلهما، هدم بتاء عليهما، وقيل رميهما من شاهق كما فعل بقوم لوط. وعند أبي حنيفة يعزر ولا يحد اهـ. وقيل: يقتل بالضرب، وقيل: الحديث محمول على مجرد التهديد من غير قصد إيقاع القتل، لأن الضرب الأليم قد يسمى قتلاً، ونقل كمال باشا عن شرح الجامع الصغير إن الرأي فيه إلى الإمام إن شاء قتله إن اعتاده، وإن شاء ضربه وحبسه. (رواه الترمذي وابن ماجه). ٣٥٧٦ - (وعنه) أي عن عكرمة (عن ابن عباس). وفي نسخة، وعن ابن عباس(١) (قال: قال رسول الله ◌َّلجر: ((من أتى بهيمة فاقتلوه))): أي فاضربوه ضرباً شديداً. أو أراد به وعيداً أو تهديداً. (واقتلوها معه) قيل: لئلا يتولد منها حيوان على صورة إنسان، وقيل: كراهة أن يلحق صاحبها خزي في الدنيا لابقائها، وفي شرح المظهر قال مالك والشافعي في أظهر قوليه وأبو حنيفة وأحمد: أنه يعزر. وقال اسحاق: يقتل إن عمل ذلك مع العلم بالنهي، والبهيمة قيل: إن كانت مأكولة تقتل، وإلا فوجهان، القتل لظاهر الحديث، وعدم القتل للنهي عن ذبح الحيوان إلا لأكله. (قيل لابن عباس ما شأن البهيمة) أي إنها لا عقل لها ولا تكليف عليها، فما بالها تقتل، الحديث رقم ٣٥٧٥: أخرجه أبو داود في السنن ٤/ ٦٠٧ الحديث رقم ٤٤٦٢. والترمذي في ٤ / ٤٧ الحديث رقم ١٤٥٦ وأخرجه ابن ماجه في السنن ٨٥٦/٢ الحديث رقم ٢٥٦١. وأحمد في المسند ٣٠٠/١. الحديث رقم ٣٥٧٦: أخرجه أبو داود في السنن ٦٠٩/٤ الحديث رقم ٤٤٦٤. والترمذي في ٤٦/٤ الحديث رقم ١٤٥٥. وابن ماجه في ٨٥٦/٢ الحديث رقم ٢٥٦٤ وأحمد في المسند ٣٠٠/١. (١) وهي نسخة المتن. ١٥٠ كتاب الحدود قال: ما سمعتُ من رسولِ اللهِوَ ﴿ في ذلكَ شيئاً، ولكنْ أراهُ كَرِهَ أنْ يؤكّلَ لحمُها أو يُنتَفَعَ بها وقَدْ فُعِلَ بها ذلك. رواه الترمذي، وأبو داود، وابن ماجه. ٣٥٧٧ _ (٢٣) وعن جابرٍ، قال: قال رسول الله وَله: ((إِنَّ أخوفَ ما أخافُ على أُمَّتي عملُ قومٍ لوطِ)). رواه الترمذي، وابنُ ماجه. ٣٥٧٨ - (٢٤) وعن ابنِ عبَّاسٍ: أنَّ رَجُلاً من بني بكر بنِ ليثٍ أتى النبيِّ وَ لّ فأقرَّ أنَّهُ زنى بامرأةٍ أربعَ مرَّات، فجلَدهُ مائةً، وكان بِكراً، ثمَّ سألهُ البيّنةَ على المرأةِ فقالت: كذبَ واللَّهِ يا رسولَ الله! فجُلِدَ حدَّ الفِریّةِ رواه أبو داود. (قال: ما سمعت من رسول الله ◌َ﴿ في ذلك شيئاً)، أي من العلل والحكم. (ولكن أراه) بضم الهمزة أي أظنه (كره) أي النبي وَ ﴿ (أن يؤكل لحمها أو ينتفع بها)، أي بلبنها وبشعرها وتوليدها وغير ذلك، (وقد فعل بها ذلك) أي الفعل المكروه، والجملة حالية، قال الطيبي: تحقيق ذلك إن كل ما أوجده الله تعالى في هذا العالم جعله صالحاً لفعل خاص، فلا يصلح لذلك العمل سواه، فإن المأكول من الحيوان خلق لأكل الإنسان إياه لا لقضاء شهوته منه، والذكر من الإنسان خلق للفاعلية، والأنثى للمفعولية، ووضع فيهما الشهوة لتكثير النسل بقاء لنوع الإنسان. فإن عكس كان إبطالاً لتلك الحكمة، وإليه أشار قوله تعالى: ﴿إنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء بل أنتم قوم مسرفون﴾ [الأعراف - ٨١] أي لا حامل لكم عليه إلا مجرد الشهوة من غير داع آخر، ولا ذم أعظم منه لأنه وصف لهم بالبهيمة، وأنه لا داعي لهم من جهة العقل البتة، كطلب النسل والتخلي للعبادة ونحوه، والله تعالى أعلم. (رواه الترمذي وأبو داود وابن ماجه). ٣٥٧٧ - (وعن جابر قال: قال رسول الله وله: ((إن أخوف ما أخاف على أمتي عمل قوم لوط))). أخوف أفعل تفضيل بمعنى المفعول. قال الطيبي: أضاف أفعل إلى ما وهي نكرة موصوفة. ليدل على أنه إذا استقصى الأشياء المخوف منها شيئاً بعد شيء لم يوجد بشيء أخوف من فعل قوم لوط. (رواه الترمذي وابن ماجه) وكذا أحمد والحاكم. ٣٥٧٨ - (وعن ابن عباس أن رجلاً من بني بكر بن ليث أتى النبي ◌َّفيه فأقر أنه زنى بامرأة أربع مرات)، أي في أربعة مجالس، وهو ظرف لقوله أقر (فجلده مائة)، أي ضربه مائة جلدة، (وكان) أي الرجل (بكراً ثم سأله)، أي طلب النبي وَلهم من الرجل (البينة على المرأة): أي على زناها (فقالت) أي بعد عجز الرجل عن البينة: (كذب)، أي الرجل عليّ (والله يا رسول الله فجلد). أي ثمانين جلدة (حد الفرية) بكسر فسكون وهي الكذب، والمراد