Indexed OCR Text

Pages 401-420

! به :
كتاب الدعوات/ باب جامع الدعاء
٤٠١
وانصُرْنا على مَنْ عادانا، ولا تجعلْ مُصيبَتنا في ديننا، ولا تجعلِ الدنيا أكبرَ همّنا ولا مَبلغَ
عِلمِنا، ولا تُسلّطْ علينا مَنْ لا يَرحمُنا)). رواه الترمذيُّ، وقال: هذا حديثٌ حسنٌ غريب.
(وانصرنا على من عادانا ولا تجعل مصيبتنا في ديننا) أي لا تصبنا بما ينقص ديننا من اعتقاد السوء
وأكل الحرام والفترة في العبادة وغيرها (ولا تجعل الدنيا أكبر همنا) أي لا تجعل طلب المال
والجاه أكبر قصدنا أو حزننا بل اجعل أكبر قصدنا أو حزننا مصروفاً في عمل الآخرة وفيه أن قليلاً
من الهم فيما لا بد منه في أمر المعاش مرخص فيه بل مستحب بل واجب. وأما قول ابن حجر:
وخرج بأكبر ما لو سارى هم الخير وهم الدنيا أو نقص الثاني إذ صاحبه من أهل الجنة، فلا
يناسب الدعاء سيما من صاحب الحالة القوية والمرتبة العلية وتعليم الأمة بالزهد في الأمور
المروية ثم أغرب حيث ترجح وتعبث كلام الطيبي تبجح (ولا مبلغ علمنا) أي غاية عملنا أي لا
تجعلنا حيث لا نعلم ولا نتفكر إلا في أمور الدنيا بل اجعلنا متفكرين في أحوال الآخرة
متفحصين من العلوم التي تتعلق بالله تعالى وبالدار الآخرة والمبلغ الغاية التي يبلغه الماشي
والمحاسب فيقف عنده، قال تعالى: ﴿فاعرض عمن تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا
ذلك مبلغهم من العلم﴾ [النجم - ٢٩ - ٣٠] وقال عز وجل: ﴿يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا
وهم عن الآخرة هم غافلون ﴾ [الروم - ٧] وفي الحديث مدح من يكون بعكس حالهم من العلم
بقوله أكثر أهل الجنة البله أي لا يعلمون أمور الدنيا وهم بالآخرة عالمون موقنون (ولا تسلط
علينا من لا يرحمنا) أي من القوم الكافرين أو من الأمراء الظالمين أو من السفهاء الجاهلين.
وقال الطيبي [رحمه الله] أي لا تجعلنا مغلوبين للكفار والظلمة ويحتمل أن يراد ولا تجعل
الظالمين علينا حاكمين فإن الظالم لا يرحم الرعية، ثم قال والأولى أن يحمل من لا يرحمنا على
ملائكة العذاب في القبر لئلا يلزم التكرار مع قوله وانصرنا على من عادانا ا هـ. والأولى أن
يحمل على المعنى الأعم فيكون تعميماً بعد تخصيص لأنه على فرض التخصيص لا تخليص عن
التكرار المستفاد من طلب الأمور السابقة من الخشية عن المعصية والطاعة. وأما قول ابن حجر:
من لا يرحمنا لكفر أو عتوّ أو بدعة أو محنة نحو مال يريده منا بأن تجعل له قوّة وشوكة يتمكن
بها على ما يريده منا فكله داخل تحت قوله من عادانا فلا يصح قوله وبما قررته يعلم أن قوله
وانصرنا على من عادانا لا يغني عن هذا خلافاً لمن زعمه ثم قوله وإنما سألوا ذلك لضعفهم عن
احتمال فتنة الصبر عن الأذية خطأ فاحش فإن السائل هو النبي وَلقر ومعه أصحابه الكاملون النازل
في حقهم قوله تعالى: ﴿والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس﴾ [البقرة - ١٧٧] وإنما
سأل الأشياء كلها إظهار للعبودية وإيماء إلى أن العافية أوسع من الابتلاء بالبلية وهذا كله قبل
وقوع البلاء وأما بعده فيحكم قوله تعالى: ﴿وما صبرك إلا بالله﴾ [النحل - ١٢٧] خطأ باله
﴿واصبروا إن الله مع الصابرين﴾ [الأنفال - ٤٦] فيرجعون إليه تعالى بطلب التحمل ويدعون
حينئذ بقولهم ﴿ربنا أفرغ علينا صبراً وتوفنا مسلمين﴾ [الأعراف - ١٢٦] (رواه الترمذي وقال
هذا حديث حسن غريب) ورواه النسائي والحاكم(١) وقال صحيح على شرط البخاري.
ـة جببخ
نيود
(١) أخرجه الحاكم في المستدرك ٥٢٨/١.
15,4

٤٠٢
کتاب الدعوات/ باب جامع الدعاء
٣٤٩٣ - (١٢) وعن أبي هريرةَ، قالَ: كانَ رسولُ اللهِوَ لَه يقول: «اللهُمَّ انفَعْني بما
علمتَني، وعلمني ما يَنفعُني، وزذني علماً، الحمدُ للَّهِ على كلِّ حالٍ، وأعوذُ باللَّهِ منْ حالٍ
أهِل النّارِ)). رواه الترمذيُّ، وابنُ ماجه. وقال الترمذيّ: هذا حديثٌ غريبٌ إِسناداً.
٢٤٩٤ - (١٣) وعن عمرَ بنِ الخطابِ [رضي الله عنه]، قال: كانَ النبيُّ ◌َّهِ إِذا أُنْزِلَ
عليهِ الوَحِيُّ سُمِعَ عندَ وجهِهِ دَوِيُّ كدَوِيٍّ النَّحلِ،
... "
٢٤٩٣ - (وعن أبي هريرة قال كان رسول الله (وَ لاي يقول) أي في دعائه (اللهم انفعني بما
علمتني) أي بالعمل بعلمي (وعلمني ما ينفعني) أي علماً ينفعني هو أو العمل به في ديني
وآخرتي (وزدني علماً) أي لدينا يتعلق بذاتك وأسمائك وصفاتك وفيه اشعار بفضيلة زيادة العلم
على العمل. قال الطيبي: أي اجعلني عاملاً بعلمي وعلمني علماً أعمل به وفيه إشارة إلى معنى
من عمل بما علم ورثه الله علم ما لم يعلم ثم طلب زيادة العلم الذي هو نهاية السلوك وهو أن
يوصل إلى مخدع الوصال: قيل: ما أمر الله رسوله بطلب الزيادة في شيء إلا في العلم بقوله
عز وجل: ﴿وقل رب زدني علماً﴾ [طه - ١١٤] (الحمد لله على كل حال) أي ملائم للنفس
وغيرها حمد لله تعالى على ما أولاه استجلابا للمزيد. قال تعالى: ﴿لئن شكرتم لأزيدنكم ﴾
[إبراهيم - ٧] واستعاذ من حال أهل القطيعة والبعد فقال (وأعوذ بالله من حال أهل النار) من
الكفر والفسق في الدنيا والعذاب والعقاب في العقبى (رواه الترمذي وابن ماجه) وكذا ابن أبي
شيبة (وقال: الترمذي هذا حديث غريب اسناداً) وروى النسائي والحاكم عن أنس ولفظهما
((اللهم انفعني بما علمتني وعلمني ما ينفعني وارزقني علماً تنفعني به (١)).
٢٤٩٤ - (وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال كان النبي ◌َ #إذا نزل عليه الوحي)
وفي نسخة صحيحة إذا نزل بصيغة المجهول من الإنزال (سمع) على بناء المجهول (عند وجهه)
أي عند قرب وجهه بحذف المضاف (كدوي النحل) أي مثله وفي نسخة صحيحة دوي كدوي
النحل والدوي صوت لا يفهم منه شيء وهذا الصوت هو صوت جبريل عليه الصلاة والسلام
يبلغ إلى رسول الله وَير الوحي ولا يفهم الحاضرون من صوته شيئاً. وقال الطيبي [رحمه الله].
أي سمع من جانب وجهه وجهته صوت خفي كان الوحي كان يؤثر فيهم وينكشف لهم انكشافاً
غير تام فصاروا كمن يسمع دوي صوت ولا يفهمه أو أراد ما سمعوه من غطيطة(٢) وشدة تنفسه
عند نزول الوحي. وقال ابن حجر: أي عند القرب من وجهه وادعى أن هذا أوضح. وهو غير
واضح، فضلاً عن أن يكون أوضح. مع أن الطيبي إنما أراد به حاصل المعنى وإلا فلا أحد
٠٠٠٠
حديث رقم ٢٤٩٣: أخرجه الترمذي في السنن ٥/ ٥٤٠ حديث رقم ٣٥٩٩. وابن ماجه ٩٢/١ حديث
رقم ٢٥١.
(١) أخرجه الحاكم في المستدرك ١/ ٥١٠.
حديث رقم ٢٤٩٤: أخرجه الترمذي في السنن ٣٠٥/٥ حديث رقم ٣١٧٣. وأحمد في المسند ٣٤/١.
(٢) في المخطوطة ((غطيط)).

