Indexed OCR Text
Pages 421-440
٤٢١
كتاب النكاح/ باب اللعان
قال: يا رسول الله، مالي، قال: لا مال لك إن كنت صدقت عليها فهو مما استحللت من
فرجها، وإن كنت كذبت عليها فذاك أبعد وأبعد لك منها، متفق عليه .
٣٣٠٧ - وعن ابن عباس أن هلال بن أمية، قذف امرأته بشريك بن سمحاء فقال
النبي ◌ّلر: ((البينة أو حداً في ظهرك)). فقال: يا رسول الله: إذا رأى أحدنا على امرأته رجلاً
ينطلق يلتمس البينة فجعل النبي وَّ يقول ((البينة وإلا حد. في ظهرك)).
عليها بعد التفريق. ا هـ وقد سبق الكلام (قال: يا رسول الله مالي) هو فاعل فعل محذوف، أي
أيذهب مالي أو أين يذهب مالي الذي أعطيتها مهراً (قال: لا مال لك) أي باق عندها لأن الأمر
لا يخلو عن أحد شيئين (إن كنت صدقت عليها فهو بما استحللت من فرجها) أي فما لك في
مقابلة وطئك إياها. وفيه أن الملاعن لا يرجع بالمهر عليها إذا دخل عليها، وعليه اتفاق
العلماء. وأما إن لم يدخل بها فقال أبو حنيفة ومالك والشافعي لها نصف المهر. وقيل لها
الكل. وقيل لا صداق لها (وإن كنت كذبت عليها فذاك) أي عود المهر (إليك أبعد) لأنه إذا لم
يعد إليك حالة الصدق فلأن لا يعود إليك حالة الكذب أولى، ثم أكده بقوله: (وأبعد لك منها)
أي من المطالبة عنها. قال الطيبي [رحمه الله]: فذلك إشارة إلى قوله: مالي، أي إن صدقت
فهذا الطلب بعيد لأنه يدل البضع وإن كذبت فابعد وابعد لك. واللام في لك للبيان متعلق بأبعد
الأول كما في قوله تعالى: ﴿هيت لك﴾ [يوسف - ٢٣]. وأبعد الثاني مقحم للتأكيد قال
النووي (رحمه الله]: فيه أن الخصمين المتكاذبين لا يعاقب أحد منهما، وإن علمنا كذب
أحدهما على الإبهام. وفيه دليل على استقرار المهر بالدخول وعلى ثبوت مهر الملاعنة
المدخول بها. وفيه أيضاً أنه لو صدقته وأقرت بالزنا لم يسقط مهرها (متفق عليه).
٣٣٠٧ - (وعن ابن عباس أن هلال بن أمية) بضم همز وفتح ميم وتشديد تحتية (قذف
امرأته) أي نسبها إلى الزنا عند النبي ◌َّ، أي في حضوره (بشريك ابن سمحاء) بفتح أوله. قال
التوربشتي: هذا أول لعان كان في الإسلام وفيه نزلت الآية وتقدم الكلام عليه (فقال النبي ◌َّه:
البينة) بالنصب لا غير. قال التوربشتي: أي أقم البينة. وقوله: (أو حداً) نصب على المصدر،
أي تحد حدا أقول أو تقديره فتثبت حداً. وقيل أي حد حدا (في ظهرك. فقال: يا رسول الله
إذا رأى أحدنا على امرأته) أي فوقها (رجلاً ينطلق) جواب إذا بتقدير الاستفهام على سبيل
الاستبعاد، أي يذهب حال كونه (يلتمس) أي يطلب (البينة فجعل النبي وَلقر يقول: البينة)
بالنصب، وفي بعض النسخ بالرفع، أي البينة مقررة ومقدمة. (وإلا) وإن لم تقم البينة أو
لم تكن البينة (حد) مصدر مرفوع، أي فيثبت عندي حد. (في ظهرك) وفي رواية ابن
الهمام: وإلا فحذ في ظهرك. قال: وأخرجه أبو يعلى في مسنده بسنده عن أنس بن مالك
حديث رقم ٣٣٠٧: أخرجه البخاري في صحيحه ٤٤٩/٨ الحديث رقم ٤٧٤٧. وأبو داود في السنن
٦٨٦/٢٢ الحديث رقم ٢٢٥٤. والترمذي في ٣٠٩/٥ الحديث رقم ٣١٧٩. وابن ماجه في ١/
٦٦٨ الحديث رقم ٢٠٦٧.
---
٤٢٢
كتاب النكاح/ باب اللعان
فقال هلال: والذي بعثك بالحق إني الصادق فلينزلن الله ما يبرىء ظهري من الحد فنزل
جبريل وأنزل عليه ﴿والذين يرمون أزواجهم﴾ فقرأ حتى بلغ ﴿إن كان من الصادقين﴾ فجاء
هلال فشهد والنبي وَلّ يقول: إن الله يعلم أن أحدكما كاذب فهل منكما تائب. ثم قامت
فشهدت، فلما كانت عند الخامسة وقفوها وقالوا: أنها موجبة قال ابن عباس: فتلكأت
ونكصت حتى ظننا أنها ترجع ثم قالت: لا أفضح قومي سائر اليوم، فمضت وأنمت اللعان
بها. وقال النبي ◌َلير: ((أبصروها فإن فجاءت به أكحل العينين سابغ الاليتين
قال: الأوّل لعان وقع في الإسلام أن شريك ابن سمحاء قذفه هلال بن أمية [بامرأته]،
فرفعه إلى رسول الله وَّله فقال عليه الصلاة والسّلام: أربعة شهود وإلا فحد في ظهرك.
فالمسألة وهي اشتراط الأربع قطعية مجمع عليها، والحكمة تحقيق معنى الستر المندوب
إليه. (فقال هلال: والذي بعثك بالحق إني الصادق) أي في قذفي إياها (فلينزلن الله)
بسكون اللام وضم التحتية وكسر الزاي المخففة وفي آخره نون مشددة للتأكيد، وهو أمر
بمعنى الدعاء. (ما يبرىء) بتشديد الراء وتخفيفها، أي ما يدفع ويمنع (ظهري من الحد)
أي حد القذف (فنزل جبريل وأنزل؛) أي جبريل عليه الصلاة والسّلام، أي على النبي وَل
(﴿والذين يرمون أزواجهم﴾) أي يقذفون زوجاتهم (فقرأ) أي ما بعده من الآيات (حتى
بلغ ﴿إن كان من الصادقين﴾(١). فجاء هلال فشهد) أي لاعن (والنبي وَّ يقول: إن الله
يعلم أن أحدكما كاذب فهل منكما تائب) الأظهر أنه لتر قال هذا القول بعد فراغهما من
اللعان. والمراد أنه يلزم الكاذب التوبة. وقيل قاله قبل اللعان تحذيراً لهما منه (ثم قامت
فشهدت) أي لاعنت (فلما كانت عند الخامسة) أي من شهادتها (وقفوها) بالتخفيف، أي
حبسوها ومنعوها عن المضي فيها وهددوها (وقالوا:) أي لها (أنها) أي الخامسة (موجبة)
وقيل معنى وقفوها اطلعوها على حكم الخامسة، وهو أن اللعان إنما يتم به ويترتب عليه
آثاره وأنها موجبة للعن مؤدية إلى العذاب إن كانت كاذبة (قال ابن عباس: فتلكأت) بتشديد
الكاف، أي توقفت يقال: تلكأ في الأمر إذا تبطأ عنه وتوقف فيه (ونكصت) أي رجعت
وتأخرت وفي القرآن: ﴿نكص على عقبيه﴾ [الأنفال _٤٨]. والمعنى: أنها سكتت بعد
الكلمة الرابعة (حتى ظننا أنها ترجع) أي عن مقالها في تكذيب الزوج ودعوى البراءة عما
رماها به (ثم قالت: لا أفضح قومي سائر اليوم) أي في جميع الأيام وأبد الدهر أو فيما
بقي من الأيام بالأعراض عن اللعان والرجوع إلى تصديق الزوج. وأريد باليوم الجنس
ولذلك أجراه مجرى العام والسائر كما يطلق للباقي يطلق للجميع (فمضت) أي في
الخامسة (وأنمت اللعان بها. وقال النبي ويلي: أبصروها) أمر من الأبصار، أي انظروا
وتأملوا فيما نأتي به من ولدها (فإن فجاءت به أكحل العينين) أي الذي يعلو جفون عينيه
سواد مثل الكحل من غير اكتحال (سابغ الاليتين) أي عظيمهما من السبوغ بالموحدة. يقال
١٣/١٢/٣/١٠
(١) سورة النور. آية رقم ٦.
بسداد إرها الاميعاد
٤٢٣
كتاب النكاح/ باب اللعان
خدلج الساقين)). فهو الشريك ابن سمحاء فجاءت به كذلك فقال النبي ◌َّ: (لولا ما مضى
من كتاب الله لكان لي ولها شأن
للشيء إذا كان تاماً وافياً وافر أنه سابغ (خدلج الساقين) أي سمينهما (فهو) أي ذلك الولد
(الشريك ابن سمحاء)، أي في باطن الأمر لظهور الشبه (فجاءت به كذلك) قال الطيبي
[رحمه الله]: وفي إتيان الولد على الوصف الذي ذكره صلوات الله عليه [هنا] وفي قصة
عويمر بأحد الوصفين المذكورين مع جواز أن يكون على خلاف ذلك معجزة وإخبار
بالغيب. (فقال النبي ◌َّلي: لولا ما مضى من كتاب الله) من بيان لما، أي لولا ما سبق من
حكمه بدرء الحد عن المرأة بلعانها (لكان لي ولها شأن) أي في إقامة الحد عليها، أو
المعنى لولا أن القرآن حكم بعدم الحد على المتلاعنين وعدم التعزيز لفعلت بها ما يكون
عبرة للناظرين وتذكرة للسامعين. قال الطيبي: وفي ذكر الشأن وتنكيره تهويل وتفخيم لما
كان يريد أن يفعل بها التضاعف ذنبها. وفي الحديث دليل على أن الحاكم لا يلتفت إلى
المظنة والإمارات، وإنما يحكم بظاهر ما تقتضيه الحجج والإيمان، وإن لعان الرجل مقدم
على لعان المرأة لأنه مثبت وهذا دارىء والدرء إنما يحتاج إليه بعد الإثبات (رواه البخاري)
قال ابن الهمام. الحديث في البخاري وأبي داود يختلف ألفاظهما ويتفق عن ابن عباس
قال: جاء هلال بن أمية من أرضه عشاء فوجد عند أهله رجلاً فرأى ذلك بعينه وسمع بإذنه
فلم يهجر حتى أصبح ثم غدا إلى رسول الله وَ﴿ فقال: يا رسول الله إني جئت أهلي عشاء
فوجدت عندها رجلاً فرأيت بعيني وسمعت بإذني فكره رسول الله وَ طير ما جاء به واشتد
عليه فنزلت: ﴿والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم﴾ [النور - ٦].
