Indexed OCR Text
Pages 181-200
١٨١
كتاب البيوع/ باب العطايا
قال: ((إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها)) فتصدق بها عمر: أنه لا يباع أصلها ولا
يوهب، ولا يورث، وتصدق بها في الفقراء وفي القربى، وفي الرقاب، وفي سبيل الله،
وابن السبيل، والضيف، لا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف، أو يطعم غير
متمول. قال ابن سيرين: غير متأثل مالاً متفق عليه.
٣٠٠٩ - (٢) وعن أبي هريرة، عن النبي ◌َّر، قال: ((العمرى جائزة)).
الرسول وَ أو أقرباء نفسه. والظاهر عموم فقرائهم وأغنيائهم [وفي الرقاب] بكسر الراء جمع
رقبة وهم المكاتبون، أي في اداء ديونهم. ويحتمل أن يريد به [أن يشتري] به الأرقاء ويعتقهم
(وفي سبيل الله) أي منقطع الغزاة أو الحاج (وابن السبيل) أي ملازمه وهو المسافر ولو كان غنياً
في بلاده (والضيف لا جناح) أي لا إثم (على من وليها) أي قام بحفظها وإصلاحها (أن يأكل
منها بالمعروف) بأن يأخذ منها قدر ما يحتاج إليه قوتاً وكسوة (أو يطعم) أي أهله أو حضره
(غير متموّل) أي مدخر، حال من فاعل وليها (قال ابن سيرين [رحمه الله تعالى]: (غير متأثل
مالاً) أي غير مجمع لنفسه منه رأس مال. قال النووي: وفيه دليل على صحة أصل الوقف وأنه
مخالف لشوائب الجاهلية، وقد أجمع المسلمون على ذلك. وفيه أن الوقف لا يباع ولا يوهب
ولا يورث وإنما ينتفع فيه بشرط الواقف. وفيه صحة شروط الواقف، وفيه فضيلة الوقف وهي
الصدقة الجارية، وفضيلة الإنفاق مما يحب، وفضيلة ظاهرة لعمر رضي الله عنه، وفضيلة
مشاورة أهل الفضل والصلاح في الأمور وطرق الخير. وفيه أن خيبر فتحت عنوة وأن الغانمين
ملكوها واقتسموها واستمرت أملاكهم على حصصهم. وفيه فضيلة صلة الأرحام والوقف
عليهم. وفي شرح السنّة: فيه دليل على أن من وقف شيئاً ولم ينصب له قيماً معيناً جاز لأنه
قال: لا جناح على من وليها أن يأكل منها ولم يعين لها قيماً. وفيه دليل على أنه يجوز للواقف
أن ينتفع بوقفه لأنه أباح الأكل لمن وليه، وقد يليه الواقف، ولأنه ◌َّير قال للذي ساق الهدى:
اركبها. وقال رَّلر ((من يشتري بئر رومة فيكون دلوه فيها كدلاء المسلمين. فاشتراها عمر رضي
الله عنه(١) ووقف أنس داراً وكان إذا قدمها نزلها. (متفق عليه) أقول: الأنسب إيراد هذا
الحديث في باب الوقف والله تعالى أعلم.
٣٠٠٩ - (وعن أبي هريرة عن النبي {َ *: العُمْرَى) بضم مهملة وسكون ميم وفتح راء
بعده ألف مقصورة. قال العسقلاني: وحكى ضم الميم مع ضم أوله، وحكى فتح أوله مع
السكون مأخوذة من العمر، والرقبى بوزنها مأخوذة من المراقبة (جائزة) قال النووي [رحمه
الله]: العمرى، قول القائل: أعمرتك هذه الدار، أو جعلتها لك عمرك أو حياتك أو ما عشت
(١) ذكره من حديث طويل بمعناه كنز العمال ١٠١/١٣ الحديث رقم ٣٦٣٣٦.
حديث رقم ٣٠٠٩: أخرجه في صحيحه ٢٣١/٥ الحديث رقم ٢٦٢٦. ومسلم في صحيحه ٢٤٨/٣
الحديث رقم (١٦٢.٣٢). وأبو داود في السنن ٨١٦/٣ الحديث رقم ٣٥٤٨. والنسائي في ٦/
٢٧٧ الحديث رقم ٣٥٤٨. وأحمد في المسند ٣٤٧/٢.
١٨٢
كتاب البيوع/ باب العطايا
متفق عليه .
٣٠١٠ - (٣) وعن جابر، عن النبي وَّر، قال: ((إن العمرى ميراث لأهلها)) رواه
مسلم .
أو ما يفيد هذا المعنى. قال ابن الملك: أي جعل الدار للمعمر له مدة حياته مع شرط أنه إذا
مات ترد على الواهب، وهذا الشرط باطل كما جاء به الحديث فهي له حال حياته ولورثته
بعده، قال النووي: قال أصحابنا: للعمرى ثلاثة أحوال:
إحداها: أن يقول: أعمرتك هذه الدار فإذا مت فهي لورثتك أو لعقبك، فيصح بلا
خلاف ويملك رقبة الدار وهي هبة. فإذا مات فالدار لورثته وإلا فلبيت المال ولا تعود إلى
الواهب بحال.
وثانيتها: أن يقتصر على قوله: جعلتها لك عمرك، ولا يتعرض لما سواه. ففي صحته
قولان للشافعي أصحهما وهو الجديد صحته، وله حكم الحال الأولى وثالثتها أن يقول:
جعلتها لك عمرك فإذا مت عادت إلي أو إلى ورثتي. ففي صحته خلاف. والأصح عندنا
صحته، فيكون له حكم الأولى. واعتمدوا على الأحاديث المطلقة وعدلوا به عن قياس
الشروط . وقال أحمد: تصح العمرى المطلقة دون المؤقتة. وقال مالك: العمرى في جميع
الأحوال تمليك لمنافع الدار مثلاً ولا يملك فيها رقبتها بحال، ومذهب أبي حنيفة كمذهبنا.
(متفق عليه) وفي الجامع الصغير للسيوطي: ((العمرى جائزة لأهلها))(١). رواه أحمد والبخاري
ومسلم والنسائي عن جابر وعن أبي هريرة أيضاً. رواه أحمد وأبو داود والنسائي عن زيد بن
ثابت وعن ابن عباس. وروى مسلم وأبو داود والنسائي عن جابر بلفظ: ((العمرى لمن وهبت
له))(٢). قال بعض الشرّاح من علمائنا: أن العمرى اسم من أعمرتك الشيء، أي جعلته لك مدة
عمرك، وهي جائزة بالإنفاق مملكة بالقبض كسائر الهبات، ويورث المعمر من المعمر له كسائر
أمواله على ما ذهب أكثر أهل العلم للحديثين [المتعاقبين بعد هذا الحديث] خلافاً لمالك، فإن
عنده يرجع إلى العمر وتمسك بما روي عن جابر بعدهما. والجواب عن ذلك أنه تأويل حدث
به جابر عن رأي واجتهاد، وأحاديثه التي رواها عن قول النبي ◌َّر تدل على خلافه.
٣٠١٠ - ( وعن جابر عن النبي وَّ ر قال: إن العمرى ميراث لأهلها) أي لأهل العمرى.
وفيه أن العمرى تمليك الرقبة والمنفعة، ففيه حجة على مالك في قوله: العمرى تمليك المنافع
دون الرقبة (رواه مسلم) أي عن جابر وأبي هريرة [رضي الله عنهم] على ما في الجامع، وروى
الطبراني بسند صحيح عن زيد بن ثابت ولفظه: العمرى والرقبى سبيلها سبيل الميراث. وسيأتي
معنی الرقبی وحکمها.
(١) أخرجه السيوطي في الجامع الصغير ٣٥٣/٢ الحديث رقم ٥٧٢٧.
(٢) السيوطي في الجامع الصغير ٣٥٣/٢ الحديث رقم ٥٧٣٠.
حديث رقم ٣٠١٠: أخرجه مسلم في صحيحه ١٢٤٨/٣ الحديث رقم (١٦٢٥.٣١).
سر .
٧٥مر
محمد
:* ١٫٥٠
٣,٢:
١٨٣
کتاب البيوع/ باب العطايا
٣٠١١ - (٤) وعنه قال: قال رسول الله وَله: ((أيما رجل أعمر عمرى له ولعقبه؛
فإنها الذي أعطيها، لا ترجع إلى الذي أعطاها، لأنه أعطى عطاء وقعت فيه المواريث)).
متفق عليه .
٣٠١٢ - (٥) وعنه، قال: إنما العمرى التي أجاز رسول الله وَلير: أن يقول: هي لك
ولعقبك؛ فأما إذا قال: هي لك ما عشت، فإنها ترجع إلى صاحبها. متفق عليه.
٣٠١١ - (أي عن جابر (قال: قال رسول الله وَله: أيما رجل أعمر) على بناء المفعول
(عمرى) مفعول مطلق (له) متعلق باعمر والضمير للرجل (ولعقبه) بكسر القاف، وقيل بسكونها
(فإنها) أي العمرى (للذي أعطيها) بصيغة المجهول (لا ترجع) بصيغة التأنيث، وقيل بالتذكير
أي لا تصير (إلى الذي أعطاها لأنه أعطى) بصيغة الفاعل وقيل بالمفعول (عطاء وقعت فيه
المواريث) والمعنى أنها صارت ملكاً للمدفوع إليه فيكون بعد موته لوارثه كسائر أملاكه ولا
ترجع إلى الدافع، كما لا يجوز الرجوع في الموهوب، وإليه ذهب أبو حنيفة والشافعي سواء
ذكر العقب أو لم يذكره. وقال مالك: يرجع إلى المعطي إن كان حياً وإلى ورثته إن كان ميتاً
إذا لم يذكر عقبة. قيل: الحديث يدل بالمفهوم على أن المُطْلَّقَة لا تورث بل ترجع إلى
المعمر، والقول المنقول عن جابر مصرح بذلك إلا أنه غير مرفوع. (متفق عليه).