٤٠٣
کتاب الدعوات/ باب جامع الدعاء
فَأُنزِلَ عليهِ يوماً، فمكثنا ساعةً، فسُرِّيَ عنه، فاستَقبلَ القبلةَ، وَرَفَعَ يديه وقال: ((اللهُمَّ زِدْنا
ولا تَنقُصْنا، وأكرِمْنا ولا تُهِنَّ، وأعطنا ولا تحرِمْنا، وآئِرْنا ولا تُؤْثِرُ علينا، وأَرْضِنا وازضَ
عنّ)) ثمّ قال: ((أُنزِلَ عليَّ عشْرُ آيَاتٍ مَنْ أقامهُنَّ
يقرب من وجهه الشريف ليسمع كدوي النحل، وكان يحصل له وَّل عند سماع الوحي من
الغطيط وشدة التنفس وتواتر النفس الناشىء عن مجيء الملك في مثل صلصلة الجرس. إذ لا
تحتمل ذلك القوّة البشرية من غير تغير ما، وكان يتفصد عرقاً من ثقل الوحي المشار إليه بقوله
تعالى: ﴿إنا سنلقي عليك قولاً ثقيلاً﴾ [المزمل - ٥] على ما قيل. ولو في شدة البرد من شدة
ما يجد من ذلك، وكان يؤخذ عن الدنيا حتى يتمكنه التلقي من الملك إذا أتاه من تلك الحالة
التي لا يمكنه التلقي معها (فأنزل عليه) أي الوحي (يوماً) أي نهاراً أو وقتاً (فمكثنا) بفتح الكاف
وضمها أي لبثنا (ساعة) أي زمناً يسيراً ننتظر الكشف عنه (فسرى) بضم السين وتشديد الراء أي
كشف (عنه) وزال عنه ما اعتراه من برحاء الوحي وشدته (فاستقبل القبلة) أي جهة الكعبة (ورفع
يديه) إيماء إلى طلب الدارين (وقال اللهم زدنا) أي من الخير والترقي أو كثرنا (ولا تنقصنا) أي
خيرنا ومرتبتنا وعددنا وعددنا. قال الطيبي: عطفت هذه النواهي على الأوامر للمبالغة والتأكيد
وحذف المفعولات للتعميم. وقال ابن حجر تبعاً للطيبي: أنه أفاد بحذف المفعول الثاني هنا
وفيما يأتي إجراء لهذا مجرى فلان يعطي مبالغة وتعميماً اهـ. وفيه بحث. ثم قال ابن حجر:
قال الشارح: ولا تنقصنا ونحوه تأكيد وهو عجيب إذ(١) المراد اللهم زدنا على ما نحن عليه
وقت هذا الطلب ولا تنقصنا عنه وحينئذ فالزيادة المسؤولة أوّلاً غير عدم النقص المسؤول ثانياً
فلا تأكيد هنا اهـ. وهو غريب إذ العلم بالمراد بعيد غير قريب وعلى فرضه إذا كان الدعاء
بالأمر مقيد بزمانه فكذلك الدعاء بالنهي، فرجع إلى معنى التأكيد مع أنه لا يضره المفهوم
المخالف المعتبر عنده بالتقييد في القرينتين (واكرمنا) بقضاء مآربنا في الدنيا ورفع منازلنا في
العقبى (ولا تهنا) أي لا تذلنا أي بضد ذلك. وقول ابن حجر: بأن تنزلنا إلى هوّة غضبك هذا
معلوم من مفهوم قوله فيما سيأتي أرض عنا فبطل قوله وبهذا يعلم أنه لا تأكيد هنا أيضاً
لاختلاف المطلوبين ثم قال: وأصله ولا تهوننا فنقلت كسرة الواو إلى الهاء فالتقت ساكنة مع
النون الأولى الساكنة فحذفت وأدغمت النون الأولى في الثانية اهـ. (وأعطنا ولا تحرمنا) بفتح
التاء أي لا تمنعنا ولا تجعلنا محرومين قال ابن حجر [رحمه الله]: التأكيد هنا واضح قلت لا
فرق بينهما وبين ما سبق عليهما فتدير (وآثرنا) أي اخترنا برحمتك وعنايتك وحسن رعايتك (ولا
تؤثر علينا) أي غيرنا بلطفك وحمايتك. وقال القاضي: أي لا تغلب علينا أعداءنا (وأرضنا) من
الإرضاء أي بما قضيت علينا بإعطاء الصير وتوفيق الشكر وتحمل الطاعة (وأرض عنا) أي
بالطاعة اليسيرة الحقيرة التي في جهدنا ولا تؤاخذنا بسوء أعمالنا. وقال ابن حجر: أي رضا لا
سخط بعده ا هـ. فإن أراد به التأكيد فلا كلام فيه وإن أراد به التقييد فخطأ فاحش لأن الرضا
صفة ذاتية أولية لا تغير فيها بعد تعلقها (ثم قال أنزل علي) أي آنفاً (عشر آيات من أقامهن) أي
(١) في المخطوطة ((أو)).

٤٠٤
كتاب الدعوات/ باب جامع الدعاء
دخلَ الجنَّةَ)) ثمَّ قرأ: ﴿قَدْ أَفَلَحَ المُؤْمِنونَ﴾ حتى ختمَ عشر آياتٍ. رواه أحمد، والترمذيُّ.
الفصل الثالث
٢٤٩٥ - (١٤) عن عثمانَ بنِ حُنَيفٍ، قال: إِنَّ رجلاً ضَرِيرَ البصَرِ أتى النبيَّ وَّل،
فقال: ادعُ اللَّهَ أنْ يُعافيَني. فقال: ((إِنْ شئتَ دعوْت، وإِنْ شئتَ صبرْتَ فهوَ خيرٌ لكَ)).
قال: فادعُهْ.
قام بهن (دخل الجنة) أي مع الأبرار (ثم قرأ ﴿قد أفلح المؤمنون﴾)(١) أي فازوا فوزاً عظيماً
(حتى ختم عشر آيات) تمامها ﴿الذين هم في صلاتهم خاشعون ﴾ أي خاضعون قلباً وقالباً
﴿والذين هم عن اللغو﴾ أي عما لا يعنيهم قولاً وفعلاً ﴿معرضون والذين هم للزكاة ﴾ أي
لإداء ما يجب عليهم من العبادات المالية بعد قيامهم بالعبادات البدنية وتركهم الأخلاق الردية
فاعلون ﴿والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم ﴾ أي من النساء ﴿وما ملكت أيمانهم
﴾ أي من السراري فإنهم غير ملومين قيل لو كان له أربع زوجات وألف سرية ثم اشترى سرية
فلامه أحد يخشى عليه من الكفر ﴿فمن ابتغى وراء ذلك ﴾ كالاستمناء على قصد الشهوة
﴿فأولئك هم العادون ﴾ أي المتحاوزون عن حد الحلال الواقعون في حد الحرم ﴿والذين هم
الأماناتهم وعهدهم راعون ﴾ أي ومحافظون ﴿والذين هم بشهاداتهم﴾ أي بأدائها ﴿قائمون
والذين هم على صلواتهم﴾ أي بشروطها وآدابها ﴿يحافظون﴾ [المؤمنون - ٢ - ١٠] ختم بما
بدأ به اهتماماً بأمر الصلاة ظاهر أو باطناً فهذه عشر آيات قال تعالى ﴿أولئك﴾ أي الموصوفون
بهذه الصفات هم الوارثون الذين يرثون الفردوس وهو أعلى الجنة هم فيها خالدون أي باقون
دائمون ببقائه متلذذون بنعمة لقائه رزقنا مع أوليائه (رواه أحمد الترمذي) وكذا النسائي،
والحاكم(٢) رحمه الله.
(الفصل الثالث)
٢٤٩٥ - (عن عثمان بن حنيف) بالحاء المهملة مصغراً (قال أن رجلاً ضرير البصر) أي
ضعيف النظر أو أعمى (أتى النبي ◌َّله فقال ادع الله أن يعافيني) أي من ضرري في نظري (فقال
إن شئت) أي اخترت الدعاء (دعوت) أي لك (وإن شئت) أي أردت الصبر والرضا (صبرت
فهو) أي الصبر (خير لك) فإن الله تعالى قال ((إذا ابتليت عبدي بحبيبتيه ثم صبر عوّضته منهما
الجنة)). وقول ابن حجر: ولو من عين واحدة فيه نظر لمخالفته نص الحديث، ولعدم الضرورة
الكاملة في فقد إحداهما لحصول أصل المقصود بواحدة منهما (قال) أي الرجل (فادعه)
بالضمير أي ادع الله، أو اسأل العافية. ويحتمل أن تكون الهاء للسكت. قال ابن حجر: وإنما
(١) سورة المؤمنون . آية رقم ١.
(٢) أخرجه الحاكم في المستدرك ٥٣٥/١.
حديث رقم ٢٤٩٥: أخرجه ابن ماجه في السنن ١/ ٤٤١ حديث رقم ١٣٨٥. وأحمد في المسند ١٣٨/٤.

كتاب الدعوات/ باب جامع الدعاء
٤٠٥
قالَ: فأمرَه أنْ يتوضَّأ فيُحسنَ الوُضوءَ ويدعُوَ بهذا الدعاءِ: («اللهُمَّ إِني أسألُكَ وأتوجه إِليكَ
بتَبِيِّكَ محمَّدٍ نبيِّ الرَّحمةِ، إِني توجّهتُ بِكَ إِلى ربِّي لَيَقْضِيَ لي في حاجتي هذهِ،
اختار الدعاء لأنه أيسر الأمرين مع إمكان حصول الآخر فإنه ليس هناك ما يدل على منع
الجمع، بل فيه ما يشعر بأن هناك ما يدل على منع الخلوفية إن من خير بين أمرين فاختار
المفضول منهما لا حرج عليه على أنه يحتمل أن ذلك الرجل ظن أن في عود بصره إليه مصالح
دينية يفوق ثوابها ثواب الصبر. قلت: على هذه للضرر لأنه كيف يظن ذلك مع قوله عليه
الصلاة والسّلام فهو خير لك إشارة إلى قوله تعالى: ﴿عسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم ﴾
[البقرة - ٢١٦] ويؤيد ما قلنا ما ذكره الطيبي [رحمه الله] حيث قال: أسند النبي ◌َّقر الدعاء إلى
نفسه وكذا طلب الرجل أن يدعو هو ◌َّر، ثم أمره وَ التّر أن يدعو هو أي الرجل كأنه وَلّ لم
يرض منه اختياره الدعاء لما قال الصبر خير لك لكن في جعله شفيعاً له ووسيلة في استجابة
الدعاء ما يفهم أنه ◌َّر شريك. وأغرب ابن حجر حيث قال: بعد كلامه السابق وبهذا يندفع
قول الشارح على أنه هو رده بقوله لكن في جعله الخ. فحصل منه خباطات عجيبة وخيالات
غريبة (فأمره) وفي نسخة صحيحة قال أي عثمان فأمره (أن يتوضأ فيحسن الوضوء) أي يأتي
بكمالاته من سننه وآدابه. وأغرب ابن حجر فقال: أي يأتي بواجباته أو ومكملاته لأنه لو أراد
المعنى الأول لقال فيتوضأ فلا بد في قوله فيحسن الوضوء من تحصيل المكملات ليكون في
الزيادة إفادة حسنة أي ويصلي ركعتين كما في رواية (ويدعو بهذا الدعاء اللهم إني أسألك) أي
أطلبك مقصودي فالمفعول مقدر أي أدعوك فيكون ألطف سؤال إلى أشرف نوال (وأتوجه إليك
بنبيك) الباء للتعدية (محمد نبي الرحمة) أي دافع الرحمة، وكاشف الغمة، وشفيع الأمة،
المنعوت بكونه رحمة للعالمين، المرسل إلى أمة مرحومة من عند أرحم الراحمين، وما أحسن
موقع الرحمة في موضع كشف الغمة وموقع الشفاعة للأمة (إني توجهت) وفي نسخة أتوجه
(بك) والباء للاستعانة كذا ذكره الطيبي. وفرق بينها وبين الباء الأولى حيث جعلها للتعدية مع
أن الفعل واحد ولعل وجهه أن المتوجه به في الأول هو النبي ◌َّ فيتعين معنى التعدية. وفي
الثاني هو الله تعالى وهو المستعان كما يدل عليه حصر ﴿إياك نستعين ﴾ فلا يجوز استعمال
الاستعانة في غيره حقيقية وإن كان قد يستعمل مجازاً. ولما خفي هذا الفرق الجلي على ابن
حجر اعترض على الطيبي [رحمه الله] وأشار أنها للتعدية في الموضعين والخطاب للنبي وَّل
على طريق الالتفات. قال ابن حجر [رحمه الله تعالى]: وفي رواية يا محمد إني توجهت (إلى
ربي ليقضي) بالغيبة أي ربي وقيل بالخطاب أي لتوقع القضاء (لي في حاجتي هذه) وجعلها
مكاناً له على طريقة قوله: ﴿واصلح لي في ذريتي﴾ [الأحقاق - ١٥].
* ويجرح في عراقيبها نصلّي *
ولي للاجمال حتى يفصل ليكون أوقع على طريقة اشرح لي صدري، كذا حققه الطيبي.
وكان ابن حجر ما فهم كلامه فأعرض عنه وقال: اللام للاختصاص، وفي للمكان المجازي
مبالغة. وكلامه غير صحيح أما الأول فلأنه لا معنى للاختصاص إذ يلزم منه تضييق الواسع كما
ورد: «إنه قال أعرابي اللهم اغفر لي ومحمد ولا تغفر معنا أحداً فقال {وَ ل﴿ لقد تحجرت
app٤