الآية: فسرني رسول الله وَّله فقال: أبشر يا هلال فقد جعل الله لك فرجاً ومخرجاً قال
هلال: كنت أرجو ذلك من ربي تعالى. قال رسول الله وَل و: أرسلوا إليها فجاءت فتلا
عليها رسول الله وَ لهر وذكرهما [وأخبرهما] أن عذاب الآخرة أشد من عذاب الدنيا، فقال
هلال: والله لقد صدقت عليها فقالت: كذبت. فقال رسول الله وَله: لاعنوا بينهما. فشهد
هلال أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين فلما كان الخامسة قيل له: اتق الله فإن عذاب
الدنيا أهون من عذاب الآخرة وإن هذه هي الموجبة التي توجب عليك العقاب فقال: والله
لا يعذبني الله عليها. فشهد الخامسة إن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين. ثم قال لها:
اشهدي فشهدت أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين، فلما كانت الخامسة قيل لها: اتق الله
فإن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة وإن هذه الموجبة التي توجب العقاب. فتلكأت
ساعة ثم قالت: والله لا أفضح قومي. فشهدت الخامسة إن غضب الله عليها إن كان من
الصادقين. ففرق رسول الله وَ لّ بينهما أو قضى أن لا يدعى ولدها إلى الأب ولا يرمي
ولدها من رماها أو رمى ولدها فعليه الحد، وقضى أن لا يثبت لها عليه قوت من أجل
أنهما يفترقان من غير طلاق ولا متوفى عنها ثم قال. إن جاءت به أصهب نضج ناتىء
الاليتين خمش الساقين فهو لهلال، وإن جاءت به أورق جعداً خدلج الساقين سابغ الاليتين
فهو للذي زنت به. فجاءت به أورق إلى آخر الأوصاف الثانية فقال عليه الصلاة والسّلام:
oMi
١
٤٢٤
:-** -
كتاب النكاح/ باب اللعان
رواه البخاري.
٣٣٠٨ - وعن أبي هريرة قال: قال سعد بن عبادة لو وجدت مع أهلي رجلاً لم
أمسه حتى آتي بأربعة شهداء. قال. نعم قال: كلاً
لولا الإيمان لكان لي ولها شأن. قال عكرمة: وكان ولدها بعد ذلك أميراً على مصر وما يدعى
لاب. هذه لفظة لأبي داود. وفي رواية أخرى: سائر الأيام لا أفضح قومي. وفي مسلم
والنسائي عن أنس أن هلال بن أمية قذف امرأته بشريك ابن سمحاء وكان أخا البراء ابن مالك
وكان أوّل رجل لاعن في الإسلام فقال عليه الصلاة والسّلام: انظروها فإن جاءت به أبيض
سبطاً وضىء العين فهو لهلال بن أمية، وإن جاءت به أكحل جعد أخمش الساقين فهو لشريك
ابن سمحاء. وفي سنن النسائي أيضاً عن ابن عباس أن رسول الله صل لاعن بين العجلاني
وامرأته كانت حبلى. وأخرجه عبد الرزاق هكذا أيضاً. وروى ابن سعد في الطبقات في ترجمة
عويمر عن عبد الله بن جعفر قال: شهدت عويمر بن الحارث العجلاني وقد رمى امرأته بشريك
ابن سمحاء فلاعن بينهما رسول الله صل98 وهي حامل فرأيتهما يتلاعنان قائمين عند المنبر ثم
ولدت فالحق الولد بالمرأة، وجاءت به أشبه الناس بشريك ابن سمحاء، وكان عويمر قد لامه
قومه وقالوا: امرأة لا نعلم عليها إلا خيراً. فلما جاء الشبه بشريك عذره الناس وعاش المولود
سنتين ثم مات، وعاشت أمه بعده يسيراً وصار شريك بعد ذلك بحالة سوء. قال الواقدي:
وحدثني الضحاك بن عثمان أن عويمراً، فساق الحديث إلى أن قال: ولم يجد رسول الله
عويمراً في قذفه بشريك ابن سمحاء وشهد عويمر بن الحارث وشريك ابن السمحاء أحداً مع
رسول الله . ففي هذا أن الولد عاش سنتين ومات ونسبة في قصة هلال إلى شريك أيضاً
ونسب إلى شريك في قصة عويمر. قيل ويجمع بينهما بأنهما واقعتان وفي النفس منه شيء.
وفي الصحيحين أيضاً عن ابن عباس في قصة هلال فقال عليه الصلاة والسّلام: اللهم بين.
فوضعت شبيهاً بالذي ذكر زوجها أنه وجد عند أهله فلاعن رسول الله وَيقر: وفي هذا أن اللعان
بينهما كان بعد الوضع فما تقدم خلافه. وهذا تعارض والله تعالى أعلم. ثم أعلم أن لا لعان
بنفي الحمل وإن ولدت لأقل من ستة أشهر، وهذا قول أبي حنيفة وزفر وبه قال أحمد والثوري
والحسن والشعبي وابن أبي ليلى وأبو ثور. وعند أبي يوسف ومحمد يجب اللعان إذا ولدت
لأقل من ستة أشهر للتيقن لقيام الحمل عند القذف، وبه قال مالك وأبو حنيفة أوّلاً. وذكر
الطحاوي عن أبي يوسف أنه يلاعن قبل الولادة كقول الشافعي لحديث هلال بن أمية (١).
٣٣٠٨ - (وعن أبي هريرة قال: قال سعد بن عبادة لو وجدت) أي صادفت (مع أهلي
رجلاً) أي أجنبياً (لم أمسه) بحذف الاستفهام الاستبعادي. أي لم أضربه ولم أقتله (حتى آتى)
بهمزة ممدودة وكسر الفوقية، أي حتى أجيء (بأربعة شهداء. قال: نعم. قال:) أي سعد (كلا
(١) فتح القدير ١٢٢.١٢١/٤.
حديث رقم ٣٣٠٨: أخرجه مسلم في ١٣٥/٢ الحديث رقم (١٤٩٨.١٦).
/٣٠
٤٢٥
كتاب النكاح/ باب اللعان
والذي بعثك بالحق إن كنت لاعاجله بالسيف قبل ذلك قال رسول الله وَ له: ((اسمعوا إلى ما
يقول سيدكم. إنه لغيور، وأنا أغير منه والله أغير مني)). رواه مسلم.
٣٣٠٩ - وعن المغيرة قال: قال سعد بن عبادة لو رأيت رجلاً مع امرأتي لضربته
بالسيف غير مصفح
والذي بعثك بالحق إن كنت لاعاجله بالسيف قبل ذلك) أي من غير إتيان بهم. وإن مخففة من
المثقلة واللام هي الفارقة وضمير الشأن محذوف، وفي الكلام تأكيد. قال النووي: ليس قوله:
كلا، رداً لقوله {وَ ل﴿ ومخالفة لأمره، وإنما معناه الأخبار عن حالة نفسه عند رؤيته الرجل مع
امرأته واستيلاء الغضب عليه، فإنه حينئذ يعالجه بالسيف. (قال رسول الله وَله: اسمعوا إلى ما
يقول) عدى السمع بإلى لتضمنه معنى الإصغاء، أي استمعوا إلى ما يذكر (سيدكم) قال ميرك:
كذا وقع في بعض الرويات الصحيحة المشهورة. ونقل صاحب الكشاف أنه وقع في أكثر
الرويات سيدنا ثم قال: وإضافته لا تخلو من أحد ثلاثة أوجه: أما أنه يصّاف إلى من ساده
وليس بالوجه ههنا، وأما أنه يريد أنه السيد عندنا والمشهود له بالسيادة (١) بين أظهرنا، أو الذي
سوّدناه على قومه كما يقول السلطان: فلان أميرنا. قال: وروى إلى سيدكم قال: والسيد فيعل
من ساد يسود قلبت واوه ياء لموافقتها الياء وسبقها بالسكون. وقول أم الدرداء: حدثني سيدي
أبو الدراء، أرادت معنى السيادة تعظيماً له، أو أرادت ملك الزوجية من قوله تعالى: ﴿وألقيا
سيدها لدى الباب﴾ [يوسف - ٢٥] (أنه لغيور) فيه اعتذار منه وص له لسعد، وإن ما قاله سعد
[قاله] لغيرته. وفي ذكر السيد هنا إشارة إلى أن الغيرة من شيمة كرام الناس وساداتهم ولذلك
اتبعه بقوله: (وأنا أغير منه والله أغير مني) قال المظهر: يشبه أن مراجعة سعد النبي وَّ كان
طمعاً في الرخصة، لا رداً لقوله ◌َير، فلما أبي ذلك رسول الله وَّر سكت وانقاد، وفي النهاية:
الغيرة الحمية والأنفة(٢)، وغيور بناء مبالغة كشكور وكفور وفي شرح السنة: الغيرة من الله
تعالى الزجر والله غيور أي زجور يزجر عن المعاصي، لأن الغيرة [تغير] يعتري الإنسان عند
رؤية ما يكرهه على الأهل وهو على الله تعالى محال (رواه مسلم).
٣٣٠٩ - (وعن المغيرة قال: قال سعد بن عبادة لو رأيت رجلاً مع امرأتي لضربته بالسيف
غير مصفح) بكسر الفار المخففة. وفي نسخة بفتحها. قال النووي: هو بكسر الفاء، أي غير
ضارب بصفح السيف وهو جانبه بل بحده ا هـ. وفي نسخة بتشديد الفاء المفتوحة في فتح
الباري قال عياض: هو بكسر الفاء وسكون الصاد المهملة، قال: وروى أيضاً بفتح الفاء، فمن
فتح جعله وصفاً للسيف حالاً منه، ومن كسر جعله وصفاً للضارب وحالاً عنه. وزعم ابن التين
(١) في المخطوطة ((الشهادة)).
(٢) في المخطوطة ((الألفة)).
حديث رقم ٣٣٠٩: أخرجه البخاري في صحيحه ٣٩٩/١٣ الحديث رقم ٧٤١٦. ومسلم في ١١٣٦/٢
الحديث رقم (١٧ .١٤٩٩). والدارمي في السنن ٢/ ٢٠٠ والحديث رقم ٢٢٢٧. وأحمد في
المسند ٢٤٨/٤.
. % ....
٤٢٦
/١٣٠
قد فتات
کتاب النكاح/ باب اللعان
فبلغ ذلك رسول الله وسلم فقال: ((أتعجبون من غيرة سعد والله لأنا أغير منه والله أغير مني
ومن أجل غيره الله حرم الله الفواحش ما ظهر منها وما بطن)) ولا أحد أحب إليه من أجل
ذلك: بعث المبشرين والمنذرين ومن أجل ذلك وعد الله الجنة. متفق عليه.