٣٠١٢ - (أي عن جابر موقوفاً (قال: إنما العمرى التي أجاز رسول الله وَالقر أن يقول: هي
لك ولعقبك. فأما إذا قيل: هي لك ما عشت، فإنها ترجع إلى صاحبها) قال القاضي [رحمه
الله]: العمرى جائزة باتفاق مملكة بالقبض كسائر الهبات، ويورث المعمر من المعمر له كسائر
أمواله سواء أطلق أم أردف بأنه لعقبك أو ورثتك بعدك، وهو مذهب أكثر أهل العلم لما روى
عن جابر أنه وَّوقال: ((العمرى ميراث لأهلها)). أي للمعمر له. فإنه أطلق ولم يقيد، وذهب
جمع إلى أنه لو أطلق ولم يقل: هو لعقبك من بعدك (١) لم يورث منه، بل يعود بموته إلى
المعمر ويكون تمليكاً للمنفعة له، وهو قول الزهري ومالك. واحتجوا بما روى ثانياً عن جابر
أنه وَ الر قال: ((أيما رجل أعمر)) الحديث، فإن مفهوم الشرط الذي تضمنه أيما والتعليل يدل
على أن من لم يعمر له كذلك لم يورث منه العمرى، بل يرجع إلى المعطي وبما روى عنه ثالثاً
أنه قال: إنما العمرى التي أجاز الخ. والجواب عن الأوّل أنه مبني على المفهوم والقول
بعمومه وجواز تخصيص المنطوق(٢)، والخلاف ما حق في الكل. وعن الثاني أنه تأويل وقول
صدر عن رأي جابر واجتهاده فلا احتجاج فيه (متفق عليه).
5 **
حديث رقم ٣٠١١: أخرجه البخاري في صحيحه ٢٣٨/٥ الحديث رقم ٢٦٢٥. ومسلم في ١٢٤٥/٣
الحديث رقم (١٦٢٥.٢٠). وأبو داود في السنن ٨١٩/٣ الحديث رقم ٣٥٥٣. والترمذي في ٣/
٦٣٢ الحديث رقم ١٣٥٠. وابن ماجه في ٧٩٦/٢ الحديث رقم ٢٣٨٠.
حديث رقم ٣٠١٢: أخرجه مسلم في صحيحه ١٢٤٦/٣ الحديث رقم (١٦٢٥.٢٣) وأبو داود في ٣/
٨٢٠ الحديث رقم ٣٥٥١. وأحمد في المسند ٢٩٤/٣.
(١) في المخطوطة ((بعدي)).
١٨٤
کتاب البيوع/ باب العطايا
الفصل الثاني
٣٠١٣ - (٦) عن جابر، عن النبي بَّر، قال: ((لا ترقبوا، أو لا تعمروا، فمن أرقب
شيئاً، أو أعمر؛ فهي لورثته)) رواه أبو داود.
٣٠١٤ - (٧) وعنه، عن النبي ◌َّ، قال: ((العمرى جائزة لأهلها، والرقبى
(الفصل الثاني)
٣٠١٣ - (عن جابر عن النبي ◌َ﴿ قال: لا ترقبوا) من الأرقاب بمعنى المراقبة والاسم
الرقبى، وهي أن يقول: وهبت لك داري فإن مت قبلي رجعت إليّ وإن مت قبلك فهي لك.
فعلى من المراقبة لأن كلاً منهما يرقب موت صاحبه، كذا في تلخيص النهاية. ثم الرقبى لا تصح
عند أبي حنيفة ومحمد وتصح عند أبي يوسف [رحمهم الله تعالى] (ولا تعمروا) من الأعمار. قال
بعض الشرّاح من علمائنا: هذا نهي إرشاد، يعني لا تهبوا أموالكم مدة ثم تأخذونها، بل إذا
وهبتم شيئاً زال عنكم ولا يرجع إليكم سواء كان بلفظ الهبة أو العمرى أو الرقبى. والرقبى اسم
من أرقب الرجل إذا قال لغيره: وهبت لك كذا على أن مت قبلك استقر عليك وإن مت قبلي عاد
إليّ، وأصله المراقبة لأن كل واحد يرقب موت صاحبه (فمن أرقب شيئاً أو أعمر) بصيغة المفعول
فيهما (فهي) أي العمرى أو الرقبى المفهومين من الفعلين. وفي نسخة: وهي. والظاهر فهو أي
ذلك الشيء (لورثته) قال الطيبي [رحمه الله]: الضمير للمعمر له وكذا المراد بأهلها. والفاء في
فمن أرقب تسبب للنهي وتعليل له يعني: لا ترقبوا ولا تعمروا ظناً منكم واغتراراً أن كلاً منهما
ليس بتمليك للمعمر له فيرجع إليكم بعد موته، وليس كذلك. فإن من أرقب شيئاً أو أعمر فهو
لورثة المعمر له، فعلى هذا يتحقق إصابة ما ذهب إليه الجمهور في أن العمرى للمعمر له وأنه
يملكها ملكاً تاماً يتصرف فيها بالبيع وغيره من التصرفات، وتكون لورثته بعده. وينصر هذا
التأويل الحديث الذي يليه في الفصل الثالث. في النهاية: كانوا في الجاهلية يفعلون ذلك فأبطله
الشارع وأعلمهم أن من أعمر شيئاً أو أرقبه في حياته فهو لورثته من بعده. وقد تعاضدت
الروايات على ذلك والفقهاء فيها مختلفون، فمنهم من يعمل بظاهر الحديث ويجعلونها
تمليكاً، ومنهم من يجعلها كالعارية ويتأول الحديث. (رواه أبو داود).
٣٠١٤ - (وعنه) أي عن جابر (عن النبي وَقير قال: العمرى جائزة لأهلها والرقبى
(١) في المخطوطة ((النطق)).
حديث رقم ٣٠١٣: أخرجه أبو داود في السنن ٨٢٠/٣ الحديث رقم ٣٥٥٦. والنسائي في ٢٧٣/٦
الحديث رقم ٣٧٣١.
رقم ٣٠١٤: أخرجه أبو داود في السنن ٨٢١/٣ الحديث رقم ٣٥٥٨. والترمذي في ٦٣٣/٣
حدیٹ
الحديث رقم ١٣٥١. والنسائي في ٢٧٤/٦ الحديث رقم ٢٧٣٩. وابن ماجه في ٢/ ٧٩٧ الحديث
رقم ٢٣٨٣. وأحمد في المسند ٣٠٣/٣.
١٫٠٠
٠٫٠٠
١٨٥
كتاب البيوع/ باب ((من عرض عليه ريحان ... إلخ))
جائزة لأهلها)). رواه أحمد، والترمذي، وأبو داود.
الفصل الثالث
٣٠١٥ - (٨) عن جابر، قال: قال رسول الله وَله: ((أمسكوا أموالكم عليكم، لا
تفسدوها؛ فإنه من أعمر عمرى، فهي الذي أعمر حياً وميتاً ولعقبه)). رواه مسلم.
(١٧) باب
جائزة لأهلها. رواه أحمد والترمذي وأبو داود) وكذا النسائي وابن ماجه، وروى أحمد
والنسائي عن ابن عباس بلفظ: ((العمرى جائزة لمن أعمرها والرقبى جائزة لمن أرقبها
والعائد في هبته كالعائد في قيئه))(١).
(الفصل الثالث)
٣٠١٥ - (عن جابر قال: قال رسول الله وَلتجر: أمسكوا وأموالكم عليكم لا تفسدوها) هذا
النهي تأكيد للأمر (فإنه) أي الشأن (من أعمر عمرى فهي للذي أعمر) بصيغة المفعول (حياً) دل
على أنه يملكها وله بيعها وسائر التصرفات (ميتاً) أي ديناً ووصية ووقفاً (ولعقبه) قال النووي
[رحمه الله]: أعلمهم أن العمرى هبة صحيحة ماضية يملكها الموهب له ملكاً تاماً لا تعود إلى
الواهب أبداً، وإذا علموا ذلك فمن شاء أعمر ودخل فيها على بصيرة ومن شاء تركها لأنهم
كانوا يتوهمون أنها كالعارية يرجع فيها. وهذا دليل الشافعي وموافقيه. ا هـ وحقه أن يقول:
وهذا دليل لأبي حنيفة ومن تبعه [رحمهم الله] (رواه مسلم).
(باب)
بالرفع منوّناً وبالسكون.
(١) أبو داود في السنن ٨١٧/٣ الحديث رقم ٣٥٦٠.
حديث رقم ٣٠١٥: أخرجه في صحيحه ١٢٤٦/٣ الحديث رقم (١٦٢٥.٢٦) وأحمد في المسند ٣/
٣١٢.
١٨٦
كتاب البيوع/ باب ((من عرض عليه ريحان ... إلخ))
الفصل الأول
٣٠١٦ - (١) عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله بَّ ر: ((من عرض عليه ريحان فلا
يرده؛ فإنه خفيف المحمل، طيب الريح)).