بها هنا القذف. (رواه أبو داود). الحديث رقم ٣٥٧٧: أخرجه الترمذي في السنن ٤٨/٤ الحديث رقم ١٤٥٧. وابن ماجه في ٨٥٦/٢ الحديث رقم ٢٦٥٣. وأحمد في المسند ٣٨٢/٣. الحديث رقم ٣٥٧٨: أخرجه أبو داود في السنن ٦١١/٤ الحديث رقم ٤٤٦٧. ١٠٠٠ ١٥١ كتاب الحدود ٣٥٧٩ - (٢٥) وعن عائشةَ، قالت: لمَّا نزلَ عُذْري، قامَ النبيُّ نََّ على المنبرِ، فذكرَ ذلكَ، فلمَّا نزلَ من المنبرِ أمرَ بالرجُلَين والمرأةِ فضُربُوا حدَّهم. رواه أبو داود. الفصل الثالث ٣٥٨٠ _ (٢٦) عن نافع: أنَّ صفيَّةَ بنتَ أبي عُبيدٍ أخبرتْهُ أنَّ عبداً منْ رقيقِ الإِمارَة وقع على وليدةٍ من الخُمسِ فاستكرهَها، حتى افتضَّها فجَلَدَه عُمر ولم يجْلِدها، من أجل أنَّه استکرھھا. رواه البخاري. ٣٥٧٩ - (وعن عائشة قالت: لما نزل عذري) أي الآيات الدالة على براءتها شبهتها بالعذر الذي يبرىء المعذور من الجرم. ذكره القاضي وغيره (قام النبي وَّ ر على المنبر فذكر ذلك)، أي عذري (فلما نزل عن المنبر أمر بالرجلين) أي بحدهما، أو إحضارهما وهما حسان بن ثابت ومسطح بن أثاثة، (والمرأة) أي وبالمرأة وهي حمنة بنت جحش، (فضربوا) بصيغة المجهول (حدهم) أي حد المفترين، وهو مفعول مطلق أي فحدوا حدهم (رواه أبو داود). (الفصل الثالث) ٣٥٨٠ - (عن نافع) أي مولى ابن عمر، (إن صفية بنت أبي عبيد) بالتصغير قال المؤلف: ثقفية، وهي أخت المختار بن أبي عبيد، وهي زوجة عبد الله بن عمر أدركت النبي وَّر، وسمعت منه ولم ترو عنه، وروت عن عائشة وحفصة، (أخبرته) أي نافعاً (إن عبداً من رقيق الإمارة) بكسر الهمزة أي من مماليك سلطنة الخليفة، وهو عمر رضي الله عنه، (وقع على وليدة) أي جامع أمة (من الخمس)، بضمتين ويسكن الثاني (فاستكرهها) أي العبد (حتى اقتضها) بالقاف وتشديد الضاد، وفي نسخة بالفاء بدل القاف (١) أي أخذ بكارتها، ففي المغرب اقتض الجارية ذهب بقضتها وهي بكارتها، ومدار التركيب على الكسر، وفي النهاية فض الخاتم كناية عن الوطء، وجاء بنطفة في أداوة فافتضها أي صبها وروي بالقاف [أي فتح رأسها من اقتضاض البكر، وقال الكرماني: هو بالقاف] والضاد المعجمة، أي أزال بكارتها والقضية بالكسر عذرة الجارية والافتضاض بالفاء أيضاً بمعناه. وقال العسقلاني: هو بقاف وضاد معجمة مأخوذ من القضة وهي عذرة البكر (فجلده عمر) أي العبد (خمسين جلدة، ولم يجلدها) أي الوليدة (من أجل أنه استكرهها، رواه البخاري). الحديث رقم ٣٥٧٩: أخرجه أبو داود في السنن ٦١٨/٤ الحديث رقم ٤٤٧٤ والترمذي في ٣١٤/٥ الحديث رقم ٣١٨١. وابن ماجه في ٢/ ٨٥٧ الحديث رقم ٢٥٦٧. الحديث رقم ٣٥٨٠: أخرجه البخاري في صحيحه ٣٢١/١٢ الحديث رقم ٦٩٤٩. (١) وهي نسخة ((المتن)). ٦٠ .''. ... !! ١٥٢ الهـ سو . كتاب الحدود ٣٥٨١ - (٢٧) وعن يزيدَ بنِ نُعيم بن هَزَّالٍ، عن أبيهِ، قال: كانَ ماعزُ بنُ مالكِ يتيماً في حِجْرِ أبي فأصابَ جاريةً من الحيِّ، فقالَ لَهُ أبي: أنتِ رسولَ اللَّهِ وَّر فأخبره بما صنَعْتَ لعلَّهُ يستغفرُ لكَ وإِنما يريدُ بذلكَ رجاءَ أن يكونَ له مخرجاً. فأتاهُ، فقال: يا رسولَ (اللَّهِ! إِنِي زنيتُ، فأقمْ عَلَيَّ كتابَ اللَّهِ، فأعرضَ عنهُ، فعادَ فقال: يا رسولَ اللَّهِ! إِنِي زنيتُ، فأقِمْ عليَّ كتابَ اللَّهِ، حتى قالَها أربعَ مرَّات، قال رسولُ الَّهِ وَّهِ: ((إِنَّكَ قَدْ قُلْتَها أربعَ مرَّات، فبمنْ؟)) قال: بفلانةٍ. قال: ((هل ضاجَعْتَها؟)) قال: نعم قال: ((هل باشرْتَها؟)) قال: نعم. قال: ((هل جامعتَها؟)) قال: نعم. قال: فأمِرَ به أن يُرجمَ، فأُخرِجَ بهِ إِلى الحرَّةِ ٣٥٨١ - (وعن يزيد بن نعيم بن هزال عن أبيه) أي نعيم. (قال: كان ماعز بن مالك يتيماً في حجر أبي) بفتح الحاء ويكسر أي في تربية أبي هزال (فأصاب جارية) أي جامع مملوكة (من الحي) أي القبيلة، (فقال له أبي): أي هزال (انت) أمر من الإتيان أي احضر (رسول الله وَلي فأخبره بما صنعت لعله يستغفر لك إنما)، وفي نسخة صحيحة وإنما (يريد)، وفي نسخة هو يريد (بذلك) أي بما ذكر من الإتيان والإخبار، (رجاء أن يكون له مخرجاً) أي عن الذنب، أي لا قصد أن يقع عليه الحد كما توهم بعضهم لكونه هزالاً. قال الطيبي: اسم كان يرجع إلى