Indexed OCR Text

Pages 181-200

١٨١
کتاب الدعوات/ باب أسماء الله تعالى
الخَبِيرُ، الحَليمُ، العَظيمُ، الغَفورُ،
بإرشادهم إلى الحق. قال تعالى: ﴿الله لطيف بعباده يرزق من يشاء وهو القوي العزيز﴾
[الشورى. ١٩] قيل من لطفه تعالى لعباده أنه أعطاهم فوق الكفاية وكلفهم دون الطاقة، ومن
لطفه تعالى توفيق الطعات وتيسير العبادات وحفظ التوحيد في القلوب وصيانته من العيوب
(الخبير) أي العالم ببواطن الأشياء من الخبرة. وهي العلم بالخفايا الباطنة. وقيل هو المتمكن
من الأخبار عما علمه. وحظك منه أنك إذا شهدت أنه المطلع على سرك العليم ببواطن أمرك،
اكتفيت بعلمه، ونسيت غيره في جنب ذكره، وكنت بزمام التقوى مشدوداً، وعن طريق الغيّ
مصدوداً، وتعين عليك ترك الرياء ولزوم الإخلاص، لتصل إلى مقام أهل الاختصاص وأن لا
تتغافل عن بواطن أحوالك، وتشتغل بإصلاحها وتلاقي ما يظهر لك منها من القبائح بصرفها إلى
فلاحها، وأن تكون في أمر دينك ودنياك خبيراً وبما يجب عليك أو يندب لك بصيراً (الحليم)
الذي لا يعجل عقوبة المؤمنين، بل يؤخرهم لعلهم يتوبون. وقيل هو الذي لا يستفزه غضب
ولا يحمله غيظ على تعجيل العقوبة. فالتقرب به تعلقاً(١) أن تشكر منته في حلمه لكن من غير
اغترار بكرمه. وتخلقاً أن تكظم الغيظ وتطفىء الغضب بالحلم وكماله أن تحسن إلى من أساء
إليك قال القشيري: فإذا ستر الله تعالى في الحال بفضله فالمأمول منه أن يعفو في المآل بلطفه
وهو راجع إلى التنزيه (العظيم) أصله من عظم الشيء إذا كبر عظمه، ثم استعير لكل جسم كبير
المقدار كبراً يملأ العين. كالجمل والفيل، أو كبراً يمنع إحاطة البصر بجميع أقطاره، كالسماء
والأرض. ومنه قوله تعالى: ﴿رب العرش العظيم﴾ ثم لكل شيء كبير القدر على المرتبة.
فالعظيم المطلق البالغ إلى أقصى مراتب العظمة هو الذي لا يتصوّره عقل ولا يحيط بكنهه
بصيرة وهو الله تعالى. ومرجعه إلى التنزيه. قال القشيري: ويجب أن يحمل العظيم في صفة
الله تعالى على استحقاق علو الوصف من استحقاق القدم، ووجود الوحدانية، والانفراد
بالقدرة. على الإيجاد، وشمول العلم بجميع المعلومات، ونفوذ الإرادة في المتناولات،
وإدراك السمع والبصر بجميع المسموعات والمرئيات، وتنزه ذاته عن قبول المحدثات، وحظك
منه أنك إذا شهدت عظمته صغر في عينك كل شيء إلا ماله نسبة تعظيمه تعالى، واستحقرت
نفسك وذللتها للإقبال عليه تعالى بكليتها، بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، والاجتهاد في كل
ما يحبه ويرضيه. وحينئذ فتقربك به تعلقاً أن تلازم التذلل والافتقار على الدوام وتخلقاً أن
تتعاظم عن الأوصاف الذميمة وارتكاب الآثام (الغفور) أي كثيراً المغفرة. وهي صيانة العبد عما
يستحقه من العقاب التجاوز عن ذنوبه من الغفر وهو الستر وإلباس الشيء ما يصونه عن الدنس،
قال الطيبي: ولعل الغفار أبلغ منه لزيادة بنائه. والأحسن ما قيل من الفرق بينه وبين الغفارات
المبالغة فيه من جهة الكيفية، وفي الغفار باعتبار الكمية. ولعل إيراد كل من أبنية المبالغة من
الرحمة والمغفرة في الأسماء التسعة والتسعين لتأكيد أمرهما والدلالة على أنه تعالى عظيم
الرحمة، عميمها كبير المغفرة كثيرها، والإشعار بأن رحمته أغلب من غضبه، وغفرانه أكثر من
(١) في المخطوطة ((فالتعلق به تقرباً)).
٠٠٠٠٠

١٨٢
كتاب الدعوات/ باب أسماء الله تعالى
الشَّكورُ، العَلِيُّ،
٤٤٠:٠
عقابه، أقول: ويمكن أن يقال وصف الكامل لا يكون إلا على وجه الكمال فلا يوجد فيه صفة
على وصف النقصان. ولذا قال بعضهم، في جواب الإشكال المشهورة في قوله تعالى: ﴿وما
ربك بظلام للعبيد ﴾ [فصلت. ٤٦] من أنه لا يلزم من نفي المبالغة نفي أصل الفعل مع أنه
منفي عنه تعالى لما أن الظلم وضع الشيء في غير موضعه، أو التصرف في ملك غيره. وهو
محال على الملك المتعال، بأنه إنما أورد بصيغة المبالغة إشارة إلى أنه تعالى لو كان موصوفاً به
لكان موصوفاً على وجه الأبلغية فلزم من نفي المبالغة نفي أصل الفعل لعدم انفكاك وصفه
تعالى عن المبالغة، ولذا لا يجوز إطلاق السامع عليه تعالى بمعنى السميع لفوات المبالغة وأما
قول الجزري :
* يقول راجي عفو رب سامع *
محمول على أنه أراد أنه مجيب لمن دعاه، وغير مخيب لمن رجاه. ثم التقرب به تعالى
تعلقاً بلزوم الاستغفار في آناء الليل وأطراف النهار خصوصاً أوقات الأسحار وتخلقاً بالمغفرة
لمن آذاك (الشكور) أي الذي يعطي الأجر الجزيل على الأمر القليل. فيرجع إلى صفات الفعل
حكي أن رجلاً رؤي في منامه فقيل له ما فعل الله بك فقال حاسبني فخفت كفة حسناتي فوقعت
فيها صرة فثقلت فقلت ما هذا قال كف تراب ألقيته في قبر مسلم. قال تعالى: ﴿فمن يعمل
مثقال ذرة خيراً يره ﴾ [الزلزلة . ٧] وقيل هو المثنى على المطيعين، فيرجع إلى القول. وقيل
المجازي عباده على شكرهم. فيكون من باب المقابلة والتنزيل منزلة المعاملة نحو قوله تعالى:
﴿ومكروا مكر الله﴾ [آل عمران. ٥٤] ﴿وجزاء سيئة سيئة مثلها﴾ [الشورى. ٤٠] وحظ العبد
منه أن يعرف نعم الله ويقوم بواجب شكره ويواظب على وظائف أمره وأن يكون شاكراً للناس
معروفهم. ففي الحديث: لا يشكر الله من لا يشكر الناس(١) بنصبهما كما هو ظاهر. وقال ابن
حجر: برفعهما، ونصبهما، ورفع أحدهما، ونصب الآخر. وكلها ترجع إلى تعظيم الواسطة
مع أن المنعم. الحقيقي هو الله تعالى وحده والمشهور في حد الشكر بأنه صرف العبد جميع
نعمه إلى ما خلق لأجله من عبادة ربه. وقال بعضهم في قوله تعالى: ﴿وقليل من عبادي
الشكور﴾ [سبأ. ١٣] أي قليل من عبادي من يشهد أن النعمة مني. لأن حقيقة الشكر الغيبة
عن شهود النعمة، بشهود المنعم، ولا دخل في هذا المعنى لمبحث تفضيل الغني الشاكر على
الفقير الصابر. عند كثيرين كما ذكره ابن حجر على خلاف ما أجمع عليه الأولياء وجمهور
العلماء (العليّ) بتشديد الياء. فعيل من العلو، وهو البالغ في علو الرتبة، بحيث لا رتبة إلا
وهي منحطة عن رتبته. وقال بعضهم: هو الذي علا عن الإدراك ذاته وكبر عن التصوّر صفاته.
وقال آخر: هو الذي تاهت القلوب في جلاله، وعجزت العقول عن وصف كماله. وحظك منه
أنك إذا شاهدت علوه وسمت همتك إليه، فجعلتها في كل أحوالك واقفة(٢) عليه وذللت
٠٠٠٠٠٠٥٬٠٠٠
(١) رواه أبو داود في السنن ١٥٧/٥ حديث رقم ٤٨١١.
(٢) في المخطوطة ((وقفاً)).