١٫٦٣٧١/٠
(الفصل الأوّل)
٣٠١٦ - (عن أبي هريرة قال: قال رسول الله يتلقى: من عرض عليه) أي أعطى (ريحان)
وهو كل نبت طيب الريح من أنواع المشموم وعلى ما في النهاية (فلا يرده) بضم الدال المشددة
وفتحها، والأوّل هو المنقول في النسخ المصححة. قال النووي [رحمه الله]: قال عياض
[رحمه الله]: رواية المحدثين في هذا الحديث بفتح الدال. قال: وأنكر محققو شيوخنا من أهل
العربية. قالوا: وهذا غلط من الرواة، وصوابه ضم الدال. قال: ووجدته بخط بعض الأشياخ
بضم الدال، وهو الصواب عندهم على مذهب سيبويه. وهذا في المضاعف إذا دخلت عليه
الهاء أن يضم ما قبلها في الأمر ونحوه من المجزوم مراعاة للواو التي توجبها ضمة الهاء
بعدها، ولا يكون ما قبل الواو مضموماً، هذا في المذكر. وأما المؤنث مثل ردها وحدها
فمفتوح الدال مراعاة للألف، هذا آخر كلام القاضي. وأما ردها ونظائره من المؤنث ففتحة
الدال لازمة بالاتفاق. وأما رده ونحوه للمذكر ففيه ثلاثة أوجه، أفصحها وجوب الضم كما
ذكره القاضي، والثاني الكسر وهو ضعيف، والثالث الفتح وهو أضعف. اهـ كلامه. وقال
التفتازاني رحمه الله في شرح الزنجاني: إذا اتصل بالمجزوم حال الإدغام هاء الضمير لزم وجه
واحد نحو ردها بالفتح، ورده بالضم على الأفصح. وروى رده بالكسر وهو ضعيف. اهـ
والظاهر أن الفتح هو الفصيح المقابل بالأفصح، لكنه يخالف ما في الشافية من أن الكسر لغة
وغلط ثعلب في جواز الفتح. اهـ ولعل المحققين إنما نسبوا الفتح إلى الغلط مع أنه وجه في
العربية صيانة لحمل كلامه وَلجر على غير الأفصح، وقد قال ◌َّر: ((أنا أفصح العرب بيد أني من
قريش))(١). ويمكن أن يعتذر عن اختيار المحدثين مع قطع النظر أنه أخف ليكون نصاً على
النهي، فإن الضم يحتمل النفي والنهي. بل الأظهر هو الأوّل فتأمل، ومع هذا فالرفع أرفع عند
المحققين؛ أما على تقدير النهي فلموا فقه العربية. وأما على تقدير النفى فللطريقة الأبلغية لأن
النفي من الشارع أكد في النهي من النهي صريحاً (فإنه) أي الريحان أو أعطاءه أو قبضه وأخذه.
(خفيف المحمل) أي قليل المنة (طيب الريح) فإنه يشم منه ريح الجنة، فإنه ورد أنه خرج من
١
١٢/١٢/١
حديث رقم ٣٠١٦: أخرجه مسلم في صحيحه ١٧٦٦/٤ الحديث رقم (٢٢٥٣.٢٠). وأبو داود فى ٤/
٤٠٠ الحديث رقم ٤١٧٢. والترمذي في السنن ١٠٠/٥ الحديث رقم ٢٧٩١. والنسائي ١٨٩/٨
الحدیث رقم ٥٢٥٩.
(١) وقد ورد أنا أعربكم: أنا من قريش، ولساني لسان سعد بن بكر.
١٨٧
كتاب البيوع/ باب ((من عرض عليه ريحان ... إلخ))
رواه مسلم.
٣٠١٧ - (٢) وعن أنس: أن النبي ◌َلو كان لا يرد الطيب. رواه البخاري.
٣٠١٨ - (٣) وعن ابن عباس، قال: قال رسول الله وَلقول: ((العائد في هبته كالكلب
يعود في قيئه، ليس لنا مثل السوء)). رواه البخاري.
الجنة كما سيجيء في حديث. قال الطيبي: علة للنهي عن رد الهدية. والمعنى أن الهدية إذا
كانت قليلة وتتضمن نفعاً فلا تردوها لئلا يتأذى المهدي. ا هـ وفيه إشارة إلى حفظ قلوب الناس
بقبول هداياهم وَقَدْ وَرَدَ: ((تَهَادُوا وتحابُوا))(١) (رواه مسلم) وكذا أبو داود.
٣٠١٧ - (وعن أنس أن النبي ◌َّليو كان لا يرد الطيب) بكسر الطاء (رواه البخاري) وكذا
أحمد والترمذي والنسائي.
٣٠١٨ - (وعن ابن عباس قال: قال رسول الله وَلاير: العائد في هبته كالكلب يعود في
قيئه) شبهه بالقبيح الطبعي الحسي (ليس لنا مثل السوء) بفتح أوّله وضمه. وقيل: أي ليس
لأهل ملتنا أن يفعل بما يمثل(٢) به مثل السوء. وقال القاضي (رحمه الله]: أي لا ينبغي لنا،
يريد به نفسه والمؤمنين أن نتصف بصفة ذميمة يساهمنا فيها أخس [الحيوانات في أخس]
أحوالها. وقد يطلق المثل في الصفة القريبة العجيبة الشأن سواء كان صفة مدح أو ذم. قال
تعالى: ﴿الذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوء ولله المثل الأعلى﴾ [النحل - ٦٠]. واستدل به
على عدم جواز الرجوع في الموهوب بعد ما قبض الموهب قال النووي [رحمه الله]: هذا
المثل ظاهر في تحريم الرجوع في الهبة والصدقة بعد إقباضهما، وهو محمول على هبة الأجنبي
لا ما وهب لولده أو ولد ولده، كما صرح به في حديث النعمان [بن بشير] وهذا مذهب
الشافعي ومالك والأوزاعي. وقال أبو حنيفة [رحمه الله]: وآخرون: يرجع كل واهب إلا الوالد
وكل ذي رحم محرم. وقال التوربشتي: محمل هذا الحديث عند من يرى الرجوع في الهبة من
الأجنبي أنه على التنزيه وكراهة الرجوع لا على التحريم، ويستدل بحديث عمر رضي الله عنه
حين أراد شراء فرس حمل عليه في سبيل الله، فسأل عن ذلك رسول الله و ل﴿ فقال: لا تتبعه
وإن أعطاكه بدرهم ولا تعد في صدقتك فإن العائد في صدقته كالكلب يعود في قيئه. قال:
فلما لم يكن هذا القول موجباً حرمة ابتياع ما تصدق به، فكذلك هذا الحديث لم يكن موجباً
حرمة الرجوع في الهبة. اهـ وتعقبه الطيبي بما فيه التعجب. (رواه البخاري) وفي الجامع
(١) ابن عدي.
حديث رقم ٣٠١٧: أخرجه البخاري في صحيحه ١٠/ ٣٧٠ الحديث رقم ٥٩٢٩. والنسائي في السنن ٨/
١٨٩ الحدیث رقم ٥٢٥٨.
حديث رقم ٣٠١٨: أخرجه البخاري في صحيحه ٢٣٤/٥ الحديث رقم ٢٦٢٢. ومسلم في ١٢٤٠/٣
الحديث رقم (١٦٢٢/٥). وأبو داود في السنن ٨٠٨/٣ الحديث رقم ٣٥٣٨ والنسائي في ٦/ ٢٦٧
الحديث رقم ٣٧٠١. وابن ماجه في ٢/ ٧٩٧ الحديث رقم ٢٣٨٥.
١٨٨
كتاب البيوع/ باب ((من عرض عليه ريحان ... إلخ))
٣٠١٩ - (٤) وعن النعمان بن بشير، أن أباه أتى به إلى رسول الله وَّر فقال: إني
نحلت ابني هذا غلاماً. فقال: ((أكل ولدك نحلت مثله؟)) قال: لا. قال: ((فأرجعه)). وفي
رواية: أنه قال: ((أيسرك أن يكونوا إليك في البر سواء؟)) قال: بلى. قال: ((فلا إذن)). وفي
رواية أنه قال: أعطاني أبي عطية، فقالت عمرة بنت رواحة: لا أرضى حتى تشهد رسول
الله وَلّر، فأتى رسول الله وَلهو فقال: إني أعطيت ابني من عمرة بنت رواحة عطية، فأمرتني
أن أشهدك يا رسول الله! قال: ((أعطيت سائر ولدك مثل هذا؟)) قال: لا. قال: ((فاتقوا الله،
واعدلوا بين أولادكم)). قال:
الصغير: العائد في هبته [كالعائد في قيئه]. رواه أحمد والشيخان وأبو داود والنسائي وابن
ماجه(١)
٣٠١٩ - (وعن النعمان بن بشير) بضم النون. قال المؤلف: هو أوّل مولود ولد للأنصار
من المسلمين بعد الهجرة. قيل: مات النبي وَ ل* وله ثمان سنين وسبعة أشهر ولأبويه صحبة.
(أن أباه أتى به إلى رسول الله وَلتر فقال: إني نحلت) بفتح النون والحاء المهملة، أي وهبت
وأعطيت. (ابني هذا غلاماً) أي عبداً. قال في النهاية: النحل العطية، والهبة ابتداء من غير
عوض ولا استحقاق. (فقال: أكل ولدك) بنصب كل (نحلت مثله) أي مثل هذا الولد. دل على
استحباب التسوية بين الذكور والإناث في العطية. (قال: لا. قال: فارجعه) أي الغلام أورده
إليك. وقال ابن الملك: أي استرد الغلام، وهذا للإرشاد التنبيه على الأولى. (وفي رواية) أي
لهما أو لأحدهما (أنه قال: أيسرك) أي أيعجبك ويجعلك مسروراً (أن يكونوا) أي أولادك
جميعاً (إليك في البر سواء) أي مستوين في الإحسان إليك وفي ترك العقوق عليك، وفي
الأدب والحرمة والتعظيم لديك. (قال: بلى. قال: فلا) أي فلا تعط، أي الغلام له وحده، أو
فلا تعط بعضهم أكثر من بعض. (إذا) بالتنوين، أي إذا كنت تريد ذلك. (وفي رواية أنه قال:)
أي النعمان (أعطاني أبي عطية، فقالت عمرة بنت رواحة:) بفتح أوّلهما وهي أمه (لا أرضى)
أي بهذه العطية لولدي (حتى تشهد رسول الله(#) أي تجعله شاهداً على القضية (فأتى رسول
الله ◌َ﴾﴾ أي فجاء أبي (فقال: إني أعطيت ابني من عمرة بنت رواحة عطية فأمرتني أن أشهدك يا
رسول الله وَ﴾. قال: أعطيت سائر ولدك مثل هذا) أي باقي أولادك مثل هذا الإعطاء، وهو
بحذف الاستفهام مع أنه يمكن أن يقرأ بهمزة ممدودة. (قال: لا. قال: فاتقوا الله) أي حق تقواه،
أي ما استطعتم. (واعدلوا بين أولادكم) وفي خطاب العام إشارة إلى عموم الحكم (قال:) أي
(١) في المخطوطة ((قيل)).
