Indexed OCR Text
Pages 241-260
كتاب الدعوات/ باب الاستغفار والتوبة ٢٤١ ويبسُطُ يدَهُ بالنَّهارِ ليتوبَ مسيءُ الليلِ، حتى تَطْلُعَ الشمسُ من مغربها)). رواه مسلم. ٢٣٣٠. (٨) وعن عائشةَ [رضي الله عنها]، قالتْ: قال رسولُ اللهِ وَرَ: ((إِنَّ العَبدَ إِذا اعترَفَ ثمَّ تابَ؛ تابَ اللهُ عليه)). متفق عليه. ٢٣٣١ . (٩) وعن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ اللهِ وَلِّ: ((مَنْ تَابَ قبلَ أنْ تطلُعَ الشَّمسُ منْ مغرِبها؛ تابَ اللَّهُ عَلَيه)). رواه مسلم. ٢٣٣٢. (١٠) وعن أنس، قال: قال رسولُ الله وََّ: ((للَّهُ أشدُّ فرحاً بتوبةِ عبدِه حينَ يتوبُ إِليهِ منْ أحدِكم، كانَ راحلَتُه بأرضٍ فلاةٍ، فانفلتَتْ منه، وعليها طعامُه وشرابُه، فأيس (ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل) وقيل البسط عبارة عن التوسع في الجود والعطاء والتنزه عن المنع. وفي الحديث تنبيه على سعة رحمته وكثرة تجاوزه عن الذنوب وقال الطيبي تمثيل يدل على أن التوبة مطلوبة عنده محبوبة لديه كأنه يتقاضاها من المسيء (حتى تطلع الشمس من مغربها) فحينئذ يغلق بابها قال تعالى: ﴿يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفساً إيمانها﴾ [الأنعام. ١٥٨] الآية قال ابن الملك مفهوم هذا الحديث وأشباهه يدل على أن التوبة لا تقبل بعد طلوع الشمس من المغرب إلى يوم القيامة وقيل هذا مخصوص لمن شاهد طلوعها فمن ولد بعد ذلك أو بلغ وكان كافراً وآمن أو مذنباً فتاب يقبل إيمانه وتوبته لعدم المشاهدة (رواه مسلم). ٢٣٣٠ . (وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله وَلي: إن العبد إذا اعترف) أي أقر بكونه مذنباً وعرف ذنبه (ثم تاب) أتى بأركان التوبة من الندم والخلع والعزم والتدارك (تاب الله عليه) أي قبل توبته لقوله تعالى: ﴿وهو الذي يقبل التوبة عن عباده﴾ [الشورى. ٢٥] قال الطيبي وحقيقته أن الله يرجع عليه برحمته (متفق عليه). i ٢٣٣١ . (وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَله: من تاب قبل أن تطلع الشمس من مغربها تاب الله عليه). قال الطيبي هذا حد لقبول التوبة قال تعالى: ﴿يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسها إيماناً﴾ [الأنعام. ١٥٨] ولقبولها حد آخر وهو أن يتوب قبل أن يغرغر ويرى بأس الله لأن المعتبر هو الإيمان بالغيب (رواه مسلم). ٢٣٣٢. (وعن أنس قال: قال رسول الله وَطير:) بفتح لام الابتداء أو القسم (أشد فرحاً) أي رضا يعني أرضى (بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم) أي من فرح أحدكم وسروره حديث رقم ٢٣٣٠: أخرجه البخاري ٧/ ٤٣١. حديث رقم ٤١٤١. ومسلم في صحيحه ٢١٢٩/٤ حديث رقم (٥٦ . ٢٧٧٠). ے حديث رقم ٢٣٣١: أخرجه مسلم في صحيحه ٢٠٧٦/٤ حديث رقم (٢٧٠٣.٤٣) وأحمد في المسند ٥٠٦/٢. حديث رقم ٢٣٣٢ : أخرجه مسلم في صحيحه ٢١٠٤/٤ حديث رقم ٢٧٤٧ الأسود i i மாகக் ٥٢٣٢ ٢٤٢ كتاب الدعوات/ باب الاستغفار والتوبة منها، فأتى شجرةٌ، فاضطَجعَ في ظلِّها، قد أيسَ منْ راحلَتِهِ، فبينما هو كذلكَ إِذْ هوَ بها قائمةُ عندَه، فأخذَ بخِطامِها، ثمّ قال من شدَّةِ الفرَحِ: اللهُمَّ أنتَ عَبدي وأنا ربُّكَ أخطأ منْ شدَّةِ الفرّحِ)). رواه مسلم. ٢٣٣٣. (١١) وعن أبي هريرةَ رضي الله عنه، قال: قال رسولُ اللهِ وَّ: ((إِنَّ عبداً أذنبَ ذنباً، فقال: ربِّ! أذنبتُ فاغفِرُهُ، فقال ربُّه: أعَلِمَ عبدي أنَّ له ربّاً يغفرُ الذَّنبَ ويأخذُ به؟ غفَرتُ لعَبدي . ورضاه يعني تقع التوبة من الله تعالى في القبول والرضا موقعاً يقع في مثله ما يوجب فرط الفرح ممن يتصوّر في حقه ذلك قال الطيبي المراد كمال الرضا لأن الفرح المتعارف لا يجوز عليه تعالى والمتقدمون من أهل الحديث فهموا من أمثال ذلك ما يرغب في الأعمال الصالحة ويكشف عن فضل الله تعالى على عباده مع كونه منزهاً عن صفات المخلوقين ولم يفتشوا عن معاني هذه الألفاظ وهذه هي الطريقة السليمة وقلما يزيغ عنه قدم الراسخ (كان راحلته) وفي نسخة كانت راحلته (بأرض فلاة) بالإضافة وبنون أي مغازة (فانفلتت منه) أي نفرت (وعليها) أي على ظهرها (طعامه وشرابه) خصالاتهما سبباً حياته (فايس منها) أي من وجد أن الراحلة بعد طلبها (فأتى شجرة فاضطجع في ظلها) حال كونه (قد أيس من راحلته) أي من حصولها ووصولها (فبينما هو كذلك) أي في هذا الحال منكسر البال (إذ هو بها قائمة عنده) أي إذ الرجل حاضر بتلك الراحلة حال كونها قائمة عنده من غير طلب ولا تعب (فأخذ بخطامها) أي زمامها فرحاً بها فرحاً لا نهاية له (ثم قال من شدة الفرح اللهم أنت عبدي وأنا ربك أخطأ) أي بسبق اللسان عن نهج الصواب وهو أنا عبدك وأنت ربي (من شدة الفرح) كرره لبيان عذره وسبب صدوره فإن شدة الفرح والحزن ربما يقتل صاحبه ويدهش عقله حتى منع صاحبه من إدراك البديهيات (رواه مسلم). /١٠/١٢ ٢٣٣٣. (وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَ له: إن عبداً) أي من هذه الأمة أو من غيرهم (أذنب ذنباً فقال) ظاهرة أنه عطف على أذنب وقال الطيبي خبر إن إذا كان اسمها نكرة موصوفة (رب) أي يا رب (أذنبت) أي ذنباً (فاغفره) أي الذنب الفاء سببية جعل اعترافه بالذنب سبباً للمغفرة حيث أوجب الله المغفرة للتائبين المعترفين بالسيئات على سبيل الوعد ويصح الأخذ بظاهره أنه سأل المغفرة من غير توبة وهذا أبلغ في سعة رحمته (فقال ربه) أي للملائكة (أعلم عبدي) بهمزة الاستفهام وفعل الماضي قال الطيبي رحمه الله قيل أما استخبار من الملائكة وهو أعلم به للمباهاة وأما استفهام للتقرير والتعجيب وإنما عدل من الخطاب وهو قوله أعلمت عبدي إلى الغيبة شكر الصنيعة إلى غيره وإحماداً له على فعله (أن له رباً يغفر الذنب) أي إذا شاء لمن شاء (ويأخذ به) أي يؤاخذ ويعاقب فاعله إذا شاء لمن شاء (غفرت لعبدي) أي ذنبه حديث رقم ٢٣٣٣ : أخرجه البخاري في صحيحه ٤٦٦/١٣. حديث رقم ٧٥٠٧. ومسلم في صحيحه ٤/ ٢١١٢ حديث رقم (٢٧٥٨.٢٩). وأحمد فى المسند ٤٠٥/٢. ٢٤٣ كتاب الدعوات/ باب الاستغفار والتوبة ثمَّ مكثَ ما شاءَ اللَّهُ، ثم أذنبَ ذَنباً، فقالَ ربِّ! أذنبتُ ذنباً فاغفِرْه فقال [ ربُّه ]: أعلِمَ عَبدي أنَّ له ربّاً يغفِرُ الذَّنبَ ويأخذُ به؟ غفَرتُ لعَبدي. ثمَّ مكثَ ما شاءَ اللَّهُ، ثمَّ أذنبَ ذنباً، قالَ: ربِّ! أذنبتُ ذَنباً آخرَ فاغفِره لي. فقال: أعلِمَ عبدِي أنَّ له ربَّاً يغفِرُ الذنبَ ويأخذُ به؟ غفَرتُ لعبدي، فلْيفعَلْ ما شاء)» (ثم مكث) بفتح الكاف وضمها (ما شاء الله) أي لبث مطيعاً مدة مشيئة الله (ثم أذنب ذنباً فقال رب أذنبت ذنباً) أي آخر فاغفره وهو يحتمل أن يكون مع التوبة وبدونها (فقال أعلم عبدي أن له رباً) أي عظيماً (يغفر الذنب) أي العظيم أو جنس الذنب تاره (ويأخذ به) أي أخرى (غفرت لعبدي) أي لتوبته أو لعلمه بذلك وهو الأقرب (ثم مكث ما شاء الله) أي من الزمان (ثم أذنب ذنباً) تفيد ثم تراخى الذنب والثانية يؤكدها وهذا يدل على عظمة المذنب وإن طاعته تغلب معصيته وأنه سريع الرجوع إلى طلب مغفرته (فقال رب أذنبت ذنباً آخر) أي من جنسه أو من غير جنسه (فاغفره لي فقال أعلم عبدي أن له رباً يغفر الذنب) أي بالاستغفار (ويأخذ به) أي على الإصرار (غفرت لعبدي) أي لأنه عبدي بقوله في كل ذنب ربي (فليفعل) وفي نسخة وهي كما في المصابيح فليعمل (ما شاء) أي إذا كانت على هذا الحال بهذا المنوال وقال ابن الملك أي ما شاء من الذنوب التي بيني وبينه مما لا يتعلق بفعل العباد ثم ليتب وهو تقييد بلا دليل فإن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ثم هذه الصيغة للتلطف وإظهار العناية والشفقة أي إن فعلت أضعاف ما كنت تفعل واستغفرت منه غفرت لك فإني أغفر الذنوب وهذا معنى قوله عليه الصلاة والسلام ((ما أصر من استغفر ولو عاد في اليوم سبعين مرة)»(١) وأغرب ابن الملك حيث قال هنا أي ما دمت تتوب وتستغفر عنها ولكن ذلك مشروط بأن تكون نيته أن لا يعود إلى الذنب اهـ. لأن هذا الذي ذكره شرطاً هو من أركان التوبة وقال الطيبي أي اعمل ما شئت ما دمت تذنب ثم تتوبني أغفر لك وهذه العبارة تستعمل في مقام السخط كقوله تعالى: ﴿اعملوا ما شئتم﴾ [فصلت. ٤٠] مراداً هنا وفي مقام الجفاوة يعني مقام التلطف كما في الحديث وفي قوله وغير في حق حاطب بن أبي بلتعة ((لعل الله اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم))(٢) وكما تقول لمن تحبه ويؤذيك اصنع ما شئت فلست بتارك لك وليس المراد من ذلك الحث على الفعل بل إظهار الجفاوة وقال القرطبي فائدة هذا الحديث أن العود إلى الذنب وإن كان أقبح من ابتدائه لأنه أضاف(٣) إلى ملابسة الذنب نقض التوبة لكن العود إلى التوبة أحسن من ابتدائها لأنه أضاف إليها ملازمة الطلب من الكريم والإلحاح في سؤاله والاعتراف بأنه لا غافر الذنب سواه وقال النووي في هذا الحديث أن الذنوب وإن تكررت مائة مرة بل ألفاً أو أكثر وتاب في كل مرة قبلت توبته ولو تاب من الجميع توبة واحدة صحت توبته قلت هذا الأخير بالاجماع وإن خالف من خالف إذا تاب من بعض الذنوب أو إذا (١) راجع الحديث رقم (٢٣٤٠). (٣) في المخطوطة ((انضاف)). (٢) أخرجه الجماعة إلا ابن ماجه. ٢٤٤ كتاب الدعوات/ باب الاستغفار والتوبة متفق عليه . ٠٢٣٣٤ (١٢) وعن جُندُبِ [رضي الله عنه]: أنَّ رسولَ اللهِوَلَهِ حدَّث: ((أنَّ رجلاً قال: واللَّهِ لا يغفِرُ اللَّهُ لفُلانٍ، وأنَّ اللَّهَ تعالى قال: مَنْ ذا الذي يتألَّى عَلَيَّ إنّي لا أغفِرُ لفلانٍ فإني قدْ غفَرتُ لفُلانٍ وأحبطْتُ عملَكَ)). نقض التوبة والصحيح صحتها وقال السبكي الكبير الاستغفار طلب المغفرة باللسان أو بالقلب أو بهما الأوّل فيه نفع لأنه خير من السكوت ولأنه يعتاد فعل الخير والثاني نافع جداً والثالث أبلغ منه لكنهما لا يمحصان الذنوب حتى توجد التوبة فإن العاصي المصر يطلب المغفرة ولا يستلزم ذلك وجود التوبة منه قلت قوله لا يمحصان الذنب حتى توجد التوبة مراده أنه لا يمحصانه قطعاً وجزماً لا أنه لا يمحصانه أصلاً لأن الاستغفار دعاء وقد يستجيب الله دعاء عبده فيمحص ذنبه ولأن التمحيص قد يكون بفضل الله تعالى أو بطاعة من العبد أو ببلية فيه ثم قال والذي ذكرته من أن معنى الاستغفار غير معنى التوبة وهو بحسب وضع اللفظ لكنه غلب عند كثير من الناس أن لفظ أستغفر الله معناه التوبة فمن كان ذلك معتقده فهو يريد التوبة لا محالة ثم قال وذكر بعض العلماء أن التوبة لا تتم إلا بالاستغفار لقوله تعالى: ﴿وأن أستغفروا ربكم ثم توبوا إليه﴾ [هود.٣] والمشهور أنه لا يشترط اهـ. واعلم أن أكثر الشراح هنا حملوا الاستغفار على التوبة وظاهر الحديث يدل على أن اعتراف العبد بذلك سبب للغفران ولا موجب للمعدول عنه بل في الحديث تعريض لمن قال أنه تعالى لا يغفر إلا بالتوبة كما ذهب إليه المعتزلي والله تعالى أعلم (متفق عليه) ورواه النسائي. ٠٠۵ ٢٣٣٤. (وعن جندب أن رسول الله (وَ ل - حدث) أي حكى لأصحابه (أن رجلاً) يحتمل أنه من هذه الأمة أو من غيرهم (قال والله لا يغفر الله لفلان) قاله استكثاراً أو استكباراً لذنبه أو تعظيماً لنفسه حين جنى عليه كما يصدر عن بعض جهلة الصوفية (وإن الله تعالى) بفتح الهمزة أي وحدّث أن الله تعالى وبكسرها أي والحال أن الله تعالى: (قال من ذا الذي يتألى عليّ) بفتح الهمزة وتشديد اللام المفتوحة أي يتحكم عليّ ويحلف باسمي (إني لا أغفر لفلان فإني قد غفرت لفلان) أي رغماً لانفك (وأحبطت عملك) قال المظهر أي أبطلت قسمك وجعلت حلفك كاذباً لما ورد في حديث آخر ((من يتألى على الله يكذبه)) فلا متمسك للمعتزلة أن ذا الكبيرة مع عدم الاستحلال يخلد في النار كالكفر يحبط عمله قال الطيبي هذا استفهام إنكار والظاهر أن يقال أنت الذي يتألى عليّ ويدل عليه قوله وأحبطت عملك وإنما عدل عن الخطاب أوّلاً لشكاية صنيعه إلى غيره وإعراضاً عنه على عكس الحديث السابق ولا يجوز لأحد الجزم بالجنة أو النار إلا لمن ورد فيه نص كالعشرة المبشرة بالجنة فإن قلنا أن قوله هذا كفر فأحبطت عملك ظاهر وإن قلنا أنه معصية فكذا على مذهب المعتزلة وأما على مذهب أهل السنة فيكون محمولاً على التغليظ اهـ. وفيه أنه يبعد كونه كفراً وعلى التنزل فقوله ظاهر أي على مذهبنا لأن حديث رقم ٢٣٣٤: أخرجه مسلم في صحيحه ٢٠٢٣/٤ الحديث رقم (٢٦٢١.١٣٧). ٣٠. ٢٤٥ كتاب الدعوات/ باب الاستغفار والتوبة أو كما قال: رواه مسلم. ٢٣٣٥. (١٣) وعن شدَّادِ بنِ أوس، قال: قال رسولُ اللهِ وَّرَ: ((سيِّدُ الاستِغفارِ أن تقولَ: اللهُمَّ أنتَ ربِّي لا إِلهَ إِلاَّ أنتَ، خلقتني وأنا عبدُكَ، وأنا على عهدِكَ ووغْدِكَ ما استطعتُ، أعوذُ بكَ من شرِّ ما صنعتُ، أبُوءُ لكَ بنعمتِكِ عليَّ، وأبُوءُ بذنْبي فاغفِرْ لي، فإِنَّه في مذهب الشافعي يشترط للإحباط موته على الكفر ولا يعرف في مذهب المعتزلي أن كل معصية تحبط جميع الأعمال ثم حمله على ما ذكرناه أولى من جملة على التغليظ مع أنه لا ينافيه والله تعالى أعلم (أو كما قال) شك الراوي أي قال الرسول أو غيره ما ذكرته أو قال مثل ما ذكرته وهو تنبيه على النقل بالمعنى وهو الأولى لئلا يتوهم نقل اللفظ أيضاً (رواه مسلم) . ٢٣٣٥. (وعن شداد بن أوس قال: قال رسول الله وَّلت: سيد الاستغفار) قال الطيبي استعير لفظ السيد من الرئيس المقدم الذي يعمد إليه في الحوائج لهذا الذي هو جامع لمعاني التوبة كلها وقد سبق أن التوبة غاية الاعتذار اهـ. وتبعه ابن حجر وهو يفيد أن المراد بالاستغفار إنما هو التوبة والظاهر من الحديث الإطلاق مع أن جامعيته لمعاني التوبة ممنوعة كما لا يخفى إذ ليس فيه إلا الاعتراف بالذنب الناشىء عن الندامة وأما العزم على أن لا يعود وأداء الحقوق الله والعباد فلا يفهم منه أصلاً (أن تقول) أي أيها الراوي أو أيها المخاطب خطاباً عاماً (اللهم أنت ربي) أي ورب كل شيء بالإيجاد والإمداد (لا إله إلا أنت) [أي] للعباد (خلقتني) استئناف بيان للتربية (وأنا عبدك) أي مخلوقك ومملوكك وهو حال كقوله (وأنا على عهدك ووعدك) أي أنا مقيم على الوفاء بعهد الميثاق وأنا موقن بوعدك يوم الحشر والتلاق (ما استطعت) أي بقدر طاقتي وقيل أي على ما عاهدتك ووعدتك من الإيمان بك والإخلاص من طاعتك وأنا مقيم على ما عاهدت إليّ من أمرك ومتمسك به ومتنجز وعدك في المثوبة والأجر عليه واشتراط الاستطاعة اعتراف بالعجز والقصور عن كنه الواجب في حقه تعالى أي لا أقدر أن أعبدك حق عبادتك ولكن أجتهد بقدر طاقتي وقال صاحب النهاية واستثنى بقوله ما استطعت موضع القدر السابق لأمره أي إن كان قد جرى القضاء على أن أنقض العهد يوماً فإني أميل عند ذلك إلى الاعتذار بعدم الاستطاعة في دفع ما قضيت (أعوذ بك من شر ما صنعت) أي من أجل شر صنعي بأن لا تعاملني بعملي (أبوء لك) أي ألتزم وأرجع وأقر (بنعمتك عليّ وأبوء بذنبي) قال ابن حجر أي الذنب العظيم الموجب للقطيعة لولا واسع عفوك وهامع فضلك اهـ. وهو ذهول وغفلة منه إن هذا لفظ النبوّة وهو معصوم حتى عن الزلة وأغرب من هذا أنه طعن في عبارة الطيبي مع كمال حسنها حيث قال أعترف