١٨٣
کتاب الدعوات/ باب أسماء الله تعالى
الكَبِيرُ، الحَفيظُ، المُقِيتُ،
نفسك في طاعاته وعباداته الظاهرية والباطنية وبذلت روحك في العلم والعمل، حتى تبلغ الغاية
في الكمالات الأنسية والحالات القدسية، والمراتب العلية، من العلمية والعملية. ففي الحديث
((أن الله يحب معالي الأمور ويكره سفسافها))(١)، ومن ثم قال علي كرم الله وجهه: ((علو الهمة
من الإيمان)). واختلف المشايخ في أفضلية الهمة والخدمة. وعندي أن الخدمة إنما تنشأ من
الهمة فلا خلاف في الحقيقة. قال القشيري: من علوه تعالى أنه لا يصير بتكبير العباد له كبيراً،
ولا جليلاً بإجلالهم. وتعظيمهم له كثيراً، بل من وفقه لإجلاله فبتوفيقه أجله ومن أيده بتكبيره
وتعظيمه فقد رفع محله. ومن حق من عرف عظمته أن لا يذل لخلقه بل يتواضع لهم لأجله
فإن من تذلل لله في نفسه رفع الله قدره على أبناء جنسه. وقيل المؤمن ليس له الكبر وله العزة
وله التواضع لا المذلة (الكبير) وضده الصغير يستعملان باعتبار مقادير الأجسام، وباعتبار
الرتب. وهو المراد هنا أما باعتبار أنه أكمل الموجودات وأشرفها من حيث إنه قديم أزلي غني
على الإطلاق، وما سواه حادث مفتقر إليه في الإيجاد والإمداد بالاتفاق، وأما باعتبار أنه كبير
عن مشاهدة الحواس وإدراك العقول. وعلى الوجهين فهو من أسماء التنزيه. قيل في معنى الله
أكبر أي أكبر من أن يقال له أكبر أو أكبر من أن يدرك غيره کنه کبریائه. وحظك منه أن تشهد
كبرياءه دائماً حتى تنسى كبرياء غيره، وتجتهد في تكميل نفسك علماً وعملاً، بحيث يتعدى
كمالك إلى غيرك فيقتدي بآثارك، ويقتبس من أنوارك، وتقربك بهذا الاسم تعلقاً أن تبالغ في
التواضع، وتخلقاً أن تحترز من سوء الأدب بلزوم الخدمة وحفظ الحرمة، ففي الصحيح.
(«الكبرياء ردائي والعظمة إزاري فمن نازعني واحداً منهما قصمته))(٢) أي أهلكته وكسرت عنقه،
واختصت العظمة بالإزار، والكبرياء بالرداء، لأن في الكبير من الفخامة فوق العظيم وإن كان
كل منهما مختصاً له تعالى لا شريك له فيه بوجه. مّا. ومن ثم قصم المنازع في واحد منهما
(الحفيظ) أي البالغ في الحفظ يحفظ الموجودات من الزوال والاختلال مدة ما شاء من
الأوقات. ومنه قوله تعالى: ﴿ولا يؤده حفظهما﴾ [البقرة. ٢٥٥] أي السموات والأرض وما
بينهما أو يحفظ على العباد أعمالهم وأقوالهم ومنه قوله تعالى ﴿وما جعلناك عليهم حفيظاً﴾
وحظك منك أن تحفظ جوارحك عن الأوزار وباطنك عن ملاحظة الأغيار، وتكتفي في جميع
أمورك بتدبيره، وترضى بحسن قضائه وتقديره. قيل: ((من حفظ لله جوارحه، حفظ الله عليه
قلبه. ومن حفظ الله قلبه حفظ الله عليه حظه. وحكى أنه وقع من بعض الصالحين بصره يوماً
على محظور فقال إلهي إنما أريد بصري لأجلك فإذا صار سبباً لمخالفة أمرك فاسلبنيه فعمى
وكان يصلي بالليل فاحتاج الماء للطهارة ولم يتمكن منه فقال إلهي إنما قلت خذ بصري لأجلك
ففى الليل أحتاجه لأجلك فعاد إليه بصره (المقيت) بضم الميم وكسر القاف وسكوت التحتية.
أي خالق الأقوات البدنية، والأرزاق المعنوية، وموصلها إلى الأشباح ومعطيها للأرواح من أفاته
(١) الطبراني في الكبير. وللحاكم في المستدرك نحوه.
(٢) أخرجه أبو داود في السنن ٣/ ٣٥٠ الحديث رقم٠ ٤٠٩٠ وعند مسلم نحوه.

٠١٥
١٨٤
کتاب الدعوات/ باب أسماء الله تعالى
الحسیبُ،
يقيته إذا أعطاه قوته، ومنه الحديث. (كفى بالمرء إنما أن يضيع من يقيت)) (١) . فهو من صفات
الأفعال. وقيل هو المقتدر بلغة قريش. وقيل هو الشاهد المطلع على الشيء من أقات الشيء إذا
اطلع عليه، فهو على الوجهين من صفات الذات. وهما أنسب لقوله تعالى: ﴿وكان الله على كل
شيء مقيتاً﴾ [النساء. ٨٥] وقال بعضهم: المقيت اسم جامع لمعنى الاقتدار على حكم الموازنة،
من حيث إحاطة العلم. وإقامة الكفاف بالقوت المقدر للحاجة، من غير نقص وزيادة. وهو في
غاية من الحسن. وقول ابن حجر فيه ما فيه لم يظهر ما فيه. وحظك منه أنك إذا عرفت أنه
المقيت نسيت ذكر القوت بذكره كما اتفق أسهل رضى الله عنه أنه سئل عن القوت فقال هو الحي
الذي لا يموت. ولعله انتقل من السبب إلى المسبب فقيل له إنما سألناك عن القوام، فقال القوام
العلم. فكأنه انتقل من قوام الأشباح إلى قوام الأرواح فإن كل إناء يترشح بما فيه - فقيل له إنما
سألناك عن طعمة الجسد. فقال: ما لك والجسد دع من تولاه أو لا يتولاه آخر. أما رأيت الصنعة
إذا عيبت ردت لصانعها لأنه العالم بإصلاحها. فكأنه أشار إلى أنا نحن مأمورون بإصلاح الباطن
مكفيون عن إصلاح الظاهر وإن كان الله هو المصلح على الإطلاق في الحقيقة، وفيه إشارة إلى ما
ورد ((من حسن إسلام تركه ما لا يعنيه))(٢) وحينئذ فتقربك به تعلقاً أن لا تطلب القوت والقوة إلا
من مولاك قال تعالى: ﴿وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلاّ بقدر معلوم﴾ [الحجر . ٢١]
وتخلقاً أن تعطي كل من تعلق بك ما يستحقه من القوت ففي الحديث ((ابدأ بنفسك ثم بمن
تعول))(٣) فيكون دأبك النفع والهداية وإطعام الجائع وإرشاد الغاوي. قال القشيري: اختلفت
الأقوات فمن عباده من يجعل قوت نفسه توفيق العبادات، وقوت قلبه تحقيق المكاشفات، وقوت
روحه مداومة المشاهدات، وملازمة المؤانسات. خصَّ كُلاًّ بما يليق به من الحالات والمقامات.
وإذا شغل الله عبداً بطاعته أقام له من يقوم بشغله وخدمته وإذا، رجع إلى متابعة شهوته وكله إلى
حوله وقوّته، ورفع عنه ظل عنايته وحمايته (الحسيب) أي الكافي من الحسب بسكون السين وهو
الاكتفاء أو الكفاية من أحسبني إذا كفاني قال تعالى: ﴿ومن يتوكل على الله فهو حسبه﴾ [الطلاق.
٣] وهو فعيل بمعنى مفعل بكسر العين كالميم(٤) بمعنى مؤلم، وبديع بمعنى مبدع. أي المعطي
لعباده كفايتهم أو الكافي لهم في أمورهم من قولهم حسبي يكفيني وهذا أتم مبنى وأعم معنى.
وقيل أنه مأخوذ من الحسب بفتحتين بمعنى السؤدد والشرف. والحسيب المطلق هو الله تعالى إذ
لا يمكن أن تحصل الكفاية في جميع ما يحتاج الشيء في وجوده وبقائه وكماله الجسماني
والروحاني بأحد سواء فمرجعه إلى الفعل. ولا أن يصل أحد إلى شرف وسؤدد بغير إرادة مولاه
أو معناه أنه الشريف فمرجعه إلى الصفة. وقيل مأخوذ من الحسنات أي هو المحاسب للخلائق
(١) رواه أبو داود بلفظ ((من بقوت)).
(٢) أخرجه الترمذي وابن ماجه.
(٣) أخرج الشيخين في الصحيحين: ((إذا كان أحدكم فقيراً فليبدأ بنفسه فإن كان له فضل فليبدأ مع نفسه
بمن يعول. ثم ان وجد بعد ذلك فضلاً فليصدق على غيرهم)).
(٤) في المخطوطة ((الكميم)).