حديث رقم ٣٠١٩: أخرجه البخاري في صحيحه ٢١١/٥ الحديث رقم ٢٥٨٧. ومسلم في صحيحه ٣/
١٢٤١ الحديث رقم (١٦٢٣/٩). والترمذي في السنن ٦٤٩/٣ الحديث رقم ١٣٦٧ والنسائي في
٢٥٨/٦ الحديث رقم ٣٦٧٢. وابن ماجه في ٢/ ٧٩٥ الحديث رقم ٢٣٧٥. ومالك في الموطأ ٢/
٧٥١ الحديث رقم ٣٩ من كتاب الأحكام وأحمد في المسند ٢٦٩/٤.
١٨٩
كتاب البيوع/ باب ((من عرض عليه ريحان ... إلخ))
فرجع فرد عطيته. وفي رواية: أنه قال: ((لا أشهد على جور)). متفق عليه.
الفصل الثاني
٣٠٢٠ - (٥) عن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله وَليقول: ((لا يرجع أحد في
هبته، إلا الوالد من ولده)). رواه النسائي، وابن ماجه.
النعمان (فرجع) أي فانصرف أبي من عنده عليه الصلاة والسّلام (فرد عطيته) أي إلى نفسه، أو
فرجع في هبته. وقوله: فرد. تفسير له، وفيه جواز رجوع الوالد في هبة ولده. (وفي رواية أنه)
أي النبي ◌َّشهر (قال: لا أشهد على جور) أي ظلم أو ميل. فمن لا يجوّز التفضيل بين الأولاد
يفسره بالأول، ومن يجوّزه على الكراهة يفسره بالثاني. قال النووي: فيه استحباب التسوية بين
الأولاد في الهبة فلا يفضل بعضهم على بعض سواء كانوا ذكوراً أو إناثاً. قال بعض أصحابنا:
ينبغي أن يكون ﴿للذكر مثل حظ الأنثيين﴾، والصحيح الأول لظاهر الحديث. فلو وهب بعضهم
دون بعض(١)، فمذهب الشافعي ومالك وأبي حنيفة [رحمهم الله تعالى] أنه مكروه وليس بحرام،
والهبة صحيحة. قال أحمد والثوري وإسحاق [رحمهم الله] وغيرهم: هو حرام واحتجوا بقوله:
((لا أشهد على جور))، وبقوله: ((واعدلوا بين أولادكم)). واحتج الأوّلون بما جاء في رواية:
((فاشهد على ذلك غيري)). ولو كان حراماً أو باطلاً لما قال هذا، وبقوله: فارجعه. ولو لم يكن
نافذاً لما احتاج إلى الرجوع. فإن قيل: قاله تهديداً. قلنا: الأصل خلافه ويحمل عند الإطلاق
صيغة أفعل على الوجوب أو الندب، تعذر ذلك فعلى الإباحة. وأما معنى الجور فليس فيه أنه
حرام لأنه هو الميل عن الاستواء والاعتدال، وكل ما خرج عن الاعتدال فهو جور سواء كان
حراماً أو مكروهاً. وفي شرح السنّة: في الحديث استحباب بين الأولاد في النحل وفي غيرها من
أنواع البر حتى في القبلة، ولو فعل خلاف ذلك نفذ. وقد فضل أبو بكر عائشة [رضي الله عنهما]
بأحد وعشرين وسقاً نحلها إياها دون سائر أولاده. وفضل عمر بن الخطاب (رضي الله عنه]
عاصماً في عطائه. وفضل عبد الرحمن بن عوف ولد أم كلثوم. وقال القاضي (رحمه الله]: وقرر
ذلك ولم ينكر عليهم فيكون إجماعاً (متفق عليه).
(الفصل الثاني)
٣٠٢٠ - (عن عبد الله بن عمرو) بالواو (قال: قال رسول الله وَلاقى: لا يرجع) بالرفع على
أنه معناه نهى كذا قيل. والأظهر أن معناه: لا ينبغي أن يرجع (أحد في هبته) بكسر الهاء،
أصلها وهبة (إلا الوالد من ولده) قيل: دل على حرمة الرجوع، وإنما جاز في الولد لأنه وماله
له، وبه أخذ الشافعي حيث قال: لا يصح الرجوع في الهبة إلا للوالد. وفيه أنه يجوز أن يكون
المراد نفي الانفراد، أي لا ينفرد ولا يستقل أحد بالرجوع في هبته من غير قضاء ولا تراض إلا
الوالد، فإنه ينفرد إذا احتاج. (رواه النسائي وابن ماجه).
:
(١) في المخطوطة ((بعضهم)).
حديث رقم ٣٠٢٠: أخرجه النسائي في السنن ٢٦٤/٦ الحديث رقم ٣٦٨٩. وابن ماجه في ٧٩٦/٢
الحديث رقم ٢٣٧٨. وأحمد في المسند ٢/ ١٨٢.
١٩٠
3 845 :
كتاب البيوع/ باب ((من عرض عليه ريحان ... إلخ))
٣٠٢١ - (٦) وعن ابن عمر وابن عباس، أن النبي ◌َّ، قال: ((لا يحل للرجل أن
يعطي عطية، ثم يرجع فيها، إلا الوالد فيما يعطي ولده. ومثل الذي يعطي العطية، ثم
يرجع فيها، كمثل الكلب أكل حتى إذا شبع قاء، ثم عاد في قيته)).
٣٠٢١ - (وعن ابن عمر وابن عباس رضي الله عنهم أن النبي وَلفر قال: لا يحل للرجل أن
يعطي عطية ثم يرجع) الظاهر النصب، لكن وقع في أصل سماعنا بالرفع، ذكره مشايخنا ميرك
شاه. ولعل وجه الرفع تقدير هو الضمير للرجل (فيها) أي في عطيته (إلا الوالد) بالنصب على
الاستثناء، فإن المراد بالرجل الجنس. فكأنه قال: لا يحل لرجل. الخ. وبظاهره أخذ الشافعي
ومن تبعه. وفيه أنه يجوز أن يكون المراد: لا يحل له ديانة ومروءة، فيكون مكروهاً لا أنه لا
يحل له قضاء وحكماً كما في خبر: ((لا يحل لرجل يؤمن بالله واليوم الآخر أن يبيت شبعان
وجاره طاوياً))(١). أي خالي البطن جائعاً، أي لا يليق له ذلك ديانة ومروءة، وإن كان جائزاً
قضاء وحكماً. (ومثل الذي يعطي العطية) أي لغيره ولده (ثم يرجع فيها كمثل الكلب أكل) أي
استمر على أكل شيء (حتى إذا شبع) بكسر الموحدة (قاء ثم عاد في قيئه) قال القاضي [رحمه
الله]: الحديث كما ترى نص صريح على أن الرجوع مقصور على ما وهب الوالد من ولده،
وإليه ذهب الشافعي، وعكس الثوري وأصحاب أبي حنيفة وقالوا: لا رجوع للواهب فيما وهب
لولده أو لأحد من محارمه ولأحد الزوجين فيما وهب للآخر، وله الرجوع فيما وهب
للأجانب. وجوّز مالك الرجوع مطلقاً إلا في هبة أحد الزوجين من الآخر وأوّل بعض الحنفية
هذا الحديث بأن قوله: لا يحل، معناه التحذير عن الرجوع لا نفي الجواز عنه كما في قولك:
((لا يحل للواجد ردّ السائل)»(٢). وقوله إلا الوالد لولده، معناه أن له أن يأخذ ما وهب لولده
ويتصرف في نفقته وسائر ما يجب له عليه(٣) وقت حاجته كسائر أمواله استيفاء لحقه من ماله لا
استرجاعاً لما وهب ونقضاً (٤) للهبة، وهو مع بعده عدول عن الظاهر بلا دليل. أقول: المجتهد
أسير الدليل، وما لم يكن له دليل لم يحتج إلى التأويل. قال: وما تمسكوا به من قول عمر
رضي الله عنه: من وهب هبة لذي رحم جازت، ومن وهب لغير ذي رحم فهو أحق بها ما لم
يثب منه، مع أنه ليس بدليل أقبل تأويلاً، وأولى بأن يؤوّل، مع أن الظاهر بين الفرق بين الهبة
من المحارم والأجانب في اقتضاء الثواب، وإن من وهب لأجنبي طمعاً في ثواب فلم يثبه كان
له الرجوع، وقد روى ذلك عنه صريحاً. وللشافعي قول قديم يقرب منه. وأبو حنيفة لا يرى
لزوم الثواب أصلاً فكيف يحتج به. قلت: لا بدع أن يقول بعدم جواز الرجوع عند حصول
الثواب، مع أنه لا يرى لزومه. قال الطيبي [رحمه الله]: لما تقرّر في حديث ابن عباس أن
١/ ٣٨٢
حديث رقم ٣٠٢١: أخرجه أبو داود في السنن ٨٠٨/٣ الحديث رقم ٣٥٣٩. والترمذي في ٣٨٤/٤
٢١٤٥
الحديث رقم ٢١٣٢. والنسائي في ٢٦٥/٦ الحديث رقم ٣٦٩٠. وابن ماجه في ٧٩٥/٢ الحديث
رقم ٢٣٧٧. وأحمد في المسند ١/ ٢٣٧.
(١) لم أجده بهذا اللفظ.
(٣) في المخطوطة ((قلبه)).
(٢) لم أجده بهذا اللفظ.
(٤) في المخطوطة ((نقضها)).
جزء
أ .. بي.
١٩١
كتاب البيوع/ باب ((من عرض عليه ريحان ... إلخ))
رواه أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه. وصححه الترمذي.
٣٠٢٢ - (٧) وعن أبي هريرة: أن أعرابياً أهدى لرسول الله وَ له بكرة، فعوضه منها
ست بكرات، فتسخط، فبلغ ذلك النبي ◌َّلتر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: ((إن فلاناً
أهدى إلي ناقة، فعوضته منها ست بكرات، فظل ساخطاً، لقد هممت أن لا أقبل هدية إلا
من قرشي، أو أنصاري، أو ثقفي، أو دوسي)).