أنه وقع في سائر الأمهات تشديد الفاء وهو من صفح السيف، أي عرضه وحده (فبلغ ذلك) أي
وصل قوله: (رسول الله وَ ﴿ فقال:) أي لأصحابه (أتعجبون من غيرة سعد) أي كمالها (والله لأنا
أغير منه والله أغير مني) برفع الجلالة عطف على المقسم عليه، وهو قوله: لأنا أغير منه (ومن
أجل غيرة الله حرم الله الفواحش) هذا تفسير لغيرة الله تعالى بمعنى أنه منع الناس عن المحرمات
ورتب عليها العقوبات. إذا الغيرة في الأصل أن يكره ويغضب الرجل أن يتصرف غيره في
ملكه. والمشهور عند الناس أن يغضب الرجل على من فعل بامرأته أو نظر إليها، ففي حق الله
تعالى أن يغضب على من فعل منها. قال الطيبي [رحمه الله]: يعني أن الله تعالى لما غار على
عباده وأمائه الفواحش شرع تحريمها ورتب على مرتكبها العقاب في الدنيا والآخرة لينزجروا
عنها (ما ظهر منها وما بطن) أي ما أعلن منها وما أسر، وقيل ما عمل وما نوى. وقيل:
ظاهرها الزنا في الحوانيت وباطنها الصديقة في السر (ولا أحد) بالفتح وفي نسخة بالرفع
وقوله: (أحب إليه) بالرفع وفي نسخة بالنصب. قال العسقلاني: يجوز في أحد الرفع
والنصب. قال ابن الملك في شرح المشارق في قوله: لا أحد أغير من الله. قوله: أغير بالرفع
وهو أفعل تفضيل من الغيرة، ويجوز أن يكون صفة أحد والخبر محذوف. وقال الطيبي [رحمه
الله]: لا هنا بمعنى ليس وقد ذكر الاسم والخبر معها، وكان النحويين غفلوا عن هذا الحديث
حيث اكتفوا بقوله:
* أنا ابن قيس لا براح *
وقوله: العذر [من الله] فاعل لا حب والمسألة كحلية من الله قال النووي [رحمه الله]
العذر هنا بمعنى الأعذار، أي إزالة العذر. (من أجل ذلك) أي ما ذكر من محبة العذر
(بعث المبشرين والمنذرين) يعني أن الله تعالى بعث المبشرين والمنذرين لئلا يكون للناس
على الله حجة كما قال تعالى ﴿وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً ﴾ [الإسراء - ١٥] ﴿ولا
أحد أحب إليه المدحة ﴾ بكسر الميم بمعنى المدح (من الله) ولذا مدح نفسه ومدح أولياءه.
قال الطيبي [رحمه الله]: معناه أنه تعالى لما وعدها ورغب فيها كثر سؤال العباد إياها منه
والثنا عليه. وقال بعضهم: اعلم أن الحب فينا والغضب والفرح والحزن وما أشبه ذلك
عبارة عن تغير القلب. ويريد واحد منا بأن يمدحه أحد وربما ينقص قدره بترك المدح والله
منزه عن صفات المخلوقات: بل الحب فيه معناه الرضا بالشيء وإيصال الرحمة والخير إلى
من أحبه، والغضب [إيصال العذاب إلى من غضب] عليه. (ومن أجل ذلك) أي كون
المدح محبوباً له (وعد الله الجنة) أي لمن مدحه وأطاعه، ولهذا كان آخر دعواهم أن
الحمد لله رب العالمين (متفق عليه) وروى أحمد والبخاري ومسلم عن أسماء بنت أبي
بكر: لا شيء أغير من الله تعالى [جل عظيم الشأن].
١
٤٢٧
کتاب النكاح/ باب اللعان
٣٣١٠ - (٧) وعن أبي هُريرةَ، قال: قالَ رسولُ اللهِ وَّهِ: ((إِنَّ اللَّهَ تعالى يَغارُ، وإِنَّ
المؤمنَ يغارُ، وغيرةُ الله أن لا يأتيَ المؤمنُ ما حرَّم اللَّهُ)). متفق عليه.
٣٣١١ - (٨) وعنه، أنَّ أعرابياً أتى رسولَ الله وَّر فقال: إِنَّ امرأتي ولدَتْ غلاماً
أسودَ وإِني أنكرتُهُ. فقال لهُ رسولُ اللَّهِ وَّ: ((هلْ لكَ من إِيلِ؟)) قال: نعم. قال: ((فما
ألوانُها؟)) قال: حُمْرٌ. قال: ((هل فيها من أورقَ؟)) قال: إِن فيها لوُزْقاً. قال: ((فأنَّى تُرى
ذلك جاءها؟)) قال: عِرقُ نزَعها.
٣٣١٠ - (وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَله: إن الله يغار) بفتح أوله (وإن
المؤمن يغار) أي تخلقاً بأخلاقه تعالى (وغيرة الله) مبتدأ خبره (أن لا يأتي المؤمن) أي لا
يقرب ولا يفعل (ما حرم الله) [أي] عليه كما في رواية (متفق عليه) ورواه أحمد
والترمذي.
٣٣١١ - (وعنه) أي عن أبي هريرة (أن إعرابياً) أي واحداً من أهل البادية (أتى رسول
اللهِ وَ﴿ فقال: إن امرأتي ولدت غلاماً أسود وإني أنكرته) أي لسواد الولد مخالفاً للون أبويه.
وأراد نفيه عنه. (فقال له رسول الله وَلاير: هل لك من إبل. قال: نعم قال: فما ألوانها) أي
ألوان تلك الإبل، وقوبل الجمع بالجمع (قال: حمر) بضم فسكون جمع أحمر وجمع
للمطابقة، والإطلاق غالبي. (قال: هل فيها من أورق) أي أسمر وهو ما فيه بياض إلى
السواد يشبه لون الرماد. وقال الأصمعي: هو أطيب الإبل لحماً، وليس بمحمود عندهم في
سيره وعمله (قال: إن فيها لورقا) بضم فسكون جمع أورق، وعدل عنه إلى جمعه مبالغة في
وجوده. (قال: فإني ترى) بضم أوّله، أي فمن أين تظن. (ذلك جاءها) [أي فمن] أين
جاءها هذا اللون وأبواها بهذا اللون (قال: عرق) بكسر أوّله (ونزعها) أي قلعها وأخرجها من
ألوان فحلها ولقاحها. وفي المثل: العرق نزاع. والعرق [في] الأصل مأخوذ من عرق الشجر
ويقال: فلان له عرق في الكرم. (قال: فلعل هذا عرق نزعه) والمعنى أن ورقها إنما جاء
لأنه كان في أصولها البعيدة ما كان بهذا اللون أو بألوان تحصل الفرقة(١) من اختلاطها، فإن
حديث رقم ٣٣١٠: أخرجه البخاري في صحيحه ٣١٩/٩ الحديث رقم ٥٢٢٣. ومسلم في ٢١١٤/٤
الحديث رقم (٢٧٦١.٣٦). والترمذي في السنن ٤٧١/٣ الحديث رقم ١١٦٨. وأحمد في المسند
٣٤٣/٢.
حديث رقم ٣٣١١: أخرجه البخاري في صحيحه ٢٩٦/١٣. الحديث رقم ٧٣١٤. ومسلم في ١١٣٧/٢
الحديث رقم (١٨ . ١٥٠٠). وأبو داود في السنن ٦٩٤/٢ الحديث رقم ٢٢٦٠ والترمذي في ٤/
٣٨٢ الحديث رقم ٢١٢٨. والنسائي في ١٧٨/٦ الحديث رقم ٣٤٧٨. وابن ماجه في السنن ١/
٦٤٥ الحديث رقم ٢٠٠٢. وأحمد في المسند ٢٣٣/٢.
(١) في المخطوطة ((الورثة)).
٤٢٨
کتاب النكاح/ باب اللعان
قال: ((فلعلَّ هذا عزْقٌ نزَعَهُ)) ولم يُرخّصْ له في الانتفاءِ منهُ. متفقِ عليهِ.
٣٣١٢ - (٩) وعن عائشةَ، قالتْ: كانَ عُتبةُ بن أبي وقّاصٍ عَهِدَ إِلى أخيهِ سعدِ بنِ
أبي وقّاصٍ: أنَّ ابنَ وليدةِ زَمْعَةً مني، فَاقْبِضْهُ إِليكَ، فلما كانَ عامُ الفتح أخذهُ سعدٌ، فقال:
إِنَّهُ ابنُ أخي. وقال عبدُ بنُ زَمْعَة : أخي،
أمزجة الأصول قد تورث ولذلك تورث الأمراض والألوان تتبعها. (ولم يرخص) أي
النبي ◌َِّ (له) أي للرجل (في الانتفاء) أي انتفاء الولد (منه) أي من أبيه. قال الطيبي: وفائدة
الحديث المنع عن نفي الولد بمجرد الإمارات الضعيفة، بل لا بد من تحقق وظهور دليل
قوي، كأن لم يكن وطئها، وأتت بولد قبل ستة أشهر من مبتدأ وطئها. وإنما لم يعتبر وصف
اللون ههنا لدفع التهمة، لأن الأصل براءة ساحة المسلمين بخلاف ما سبق من اعتبار
الأوصاف في حديث شريك، فإنه لم يكن هناك لدفع التهمة بل لينبه على أن تلك الحلية
الظاهرة مضمحلة عند وجود نص كتاب الله، فكيف بالآثار الخفية. قال النووي: فيه أن
التعريض بنفي الولد ليس نفياً، وإن التعريض بالقذف ليس قذفاً وهو مذهب الشافعي
وموافقيه. وفيه إثبات القياس والاعتبار بالأشباه(١) وضرب الأمثال، وفيه الاحتياط للأنساب(٢)
في إلحاق الولد بمجرد الإمكان والاحتمال (متفق عليه).
٣٣١٢ - (وعن عائشة رضي الله عنها قالت: كان عتبة) بضم أوّله وسكون فوقية (ابن أبي
وقاص) وهو الذي كسر رباعية النبي ◌َّلتر يوم أحد ومات كافرا (عهد) أي أوصى (إلى أخيه سعد
ابن أبي وقاص) وهو أحد العشرة المبشرة (أن ابن وليدة زمعة) بالإضافة، أي ابن جاريته (منى)
وهي جارية زانية كانت في الجاهلية لزمعة وهو بفتح الزاي والميم وقد تسكن الميم، كذا في
جامع الأصول. واقتصر ابن الهمام على الفتحتين، وفي المغني أكثر الفقهاء والمحدثين
يسكنون(٣) الميم (فاقبضه) بكسر الموحدة، أي امسك ابنها (إليك) أي منضماً إلى حجر
تربيتك، يعني كان عتبة وطىء الوليدة وولدت ابناً فظن أن نسب ولد الزنا ثابت للزاني، فأوصى
لأخيه وأمره أن يقبض ذلك الابن إلى نفسه وينفق عليه ويربيه. (فلما كان عام الفتح أخذه) أي
سعد ابن الوليدة (فقال: إنه ابن أخي وقال: عبد بن زمعة أخي) أي هو أخي لأن أبي كان
٢٠٠ **
(١) في المخطوطة ((بالإشارة)).