المذكور وخبره مخرجاً وله ظرف لغو كما في قوله تعالى: ﴿ولم يكن له كفواً أحد﴾ [الصمد - ٤] والمعنى يكون إتيانك وإخبارك رسول الله وسلتر مخرجاً لك وبنصره ما اتبعه من قوله: (فأتاه فقال: يا رسول الله إني زنيت فأقم عليّ كتاب الله) أي حكمه (فأعرض عنه فعاد)، أي فرجع بعد ما غاب (فقال: يا رسول الله إني زنيت فأقم عليّ كتاب الله حتى قالها:) أي هذه الكلمات (أربع مرات) أي في أربعة مجالس. (قال رسول الله وَير: ((إنك قد قلتها أربع مرات فيمن))) أي فيمن زنيت، وهذا دليل صريح في اعتبار العدد المذكور للإقرار بالزنا على الخصوص، والحكمة فيه كمال ستره تعالى على عبده. قال الطيبي: الفاء في قوله فيمن جزاء شرط محذوف، أي إذا كان كما قلت: فيمن زنيت، (قال: بفلانة) بفتح التاء وفي نسخة بالتنوين (قال: هل ضاجعتها)؟ أي عانقتها (قال: نعم. قال: هل باشرتها)؟ أي وصل بشرتك بشرتها وقد يكنى بالمعاشرة عن المجامعة. قال تعالى: ﴿فالآن باشروهن﴾ [البقرة - ١٨٧] (قال: نعم. قال: هل جامعتها؟ قال: نعم. قال:) أي الراوي: (فأمر به أن يرجم)، بدل اشتمال من الضمير المجرور في به، (فأخرج به) بصيغة المجهول، (إلى الحرة). قال الطيبي وعدي: أخرج بالهمزة والباء تأكيداً كما في قوله تعالى: ﴿تنبت بالدهن﴾ [المؤمنون - ٢٠]. قاله الحريري: في درة الغواص. قيل في جواز الجمع بين حرفي التعدية في قراءة ضم التاء عدة أقوال والأحسن أنه إنما زيدت التاء لأن إنباتها الدهن بعد إنبات الثمر الذي يخرج الدهن منه، فلما كان الفعل في المعنى قد تعلق بمفعولين يكونان في حال بعد حال، وهما الثمرة والدهن، احتيج إلى تقويته في التعدي بالباء. قال ابن الهمام في الحديث الصحيح: فرجمناه، يعني الحديث رقم ٣٥٨١: أخرجه أبو داود في السنن ٥٧٣/٤ الحديث رقم ٤٤١٩. ١٥٣ إذا باس كتاب الحدود فلما رُجمَ، فوجدَ مسَّ الحجارةِ فجَزِعَ فخرجَ يشتدُ، فَلَقِيَهُ عبدُ اللَّهِ بنُ أنيسٍ، وقد عجزَ أصحابُه، فنزعَ له بوظيفٍ بعيرٍ، فرماهُ بِهِ فقتَلَهُ، ثمَّ أتى النبيَّ ◌َِّ فذكَرَ ذلكَ لهُ، فقال: ((هلا تركتُموه، لعلَّهُ أن يتوبَ. فيتوبَ اللَّهُ عليه)). رواه أبو داود. ٠٠بي. ماعزاً بالمصلى. وفي مسلم وأبي داود: فانطلقنا به إلى بقيع الغرقد والمصلى كان به، لأن المراد مصلى الجنائز فيتفق الحديثان، وأما ما في الترمذي من قوله: فأمر به في الرابعة فأخرج إلى الحرة فرجم بالحجارة، فإن لم يتأول على أنه اتبع حين هرب حتى أخرج إلى الحرة، وإلا فهو غلط لأن الصحاح والحسان متظافرة على أنه إنما صار إليها هارباً، لا أنه ذهب به إليها ابتداء ليرجم بها(١). (فلما رجم فوجد مس الحجارة) أي ألم أصابتها، (فجزع) أي فلم يصبر، (فخرج) أي من مكانه الذي يرجم فيه (يشتد) أي يسعى ويجري حال (فلقيه) أي فتلقاه (عبد الله بن أنيس) بالتصغير، (وقد عجز أصحابه) أي أصحاب عبد الله أو أصحاب ماعز الذين يرجمونه، والجملة حال. (فنزع له بوظيف بعير)، والوظيف على ما في القاموس مستدق الذراع والساق من الخيل والإبل وغيرهما، وفي المغرب وظيف البعير ما فوق الرسغ من الساق (فرماه به فقتله ثم أتى النبي (وَل #) أي جاء ابن أنيس (فذكر ذلك) أي جزعه وهربه (فقال: هلا تركتموه) جمع الخطاب ليشمله وغيره، (لعله أن يتوب) أي يرجع عن إقراره، (فيتوب الله عليه) أي فيقبل الله توبته، ويكفر عنه سيئته من غير رجمه. قال الطيبي: الفاءات المذكورة بعد لما في قوله فلما رجم إلى قوله فقتله، كل واحدة تصلح للعطف إما على الشرط أو على الجزاء إلا قوله، فوجد فإنه لا يصلح لأن يكون عطفاً على الجزاء، وقوله فقال: هلا تركتموه يصلح للجزاء، وفيه إشكال لأن جواب لما لا يدخله الفاء على اللغة الفصيحة، وقد يجوز أن يقدر الجزاء، ويقال تقديره لما رجم فكان كيت فكيت علمنا حكم الرجم، وما يترتب عليه وعلى هذا الفاءات كلها لا تحتمل إلا العطف على الشرط. (رواه أبو داود). قال ابن الهمام ورواه عبد الرزاق في مصنفه، وقال فيه: فأمر به أن يرجم فرجم فلم يقتل حتى رماه عمر بن الخطاب بلحي بعير فأصاب رأسه فقتله. وقال ابن الهمام: لو لم يكن الأربعة عدداً معتبراً في اعتبار. أفراده لم يؤخر رجمه إلى الثانية، ومما يدل على ذلك