٤٠٦
كتاب الدعوات/ باب جامع الدعاء
اللهُمَّ فشفّعْه فيَّ)). رواه الترمذيّ، وقال: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غريب.
.....
٢٤٩٦ - (١٥) وعن أبي الدَّرداءِ، قال: قال رسولُ اللهِ وَّ كانَ منْ دُعاءِ داودَ يقولُ:
(«اللهُمَّ إِني أسألكَ حُبَّكَ وحُبَّ مَنْ يُحِبُّكَ، والعمَلَ الذي يُبلّغُني حبَّكَ، اللهُمَّ اجعَلْ حُبَّكَ
أحَبَّ إِليَّ منْ نفسي ومالي وأهلي،
واسعاً)). أي ضيقت ما وسعه الله فخصصت به نفسك دون غيرك. وأما الثاني فمحل الاشكال
فيه أن القضاء متعد بنفسه فما الحكمة في زيادة في فأجابوا فيه، وأمثاله أن التعدية بفي إنما هو
لتضمين معنى الإيقاع الذي لا يتعدى إلا بفي ولا يتصوّر القضاء في مكان حقيقي حتى يقال هنا
للمكان المجازي وعلى تقدير كونه للمجازي كما في قولك نظرت في الكتاب فأي مبالغة. فتأمل
فإنه تنبيه نبيه. وفي أصل الحصن وأتوجه بك إلى ربي في حاجتي هذه ليقضي لي على بناء
المجهول (اللهم) التفات ثان (فشفعة) بتشديد الفاء أي أقبل شفاعته (في) أي في حقي. قال
الطيبي رحمه الله: الفاء عطف على قوله أتوجه أي أجعله شفيعاً لي فشفعه وقوله اللهم معترضة،
وقوله إني توجهت بك بعد قوله إني أتوجه إليك فيه معنى قوله: ﴿من ذا الذي يشفع عنده إلا
بإذنه﴾ [البقرة - ٢٥٥] سأل الله أولاً بطريق الخطاب. ثم توسل بالنبي وَّل على طريقة الخطاب
ثانياً ثم كرر إلى خطاب الله طالباً منه أن يقبل شفاعة النبي وَلّر في حقه (رواه الترمذي وقال هذا
حديث حسن صحيح غريب) ورواه ابن ماجه والحاكم(١) في مستدركه.
٢٤٩٦ - (وعن أبى الدرداء قال قال رسول الله وَلو كان من دعاء داود يقول) اسم كان
بحذف أن كما في أحضر الوغى أي قوله (اللهم إني أسألك حبك) من إضافة المصدر إلى
الفاعل أو المفعول والأوّل أظهر إذ فيه تلميح إلى قوله تعالى: ﴿يحبهم ويحبونه ﴾ [المائدة -
٥٤] وأما قول ابن حجر: أي حبي إياك فإنه فاتحة كل كمال فغفلة عن اصطلاح أرباب الحال
(وحب من يحبك) كما سبق أما الإضافة إلى المفعول فهو ظاهر كمحبتك للعلماء والصلحاء،
وأما الإضافة إلى الفاعل فهو مطلوب أيضاً كما ورد في الدعاء: ((وحببنا إلى أهلها وحبب
صالحي أهلها إلينا)). وأما ما ورد في الدعاء: ((عن سؤال حب المساكين)) فمحتمل (والعمل)
بالنصب عطف على المفعول الثاني. وفي نسخة بالجر أي وجب العمل من إضافة المصدر إلى
مفعوله فقط ولا يحتاج إلى تقييده لقول ابن حجر أي الصالح فإنه استغنى عنه بقوله (الذي
يبلغني) بتشديد اللام أي يوصلني ويحصل لي (حبك) يحتمل الاحتمالين (اللهم اجعل حبك)
أي حبي إياك(٢) (أحب إليّ من نفسي ومالي وأهلي) أي من حبهما حتى أوثره عليهما. قال
القاضي: عدل عن جعل نفسك مراعاة للأدب حيث لم يرد أن يقابل نفسه بنفسه عزَّ وجلَّ. فإن
قيل: لعله إنما عدل لأن النفس لا تطلق على الله تعالى. قلت: بل إطلاقه صحيح، وقد ورد
...... "
(١) الحاكم في المستدرك ١/ ٥٢٦.
حديث رقم ٢٤٩٦: أخرجه الترمذي في السنن ٤٨٨/٥ حديث رقم ٣٤٩٠.
(٢) في المخطوطة ((البك)).

٤٠٧
كتاب الدعوات/ باب جامع الدعاء
ومن الماءِ البارِدِ)).
في التنزيل مشاكلة قال الله تعالى: ﴿تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك﴾ [المائدة -
١١٦] اهـ. وفيه أن المشاكلة إنما تكون في الثاني لا في الأوّل علي ما ذكره البيانيون لكني
وجدت المشاكلة في الأوّل أيضاً في البخاري ((وثبت علينا حية فقال النبي ◌َّ اقتلوها فذهبت
فقال النبي ◌َّ﴿ وقيت شركم كما وقيتم شرها))(١) وأما قول السيوطي [رحمه الله] وقد يتقدم
كقوله تعالى: ﴿فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم﴾ [البقرة - ١٩٤] نعم ورد في الحديث من
غير مشاكلة أيضاً أنت كما أثنيت على نفسك لكن التحقيق أن إطلاق النفس [بمعنى الذات
يجوز على الله تعالى وأما باعتبار أن النفس] بمعنى التنفس فلا يطلق وحيث أن اللفظ وهم
فجواز الاطلاق توقيفي وما توفيقي إلا بالله. وأما قول ابن حجر: وتجويز الشارح هذه المشاكلة
غير صحيح، لأن ما ورد في حقه تعالى موهم نقصاً لا يجوز ذكره إلا باللفظ الوارد فيه. وأما
اختراع لفظ آخر وذكره فيه فلا يجوز، وإن قلنا بما قاله الغزالي والباقلاني في أسماء الله تعالى
وصفاته التي لم ترد لأن محل الجواز عندهما فيما لا يوهم نقصاً بوجه فممتنع باتفاق الكل
وهذا أبلغ راد لكلام الشارح. فاعرض عنه، ولا تلتفت إليه، فأمر غريب، ونهي عجيب،
ومنشؤه عدم فهمه واقتصار علمه على فقهه فإن كلام الشارح أن مقتضى المقابلة في كلامه عليه
الصلاة والسّلام أن يقال اجعل حب نفسك أحب إليّ من نفسي لكنه وَ لّ عدل إليه تأدباً من أن
يجعل نفسه مقابلاً لنفسه تعالى وإلا فلولا هذه الملاحظة وأطلق فرضاً لكان هذا الاطلاق جائزاً
منه عليه الصلاة والسّلام لأنه الشارع وحينئذ كان يصح كلامه بالمشاكلة كقوله تعالى: ﴿تعلم ما
في نفسي ولا أعلم ما في نفسك﴾ [المائدة - ١١٦] إذا عرفت هذا فقوله لأن ما ورد في حقه
تعالى الخ تطويل عبث إذ ليس الكلام فيه. وقوله ما اختراع لفظ آخر فإن أراد أنه لا يجوز من
الشارع فهذا كفر محض لأنه ورد عنه * إطلاق النفس على الله [تعالى] من غير مشاكلة في
قوله أنت كما أثنيت على نفسك فكيف لا يجوز على سبيل المقابلة. وإن أراد أنه لا يجوز من
غيره فحشو إذ ليس الكلام في غيره. وأما ما ذكره من مذهب الغزالي والباقلاني في الأسماء
والصفات فخارج عن المبحث أيضاً إذ بحث المشاكلة أعم من الاسم والصفة، وأيضاً مذهبهما
في المخترع لا فيما ورد من الشارع ولو ورد منه فهذا أبلغ راد لكلامه وفهم مرامه فاعرض عنه
ولا تلتفت إليه (ومن الماء البارد) دل على كونه محبوباً جداً أعاد من ههنا ليدل على استقلال
الماء البارد في كونه محبوباً وذلك في بعض الأحيان فإنه يعدل بالروح وعن بعض الفضلاء ليس
للماء قيمة لأنه لا يشترى إذا وجد ولا يباع إذا فقد. وعن بعض العرفاء إذا شربت الماء البارد
أحمد ربي من صميم قلبي. ويمكن والله تعالى أعلم أن يكون كناية عن روحه لأن حياتها
متعلقة بالماء قال تعالى: ﴿وجعلنا من الماء كل شيء حي﴾ [الأنبياء - ٣٠] فيكون المراد من
نفسي مراداتها ومشتهياتها. وأما قول ابن حجر عجيب قول الشارح، وعن بعض الفضلاء ليس
للماء قيمة الخ. فإنه إن أراد بذلك أن هذا حكم شرعي للماء - كان باطلاً، بل هو مثلي تارة
(١) أخرجه البخاري في كتاب الصيد باب (٧).
794