(٢) في المخطوطة ((للإنسان)).
/ ٤٣٠
حديث رقم ٣٣١٢: أخرجه البخاري في صحيحه ٣٧١/٥ الحديث رقم ٢٧٤٥. ومسلم في ١٠٨٠/٢
الحديث رقم (١٤٥٧.٣٦). وأبو داود في السنن ٧٠٣/٢ الحديث رقم ٢٢٧٣. والترمذي في
السنن ٤٦٣/٣ الحديث رقم ١١٥٧. والنسائي في ٦/ ١٨١ الحديث رقم ٣٤٨٧ وابن ماجه في ١/
٦٤٦ الحديث رقم ٢٠٠٤. والدارمي في ٢٠٣/٢ الحديث رقم ٢٢٣٦. ومالك في الموطأ ٧٣٩/٢
الحديث رقم ٢٠ من كتاب الأضحية وأحمد في المسند ١٢٩/٦.
(٣) في المخطوطة (یکسرون)).
....
٠٠٠٠
٠ ٦٫٫٥
٤٠ م.
٤٢٩
کتاب النكاح/ باب اللعان
فتساوَقا إِلى رسولِ اللهِ وََّ، فقال سعدٌ: يا رسولَ اللَّهِ! إِنَّ أخي كان عهِدَ إِليَّ فيه. وقالَ
عبدُ بن زِمْعَةَ: أخي وابن وليدة أبي، وُلِدَ على فراشِهِ. فقال رسولُ الله ◌َّ: ((هو لك يا
عبدَ بنَ زمعةً، الولدُ للفراشِ، وللعاهرِ الحجرُ)) ثمَّ قال لسودةً بنتِ زمعة: ((احتجبي منه)) لِما
رأى من شبّهِهِ بعُتبةَ،
يطؤها بملك اليمين وقد ولدت ولدها على فراشه فهو أولى به وأنا أحق به (فتساوقا) تفاعل من
السوق، أي فذهبا (إلى رسول الله وَ ي) أي للمرافعة (فقال سعد: يا رسول الله إن أخي كان عهد
إليّ فيه) أي في ابن الوليدة (وقال: عبد بن زمعة أخي وابن الوليدة أبي ولد على فراشه. فقال
رسول الله ويلقى: هو لك يا عبد بن زمعة، الولد للفراش) يعني الولد يتبع الأم إذا كان الوطء
زنا. وهذا هو المراد ههنا، وإذا كان والده وأمه رقيقين أو أحدهما رقيقاً فالولد يتبع أمه أيضاً.
(وللعاهر الحجر) أي وللزاني الحجارة بأن يرجم إن كان محصناً ويحد إن كان غير محصن.
ويحتمل أن يكون معناه الحرمات عن الميراث والنسب، والحجر على هذا التأويل كناية عن
الحرمان كما يقال للمحروم في يده التراب والحجر. قال القاضي [رحمه الله]: الوليدة الأمة،
وكانت العرب في جاهليتهم يتخذون الولائد ويضربون عليهن الضرائب فيكتسبن بالفجور،
وكانت السادة أيضاً لا يحتمونهن فيأتونهن، فإذا أتت وليدة بولد وقد استفرشها السيد وزنى بها
غيره أيضاً فإن استلحقه أحدهما ألحق به ونسب إليه، وإن استلحقه كل واحد منهما وتنازعاً فيه
عرض على القافة، وكان عتبة قد صنع هذا الصنع في جاهليته بوليدة زمعة وحسب أن الولد
له، فعهد إلى أخيه بأن يضمه إلى نفسه وينسبه إلى أخيه حينما احتضر وكان كافراً. فلما كان
عام الفتح أزمع سعد على أن ينفذ وصيته وينزعه فأبي ذلك عبد بن زمعة وترافعا إلى رسول الله
صلى الله تعالى عليه وسلم، فحكم أن الولد للسيد الذي ولد على فراشه، وليس للزاني من
فعله سوى الوبال والنكال وأبطل ما كانوا عليه من جاهليتهم من إثبات النسب للزاني. وفي هذا
الحديث أن الدعوى تجري في النسب كما تجري في الأموال، وأن الأمة تصير فراشاً بالوطء
وأن السيد إذا أقر بالوطء ثم أتت بولد يمكن أن يكون منه لحقه وإن وطئها غيره، وإن إقرار
الوارث فيه كإقراره، قال النووي [رحمه الله]: ما تصير به المرأة فراشاً إن كانت زوجة فمجرد
عقد النكاح ونقلوا في هذا الإجماع وشرطوا له إمكان الوطء، فإن لم يمكن بأن نكح المشرقي
مغربية ولم يفارق واحد منهما وطنه ثم أتت بولد لستة أشهر أو أكثر لم يلحق، هذا قول مالك
والشافعي إلا أن أبا حنيفة لم يشترط الإمكان حتى لو طلق عقب الولد وأتت بولد لستة أشهر
لحقه الولد، وهذا ضعيف ظاهر الفساد اهـ. لأن مبناه على ظهور فساده وغفلته عن تحقيق
معناه وظهور صلاحه، فإن أبا حنيفة شرط الإمكان لكن لم يقتصر على الإمكان العادي، وجوز
اجتماعهما بطريق خرق العادة حملاً للمؤمن بحسب الإمكان على الصلاح والإحسان والله
المستعان. قال: وإن كانت أمة فعند الشافعي ومالك تصير فراشاً للواطىء بمجرد الملك، فإذا
أتت بعد الوطء بولد لمدة الإمكان لحقه. وقال أبو حنيفة [رحمه الله]: لا تصير فراشاً إلا إذا
ولدت (ثم قال لسودة بنت زمعة): أي زوجة النبي وَلاغير (احتجبي منه) أي من الولد (لما رأى)
بكسر اللام وتخفيف الميم (من شبهه بعتبة) بيان لما يعني أن ظاهر الشرع أن هذا الابن أخوك،
١٫٤٠٠
٠٠٠١٥
٤٣٠
كتاب النكاح/ باب اللعان
فما رآها حتى لقيَ اللَّهَ. وفي روايةٍ: قال: ((هو أخوكَ يا عبدَ بنَ زمعةَ من أجل أنَّه ولِدَ على
فراشٍ أبيه)). متفق عليه.
ولكن التقوى أن تحتجبي منه لأنه يشبه عتبة. قال النووي: واحتج بعض الحنفية بهذا الحديث
على أن الوطء بالزنا حكم الوطء بالنكاح في حرمة المصاهرة. وقال الشافعي [رحمه الله]
ومالك وغيرهم: لا أثر لوطء الزنا، بل للزاني أن يتزوج أم المزنى بها وبنتها. وزاد الشافعي:
وجوّز نكاح البنت المتولدة من مائة بالزنا. قالوا: ووجه الاحتجاج به أن سودة أمرت
بالاحتجاب. وهذا احتجاج ضعيف لأن هذا على تقدير كونه من الزنا فهو أجنبي من سودة لا
يحل الظهور له سواء ألحق بالزاني أم لا، ولا تعلق له بالمسألة المذكورة. وفيه أن حكم
الحاكم لا يحل الأمر في الباطن فإذا حكم بشهادة شاهدي زور أو نحو ذلك لم يحل المحكوم
للمحكوم له، لأنه ◌َ ير حكم به لعبد بن زمعة أنه أخ له ولسودة بالاحتجاب اهـ. وفيه أن
حكمه لها بالاحتجاب إنما كان من باب الاحتياط كما يدل عليه دليله وعلته من رؤية الشبه (١).
فإنها إنما تورث الشبه فحكمه و ﴿ نفذ ظاهراً وباطناً والله [تعالى] أعلم بالصواب. (فما رآها)
أي ذلك الولد (حتى لقي الله) أي مات. وفيه إيماء إلى أنه مات قبلها (وفي رواية قال: هو
أخوك يا عبد بن زمعة) أي بدل قوله: هو لك الخ (من أجل أنه) أي الولد (ولد على فراش
أبيه) تعليل من قول الراوي ولذا لم يقل على فراش أبيك (متفق عليه) قال ابن الهمام: إذا
ولدت الأمة مولاها فلا يثبت نسبة منها إلا أن يعترف به وإن اعترف بوطئها، وهو قول الثوري
والبصري والشعبي وهارون، وهو المروي عن عمر وزيد بن ثابت مع العزل، وقال مالك
والشافعي وأحمد: يثبت إذا أقر بوطئها وإن عزل عنها، ولو وطىء في دبرها يلزمه الولد عند
مالك ومثله عن أحمد وهو وجه مضعف للشافعية. وأصل دليلهم فيه ما رواه الجماعة إلا
الترمذي من حديث عائشة [رضي الله عنها] قالت: اختصم سعد بن أبي وقاص وعبد بن زمعة
إلى رسول الله وَ﴿ تعني في ابن وليدة زمعة فقال سعد: يا رسول الله هذا ابن أخي عتبة بن أبي
وقاص عهد إلى أنه ابنه انظر إلى شبهه. وقال عبد بن زمعة: هذا أخي يا رسول الله ولد على
فراش أبي. فنظر رسول الله وَ ل﴿ إلى شبهة فرأى شبهاً بيناً بعتبة فقال: هو لك يا عبد بن زمعة
الولد للفراش وللعاهر الحجر واحتجبي منه يا سودة، فلم تره سودة قط، وأجيب بأنه عليه
الصلاة والسلام إنما قضى به لعبد بن زمعة على أنه عبد له ورثه لا على أنه أخوه، ولذا قال:
هو لك ولم يقل هو أخوك. وقال: احتجبي منه يا سودة: ولو كان أخالها بالشرع لم يجب
احتجابها منه، فهذا دفع بانتفاء لازم الأخوة شرعا. والأوّل باللفظ نفسه، ويدفع الأوّل بأن في
رواية أخرى، هو أخوك يا عبد. وأما الأمر بالاحتجاب، فلما رأى من الشبه البين بعتبة. ويدفع
الأوّل [أيضاً] بأن هذه الرواية حينئذ معارضة لرواية: هو لك. وهو أرجح لأنها المشهورة
المعروفة فلا(٢) تعارضها الشاذة، والشبه لا يوجب احتجاب اخته شرعاً منه، وإلا لوجب الآن
وجوباً مستمراً إن كل من أشبه غير أبيه الثابت نسبه منه يجب حكماً للشبه احتجاب أخته وعمته
(١) في المخطوطة ((الشبهة)).
(٢) في المخطوطة ((ولا)).