أوّلاً بأنه تعالى أنعم عليه ولم يقيده ليشمل كل الأنعام ثم أعترف بالتقصير وأنه لم يقم بأداء شكرها وعده ذنباً مبالغة في هضم النفس تعليماً للأمة (فاغفر لي فإنه حديث رقم ٢٣٣٥: أخرجه البخاري في الصحيح ٩٧/١١. حديث رقم ٦٣٠٦. والترمذي ١٣٥/٥ حدیث رقم ٣٤٥٣. i ١ ٢٤٦ كتاب الدعوات/ باب الاستغفار والتوبة لا يغفِرُ الذُّنوبَ إِلاَّ أنتَ)) قال: ((ومَنْ قالَها منَ النَّهارِ مُوقِناً بها فماتَ منْ يومِه قبلَ أنْ يُمسيَ فَهُوَ منْ أهلِ الجنَّةِ. ومَنْ قالَها منَ الليلِ وهوَ مُوقِنْ بها فماتَ قبلَ أنْ يُصبحَ فهوَ منْ أهلٍ الجنَّةِ)). رواه البخاري. .wr الفصل الثاني ٢٣٣٦. (١٤) عن أنس، قال: قال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((قال اللَّهُ تعالى: يا ابنَ آدمَ! إِنَّكَ ما دعوْتَني ورجَوْتَني غفرتُ لكَ على ما كانَ فيكَ ولا أُبالي، يا ابنَ آدمَ! لوْ بلغتْ ذُنوبُكَ عنَانَ السَّماءِ، لا يغفر الذنوب) أي ما عدا الشرك (إلا أنت. قال:) أي النبي ◌َّر (ومن قالها) أي هذه الكلمات (من النهار) أي في بعض أجزائه (موقناً بها) نصب على الحال أي حال كونه معتقد الجميع مدلولها إجمالاً أو تفصيلاً (فمات من يومه) احتيج إليه مع كون الفاء للتعقيب لأن تعقيب كل شيء بحسبه كتزوّج فولد له وهذا لا يوجب قولها في ذلك اليوم (قبل أن يمسي) أي تغرب شمسه فهو زيادة إيضاح وتأكيد (فهو من أهل الجنة) أي يموت مؤمناً فيدخل الجنة لا محالة أو مع السابقين (ومن قالها من الليل وهو موقن بها فمات قبل أن يصبح فهو من أهل الجنة رواه البخاري) وكذا النسائي وفي رواية البزار على ما ذكره في الحصن سيد الاستغفار أن يقول الرجل إذا جلس في صلاته . 494 (الفصل الثاني) ٢٣٣٦ - (عن أنس قال: قال رسول الله وَله: قال الله تعالى: يا ابن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني) ما مصدرية فيه أي ما دمت تدعوني وترجوني يعني في مدة دعائك ورجائك (غفرت لك على ما كان فيك) أي حال كونك مستمراً على ما وجدته فيك من الذنب ويستثنى منه الشرك لخبره تعالى ولما سيأتي وظاهره أنه ولو بغير توبة ويؤيده قوله: (ولا أبالي) أي والحال أني لا أتعظم مغفرتك عليّ وإن كان ذنباً كبيراً أو كثيراً فإن رحمتي سبقت أو غلبت غضبي قال الطيبي في قوله ولا أبالي معنى لا يسئل عما يفعل (ابن آدم) وفي رواية يا ابن آدم أي يا هذا الجنس فيشمل آدم (لو بلغت ذنوبك عنان السماء) بفتح العين أي سحابها وقيل ما علا منها أي ظهر لك منها إذا رفعت رأسك إلى السماء قال الطيبي العنان السحاب وإضافتها إلى السماء تصوير لارتفاعه وإنه بلغ مبلغ السماء ويروي أعنان السماء أي نواحيها جمع عنن وقيل إضافته من باب التأكيد كقوله تعالى: ﴿فخر عليهم السقف من فوقهم﴾ [النحل - ٢٦] وأما قول ابن حجر السماء تطلق على الجرم المعهود وعلى كل ما ارتفع كالسحاب فالإضافة حينئذ بيانية أي سحاب هو السماء فغير صحيح لأن الإضافة بمعنى من البيانية إنما تكون من جنس المضاف ١/١/١/٢٥٠ حديث رقم ٢٣٣٦: أخرجه الترمذي في السنن ٢٠٨/٥ حديث رقم ٣٦٠٨. ١٠ ٢٤٧ كتاب الدعوات/ باب الاستغفار والتوبة ثمّ استغفَرتَني، غفَرتُ لكَ ولا أبالي، يا ابنَ آدمَ! إِنَّكَ لوْ لقَيتَني بقُرابِ الأرض خطايا، ثمَّ لِقَيْتَني لا تشركُ بي شيئاً، لأتيتُكَ بِقُرابِها مغفِرَةً)). رواه الترمذي. ٢٣٣٧. (١٥) ورواه أحمدُ، والدارمي، عن أبي ذَرِّ. وقال الترمذيُّ: هذا حديثٌ حسنٌ غريب. ٢٣٣٨. (١٦) وعن ابنِ عبَّاسِ [رضي الله عنهما]، عن رسولِ الله وَّل، قال: ((قال اللَّهُ تعالى: مَنْ عِلِمَ إِنِّي ذُو قُدْرةٍ على مغفِرةِ الذُّنوبِ غفَرَتُ له ولا أبالي، ما لمْ يشرِكُ بي شيئاً». الصادق عليه وعلى غيره بشرط أن يكون المضاف أيضاً صادقاً على غير المضاف إليه فيكون بينهما عموم وخصوص من وجه كخاتم فضة والمعنى لو تجسمت ذنوبك وملأت بين السماء والأرض (ثم استغفرتني غفرت لك) أي إن شئت (ولا أبالي) أي من أحد وفيه مع تكريره رد بليغ على المعتزلة (ابن آدم) وفي رواية يا ابن آدم (إنك لو لقيتني بقراب الأرض) بضم القاف ويكسر أي بمثلها (خطايا) تمييز قراب أي بتقدير تجسمها (ثم لقيتني لا تشرك بي شيئاً) الجملة حال من الفاعل أو المفعول على حكاية الحال الماضية لعدم الشرك وقت اللقي (لأتيتك) وفي رواية لآتيك بصيغة المضارع المتكلم (بقرابها مغفرة) تمييزاً أيضاً قال الطيبي ثم هذه للتراخي في الأخبار وإن عدم الشرك مطلوب أولى ولذلك قال لقيتني وقيد به وإلا لكان يكفي أن يقال خطايا لا تشرك بي أقول فائدة القيد أن يكون موته على التوحيد (رواه الترمذي) أي عن أنس. ٢٣٣٧ - (ورواه أحمد والدرامي عن أبي ذر وقال الترمذي هذا حديث حسن غريب). ٢٢٣٨ - (وعن ابن عباس عن رسول الله وَلقر قال: قال الله تعالى: من علم إني ذو قدرة على مغفرة الذنوب غفرت له) قال الطيبي: رحمه الله دل على أن اعتراف العبد بذلك سبب للغفران وهو نظير قوله إما عند ظن عبدي بي وفي قوله ذو قدرة تعريض بالوعيدية لمن(١) قال أنه لا يغفر إلا بالتوبة ويشهد لهذا التعريض قوله: (ولا أبالي) وأما تقييده بقوله: (ما لم يشرك بي شيئاً) فهو لحكمة اقتضته والله أعلم بها وإلا فلا مانع من جهة العقل وكمال الفضل ولعلها اقتضاء الأسماء الجلالية والصفات الجبروتية من القهار والمنتقم وشديد العقاب وأمثالها فلا بد لها من المظاهر لآثار السخط والغضب كما أن للأسماء الجمالية والنعوت الرحموتية مظاهر وللغفارية والغفورية مظاهر ممن يذنب يستغفر فيغفر ولحصول الفصل بين الفضل والعدل روي إن حماد بن سلمة عاد سفيان الثوري فقال له سفيان أترى الله يغفر لمثلي فقال حماد لو خيرت بين محاسبة الله إياي وبين محاسبة أبوي لأخترت محاسبة الله على محاسبة أبوي لأن الله أرحم حديث رقم ٢٣٣٧: أخرجه الدارمي في سننه ٤١٤/٢ حديث رقم ٢٧٨٨. وأحمد في المسند ١٤٧/٥. حديث رقم ٢٣٣٨: شرح السنة ٣٨٨/١٤ الحديث رقم ٤١٩١. والحاكم في المستدرك ٢٦٢/٤. (١) في المخطوطة ((بمن)). ٩/٠٠ ٢٤٨ كتاب الدعوات/ باب الاستغفار والتوبة رواه في ((شرح السنَّة)) . ٢٣٣٩. (١٧) وعنه، قال: قال رسولُ اللهِ وَالَ: ((مَنْ لزِمَ الاستغفارَ جعلَ اللَّهُ له منْ كلِّ ضيقٍ مَخْرجاً، ومنْ كلِّ همٍّ فرَجاً، ورزَقَه منْ حيثُ لا يحتسبُ)). رواه أحمدُ، وأبو داود، وابن ماجه. ٢٣٤٠. (١٨) وعن أبي بكرِ الصدِّيقِ [رضي الله عنه]، قال: قال رسولُ الله ◌َّةِ: ((ما أَصرَّ منِ استغفرَ وإِنْ عادّ من أبوي اهـ. في ضمن فصل الخطاب (رواه) أي البغوي) في شرح السنة بإسناده. ٢٣٣٩ - (وعنه) أي عن ابن عباس (قال: قال رسول الله وَظه: من لزم الاستغفار) أي عند صدور معصية وظهور بلية أو من دوام عليه فإنه في كل نفس يحتاج إليه ولذا قال ◌َله: طوبى لمن وجد في صحيفته استغفاراً كثيراً رواه ابن ماجه بإسناد حسن صحيح (جعل الله له من كل ضيق) أي شدة ومحنة (مخرجاً) أي طريقاً وسبباً يخرج إلى سعة ومنحة والجار متعلق به وقدم عليه للاهتمام وكذا (ومن كل هم) أي غم يهمه (فرجاً) أي خلاصاً (ورزقه) أي حلالاً طيباً (من حيث لا يحتسب) أي لا يظن ولا يرجو ولا يخطر بباله وفيه إيماء إلى قول الصوفية أن المعلوم شؤم ولعله لتعلق القلب إليه والاعتماد عليه ولا ينبغي التعلق إلا بالحق والتوكل على الحي المطلق والحديث مقتبس من قوله تعالى: ﴿ومن يتق الله يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب ومن يتوكل على الله فهو حسبه إن الله بالغ أمره قد جعل الله لكل شيء قدراً ﴾ [الطلاق ٠ ٢ ٠ ٣] فتأمل في الآية فإن فيها كنوزاً من الأنوار ورموزاً من الأسرار والحديث أما تسلية للمذنبين فنزلوا منزلة المتقين أو أراد بالمستغفرين التائبين فهم من المتقين أو لان الملازمين للاستغفار لما حصل لهم مغفرة الغفار فكأنهم من المتقين قال الطيبي من دوام الاستغفار وأقام بحقه كان متقياً وناظراً إلى قوله تعالى فقلت: ﴿استغفروا ربكم أنه كان غفاراً يرسل السماء عليكم مدرارا﴾ [نوح - ١٠ ١١٠] الآية روي عن الحسن أن رجلاً شكا إليه الجدب فقال استغفر الله وشكا إليه آخر الفقر وآخر قلة النسل وآخر قلة ريع أرضه فأمرهم كلهم بالاستغفار فقيل له شكوا إليك أنواعاً فأمرتهم كلهم بالاستغفار فتلا الآية (رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه) ورواه النسائي وابن حبان. ٢٣٤٠ - (وعن أبي بكر الصديق رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَله: ما أصر) ما نافية أي ما دام على المعصية (من استغفر) أي من كل سيئة (وإن عاد) أي ولو رجع إلى ذلك الذنب / ١٣ رقم ٢٣٣٩: أخرجه أبو داود في السنن ٨٥/٢ حديث رقم ١٥١٨. وابن ماجه ١٢٥٤/٢ حديث حدیث رقم ٣٨١٩. وأحمد في المسند ٢٤٨/١. حديث رقم ٢٣٤٠: أخرجه أبو داود في السنن ٨٤/٢ حديث رقم ١٥١٤٠. والترمذي ٢١٨/٥ حديث رقم ٣٦٣٠. ٢٤٩ كتاب الدعوات/ باب الاستغفار والتوبة في اليومِ سبعينَ مرةً)). رواه الترمذيُّ، وأبو داود. ٢٣٤١. (١٩) وعن أنس، قال: قال رسولُ اللَّهِ وَّ: ((كلُّ بَنِي آدَمَ خَطَّاءٌ، وخيرُ الخطَّائينَ التوَّابونَ)) رواه الترمذي، وابنُ ماجه، والدارمي. ٢٣٤٢. (٢٠) وعن أبي هريرةَ [رضي الله عنه]، قال: قال رسولُ اللهِ وَّهِ: «إِنَّ المؤمنَ إِذا أذْنَبَ كانتْ نُكتَةٌ سوداءُ i أو غيره (في اليوم) أو الليلة (سبعين مرة) ظاهره التكثير والتكرير قال بعض علمائنا المصر هو الذي لم يستغفر ولم يندم على الذنب والاصرار على الذنب إكثاره وقال ابن الملك الاصرار الثبات والدوام على المعصية يعني من عمل معصية ثم استغفر فندم على ذلك خرج عن كونه مصراً وقال الطيبي: الاستغفار يرفع الذنوب وما ورد في الحديث من أنه ((لا صغيرة مع الإصرار ولا كبيرة مع الاستغفار»(١). فقد قيل حد الإصرار أن يتكرر منه الصغيرة تكراراً وقال ابن حجر: يحتمل أن يراد بالاستغفار التوبة وحينئذ فنفي الإصرار ظاهر. وأن يراد به لفظه مع الذلة والاستصغار لأنه مع ذلك قد يمحو الذنب كما علم مما سبق يشعر بقلة مبالاته كأشعار الكبيرة، وكذا إذا اجتمعت صغائر مختلفة الأنواع بحيث يشعر مجموعها بما يشعر به أصغر الكبائر (رواه الترمذي وأبو داود). ٢٣٤١ - (وعن أنس قال: قال رسول الله وَلتر: كل بني آدم خطاء) أي كثير الخطأ أفرد نظراً إلى لفظ الكل. وفي رواية خطاؤون نظراً إلى معنى الكل، قيل أراد الكل من حيث هو كل أو كل واحد وأما الأنبياء . صلوات الله عليهم. فأما مخصوصون عن ذلك وأما أنهم أصحاب صغائر، والأوّل أولى فإن ما صدر عنهم من باب ترك الأولى. أو من قبيل حسنات الأبرار سيئات المقربين. أو يقال الزلات المنقولة عن بعضهم محمولة على الخطأ والنسيان، من غير أن يكون لهم قصد إلى العصيان (وخير الخطائين التوابون) أي الرجاعون إلى الله بالتوبة من المعصية إلى الطاعة. أو بالإنابة من الغفلة إلى الذكر . أو بالأوبة من الغيبة إلى الحضور (رواه الترمذي وابن ماجه والدرامي) ورواه أحمد والحاكم(٢). ٢٣٤٢ - (وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَليقول: إن المؤمن إذا أذنب) أي ذنباً واحداً (كانت نكتة سوداء) أي حدثت فهي تامة والنكتة الأثر وفي نسخة بالنصب فالضمير راجع إلى السيئة المدلول عليها بأذنب. قال الطيبي: قوله كانت نكتة أي الذنب بتأويل السيئة وروي برفع (١) أخرجه الديلمي في مسند الفردوس بلفظ ((لا كبير مع الاستغفار ولا صغير مع الأصرار)). حديث رقم ٢٣٤١: أخرجه الترمذي في السنن ٤/ ٧٠ حديث رقم ٢٦١٦. وابن ماجه ٢/ ١٤٢٠ حديث رقم ٤٢٥١. وأحمد في المسند ١٩٨/٣. (٢) أخرجه الحاكم في المستدرك ٤/ ٢٤٤. حديث رقم ٢٣٤٢: أخرجه الترمذي في السنن ١٠٥/٥ حديث رقم ٣٣٩٠. وابن ماجه ١٤١٨/٢ حديث رقم ٤٢٥١. وأحمد في المسند ١٩٨/٣. يها؟ ٢٥٠ كتاب الدعوات/ باب الاستغفار والتوبة في قلبِه، فإِنْ تابَ واستغفرَ صُقِلَ قلبُه، وإِنْ زادَ زادتْ حتى تَعلو قلبَه، فذلكُم الرَّانُ الذي ذكرَ اللَّهُ تعالى ﴿كلَّ بلْ رانَ على قُلوبِهِمْ ما كانوا يكسِبونَ﴾. رواه أحمد، والترمذي، وابن ماجه. وقال الترمذي: هذا حديثٌ حسنٌ صحيح. ٢٣٤٣. (٢١) وعن ابن عمر، قال: قال رسولُ اللهِ وَلِّ: ((إِنَّ اللَّهَ يقبلُ توبةَ العَبدِ ما لم يُغَرْغِرْ)) . #السحاب ١ نكتة على أن كان تامة فيقدر منه أي من الذنب (في قلبه) أي كقطرة مداد تقطر في القرطاس، ويختلف على حسب المعصية وقدرها الحمل على الحقيقة أولى من جعله من باب التمثيل والتشبيه، حيث قيل شبه القلب بثوب في غاية النقاء والبياض والمعصية بشيء في غاية السواد أصاب ذلك الأبيض فبالضرورة أنه يذهب ذلك الجمال منه، كذلك الانسان إذا أصاب المعصية صار كأنه حصل ذلك السواد في ذلك البياض (فإن تاب) أي من الذنب (واستغفر) أي أناب إلى الرب وليس المراد إن لفظ الاستغفار شرط لصحته التوبة خلافاً لمن توهمه وإنما المراد أنه كمال فيها (صقل قلبه) على بناء المجهول أي نظف وصفى مرآة قلبه لتجليات ربه، لأن التوبة بمنزلة المصقلة تمحو وسخ القلب وسواده حقيقياً أو تمثيلياً، وأغرب ابن حجر: وهذا من باب التمثيل بلا شك (وإن زاد) أي في الذنب أي بعينه أو بغيره من الذنوب (زادت) أي النكتة السوداء أو يظهر لكل ذنب نكتة (حتى تعلو) أي النكت (قلبه) أي تطفىء نور قلبه فتعمى عين بصيرته فلا يبصر شيئاً من العلوم النافعة، والحكم الرائعة، وتزول عنه الشفقة والرحمة على نفسه وعلى سائر الأمة. ويثبت في قلبه آثار الظلمة والفتنة والجراءة على الأذية والمعصية (فذلكم الران الذي ذكره الله تعالى) أي في كتابه (﴿كلاً﴾) ﴿بل ران﴾ أي غلب واستولى (﴿على قلوبهم ما كانوا يكسبون﴾)(١) أي من الذنوب حتى لم يبق فيها خير قط. قيل الخطاب للصحابة، أي فذلكم الأثر المستقبح المستعلي وإدخال اللام على ران. وهو فعل إما لقصد حكاية اللفظ وإجرائه مجرى الاسم، وأما لتنزيله منزلة المصدر. والران بمعنى الرين وهو الطبع والتغطية. قال الطيبي: الران والرين سواء كالعاب والعيب. والآية في الكفار إلا أن المؤمن بارتكاب الذنب يشبههم في أسوداد القلب ويزداد ذلك بازدياد الذنب، قال ابن الملك: هذه الآية مذكورة في حق الكفار لكن ذكرها . وَ ل ه ـ تخويفاً للمؤمنين كي يحترزوا عن كثرة الذنوب كيلا تسود قلوبهم كما اسودت قلوب الكفار ولذا قيل المعاصي بريد الكفر (رواه أحمد والترمذي وابن ماجه. وقال: الترمذي هذا حديث حسن صحيح). ٢٣٤٣ - (وعن ابن عمر قال: قال رسول الله وَلقول: إن الله يقبل توبة العبد) ظاهره الاطلاق وقيده بعض الحنفية بالكافر (ما لم يغرغر) أي ما لم تبلغ الروح إلى الحلقوم يعني ما لم يتيقن (١) سورة المطففين . آية رقم ١٤. حديث رقم ٢٣٤٣: أخرجه الترمذي في السنن ٢٥٦/٥ حديث رقم ٣٦٠٣. وابن ماجه ١٤٢٠/٢ حديث رقم ٤٢٥٣. وأحمد في المسند ١٣٢/٢. ٢٥١ كتاب الدعوات/ باب الاستغفار والتوبة رواه الترمذي. وابن ماجه. ٢٣٤٤. (٢٢) وعن أبي سعيدٍ، قال: قال رسولُ اللهِ وَّ: ((إِنَّ الشيطانَ قال: وعزَّتِكَ يا ربِّ! لا أبرَحُ أُغْوِي عبادَكَ ما دامتْ أرواحُهم في أجسادِهم. فقالَ الرَبُّ عزَّ وجلَّ: وعزَّتي وجلالي وارتفاعٍ مكاني، لا أزالُ أغفِرُ لهُم ما بالموت فإن التوبة بعد التيقن بالموت لم يعتد بها لقوله تعالى: ﴿وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن ولا الذين يموتون وهم كفار ﴾ قيل وأما تفسير ابن عباس حضوره بمعاينة ملك الموت فحكم أغلبي لأن كثيراً من الناس لا يراه وكثيراً يراه قبل الغرغرة، وأغرب ابن حجر فقال ورد بأن قوله تعالى: ﴿قل يتوفاكم ملك الموت الذي وکل بكم﴾ [السجدة - ١١] يدل على أن كل أحد يراه فمدعي العدم يلزمه الدليل عليه اهـ. ووجه غرابته لا دلالة في الآية على الرؤية والمانع لا يطلب منه الدليل. نعم لو قيل ثبت عن ابن عباس أنه قال إن الله يقبل التوبة ما لم يعاين الرجل ملك الموت وموقوفة في حكم المرفوع لأن مثله ما يقال من قبل الرأي أو كلامه حجة على غيره أو لأنه أمام المفسرين، ويدل على ما قاله بظاهره قوله تعالى: ﴿فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا باسنا﴾ [غافر - ٨٥] وتشير الآية الماضية أيضاً بأن الحضور حقيقة لا يكون إلا للملك وأما للموت فجازوا النسبة الحقيقية أولى من المجازية فيكون من قبيل ﴿واسأل القرية﴾ [يوسف - ٨٢] فالتقدير حضر أحدهم ملك الموت والله أعلم وتخصيص غيره بدعوى أن كثيراً من الناس لا يراه محتاج إلى دليل، لكان له وجه وجيه. قيل جعل ابتداء قبض الروح من الرجل ليبقى القلب واللسان ذاكراً، وليتوب إلى الله متاباً، ليستحل من الناس عن المظالم، وليوصي بالخير وليكون آخر كلامه لا إله إلا الله. قال الطيبي: الغرغرة أن يجعل المشروب في الفم ويردد إلى أصل الحلق ولا يبتلع وذلك لأن من شرط التوبة العزم على ترك الذنب المتوب منه وعدم المعاودة. وإنما يتحقق مع تمكن التائب منه وبقاء أوان الاختيار فإذا تيقن الموت لم يكن ذلك وهذا في التوبة من الذنوب. لكن لو استحل من مظلمة صح وكذا لو أوصى بشيء أو نصب ولياً على طفله أو على خير صحت وصيته اهـ. وجعله عدم المعاودة شرط التوبة خلاف ما عليه الجمهور كما تقرر في محله المسطور. وكذا قوله لو أوصى الخ فإنه تعقبه ابن حجر بأنه لا فرق في الأحكام (رواه الترمذي وابن ماجه). ٢٣٤٤ - (عن أبي سعيد قال: رسول الله ويلقى: أن الشيطان) أي إبليس كما في رواية (قال بعزَّتك يا رب) أي أقسم بعزَّتك التي لا ترام وفي رواية زيادة وجلالك. وفيه إيماء إلى أنه رئيس الضلال ومظهر الجلال. كما أن نبينا وسل مظهر العناية والجمال وسيد، أهل الهداية والكمال. (لا أبرح) أي لا أزال (أغوى عبادك بني آدم) بضم الهمزة وكسر الواو أي أضلهم (ما دامت أرواحهم في أجسادهم فقال الرب عزَّ وجلَّ وعزَّتي وجلالي وارتفاع مكاني) أي علو مرتبتي ورفعة مكانتي (لا أزال) وفي رواية لا أبرح والأولى أولى للتفنن وللتبيين (أغفر لهم ما الحرم ٥٫٩٢٠ حديث رقم ٢٣٤٤: أخرجه أحمد في المسند ٢٩/٣. /٠٫٠٠١ ١٣٠ .no ** ريو كتاب الدعوات/ باب الاستغفار والتوبة استغفروني)). رواه أحمد. ٢٣٤٥. (٢٣) وعن صَفوانَ بن عسَّالٍ [رضي الله عنه]، قال: قال رسولُ الله وَلٍِّ: ((إِنَّ اللَّهِ تعالى جعلَ بالمغربِ باباً، عرضُه مسيرةَ سبعينَ عاماً للتَّوبَةِ، لا يُغلقُ ما لمْ تطلُعِ الشّمسُ منْ قِبَله، وذلكَ قوْلُ اللَّهِ تعالى: ﴿يومَ يأتي بعضُ آيَاتِ ربِّكَ لا ينفَعُ نفساً إِيمانُها لمْ تكُنْ آمنتْ مِنْ قَبَلُ﴾)). (1 استغفروني) قال الطيبي - رحمه الله - فإن قلت كيف المطابقة بين هذا الحديث وبين قوله تعالى: ﴿لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين قال فالحق والحق أقول لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين﴾ [ص . ٨٤ . ٨٥] فإن الآية دلت على أن المخلصين هم الناجون فحسب والحديث دال على أن غير المخلصين أيضاً ناجون قلت قيد قوله تعالى: ﴿ممن تبعك ﴾ أخرج العاصين المستغفرين منهم لأن المعنى ممن تبعك واستمر على المتابعة ولم يرجع إلى الله ولم يستغفراهـ. وتبعه ابن حجر وقال: ولم يرجع إليّ بالتوبة. والأظهر والله أعلم أن يقال في دفع هذا الإشكال الذي من أصله لأهل الاعتزال إن المراد بالمخلصين الموحدون، الذين أخلصهم الله من الشرك. ولعل الحكمة في إيراد لفظ المخلصين تحصيل الخوف في قلوب المخلصين من دخول النار مع الكافرين (رواه أحمد) وكذا ابن أبي شيبة في مصنفه. ١٧/ ١١٣٢/ ٢٣٤٥ - (وعن صفوان بن عسال) بفتح العين وتشديد السين المهملتين صحابي معروف نزل الكوفة كذا في التقريب (قال: قال رسول الله وَله: إن الله تعالى جعل بالمغرب باباً) أي حسياً أو معنوياً (عرضه مسيرة سبعين عاماً) أي فكيف طوله وهو مبالغة في توسعته (للتوبة) أي مفتوحة لأصحاب التوبة أو علامة لصحة التوبة وقبولها (لا يغلق ما لم تطلع الشمس من قبله) أي من جانب الباب قاله ابن الملك. والظاهر ومن قبل المغرب كما قاله ابن حجر. قال: وهذا يحتمل أن يكون حقيقة. وهو الظاهر، وفائدة إغلاقه إعلام الملائكة بسد باب التوبة. وأن يكون تمثيلاً. قال الطيبي: يعني أن باب التوبة مفتوح على الناس وهم في فسحة ووسعة عنها ما لم تطلع الشمس من مغربها فإذا طلعت سد عليهم، فلم يقبل منهم إيمان ولا توبة لأنهم إذا عاينوا ذلك واضطروا إلى الإيمان والتوبة، فلا ينفعهم ذلك كما لا ينفع المحتضر ولما كان سد الباب من قبل المغرب جعل فتح الباب من قبله أيضاً وقوله مسيرة سبعين عاماً مبالغة في التوسعة أو تقدير لعرض الباب بمقدار ما يسده جرم الشمس الطالع من المغرب (وذلك) أي طلوع الشمس من مغربها المانع من قبول التوبة (قول الله تعالى) أي معنى قوله: ﴿يوم يأتي بعض آيات ربك ﴾ أي بعض علامات يظهرها ربك إذا قربت القيامة ﴿لا ينفع نفساً إيمانها ﴾ أي حينئذ حال كونها ﴿لم تكن آمنت من قبل﴾(١) أي من قبل إتيان بعض آياته وهو الطلوع ١ ،،،، حديث رقم ٢٣٤٥: أخرجه الترمذي في السنن ٢٥٥/٥ حديث رقم ٣٦٠٢. وابن ماجه ١٣٥٣/٢ حديث رقم ٤٠٧٠. .. (١) سورة الأنعام. آية رقم ١٥٨. ٢٥٢ ٠ ٠تـ هؤة كتاب الدعوات/ باب الاستغفار والتوبة ٢٥٣ رواه الترمذيُّ، وابن ماجه. i ٢٣٤٦. (٢٤) وعن معاويةَ، قال: قال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((لا تنقطعُ الهِجرةُ حتى تنقطعَ التوبةُ، ولا تنقطعُ التَّوبةُ المذكور. وتتمة [الآية] ﴿وكسبت في إيمانها خيراً﴾ [الأنعام - ١٥٨] عطفاً على آمنت، أي ولم تكن النفس كسبت في حال إيمانها توبة من قبل. وبهذا التقدير تظهر المناسبة التامة بين الحديث والآية، ويكون معاينة طلوع الشمس نظير معاينة حضور الموت في عدم نفع الإيمان والتوبة عند حصول كل منهما، وبه يندفع استدلال أهل الاعتزال على أن الإيمان المجرد عن الأعمال لا ينفع شيئا في المآل. ففي شرح الطيبي للكشاف لم تكن آمنت من قبل صفة لقوله نفساً وقوله أو كسبت في إيمانها خيراً عطف على آمنت والمعنى إن إشراط الساعة إذا جاءت وهي آيات لمجيئه ذهب أوان التكليف عندها فلم ينفع الإيمان حينئذ نفساً غير مقدمته (١) من قبل ظهور الآيات، ومقدمة إيمانها غير كاسبة خيراً في إيمانها فلم يفرق كما ترى بين النفس الكافرة إذا آمنت في غير وقت الإيمان، وبين النفس التي آمنت في وقتها ولم تكسب خيراً ليعلم أن قوله: ﴿الذين آمنوا وعملوا الصالحات﴾ جمع بين قرينتين لا ينبغي أن تنفك إحداهما عن الأخرى حتى يفوز صاحبها ويسعد. وإلا فالشقاوة والهلاك. قال الطيبي [رحمه الله] والجواب أنه إن حمل على ما قال لم يفد قوله في إيمانها لما يلزم من العطف على آمنت حصول الكسب في الإيمان، فالوجه أن يحمل على اللف التقديري بأن يقال لا ينفع نفساً إيمانها حينئذ أو كسبها في إيمانها خيراً حينئذ لم تكن آمنت من قبل، أو كسبت في إيمانها خيراً من قبل والإيجاز من حلية التنزيل اهـ. وممن ذكره ابن عطية، وابن الحاجب، وابن هشام. وممّا يؤيد تقريري وتحريري أيضاً الحديث الآتي (رواه الترمذي وابن ماجه). ١ ١ مجم ٢٣٤٦ - (وعن معاوية [رضي الله عنه] قال: قال رسول الله وَلّى: لا تنقطع) بالتأنيث ويذكر (الهجرة) أي من المعصية إلى التوبة (حتى تنقطع التوبة) أي صحتها بأن يغرغر صاحبها، قال ابن الملك: أراد بالهجرة هنا الانتقال من الكفر إلى الإيمان، ومن دار الشرك إلى دار الإسلام، ومن المعصية إلى التوبة، قلت لا خير تعميم يشمل الكل. وقال الطيبي: لم يرد الهجرة من مكة إلى المدينة لأنها انقطعت، ولا الهجرة من الذنوب كما ورد ((المهاجر من هجر الذنوب والخطايا)) لأنها نفس التوبة. قلت: لا مانع من ذلك لأن مآل الكمال لا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس ثم قال: بل الهجرة من مكان لا يتمكن فيه من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإقامة حدود الله ﴿ألم تكن أرض الله واسعة﴾ [النساء - ٩٧] فيه أن كونه في ذلك المكان مع كون خروجه عنه من الإمكان معصية خاصة، والحمل على العموم أولى مع أن قوله ١ ١ (١) في المخطوطة ((مقدمة)). حديث رقم ٢٣٤٦: أخرجه أبو داود في السنن ٣/٣ حديث رقم ٢٤٧٩. وأحمد في المسند ٣١٢/٢ والدارمي في السنن ٣١٢/٢ حديث رقم ٢٥١٣. i ١٣,٠ ٢٢٠٣٠ ٢٥٤ كتاب الدعوات/ باب الاستغفار والتوبة حتى تطلُعَ الشَّمسُ منْ مغرِبها)). رواه أحمدُ، وأبو داود، والدارمي. ٢٣٤٧. (٢٥) وعن أبي هريرةَ [رضي الله عنه]، قال: قال رسولُ اللهِ وَله: ((إنَّ رجُلينٍ كانا في بني إسرائيلَ متحابّينٍ، أحدُهما مجتهدٌ في العبادةِ، والآخرُ يقول: مذنبٌ، فجعَلَ يقولُ: أقْصِرْ عمَّا أنتَ فيه. فيقول: خلّني وربّي. حتى وجدّه يوماً على ذنب استعظَمَهُ. لا يلائم الغاية لقوله ((حتى تنقطع التوبة)). والاستشهاد بالآية غير صحيح. لأنه نزل في الهجرة من مكة إلى المدينة. قال ابن حجر: أي لم ينقطع وجوبها حتى ينقطع قبولها (ولا تنقطع التوبة) أي صحتها أو قبولها (حتى تطلع الشمس من مغربها رواه أحمد وأبو داود والدارمي). ٢٣٤٧ - (وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَلقول: إن رجلين كانا في بني إسرائيل) أي منهم أو من غيرهم (متحابين) أي في الدنيا أو لأمر مّا لا في الله لعدم المناسبة والملاءمة بين المطيع والعاصي والجنسية علة الضم قال تعالى: ﴿لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حادّ الله ورسوله﴾ [المجادلة - ٢٢] الآية. وقال عزَّ وجلَّ ﴿الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين﴾ [الزخرف . ٦٧] ويمكن أنهما كانا متحابين أوّلاً ثم وقع أحدهما في المعصية وهو الأظهر. ثم تم عقد الأخوة والعمل بالنصيحة وهو أولى عند بعض الصوفية من قطع الصحبة. لقوله تعالى: ﴿فإن عصوك فقل إني برىء مما تعملون﴾ [الشعراء - ٢١٦] حيث لم يقل منكم مع أنه يمكن أن يكون منكم مقدراً ومما تعملون علة للبراءة. كما ذهب إليه بعضهم وهو الظاهر من حديث ((الحب في الله والبغض في الله)) وحمل الحديث على الابتداء خلاف ظاهر الاطلاق (أحدهما مجتهد) أي مبالغ (في العبادة والآخر يقول) قال الطيبي: أي الرسول وَ# (مذنب) أي هو مذنب. وقال ابن الملك تبعاً للمظهر: أي بقول الآخر أنا مذنب أي معترف بالذنب. وهو الأظهر لقوله يقول فإنه ليس له زيادة فائدة على القول الأوّل. وحينئذ لا يحتاج إلى حسن المقابلة بأن يقال أي مجتهد في المعصية حيث قال الطيبي: يمكن أن يقال أن المعنى والآخر منهمك في الذنب ليطابق قوله مجتهد في العبادة لأن القول كثيراً ما يعبر به في الأفعال المختلفة بحسب المقام اهـ. وفيه إنه لا دخل للقول حينئذ في المقام، كما لا يخفى على ذوي الإفهام فالظاهر أن العدول عن قوله والآخر مذنب بإدخال يقول بينهما لأن ينسب القول إليه مراعاة للأدب معه، لعلمه عليه الصلاة والسلام بأنه سعيد عند ربه في غفران ذنبه ولهذه النكتة بعينها قال مجتهد ولم يقل صالح أو عابد (فجعل) أي طفق وشرع المجتهد (يقول) أي للمذنب (أقصر) أمر من باب الأفعال أي أمسك وامتنع وفي رواية أقصر أقصر (عما أنت فيه) أي من الذنب (فيقول) أي الآخر (خلني وربي) أي اتركني معه فإنه غفور رحيم وتكرر هذا الكلام والجواب (حتى وجده) أي المجتهد المذنب (يوماً) أي وقتاً ما (على ذنب استعظمه) حديث رقم ٢٣٤٧: أخرجه أحمد في المسند ٣٢٣/٢. ٢٥٥ كتاب الدعوات/ باب الاستغفار والتوبة فقال: أقصِرْ. فقال: خلني وربِّي، أبعِثْتَ عَليَّ رقيباً؟ فقال: واللَّهِ لا يغفرُ اللَّهُ لكَ أبداً، ولا يُدخِلُكَ الجنَّةَ، فبعثَ اللَّهُ إِليهما ملكاً، فقبَضَ أرواحَهما، فاجتمعا عنده، فقال للمذنب: أدخلِ الجنَّةَ برحمتي. وقال للآخر: أتستطيعُ أن تَحظُرَ عَلَى عبدي رحمتي؟ فقال: لا يا ربِّ! قال: اذهبوا به إلى النار)). رواه أحمد. أي المجتهد ذلك الذنب (فقال: اقصر، فقال: خلني وربي أبعثت) بصيغة المجهول بالاستفهام الإنكاري أي أرسلك الله (عليّ رقيباً) أي حافظاً (فقال:) أي المجتهد من كمال غروره وعجبه وحقارة صاحبه لارتكاب عظيم ذنبه (والله لا يغفر الله لك أبداً ولا يدخلك الجنة) أي من غير سابقة عقوبة فهو مبالغة غاية المبالغة. وأما قول ابن حجر: تأكيداً لما قبله لأن عدم الغفران لازم لعدم دخول الجنة فغير صحيح، لأن المؤمن المذنب قد لا يغفر الله له فيعذبه ثم يدخله الجنة كما عليه أهل السنة (فبعث الله إليهما ملكاً فقبض) أي عزرائيل (أرواحهما) أي روحيهما على حد ﴿صغت قلوبكما﴾ [التحريم - ٣] (فاجتمعا) أي بأرواحهما (عنده) أي في محل حكمه وهو البرزخ أو تحت عرشه (فقال: للمذنب ادخل الجنة برحمتي) أي جزاء لحسن ظنك بي (وقال للآخر) وفي العدول عن التعبير بالمجتهد نكتة لا تخفى وهي أن اجتهاده في العبادة ضاع لقلة علمه ومعرفته بصفات ربه فانقلب الأمر وصار في الذنب كالآخر والمذنب بحسن عقيدته واعترافه بالتقصير في معصيته منزل المجتهد (أتستطيع) الهمزة للإنكار أي أتقدر (أن تحظر) بضم الظاء المعجمة أي تمنع وتحرّم (على عبدي رحمتي) أي التي وسعت كل شيء في الدنيا وخصت للمؤمنين في العقبى (فقال لا يا رب) اعترف حين لا ينفعه الاعتراف (قال) أي الرب (اذهبوا به) خطاباً للملائكة الموكلين بالنار أو لذلك الملك والجمع للتعظيم أو لكبره كأنه جمع (إلى النار) حتى يذوق العذاب جزاء على غروره وعجبه العجاب. ولا دلالة في الحديث على كفره ليكون مخلداً في النار. وأغرب ابن الملك حيث قال: إدخاله النار كان مجازاة له على قسمه بأن الله لا يغفر للمذنب ذنبه لأنه جعل الناس آيسين من رحمة الله وحكم بأن الله غير غفور. وفيه أن هذا كله غير مفهوم من كلامه وإنما هو بالغ في الامر بالمعروف وصدر هذا الكلام عنه في حال غضبه ولو كان الله لسومح به، لكن لما كان مغروراً باجتهاده محتقر للمذنب لأجل الإصرار على ذنبه استحق العقوبة. ولذا قيل معصية أورثت ذلاً واستصغاراً خير من طاعة أوجبت عجباً واستكباراً. وقال ابن حجر: عند قوله يا رب أكذب نفسه وحلفه فاستحق العقاب. فمن ثم قال: اذهبوا به إلى النار لأنه آيس من رحمة الله واليأس منها كفر لمن استحله كهذا الرجل. كما دل عليه حلفه السابق المتضمن للحكم على الله تعالى بأنه لا يغفر الذنوب وعلى صاحبه بأنه يئس من رحمة الله. وما ذكره من يأس المجتهد واستحلاله وكفره غير صحيح مع أنه على سبيل التنزل يكون على معتقد المعتزليّ من عدم تجويز غفران صاحب الكبيرة