الرجوع عن الهبة مذموم وأنه لا يصح، أو لا يستقيم للمؤمنين أن يتصفوا بهذا المثل السوء
وسبق أن حديث عمر رضي الله تعالى عنه جاء مؤكداً له، كان ينبغي أن لا يرجع من الأولاد
أيضاً. وإنما جوّز لأنه في الحقيقة ليس برجوع لأن الولد منه وماله له، يدل عليه قوله تعالى:
﴿وعلى المولود رزقهن﴾ [البقرة - ٢٣٣]. أي الذي ولد له وكأنه مملوكه. وقوله وت القول: ((أن
أطيب ما أكلتم من كسبكم)) (١). وربما تقتضي المصلحة الرجوع تأديباً وسياسة للولد لما يرى
منه(٢) لا يرضاه (رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه) والأخضر رواه الأربعة (وصححه
الترمذي) أي حكم بأن إسناده صحيح.
٣٠٢٢ - (وعن أبي هريرة أن إعرابياً) أي بدوياً (أهدى لرسول الله وَلايل بَكْرَة) البكر بفتح
موحدة فسكون كاف، فتى من الإبل بمنزلة غلام من الناس، والأنثى بكرة كذا في النهاية.
(فعوّضه منها ست بكرات) بفتحتين (فسخط) أي أظهر الأعرابي السخط والغضب واستقل إعطاءه
لأن طعمه في الجزاء كان أكثر لما سمع من جوده وفيض وجوده (٣) وَ لّر (فبلغ ذلك) أي سخطه
(النبي ◌َّ﴿ فحمد الله) أي بالشكر الجزيل (وأثنى عليه) أي بالثناء الجميل (ثم قال: إن فلاناً) كناية
عن اسمه، ولعل التصريح به للإحتراز عن قبول هديته (أهدى إلى ناقة فعوّضته منها ست بكرات
فظل) أي أصبح أو صار (ساخطاً لقد هممت) جواب قسم مقدر، أي والله لقد قصدت (أن لا
أقبل هدية) أي من أحد (إلا من قرشي) نسبة إلى قريش بحذف الزائد (أو أنصاري) أي منسوب
إلى قوم مسمى بالأنصار. والأظهر أن المراد به واحد منهم (أو ثقفي) بفتح المثلثة والقاف نسبة
إلى ثقيف قبيلة مشهورة (أو دوسي) بفتح الدال المهملة وسكون الواو نسبة إلى دوس بطن من
الأزد، أي إلا من قوم طبائعهم الكرم. قال التوربشتي [رحمه الله]: كره قبول الهدية ممن كان
الباعث له عليها طلب الاستكثار. وإنما خص المذكورين فيه بهذه الفضيلة لما عرف فيهم من
سخاوة النفس وعلو الهمّة وقطع النظر عن الأعواض. قال الطيبي: اعلم أن هذه الخصلة من
رذائل الأخلاق وأخسها ولذلك عرض رسول الله و # بالقبائل وحسن أخلاقها أن قبيلة هذا
الأعرابي على خلافها. ونهى الله حبيبة عنها في قوله: ﴿ولا تمنن تستكثر﴾ [المدثر - ٦]: أي
(١) الترمذي في السنن ٦٣٩/٣ الحديث رقم ١٣٥٨.
(٢) في المخطوطة ((منهما)).
حديث رقم ٣٠٢٢: أخرجه أبو داود في السنن ٨٠٧/٣ الحديث رقم ٣٥٣٧. والترمذي في ٦٨٦/٥
الحديث رقم ٣٩٤٥. والنسائي في ٦/ ٢٨٠ الحديث رقم ٣٧٥٩.
(٣) كذا مرره في المخطوطة.
١٩٢
كتاب البيوع/ باب ((من عرض عليه ريحان ... إلخ))
رواه الترمذي، وأبو داود، والنسائي.
٣٠٢٣ - (٨) وعن جابر، عن النبي وَلّ، قال: ((من أعطي عطاء فوجد فليجز به،
ومن لم يجد فليئن، فإن من أثنى فقد شكر، ومن كتم فقد كفر، ومن تحلى بما لم يعط
کان کلابس ثوبي زور)).
لا تعط طالباً للتكثير، نهى عن الاستعرار وهو أن يهب شيئاً وهو يطمع أن يتعوّض من الموهوب
له أكثر من الموهوب وهذا جائز ومنه المستعرر ثياب مني هبته. وهذا النهي أما نهى تحريم فهو
مختص برسول الله وَيهر، أو نهى تنزيه فله ولأمته. في شرح السنّة: اختلفوا في الهبة المطلقة التي
لا يشترط فيها الثواب. فذهب قوم من الفقهاء أنها تقتضي الثواب لهذا الحديث. ومنهم من
جعل الناس في الهبات على ثلاث طبقات، هبة الرجل ممن هو دونه فهو إكرام والطاف لا
يقتضي الثواب، وكذلك هبة النظير من النظير. وأما هبة الأدنى من الأعلى فتقتضي الثواب لأن
المعطي يقصد به الرفد والثواب، ثم قدر الثواب على العرف والعادة. وقيل: قدر قيمة
الموهوب. وقيل: حتى يرضى الواهب. وظاهر مذهب الشافعي أن الهبة المطلقة لا تقتضي
الثواب سواء وهب لنظيره أو لمن دونه أو فوقه وكل من أوجب الثواب، فإذا لم يثب كان
للواهب الرجوع في هبته. (رواه الترمذي وأبو داود والنسائي).
٣٠٢٣ - (وعن جابر عن النبي ◌َّلغز قال: من أعطى) بصيغة المجهول (عطاء) مفعول
مطلق أو عطية. وفي رواية: شيئاً، فهو مفعول ثان. (فوجد) أي سعة مالية (فليجز) بسكون
الجيم، أي فليكافىء (به) أي بالعطاء (ومن لم يجد) أي سعة من المال (فليئن) بضم الياء، أي
عليه. وفي رواية: به، أي فليمدحه، أو فليدع له. (فإن من أثنى) وفي رواية: فإن أثنى به.
(فقد شكر) وفي رواية: شكره، أي جازاه في الجملة. (ومن كتم) أي النعمة بعدم المكافأة
بالعطاء أو المجازاة بالثناء (فقد كفر) أي النعمة من الكفران، أي ترك أداء حقه. وفي رواية:
((وإن كتمه فقد كفره)). (ومن تحلى) أي تزين وتلبس (بما لم يعط) بفتح الطاء (كان كلابس
ثوبي زور) وفي رواية: ((فإنه كلابس ثنبي زور))، أي كمن كذب كذبين، أو أظهر شيئين كاذبين
قاله وَيهر لمن قالت: ((يا رسول الله إن لي ضرة فهل عليّ جناح أن أتشبع بما لم يعطني
زوجي))، أي أظهر الشبع. فأحد الكذبين قولها: أعطاني زوجي والثاني: إظهارها أن زوجي
يحبني أشد من ضرتي. قال الخطابي: كان رجل في العرب يلبس ثوبين من ثياب المعاريف
ليظنه الناس أنه رجل معروف محترم لأن المعاريف لا يكذبون، فإذا رآه الناس على هذه الهيئة
يعتمدون على قوله وشهادته على الزور لأجل تشبيه نفسه بالصادقين، وكان ثوباه سبب زوره
فسميا ثوبي زور أو لأنهما لبسا لأجله، وثنى باعتبار الرداء والأزار، فشبه هذه المرأة بذلك
الرجل. وفي النهاية: الحلي اسم لكل ما يتزين به. قال أبو عبيدة: هو المرائي يلبس ثياب
٠٠٥٠
حديث رقم ٣٠٢٣: أخرجه أبو داود في السنن ١٥٨/٥ الحديث رقم ٤٨١٣. والترمذي في ٣٣٢/٤
الحديث رقم ٢٠٣٤.
١٩٣
كتاب البيوع/ باب ((من عرض عليه ريحان ... إلخ))
رواه الترمذي، وأبو داود.
٣٠٢٤ - (٩) وعن أسامة بن زيد، قال: قال رسول الله وَلقوله: ((من صنع إليه معروفاً
فقال لفاعله: جزاك الله خيراً؛ فقد أبلغ في الثناء)). رواه الترمذي.
٣٠٢٥ - (١٠) وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ويلي: ((من لم يشكر الناس لم
يشكر الله)). رواه أحمد، والترمذي.
الزهاد ويرى أنه زاهد. وقال: غيره: هو أن يلبس قميصاً يصل بكميه كمين آخرين يرى أنه
لابس قميصين فكأنه يسخر من نفسه. ومعناه أنه بمنزلة الكاذب القائل ما لم يكن. وقيل: إنما
شبه بالثوبين لأن المتحلي كذب كذبين فوصف نفسه بصفة ليست فيه، ووصف غيره بأنه خصه
بصلة فجمع بهذا القول بين كذبين. أقول: وبهذا القول تظهر المناسبة بين الفصلين في هذا
الحديث مع موافقته لسبب وروده فكأنه قال: ومن لم يعط وأظهر أنه قد أعطى كان مزوّراً
مرتین (رواه الترمذي وأبو داود) ورواه البخاري في الأدب وابن حبان في صحيحه.
٣٠٢٤ - (وعن أسامة بن زيد) بضم الهمزة حب رسول الله وَلاير: (قال: قال رسول
الله * من صنع إليه) بصيغة المجهول، أي أحسن إليه (معروف) وفي نسخة معروفاً
بالنصب، أي أعطى عطاء (فقال لفاعله:) أي بعد عجزه عن إثابته أو مطلقاً (جزاك الله
خيراً) أي خبر الجزاء أو أعطاك خيراً من خيري الدنيا والآخرة (فقد أبلغ في الثناء) أي
بالغ في أداء شكره. وذلك أنه اعترف بالتقصير وأنه ممن عجز عن جزائه وثنائه، ففوّض
جزاءه إلى الله ليجزيه الجزاء الأوفى. (رواه الترمذي) وكذا النسائي وابن حبان وقال
الترمذي: حسن غريب.
٣٠٢٥ - (وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَظير: من لم يشكر الناس لم يشكر الله)
قال القاضي [رحمه الله]: وهذا أمّا لأن شكره تعالى إنما يتم بمطاوعته وامتثال أمره، وإن مما
أمر به شكر الناس الذين هم وسائط في إيصال نعم الله إليه، فمن لم يطاوعه فيه لم يكن مؤدياً
شكر نعمه. أو لأن من أخل بشكر من أسدى إليه نعمة من الناس مع ما يرى من حرصه على
حب الثناء والشكر على النعماء وتأذيه بالأعراض والكفران، كان أولى بأن يتهاون في شكر من
يستوي عنده الشكر والكفران.