ترتيبه و لير الحكم عليها وهو مشعر بعليتها. وكذا الصحابة فمن ذلك قوله في حديث هزال: ((إنك قد قلتها أربعاً فبمن)). وهو حديث أخرجه أبو داود والنسائي والإمام أحمد وزاد فيه قال هشام: فحدثني يزيد بن نعيم عن أبيه أن رسول الله و الر قال له حين رآه: ((والله يا هزال لو كنت سترته بثوبك لكان خيراً لك مما صنعت به)). قال صاحب التنقیح، وإسناده صالح ویزید بن نعیم آروی له مسلم وذكره ابن حبان] في الثقات [وأبو نعيم ذكره في الثقات] وهو مختلف في صحبته، وقد روى ترتيبه عليه الصلاة والسلام على الأربع جماعة بألفاظ مختلفة فمنها ما ذكرنا، ومنها ما في لفظ لأبي داود عن ابن عباس: إنك قد شهدت على نفسك أربع مرات. وفي لفظ لابن أبي شيبة: أليس أنك (١) فتح القدير ٥/ ١٤. ١٥٤ كتاب الحدود ٣٥٨٢ - (٢٨) وعن عمرو بن العاص، قال: سمعتُ رسولَ اللَّهِ وَ الله يقول: ((ما من قوم يَظْهرُ فيهم الزنا إِلاَّ أُخِذُوا بالسنةِ، وما مِنْ قومٍ يَظْهَرُ فيهم الرُّشا إِلا أَخِذُوا بالرُعبِ)) رواه أحمد. ٣٥٨٣ - (٢٩) وعن ابنِ عبَّاسٍ، وأبي هريرةَ، أنَّ رسولَ اللَّهِ بِ لّه قال: ((ملعونٌ منْ قلتها أربع مرات، وتقدم في مسند أحمد عن أبي بكر أنه قال بحضرته عليه الصلاة والسلام: إن اعترفت الرابعة رجمك، إلا أن في إسناده جابر الجعفي وكونه روى في الصحيح أنه رده مرتين أو ثلاثاً فمن اختصار الراوي، ولا شك أنه أقر أربعاً فقوله في حديث العسيف: فإن اعترفت فارجمها، معناه الاعتراف المعروف في الزنا بناء على أنه كان معلوماً بين الصحابة خصوصاً لمن كان قريباً من خاصة رسول الله وَ ل9. وأما كون الغامدية لم تقر، إلا مرة واحدة فممنوع، بل أقرت أربعاً يدل عليه ما عند أبي داود والنسائي قال: كان أصحاب رسول الله وَ له يتحدثون إن الغامدية وماعز بن مالك لو رجعا بعد اعترافهما لم يطلبهما وإنما رجمهما بعد الرابعة، فهذا نص في إقرارها أربعاً غاية ما في الباب أنه لم ينقل تفاصيلها. والرواة كثيراً ما يحذفون بعض صورة الواقعة. على أنه روى البزار في مسنده عن زكريا بن سليم حدثنا شيخ من قريش عن عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه فذكره، وفيه أنها أقرت أربع مرات، وهو يردها ثم قال: ((اذهبي حتى تلدي)) الحديث. غير أن فيه مجهولاً تنجبر جهالته بما يشهد له من حديث أبي داود والنسائي هذا، وفي حديث أبي هريرة في استفسار ماعز أنه رجمه بعد الخامسة، وتأويله أنه عد آحاد الإقرارين فإن منها إقرارين في مجلس واحد فكانت خمساً والله [تعالى] أعلم (١). ٣٥٨٢ - (وعن عمرو بن العاص قال: سمعت رسول الله وَلي يقول: ما من قوم يظهر) أي ظهوراً فاشياً (فيهم الزنا إلا أخذوا بالسنة) بفتحتين في النهاية هي الجدب يقال: أخذتهم السنة إذا أجدبوا وأقحطوا. وهي من الأسماء الغالبة نحو الدابة في الفرس والمال في الإبل قال الطيبي: ولعل الحكمة في استجلاب الزنا القحط أن الزنا يؤدي إلى إبطال النسل والسنة لازمة لاهلاك الحرث وليس الفساد إلا ذلك كما قال تعالى: ﴿وبهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد﴾ [البقرة - ٢٠٥] (وما من قوم يظهر فيهم الرشا) بضم الراء ويكسر جمع الرشوة، وفي القاموس الرشوة مثلثة الجعلة، وفي النهاية هي الوصلة إلى الحاجة بالمصانعة، والراشي من يعطي الذي يعينه على الباطل، والمرتشي الآخذ، والرائش الذي يسعى بينهما يستزيد لهذا ويستنقص لهذا اهـ. وهي مأخوذة من الرشاء، وهو حبل الدلو إذ يتوصل بها إلى البغية كما يتوصل بالرشاء إلى الماء. (ألا أخذوا بالرعب) بضم فسكون وبضمتين أي الخوف فإن الحاكم إنما ينفذ حكمه ويمضي أمره في الوضيع والشريف إذا تنزه عن الرشوة، فإذا تلطخ بها خوّف ورعب. (رواه أحمد). ٣٥٨٣ - (وعن ابن عباس وأبي هريرة أن رسول الله في قال: ((ملعون من (١) فتح القدير ١٠/٥ - ١١ . الحدیث رقم ٣٥٨٣: رواه رزین. الحديث رقم ٣٥٨٢: أخرجه أحمد في المسند ٢٠٥/٤. ١٥٥ كتاب الحدود عَمِلَ عمَلَ قوم لوط)). رواه رزین. ٣٥٨٤ - (٣٠) وفي روايةٍ له عن ابن عبّاس: أنَّ عليّاً [رضي الله عنه] أحرَقَهما، وأبا بكرِ هدَمَ علَيْهما حائطاً. ٣٥٨٥ _ (٣١) وعنه، أنَّ رسولَ اللَّهِ وَه قال: ((لا ينظرُ اللَّهُ عزَّ وجلَّ إِلى رجلٍ أتى رجُلاً أو امرأةً في الدُبِر)). رواه الترمذيّ وقال: هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ. ٣٥٨٦ - (٣٢) وعنه، أنَّه قال: ((مَنْ أتى بَهِيمَةً فلا حدَّ عليهِ)) رواه الترمذي، وأبو داود، وقال الترمذيُّ: عن سفيان الثوريِّ، أنَّه قال: وهذا أصحُّ منَ الحديثِ الأول وهوَ: ((مَنْ أتى بهيمةً فاقتلوهُ)) والعملُ على هذا عند أهلِ العلم. عمل عمل قوم لوط رواه رزين). وفي الجامع الصغير ((ملعون من سب أباه ملعون من سب أمه ملعون من ذبح لغير الله ملعون من غير تخوم الأرض ملعون من كمه أعمى طريق ملعون من وقع على بهيمة ملعون من عمل بعمل قوم لوط)). رواه أحمد بسند حسن عن ابن عباس(١). ٣٥٨٤ - (وفي رواية له) أي لرزين (عن ابن عباس) أي وحده (أن علياً كرم الله وجهه أحرقهما) أي أمر بإحراق الفاعل والمفعول به في اللواطة. (وأبا بكر) أي وإن أبا بكر رضي الله عنه (هدم عليهما حائطاً) أي أمر بهدم جدار عليهما. ٣٥٨٥ - (وعنه) أي عن ابن عباس (أن رسول الله وَ ﴾ قال: ((لا ينظر الله عزَّ وجلّ) أي نظر رحمة ورعاية (إلى رجل أتى رجلاً) أي في دبره (أو امرأة في دبرها). رواه الترمذي وقال: هذا حديث حسن غريب. ٣٥٨٦ - (وعنه) أي عن ابن عباس (أنه قال): مرفوعاً وإلا فلا معنى لقول الثوري كما سيأتي أن هذا أصح (من أتى بهيمة فلا حد. رواه الترمذي وأبو داود، وقال الترمذي عن سفيان الثوري) أي ناقلاً عنه (أنه قال: وهذا) أي هذا الحديث (أصح من الحديث الأوّل، وهو) أي الأوّل: (من أتى بهيمة فاقتلوه. والعمل على هذا)، أي هذا الحديث، وهو من أتى بهيمة فلا حد عليه (عند أهل العلم). فالحاصل أن هذا أصح من الأول في المعنى إذ تقدم أنه رواه الترمذي وأبو داود وابن ماجه ومقتضاه أنه أصح في الإسناد، ويمكن أن يكون مراده إن هذا(! الموقوف أصح من ذلك المرفوع، والله [تعالى] أعلم. (١) أخرجه أحمد في المسند ٢١٧/١ وفي الجامع الصغير ٢/ ٥٠١ الحديث رقم ٨٢٠٧. الحدیث رقم ٣٥٨٤: رواه رزین. الحديث رقم ٣٥٨٥: أخرجه الترمذي في السنن ٤٦٩/٣ الحديث رقم ١١٦٥. وأحمد في المسند ٣٤٤/٢. الحديث رقم ٣٥٨٦: أخرجه أبو داود فى السنن ٤ / ٦١٠ الحديث رقم ٤٤٦٥. والترمذي ٤٦/٤ الحديث رقم ١٤٥٥. .. 4. ١٥٦ كتاب الحدود/ باب قطع السرقة ٣٥٨٧ _ (٣٣) وعن عُبادةَ بنِ الصَّامتِ، قال: قال رسولُ اللهِ وَلِّ: ((أقيموا حدودَ اللَّهِ في القريب والبعيدِ، ولا تأخُذْكم في اللَّهِ لومةُ لائم)). رواه ابنُ ماجه. ٣٥٨٨ - (٣٤) وعن ابنِ عمر [رضي الله عنهما]، أنَّ رسول الله وَّرَ قال: ((إِقامةُ حدٍّ منْ حدودِ اللَّهِ خيرٌ منْ مطَرِ أربعينَ ليلةً في بلادِ الله)). رواه ابنُ ماجه. +١۵٣ ٣٥٨٩ - (٣٥) ورواه النسائيُّ عن أبي هريرةً. (١) باب قطع السرقة ٣٥٨٧ _ (وعن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله وَله: ((أقيموا حدود الله في القريب والبعيد))). يحتمل أن يراد بهما القرب والبعد في النسب أو القوّة أو الضعف، والثاني أنسب لأن المعنى: أقيموا حدود الله في كل أحد، (ولا يأخذكم) بالجزم عطف على أقيموا فيكون نهياً تأكيداً للأمر وفي نسخة بالرفع فيكون خبراً بمعنى النهي (في الله)، أي في إجراء حكمه وإقامة حدوده (لومة لائم)، أي ملامة أحد من اللائمين والموافقين أو المخالفين المنافقين. (رواه ابن ماجه). ٣٥٨٨ - (وعن ابن عمر أن رسول الله وَلي قال: ((إقامة حد من حدود الله خير من مطر أربعين ليلة في بلاد الله)))، أي جميعها. قال الطيبي: وذلك أن في إقامتها زجراً للخلق عن المعاصي وسبباً لفتح أبواب السماء، وفي القعود عنها والتهاون بها انهماك لهم في المعاصي، وذلك سبب لأخذهم بالجدب وإهلاك الخلق كما ورد أن الحبارى لتموت هزلاً بذنب بني آدم، أي أن الله تعالى يحبس القطر عنها بشؤم ذنوبهم، وخص الحبارى بالذكر لأنها أبعد الطير نجعة، فربما تذبح بالبصرة ويوجد في حوصلتها الحبة الخضراء وبين البصرة وبين منابتها مسيرة أيام، وتخصيص الليلة بالأمطار تتميم لمعنى الخصب. (رواه ابن ماجه) أي عن ابن عمر. ٣٥٨٩ - (ورواه النسائي عن أبي هريرة). باب قطع السرقة بفتح فكسر، وأما بفتحهما فجمع سارق. وفي المغرب: سرق منه مالاً وسرقه مالاً سرقاً وسرقة إذا أخذه في خفاء وحيلة. وفتح الراء في السرقة لغة، وأما السكون فلم نسمعه. قال الطيبي: والإضافة إلى المفعول على حذف المضاف أي قطع أهل السرقة. وقال ابن الهمام: الحديث رقم ٣٥٨٧: أخرجه ابن ماجه في السنن ٨٤٩/٢ الحديث رقم ٢٥٤٠ وأحمد في المسند ٣٣٠/٥. الحديث رقم ٣٥٨٨: أخرجه ابن ماجه في السنن ٨٤٨/٢ الحديث رقم ٢٥٣٧. الحديث رقم ٣٥٨٩: أخرجه النسائي في السنن ٧٦/٨ الحديث رقم ٤٩٠٥. *٧:٨*٣٠ /٠٥١٠ ٠٫ محق : ١٥٧ كتاب الحدود/ باب قطع السرقة الفصل الأول ٣٥٩٠ _ (١) عن عائشةَ، عن النبيِّ وَِّ، قال: ((لا تُقطعُ يدُ السَّارِقِ إِلاَّ بربُعِ دینارٍ فصاعداً)). متفق عليه . وهي لغة أخذ الشيء من الغير على [وجه] الخفية، ومنه استراق السمع وهو أن يسمع مستخفياً، وفي الشريعة هي هذا أيضاً؛ وإنما زيد على مفهومها قيود في إناطة حكم شرعي بها إذ لا شك أن أخذ. أقل من النصاب خفية سرقة شرعاً، لكن لم يعلق الشرع به حكم القطع، فهي شروط لثبوت ذلك الحكم الشرعي. فإذا قيل السرقة الشرعية الأخذ خفية مع كذا وكذا لا يحسن بل السرقة التي علق بها الشرع وجوب القطع هي أخذ العاقل البالغ عشرة دراهم أو مقدارها خفية عمن هو يقصد للحفظ مما لا يتسارع إليه الفساد من المال المتموّل للغير من حرز بلا شبهة وتعمم الشبهة في التأويل، فلا يقطع السارق من السارق ولا أحد الزوجين من الآخر أو ذي الرحم(١). والأصل في وجوب القطع قوله تعالى: ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما﴾ [المائدة - ٣٨]. 1 (الفصل الأوّل) ٣٥٩٠ - (عن عائشة عن النبي ( * قال: لا تقطع) بالتأنيث والرفع، وفي نسخة بالتذكير والجزم. (يد السارق) أي جنسه، فيشمل السارقة أو يعرف حكمها بنص الآية [والمقايسة] والمراد يمينه لقراءة ابن مسعود،: ((فاقطعوا أيمانهما)) أي إلى الرسغ كما سيأتي تحقيقهما. (إلا بربع دينار) بضم الباء ويسكن، وفي رواية: ((في ربع دينار)) والمعنى: بسببه أو لأجله. (فصاعداً) أي فما فوقه من الزيادة، وبه أخذ الشافعي في أنه لا يقطع فيما دون ربع دينار وكان ربع الدينار يومئذ ثلاثة دراهم. (متفق عليه) ورواه النسائي وابن ماجه. وهو معارض بما رُوي عن ابن مسعود مرفوعاً وموقوفاً: ((لا يقطع إلا في دينار)) على ما سيأتي. قال النووي: اتفقوا على قطع يد السارق واختلفوا في اشتراط النصاب وقدره، فقال الشافعي: النصاب ربع دينار ذهباً أو ما قيمته ربع دينار، وهو قول عائشة وعمر بن عبد العزيز والأوزاعي والليث وأبي ثور وإسحاق وغيرهم. وقال مالك وأحمد وإسحاق في رواية: ((يقطع في ربع دينار أو ثلاثة دراهم (١) فتح القدير ١٢٠/٥. الحديث رقم ٣٥٩٠: أخرجه البخاري في صحيحه ٩٦/١٢ الحديث رقم ٦٧٨٩. ومسلم في صحيحه ٣/ ١٣١٢ الحديث رقم (٢ - ١٦٨٤). وأبو داود في السنن ٥٤٥/٤ الحديث رقم ٤٣٨٣. والترمذي في ٤ / ٤٠ الحديث رقم ١٤٤٥. والنسائي في ٧٩/٨ الحديث رقم ٤٩٢٨. وابن ماجه في ٢/ ٨٦٢ الحديث رقم ٢٥٨٥. وأحمد في المسند ٦/ ١٠٤. ٠: ٠,٠٠ ١٥٨ كتاب الحدود/ باب قطع السرقة أو ما قيمته أحدهما)» وقال أبو حنيفة وأصحابه: ((لا يقطع إلا في عشرة دراهم أو ما قيمته ذلك)) والصحيح ما قاله الشافعي، لأن النبي ◌َ ﴿ بيّن النصاب بلفظه في الحديث، وأنه ربع دينار وأما *94 ٤٠٠ج رواية أنه لو قطع سارقاً في مجن قيمته ثلاثة دراهم فمعمولة على هذا القدر ربع دينار فصاعداً، أو على أنها قضية عين لا عموم لها. ولا يجوز ترك صريح اللفظ في تحديد النصاب للمحتمل؟ بل يجب حملها على موافقة لفظه. وأما الرواية الأخرى لم تقطع يد سارق في أقل من ثمن المجن، فمحمولة على أنه كان ربع دينار. وأما ما يحتج به بعض الحنفية وغيرهم من رواية جاءت قطع في مجن قيمته عشرة دراهم، وفي رواية خمسة فهي ضعيفة لا يعمل بها لو انفردت، فكيف وهي مخالفة لصريح الأحاديث الصحيحة الصريحة مع أنه يمكن حملها على أنه كانت قيمته عشرة دراهم اتفاقاً لا أنه شرط ذلك في قطع السارق؛ وأما رواية ((لعن الله السارق يسرق البيضة والحبل، فتقطع يده))(١) فقال جماعة، المراد بهما بيضة الحديد وحبل السفينة وكل واحد منهما يساوي أكثر من ربع دينار، وأنكره المحققون وقالوا: ليس هذا السياق موضع استعمالهما بل البلاغة تأباه لأنه لا يذم في العادة من خاطر بيده في شيء له قدر، وإنما يذم من خاطر فيما لا قدر له. فالمراد التنبيه على عظم ما خسر يده في مقابلة حقير من المال، فربع دينار يشارك البيضة والحبل في الحقارة، فالمراد جنس البيض وجنس الحبال، وقيل هو على عادة الولاة سياسة لا قطعاً جائزاً شرعاً وقيل إن النبي - * قال هذا عند نزول آية السرقة فمجملة من غير بيان نصاب؛ ثم بين بعد ذلك النصاب والله تعالى أعلم بالصواب. قال ابن الهمام: اختلف في أنه هل يقطع بكل مقدار من المال أو بمعين لا يقطع في أقل منه، فقال بالأول الحسن البصري وداود والخوارج وابن بنت الشافعي لإطلاق الآية ولقوله عليه الصلاة والسلام: ((لعن الله السارق)) الحديث، ومن سوى هؤلاء من فقهاء الأمصار وعلماء الأقطار على أنه لا قطع إلا بمال مقدر، لقوله عليه الصلاة والسلام: ((لا قطع إلا في ربع دينار فصاعداً» فلزم في الأوّل التأويل بالحبل الذي يبلغ عشرة دراهم وبيضة من الحديد أو النسخ. ولو قيل ونسخة أيضاً ليس أولى من نسخ ما رويتم قلنا لا تاريخ بقي وجه أولوية الحمل، وهو مع الجمهور. فإن مثله في باب الحدود متعين عند التعارض، ثم قد نقل إجماع الصحابة على ذلك، وبه يتقيد إطلاق الآية، وبالعقل أن الحقير مطلقاً تفتر الرغبات فيه فلا يمنع أصلاً كحبة قمح، وهو مما يشمله إطلاق الآية. وكذا لا يخفى أخذه. فلا يتحقق بأخذه ركن السرقة، وهو الأخذ خفية، ولا حكمة الزجر أيضاً لأنها فيما يغلب؛ فإن ما لا يغلب لا يحتاج إلى شرع الزاجر لأنه لا يتعاطى، فلا حاجة إلى الزجر عنه. فهذا مخصص عقلي بعد كونها مخصوصة بما ليس من حرز بالإجماع. ثم اختلف الشارحون لمقدار معين في تعيينه فذهب أصحابنا في جماعة من التابعين إلى أنه عشرة دراهم، وذهب الشافعي إلى أنه ربع دينار، وذهب مالك وأحمد إلى أنه ربع دينار أو ثلاثة دراهم لما روى مالك في موطئه عن عبد الله بن أبي بكر عن (١) يأتي في الحديث رقم (٣٥٩٢). ١٥٩ كتاب الحدود/ باب قطع السرقة أبيه عن عمرة بنت عبد الرحمن. أن سارقاً سرق في زمن عثمان بن عفان أترجه فأمر بها عثمان فقوّمت بثلاثة دراهم من صرف اثني عشر بدينار فقطع عثمان يده. قال مالك: أحب ما يجب فيه القطع إلى ثلاثة دراهم سواء ارتفع الصرف أو اتضع، وذلك أنه عليه الصلاة والسلام قطع في مجن قيمته ثلاثة دراهم، وعثمان قطع في أترجة قيمتها ثلاثة دراهم، وهذا أحب ما سمعته اهـ. وكون المجن بثلاثة في حديث ابن عمر أن رسول الله وَلتر قطع سارقاً في مجن قيمته ثلاثة دراهم، وأخرجهما الشيخان، وفي لفظ لهما عن عائشة عن النبي صلى الله [تعالى] عليه وسلم: لا يقطع يد السارق إلا في ربع دينار فصاعداً. غير أن الشافعي يقول: كانت قيمة الدينار على عهد رسول الله صلى الله [تعالى] عليه وسلم اثني عشر درهماً؛ فالثلاثة ربعها. ففي مسند أحمد عن عائشة عنه عليه الصلاة والسلام: اقطعوا في ربع دينار، ولا تقطعوا فيما هو أدنى من ذلك. وكان ربع الدينار يومئذ ثلاثة دراهم، ولنا أن الأخذ بالأكثر في هذا الباب أولى احتيالاً للدرء تعرف أنه قد قيل في ثمن المجن أكثر مما ذكر وهو ما رواه الحاكم في المستدرك [عن مجاهد] عن أيمن قال: لم تقطع اليد على عهد رسول الله صلى الله [تعالى] عليه وسلم إلا في ثمن المجن وثمنه يومئذ دينار وسكت عليه. ونقل عن الشافعي أنه قال لمحمد بن الحسن، هذه سنة رسول الله صلى الله [تعالى] عليه وسلم أن يقطع في ربع دينار فصاعداً، فكيف قلت: لا تقطع اليد إلا في عشرة دراهم فصاعداً. فقال قد روى شريك عن مجاهد عن أيمن ابن أم أيمن أخي أسامة بن زيد لأمه، وأن الشافعي أجاب بأن أيمن قتل مع رسول الله صلى الله [تعالى] عليه وسلم يوم حنين قبل أن يولد مجاهد. قال ابن أبي حاتم في المراسيل: سألت أبي عن حديث رواه الحسن بن صالح عن منصور عن الحكم عن عطاء ومجاهد عن أيمن ابن أم أيمن وكان فقيهاً قال: تقطع يد السارق في ثمن المجن، وكان ثمن المجن على عهد رسول الله و يجر ديناراً. قال أبي هو مرسل، وأرى أنه والد عبد الواحد بن أيمن وليس له صحبة. وظهر بهذا القدر أن أيمن اسم الصحابي، وهو ابن أم أيمن وأنه استشهد مع