٢٠٠م
کتاب الدعوات/ باب جامع الدعاء
٤٠٨
قال: وكانَ رسولُ اللَّهِ وَ لّهِ إِذا ذُكرَ داودُ يُحدِّثُ عنه؛ يقول: ((كانَ أعبَدَ البَشرِ)).
ومتقوّم أخرى، وإن كني بذلك عن نفاسة الماء كانت العبارة قاصرة، وكان يكفي في ذلك أن
يقول ما صرح به الفقهاء أن الشربة قد تساوي دنانير لا لكون ذلك قيمة له بل لتوقف الحياة
عليه، فمبني على زعمه الباطل من أن معرفة الفقه منحصرة فيه وفي أمثاله إذا الحكم المذكور
من المثلي والقيمي لا يخفى على أحد من الجهلاء فضلاً عن الفضلاء. فلا شك أن الفاضل
إنما أراد به نفاسة الماء بطريق المبالغة بل على سبيل الحقيقة فإنه على تقدير وجود الماء عند
أحد لا يشتريه فلا يكون قيمة له عنده، وإذا فقد بحيث لا يوجد عند أحد بالبيع صح أنه لا
قيمة له لأنه لا يشترى به وبهذا يظهر قصور عبارة فقهائه الذين قالوا أن الشربة قد تساوي دنانير
لا لكون ذلك قيمة له، فإنه ظاهر المناقضة لأن الشيء إذا كان يساوي شيئاً، سواء كان ماء أو
حجراً أو طعاماً أو شجراً، لا يقال في حقه إن ذلك لا يكون قيمة، فتصحيح كلامهم نفي
القيمة العادية ثم قوله بل لتوقف الحياة عليه، لا يظهر أن هذا التعليل من كلامهم أو من كلامه
مع أنه الظاهر لعدم متعلق اللام، ويؤخذ من سياقه أن مراده إن ليس له قيمة لأنه ساوی دنانير
على خلاف جري العادة وإنما يشتري لتوقف الحياة عليه لا لكونه يسوى بالدنانير ولا لكونها
قيمة له وهذا سفساف من الكلام. لأن حجراً إذا سوى ألوفاً من الدنانير مع أنه لا ينفع ولا
يضر، لا يقال فيه أن ذلك لا يكون قيمة له. فإذا كان يشتري الماء بالدنانير لتوقف الحياة عليه
كيف يقال أن ذلك ليس قيمة له. وبذلك تظهر مخالفة الحسن البصري للفقهاء حيث قالوا:
الماء إذا تجاوز عن ثمن المثل جاز التيمم. وأبى الحسن، فقال: لو كان عندي جميع مال
الدنيا فادفعه إلى الماء وأتوضأ به ولا يصح لي التيمم. وغايته أنه اختار مذهب الخواص
والفقهاء إلى الحرج العام رحمة على العوام. وبهذا يظهر أن هذا المعترض، ما فهم كلام
الفقهاء أيضاً حق التفهم، بل أخذ عنهم تقليد أو توهم التقدم. ومما يلائم قضية عزة الماء: ما
حكى أن ملكاً وقع في صحراء وغلب عليه العطش فظهر له من رجال الغيب شخص معه ماء
فطلب منه فأبى فعرض عليه نصف ملكه فأعطاه ثم حصل له بعد الشرب عسر البول الذي لا
يطيق الصبر عليه فقال للشخص أن داويته فأعطيك ملكي كله فدعا له فحصل له الفرج فعرض
عليه الملك فقال ملك يسوى نصفه لدخول شربة ونصفه لخروجها لا قيمة له فكيف اختاره.
وبهذا يتبين ما ورد عنه وَ ل# ((لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة لما سقى كافراً منها
شربة ماء)) (١) يعني فالحكمة في إطعامهم وإسقائهم [وإبقائهم] وزيادة أنعامهم. أن الدنيا سجن
المؤمن وجنة الكافر (قال) أي أبو الدرداء (وكان رسول الله وَي إذا ذكر) أي هو (داود يحدث
عنه) أي يحكي (يقول) بدل من يحدث كذا ذكره الطيبي وتبعه ابن حجر والأظهر أنه حال من
الضمير في يحدث (كان) أي داود (أعبد البشر) أي في زمانه كذا قيده الطيبي [رحمه الله] وعلى
تقدير الاطلاق لا محذور فيه إذ لا يلزم من الأعبدية الأعلمية فضلاً من الأفضلية. وقيل: هو
أكثرهم شكراً لقوله تعالى: ﴿اعملوا آل داود شكراً﴾ [سبأ - ١٣] أي بالغ في شكري وابذل
(١) أخرجه الترمذي في السنن الحديث رقم ٢٣٢٠.

يهد:
كتاب الدعوات/ باب جامع الدعاء
٤٠٩
رواه الترمذي، وقال: هذا حديثٌ حسنٌ غريب.
٢٤٩٧ - (١٦) وعن عطاءِ بنِ السَّائبِ، عن أبيهِ، قال: صلّى بنا عمَّارُ بنُ ياسرِ
صلاةً، فأوْجزَ فيها. فقال لهُ بعضُ القوم: لقدْ خفَّفتَ وأَوْجزْتَ الصَّلاةَ. فقالَ: أَمَا عليَّ
ذلك،
وسعك فيه. كذا ذكره الطيبي [رحمه الله]. وفيه أنه دلالة على أنه أكثر البشر شكراً على
الاطلاق لقوله تعالى في حق نوح ﴿إنه كان عبداً شكوراً﴾ نعم يفهم من كونه نبياً أنه أكثر أهل
زمنه شكراً كما يشير إليه ﴿اعملوا آل داود شكراً﴾ حيث اكتفى من آل داود بمطلق عمل الشكر
ثم ذيله بقوله المنزل منزلة التعليل ﴿وقليل من عبادي الشكور﴾ [سبأ - ١٣] وإشارة إلى أن
مرتبة الشكور إنما هي للأنبياء بقدر متابعتهم حاصلة للأصفياء. وبهذا يصح قوله أي بالغ في
شكرك وإلا فهو غير مأخوذ من قوله: ﴿اعملوا آل داود شكراً﴾ قال الطيب [رحمه الله]: قوله
يحدث يروى مرفوعاً جزاء للشرط إذا كان ماضياً والجزاء مضارعاً يسوغ فيه الوجهان ا هـ.
ومراده أن الرفع متعين. ولو قيل أن ذا يجزم كما ذكروا في قول:
* وإذا تصبك خصاصة فتحمل *
فإن الشرط الجازم المتفق عليه إذا كان ماضياً والجزاء مضارعاً يسوغ فيه الوجهان فكيف
إذا كان الشرط جازماً مختلفاً فيه فيتعين الرفع على كل تقدير ولا يجوز الجزم لعدم وروده
رواية، لكن لو ورد له وجه في الدراية فبطل قول ابن حجر [رحمه الله] نقلاً واعتراضاً حيث
قال: بالرفع والسكون كما هو القاعدة في كل جزاء شرطه ماض كذا قاله الشارح. وهو وهم
فإن القاعدة إنما هي في الشرط الجازم وما هنا إذاً وهو غير جازم (رواه الترمذي وقال هذا
حديث حسن غريب) ورواه الحاكم في مستدركه.
٢٤٩٧ - (وعن عطاء بن السائب عن أبيه) قال الطيبي [رحمه الله]: ولد السائب السنة
الثالثة من الهجرة حضر حجة الوداع مع أبيه يزيد وهو ابن سبع سنين (قال صلى بنا عمار بن
ياسر صلاح) يحتمل أن تكون مكتوبة أو نافلة (فأوجز) أي اقتصر (فيها) أي مع تمام أركانها
وسننها (فقال له بعض القوم) أي ممن حضرها (لقد خففت) بالتشديد أي الأركان بأن فعلت ما
يطلق عليها الركن (وأوجزت) أي اقتصرت بأن أتيت أقل ما يؤدي به السنن وقوله: (الصلاة)
تنازع فيه الفعلان (فقال أما) بالتخفيف (عليّ) بالتشديد (ذلك) قال الطيبي [رحمه الله]: الهمزة
في أما للإنكار كأنه قال أتقول هذا أي أسكت ما على ضرر من ذلك أو للنداء والمنادي بعض
القوم. أي يا فلان ليس علي في ذلك نظر ويحتمل أن تكون كلمة تنبيه ثم قال على ذلك بيانه
قال ابن حجر أما يحتمل أنها للاستفتاح على ذلك التخفيف امتثالاً لقوله عليه الصلاة والسلام:
((من صلى بالناس فليخفف))، وقوله لقد ألخ، بيان لكونه مع أنه أوجز أتى بهذا الدعاء الطويل
لنفاسته والاتباع فيه وهذا أظهر من احتمالات الطيبي [رحمه الله]. فإن كلها تكلف وما ذكرته
١
i
i.
حديث رقم ٢٤٩٧: أخرجه النسائي في السنن ٥٤/٣ حديث رقم ١٣٠٥. وأحمد في المسند ٤/ ٢٦٤.
٠٠٠٦