١٨٥
کتاب الدعوات/ باب أسماء الله تعالی
الجَليلُ،
يوم القيامة فعيل بمعنى مفاعل كالجليس بمعنى المجالس فمرجعه إلى الفعل. أيضاً إن جعلت
المحاسبة عبارة عن المكافأة ولي القول إن أريد بها السؤال والمعاتبة وتعداد ما عملوا من
الحساب والسيئات(١). وقيل هو الذي يعد أنفاس الخلائق وبعضهم جمع بين المعنيين. وقال:
الحسيب من يعد عليك أنفاسك، ويصرف عنك بفضله بأسك. وقيل في معنى الحسيب أن كان
الله معك فمن تخاف وإن، كان عليك فمن ترجو. ولذا قالوا حسبنا الله ونعم الوكيل. وقال
صلى الله تعالى عليه وسلم: ((حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم)).
قال القشيري: كفاية الله للعبد أن يكفيه جميع أحواله وأشغاله، وأجل الكفايات أن لا يعطيه
إرادة الشيء فإن سلامته عن إرادة الأشياء حتى لا يريد شيئاً أنتم من قضاء الحاجة وتحقيق
المأمول. ومن علم أن الله تعالى كافية لا يستوحش من أعراض الخلق عنه ثقة بأن الذي قسم له
لا يفوته. وإن أعرضوا عنه والذي لم يقسم له لا يصل إليه وإن أقبلوا عليه ومن اكتفى بحسن
تولية الله تعالى لأحواله فعن قريب يرضيه مولاه بما يختار له فعند ذلك يؤثر العدم على
الوجود، والفقر على الغنى ويستروح إلى عدم الأسباب بمشاهدة تصرف المولى. قيل رجع
فتح الموصلي ليلة إلى بيته فلم يجد فيه عشاء ولا سراجاً فبالغ في الحمد والتضرع وقال إلهي
بأي سبب وبأي وسيلة واستحقاق عاملتني بما تعامل به أولياءك (الجليل) أي المنعوت بنعوت
الجلال والحاوي لجميعها على وجه الكمال بحيث لا يمكن لأحد أن يدانيه فضلاً عن أن
يساويه. قالوا . ومنهم الفخر الرازي .: إنه راجع إلى كمال الصفات كما أن الكبير راجع إلى
عظيم الذات والعظيم إليهما. لكن الأظهر أن الجليل هو الموصوف بصفات الجلال خاصة
كالمنتقم والقهار وشديد العقاب ويدل عليه قوله تعالى: ﴿ذو الجلال والإكرام﴾ حيث قوبل
بينهما فالكريم والعفو والغفور ونحوها من صفات الجمال والكمال لله تعالى وهو الجمع بين
صفتي الجمال، والجلال، والكمال، والكون كلها مظاهر للصفتين العظيمتين ومجال لمشاهدة
النعتين الكريمتين وبسط هذا المبحث بطول فيتعين عنه العدول. ولذا نقول: وحظك منه أنك
إذا تبين لك جلاله ظهر لك في العوالم كلها إجلاله فعظمت هيبتك منه ومحبتك له وأنسك به
واحترامك لكتابه وأحبابه وحينئذ فتقربك به تعلقاً أن لا تحب سواء ولا ترضى إلا إياه وتخلقاً
أن تخلي نفسك عن سفساف الأمور والمحقرات لأنك أجل المخلوقات. قال ابن عطاء الله
جعلك في العالم المتوسط بين ملكه وملكوته ليعلمك جلالة قدرك بين مخلوقاته، وإنك جوهرة
تنطوي عليك أصداف مكنوناته. قال القشيري: إن الله تعالى جعل تقلب قلوب العابدين بين
شهود ثوابه وأفضاله وشهود عذابه وأنكاله فإذا فكروا في أفضاله ازدادوا رغبتهم وإذا فكروا في
عذابه ونكاله ازدادوا رهبتهم وجعل تنزه أسرار العارفين في شهود جلاله وجماله إذا كوشفوا
بنعت الجلال فأحوالهم طمس في طمس وإذا كوشفوا بوصف الجمال فأحوالهم أنس في أنس
فكشف الجلال يوجب صحواً وكشف الجمال يوجب قربة فالعارفون كاشفهم بجلاله فغابوا
(١) في المخطوطة وقع تقديم وتأخير بعض الشيء.
جورد

١٨٦
کتاب الدعوات/ باب أسماء الله تعالى
الكريمُ، الرَّقيبُ، المُجيبُ،
والمحبوبون كاشفهم بجماله فطابوا والحقائق إذا اصطلمت القلوب لا تبقى ولا تذروا المعاني
إذا استولت على الأسرار فلا عين ولا أثر (الكريم) أي كثير الجود والعطاء الذي لا ينفد عطاؤه
ولا تفنى خزائنه وهو الكريم المطلق. وقيل المتفضل بلا مسألة ولا وسيلة. وقيل المتجاوز
الذي لا يستقصى في العقاب، ولا يستحصى في العتاب. وقيل هو الذي إذا قدر عفا، وإذا
وعد وفى، وإذا أعطى زاد على المتمني ولا يبالي كم أعطى ولمن أعطى، وإذا رفعت الحاجة
إلى غيره لا يرضى، ويقول إن لنا للآخرة والأولى. وقيل المقدس عن النقائص الموصوف
بالنفائس من قولهم كرائم الأموال لنفائسها وفي الحديث («أياكم وكرائم أموالهم)»(١) وبهذا
الاعتبار سمي شجر العنب كرماً لأنه أطيب الثمرة قريب التناول سهل المأخذ بخلاف النخل
وحظ العبد منه أن يتخلق به فيعطي من غير موعدة ويعفو عن مقدرة ويتجنب عن الأخلاق
المردية والأفعال المؤذية (الرقيب) أي الحفيظ الذي يراقب الأشياء فلا يعزب عنه مثقال ذرة في
الأرض ولا في السماء وقيل هو الذي يعلم أحوال العباد وأفعالهم ويحصي عدد أنفاسهم ويعلم
آجالهم فمرجعه إلى صفة الذات. وقد قال تعالى: ﴿إن الله كان عليكم رقيباً﴾ [الأحزاب.
٥٢] ﴿وكان الله على كل شيء رقيباً﴾ [النساء.١] وفحظك منه أن تراقبه في كل حال ولا
تلتفت إلى غيره في سؤال وتكون رقيباً خصوصاً على من جعلك راعياً عليه فتكون مراعياً
ومتوجهاً في أحواله إليه وفي الحديث ((كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته)) (٢) القشيري:
المراقبة عند هذه الطائفة يصير الغالب على العبد ذكره لربه بقلبه مع علمه بأنه تعالى مطلع عليه
فيرجع إليه تعالى في كل حال ويخاف سطوات عقوبته في كل نفس ويهابه في كل وقت
فصاحب المراقبة يدع من المخالفات استحياء منه وهيبة له أكثر مما يترك من يدع المعاصي
الخوف عقوبته. وإن من راعى قلبه عد مع الله أنفاسه فلا يضيع مع الله نفساً ولا يخلو عن
طاعته لحظة. كيف وقد علم أن الله يحاسبه على كل ما قل وجل. وحكي عن بعضهم أنه رؤى
في المنام فقيل له ما فعل الله بك. فقال: غفر لي وأحسن إليّ إلا أنه حاسبني حتى طالبني بيوم
أكنت صائماً فلما كان وقت الإفطار أخذت حنطة من حانوت صديق لي فكسرتها فذكرتها أنها
أليست لي فألقيتها على حنطته فأخذ من حسناتي مقدار ارش كسرها. ومن تحقق ذلك لم يزج
في البطالات عمره ولم يمحق في الغفلات وقته اهـ. وقد قال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا
الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون﴾ [الحشر - ١٨] وفي الخبر
((حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا))(٣) (المجيب) هو الذي يجيب دعوة الداعي إذا دعاه ويسعف
المضطر إلى ما استدعاه وتمناه. وحظ العبد منه أنه يجيب مولاه فيما أمره ونهاه لقوله تعالى :
﴿فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي﴾ [البقرة. ١٨٦] ثم يتلقى عباده بإسعاف سؤالهم وألطاف
(١) من حديث متفق عليه البخاري كتاب الزكاة باب ٤١. ومسلم في كتاب الإيمان.
(٢) متفق عليه.
(٣) أخرجه ابن أبي شيبة وابن أبي الدنيا وابن عساكر وغيرهم.

١٨٧
کتاب الدعوات/ باب أسماء الله تعالى
الواسِعُ،
جوابهم. قال القشيري: في الخبر إن الله يستحي أن يرد يدي عبده صفراً وأنه تعالى إذا علم من
أحضر من أوليائه حاجتهم ببالهم يحقق لهم مرادهم، قيل أن يذكروه بلسانهم. وربما، يضيق
عليهم الحال حتى إذا يئسوا وظنوا أنه لا يجيبهم يتداركهم بحسن إيجاده وجميل امداده ا هـ.
ومنه قوله تعالى: ﴿وهو الذي ينزل الغيث من بعدما قنطوا﴾ [الشورى. ٢٨] وفي هذا الاسم
إيماء إلى قوله وّر: ((سمع الله لمن حمده)) أي أجابه وأحسن خطابه لكنه كما قال بعض
العارفين: ضمن سبحانه لك الإجابة فيما يختاره لك لا فيما تختاره لنفسك وفي الوقت الذي
يريده لا في الوقت الذي تريده. فحظك منه أن لا تسأل سواه وإن تطلب منه حتى ملح
عجينك. ومن دعاء الإمام أحمد: ((اللهم كما صنت وجهي عن سجود غيرك فصن وجهي عن
مسألة غيرك)). وفي الحديث الصحيح ((ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة))(١) لأنها حاصلة في كل
حال أما في المعجل وأما في المآل ومن باب التخلق به قوله بَّر: لو دعيت إلى كراع
لأجبت(٢) وهو موضع بينه وبين المدينة نحو ثمانية أيام أو كراع الغنم لأجبت وقوله: ((من لم
يجب الداعي فقد عصى أبا القاسم))(٣) (الواسع) هو الذي وسع كرسيه السموات والأرض. فهو
وسيع الملك والملك ووسعت رحمته كل شيء. فهو كثير الرحمة والعطاء لا يستغنى أحد عن
عطائه لا في مبدئه، ولا في منتهاه. وآحاط بكل شيء علماً فهو العالم بالموجودات
والمعلومات، والكليات، والجزئيات. لا نهاية لبرهانه، ولا غاية لسلطانه، ولا حد لإحسانه.
وحظ العبد منه أن يسعى في سعة معارفه وأخلاقه ويكون جواداً بالطبع غني النفس لا يضيق
قلبه بفقد الفائت ولا يهتم بتحصيل المآرب. قال القشيري: من الواجب على العبد أن يعلم أنه
ليس كل أنعامه انتظام أسباب الدنيا والتمكن من تحصيل المني والوصول إلى الهوى بل ألطاف
الله فيما يزوي عنهم الدنيا أكبر وإحسانه إليهم أوفر وإن قرب العبد من الرب على حسب تباعده
من الدنيا. وفي بعض الكتب أن أهون ما أصنع بالعالم إذا مال إلى الدنيا وإن أسلبه حلاوة
مناجاتي ولذة طاعاتي (الحكيم) أي ذو الحكمة وهي كمال العلم واتقان العمل أو فعيل بمعنى
الفاعل فهو مبالغة الحاكم فإنه يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد لا معقب لحكمه أو بمعنى المفعل
أي الذي يحكم الأشياء ويتقنها ومنه قوله تعالى: ﴿صنع الله الذي أتقن كل شيء ﴾ [النمل.
٨٨] ﴿ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت﴾ [الملك. ٢] ﴿ولو كان من عند غير الله لوجدوا
فيه اختلافاً كثيراً﴾ [النساء. ٨٢] فعليك أن تجتهد في التخلق به والتعلق بكتابه بأن تسعى في
تكميل قواك النظرية بتحصيل المعارف الإلهية واستكمال القوّة العملية بتخلية النفس عن الرذائل
وتحليتها بالفضائل، وتجليتها بتحسين الشمائل بما يوجب الزلفى إلى الدراجات العلى، والقرب
إلى المولى، فإنه تعالى يؤتى الحكمة من يشاء ومن يؤتى الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً والحكمة
(١) أخرجه الترمذي الحديث رقم ٣٤٧٩.
(٢) رواه البخاري.
(٣) أخرجه أبو داود في المسنن ١٢٥/٤ حديث رقم ٣٧٤١.

٦٠٫٤٠
کتاب الدعوات/ باب أسماء الله تعالى
١٨٨
الحَكِيمُ، الوَدُودُ، المَجيدُ، الباعِثُ،
هي علم الكتاب، والسنة. لا علوم الفلاسفة. قال القشيري: من حكمه تعالى على عباده
أتخصيصه قوماً بحكم السعادة من غير استحقاق وسبب ولا جهد ولا طلب بل تعلق العلم
القديم بإسعاده وسبق الحكم الأزلي بإيجاده وخص قوماً بطرده وإبعاده ووضع قدره من بين
عباده من غير جرم سلف ولا ذنب اقترف بل حقت الكلمة عليه بشقاوته ونفذت المشيئة بجحد
قلبه وقساوته فالذي كان شقياً في حكمه أبرزه في نطاق أوليائه ثم بالغ في ذمه حيث قال فمثله
كمثل الكلب والذي كان سعيداً في حكمه خلقه في صورة الكلب ثم حشر. في زمرة أوليائه
وذكره في جملة أصفيائه فقال: ﴿رابعهم كلبهم﴾ [الكهف. ٢٢] اهـ. وهو معنى قوله تعالى:
﴿لا يسئل عما يفعل وهم يسألون﴾ [الأنبياء. ٢٣] وورد أنه تعالى يدخل النار بلعم ابن باعورا
على صورة كلب أصحاب الكهف، ويدخل الجنة كلبهم على صورة بلعم. فلا تغتر بالظواهر
فإن العبرة بالسرائر (الودود) مبالغة الوادّ من الودّ وهو الحب أي الذي يحب الخير لكل
٤)الخلائق. وقيل المحب لأوليائه وهو الأظهر لقوله تعالى: ﴿والله يحب المحسنين﴾ وأنه لا
يحب الظالمين. وحاصله يرجع إلى إرادة مخصوصة. وقيل فعول بمعنى مفعول فالله محبوب
في قلوب مخلوقاته، مطلوب لجميع مصنوعاته. وفي الحقيقة كما في نظر أرباب الشهود أنه
ليس في الكون لغير موجود فهو الواد وهو المودود كما أنه الحامد والمحمود، والشاهد
والمشهود، ليس في الدار غيره ديار. وحظ العبد منه أن يريد للخلق ما يريد في حقه ويحسن
/ :٢٠٠
إليهم حسب قدرته ووسعه ومنه قوله تعالى: ((لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب
لنفسه))(١). قال القشيري: معنى الودود في وصفه أنه يود المؤمنين ويودونه قال تعالى:
﴿يحبهم ويحبونه﴾ [المائدة. ٥٤] ومعنى المحبة في صفة الحق لعباده رحمته عليهم وإرادته
للجميل لهم ومدحه لهم ومحبة العباد لله تعالى تكون بمعنى طاعتهم له وموافقتهم لأمره وتكون
بمعنى تعظيمهم له وهيبتهم منه اهـ. وقال تعالى: ﴿إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل
لهم الرحمن وداً ﴾ [مريم. ٩٦] أي فيما بينه وبينهم، أو فيما بينهم وبين خلقه، ولا منع من
الجمع. وفي الأثر القدسي أنه تعالى يقول: إن أود الأوذ إليّ من يعبدني لغير نوال. لكن
اليعطي الربوبية حقها (المجيد) هو مبالغة الماجد من المجد وهو سعة الكرم فهو الذي لا تدرك
سعة كرمه ولايتنا هي توالي إحسانه ونعمه قال القشيري ومن أعظم ما أنعم الله على عباده حفظه
عليهم توحيدهم ودينهم حتى لا يزيغوا ولا يزولوا اذ لولا لطفه وإحسانه لغووا وأضلوا ومن
( وجوه إحسانه إليهم الذي لا يخفى على أكثر الخلق حفظه عليهم قلوبهم، وتصفيته لهم أوقاتهم
فإن النعمة العظمى نعم القلوب كما أن المحنة الكبرى محن القلوب. أو من المجد وهو نهاية
الشرف فهو الذي له شرف الذات، وحسن الصفات وقيل هو العظيم الرفيع القدر فهو فعيل
بمعنى مفعل. وحظ العبد منه أن يعامل الناس بالكرم. وحسن الخلق ليكون فيما بينهم ماجداً،
ولخير ما عنده تعالى واجداً (الباعث) أي باعث الرسل إلى الأمم بالأحكام والحكم. أو الذي
(١) متفق عليه.