(رواه أحمد والترمذي) [وفي الجامع الصغير رواه أحمد والترمذي] والضياء عن أبي
سعيد(١).
حديث رقم ٣٠٢٤: أخرجه الترمذي في السنن ٣٣٣/٤ الحديث رقم ٢٠٣٥.
رقم ٣٠٢٥: أخرجه أبو داود في السنن ١٥٧/٥ الحديث رقم ٤٨١١. والترمذي في ٢٩٩/٤
حدیث
الحديث رقم ١٩٥٥. وأحمد في المسند ٢٥٨/٢.
(١) الجامع الصغير ٥٤٣/٢ الحديث رقم ٩٠٢٨.
٦٦٨٢٠٢
أحمر
اتف 4-جورد.
١٩٤
كتاب البيوع/ باب ((من عرض عليه ريحان ... إلخ))
٣٠٢٦ - (١١) وعن أنس، قال: لما قدم رسول الله وَلقول المدينة أتاه المهاجرون.
فقالوا: يا رسول الله! ما رأينا قوماً أبذل من كثير، ولا أحسن مواساة من قليل؛ من قوم
نزلنا بين أظهرهم: لقد كفونا المؤونة، وأشركونا في المهنأ، حتى لقد خفنا أن يذهبوا
بالأجر کله. فقال: ((لا ما دعوتم الله لهم وأثنیتم علیھم)). رواه الترمذي وصححه.
٣٠٢٧ - (١٢) وعن عائشة، عن النبي وَلقول، قال: ((تهادوا؛ فإن الهدية تذهب
الضغائن)) .
٣٠٢٦ - (وعن أنس قال: لما قدم رسول الله وَلخير المدينة) أي حين جاءها أوّل قدومه (أتاه
المهاجرون) أي بعد ما قام الأنصار بخدمتهم وإعطائهم أنصاف دورهم وبساتينهم، إلى أن
بعضهم طلق أحسن نسائه ليتزوّجها بعض المهاجرين كما أخبر الله تعالى عنهم بقوله: ﴿والذين
تبوؤا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا
ويؤثرون على أنفسهم لو كان بهم خصاصة ﴾ [الحشر ـ٩]. (فقالوا:) أي المهاجرون (يا رسول
الله ما رأينا قوماً أبذل من كثير) أي من مال (ولا أحسن مواساة من قليل) أي من مال قليل (من
قوم نزلنا بين أظهرهم) أي عندهم وفيما بينهم. والمعنى أنهم أحسنوا إلينا سواء كانوا كثيري
المال أو فقيري الحال. قال الطيبي [رحمه الله]: الجاران أعني قوله: من قليل ومن كثير
متعلقان بالبذل والمواساة، وقوله: من قوم. صلة لا بذل وأحسن على سبيل التنازع، وقوم هو
المفضل. والمراد بالقوم الأنصار، وإنما عدل عنه إليه ليدل التنكير على التفخيم فيتمكن من
إجراء الأوصاف التالية عليه بعد الإبهام ليكون أوقع، لأن التبيين بعد الإبهام أوقع في النفس
وأبلغ. (لقد كفونا) من الكفاية (المؤنة) أي تحملوا عنا مؤنة الخدمة في عمارة الدور والنخيل
وغيرهما (وأشركونا) أي مثل الأخوان (في المهنأ) بفتح الميم والنون وهمز في آخره، ما يقوم
بالكفاية وإصلاح المعيشة. وقيل: ما يأتيك بلا تعب. قال ابن الملك: والمعنى أشركونا في
ثمار نخيلهم وكفونا مؤنة سقيها وإصلاحها وأعطونا نصف ىمارهم. وقال القاضي: يريدون به
ما أشركوهم فيه من زرعهم وثمارهم (لقد) وفي نسخة صحيحة: حتى لقد (خفنا أن يذهبوا) أي
الأنصار (بالأجر كله) أي بأن يعطيهم الله أجر هجرتنا من مكة إلى المدينة وأجر عبادتنا كلها من
كثرة إحسانهم إلينا (فقال: لا) أي لا يذهبون بكل الأجر فإن فضل الله واسع فلكم ثواب العبادة
ولهم أجر المساعدة (ما دعوتم الله لهم وأثنيتم عليهم) أي ما دمتم تدعون لهم بخير فإن دعاءكم
يقوم بحسناتهم إليكم وثواب حسناتكم راجع عليكم. وقال الطيبي [رحمه الله]: يعني إذا
حملوا المشقة والتعب على أنفسهم وأشركونا في الراحة والمهنأ فقد أحرز والمثوبات، فكيف
نجازيهم. فأجاب لا، أي ليس الأمر كما زعمتم فإنكم إذا أثنيتم عليهم شكراً لصنيعهم ودمتم
عليه فقد جازيتموه (رواه الترمذي وصححه).
٣٠٢٧ - (وعن عائشة عن النبي وَلقر قال: تهادوا) بفتح الدال أمر من التهادي بمعنى
المهاداة، أي ليعط الهدية ويرسلها بعضكم لبعض (فإن الهدية تذهب الضغائن) جمع ضغينة
وهي الحقد، أي تزيل البغض والعداوة وتحصل الألفة والمحبة كما ورد ((تهادوا وتحابوا
وتصافحوا يذهب الغل عنكم». على ما رواه ابن عساكر عن أبي هريرة. وفي رواية له عن
١٩٥
كتاب البيوع/ باب ((من عرض عليه ريحان ... إلخ))
رواه .
٣٠٢٨ - (١٣) وعن أبي هريرة [رضي الله عنه]، عن النبي وَطّ قال: ((تهادوا؛ فإن
الهدية تذهب وحر الصدر. ولا تحقرن جارة لجارتها ولو شق فرسن شاة)). رواه الترمذي.
٣٠٢٩ - (١٤) وعن ابن عمر، قال: قال رسول الله وَلالية: ((ثلاث
عائشة: ((تهادوا تزداد واجباً)). قال الطيبي: وذلك لأن السخط جالب للضغينة والحقد،
والهدية جالبة للرضا، فإذا جاء سبب الرضا ذهب سبب السخط - (رواه) هنا بياض في
الأصل والحق به الترمذي(١). قال ميرك: كذا قاله الجزري، وفي حاشيته وصحح الجزري
إسناده .
٣٠٢٨ - (وعن أبي هريرة عن النبي ◌َّلغير قال: تهادوا فإن الهدية تذهب وَحر الصدر) بفتح
الواو والحاء المهملة، أي غشه ووسوسته. وقيل: هو الحقد والغضب. وقيل: أشد الغضب
وقيل العداوة، كذا في النهاية. (ولا تحقرن جارة لجارتها) متعلق بمحذوف وهو مفعول تحقرن
أي لا تحقرن جارة هدية مهداة لجارتها وهو تتميم للكلام السابق ذكره الطيبي [رحمه الله]:
وفي النهاية: الجارة الضرة من المجاورة بينهما، ومنه حديث أم زرع وغيظ جارتها، أي أنها
ترى حسنها فيغيظها ذلك (ولو شق فرسن بشاة) بكسر الشين المعجمة، أي نصيفه أو بعضه
كقوله {14: ((اتقوا النار ولو بشق ثمرة)). والفرسن بكسر الفاء والسين المهملة، عظم قليل
اللحم وهو خف البعير والشاة. قال القاضي [رحمه الله]: الفرسن من الشاة والبعير بمنزلة
الحافر من الدابة. والمعنى: لا تحقرن جارة هدية جارتها ولو كانت فرسن شاة. وقد جاء في
بعض الروايات: ولو بشق فرسن شاة. بزيادة حرف الجر. فالتقدير: ولو أن تبعث إليها أو
تتفقدها ونحو ذلك. قال الطيبى [رحمه الله]: الحديث من رواية الترمذي بغير باء، وكذا في
جامع الأصول. أرشد صلوات الله وسلامه عليه الناس إلى أن التهادي يزيل الضغائن ثم بالغ فيه
حتى ذكر أحقر الأشياء من أبغض البغيضين إذا حمل الجارة على الضرة، وهو الظاهر لمعنى
التتميم. قال ابن الملك: أي لتبعث جارة إلى جارتها مما عندها من الطعام وإن كان شيئاً
قليلاً. أقول: ويؤيده ما روى ابن عدي في الكامل عن ابن عباس: ((تهادوا الطعام بينكم فإن
ذلك توسعه في أرزاقكم)). (رواه الترمذي) وكذا الإمام أحمد. وروى البيهقي عن أنس:
(تهادوا فإن الهدية تذهب بالسخيمة))، أي الحقد. وروى الطبراني عن أم حكيم: ((تهادوا فإن
الهدية تضعف الحب وتذهب بغوائل الصدر))، أي وساوسه.
٣٠٢٩ - (وعن ابن عمر) [رضي الله عنهما] (قال: قال رسول الله يَلى: ثلاث من الهدايا
(١) أخرجه البخاري في صحيحه ٤٤٨/١٠ الحديث رقم ١٦٠٢٣ ومسلم في ٢/ ٧٠٣ الحديث رقم (٦٦.
١٠١٦).
حديث رقم ٣٠٢٨: أخرجه الترمذي في السنن ٣٨٣/٤ الحديث رقم ٢٠٣٠. وأحمد في المسند ٢/
٢٦٤.
حديث رقم ٣٠٢٩: أخرجه الترمذي في السنن ١٠٠/٥ الحديث رقم ٢٧٩٠.
١٩٦
٢٠٠٠
كتاب البيوع/ باب ((من عرض عليه ريحان ... إلخ))
لا ترد الوسائد، والدهن، واللبن)). رواه الترمذي، وقال: هذا حديث غريب. قيل: أراد
بالدهن الطيب.
٣٠٣٠ - (١٥) وعن أبي عثمان النهدي، قال: قال رسول الله وَليقول: ((إذا أعطي
أحدكم الريحان فلا يرده؛ فإنه خرج من الجنة)) رواه الترمذي مرسلاً.