وعليه ظواهر كثيرة من الآيات في الوعيد ولم يقل أحد من أهل السنة بتكفير الخوارج والمعتزلة. نعم في الحديث رد بليغ على معتقدهم حيث أن الله تعالى غفر للمذنب وأدخله جنته برحمته من غير رجوع المذنب وتوبته (رواه أحمد) وروى البغوي بإسناده في المعالم عن ضمضم بن ،رجاءله. ١ ١ :١٢٧ هنا ٢٥٦ كتاب الدعوات/ باب الاستغفار والتوبة ٢٣٤٨. (٢٦) وعن أسماء بنت يزيدَ، قالت: سمعتُ رسولَ الله وَله يقرأ: ﴿يا عباديَ الذينَ أسرَفُوا على أنفسِهم لا تقنَطُوا من رحمةِ اللهِ، إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذنوبَ جميعاً﴾ ((ولا يبالي)). رواه أحمد، والترمذي، وقال: هذا حديث حسن غريب. وفي ((شرح السنة)) يقول: بدل: يقرأ. ٢٣٤٩. (٢٧) وعن ابن عبّاسٍ: في قول الله تعالى: ﴿إِلاَّ اللمم ﴾، جوس قال: دخلت مسجد المدينة فناداني شيخ فقال: لي يا يمامي(١) تعال وما أعرفه فقال لا تقولن لرجل والله لا يغفر الله لك أبداً ولا يدخلك الجنة. قلت: ومن أنت يرحمك الله قال أبو هريرة: قال: فقلت: إن هذه الكلمة يقولها أحدنا لبعض أهله إذا غضب أو لزوجته أو لخادمته. قال: فإني سمعت رسول الله وَّه يقول إن رجلين الحديث إلى آخره. ثم قال أبو هريرة: والذي نفسي بيده لتكلم بكلمة أو بقت بدنياه وآخرته اهـ. وتعليل ابن حجر هنا بقوله لأنها صيرته إلى النار المؤبدة عليه خطأ ظاهر كما قدمناه. ٢٣٤٨. (وعن أسماء بنت يزيد) أي ابن السكن (قالت: سمعت رسول الله ول# يقرأ يا ﴿عبادي﴾) بفتح الياء وسكونها (﴿الذين أسرفوا على أنفسهم﴾) أي بالمعاصي (﴿لا تقنطوا﴾) بفتح النون وكسرها أي لا تيأسوا (﴿من رحمة الله إن الله ﴾) استئناف فيه معنى التعليل (﴿يغفر الذنوب جميعاً﴾)(٢) أي ذنوب الكفار بالتوبة وذنوب الأبرار بها وبالمشيئة (ولا يبالي) أي من أحد، فإنه لا يجب على الله. وفيه رد على الوعيدية(٣). وهو يحتمل أنه كان من الآية فنسخ. ويحتمل أن يكون زيادة من عنده عليه الصلاة والسلام كالتفسير للآية، قال البغوي: روى سعيد بن جبير. عن ابن عباس: إن أناساً من أهل الشرك كانوا قتلوا وأكثروا وزنوا فأكثروا فأتوا النبي 2 * فقالوا أن الذي تدعونا إليه لحسن لو تخبرنا أن لما عملناه كفارة فنزلت هذه الآية اهـ. فالخطاب للكفار والمعنى أن الله يغفر ذنوبهم بالإيمان، فإن الإيمان يهدم ما كان قبله وبه اندفع ما قال ابن حجر أن الإضافة تقتصي أنهم مسلمون. (رواه أحمد والترمذي وقال: هذا حديث حسن غريب وفي شرح السنة يقول) أي يا عبادي الخ (بدل يقرأ) أي السابق في رواية الأوّلين فیؤيد القول بأنه حديث. ٢٣٤٩ . (وعن ابن عباس في قول الله تعالى ﴿إلا اللمم﴾)(٤) أي في تفسير قوله تعالى: ﴿الذين يجتنبون كبائر الاثم﴾ [النجم. ٣٢]) قيل من كل ذنب فيه حد. والفواحش ما فيه وعيد. أو مختص بالزنا أو البخل. إلا اللمم بفتحتين أي الصغائر فإنهم لا يقدرون أن يجتنبوها ١٩٩٥ (١) في المخطوطة ((اليماني)). حديث رقم ٢٣٤٨: أخرجه الترمذي في السنن ٤٨/٥ حديث رقم ٣٢٩٠. (٢) الزمر - آية رقم ٥٣. حديث رقم ٢٣٤٩: أخرجه الترمذي في السنن ٧١/٥ حديث رقم ٣٣٣٨. (٣) النجم. آية ٣٢. ٢٥٧ كتاب الدعوات/ باب الاستغفار والتوبة t PY قال رسول الله وَلهى: وأيُّ عبدٍ لك لا ألمَّا» ((إِن تغفِر اللهمَّ تغفز جمَّاً لأن الأمم غير معصومين. وأغرب، ابن الملك حيث قال: فإنها تغفر لهم بالطاعة والتوبة اهـ. ولا خصوصية للتوبة باللمم وأيضاً آخر الحديث بأبي عن هذا المعنى. وقال الطيبي: الاستثناء منقطع فإن اللمم ما قل وما صغر من الذنوب. ومنه قوله ألم بالمكان إذا قل لبثه فيه. ويجوز أن يكون قوله اللمم صفة إلا بمعنى غير فقيل هو النظرة والغمزة والقبلة. وقيل الخطر من الذنب. وقيل كل ذنب لم يذكر الله فيه حداً ولا عذاباً (قال رسول الله وَ له:) أي استشهاداً بأن المؤمن لا يخلو من اللمم. * إن تغفر اللهم تغفر جماً * بألف بعد ميم مشددة أي كثيراً كبيراً. * وأي عبد لك لا ألما * فعل ماض مفرد والألف للإطلاق أي لم يلم بمعصية يقال لم أي نزل وألم إذا فعل اللمم ومعنى بيت أمية إن تغفر ذنوب عبادك فقد غفرت ذنوباً كثيرة فإن عبادك كلهم خطاؤون وأشار تعالى إليه في الآية بقوله: ﴿إن ربك واسع المغفرة﴾ [النجم. ٣٢] والمراد بقوله تعالى: ﴿وما علمناه الشعر وما ينبغي له ﴾ [يس . ٦٩] إنشاؤه لا إنشاده لأنه رد لقولهم هو شاعر ذكره الطيبي. وقال ابن حجر: متمثلاً بشعر أمية لا قصداً لأنه حرم عليه إنشاء الشعر وكذا روايته خلافاً لمن وهم فيه غفلة عن كلام أئمته فمحل ذلك أن قاله على قصد الرواية ا هـ. وهو غير معقول المعنى فإنه ثبت عنه وَ # كان يتمثل بشعر ابن رواحة ويتمثل بقوله: * ويأتيك بالأخبار من لم تزود * وقد قال ◌َله: أصدق كلمة قالها الشاعر كلمة لبيد: * ألا كل شيء ما خلال الله باطل ﴾ (١) نعم ورد أنه وقليل أصاب حجر أصبعه في بعض المشاهد فقال: وفي سبيل الله ما لقيت(٢) هل أنت إلا أصبع دميت وهو وإن كان يحتمل أنه من شعر غيره وتمثل به. لكن لما تتبعوا ولم يجدوا قائله. قال الخطابي وغيره: اختلف الناس في هذا وما أشبهه من الرجز الذي جرى على لسان النبي بَّه في بعض أسفاره وأوقاته وفي تأويل ذلك مع شهادة الله بأنه لم يعلمه الشعر وما ينبغي له. فذهب بعضهم إلى أن الرجز ليس بشعر وذهب بعضهم إلى أنه لم يقصد به الشعر إذا لم يقصد صدوره عن نية له وروية، وإنما اتفاق كلام يقع أحياناً، وقد وجد في كتاب الله العزيز من هذا القبيل. وهذا مما لا شك فيه أنه ليس بشعر. قال الطيبي: البيت لامية بن أبي الصلت أنشده (١) متفق عليه. (٢) متفق عليه. ٢٥٨ كتاب الدعوات/ باب الاستغفار والتوبة رواه الترمذي، وقال: هذا حديث صحيح غريب. ٢٣٥٠. (٢٨) وعن أبي ذر، قال: قالَ رسولُ اللهِ وَّهِ: ((يقولْ اللَّهُ تعالى يا عبادي! كلكم ضالٌّ إِلاَّ مَنْ هدَيْتُ؛ فاسألوني الهُدى أهدِكم. وكلكم فقراءُ إِلاَّ مَنْ أغنيتُ؛ فاسألوني أرزقكُم. وكلكم مذنبٌ إِلا من عافيتُ؛ النبي ◌َّ أي من شأنك اللهم إن تغفر غفراناً كثيراً للذنوب العظيمة، وأما الجرائم الصغيرة فلا تنسب إليك لأنها لا يخلو عنها أحد، وأنها مكفرة باجتناب الكبائر انتهى. وتبعه ابن حجر. وفيه أن هذا التكفير مذهب بعض المعتزلة على ما في شرح العقائد. ثم قال الطيبي: وإن ليس للشك بل للتعليل كما في قوله: ﴿ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين﴾ [آل عمران - ١٣٩] أي لأجل أنكم مؤمنون لا تهنوا. فالمعنى لأجل أنك غفارا غفر جماً. كما تقول للسلطان إن كنت سلطاناً فاعط الجزيل انتهى. وقال ابن حجر: إن بمعنى إذ كما في قوله تعالى: ﴿وخافون إن كنتم مؤمنين ﴾ [آل عمران. ١٧٥] فسقط ما قاله الطيبي. وفيه أن المؤدي واحد فإن إذ للتعليل أيضاً. كما في قوله تعالى: ﴿ولن ينفعكم ليوم إذ ظلمتم﴾ [الزخرف. ٣٩] فلكل ساقط لاقط انتهى. وعلى تقدير تقرير صحة الظرفية في ﴿إن كنتم مؤمنين﴾، لا يمتنع إرادة التعليل أيضاً فلا وجه للسقوط مع أن الظرفية غير مستقيمة في البيت لعدم تقييد غفاريته تعالى بوقت دون وقت. ولذا قال: بنفسه ناقضاً لكلامه تابعاً للطيبي في مرامه: فالمعنى لأجل أنك غفار الخ، ثم قال: والبيت يشتمل على محاسن منها اتحاد الشرط والجزاء فغفلة مّا عن تقييده بجماً. وكان أمية هذا متعبداً في الجاهلية ومتديناً ومؤمناً بالبعث أدرك الإسلام ولم يسلم ولما كان في شعره ينطق بالحقائق قال قال وَلّر في حقه كاد أمية بن أبي الصلت أن يسلم (رواه الترمذي. وقال حديث حسن صحيح غريب) . ٢٣٥٠ . (وعن أبي ذر قال: قال رسول