°مے
١٨٩
کتاب الدعوات/ باب أسماء الله تعالى
الشّهيدُ، الحَقُّ،
يبعث من في القبور للحشر والنشور. وقيل هو الذي يبعث الأرزاق إلى عبده ولو لم يكتسب
من حيث لا يحتسب. وقيل هو باعث الهمم إلى الترقي في مساحات التوحيد والتنقي من ظلم
صفات العبيد. وحظ العبد منه أن يؤمن أو لا بمعانيه ويكون مقبلاً عليه بشراشر(١) لاستصلاح
المعاد والاستعداد ليوم التناد. والتخلق به إحياء النفوس الجاهلة بالتعليم، والتذكير، والتزهيد
في الأمور العاجلة، والترغيب في النعم الآجلة. فيبدأ بنفسه ثم بمن هو أقرب منه منزلة وأدنى
رتبة (الشهيد) مبالغة الشاهد من الشهود وهو الحضور ومعناه العليم بظاهر الأشياء وما يمكن
مشاهدتها كما أن الخبير هو العالم ببواطن الأشياء وما لا يمكن الاحساس بها ومنه قوله تعالى:
﴿عالم الغيب والشهادة﴾ [الأنعام. ٧٣] أو مبالغة الشاهد من الشهادة والمعنى يشهد على
الخلائق يوم القيامة بما علم وشاهد منهم. ومنه قوله تعالى: ﴿وكفى بالله شهيداً ﴾ [النساء.
٧٩] قال القشيري: إن أهل المعرفة لم يطلبوا مع الله مؤنساً سواه، بل رضوا به شهيداً
لأحوالهم عليماً بأمورهم وأفعالهم. وكيف لا وهو يعلم السر وأخفى ويسمع النجوى،
ويكشف الضر والبلوى، ويجزل الحسنى، ويصرف الردى، ولله الآخرة الأولى. قلت ومنه
قوله تعالى: ﴿أو لم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد﴾ [فصلت. ٥٣] وحظك منه أن
تراقبه حتى لا يراك حيث نهاك، ولا يفقدك حيث أمرك، وإن تكتفي بعلمه ومشاهدته عن أن
ترفع حوائجك إلى غيره، أو أن تميل إلى طلب الغير من بره وخيره، وتخلقك أن تكون شاهداً
بالحق مراعياً للصدق لتكون مقبول الشهادة من جملة ما قال تعالى: ﴿وكذلك جعلناكم أمة
وسطاً لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً ﴾ [البقرة. ١٤٣] (الحق) هو
الثابت الذي تحقق بتيقن وجوده ولا تحقق لغيره إلا من كرمه وجوده. وضده الباطل الذي هو
المعدوم، أو الموجود الذي في مقابله بمنزلة الموهوم، إذا الثابت مطلقاً هو الله وسائر
الموجودات من حيث أنها ممكنة في حد ذاتها ولا ولا ثبوت لها من قبل نفسها بل الكل منه
وإليه. فكل شيء دونه باطل من حيث أنه لا حقيقة له من ذاته ولا في ذاته فضلاً عن ثباته
وصفاته وإليه الإشارة بقوله تعالى: ﴿كل شيء هالك إلا وجهه﴾ [القصص . ٨٨] ﴿وكل من
عليها فان﴾ [الرحمن. ٢٦] بتغليب ذوي العقول إيماء إلى أن غيرهم أولى بالأقول. وهذا
المعنى هو المراد بقول الشاعر فيما شهد له و # بأن أصدق كلمة قالها الشاعر كلمة لبيد:
م:
٠٠ **:
* ألا كل شيء ما خلا الله باطل *
أي قابل للفناء والزوال بل في نظر أرباب الشهود دائماً مرتبة الاضمحلال. وهذا المعنى
هو المراد من قول شيخ مشايخنا أبى الحسن البكري أستغفر الله مما سوى الله. كما حررته
وبسطته في شرح حزب الفتح. ويدل على جلالة لبيد رضي الله تعالى عنه إنه لما أسلم لم يقل
شعراً وقال يكفيني القرآن فهو بهذا المعنى من صفات الذات. وقيل معناه المحق أي المظهر
للحق أو الموجد للشىء حسب ما تقتضيه الحكمة فهو من صفات الأفعال. وحظك منه إنك إذا
(١) الشراشر: الأثقال. الواحدة شرشرة. يقال التي ثراثره أي نفسه حرصاً وحباً.
سور
٠١/٢/ ٠١