١٣٦
الفصل الثالث
٣٠٣١ - (١٦) عن جابر، قال: قالت امرأة بشير: أنحل ابني غلامك، وأشهد لي
رسول الله ◌َخو
لا ترد) أي لا ينبغي أن ترد لقلة منتها وتأذى المهدي إياها (الوسائد والدهن واللبن) قال الطيبي
[رحمه الله]: يريد أن يكرم الضيف بالوسادة والطيب واللبن وهي هدية قليلة المنة فلا ينبغي أن
ترد. ا هـ فكأنه حمل الدهن على الطيب وعبر عنه بالطيب. والأظهر أن المراد [به] مطلق
الدهن لأن العرب تستعمله في شعور رؤوسهم. وأما قول ابن الملك، المراد بالوسائد التي
حشوها ليف أو صوف لأنها كانت منهما غالباً فمدفوع، لأن العبرة بعموم اللفظ. (رواه
الترمذي وقال: هذا حديث غريب). قيل: أراد بالدهن الطيب، ووجهه سبق. ولعل مراد القائل
به الجمع بينه وبين ما سبق في أوّل الباب وما يليه من هذا الفصل والله تعالى أعلم بالصواب.
٣٠٣٠ - (وعن أبي عثمان النهدي) بفتح النون وسكون الهاء، قال المؤلف: وهو عبد
الرحمن بن مل بضم الميم وكسرها وتشديد اللام النهدي البصري، أدرك الجاهلية وأسلم في
عهد النبي ◌َّيهر ولم يلقه. ويقال أنه عاش في الجاهلية أكثر من ستين سنة ومثلها في الإسلام،
ومات سنة خمس وتسعين وله مائة وثلاثون. سمع عمر وابن مسعود وأبا موسى، روى عنه
قتادة وغيره. (قال: قال رسول الله ويلفيه: إذا أعطى [أحدكم]) بصيغة المجهول (الريحان)
منصوب على أنه مفعول ثان (فلا يرده) بضم الدال المشددة ويفتح (فإنه خرج) أي أصله (من
الجنة) يعني ويأتي منه روحها، وهو مع ذلك خفيف المحمل كما سبق، أي قليل المؤنة
والمنة، فلا يردان كثيراً من الأشياء خرج أصله من الجنة. (رواه الترمذي مرسلاً) حال من
المفعول ومعناه محذوف الصحابي. ورواه أبو داود في مراسيله أيضاً (١).
(الفصل الثالث)
٣٠٣١ - (عن جابر قال: قالت امرأة بشير) أي بنت رواحة (لزوجها انحل) بهمزة وصل
وسكون نون وفتح حاء مهملة، أي اعط (ابني غلامك) مفعول لا نحل. في القاموس: أنحله
ماء أعطاه ومالا خصه بشيء منه كنحله فيهما (وأشهد لي رسول الله و ◌َ(*) أي اجعله شاهداً لي
حديث رقم ٣٠٣٠: أخرجه الترمذي في السنن ١٠٠/٥ الحديث رقم ٢٧٩١.
(١) أخرجه أبو داود في المراسيل ص/ ٣٤٢ الحديث رقم ٥٠١.
حديث رقم ٣٠٣١: أخرجه مسلم في صحيحه ١٢٤٤/٣ الحديث رقم (١٦٢٤.١٩). وأحمد في المسند
٣٢٦/٣.
٢٠٠
١٩٧
٠٠٫٤٢
۔ وے) =
كتاب البيوع/ باب اللقطة
فأتى رسول الله وَّله، فقال: إن ابنة فلان سألتني أن أنحل ابنها غلامي، وقالت: أشهد لي
رسول الله وَ﴿ فقال: ((أله إخوة؟)) قال: نعم. قال: ((أفكلهم أعطيتهم مثل ما أعطيته؟)) قال:
لا. قال: ((فليس يصلح هذا، وإني لا أشهد إلا على حق)). رواه مسلم.
٣٠٣٢ - (١٧) وعن أبي هريرة، قال: رأيت رسول الله وَلّ إذا أتي بباكورة الفاكهة،
وضعها على عينيه وعلى شفتيه، وقال: ((اللهم كما أريتنا أوله فأرنا آخره)). ثم يعطيها من
يكون عنده من الصبيان. رواه البيهقي في ((الدعوات الكبير)).
(١٨) باب اللقطة
(فأتى رسول الله وَلاغير) أي فجاءه (فقال إن ابنة فلان سألتني أن أنحل) ضبط بأن المصدرية
وصيغة المضارع. وفي نسخة بأن المفسرة وصيغة الأمر، أي أعطى أو اعط (ابنها غلامي) وهذا
يؤيد الضبط الأوّل وكان عكس ذلك. وفى نسخة السيد: فعدلت عنه. فتأمل. ويؤيده أيضاً
قوله: (وقالت:) بالعطف على سألتني، وقالت لي أيضاً (أشهد لي رسول الله وَله. فقال: أله
أخوة) جمع أخ (قال: نعم قال: أفكلهم) بالنصب وفي نسخة بالرفع، أي فجميع أخوته.
(أعطيتهم مثل ما أعطيته) والاستفهام منصب على الفعل الأوّل ومثل منصوب على المفعول
الثاني (قال: لا. قال: فليس يصلح) أي ينبغي أو يصبح (هذا) أي الأمر أو العطاء أو الإشهاد
(وإني لا أشهد إلا على حق) أي خالص لا كراهة فيه، أو على حق دون باطل. وقد سبق تمام
الكلام فيما يتعلق بالمقام (رواه مسلم).
٣٠٣٢ - وعن أبي هريرة قال: رأيت رسول الله ﴿ ﴿ إذا أتى) أي جيء (بباكورة الفاكهة)
في النهاية: أوّل كل شيء باكورته (وضعها على عينيه) تعظيماً لنعمة الله عليه (وعلى شفتيه)
شكراً لما أسداه الله عليه (وقال: اللهم كما أريتنا أوله فأرنا آخره) أي في الدنيا فيكون دعاء
بطول(١) بقاء، أو في العقبى فيكون إيماء إلى أنه لا عيش إلا عيش الآخلاة وأن نعيم الدنيا زائل،
وأنه أنموذج من النعيم الآجل. (ثم يعطيها من يكون عنده) أي حاضراً (من الصبيان) لأن ميلهم
إليها أعظم والملاءمة بينهما أتم - وقال الطيبي [رحمه الله]: إنما ناول باكورة الثمار الصبيان
لمناسبة بينهما من أن الصبي ثمرة الفؤاد وباكورة الإنسان (رواه البيهقي في الدعوات الكبير) وذكر
الجزري في الحصن: ((وإذا رأى باكورة ثمر قال: اللهم بارك لنا في ثمرنا وبارك لنا في منابتنا
وبارك لنا في صاعنا وبارك لنا في مدنا. فإذا أتى بشيء منها دعا أصغر وليد حاضر فيعطيه ذلك.
رواه مسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه كلهم عن أبي هريرة [رضي الله تعالى عنهم].
(باب اللقطة)
بضم اللام وفتح القاف ويسكن في المغرب. اللقطة الشيء الذي تجده ملقى فتأخذه.
قال الأزهري: ولم أسمع اللقطة بالسكون لغير الليث. وقال بعض الشراح من علمائنا: هي
(١) في المخطوطة ((لطول)).
٠٦ /٢٠٠٠١
١٩٨
كتاب البيوع/ باب اللقطة
الفصل الأول
٣٠٣٣ - (١) عن زيد بن خالد، قال: جاء رجل إلى رسول الله وَلقول، فسأله عن
اللقطة. فقال: ((اعرف عفاصها ووكاءها، ثم عرفها سنة؛
بفتح القاف، المال الملقوط من لقط الشيء والتقطه أخذه من الأرض، وعليه الأكثرون. وقال
الخليل: اللقطة بفتح القاف اسم للملتقط قياساً على نظائرها من أسماء الفاعلين كهمزة ولمزة،
وأما اسم المال الملقوط فبسكون القاف.
(الفصل الأوّل)
٣٠٣٣ - (عن زيد بن خالد) لم يذكره المؤلف (قال: جاء رجل إلى رسول الله وَلجر فسأله
عن اللقطة) أي عن حكمها إذا وجدها (فقال: اعرف عِفاصها) بكسر أوله، أي وعاءها.
(ووكاها) بكسر الواو، أي ما تشد به. في الفائق: العفاص الوعاء الذي يكون فيه اللقطة من
جلد أو خرقة أو غير ذلك. وفي النهاية: الوكاء هو الخيط الذي تشد به الصرة والكيس
ونحوهما. قال ابن الملك: وإنما أمر بمعرفتها ليعلم صدق وكذب من يدعيها. في شرح
السنّة: اختلفوا في تأويل قوله: اعرف عفاصها في أنه لو جاء رجل وادعى اللقطة وعرف
عِفَاصَهَا ووكاءها هل يجب الدفع إليه. فذهب مالك وأحمد إلى أنه يجب الدفع إليه من غير
بينة، إذ هو المقصود من معرفة العفاص والوكاء. وقال الشافعي وأصحاب أبي حنيفة [رحمهم
الله]: إذا عرف الرجل العفاص والوكاء والعدد والوزن ووقع في نفسه أنه صادق فله أن يعطيه،
وإلا فببينة لأنه قد يصيب في الصفة بأن يسمع الملتقط يصفها. فعلى هذا تأويل قوله: اعرف
عفاصها ووكاءها، لئلا تختلط بماله اختلاطاً لا يمكنه التمييز إذا جاء مالكها. (ثم عرفها) بكسر
الراء المشدّدة (سنة) قال ابن الهمام: ظاهر الأمر بتعريفها سنّة يقتضي تكرير التعريف عرفاً
وعادة، وإن كان ظرفية السنة للتعريف بصدق بوقوعه مرة واحدة، لكن يجب حمله على
المعتاد من أنه يفعله وقتاً بعد وقت ويكرر ذلك كلما وجد مظنة (١). وقال ابن الملك: ففي
الأسبوع الأوّل يعرفها في كل يوم مرتين، مرة في أوّل النهار ومرة في آخره. وفي الأسبوع
الثاني في كل يوم مرة، في كل أسبوع مرة. وقدر محمد في الأصل مدة التعريف بالحول من
غير تفصيل بين القليل والكثير أخذا بهذا الحديث، وهو قول مالك والشافعي وأحمد.