٤٣١
كتاب النكاح/ باب اللعان
وجدته لأبيه منه، وهو منتف شرعاً. وقوله: الولد للفراش انتفى به نسبه عن سعد بأنه ابن
أخيه وعن عبد بأنه أخوه، يعني الولد للفراش ولا فراش لواحد من عتبة وزمعة وبه يقوي
معارضة رواية: هو أخوك. ويمكن أن يجعل هذا ليس حكماً مستمراً على ما ذكرنا خاصاً
النبي ◌ّ﴾ لأن حجبانهن منيع، وقد قال تعالى [جل جلاله] ﴿لستن كأحد من
بأزواج
النساء﴾ [الأحزاب: ٣٢] وعلى هذا يجب حمل الوليدة على أنها كانت [ولدت] لزمعة قبل
ذلك ويكون قوله: الولد للفراش. يعني أم الولد. وحينئذ فقوله: هو لك، أي مقضى لك
ويكون المراد أنه أخوك كما هو في الرواية الأخرى. وأما ما نقل عن عمر بن الخطاب
رضي الله (تعالى] عنه أنه قال: ما بال رجال يطون ولائدهم ثم يعتزلونهن لا تأتيني وليدة
يعترف سيدها أنه قد ألم بها إلا ألحقت بها ولدها فاعتزلوا بعد ذلك أو اتركوا. رواه
الشافعي فمعارض بما روي عن عمر أنه كان يعزل عن جاريته فجاءت بولد أسود فشق
عليه فقال: ممن هو. فقالت: من راعي الإبل. فحمد الله وأثنى عليه ولم يلتزمه. وأسند
الطحاوي عن عكرمة عن ابن عباس أنه كان له جارية فحملت فقال: ليس مني إني أتيتها
إتياناً لم أرد به الولد. وعن زيد بن ثابت أنه [كان يطأ جارية فارسية ويعزل عنها فجاءت
بولد فأعتق الولد وجلدها. وعنه أنه] قال لها: ممن حملت. فقالت: منك. فقال: كذبت
ما وصل إليك ما يكون منه الحمل. ولم يلتزمه مع اعترافه بوطئها. والمروي عن عمر من
قوله: أنه يلحق الواطىء مطلقاً. جاز لكونه علم من بعضهم إنكاراً ممن يجب عليه
استحقاقه. وذلك أنا بينا أن الواطىء إذا لم يعزل وحصنها وجب الاعتراف به، فقد يكون
علم من الناس إنكار أولاد الإماء مطلقاً فقال لهم: إني ملحق بكم إياهم مطلقاً. وأما من
علم منه الاعتزال في الأمة فإنه لا يعترض له قال: وهذا الذي ذكرناه من عدم لزومه الولد
وإن اعترف بالوطء ما لم يدعه حكم في القضاء، يعني لا يقضى عليه بثبوت نسبه منه بلا
دعوة. وأما الديانة فيما بينه وبين ربه تبارك وتعالى، فالمروي عن أبي حنيفة أنه إذا كان
حين وطئها لم يعزل عنها وحصنها عن مظان ريبة الزنا يلزمه من قبل الله تعالى أن يدعيه
بالإجماع، لأن الظاهر والحالة هذه كونه منه والعمل بالظاهر واجب. وفي المبسوط وعن
أبي يوسف إذا وطئها ولم يستبرئها بعد ذلك حتى جاءت بولد فعليه أن يدعيه سواء عزل
عنها أو لم يعزل حصتها أو لم يحصنها تحسيناً للظن بها وحملاً لأمرها على الصلاح ما
لم يتبين خلافه، وهذا كمذهب الشافعي والجمهور لأن ما ظهر سببه يكون محالاً عليه
حتى يتبين خلافه. وعن محمد لا ينبغي أن يدعي ولدها إذا لم يعلم أنه منه، ولكن ينبغي
أن يعتق الولد. وفي الإيضاح ذكرهما بلفظ الاستحباب فقال: قال أبو يوسف: أحب أن
يدعيه. وقال محمد: أحب أن يعتق الولد. وعبارة المبسوط تفيد الوجوب(١).
(١) فتح القدير ٣٣٣.٣٣٠/٤.
٠٠٠
٤٣٢
كتاب النكاح/ باب اللعان
٣٣١٣ - (١٠) وعنها، قالت: دخلَ عليَّ رسولُ اللهِ وَّرِ ذاتَ يوم وهوَ مسرورٌ،
فقال: ((أي عائشةُ! ألم تري أن مُجزّراً المُذْلجيّ دخلَ، فلمَّا رأى أُسامةَ وزيداً وعليهما
قطيفةٌ قد غطيًّا رؤوسَهُما وبدتْ أقدامُهما، فقال: إِنَّ هذهِ الأقدامَ بعضُها من بعضٍ)).
٣٣١٣ - (وعنها) أي عن عائشة (قالت: دخل علي) أي عندي (رسول الله وَلّفي ذات يوم)
أي يوماً من الأيام أو نهاراً (وهو مسرور) جملة حالية (فقال: أي عائشة) أي يا عائشة فأي نداء
للقريب (ألم ترى) بحذف النون، أي ألم تعلمي، يعني [هذا] مما يتعين أن تعلمي فاعلمي (أن
مجززاً) بكسر الزاي الأولى مشددة بعد الجيم وكانت نسخة بفتحها (المدلجي) نسبة إلى مدلج
بضم الميم وسكون الدال المهملة وكسر اللام فجيم،، وكانت القيافة فيهم وفي بني أسد
يعترف لهم العرب (دخل) أي في المسجد (فلما رأى أسامة وزيداً) أي ابنه (وعليهما قطيفة) أي
كساء غليظاً (قد غطيا) أي بها (رؤوسهما) قال الطيبي: فيه دليل على أن أقل الجمع اثنان،
وليس هو من وادي قوله تعالى: ﴿فقد صغت قلوبكما﴾ [التحريم - ٤] لأنه قد يقال لشخص
له قلوب باعتبار دواعيه لأن القلب مكان الدواعي ا هـ. وقد تقدم تحقيق هذا المبحث (وبدت)
أي ظهرت وكشفت (أقدامهما: فقال:) أي المدلجي (إن هذه الأقدام بعضها من بعض) قال
النووي [رحمه الله]: وكانت الجاهلية تقدح في نسب أسامة بن زيد مع إلحاق الشرع إياه به
لكونه أسود شديد السواد، وكان زيد أبيض، فلما قضى هذا القائف بإلحاق نسبه مع اختلاف
اللون وكانت الجاهلية تعتمد قول القائف فرح النبي ويّر لكونه زاجراً لهم عن الطعن في نسبة،
وكانت أم أسامة حبشية سوادء اسمها بركة وكنيتها أم أيمن. واختلفوا في العمل بقول القائف،
واتفق القائلون به على أنه يشترط فيه العدالة، وهل يشترط العدد أم يكتفي بواحد. [والأصح
الاكتفاء بواحد] لهذا الحديث اهـ. وقيل: فيه جواز الحكم بفعل القيافة، وبه قال الأئمة الثلاثة
خلافاً لأبي حنيفة. أقول: ليس في هذا الحديث ثبوت النسب بعلم القيافة وإنما هو تقوية ودفع
تهمة ورفع مظنه كما إذا شهد عدل برؤية هلال ووافقه منجم، فإن قول المنجم لا يصلح أن
يكون دليلاً مستقلاً لا نفياً ولا إثباتاً. ويصح أن يكون مقوياً للدليل الشرعي فتأمل. قال
القاضي: فيه دليل على اعتبار قول القائف في الأنساب وأنه له مدخلاً في إثباتها وإلا لما
استبشر به ولا أنكر عليه، إذ لا يجوز أن يقال رجماً بالغيب ما يحتمل أن يوافق الحق في بعض
الصورة وفاقاً، وخصوصاً ما يكون صوابه غير معتبر وخطؤه قذف محصنة ولا الاستدلال بما
ليس بدليل، وإليه ذهب عمرو ابن عباس وأنس وغيرهم من الصحابة، وبه قال عطاء ومالك
والأوزاعي والشافعي وأحمد وعامة أهل الحديث وقالوا: إذا ادعى رجلان أو أكثر نسب مولود
مجهول النسب ولم يكن له بينة أو اشتركوا في وطء امرأة بالشبهة فأتت بولد، يمكن أن يكون
من كل واحد منهم وتنازعوا فيه حكم القائف فبايهم ألحقه لحقه. ولم يعتبره أصحاب أبي
٠٫٥٠
حديث رقم ٣٣١٣: أخرجه البخاري في صحيحه ٥٦/١٢ الحديث رقم ٦٧٧١ ومسلم في ٢/ ١٠٨٢ الحديث
رقم (١٤٥٩.٣٨). وأبو داود في السنن ٦٩٨/٢ الحديث رقم ٢٢٦٧. والنسائي في ١٨٤/٦ الحديث
رقم ٣٤٩٤. وابن ماجه في ٢/ ٧٨٧ الحديث رقم ٢٣٤٩. وأحمد فى المسند ٢٢٦/٦.
محرم
كتاب النكاح/ باب اللعان
٠٫٢٥
٤٣٣
حنيفة بل قالوا: يلحق الولد بهم جميعاً: وقال أبو يوسف: يلحق برجلين وثلاث ولا يلحق
بأكثر ولا بامرأتين. وقال أبو حنيفة: يلحق بهما أيضاً، وكل ذلك ضعيف، قال ابن الهمام:
وإذا كانت الجارية بين شريكين فجاءت بولد فادعاه أحدهما ثبت نسبه منه سواء كانت في
المرض أو الصحة وصارت أم ولد له اتفاقاً، إلا أنه يضمن نصيب شريكه في اليسار والإعسار.
قال: وإن ادعياه معاً يثبت نسبه منهما، وكانت الأم أم ولد لهما فتخدم كلاً منهما يوماً، وإذا
مات أحدهما عتقت ويرث الابن من كل منهما ميراث ابن كامل، ويرثان منه ميراث أب واحد.