الله وَلجر: يقول الله تعالى يا عبادي) خطاب عام يشمل الخاص والعام وفيه تأنیس تام (كلكم ضال إلا من هديت) كقوله تعالى: ﴿فلولا فضل الله عليكم ورحمته لكنتم من الخاسرين﴾ [البقرة - ٦٤] ﴿ووجدك ضالاً فهدى﴾ [الضحى. ٧] ﴿ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نور نهدي به من نشاء من عبادنا ﴾ [الشورى. ٥٢] (فاسألوني) بالهمز (وحذفه (الهدى) أي اطلبوا الهداية مني لا من غيري وأنتم الفقراء (أهدكم) فيه إيماء إلى أن كل من أخلص لله في طلب الهداية هداه الله (وكلكم فقراء) أي ظاهراً وباطناً (إلا من أغنيت) وهو أيضاً لا يستغنى عنه لمحة لاحتياجه إلى الإيجاد والأمداد كل لحظة قال الله تعالى: ﴿والله الغني وأنتم الفقراء﴾ [محمد - ٣٨] (فاسألوني أرزقكم) أي حلالاً طيباً إذ الرزق المضمون ينال بلا سؤال (وكلكم مذنب) أي يتصوّر منه الذنب (إلا من عافيت) أي من الأنبياء والأولياء، أي عصمت وحفظت، وإنما قال عافيت تنبيهاً على أن الذنب مرض ذاتي، وصحته عصمة الله تعالى وحفظه منه. أو كلكم مذنب بالفعل وذنب كل بحسب مقامه حديث رقم ٢٣٥٠: أخرجه الترمذي في السنن ٦٧/٤ حديث رقم ٢٦١٣. وابن ماجه ١٤٢٢/٢ حديث رقم ٤٢٥٧. وأحمد في المسند ١٥٤/٥. .١٣٧ . ٢٥٩ كتاب الدعوات/ باب الاستغفار والتوبة فَمَنْ عَلِمَ منكم أني ذو قُدرةٍ على المغفرةِ فاسْتغفرَني غَفَرْتُ له ولا أبالي. ولو أنَّ أوَّلكم وآخرَكم، وحَيَّكم، وميْتَكم، ورَطْبَكم، ويابسَكم اجتمعُوا على أتقى قلبٍ عبدٍ من عبادي؛ ما زادَ ذلك في ملكي جَناحَ بعوضةٍ. ولو أنَّ أوَّلَكُم وآخِرَكم وَحِيَّكُم، ومِيِّتَكُم، ورَطْبَكُم، ويابسَكُم اجتمعُوا على أشقى قلبٍ عبدٍ من عبادي؛ ما نقصَ ذلكَ منْ مُلكي جناحَ بعوضةٍ ولو أنَّ أوَّلَكُم، وآخِرَكم، وحيّكم وميّتَكُم، ورَطْبَكُم، ويابِسَكُم اجتمعُوا في صعيدٍ واحدٍ؛ فسألَ كلُّ إِنسانٍ منكم ما بلغَتْ أُمنيَّتُه، فأعطيتُ كلَّ سائلٍ منكم؛ ما نَقصَ ذلك من مُلكي إِلا كما لو أنَّ أحدَكم مرَّ بالبحرِ فَغَمَسَ فيه إِبرةً، ثمَّ رفعها؛ إلا من عافيته بالمغفرة والرحمة والتوبة والأوبة (فمن علم منكم أني ذر قدرة على المغفرة فاستغفرني غفرت له) أي جميع ذنوبه ولو بلا توبة ولا يحتاج إلى استثناء الشرك لأن هذا العلم غير متصوّر إلا من المؤمن (ولا أبالي) فيه رد على المعتزلي (ولو أن أولكم وآخركم) يراد به الإحاطة والشمول (وحيكم وميتكم) تأكيد لإرادة الاستيعاب كقوله: (ورطبكم ويابسكم) أي شبابكم وشيوخكم أو عالمكم وجاهلكم أو مطيعكم وعاصيكم. وأغرب ابن الملك فقال: أراد بالرطب النبات والشجر وباليابس المدر والحجر، ويمكن أن يراد بهما البحر والبر أي أهلهما . أو لو صار كل ما في البحر والبر من الشجر والحجر والحيتان وسائر الحيوان آدمياً. وقال الطيبي: هما عبارتان عن الاستيعاب التام كما في قوله تعالى: ﴿ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين ﴾ [الأنعام - ٥٩] والإضافة إلى ضمير المخاطبين تقتضي أن يكون الاستيعاب في نوع الإنسان. فيكون تأكيداً للشمول بعد تأكيد وتقريراً بعد تقرير انتهى. وبه يعلم أنه لا وجه لإدخال الملائكة وعصمتهم في هذا الحديث كما فعله ابن حجر (اجتمعوا على أتقى قلب عبد من عبادي) وهو نبينا وَ ل#ر (ما زاد ذلك) أي الاجتماع (في ملكي) وفي نسخة من ملكي (جناح بعوضة) أي قدره وفيه إظهار العظمة والكبرياء وكمال الغنى والاستغناء (ولو أن أولكم وآخركم وحيكم وميتكم ورطبكم ويابسكم اجتمعوا على أشقى قلب عبد من عبادي) وهو ابليس اللعين (ما نقص ذلك من ملكي جناح بعوضة) فإن قبول الزيادة والنقصان نقص لقبول الحدثان (ولو أن أولكم وآخركم وحیکم ومیتکم ورطبكم ويابسکم اجتمعوا في صعيد) أي محل (واحد فسأل كل إنسان منكم ما بلغت أمنيته) بضم الهمزة وكسر النون وتشديد الياء أي مشتهاه وجمعها المني والأماني يعني كل حاجة تخطر بباله (فأعطيت كل سائل منكم) أي مقاصده في آن واحد (ما نقص ذلك) أي الإعطاء أو قضاء حوائجهم (من ملكي) أي شيئاً أو نقصاً (إلا كما) أي الأمثل نقص فرضي (لو أن أحدكم مر بالبحر فغمس) بفتح الميم أي أدخل (فيه إبرة ثم رفعها) فيه إشارة إلى قوله تعالى: ﴿وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم﴾ [الحجر. ٢١٠] وهو نظير ما في حديث الخضر لما ركب هو وموسى السفينة فوقع عصفور على طرفها ثم نقر من البحر نقرة فقال له الخضر ما نقص علمي وعلمك من علم الله إلا كما نقص هذا العصفور من هذا البحر. واتفق الشراح على أن هذا من باب الفرض والتنزيل. أي لو فرض لكان مقدار مقدار الممثل به فإنه وإن وجد هنا نقص في البحر فإنه متناه، لكنه نقص لا يمكنه ٢٦٠ كتاب الدعوات/ باب الاستغفار والتوبة ذلك بأنّي جوَادٌ ماجدٌ أفعلُ ما أُريدُ، عطائي كلامٌ، وعذابي كلامٌ، إنما أمري لشيءٍ إِذا أردتُ أنْ أقولَ له: (كن فيكونُ)». رواه أحمد، والترمذي، وابن ماجه. ٢٣٥١ . (٢٩) وعن أنس، عن النبيِّ وَّرَ، أنَّه قرأ: ﴿هو أهلُ التقوى وأهلُ المغفرة ﴾ قال: ((قال ربكم أن يحس لقلته المبالغة أدنى مراتب القلة. وأقول . وبحوله أجول .. إن النقص غير منصور إلا صورة والأفقي الحقيقة انتقال شيء قليل من الجنس الكثير إلى طرف آخر فلا نقص في الحقيقة بل زيادة إفادة حياة ذلك العصفور بتلك القطرة. وحصور وصول بعض العلوم من الشرعي واللدني إلى موسى والخضر عليهما السلام فتم الكلام بعون الملك العلام. ثم ينبغي أن يجعل هذا نوعاً من البديع ويسمى باب تأكيد الحكم بما يشبه الاستثناء كما قالوا في قوله تعالى: ﴿وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا﴾ [البروج. ٨] وفي قوله: ﴿لا يسمعون فيها لغواً إلا سلاماً﴾ [مريم. ٦٢] في قول الشاعر: بهن فلول من قراع الكتائب ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم وجعلوه من باب تأكيد المدح بما يشبه الذم والله تعالى أعلم (ذلك) أي عدم نقص الملك. وقال ابن الملك: أي قضاء الحوائج (بأني جواد) أي كثيرا الجود (ماجد) أي واسع العطاء(١). قال الطيبي: المساجد أبلغ من الجواد لأن المجد سعة الكرم فهو ترق (أفعل ما أريد) أي لا ما يريد الخلق . وروي في الحديث القدسي ((تريد وأريد ولا يكون إلا ما أريد)). وقيل لأبي يزيد ما تريد. قال: أريد أن لا أريد. قال نديم الباري شيخ الإسلام عبد الله الأنصاري: هذا أيضاً إرادة للذين أحسنوا الحسنى وزيادة (عطائي كلام وعذابي كلام) يعني لا ينقص من خزائني شيء والخمراد بالكلام الأمر (إنما أمري لشيء إذا أردت) أي إيجاده (أن أقول له) أما تحقيق أو تمثيل (كن فيكون) بالرفع والنصب أي من غير تأخير عن أمري. وهذا تفسير لقوله عطائي كلام وعذابي كلام. قال القاضي: يعني ما أريد إيصاله إلى عبد من عطاء أو عذاب لا أفتقر إلى كد ومزاولة عمل. بل يكفي لحصوله ووصوله تعلق الإرادة به الكشاف كن من كان التامة. أي أحدث فيحدث وهذا تمثيل ومعناه أن ما قضاه من الأمور وأراد كونه فإنما يكون ويدخل تحت الوجود من غير امتناع ولا توقف. كالمأمور المطيع الذي يؤمر فيمتثل ولا يكون منه الإباء (رواه أحمد والترمذي وابن ماجه). ٢٣٥١. (وعن أنس عن النبي ◌َّ ز أنه قرأ) أي قوله تعالى في آخر سورة المدثر: (﴿هو أهل التقوى وأهل المغفرة﴾ قال:)(٢) أي النبي (قال ربكم:) أي حديثاً قدسياً أو معنى تفسيرياً SM (١) في المخطوطة ((المغفرة)). حديث رقم ٢٣٥١: أخرجه الترمذي في السنن ١٠٢/٥ حديث رقم ٣٣٨٤. وابن ماجه ١٤٣٧/٢ حديث رقم ٤٢٩٩. والدارمي ٢/ ٣٩٢ حديث رقم ٢٧٢٤. (٢) سورة المدثر . ٥٦.