١٩٠
کتاب الدعوات/ باب أسماء الله تعالى
الوَكِيلُ، القَوِيُّ، المَتينُ،
عرفت أنه الحق نسيت في جنبه ذكر الخلق وتخلقك به أن تلزم الحق في سائر أقوالك وأفعالك
وأحوالك (الوكيل) القائم بأمور عبادة المتكفل بمصالح عباده. وقيل الموكول إليه تدبيرهم إقامة
وكفاية. فهو سبحانه الوكيل على كل شيء بحكم إقامته وهو ينبىء عن أمرين.
(أحدهما): عجز الخلق عن القيام بمجامع أمورهم كما ينبغي إذ الغالب أن العاقل لا
يكل أمره إلى غيره إلا إذا تعسر أو تعذر عليه مباشرته بنفسه .
(وثانيهما): أنه تعالى عالم بحالهم قادر على ما يحتاجون إليه رحيم بهم فإن من لم
يستجمع هذه الصفات لا يحسن توكيله. وقد قال تعالى: ﴿وكفى بالله وكيلا﴾ [النساء- ٨١]
﴿وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين﴾ [المائدة - ٢٣] ﴿ومن يتوكل على الله فهو حسبه ﴾
[الطلاق . ٣] ﴿وتوكل على الحي الذي لا يموت﴾ [الفرقان - ٥٨] ﴿وتوكل على العزيز
الرحيم﴾ [الشعراء - ٢١٧] والتخلق به أن تقوم بأمور عباده ومطالبهم وتسعى في إسعاف
مآربهم (القوي) القوة تطلق على معان مرتبة أقصاها القدرة التامة البالغة السابغة الواصلة إلى
الكمال. والله تعالى قوي بهذا المعنى ولا قوّة لغيره إلا به. وتوضيحه الإنسان أوّل ما يوجد في
باطنه من إحساس العمل يسمى حولاً ثم ما يحس به في الأعضاء من إطاقتها له يسمى قوّة. ثم
ما يظهر عليه من العمل بصورة البطش والتناول يسمى قدرة. ولهذا كان ((لا حول ولا قوة إلا
بالله كنزاً من كنوز الجنة))(١). لأنها تدل على رجوع الأمور كلها إليه تعالى. قال ابن حجر:
لأنك إذا نفيت عن غيره المرتبتين الأوليين فأولى أن تنفي عنه الثالثة. وفيه نظر لأن الثالثة وهي
القدرة لما كانت ظاهرة النفي عن غيره ما احتاج في النفي إلى ذكره لأن أحداً من السفهاء فضلاً
من العلماء لم يتوهم أن لنفسه قدرة، بخلاف الحول والقوة حيث قد ينشأ عن الجهل والغفلة
نسبتهما إلى أنفسهم. كما زعمت المعتزلة فدفع وهمهم وأبطل فهمهم. ولما كانت المرجئة
وقعوا في التعطيل. وبمطلق التنزيه، ضد وقوع المعتزلة في التشبيه أثبت لهم بقوله إلا بالله
لتكون الحجة لله وهو مرتبة الجمع المستفاد من قوله تعالى: ﴿وما رميت إذ رميت ﴾ [الأنفال.
١٧] كما يومىء إليه قوله عزَّ وجلَّ ﴿إياك نعبد وياك نستعين﴾ فتقربك به تعلقاً، أن تسقط
التدبير وتترك منازعة التقدير فإنه لا يقبل التغيير، ولا تحوم حول الدعوى، ولا تبالي من هموم
الدنيا، وتخلقاً أن تكون قوياً في ذات الله تعالى حتى لا تخاف في سبيل الله لومة لائم (المتين)
من المتانة والشدة ومرجع هذين إلى الوصف بكمال القدرة وشدة القوة فالله تعالى من حيث أنه
بالغ القدرة ودائمها قوي ومن حيث أنه شديد القوة متين وقيل المتين من المتانة وهي استحكام
الشيء بحيث لا يتأثر، أي هو الذي يؤثر ولا يتأثر والغالب الذي لا يغالب ولا يغلب ولا
يحتاج في قوّته إلى مادة وسبب. كما قال تعالى: ﴿إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين ﴾
[الذاريات - ٥٨] وهو تعالى إن أراد إهلاك عبد أهلكه بيده أما ذبحاً، وخنقاً، وإما حرقاً،
وغرقاً، ولهذا قال الأستاذ أبو علي الدقاق: خف من لا يحتاج إلى عون عليك بل لو شاء
(١) أخرجه أحمد في المسند ١٥٦/٥.

١٩١
كتاب الدعوات/ باب أسماء الله تعالى
الوَلِيُّ، الحَميدُ،
إتلافك أخرجك عن نفسك حتى يكون هلاكك على يديك وأنشد:
* إلى حتفي أرى قدمي أراق دمي *
وحظك منه أن تكون معتمداً عليه ومستنداً إليه (الولي) أي المحب لأوليائه الناصر لهم
على أعدائهم من أنفسهم وأهويتهم وما يدعوهم إلى غير لقائه. قال تعالى: ﴿والله ولي
المتقين﴾ [الجاثية - ١٩] ﴿وهو الولي الحميد﴾ [الشورى - ٢٨] وقيل معناه المتولي لأمور
جميع خليقته يفعل فيهم ما يشاء بحكمته ويحكم ما يريد بعزته، أو لأمور عباده من عباده
المختصين باجتبائه وإسعاده لقوله تعالى: ﴿الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى
النور﴾ [البقرة - ٢٥٧]. وحظك منه أنك إذا عرفت أنه ولي المؤمنين لم تتول غيره وغير من
يحبه لقوله تعالى: ﴿ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون﴾ [المائدة .
٥٦] فتحقق بدرجة الولاية الخاصة المشار إليها بقوله عزَّ وجلَّ: ﴿ألا أن أولياء الله لا خوف
عليهم ولا هم يحزنون الذين آمنوا وكانوا يتقون﴾ [يونس - ٦٢ . ٦٣] ومن كلام القشيري: من
أمارات ولايته تعالى لعبده أن يديم توفيقه حتى لو أراد سوءاً، أو قصد محظوراً عصمه عن
ارتكابه ولو جنح إلى تقصير في طاعته أبى ألا توفيقاً له وتأييداً. وهذا من أمارات السعادة
وعكس هذا من أمارات الشقاوة ومن أمارات ولايته أن يرزقه مودة في قلوب أوليائه. فإن الله
ينظر إلى قلوب أوليائه في كل وقت فإذا رأى في قلوبهم لعبد محلاً ينظر إليه باللطف. وإذا
رأى همة ولي من أوليائه لشأن عبد، أو سمع دعاء ولي في شأن شخص يأبى إلا الفضل
والاحسان إليه. أجرى بذلك سنته الكريمة وسمعت الشيخ أبا علي الدقاق [رحمه الله] يقول لو
أن ولياً من أولياء الله مر ببلدة لنال بركة مروره أهل تلك البلدة حتى يغفر الله لهم. ومن
خصوصيات الولاية، إن أهلها منزهون عن الذل. قال تعالى: ﴿ولم يكن له ولي من الذل ﴾
[الإسراء - ١١١] فأولياء الله تعالى دائماً مستغرقون في عزّ مولاهم في دنياهم، وأخراهم - رضي
الله عنهم - وجعلنا منهم بمنه وكرمه (الحميد) أي المحمود المستحق للثناء فإنه الموصوف بكل
كمال، والمولى لكل نوال، المشكور بكل فعال، فهو المحمود المطلق. قال تعالى: ﴿وإن من
شيءٍ إلا يسبح بحمده﴾ [الإسراء - ٤٤] ببيان المقال، أو بلسان الحال. وقيل حمد الله عزَّ
وجلَّ نفسه بالثناء الذي يليق به أزلاً، ويحمده عباده ألهمهم به أبداً. فهو المستحق للحمد
سرمداً. بل في الحقيقة هو الحامد وهو المحمود كما يدل عليه صيغة الفعيل. المحتمل أن
يكون بمعنى الفاعل والمفعول ولذا قال أحمد الحامدين: سبحانك لا أحصى ثناء عليك أنت
كما أثنيت على نفسك . وحظك منه كما قال صاحب الحكم: المؤمن يشغله الثناء على الله عن
أن يكون لنفسه شاكراً، وتشغله حقوق الله عن أن يكون لحقوقه ذاكراً، فتقربك به تعلقاً كثرة
حمدك له في جميع الأحوال وتخلقاً بأن تجتهد في التحلي بمحامد الصفات، والأفعال. قال
القشيري: حمد العبد لله تعالى الذي هو شكره ينبغي أن يكون على شهود المنعم لأن حقيقة
الشكر هي الغيبة بشهود المنعم عن شهود النعمة. وقيل إن داود عليه - الصلاة والسلام - قال:
في مناجاته إلهي كيف أشكرك وشكري لك نعمة منك عليّ. فأوحى الله إليه إنك الآن قد