وإذا مات أحدهما كان كل من ميراث الابن للباقي منهما، وقال: وبقولنا فإن الثوري وإسحاق
بن راهوية، وكان الشافعي بقوله في القديم ورجح عليه أحمد حديث القيافة. وقيل يعمل به إذا
فقدت القافية، وقال الشافعي [رحمه الله]: يرجع إلى قول القائف، فإن لم يوجد القائف وقف
حتى يبلغ الولد فينسب إلى أيهما شاء، فإن لم ينسب إلى واحد منهما كان نسبه موقوفاً لا يثبت
له نسب من غير أمه، والقائف هو الذي يتبع آثار الآباء في الأبناء وغيرها من الآثار، من قاف
أثره يفوقه مقلوب قفا أثره مثل أرى مقلوب رأي. والقيافة مشهورة في بني مدلج، فإن لم يكن
مدلجي فغيره، وهو قول أحمد، وقال به مالك في الآمالي. رهذا لأن إثبات النسب من
شخصين مع علمنا بأن الولد لا يتخلق من ماءين، لأنها كما تعلق من رجل انسد فم الرحم
متعذر، فقلنا بالشبه، وهذا يفيد أن القافة لو ألحقته بهما لا يلحق، وهو قول الشافعي أنه يبطل
قولهم إذا ألحقوا بهما وقد ثبت العمل بالشبه بقول القائف حيث سر رسول الله وَ لقر على ما
أخرج الستة في كتبهم عن سفيان بن عيينة عن الزهري عن عروة عن عائشة [رضي الله عنها]
قالت: دخل على رسول الله وَلقر ذات يوم مسروراً فقال: يا عائشة ألم ترى مجززاً المدلجي
دخل علي وعندي أسامة بن يزيد وزيد عليهما قطيفة وقد غطيا رؤوسهما وبدت أقدامهما فقال:
هذه الأقدام بعضها من بعض. وقال أبو داود: وكان أسامة أسود وكان زيد أبيض. قال صاحب
الهداية: ولنا كتب عمر رضي الله تعالى عنه إلى شريح في هذه الحادثة، ذكر أن شريحاً كتب
إلى عمر بن الخطاب في جارية بين شريكين جاءت بولد فادعياه فكتب إليه عمر أنهما لبسا
فلبس عليهما، ولو بينا لبين لهما هو ابنهما يرثهما ويرثانه وهو للباقي منهما، وكان ذلك
بمحضر من الصحابة من غير نكير فحل محل الإجماع. قال ابن الهمام والله [تعالى] أعلم
بذلك. والمعروف في قصة عمر [هو] قال سعد بن منصور، حدثنا سفيان عن يحيى بن سعيد
عن سليمان بن يسار عن عمر في امرأة وطئها رجلان في طهر فقال القائف: قد اشتركا فية
جميعاً فجعله بينهما. وقال الشعبي وعلي يقول هو ابنهما وهما أبواه يرثانه ويرثهما، ذكره سعد
أيضاً. وروى الاثرم بإسناده عن سعيد بن المسيب في رجلين اشتركا في طهرا امرأة أو وطئها
رجلان في طهر فقال القائف: قد اشتركا فية جميعاً، فحملت فولدت غلاماً يشبههما فرفعا ذلك
إلى عمر. فدعا القافة فنظروه فقالوا: نراه يشبههما. فألحقه بهما وجعله يرثهما ويرثانه. وروى
عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن عروة بن الزبير أن رجلين ادعيا ولداً فدعا عامر القافة
واقتدى في ذلك ببصر القافة وألحقه بأحد الرجلين. ثم ذكر أيضاً عبد الرزاق بعد ذلك عن
بيع
٤٣٤
كتاب النكاح/ باب اللعان
معمر عن أيوب عن ابن سيرين قال: لما دعا عمر القافة فرأوا شبهة فيهما ورأى عمر مثل ما
رأت القافة قال: قد كنت علمت أن الكلبة لا تلد إلا كلباً، فيكون كل جرو لأبيه، وما كنت
أرى أن ماءين يجتمعان في ولد واحد. وأسند عبد الرزاق أيضاً عن معمر عن قتادة قال: رأى
القافة وعمر جميعاً شبهه فيهما فقال: هو بينكما يرثكما وترثانه. قال: فذكرت ذلك لابن
المسيب فقال: نعم هو الآخر منهما. قال: وقول المصنف، يعني صاحب الهداية: وعن علي
مثل ذلك، يشير إلى ما أخرج الطحاوي في شرح الآثار عن سماك عن مولى مخزومي قال:
وقع رجلان في طهر واحدة فعلقت الجارية فلم يدر من أيهما هو فأتيا علياً فقال: هو بينكما
يرثكما وترثانه وهو للباقي منكما. ورواه عبد الرزاق أخبرنا عن سفيان الثوري عن قابوس بن
أبي ظبيان عن علي قال: أتاه رجلان وقعا على امرأة في طهر فقال: الولد بينكما وهو للباقي.
منكما وضعفه البيهقي فقال: يرويه سماك عن رجل مجهول لم يسمه. وعن قابوس وهو غير
محتج به عن أبي ظبيان عن علي قال: وقد روي عن علي مرفوعاً بخلاف ذلك. ثم أخرج من
طريق أبي داود ثنا عبد الرزاق أنا الثوري عن صالح الهمداني عن الشعبي عن عبد خير عن زيد
بن أرقم قال: أتى علي كرم الله وجهه وهو باليمن بثلاثة وقعوا على امرأة في طهر واحد فسأل
اثنين أتقران بهذا الولد قالا: لا، حتى سألهم جميعاً. فجعل كلما سأل اثنين قالا: لا. فاقرع
بينهم فالحق الولد بالذي صارت عليه القرعة وجعل ثلثي الدية قال: فذكر ذلك للنبي وَّ
فضحك حتى بدت نواجده. واعلم أن أبا داود رواه أيضاً موقوفاً، وكذا النسائي عن علي بإسناد
أجود من إسناد المرفوع، وكذا رواه الحميدي في مسنده وقال فيه: فأغرمه ثلثي قيمة الجارية
لصاحبيه، وهو حسن بين المراد بالدية فيما قبله. وحاصل ما تحصل من هذا أنه { 8* سر بقول
القافة وأن عمر قضى على وفق قولهم وأنه عليه الصلاة والسلام لم ينكر إثبات على النسب
بالقرعة. ولا شك أن المعوّل على ما ينسب (١) إلى رسول الله وَّ ر وذلك هو سروره بقول
القافة. فأجاب المصنف أي صاحب الهداية عنه بأن سروره كان لأن الكفار كانوا يطعنون في
نسب أسامة لما تقدم عن أبي داود أنه كان أسود وزيد أبيض، فكانوا لذلك يطعنون في ثبوت
نسبه منه وكانوا مع ذلك يعتقدون قول القافة فكان قول القافة مقطعاً لطعنهم. فسروره لا شك
أنه لما يلزمه من قطع طعنهم. استراحة مسلم من التأذي بنفي نسبه وظهور خطئهم(٢) والرد
عليهم، ثم يحتمل ذلك كون القيافة حقاً في نفسها فيكون متعلق سروره أيضاً. وليست حقاً
فيختص سروره بما قلنا فيلزم أن يكون حكمنا بكون سروره بها نفسها فرع حكمنا بأنها حق
فيتوقف على ثبوت حقيتها ولم تثبت بعد. وطعن يطعن بضم عين المضارع في الرمح
والنسب. قال ابن الهمام: وأعلم أنه استدل على صحة القيافة بحديث اللعان حيث قال عليه
الصلاة السلام فيه إن جاءت به أصهب اسحم خمش الساقين فهو لزوجها، وإن جاءت به أورق
جعداً حمالياً خدلج الساقين سابغ الاليتين فهو للذي رميت به وهذه هي القيافة والحكم بالشبه.
بهز.٩٦
بو :-
٠٠١٢١٠٠/١
(١) في المخطوطة ((يثبت)).
(٢) في المخطوطة ((خطابهم)).
٤٣٥
كتاب النكاح/ باب اللعان
متفق عليه .
٣٣١٤ - (١١) وعن سعدِ بنِ أبي وقّاصٍ، وأبي بَكْرةَ، قالا: قالَ رسولُ اللَّهِ وَلَه :
((من ادَّعى إلى غير أبيهِ وهوَ يعلمُ [أنَّهُ غيرُ أبيهِ] فالجنَّةُ
وأجاب أصحابنا بأن معرفته ذلك وَل# من طريق الوحي لا القيافة. وقد يقال الظاهر عند إراءة
تعريقه أن يعرف أنه ابن فلان. والحق أنه ينقلب عليهم لأنه لو كانت القيافة معتبرة لكان شرعية
اللعان تختص بما إذا لم يشبه المزنى به شبه الزوج أولاً لحصول الحكم الشرعي حينئذ، لأنه
ليس ابناً للنافي وهو مستلزم للحكم بكذبها في نسبة الولد، وأجيب أيضاً بأنه لا يلزم من حقية
قيافته وَل حقية قيافة غيره، وفيه نظر، فإن القيافة ليست إلا باعتبار أمور ظاهرة يستوي الناس
في معرفتها. ثم أنه عليه الصلاة والسلام سر بفعل علي رضي الله عنه وهو إلحاقه بالقرعة، وقد
نقل ذلك عن بعض العلماء وطريقه صحيحة لتقريره عليه الصلاة والسلام إياه، بل سر به لأن
الضحك دليله مع عدم الإنكار، وإذا لم يقل به يلزمه الحكم بنسخة غير أنه يبقي ما ثبت عن
عمر من العمل بقول القافة فإنه من القوّة بكثرة الطرق بحيث لا يعارضه المروي عنه من قصة
شريح لخفائها وعدم تبينها، وإن كانت قصة مرسلة فإن سليمان بن يسار عن عمر مرسل وكذا
عروة عنه وهما إمامان لا يرويان إلا عن قوي، مع حجية المرسل عندنا، فكيف به من هذين.
على أن قول سعيد بن المسيب نعم في إسناد عبد الرزاق وبما يكون كالموصول بعمر لأن
سعيداً روى عن عمرو بالجملة، فلا خلاف في ثبوت هذا، وإذا ثبت عمل عمر بالقيافة لزم أن
ذلك الاحتمال في سروره عليه الصلاة السلام، هو كون الحقبة من متعلقاته ثابت. والشافعي لما
يقل بنسبة الولد إلى اثنين يلزمه اعتقادان فعل عمر كان عن رأيه لا بقول القافة فيلزمه القول
بثبوت النسب من اثنين، إذ حل محل الإجماع من الصحابة وهو ملزوم لأحد الأمرين. أما
سروره عليه الصلاة والسلام لم يكن متعلقاً إلا برد طعنهم أو ثبوت نسخه وبه نقول، إلا أنا
نقول أنه من مائهما كما يفهم من بعض الروايات لأن الماءين لا يجتمعان في الرحم إلا
متعاقبين. فإذا فرض أنه خلق من الأوّل لم يتصوّر خلقه من الثاني، بل إنه يريد الأوّل في
سمعه قوّة وفي بصره وأعضائه، وأما التعليل بأنه ينسد فم الرحم فقاصر على قولنا أن الحامل
لا تحيض. فأما من يقول تحيض لا يمكنه القول بالانسداد فيثبت النسب مع الحكم بأنه في
نفس الأمر من ماء أحدهما(١). (متفق عليه) ورواه الأربعة.
٣٣١٤ - (وعن سعد بن أبي وقاص وأبي بكرة قالا: قال رسول الله وَظله: من ادّعى)
بتشديد الدال. أي انتسب (إلى غير أبيه وهو يعلم) أي والحال أنه يعلم (أنه غير أبيه فالجنة
(١) فتح القدير ٣٤١/٤. ٣٤٥.
حديث رقم ٣٣١٤: أخرجه البخاري في صحيحه ٥٤/١٢ الحديث رقم ٦٧٦٦. ومسلم في ١ / ٨٠
الحديث رقم (٦٣.١١٥٤). وابن ماجه في السنن ٢/ ٨٧٠ الحديث رقم ٢٦١٠. والدارمي في ٢٪
٤٤٢ الحديث رقم ٢٨٦٠. وأحمد في المسند ٤٦/٥.