٤١٠
کتاب الدعوات/ باب جامع الدعاء
لقدْ دعَوْتُ فيها بدعَواتٍ سمِعتُهنَّ منْ رسولِ اللهِ وَ لِّ. فلمَّا قامَ تبعَه رجلٌ منَ القوم هوَ أبي،
غيرَ أنَّ كَنى عنْ نفسِه، فسأَلَّه عنِ الدُّعاءِ ثم جاءَ فأخبرَ بهِ القومَ: «اللهُمَّ بعلمِكَّ الغَيبَ،
وقُدرتِكَ على الخَلقِ، أَخْيني ما علمتَ الحَياةَ خيراً لي، وتوَفِّني إِذا علمتَ الوَفاةَ خيراً لي،
اللهُمَّ وأسألُك خَشيتَكَ في الغَيبِ والشّهادةِ، وأسألُكَ كلمةَ الحَقِّ في الرِّضى والغضَبِ،
أخف تكلفاً كما هو ظاهر اهـ. والذي يظهر لنا إن ما ظهر له ليس بصحيح من وجوه. أما
أوّلاً: فقوله على ذلك التخفيف مخالف للأصول والفروع فإن على للوجوب والتخفيف
بالاتفاق مندوب. وأما ثانياً: فلأن الحديث لا يدل على كونه إماماً ليستدل بالحديث الذي
ذكره. وأما ثالثاً: فلأن تطويله بالدعاء المذكور مخالف للتخفيف المسطور. فالصواب أنه كان
منفرداً وخفف في بقية أجزاء الصلاة وطوّل في الدعاء فإنه يجوز ذلك له وإلا فكيف يقال إنه
أمام وخفف في الأركان القولية والفعلية وطول في الدعاء الذي من جملة السنن المروية (لقد
دعوت فيها) أي في آخرها أو سجودها (بدعوات سمعتهن من رسول الله (وَلـ) أي داخل الصلاة
أو خارجها (فلما قام) أي عمار (تبعه رجل من القوم هو أبي) هذا من كلام عطاء أي ذلك
الرجل أبي (غير أنه) أي أبي (كني عن نفسه) أي برجل ولم يقل تبعته. قال الطيبي [رحمه
الله]: وتقدير الاستثناء أنه لم يصرح السائب [إلا] أنه كني عن نفسه بالرجل ١ هـ. والمراد بعدم
التصريح مبالغة الإخفاء خوفاً من الرياء وبهذا يندفع قول ابن حجر كني به تواضعاً. إذ لو قال
فتبعته لربما توهم منه أن فيه مدحاً لنفسه ثم قال السائب (فسأله) أي الرجل عماراً (عن الدعاء)
أي فأخبره (ثم جاء) أي الرجل (فأخبر) وفي نسخة وأخبر (به) أي بالدعاء (القوم اللهم ) أي
وهو هذا (بعلمك الغيب) الباء للاستعطاف أي أنشدك بحق علمك المغيبات عن خلقك
(وقدرتك) أي بقدرتك (على الخلق) أي على خلق كل شيء تتعلق به مشيئتك، أو على
المخلوقات بأن تفعل فيهم ما تقضي إرادتك (أحيني) أي أمدني بالحياة (ما علمت الحياة) ما
مصدرية ظرفية (خيراً لي) بأن يغلب خيري على شري (وتوفني إذا علمت الوفاة خيراً لي) بأن
تغلب سيأتي على حسناتي أو بأن تقع الفتن ما ظهر منها وما بطن (اللهم) اعتراض قاله ابن
حجر [رحمه الله]. والظاهر أنه عطف على الأول بحذف العطف كما في كثير من الدعوات
الحديثية ومنه تكرار ربنا من غير عاطف في الآيات القرآنية. ولا يضره الواو في قوله وأسألك
لأنها نظيره الواو في قوله تعالى: ﴿ربنا وآتنا﴾ [آل عمران - ١٩٤] (وأسألك) عطف على
أنشدك المقدر (خشيتك) أي الخوف من مخالفتك وما يترتب عليها من معاقبتك (في الغيب
والشهادة) أي في السر والعلانية (وأسألك كلمة الحق في الرضا والغضب) أي في حال رضا
الخلق وغضبهم، أو في حال رضائي وغضبي، أي أكون مستمراً عليها في جميع أحوالي
وأوقاتي وزاد في الحصن وكلمة الإخلاص. وهي تحتمل أن تكون تفسير الكلمة الحق كما قال
تعالى: ﴿دعوة الحق﴾ [الرعد - ١٤] أي دعوة التوحيد المطلق والشرع المحقق. وأن يكون
المراد بكلمة الحق الحكم بالعدل وبكلمة الإخلاص التوحيد، أو النصيحة الخالصة عن الرياء
والسمعة فحينئذ يتنازعان في الجار والمجرور. وأما تفسير ابن حجر [رحمه الله] كلمة الحق بما
لا إثم فيه ففي غاية من البعد بل غير صحيح، إذ لا يتصور أنه وَّلقول يسأل الله المداومة على

٤١١
كتاب الدعوات/ باب جامع الدعاء
وأسألُكَ القَصْدَ في الفقْرِ والغِنى، وأسألُكَ نعيماً لا ينْفَدُ، وأسألُكَ قُرَّةَ عَينٍ لا تنقَطِعُ،
وأسألُكَ الرِّضى بعدَ القَضاءِ، وأسألُكَ بَرْدَ العَيشِ بعدَ المَوتِ، وأسألُكَ لذَّةَ النَّظرِ إِلى
وجهِكَ، والشَّوْقَ إِلى لقائِكَ في غيرِ ضَرَّاءَ مُضِرَّةٍ،
الكلام المباح وهو عليه الصلاة والسلام يقول: ((من حسن إسلام المرء تركه ما
لا يعنيه))(١)، وقد قال تعالى: ﴿والذين هم عن اللغو معرضون﴾ [المؤمنون - ٣] (وأسألك
القصد) أي الاقتصاد وهو التوسط (في الفقر والغنى) وهو دليل لمن قال: الكفاف أفضل من
الفقر والغنى. وهذه الجملة متروكة من الحصن! وذهب ابن حجر [رحمه الله] إلى أن معناه
توفيق القصد، وقال: لأن غير القصد مذموم قال تعالى: ﴿لا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ﴾
[الإسراء - ٢٩] الآية والظاهر إن المقام بأبي عن الحمل عليه سابقاً ولاحقاً فإن الكلام ليس في
امتثال المأمورات واجتناب المنهيات وإلا فالأولى بالذكر كثير مع أنه لا يتصور منه مخالفة
مأمور ولا مباشرة محظور (وأسألك نعيماً لا ينفذ) بالدال المهملة أي لا يفنى ولا ينقص وهو
نعيم الجنة وأما غيره فكل نعيم لا محالة زائل (وأسألك قرة عين) ولفظ الحصن: وقرة عين
بالعطف من غير إعادة الفعل (لا تنقطع) والمراد به كل ما يتلذذ به الإنسان الكامل قيل يحتمل
طلب نسل لا ينقطع ولعله مأخوذ من قوله تعالى: ﴿ربنا هب لنا من أزواجنا﴾ [الفرقان - ٧٤]
وذرياتنا قرة أعين. وقيل: أراد المداومة على الصلاة وقد ورد وقرة عيني في الصلاة (وأسألك
الرضا) وهو مقصور مصدر محض والاسم الرضاء الممدود كذا ذكره الجوهري (بعد القضاء)
فإنه المقام الأفخم وباب الله الأعظم، وفي بعض الروايات وأسألك الرضا بالقضاء قيل في وجه
الأوّل كأنّه طلب الرضا بعد تحقق القضاء وتقرره. وسئل أبو عثمان عن قول النبي وَلقر أسألك
الرضا بعد القضاء عزم على الرضا بعد القضاء؟ قال: لأن الرضا قبل القضاء عزم على الرضا
بعد القضاء وهو الرضا. كذا في الغنية للقطب الرباني الشيخ عبد القادر الجيلاني [قدس الله
سره الباري] (وأسألك برد العيش) أي طيبه وحسنه وفي الحصن وبرد العيش (بعد الموت) لأنه
لا عيش إلا عيش الآخرة (وأسألك لذة النظر) وفي الحصن بالعطف بدون أسألك (إلى وجهك)
قال الطيبي [رحمه الله]: قيد النظر باللذة لأن النظر إلى الله تعالى أما نظر هيبة وجلال في
عرصات القيامة، وأما نظر لطف وجمال في الجنة ليؤذن بأن المراد هذا (والشوق إلى لقائك)
أي أبداً سرمداً (في غير ضراء) أي شدة (مضرة) الجار أما متعلق بقوله والشوق إلى لقائك. أي
أسألك شوقاً لا يؤثر في سيري وسلوكي بحيث يمنعني عن ذلك وإن يضرني مضرة. وأما
متعلق باحيني الثاني أظهر معنى. والأوّل أقرب لفظاً. ويؤيد الثاني كونه في الحصن بلفظ أعوذ
بك من ضراء مضرة. وقال الطيبي [رحمه الله]: متعلق الظرف مشكل ولعله متصل بالقرينة
الأخيرة وهو قوله والشوق إلى لقائك سأل شوقاً إلى الله بحيث يكون ضراء غير مضرة أي شوقاً
لا يؤثر في سيري وسلوكي وإن ضرني مضرة ويجوز أن يتصل بقوله أحيني ما علمت الحياة
(١) أخرجه البخاري في صحيحه كتاب الآذان باب إذا صلى لنفسه فليطول ما شاء حديث رقم ٧٠٣.

٠ -.
کتاب الدعوات/ باب جامع الدعاء
/ ١٣/١٠
٤١٢
ولا فِتْنَةٍ مُضِلَّةٍ، اللهُمَّ زَيِّنَا بزينَةِ الإِيمانِ، واجعلنا هُداةً مَهدِيِّينَ)). رواه النسائي.
٢٤٩٨ - (١٧) وعن أُمّ سلمَةَ، أنَّ النبيَّ وَّهُ كانَ يقولُ في دُبُرِ صلاةِ الفجرِ: («اللهُمَّ
إِني أسألُكَ علماً نافعاً، وعَملاً مُتَقَبَّلاً، ورِزْقاً طيّباً)). رواه أحمد، وابن ماجه، والبيهقي في
((الدَّعوات الكبير)).
خيراً لي ومعنى ضراء غير مضرة الضر الذي يصبر عليه. كما ورد في قوله عليه الصلاة والسلام
((عجباً لأمر المؤمن أن أصابته سراء شكر فكان خيراً له وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له))(١)
١ هـ. وقوله بحيث يكون ضراء غيره مضرة غير صحيح لأن المطلوب ليس شوقاً بحيث يكون
ضراء، ولذا دخل غير عليها ثم وصفها بمضرة ليفيد أنه لا تضر الضراء إذا لم تكن مضرة، كما
يدل عليه قوله وإن ضرني مضرة ويمكن حمل عبارته على ما ذكرناه بأدتي عناية وحاصل المعنى
إني أسألك شوقاً لا يضرني في بدني بأن أفعل ما لا طاقة لي به ولا في قلبي بأن تغلب عليّ
الجذبة بحيث أخرج عن طور عقلي فيفوتني مرتبة الجمع ولذا قال: (ولا فتنة مضلة) لأن الفتنة
تعم ما يؤدي إلى الهلاك الحسي والمعنوي والمضلة ما يوجب الانحراف عن الطريق القويم
والصراط المستقيم (اللهم زينا بزينة الإيمان) أي بثباته وزيادة ثمراته من حسن العمل وإتيان
العرفان (واجعلنا هداة) جمع هاد أي هادين إلى الدين (مهديين) وفي الحصن: مهتدين أي
ثابتين على الهداية وطريق اليقين، قال الطيبي رحمه الله: وصف الهداة بالمهديين لأن الهادي
إذا لم يكن مهدياً في نفسه لم يصلح أن يكون هادياً لغيره لأنه يوقع الخلق في الضلال من
حيث لا يشعر قلت ومن حيث لا يشعرون أيضاً (رواه النسائي) وكذا الحاكم والإمام أحمد
والطبراني.
/٣٠/١١٢
٢٤٩٨ - (وعن أم سلمة أن النبي ◌ٍّ﴿ كان يقول في دبر الفجر) أي في دبر صلاة الفجر
كما في نسخة وعبارة الأذكار إذا صلى الصبح (اللهم إني أسألك علماً نافعاً وعملاً متقبلاً) بفتح
الموحدة أي مقبولاً (ورزقاً طيباً) أي حلالاً. في مختصر الطيبي [رحمه الله] فإنه أسلك لهما
ولا يعتد بهما دونه. أقول: ولهذا قدم عليهما في رواية الحصن عن الطبراني في الأوسط،
وابن السني. وفي شرح الطيبي [رحمه الله] إن قلت كان من الظاهر أن يقدم الرزق الحلال على
العلم لأن الرزق إذا لم يكن طيباً(٢) لم يكن العلم نافعاً، والعمل إذا لم يكن عن علم نافع لم
يكن متقبلاً. قلت: أخره ليؤذن بأن العلم والعمل إنما يعتد بهما إذا تأسسا على الرزق الحلال
وهي المرتبة العليا، ولو قدم لم يكن بذلك. كما إذا سئلت عن رجل، فقيل: لك هو عالم
عامل فقلت من أين معاشه فقيل لك من أوزار السلطان، استنكفت منه ولم تنظر إلى علمه
وعمله وتجعلهما هباء منثوراً ا هـ. وحاصل السؤال أن تقديم الرزق هو المقدم حساً لكونه سبباً
(١) أخرجه مسلم في صحيحه كتاب الزهد والرقاق باب المؤمن أمره كله خير.
حديث رقم ٢٤٩٨: أخرجه ابن ماجه في السنن ٢٩٨/١ حديث رقم ٩٢٤. وأحمد في المسند ٢٩٤/٦.
(٢) في المخطوطة ((حلالاً)).

کتاب الدعوات/ باب جامع الدعاء
٤١٣
٢٤٩٩ - (١٨) وعن أبي هريرةَ، قال: دُعاءً حفِظتُه من رسولِ الله وَِّ لا أدَعُه:
((اللهُمَّ اجعَلني أُعظّمُ شُكرَكَ،
لتحصيلهما ولذا قدمه تعالى في مواضع من كتابه فقال: ﴿يا أيها الرسل كلوا من الطيبات
واعملوا صالحاً﴾ [المؤمنون - ٥١] وقال: ﴿يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم
واشكروا الله إن كنتم إياه تعبدون﴾ [البقرة - ١٧٢] ولذا قال يحيى بن معاذ الرازي: الطاعة
مخزونة في خزائن الله تعالى ومفتاحها الدعاء وأسنانه الحلال. وعن ابن عباس رضي الله
عنهما. لا يقبل الله صلاة امرىء في جوفه حرام. ومن المعلوم أن العلم النافع والعمل الصالح
نتيجة الرزق الحلال. وحاصل الجواب أن هذا الترتيب للترقي للتدلي ويدل عليه قوله وهي
المرتبة العليا، وكل واحدة منها قيد لكمال ما قبله ويشير إليه بقوله فقلت من أين معاشه،
ويمكن أن يجاب بأنه قدم العلم إيماء بأنه الأساس وعليه مدار الدين من الاعتقاد والأحوال
وصحة الأعمال ومعرفة الحرام والحلال ثم أتى بنتيجة العلم وهو العمل فإنه لو لم يعمل بعلمه
فكأنه جاهل لقوله تعالى: ﴿إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة﴾ [النساء - ١٧]
فإن البغوي [رحمه الله] قال: أجمع السلف رحمهم الله تعالى على أن من عصى الله جاهل
وأقول بل أشد منه لقوله وَّفي ((أشد الناس عذاباً يوم القيامة عالم لم ينفعه الله بعلمه))(١) وورد
((ويل للجاهل مرة وويل للعالم سبع مرات)). بل قال الإمام الغزالي [رحمه الله]: إن أقل العلم
بل أدنى الإيمان أن يعلم أن الدنيا فانية والعقبى باقية ونتيجته أن يؤثر الباقي على الفاني. ثم لما
كان الرزق الحلال من جملة الأعمال خص بالذكر لأنه كالأساس الظاهري في نتيجة العلم
وصحته، وترتب العمل وإخلاصه وقبوله. وأما قول ابن حجر [رحمه الله] قدمه إشارة إلى أن
حكم الأوّل أن ينوّر القلب ويزيد في العلم، والثاني أنه ربما أظلم القلب ونقص من العلم،
والثالث أنه يظلم القلب ويبعد من الله ويوجب مقته وخذلانه. فمع ركاكة لفظه وغلاقة معناه لا
يلائم أرباب العبارات ولا يناسب مرام أصحاب الإشارات (رواه) أي بهذا اللفظ (أحمد وابن
ماجه والبيهقي في الدعوات الكبير) وزاد في الأذكار. وابن السني. فلعله له روايتان والله تعالى
أعلم.
٢٤٩٩ - (وعن أبي هريرة قال دعاء) مبتدأ (حفظته من رسول الله وَ ل*) صفة للمبتدأ مسوّغ
وخبره قوله: (لا أدعه) أي لا أتركه لنفاسته (اللهم اجعلني أعظم) بالتخفيف والتشديد ورفع
الميم، وهو مفعول ثان بتقدير أن أو بغيره معظماً (شكرك) أي بعد تعظيم نعمتك اللازم منها
تعظيم المنعم. قال الطيبي [رحمه الله]: اجعلني بمعنى صيرني ولذلك أتى بالمفعول الثاني
فعلاً لأن صار من دواخل المبتدأ والخبر اهـ. وهو موهم أن جعل متى يكون بمعنى صار يؤتى
بالمفعول الثاني فعلاً وليس الأمر كذلك لقوله تعالى: ﴿وجعلنا نومكم سباتا﴾ [النبأ - ٩] بل
مراده أن جعل ليس بمعنى خلق كما يستعمل تارة نحو قوله تعالى: ﴿وجعل الظلمات والنور ﴾
(١) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان حديث رقم ١٧٧٨.
حديث رقم ٢٤٩٩: أخرجه أحمد في المسند ٣١١/٢.
i
صور
i
٤

٤١٤
١٣١٠/١/
كتاب الدعوات/ باب جامع الدعاء
وأُكثِرُ ذِكرَكَ، وأَتَّبعُ نُصحَكَ، وأحفَظُ وضِيَتَكَ)). رواه الترمذيّ.
٢٥٠٠ _ (١٩) وعن عبدِ الله بنِ عَمْروٍ، قال: كانَ رسولُ اللهِوَ لَه يقول: («اللهُمَّ إِني
أسألُكَ الصِّحَّةَ، والعِفَّةَ، والأمانةَ، وحُسنَ الخُلُقِ، والرِّضى بالقَدَرِ)).
٢٥٠١ _ (٢٠) وعن أُمّ مَعْبدٍ، قالتْ: سمعتُ رسولَ الله وَ يقول: «اللهُمَّ طَهِّرْ قلبي
مِنَ النِّفاقِ، وعَملي منَ الرِّياءِ، ولِساني منَ الكذِبِ، وعَيني منَ الخِيانةِ، فإِنَّكَ تَعلَمُ خائنَةً
الأعیُنِ
[الأنعام - ١] فيكون متعدياً إلى مفعول واحد. ويستعمل مرة بمعنى صار فحينئذ يتعدى إلى
مفعولين. وأما قول ابن حجر أي أعده عظيماً أو آتى به عظيماً فلا يخفى عدم ظهوره من غير
سبب عدوله عن ظاهره (وأكثر) مخففاً ومشدداً (ذكرك) أي لساناً وجناناً وهو يحتمل أن يكون
تخصيصاً بعد تعميم والأظهر أن بينهما عموماً وخصوصاً من وجه. وأما قول ابن حجر [رحمه
الله] تصريح مما علم قبله أطناباً واستلذاذاً بالخطاب، فغير صحيح لأن محله فيما يكون الثاني
[مفهوم] منطوق الأول فتأمل (واتبع) بتشديد التاء وكسر الموحدة وسكون الأولى وفتح الثانية
(نصحك) بضم النون أي نصيحتك (واحفظ وصيتك) قال الطيبي [رحمه الله]: النصيحة
والوصية متقاربان والأقرب أن بينهما فرقاً فإن النصيحة هي إرادة الخبر للمنصوح له فيراد بها
حقوق العباد. وبالوصية متابعة الأمر والنهي من حقوق الله تعالى والله أعلم (رواه الترمذي).
٢٥٠٠ - (وعن عبد الله بن عمرو) بالواو (قال كان رسول الله وَلل يقول اللهم إني أسألك
الصحة) أي صحة البدن من سيىء الأسقام، أو صحة الأحوال والأقوال والأعمال (والعفة) أي
التحرز عن الحرام والاجتناب عن الآثام (والأمانة) بترك خيانة الأنام (وحسن الخلق) بضم اللام
وسكونها أي حسن المعاشرة مع أهل الإسلام (والرضاء بالقدر) أي بما جرى به الأقلام.
٢٥٠١ - (وعن أم معبد) بفتح الميم والموحدة أي بنت كعب بن مالك الأنصارية (قالت
سمعت رسول الله وهو يقول اللهم طهر قلبي من النفاق) أي بتحصيل اليقين في الدين وتسوية
السر والعلانية بين المسلمين (وعمل من الرياء) بالهمز وقد يبدل أي من الرياء والسمعة بتوفيق
الإخلاص (ولساني من الكذب) بفتح الكفا وكسر الذال ويجوز بكسر الكاف وسكون الذال
وخص من معاصي اللسان لأنه أعظمه وأقبحه عند الله وعند الخلق (وعيني من الخيانة) أي بأن
ينظر بها إلى ما لا يجوز له النظر إليه أو يشير بها إلى ما يترتب الفساد عليه (فإنك تعلم خائنة
الأعين) قال البيضاوي في قوله تعالى: ﴿يعلم خائنة الأعين﴾ [غافر - ١٩] الخائنة صفة النظرة
كالنظرة الثانية إلى المحرّم، واستراق النظر إلى ما لا يحل كما يفعله أهل الريب. ولا يحسن أن
يراد الخائنة من الأعين لأن قوله وما تخفى الصدور لا يساعد عليه. قال صاحب المدارك قوله :
حديث رقم ٢٥٠٠: أخرجه البزار ذكره في كنز العمال ١٨٣/٢ الحديث رقم ٣٦٥٠.
حديث رقم ٢٥٠١: أخرجه الخطيب ذكره في كنز العمال ١٨٤/٢ الحديث رقم ٣٦٦٠.