١٩٢
اجعلارية الجد
کتاب الدعوات/ باب أسماء الله تعالى
المُحصي، المُبْدىءُ، المُعيدُ،
شكرتني. ومن هنا قيل العجز عن الشكر شكر. كما قيل العجز عن درك الإدراك إدراك. ثم
كم من عبد يتوهم أنه في نعمة يجب عليه شكرها، وهو على الحقيقة في محنة يجب عليه
الصبر عنها. فإن حقيقة النعمة ما يوصلك إلى المنعم. لا ما يشغلك عنه فالنعمة لا تكون إلا
دينية. نعم إذا كان معها راحات دنيوية فهو نور على نور، وسرور على سرور. ومنه دعاء السيد
الشاذلي: اللهم يسر أمورنا مع الراحة لقلوبنا وأبداننا. ثم إن وجد التوفيق للشكر بصرف النعمة
فيما خلقت له فيها ونعمت. وإلا انقلبت المنحة محنة. ولذا فسر البلاء بالنعمة والنقمة في قوله
تعالى: ﴿في ذلكم بلاء من ربكم عظيم﴾ [الأعراف - ١٤١] وقال عزَّ وجلَّ ﴿وننزل من القرآن
ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا ﴾ [الإسراء - ٨٢] فهو كالنيل ماء
للمحبوبين ودماء للمحبوبين (المحصي) أي العالم الذي يحصي المعلومات ويحيط
بالموجودات إحاطة العاد بما يعد. والضابط بما يضبطه إجمالاً، وتفصيلاً. والعبد وإن أمكنه
أحصاء بعض الممكنات، والوصول إلى بعض المعدودات، لكنه يعجز عن إحصاء أكثرها
وضبط غاليها. فجهله، أكثر من علمه. ولذا قال تعالى: ﴿وما أوتيتم من العلم إلا قليلا ﴾
[الإسراء - ٨٥] فينبغي له أن يحصي ما قدر عليه من أعمال نفسه قبل أن يحصي ويتلافى مقابح
أعماله قبل أن يستقصي. وقيل معناه القادر الذي لا يشذ عنه شيء من المقدورات فمرجعه إلى
صفة العلم أو القدرة. وحظك منه أن لا يقع منك غفلة في سكون وحركة ولحظة ولمحة.
وتقربك منه تعلقاً أن تحاسب نفسك في جميع أنفاسك بأن لا يوجد فيها نفس إلا في طاعة.
لما ورد: أنه ليس يتحسر أهل الجنة إلا على ساعة مرت بهم ولم يذكروا الله فيها. ولما قيل
الدنيا ساعة فاجعلها طاعة. وتخلقاً أن تتكلف عدا النعم التي أوصلها إليك لتعرف عجزك عن
شكر ما عليك. قال تعالى: ﴿وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها﴾ [إبراهيم - ٣٤] أي لا تطيقوا
عدها فضلاً عن شكرها. رؤي بعضهم أنه يعد تسبيحاً له. فقيل له أتعد عليه: قال: لا، ولكن
أعد له، فيجب أن يراعي أيامه، ويعد آثامه، فيشكر جميل ما يوليه، ويتعذر عن قبيح ما يأتيه،
ويذكر الأيام الخالية عن الطاعات، ويتأسف على الأزمنة الماضية في الغفلات. وقد قيل لا
أنفس من الوقت إذ ما من نفيس غيره إلا ويمكن تعويضه بخلافه. ومن المشهور قولهم الوقت
سيف قاطع. والوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك إن لم تقطعه بالعبادة قطعك بالبطالة.
وقولهم: الصوفي ابن الوقت وأبو الوقت. والفرق بينهما دقيق وبغير هذا المحل حقيق
(المبدىء) بالهمزة ويجوز إبداله وقفاً. وهو المظهر للكائنات من العدم إلى الوجود من باب
الكرم والجود فهو بمعنى الخالق أو هو المنشىء للأشياء ومخترعها من غير مثال سبق وهو
الأنسب بمقابلة قوله (المعيد) أي الذي يعيد الخلق بعد الحياة إلى الممات في الدنيا، وبعد
الممات إلى الحياة في الأخرى. وقال الطيبي: وهو المعيد للمحدثات بعد انعدام جواهرها
وأعراضها، خلافاً لمن قال الإعادة خلق مثله لا إعادة عينه. وذلك إذا كان مقدوراً قبل أن خلقه
فإذا عدم بعد وجوده أعاد إلى ما كان قبله عليه ويجوز أن تكون الإعادة جمع الأجزاء المتفرقة
من المكلفين فإذا بعث الخلق وحشرهم فقد أعادهم اهـ. واختلف في كيفية الإعادة فذهبت
٠٠.بيفور

١٩٣
کتاب الدعوات/ باب أسماء الله تعالى
المُحيي، المُميتُ،
٠ جون
طائفة من الكرامية إلى أن الجواهر لا تنعدم بل تتفرق ثم يجمعها الله سبحانه، ويؤلفها
على المنهاج الأوّل. والحق إنها تنعدم إلا بعضاً منصوصاً عليه ثم تعاد بعينها. الظاهر
قوله - عليه الصلاة والسلام - كل ابن آدم يفنى إلا عجب الذنب. والمسألة ظنية كما
صرح به الغزالي. وقال ابن الهمام: والحق إعادة ما انعدم بعينه وتأليف ما تفرق اهـ.
والظاهر أن هذا في حق غير الأنبياء، فإن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء،
وكذا الشهداء، فإنهم أحياء فالإعادة بالنسبة إليهم إعادة أرواحهم إلى أشباحهم. ثم قيل
أنهما اسم واحد لأن معنى الأوّل يتم بالثاني ومرجعهما إلى صفات الأفعال اهـ.
والمعنى أن بينهما تعلقاً لا يقبل الانفكاك نظير ما تقدم من الأسماء كالخافض. والرافع،
وكذا المعز، والمذل، والقابض والباسط، وشبيه ما سيأتي من الصفات المتقابلة كالمحيي
والمميت، والمقدم والمؤخر، فلا يرد أن قوله هما اسم واحد ينافي النص. وحظك
منهما أنك إذا شهدت أنه المبدىء المعيد رجعت في كل شيء إليه أوّلاً وثانياً، لأن كل
شيء منه بدأ وإليه يعود. وهو المقصود من ظهور كل موجود ففي كل شيء له شاهد *
يدل على أنه واحد وتقربك بهما تعلقاً بالتوجه إليه في كل مرمى والتعوّذ به من كل
مهوى وتخلقاً أن تعود بالنظر إلى البداية وترد النفس منها إلى الهداية. ولذا قيل النهاية
هي الرجوع إلى البداية (المحيي المميت) هما يرجعان إلى صفة الأفعال. قال تعالى:
﴿خلق الموت والحياة﴾ [الملك. ٢] ومنه قوله تعالى: ﴿ويحيي الأرض بعد موتها )
[الروم - ١٩] ﴿يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي﴾ [يونس. ٣١] وقرأ.
عليه السّلام - هذه الآية عند رؤية عكرمة بن أبي جهل عند تشرفه بالاسلام. إشارة إلى
أنه تعالى هو الذي يحيي القلوب بالايمان والاسلام والعلوم والمعارف، كما أنه يميتها
بالجهالة والضلالة واللهو والمعازف، ومنه قوله تعالى: ﴿ومن كان ميتاً فأحييناه ﴾
[الأنعام - ١٢٣] وقوله - عليه الصلاة السّلام -: ((مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكره مثل
الحي والميت. ومن كلامهم هو من أحياء قلوب العارفين بأنوار معرفته، وأرواحهم
بألطاف مشاهدته، وأمات القلوب بالغفلة، والنفوس بالشهوة. فهو تعالى خالق الحياة
ومديمها، ومقدر الموت الذي عديمها. ومن المجاز في هذا المعنى قوله - وَلـ ـ («الحمد
لله الذي أحيانا بعدما أماتنا وإليه البعث والنشور)). وقال الطيبي: الأحياء خلق الحياة في
الجسم والأمانة إزالتها عنه. فإن قلت الموت عدم الحياة والعدم لا يكون بالفاعل. قلتُ
العدم الأصلي كذلك فأما العدم المتجدد فهو بالفاعل، ولكن الفاعل لا يفعل العدم وإنما
يفعل ما يستلزمه قال تعالى: ﴿وكنتم أمواتاً فأحياكم ثم يميتكم﴾ [البقرة - ٢٨] أسند
الموت الثاني إلى فعله دون الموت الأوّل. والمراد به العدم الأصلي وحظك منهما أن لا
تهتم بحياة ولا موت بل تكون مفوّضاً مستسلماً لأمره وقضائه وقدره قائلاً ما ورد من
قوله - عليه الصلاة والسّلام - ((اللهم أحيني ما كانت الحياة خير إليّ وتوفني إذا كانت
الوفاة خير إليّ واجعل الحياة زيادة لي في كل خير واجعل الموت راحة لى من كل
7
هوز