من۔۔
٤٣٦
کتاب النكاح/ باب اللعان
عليهِ حرامٌ)). متفق عليه
٣٣١٥ _ (١٢) وعن أبي هُريرة، قال: قالَ رسول اللهِ وَله: ((لا ترغَبُوا عن آبائِكم،
فمن رَغِبَ عن أبيهِ فقد كفَر)). متفق عليه.
وذُكر حديثُ عائشة ((ما من أحدٍ أغيرُ من الله)) في ((باب صلاة الخسوف)).
الفصل الثاني
٣٣١٦ - (١٣) عن أبي هريرةَ، أَنَّه سمعَ النبيَّ وَّهِ يقول لمَّا نزلت آيةُ الملاعنةِ:
عليه حرام) أي إن اعتقد حله أو قبل أن يعذب بقدر ذنبه، أو محمول على الزجر عنه لأنه يؤدي
إلى فساد عريض. وفي بعض النسخ: فالجنة حرام عليه. وهو مخالف للأصول المعتمدة. (متفق
عليه) ورواه أحمد وأبو داود وابن ماجه عنهما. وروى أبو داود عن أنس بلفظ: ((من ادّعى إلى
غير أبيه أو انتمى إلى غير مواليه فعليه لعنة الله المتتابعة إلى يوم القيامة))(١).
٣٣١٥ - (وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَّقير: لا ترغبوا) أي لا تعرضوا (عن آبائكم)
أي عن الانتماء إليهم (فمن رغب عن أبيه) أي وانتسب إلى غيره (فقد كفر) أي قارب الكفر، أو
يخشى عليه الكفر. في النهاية: الدعوة بالكسر في النسب، وهو أن ينتسب الإنسان إلى غير أبيه
وعشيرته وكانوا يفعلونه فنهوا عنه والادعاء إلى غير الأب مع العلم به حرام. فمن اعتقد إباحته
كفر لمخالفة الإجماع، ومن لم يعتقد إباحته فمعنى كفر وجهان، أحدهما أنه قد أشبه فعله فعل
الكفار، والثاني أنه كافر نعمة الإسلام. قال الطيبي: ومعنى قوله: فالجنة عليه حرام. على الأوّل
ظاهر وعلى الثاني تغليظ. (متفق عليه) ولفظ ابن الهمام: من ادّعى أباً في الإسلام غير أبيه وهو
يعلم أنه غير أبيه فالجنة عليه حرام. وأما لفظ الكتاب فمطابق لما في الجامع الصغير (وذكر) وفي
نسخة صحيحة: وقد ذكر. (حديث عائشة: ما من أحد أغير من الله) قال السيوطي: بالنصب
حجازية والرفع تميمية، وتمامه أن يزني عبده أو تزني أمته (في باب صلاة الخسوف) أي ذكر في
أثناء حديث من ذلك الباب وحذف ههنا لتكراره والله [تعالى] أعلم بالصواب.
(الفصل الثاني)
٣٣١٦ - (عن أبي هريرة أنه سمع النبي وله يقول لما نزلت آية الملاعنة:) أي حين نزولها
(١) أبو داود في السنن ٣٣٧/٥ الحديث رقم ٥١١٣.
حديث رقم ٣٣١٥: أخرجه أبو داود في السنن ٤٥/١٢ الحديث رقم ٦٧٦٨. ومسلم في ١/ ٨٠ الحديث
رقم (٦٢٠١٣) وأحمد في المسند ٥٢٦/٢.
رقم ٣٣١٦: أخرجه أبو داود في السنن ٦٩٥/٢ الحديث رقم ٢٢٦٣. والنسائي في ١٧٩/٦
حدیث
الحديث رقم ٣٤٨١. وابن ماجه ٩١٦/٢ الحديث رقم ٢٧٤٣. والدارمي في ٢٠٤/٢ الحديث
رقم ٢٢٣٨.
٤٣٧
كتاب النكاح/ باب اللعان
((أيَّما آمرأةٍ أدخلَتْ على قوم من ليسَ منهم؛ فليستْ من اللَّهِ في شيء، ولن يُدخلها اللَّهُ
جنَّته، وأيُّما رجلٍ جحدَ ولدَه وهو ينظرُ إِليه، احتجبَ اللَّهُ منه وفضَحَهُ على رؤوسٍ الخلائق
في الأوَّلينَ والآخرينَ)). رواه أبو داود، والنسائي، والدارمي.
٣٣١٧ - (١٤) وعن ابن عباس، قال: جاءَ رجلٌ إِلى النبيَّ وَّ فقال: إِنَّ لي امرأةً لا
تردُّ يدَ لامسٍ. فقال النبيُّ ◌َ: ((طلّقْها)) قال: إِنِي أُحِبُّها. قال: ((فأمسِكُهَا إِذا)).
(أيما امرأة أدخلت على قوم) أي بالانتساب الباطل (من ليس منهم فليست) أي المرأة (من الله) أي
من دينه أو رحمته (في شيء) أي شيء يعتد به (ولن يدخلها الله جنته) قال التوربشتي: أي مع من
يدخلها من المحسنين بل يؤخرها أو يعذبها ما شاء، إلا أن تكون كافرة فيجب عليها الخلود
(وأيما رجل جحد ولده) أي أنكره ونفاه (وهو) أي الولد (ينظر إليه) أي إلى الرجل. ففيه إشعار
إلى قلة شفقته ورحمته وكثرة قساوة قلبه وغلظته، أو والحال أن الرجل ينظر إلى ولده وهو أظهر.
ويؤيده قول التوربشتي: وذكر النظر تحقيق لسوء صنيعه وتعظيم الذنب الذي ارتكبه، حيث لم
يرض بالفرقة حتى أماط جلباب الحياء عن وجهه. قال الطيبي: يريد أن قوله: وهو ينظر إليه،
تتميم للمعنى ومبالغة فيه. اهـ قيل: معنى وهو ينظر إليه، أي وهو يعلم أنه ولده، فيكون قيداً
احترازیاً (احتجب الله منه) أي حجبه وأبعده من رحمته جزاء وفاقاً، والله منزه عن الاحتجاب كما
لا يخفى على ذوي الألباب (وفضحه) أي أخزاه (على رؤوس الخلائق) أي عندهم وهو كناية عن
تشهيره (في الأوّلين والآخرين) أي في مجمعهم. قال الطيبي [رحمه الله]: يحتمل أن يكون ظرفاً
لفضحه، وعلى رؤوس الخلائق حالاً من الضمير المنصوب. ويحتمل أن يكون حالاً مؤكدة من
الخلائق، أي على رؤوس الخلائق أجمعين. (رواه أبو داود والنسائي والدارمي) ورواه ابن ماجه
في صحيحه والحاكم في مستدركه(١) وزاد في آخره: يوم القيامة.
٣٣١٧ - (وعن ابن عباس قال: جاء رجل إلى النبي وَله فقال: إن لي) بفتح الياء
وسكونها (امرأة) بالنصب على اسم أن (لا ترد يد لامس) أي لا تمنع نفسها عمن يقصدها
بفاحشة (فقال النبي ◌َّر: طلقها فقال: إني أحبها. قال: فامسكها إذاً) أي فاحفظها لئلا تفعل
فاحشة. وهذا الحديث يدل على أن تطليق مثل هذه المرأة أولى لأنه عليه الصلاة والسّلام قدم
الطلاق على الإمساك، فلو لم يتيسر تطليقها بأن يكون يحبها أو يكون له منها ولد يشق مفارقة
الولد الأم، أو يكون لها عليه دين ولم يتيسر له قضاؤه فحينئذ يجوز أن لا يطلقها، ولكن بشرط
أن يمنعها عن الفاحشة، فإذا لم يمكنه أن يمنعها عن الفاحشة يعصى بترك تطليقها. قال ميرك
ناقلاً عن التصحيح للجزري: اختلفوا في معنى الحديث، فقال ابن الأعرابي من الفجور، وقال
الخطابي معناه أنها مطاوعة لمن أرادها، وبوّب عليه النسائي في سننه فقال: باب تزوّج الزانية.
(١) الحاكم في المستدرك ٢٠٣/٢.
حديث رقم ٣٣١٧: أخرجه أبو داود في السنن ٥٤١/٢ الحديث رقم ٢٠٤٩. والنسائي في ١٦٩/٦
الحديث رقم ٣٤٦٤.
١٠:
٤٣٨
كتاب النكاح/ باب اللعان
رواه أبو داود، والنسائي وقال النسائي: رفَعَهُ أحدُ الرواة إِلى ابنِ عبَّاسٍ، وأحَدُهم لم
يَرفَعْهُ. قال: وهذا الحديثُ ليسَ بثابتٍ.
٣٣١٨ - (١٥) وعن عمرو بنِ شُعيبٍ، عن أبيهِ، عن جدِّهِ، أنَّ النبيَّ ◌ََّ قِضَى أنَّ
كل مُسْتَلحَقِ اسْتُلْحِقَ بعدَ أبيهِ الذي يُدعَى له اذَّعاهُ ورَثَتُه فقَضَى
/٤/١٢
وقال الإمام أحمد: تعطي من ماله، يعني أنها سفيهة لا ترد من أراد الأخذ منه. وهذا أولى
لوجهين أحدهما: أنه لو أراد زانية لكان قذفاً، ولم يكن النبي وَلّ ليقره عليه. والثاني أنه لو
كان كذلك لم يكن النبي ويسر ليأذن في إمساكها. وفي شرح السنّة: معناه أنها مطاوعة لمن
أرادها لا ترد يده. قال التوربشتي: هذا وإن كان اللفظ يقتضيه احتمالاً، فإن قوله وَ التّ فأمسكها
إذاً. يأباه، ومعاذ الله أن يأذن رسول الله وَّلقول في إمساك من لا تماسك لها عن الفاحشة، فضلاً
عن أن يأمر به. وإنما الوجه فيه أن الرجل شكا إليه خرقها وتهاونها بحفظ ما في البيت
والتسارع إلى بذل ذلك لمن أراده. قال القاضي: هذا التوجيه ضعيف لأن إمساك الفاجرة غير
محرم حتى لا يؤذن فيه، سيما إذا كان الرجل مولعاً بها فإنه ربما يخاف على نفسه أن لا يصطبر
عنها لو طلقها فيقع هو أيضاً في الفجور، بل الواجب عليه أن يؤد بها ويجتهد في حفظها. في
شرح السنّة: فيه دليل على جواز نكاح الفاجرة وإن كان الاختيار غير ذلك، وهو قول أكثر أهل
العلم (رواه أبو داود والنسائي، وقال النسائي: رفعه أحد الرواة إلى ابن عباس واحدهم لم يرفعه
وقال:) أي النسائي (وهذا الحديث ليس بثابت) أي وصله. قال الشيخ الجزري: حديث ابن
عباس رواه أبو داود وسكت عليه. قال المنذري: ورجال إسناده محتج بهم في الصحيحين
على الاتفاق والإنفراد. ا هـ ورواه الشافعي في المسند عن سفيان بن عيينة عن هارون بن زيات
عن عبد الله بن عبيد الله بن عمير قال: أتى رجل رسول الله مَلقر، وساقه بلفظه مرسلاً. ورواه
النسائي عن عبد الله بن عبيد الله بن عمير عن ابن عباس مسنداً وقال: إنه ليس بثابت. اهـ
كلام الشيخ. يفهم منه إن وصل هذا الحديث ليس بثابت. [والمرسل أصح لا أن أصل
الحديث ليس بثابت] كما يفهم من كلام المصنف تأمل، ذكره ميرك.