٤١٥
٠,٠٨
کتاب الدعوات/ باب جامع الدعاء
﴿وما تُخْفي الصُّدورُ﴾)). رواهما البيهقي في ((الدعواتِ الكبير)).
٢٥٠٢ _ (٢١) وعن أنسٍ: أنَّ رسولَ الله وَلَّرِ عادَ رجلاً منَ
(﴿وما تخفى الصدور)) أي وما تسره من أمانة أو خيانة. وقيل: هو أن ينظر إلى أجنبية بشهوة
مسارقة ثم يتفكر بقلبه في جمالها ولا يعلم بنظرته وفكرته من بحضرته، والله يعلم ذلك كله.
فقول ابن حجر أي الخائنة منها وهي التي تتعمد ذلك النظر المحرم مع استراقه حتى لا يفطن
أحد له مردود، ثم قال: وقد يراد بخائنة الأعين أن يظهر الإنسان خلاف ما يبطن كأن يشير
بطرف عينه إلى قتل إنسان مع أنه يظهر له الرضا عنه، قلت: هذه عبارة غريبة، وإشارة عجيبة،
مع أنها غير مطابقة للقضية المذكورة، والحجة المسطورة، بقوله ومن ذلك ما وقع يوم فتح
مكة أي ممن أهدر دمهم يومئذ جيء به إلى النبي وَّ فشفع فيه عثمان رضي الله عنه
فسكت ◌ّ هنيهة ثم شفع عثمان فيه. ثم قال: لأصحابه هلا بادر أحدكم إلى قتله حين سكت
فقالوا يا رسول الله هلا أشرت إلينا بقتله فقال النبي و هو ما كان لنبي أن يكون له خائنة الأعين
[ومن ثم قال أئمتنا: من خصائصه والقر أنه يحرم عليه خائنة الأعين وهي أن يبطن خلاف ما
يظهر إلا في التورية بالحرب أو فيه وفيه أنه لا يظهر وجه الاختصاص به ◌َّت] ومن ثم قال
قوله: ﴿وما تخفي الصدور﴾ أي تكنه القلوب وتضمره الأفئدة من توالي خطراتها المتنافية وفيه
ترق، لأن هذه الخطرات أقبح من تلك النظرات. قلت: ليس كذلك فإن الخطرات معفو عنها
بخلاف النظرات المتعمد بها. ثم قال: وأما قول الكشاف ولا يحسن أن يراد الخائنة من الأعين
لأن قوله وما تخفي الصدور لا يساعد عليه اهـ. فإن كان أخذه أي تفسير خائنة الأعين بما مر
عن الفقهاء فهو واضح لأن خائنتها حينئذ مما تخفيه الصدور فيكون من عطف الأعم وهو
خلاف الأصل من التغاير الحقيقي بين المعطوف والمعطوف عليه أو من تفسيرها بما مر أوّلاً
كان مندفعاً بما قررته من الترقى المذكور. وبهذا الفرق الذي قررت به كلامه من إيضاحه على
الأوّل واندفاعه على الثاني يعلم ما في كلام الشارح هنا فتأمله ا هـ. وقد تأملنا فوجدنا أن
الكشاف والطيبي إمامان، محققان، مدققان في العربية والتفسير، عارفان بجواز عطف العلم
على الخاص. وهو في الكتاب كثير فالمراد من كلامهما أن معنى قوله تعالى: ﴿وما تخفي
الصدور ﴾ [غافر - ١٩] يعلم الأحوال المختلفة في الصدور وحسن التقابل بين المتعاطفين
يقتضي أن يكون معنى خائنة الأعين الأحوال الكامنة الكائنة في الأعين إذ هي ذات في مقابلة
الصدور والعلم بالذوات أمر ظاهر فتعلقه بالأحوال المخفية أبلغ وأفيد وحينئذ يكون الترقي من
الدقيق إلى الأدق كما في قوله تعالى: ﴿يعلم السر وأخفى﴾ [طه - ٧] والله تعالى أعلم
(رواهما) أي الحديثين السابقين (البيهقي في الدعوات الكبير).
وجسد
٢٥٠٢ - (وعن أنس أن رسول الله وَ ل﴾- عاد) من العيادة أي زار (رجلاً) أي مريضاً (من
حديث رقم ٢٥٠٢: أخرجه مسلم في صحيحه ٢٠٦٨/٤ حديث رقم (٢٣ . ٢٦٨٨). والترمذي في السنن
٤٨٧/٥ حديث رقم ٣٤٨٧. وأحمد في المسند ١٠٧/٣.

٤١٦
كتاب الدعوات/ باب جامع الدعاء
المسلمينَ قدْ خَفَتَ، فصارَ مثلَ الفَرْخ. فقال له رسولُ اللهِ وَّرَ: «هلْ كنتَ تَدعُو اللَّهَ بشيء أوْ
تسألُهُ إِيَّه؟)). قال: نعمْ، كنتُ أقولُ: («اللهُمَّ ما كنتَ مُعاقِبي به في الآخرةِ فعجِّلْه لي في الدُّنيا.
فقال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((سبحانَ اللَّهِ! لا تُطيقُه ولا تستَطيعُه؛ أَفَلا قُلتَ: اللهُمَّ آتِنا في الدنيا حسنَةً
وفي الآخرةِ حسنَةٌ، وقنا عذابَ النَّارِ؟)) قال: فدعَا اللَّهَ به، فشفاهُ الله. رواه مسلم.
٢٥٠٣ - (٢٢) وعن حُذَيفةَ، قال: قال رسولُ الله ◌َّرَ: ((لا ينبغي للمُؤْمنِ أنْ يُذِلَّ
المسلمين قد خفت) بفتح الفاء أي ضعف من خفت إذا ضعف وسكن (فصار) أي بسبب الضعف
(مثل الفرخ) وهو ولد الطير أي مثله في كثرة النحافة، وقلة القوّة (فقال رسول الله وَّ ر هل كنت
تدعو الله بشيء أو تسأله إياه) قيل شك من الراوي. وقال الطيبي: والظاهر أنه من كلامه عليه
الصلاة والسلام أي هل كنت تدعو بشيء من الأدعية التي يسأل فيها مكروه، أو هل سألت الله
البلاء الذي أنت فيه وعلى هذا فالمضير المنصوب عائد إلى البلاء الذي دل عليه الحال وينبىء
عنه خفت فيكون قد عم أوّلاً وخص ثانياً. وجعل ابن حجر أو للتنويع وجعل الدعاء مختصاً
بالتلويح والسؤال بالتصريح وهو وجه وجيه، لكن قوله: واندفع به ما للشارح هنا من التكلف
البعيد والتأويل الغريب فمدفوع فإن الشارح أيضاً جعل أو للتنويع غايته أنه حمل الدعاء والسؤال
بمعنى واحد كما هو الظاهر وفرق في مفعوليهما بأن جعل المفعول الأوّل عاماً والمفعول الثاني
خاصاً فتقرب ولا تبعد فتستبعد ثم من الغريب أنه ذكر ورقتين من الكلام في تصحيح قوله وانتقل
انتقالات عجيبة لا دخل للمقصود فيها أبداً (قال نعم) فيه دلالة على أن أو للشك من الراوي لا
للترديد منه وَّير (كنت أقول اللهم ما كنت معاقبي به في الآخرة) شرطية أو موصولة (فعجله لي في
الدنيا فقال رسول الله ◌َ و سبحان الله) تنزيه له تعالى عن الظلم. وعن العجز. أو تعجب من
الداعي في هذا المطلب وهو أقرب (لا تطيقه) أي في الدنيا (ولا تستطيعه) في العقبى أو كرر
للتأكيد. فبطل قول ابن حجر فمآل الجملتين واحد إذ يحتمل اختلافهما بخلاف تعلقها. وقال
الطيبي: قوله لا تطيقه بعدما صار الرجل كالفرخ وبعد قوله كنت أقول لحكاية الحال الماضية
المستمرة إلى الحال والاستقبال. وأغرب ابن حجر فقال: أي لا تطيق هذا العذاب الذي سألته لا
في هذه الحالة التي أنت فيها ولا فيما سواها كما دل عليه عموم والنفي فاندفع قول الطيبي الخ.
فتأمل فإن العاقل يكفيه الإشارة والغافل لا تنفعه كثرة العبارة (أفلا قلت) أي بدل ما قلت (اللهم
ربنا آتنا في الدنيا حسنة) أي عافية (وفي الآخرة حسنة) أي معافاة (وقنا عذاب النار قال) أي أنس
(فدعا) أي الرجل (الله به) أي بهذا الدعاء الجامع. وقال ابن حجر: أي حال كونه ملتبساً بقوله
هذا الدعاء أو مستغنى عنه نشأ عن الغفلة عن قوله ◌َّ هل دعوت الله بشيء فإن الباء للتعدية أي
المفعول الثاني (فشفاء الله) أي بالدواء النافع (رواه مسلم).
٢٥٠٣ - (وعن حُذَيفةَ، قال: قال رسولُ اللهِّ: ((لا ينبغي) أي لا يجوز (للمُؤْمنِ أنْ يُذِلَّ
حديث رقم ٢٥٠٣: أخرجه الترمذي في السنن ٤٥٣/٤ حديث رقم ٢٢٥٤. وأحمد في المسند ٤٠٥/٥
والبيهقي في شعب الإيمان.