والصحيح إن شيئاً من هذه التقادير ليس بلازم، وإن تفويض التقدير إلى رأي الآخذ لإطلاق
حديث رقم ٣٠٣٣: أخرجه البخاري في صحيحه ٩١/٥ الحديث رقم ٢٤٢٩. ومسلم في صحيحه ٣/
١٣٤٦ الحديث رقم (١٧٢٢.١). وأبو داود في السنن ٣٣١/٢ الحديث رقم ١٧٠٤. والترمذي
في ٦٥٥/٣ الحديث رقم ١٣٧٢. وابن ماجه في ٨٣٦/٢ الحديث رقم ٢٥٠٤. ومالك في الموطأ
٧٥٧/٢ الحديث رقم ٤٦ من كتاب الأقضية. وأحمد في المسند ١١٦/٤.
(١) فتح القدير ٣٥٢/٥.
١٩٩
كتاب البيوع/ باب اللقطة
فإن جاء صاحبها، وإلا فشأنك بها)). قال: فضالة الغنم؟ قال: ((هي لك، أو لأخيك، أو
للذئب)). قال: فضالة الإبل؟ قال: «ما لك ولها؟ معها سقاؤها وحذاؤها، ترد الماء وتأكل
الشجر حتى يلقاها ربها)).
خبر مسلم؛ قال رسول الله وَله: ((في اللقطة عرفها فإن جاء أحد يخبرك بعددها ووعائها ووكائها
فاعطه إياها وإلا فاستمتع بها))(١). والتقييد بالسنّة لعله لكون اللقطة المسؤول عنها كانت تقتضي
ذلك، ولأن الغالب أن تكون اللقطة كذلك. (فإن جاء صاحبها) شرط حذف جزاؤه للعلم به، أي
فردها إليه أو فيها ونعمت أو أخذها (وإلا) أي وإن لم يجىء صاحبها (فشأنك بها) يهمزة ساكنة
وتبدل الفاء وهو منصوب على المصدرية. يقال: شأنت شأنه، أي قصدت قصده وشأن شأنك،
أي اعمل بما تحسنه ذكره الطيبي [رحمه الله]: وقيل على المفعولية، أي خذ شأنك، أي فاصنع
ما شئت من صدقة أو بيع أو أكل ونحوها. والحاصل إن كنت محتاجاً فانتفع بها وإلا فتصدق
بها. قال القاضي: فيه دليل على أن من التقط لقطة وعرفها سنة ولم يظهر صاحبها كان له تملكها
سواء كان غنياً أو فقيراً، وإليه ذهب كثير من الصحابة والتابعين وبه قال الشافعي وأحمد
وإسحاق. وروي عن ابن عباس [رضي الله عنهما] أنه قال: يتصدق بها الغني ولا ينتفع بها ولا
يتملكها، وبه قال الثوري وابن المبارك وأصحاب أبي حنيفة [رحمه الله]: ويؤيد الأوّل ما روي
عن أبي بن كعب أنه قال: وجدت صرة إلى قوله: فإن جاء صاحبها وإلا فاستمتع بها، وكان أُبي
من مياسير الأنصار. (قال:) أي الرجل (فضالة الغنم) بتشديد اللام، أي غاويتها أو متروكتها مبتدأ
أخبره محذوف، أي ما حكمها. (قال: هي لك) أي إن أخذتها وعرفتها ولم تجد صاحبها فإن لك
أن تملكها. (أو لأخيك) يريد به صاحبها. والمعنى: إن أخذتها فظهر مالكها فهو له، أو تركتها
فاتفق أن صادفها فهو أيضاً له. وقيل معناه إن لم [تلتقطها] يلتقطها غيرك (أو للذئب) بالهمزة
وإبداله، أي إن تركت أخذها الذئب. وفيه تحريض على التقاطها. قال الطيبي [رحمه الله]: أي
إن تركتها ولم يتفق أن يأخذها غيرك يأكله الذئب غالباً. نبه بذلك على جواز التقاطها وتملكها
وعلى ما هو العلة لها وهي(٢) كونها معرضة للضياع، ليدل على إطراد هذا الحكم في كل حيوان
يعجز عن الرعي بغير راع. (قال:) أي الرجل (فضالة الإبل. قال: مَالَكَ) أي أي شيء لك (ولها)
قيل: ما شأنك معها، أيّ اتركها ولا تأخذها (معها سقاؤها) بكسر السين، أي معدتها فتقع موقع
السقاء في الري لأنها إذا وردت الماء شربت ما يكون فيه ريها لظمئها أياماً. (وحذاؤها) بكسر
الحاء المهملة، أي خفاقها. والظاهر أن الجملة استئناف مبين للعة. وقال بعض الشراح: أي
والحال أنها مستقلة بأسباب تعيشها أي يؤمن عليها من أن تموت عطشاً لاصطبارها على الظمأ
واقتدارها على المسير إلى المرعى والسقاء يكون للبن ويكون للماء. وأريد به هنا ما تحويه في
كرشها من الماء فتقع موقع السقاء في الري، أو أراد به صبرها على الظمأ فإنها أصبر الدواب على
ذلك. (ترد الماء) أي تجيئه وتشرب منه ومنه قوله تعالى: ولما ورد ماء مدين. (ونأكل الشجر
حتى يلقاها ربها) أي مالكها. قال الطيبي [رحمه الله]: أراد بالسقاء أنها إذا وردت الماء شربت ما
(١) في المخطوطة ((وهو)).
٢٠٠
كتاب البيوع/ باب اللقطة
متفق عليه. وفي رواية لمسلم: فقال: ((عرفها سنة، ثم اعرف وكاءها وعفاصها، ثم
استنفق، فإن جاء ربها فأدها إليه)).
٣٠٣٤ - (٢) وعنه، قال: قال رسول الله وَّلقول: ((من آوى ضالة فهو ضال ما لم يعرفها)).
يكون فيه ريها لظمئها، وهي من أطول البهائم ظمأ. وقيل: أراد به أنها ترد عند احتياجها إليه،
فجعل النبي 8ّ# صبرها على [الماء] أو ورودها إليه بمثابة سقائها، وبالحذاء خفافها وأنها تقوى
بها على السير وقطع البلاد الشاسعة وورود المياه النائية، شبهها النبي وَله بمن كان معه حذاء
وسقاء في سعة، وإنما أضاف الرب إليها لأن البهائم غير متعبدة ولا مخاطبة، فهي بمنزلة الأموال
التي يجوز إضافة مالكها إليها وجعلهم أرباباً لها. قال القاضي: وأشار بالتقييد بقوله: معها
سقاؤها، أن المانع من التقاطها، والفارق بينها وبين الغنم ونحوها استقلالها بالتعيش، وذلك إنما
يتحقق فيما توجد في الصحراء. فأما ما توجد في القرى والأمصار فيجوز التقاطها لعدم المانع
ووجود الموجب وهو كونها معرضة للتلف مطمحة للطمع. وذهب قوم إلى أنه لا فرق في الإبل
ونحوها من الحيوان الكبار بين أن يؤخذ في الصحراء أو عمران لا طلاق المنع. قال ابن الملك:
مذهب أبي حنيفة [رحمه الله]: أنه لا فرق بين الغنم وغيره في فضيلة الالتقاط إذا خاف الضياع
وأشهد على نفسه أنه أخذها ليردها إلى صاحبها. وأجيب عن حديث زيد بأن ذلك كان إذ ذاك
لغلبة أهل الصلاح والأمانة لا تصل إليها يد خائنة إذا تركها وحدها، وأما في زماننا فلا أمن ففي
أخذها إحياء وحفظها على صاحبها فهو أولى. (متفق عليه) وفي رواية لمسلم: فقال: (عرفها سنة
ثم اعرف وكاءها وعفاصها) الظاهر أن المراد بثم مجرد العطف ليطابق ما سبق ومنه قوله تعالى:
﴿ثم آتينا موسى الكتاب﴾. والله تعالى أعلم بالصواب. وقال ابن حجر [رحمه الله]: أخر المعرفة
عن التعريف على خلاف ما تقدم إيذاناً بكون الملتقط مأموراً بمعرفتين يعرف عفاصها أوّلاً، فإذا
عرفها سنة وأراد تملكها ندب له أن يعرفها مرة أخرى تعرفاً، ثانياً ليظهر وصدق صاحبها إذا
وصفها. اهـ وبعده لا يخفى. (ثم استنفق) أي فإذا لم تعرف صاحبها تملكها وأنفقها على
نفسك، والأمر للإباحة. ثم إذا تصرف الآخذ لنفسه فقيراً أو تصدق (بها) على فقير فالصاحب
يخبر في تضمين أيهما شاء ولا رجوع لأحد على الآخر، وهذا معنى قوله: (فإن جاء ربها فأداها
إليه) أي أن بقي عينها وإلا فقيمتها.
٣٠٣٤ - (وعنه) أي عن زيد (قال: قال رسول الله وَلاير: من آوي) بالمد ويقصر، أي ضم
وجمع. (ضالة) قيل: هي ما ضل من البهيمة ذكراً أو أنثى. واللقطة تعم، لكن كثر استعمالها
في غير الحيوان (فهو ضال) أي مائل عن الحق (ما لم يعرفها) بتشديد الراء. والمعنى أن من
أخذها ليذهب بها فهو ضال. وأما من أخذها ليردها أو ليعرفها فلا بأس به. قال ابن الملك:
ومعنى التعريف التشهير وطلب صاحبها. قال شمس الأئمة الحلواني: أدنى التعريف أن يشهد
على الأخذ ويقول: آخذها لأردها فإن فعل ذلك ولم يعرفها كفى قال الطيبي [رحمه الله]: فهو
حديث رقم ٣٠٣٤: أخرجه مسلم في صحيحه ١٣٥١/٣ الحديث رقم (١٧٢٥.١٢) وأحمد في المسند
٤ / ١١٧.
٢٦٧١.