٣٣١٨ - (وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي (وَّ قضى) أي أراد أن يقضي
(أن كل مستلحق) هو بفتح الحاء الذي طلب الورثة أن يلحقوه بهم واستلحقه، أي ادعاه.
وقوله: (استلحق) بصيغة المجهول صفة لقوله: مستلحق (بعد أبيه) أي بعد موت أبي
المستلحق (الذي يدعي) بالتخفيف، أي المستلحق (له) أي لأبيه، يعني ينسبه إليه الناس بعد
موت سيد تلك الأمة ولم ينكر أبوه حتى مات، قال الطيبي: وقوله: (ادعاه ورثته) خبر أن
والفاء في قوله: (فقضى) تفصيلية، أي أراد رسول الله و ﴿ أن يقضي فقضى، كما في قوله
تعالى: ﴿فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم﴾ [البقرة - ٥٤]. اهـ وقيل: قوله: ادعاه، صفة
حديث رقم ٣٣١٨: أخرجه أبو داود في السنن ٦٩٦/٢ الحديث رقم ٢٢٦٥. وابن ماجه في ٩١٧/٢
الحديث رقم ٢٧٤٦. والدارمى فى ٤٨٣/٢ الحديث رقم ٣١١٢. وأحمد فى المسند ٢١٩/٢.
١,٢٤٠٠
5 4
٤%'.
٤٣٩
كتاب النكاح/ باب اللعان
أنَّ [كلَّ] مَن كانَ مِنْ أمَةٍ يملكُها يومَ أصابَها فقد لحِقَ بمن استلحقَهُ وليسَ لهُ ممَّا قُسِمَ قبله من
الميراثِ شيءٌ، وما أدركَ من ميراثٍ لم يُقْسَمْ فَلَهُ نصيبُه، ولا يُلحَقُ إِذا كانَ أبوهُ الذي يُدعى
لهُ أنكْرُهُ، فإِنْ كانَ من أمَةٍ لم يَملِكُها أو من حُرَّةٍ عاهرَ بها فإِنَّهُ لا يَلحَقُ [به] ولا يَرِثُ، وإِنْ
كانَ الذي يُدعى له هو الذي ادَّعاهُ فهوَ ولَدُ زنيةٍ من حُرَّةٍ كانَ أو أُمَةٍ . رواه أبو داود.
٣٣١٩ - (١٦) وعن جابرِ بنِ عتيكٍ، أنَّ نبيَّ اللَّهِ وَلَيه
ثانية لمستلحق وخبر أن محذوف، أي من كان دل عليه ما بعده، أعني قوله: فقضى. (أن
من كان من أمة) أي كل ولد حصل من جارية (يملكها) أي سيدها (يوم أصابها) أي في
وقت جامعها (فقد لحق بمن استلحقه) يعني أن لم ينكر نسبه منه في حياته وهو معنى قوله:
(وليس له) أي للولد (مما قسم) بصيغة المجهول، أي الجاهلية بين ورثته (قبله) أي قبل
الاستلحاق (من الميراث شيء) لأن ذلك الميراث وقعت قسمته في الجاهلية والإسلام يعفو
عما وقع في الجاهلية (وما أدرك) أي الولد (من ميراث لم يقسم فله نصيبه) أي فللولد حصته
(ولا يلحق) بفتح أوله وفي نسخة بضمة، أي لا يلحق الولد (إذا كان أبوه الذي يدعى له) أي
ينتسب إليه (أنكره) أي أبوه لأن الولد انتفى عنه بإنكاره، وهذا إنما يكون إذا ادعى الاستبراء
بأن يقول: مضى عليها حيض بعدما أصابها، وما وطىء بعد مضي الحيض حتى ولدت،
وحلف على الاستبراء فحينئذ ينتفي عنه الولد. (فإن كان) أي الولد (من أمة لم يملكها أو من
حرة عاهر) أي زنى بها (فإنه) أي الولد (لا يلحق) بصيغة المعلوم أو المجهول (ولا يرث)
أي ولا يأخذ الإرث (وإن كان الذي يدعى له) وصلية تأكيد ومبالغة لما قبله (هو ادعاء) وفي
نسخة: هو الذي ادّعاه بتشديد الدال أي انتسبه (فهو ولد زنية) بكسر فسكون (من حرة كان)
أي الولد (أو أمة) أي من جارية. قال الخطابي: هذه أحكام قضى بها رسول الله وَ يّ في
أوائل الإسلام، ومبادىء الشرع وهي أن الرجل إذا مات واستلحق له ورثته ولداً فإن كان
الرجل الذي يدعى الولد له ورثته قد أنكر أنه منه لم يلحق به ولم يرث منه، وإن لم يكن
أنكره فإن كان من أمته لحقه وورث منه ما لم يقسم بعد من ماله ولم يرث ما قسم قبل
الاستلحاق، وإن كان من أمة غيره كابن وليدة زمعة أو من حرة زنى بها لا يلحق به ولا
يرث، بل [لو] استلحقه الواطىء لم يلحق به، فإن الزنا لا يثبت النسب. قال النووي: معناه
إذا كان للرجل زوجة أو مملوكة صارت فراشاً له فأتت بولد لمدة الإمكان لحقه وصار ولداً
له يجري بينهما التوارث وغيره من أحكام الولادة، سواء كان موافقاً له في الشبه أو مخالفاً
له، نقله السيوطي [رحمه الله] : . (رواه أبو داود).
٣٣١٩ - (وعن جابر بن عتيك) بفتح العين المهملة وكسر الفوقية بعدها تحتية ساكنة.
قال المؤلف: كنيته أبو عبد الله الأنصاري شهد بدراً وجميع المشاهد بعدها. (أن نبي الله وَلـ
حديث رقم ٣٣١٩: أخرجه أبو داود في السنن ١١٤/٣ الحديث رقم ٢٦٥٩. والنسائي في ٧٨/٥
الحديث رقم ٢٥٥٨. والدارمي في ٢/ ٢٠٠ الحديث رقم ٢٢٢٦. وأحمد فى المسند ٤٤٥/٥.
F
٤٤٠
كتاب النكاح/ باب اللعان
قال: ((مِنَ الغَيرةِ ما يُحبُّ اللَّهُ، ومنها ما يُبغِضُ اللَّهُ؛ فأمَّا التي يُحبُّها اللَّهُ فالغَيرَةُ في الرَّيبةِ،
وأمَّا التي يُبغضُها اللَّهُ فالغَيرَةُ في غيرِ ريبةٍ، وإِنَّ منَ الخُيَلاءِ ما يُبغضُ اللَّهُ، ومنها ما يُحبُّ
اللَّهُ؛ فأمَّا الخُيَلاءُ التي يُحبُّ اللَّهُ فاختِيالُ الرَّجلِ عندَ القِتالِ، واختِيالُه عندَ الصَّدقةِ، وأمَّا
التي يُبغِضُ اللَّهُ فاختيالُه في الفخرِ)). وفي رواية: ((في البَغي)). رواه أحمد، وأبو داود،
والنسائي.
١١/٠/
قال: من الغيرة) بفتح أوّله أي على أهله (ما يحب الله) أي يرضاه ويستحسنه (ومنها ما يبغض
الله) أي يكرهه ويستقبحه (فأما التي يحبها الله) تفصيل على طريق اللف والنشر المرتب
(فالغيرة في الريبة) بالكسر أي في موضع التهمة والشك ما تتردد فيه النفس فتظهر فائدة الغيرة
وهي الرهبة والإنزجار، وإن لم تكن في موقعها فتورث البغض والشنآن والفتن وهذا معنى
قوله: (وأما التي يبغضها الله فالغيرة في غير ريبة) وفي نسخة: من غير ريبة، بأن يقع في
خاطره ظن سوء من غير أمارة كخروج من باب أو ظهور من شباك أو تكشف على أجنبي أو
مكالمة معه من غير ضرورة (وإن من الخيلاء) بضم ففتح. في النهاية: الخيلاء بالضم
والكسر [الكبر] والعجب (ما يبغض الله ومنها ما يحب الله) في تقديم المبغوض ههنا
بخلاف، إشارة إلى أن الأصل والغالب في الخيلاء أنه مبغوض وفي الغيرة عكسه، (فأما
الخيلاء التي يحب الله) تفصيل على طريق اللف والنشر المشوّش نحو قوله تعالى: ﴿يوم
تبيض وجوه وتسود وجوه فأما الذين اسودت وجوههم ﴾ [آل عمران - ١٠٦]. (فاختيال
الرجل عند القتال) أي المقاتلة مع أعداء الله بأن يتقدم فيها بنشاط وجراءة وإظهار شجاعة
وقوّة وتبختر في المعركة واستهانة بالعدو وجلادة، كما قال النبي ◌َلّ: ((أنا النبي لا كذب أنا
ابن عبد المطلب)) (واختياله عند الصدقة) بأن تهزه الأريحة والسخاء فيعطيها طيبة بها نفسه فلا
يستكثر كثيراً ولا يعطي منها شيئاً إلا وهو بعده قليلاً. وقال بعظهم: بأن يقول مع نفسه أن
أعطى صدقة كثيرة إني غني ولي ثقة وتوكل على الله، فالتكبر عند المجاهدتين مجاهدة البدن
ومجاهدة المال محمود (وأما التي يبغض الله فاختياله) أي الرجل (في الفخر) أي الفخر في
النسب بأن يقول: أنا أشرف نسباً وأكرم أباً، وقد قال تعالى [جلّ جلاله]: ﴿إن أكرمكم عند
الله أتقاكم﴾ [الحجرات - ١٣]. وقال [تعالى] سبحانه: ﴿قل بفضل الله وبرحمته فبذلك
فليفرحوا﴾ [يونس - ٥٨]. أي بالإيمان والقرآن. وفي نسخة: في الفقر، أي تكبره في حال
فقره فإنه أقبح منه في حال غناه، وإنما يكون مذموماً إذا كان تكبره على الفقراء، أما إذا كان
تكبره على الأغنياء فهو محمود إذ التكبر على المتكبر صدقة. (وفي رواية: البغي) أي في
الظلم. وقيل في الحسد. والمراد بغير الحق والاستحقاق وأنواعه كثيرة (رواه أحمد وأبو داود
والنسائي).