٤١٧
كتاب الدعوات/ باب جامع الدعاء
نفسَه)). قالوا: وكيفَ يُذِلُّ نفسَه؟ قال: ((يتعرَّضُ منَ البَلاءِ لما لا يُطيقُ)). رواه الترمذيّ،
وابن ماجه، والبيهقي في ((شعب الإيمان)). وقال الترمذي: هذا حديثٌ حسنٌ غريب.
٢٥٠٤ _ (٢٣) وعن عُمرَ رضي اللهُ عنه، قال: علَّمني رسولُ اللهِوَّرِ قال: ((قُلْ:
اللهُمَّ اجعَلْ سريرَتي خيراً مِنْ عَلانِيَتِي، واجعَلْ علانيَتي صالحةً، اللهُمَّ إِني أسألُكَ منْ
صالحِ ما تُؤْتِي النَّاسَ منَ الأهلِ والمالِ والوَلَدِ غيرِ الضَّالْ ولا المُضِلُّ)). رواه الترمذيّ.
نفسَه). أي باختياره فلا ينافي ما ورد من أن المؤمن لا يخلو من علة أو قلة أو ذلة (قالوا كيف
بذل نفسه) وجه استبعادهم أن الإنسان مجبول على حب إعزاز نفسه (قال يتعرض من البلاء)
بيان (لما لا يطيق) الظاهر أن اللام بمعنى إلى وفي نسخة بحذفها. ومن العجيب ما ذكره ابن
حجر. قيل: بيان تقدم وهو أن يذل نفسه (رواه الترمذي وابن ماجه) أي في سننهما (والبيهقي
في شعب الإيمان وقال الترمذي هذا حديث حسن غريب).
٢٠٥٤ - (وعن عمر) رضي الله عنه (قال علمني رسول الله (وَ لي) أي دعاه (قال) بيان
علمني (قل اللهم اجعل سريرتي) هي والسر بمعنى وهو ما يكتم (خيراً من علانيتي) بالتخفيف
(واجعل علانيتي صالحة) طلب أوّلاً سريرة خيراً من العلانية ثم عقب بطلب علانية صالحة
لدفع توهم أن السريرة ربما تكون خيراً من علانية غير صالحة. وتعقبه ابن حجر بما لا طائل
تحته (اللهم إني أسألك من صالح ما تؤتي الناس) قيل: من زائدة كما هو مذهب الأخفش
وقوله: (من الأهل والمال والولد) بيان ما ويجوز أن تكون للتبعيض (غير الضال) أي بنفسه
(ولا المضل) أي لغيره. قال الطيبي: مجرور بدل من كل واحد من الأهل. والمال والولد
ويجوز أن يكون الضال بمعنى النسبة أي غير ذي ضلال والله تعالى أعلم (رواه الترمذي)
وأجمع ما ورد في الدعاء: ((اللهم إني أسألك من الخير كله عاجله وآجله ما علمت منه وما لم
أعلم وأعوذ بك من الشر كله عاجله وآجله ما علمت منه وما لم أعلم اللهم إني أسألك من خير
ما سألك عبدك ونبيك وأعوذ بك من شر ما عاذ منه عبدك ونبيك اللهم إني أسألك الجنة وما
قرب إليها من قول أو عمل وأعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول أو عمل وأسألك أن
تجعل كل قضاء لي خيراً))(١). رواه ابن ماجه وابن حبان. كلهم عن عائشة رضي الله تعالى
عنها. وقد جمعت الدعوات النبوية بعد الدعوات القرآنية وختمتها بالصلوات المصطفوية في
كراريس لطيفة مرضية هي أحق وأولى بالمحافظة عليها من سائر الأحزاب والأوراد كأوراد
الفتحية، وأحزاب الزينية وهي في الحقيقة جامعة للشمائل السنية ومانعة من الأخلاق الردية فهي
زبدة رسائل الصوفية الصفية.
حديث رقم ٢٥٠٤: أخرجه الترمذي في السنن ٥٣٤/٥ حديث رقم ٣٥٨٦.
(١) أخرجه ابن ماجه الحديث رقم ٣٨٤٦.
/١

GRANTUREREVENVAHILL
3.1เมื่อ 2

كتاب المناسك
(كتاب المناسك)
جمع المنسك بفتح السين وكسرها. وقرىء بهما في السبعة قوله تعالى: ﴿لكل أمة جعلنا
منسكاً﴾ [الحج - ٦٧] وهو مصدر ميمي من نسك ينسك إذا تعبد، ثم سميت أفعال الحج
كلها مناسك. وقال الطيبي: النسك العبادة، والناسك العابد اختص بأعمال الحج، والمناسك
مواقف النسك، وأعمالها، والنسيكة مخصوصة بالذبيحة هذا. والحج بالفتح والكسر كما قرىء
بهما قوله تعالى: ﴿ولله على الناس حج البيت﴾ [آل عمران - ٩٧] في السبعة. لغة القصد.
وقيل: القصد إلى ما يعظم وقيل: مرة بعد أخرى. وفي القاموس: قصد مكة للنسك والظاهر
أنه معنى اصطلاحي. قال ابن الهمام: وشرعاً قصد البيت لأداء ركن من أركان الدين(١)،
والظاهر أنه عبارة عن الأفعال المخصوصة من الطواف والوقوف في وقته محرماً بنية الحج
سابقاً اهـ. ولا يخفى أن الأحرام عبارة عن النية والتلبية فقوله بنية الحج مستدرك، وقوله سابقاً
أي حال كون الإحرام المقرون بالنية متقدماً على الأفعال لأنه شرط على مذهبنا. وأما سبب
الحج فهو البيت لأنه يضاف إليه. وفي معالم التنزيل: اختلف العلماء في قوله تعالى: ﴿إن أوّل
بيت وضع للناس ﴾ [آل عمران - ٩٦] فقال بعضهم هو أوّل بيت ظهر على وجه الماء عند
خلق السماء والأرض خلقه الله تعالى قبل الأرض بألفي عام وكانت زبدة بيضاء على الماء قد
حيت الأرض من تحتها هذا قول عبد الله بن عمر ومجاهد وقتادة والسدي وهو المشهور. وقال
بعضهم: هو أوّل بيت بني في الأرض روي عن علي بن الحسين أن الله تعالى وضع تحت
العرش بيتاً وهو البيت المعمور وأمر الملائكة أن يطوفوا به ثم أمر الملائكة الذين هم سكان
الأرض أن يبنوا بيتاً في الأرض على مثاله وقدره فبنوا واسمه الضراح وأمر من في الأرض أن
يطوفوا به كما يطوف أهل السماء بالبيت المعمور. وروي أن الملائكة بنوه قبل خلق آدم بألفي
عام فكانوا يحجونه فلما حجه آدم قالت الملائكة بر حجك حججنا هذا البيت قبلك بألفي عام.
وهو فرض بالكتاب والسنة والإجماع وجاحده كافر عند الكل بلا نزاع ثم اعلم أن الجن تبع
للإنس فيما كلفوا به وقد يشملهم لفظ الناس في الآية والحديث نظر البعض مأخذاً اشتقاقه على
ما في القاموس ونحوه ثم اختلف في أن الحج كان واجباً على الأمم قبلنا أم وجوبه مختص بنا
لكمالنا والأظهر الثاني واختار ابن حجر الأوّل واستدل بقوله ((ما من نبي إلا وحج البيت)) فهو
من الشرائع القديمة. وجاء أن آدم عليه الصلاة والسلام حج أربعين سنة من الهند ماشياً، وأن
ALL
جبيـ
(١) فتح القدير ٣٢٠/٢.
٤١٩

٤٢٠
كتاب المناسك
الفصل الأول
٢٥٠٥ _ (١) عن أبي هريرة، قال: خطَبَنا رسولُ اللَّهِ وَله فقال: ((يا أَيُّها النَّاسُ! قد
فُرِضَ عليكم الحَجُّ فحُجُوا»
جبريل قال له أن الملائكة كانوا يطوفون قبلك بالكعبة سبعة آلاف سنة. وهذا كما ترى لا دلالة
فيه على إثباته ولا على نفيه وإنما يدل على أنه مشروع فيما بين الأنبياء عليهم الصلاة والسلام،
ولا يلزم من كونه مشروعاً أن يكون واجباً مع أن الكلام إنما هو في الأمم قبلنا ولا يبعد أن
يكون واجباً على الأنبياء دون أممهم فيكون هذا من خصوصيات الأنبياء واتباع سيد الأصفياء
كما حقق في باب الوضوء. وقد صح أنه عليه الصلاة والسلام لما بلغ عفان في حجة الوداع
قال يا أبا بكر أي واد هذا قال وادي عسفان قال لقد مر به هود وصالح على بكرين أحمرين
خطمهما الليف وازرهم العباء وأرديتهم النمار يلبون يحجون البيت العتيق(١). رواه أحمد.
والبكر الفتي من الإبل، والنمار البرد الأبلق من الصوف يليه الأعراب. وروي مسلم لما مر
بوادي الأزرق أي في حجة الوداع قال: كأني أنظر إلى موسى من الثنية واضعاً أصبعيه في أذنيه
مارّاً بهذا الوادي وله حوّار إلى الله بالتلبية (٢)، وهذا الوادي بينه وبين مكة نحو ميل وجاء في
خبر عن عيسى ((ليهلن ابن مريم بفج الروحاء)). فدل على أن الأنبياء أحياء حقيقة ويريدون أن
يتقربوا إلى الله في عالم البرزخ من غير تكليفهم كما أنهم يتقربون إلى الله بالصلاة في قبورهم.
ففي صحيح مسلم عن أنس أنه عليه الصلاة والسلام رأى موسى قائماً في قبره يصلي(٣). وفي
رواية البخاري ذكر إبراهيم. وفي أخرى لمسلم ذكر يونس.
٠ ٦٠٠
(الفصل الأوّل)
** ٣/١
٢٥٠٥ - (عن أبي هريرة قال خطبنا) أي وعظنا أو خطب لنا عام فرض الحج فيه، أو ذكر
لنا في أثناء خطبة له (رسول الله * فقال يا أيها الناس قد فرض) بصيغة المجهول (عليكم
الحج فحجوا) فحج بالناس سنة ثمان، وهي عام الفتح عتاب بن أسيد. وحج بهم أبو بكر في
سنة تسع من الهجرة وكانت حجته وَ لل سنة عشر، كذا ذكره الشمني. وقال ابن الهمام: فرضية
الحج كانت سنة تسع أو سنة خمس أو سنة ست وتأخيره عليه الصلاة والسلام ليس يتحقق فيه
تعريض الفوات وهو الموجب للفور لأنه كان يعلم أنه يعيش حتى يحج ويعلم الناس مناسكهم
(١) أخرجه أحمد في المسند ٢١٥/١.
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه ١/ ١٥٢ كتاب الإيمان باب الاسراء برسول الله وصله
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه ٥٢٦/١٠ الحديث رقم ٣١٢٩.
حديث رقم ٢٥٠٥: أخرجه مسلم في صحيحه ٢/ ٩٧٥ حديث رقم (٤١٢. ١٣٣٧). والنسائي في السنن
١١٠/٥ حديث رقم ٢٦١٩.