رسول الله وَ الر بحنين واسم التابعي آخر. وقال أبو الحجاج المزني في كتابه: أيمن الحبشي مولى بني مخزوم، روى عن سعد وعائشة وجابر وعنه ابنه عبد الواحد، وثقه أبو زرعة ثم قال: أيمن مولى ابن الزبير. وقيل مولى ابن أبي عمر عن النبي ول# في السرقة إلى أن قال: وعنه عطاء ومجاهد. قال النسائي: ما أحسب أن له صحبة. وقد جعله اسماً لتابعين وأما ابن أبي حاتم وابن حبان فجعلاهما واحداً. قال ابن أبي حاتم: أيمن الحبشي مولى ابن أبي عمر روى عن عائشة وجابر وروى عنه عطاء ومجاهد وابنه عبد الواحد، سمعت أبي يقول ذلك. وسئل أبو زرعة عن أيمن والد عبد الواحد فقال: مكي ثقة. وقال ابن حبان في الثقات: أيمن بن عبيد الحبشي مولى لابن أبي عمر المخزومي من أهل مكة وروى عن عائشة وروى عنه مجاهد وعطاء وابنه عبد الواحد بن أيمن وكان أخا أسامة بن زيد لأمه، وهو الذي يقال له أيمن ابن أم أيمن مولاة النبي و 18. قال: ومن زعم أن له صحبة وهم، حديثه في القطع مرسل. فهذا يخالف الشافعي وغيره ممن ذكر أن أيمن ابن أم أيمن قتل يوم حنين، وأنه صحابي حيث جعله ١ ١٦٠ كتاب الحدود/ باب قطع السرقة ٣٥٩١ _ (٢) وعن ابنِ عُمَرَ [رضي الله عنهما]، قال: قطعَ النبيُّ وَّرِيدَ سارقٍ في مَجنٍ من التابعين. وهكذا قول الدارقطني في سننه: أيمن لا صحبة له وهو من التابعين، ولم يدرك زمان النبي صلى الله [تعالى] عليه وسلم ولا الخلفاء بعده، وهو الذي يروي أن ثمن المجن دينار. وروى عنه ابنه عبد الواحد وعطاء ومجاهد والحاصل أنه اختلف في أيمن راوي قيمة المجن هل هو صاحبي أم تابعي ثقة، فإن كان صحابياً فلا إشكال، وإن كان تابعياً ثقة كما ذكره أبو زرعة الإمام العظيم الشأن وابن حبان فحديث مرسل، والإرسال ليس عندنا ولا عند جماهير العلماء قادحاً بل هو حجة، فوجب اعتباره حينئذ، وقد اختلف في تقويم المجن أهو ثلاثة أو عشرة فيجب الأخذ بالأكثر هنا لايجاب الشرع الدرء ما أمكن في الحدود، ثم يقوى بما رواه النسائي أيضاً بسنده عن أبي إسحاق عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: كان ثمن المجن على عهد رسول الله صلى الله [تعالى] عليه وسلم عشرة دراهم. وأخرجه الدار قطني أيضاً، وأخرجه هو وأحمد في مسنده عن الحجاج بن أرطاة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وكذا إسحاق بن راهويه. وروى ابن أبي شيبة في مصنفه في كتاب اللقطة عن سعيد بن المسيب عن رجل من مزينة عن النبي وَّر قال: ((ما بلغ ثمن المجن قطعت يد صاحبه)) وكان ثمن المجن عشرة دراهم. قال المصنف يعني صاحب الهداية، ويؤيد ذلك بقوله عليه الصلاة والسلام: ((لا قطع إلا في دينار أو عشرة دراهم)). وهذا بهذا اللفظ موقوف على ابن مسعود وهو مرسل عنه، رواه عبد الرزاق، ومن طريق الطبراني في معجمه. وأشار إليه الترمذي في كتاب الجامع فقال، وقد روى عن ابن مسعود أنه قال: لا قطع إلا في دينار أو عشرة دراهم، وهو مرسل. رواه القاسم بن عبد الرحمن عن ابن مسعود والقاسم بن عبد الرحمن لم يسمع من ابن مسعود اهـ. وهو صحيح لأن الكل ما ورد إلا عن القاسم. لكن في مسند أبي حنيفة من رواية ابن مقاتل عن أبي حنيفة عن القاسم بن عبد الرحمن عن أبيه عن عبد الله بن مسعود قال: كان تقطع اليد على عهد رسول الله صلى الله [تعالى] عليه وسلم في عشرة دراهم. وهذا موصول، وفي رواية خلف بن ياسين عن أبي حنيفة إنما كان القطع في عشرة دراهم. وأخرجه ابن خسرو من حديث محمد بن الحسن عن أبيه عن أبي حنيفة يرفعه «لا تقطع اليد في أقل من عشرة دراهم)) فهذا موصول مرفوع ولو كان موقوفاً لكان له حكم الرفع، لأن المقدرات الشرعية لا دخل للعقل فيها. فالموقوف فيها محمول على المرفوع)) (١). ٣٥٩١ - (وعن ابن عمر قال: قطع النبي وَّر يد سارق) أي يمينه من الرسغ (في مجن) بكسر ميم وفتح جيم وتشديد النون وهي الجنة بضم الجيم، والدرقة بفتحتين والترس من جن (١) فتح القدير ١٢١/٥ - ١٢٤. الحديث رقم ٣٥٩١: أخرجه البخاري في صحيحه ٩٧/١٢ الحديث رقم ٦٧٩٨. ومسلم في ١٣١٢/٣ الحديث رقم (٦ - ١٦٨٦). وأبو داود في السنن ٥٤٧/٤ الحديث رقم ٤٣٨٥ والترمذي في ٤/ ٤٠ الحديث رقم ١٤٠٤٦. وابن ماجه في ٨٦٢/٢ الحديث رقم ٢٥٨٤.