١٩٤
کتاب الدعوات/ باب أسماء الله تعالى
الحَيُّ، القَيُّومُ، الواجِدُ، الماجِدُ،
شر)). قال القشيري - رحمه الله -: من أقبل عليه الحق أحياه ومن أعرض عنه أماته وأفناه
ومن قربه أحياه ومن غيبه أماته وأفناه ثم أنشد:
أموت إذا ذكرتك ثم أحيا
فكم أحيا عليك وكم أموت
(الحي) أي ذو الحياة الأزلية والأبدية. وهو الفعال الدارك. قال الطيبي: ذهب أكثر
أصحابنا والمعتزلة إلى أنها صفة حقيقية قائمة بذاته، لأجلها صح لذاته أن يعلم ويقدر، وذهب
آخرون إلى أن معناها أنه لا يمتنع منه أن يعلم ويقدر هذا في حقه تعالى. وأما في حقنا فعبارة
عن اعتدال المزاج المخصوص بجنس الحيوان وقيل هي القوة التابعة له المعدة لقبول الحس
والحركة الإرادية. وحظ العبد منه أن يصير حياً بالله حتى لا يموت لأن أولياء الله لا يموتون
ولكن ينتقلون من دار إلى دار كما قال تعالى: ﴿ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل
أحياء عند ربهم﴾ [آل عمران - ١٦٩] الآية قال القشيري: وإذا علم العبد أنه تعالى حي لا
يموت وعالم وقدير صح توكله عليه. ولذا قال تعالى: ﴿وتوكل على الحي الذي لا يموت ﴾
[الفرقان - ٥٨] لأن من اعتمد على مخلوق واتكل عليه ليوم حاجته احتمل وفاته وقت حاجته
إليه فيضيع رجاؤه وأمله لديه. وحينئذ فتقربك به تعلقاً أن تكون بين يديه كالميت بين يدي
الغاسل وتخلقاً أن تحيي القلوب بأنوار معرفتك والأرواح بأسرار مشاهدتك (القيوم) أي القائم
بنفسه المقيم لغيره فهو على العموم والاطلاق لا يصح إلا الله تعالى فإن قوامه بذاته لا يتوقف
بوجه ما على غيره وقوام كل شيء به إذ لا يتصوّر للأشياء وجود ودوام إلا بوجوده تعالى.
وللعبد فيه مدخل بقدر استغنائه عما سوى الله وإمداده للناس وكان مفهومه مركباً من نعوت
الجلال وصفات الأفعال. قال القشيري: من عرف أنه القيوم استراح عن كد التدابير وتعب
الاشتغال، وعاش براحة التفويض، فلم يضن بشيء بتكريمه ولم يجعل في قلبه للدنيا كثرة
قيمة. وهو فيعول للمبالغة كالديوم. قال السهروردي: قيوم لا يعتريه الزيادة والنقصان والتغير
فالزيادة لقصور عن الغاية والنقصان لتخلف عن النهاية، وهو خالق الغايات والنهايات.
(الواجد) بالجيم أي الذي يجد كل ما يريده ويطلبه ولا يفوته شيء. وقيل معناه الغنى مأخوذ
من الوجد. قال تعالى: ﴿أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم ﴾ [الطلاق - ٦] كذا ذكره
الطيبي. وظاهره أن المعنى الثاني أعم من الأوّل وأما قول ابن حجر: وهذا مرادف للمعنى
الأوّل لا مغاير له خلافاً لما يوهمه كلام الشارح. فوهم منه وسهو عنه. قال القشيري: الوجد
عند القوم ما يصادفونه من الأحوال من غير تكلف ولا تطلب. قال الثوري: الوجد لهيب ينشأ
في الأسرار وينسلخ عن الشوق فتضطرب الجوارح طرباً أو حزناً عند ذلك الوارد. وقيل الوجد
وجود نسيم الحبيب كقوله تعالى: ﴿إني لأجد ريح يوسف﴾ [يوسف. ٩٤] قلت: وكما هو
المشهور على السنة الصوفية وإن لم أره في الكتب الحديثية وإني لأجد نفس الرحمن من قبل
اليمن والله أعلم (الماجد) من المجد وهو سعة الكرم ونهاية الشرف. قال ابن حجر: هو بمعنى
المجيد إلا أن في المجيد مبالغة ليست في هذا من المجد اهـ. وفيه من الإيهام ما لا يخفى
والتحقيق أن صفاته في غاية من الكمال سواء تكون بصيغة المبالغة كمجيد، وعليم، أو لا

م مجرد ٪
١٩٥
كتاب الدعوات/ باب أسماء الله تعالى
الواحِدُ، الأحَدُ،
كماجد وعالم. نعم ما ذكر إنما هو باعتبار المبنى لا من حيثية أصل المعنى. بقي أن
ظاهره للتكرار والمحققون لا يرضون بذلك والذي خطر ببالي أن نكتة إعادته أنه مقابل
للاسم الذي قبله. ولذا ورد أنه - پے ـ رأی جبريل متشبئاً بأستار الكعبة قائلاً یا واجد يا
ماجد لا تزل عني نعمة أنعمت بها عليّ. (الواحد) وفي نسخة بزيادة الأحد بعده. قال
الطيبي: في جامع الأصول لفظ الأحد بعد الواحد ولم يوجد في جامع الترمذي،
والدعوات للبيهقي، ولا في شرح السنة، ومعنى الواحد، إنه لا يتجزأ في ذاته ولا نظير له
في صفاته وليس له شريك في فعاله ١ هـ. وقال بعض شراح المصابيح: الواحد المتفرد
بالذات لا شريك له والاحد المتفرد بالصفات لا يشاركه أحد في صفاته. وقيل الوحدة
تطلق ويراد بها عدم التجزئة والانقسام ويكثر إطلاق الواحد بهذا المعنى، وقد يطلق بإزاء
التعدد والكثرة ويكثر إطلاق الأحد بهذا المعنى. والله سبحانه وتعالى من حيث أنه متعال
عن أن يكون له مثل فيتطرق إلى ذاته التعدد والاشتراك أحد، ومن حيث أنه منزه عن
التركيب والمقادير لا يقبل التجزئة والانقسام واحد. وهذا القول أظهر والله أعلم. قال
الطيبي: الواحد والأحد مأخوذان من الوحدة فإن أصل أحد وَحَد بفتحتين فأبدلت الواو
همزة والفرق بينهما من حيث اللفظ من وجوه، الأوّل أن أحداً لا يستعمل في الاثبات
على غير الله. فيقال الله أحد. ولا يقال زيد أحد. كما يقال زيد واحد. وكأنه بنى لنفي ما
يذكر معه من العدو. والثاني: أن نفيه يعم ونفي الواحد قد لا يعم، ولذا صح أن يقال
ليس في الدار واحد بل فيها اثنان. ولا يصح ذلك في أحد. والثالث: أن الواحد يفتح به
العدد فيقال واحد اثنان ثلاث الخ ولا كذلك أحد. فلا يقال أحد اثنين. والرابع: أن
الواحد يلحقه التاء بخلاف الأحد. والفرق بينهما من حيث المعنى أيضاً من وجوه. الأوّل:
أن أحداً من حيث البناء أبلغ من واحد لأنه من الصفات المشبهة التي بنيت لمعنى الثبات.
والثاني: أن الوحدة تطلق ويراد بها عدم التجزئة تارة، ويراد بها عدم التثني والنظير أخرى،
كوحدة الشمس. والواحد يكثر إطلاقه بالمعنى الأوّل والأحد يغلب استعماله في المعنى
الثاني: ولذا لا يجمع أحد. قال الأزهري: سئل أحمد بن يحيى عن الآحاد أنه جمع أحد
فقال معاذ الله ليس للأحد جمع. ولا يبعد أن يقال أنه جمع واحد كالاشهاد في جمع
شاهد ولا يفتح به العدد وإليه أشار من قال الواحد، للوصل والأحد للفصل فمن الواحد
وصل إلى عباده ما وصل من النعم ومن الأحد فصل منهم ما فصل من النقم - قلت:
ولعل هذا وجه الاكتفاء به في هذا المقام لأن فصل النقم يندرج في وصل النعم(١).
والثالث: ما ذكره بعض المتكلمين وهو أن الواحد باعتبار الذات، والأحد باعتبار الصفات،
يعني باعتبار أنه لا نظير له ولا شبيه في صفاته ويمكن أن يكون هذا سبب عدم ذكره لأنه
بظاهره ينافي تعدد الأسماء وغلب عليه الواحد باعتبار المعنى للاكتفاء، وحظ العبد أن
(١) في المخطوطة ((لأنعام)).
/١

١٩٦
كتاب الدعوات/ باب أسماء الله تعالى
الصَّمَدُ، القادِرُ، المُقتدرُ،
يغوص لجة التوحيد، ويستغرق في بحر التفريد حتى لا يرى من الأزل إلى الأبد غير
الواحد الأحد. قال القشيري: التوحيد ثلاثة توحيد الحق تعالى نفسه، وهو علمه بأنه واحد
وكذا أخباره - قلت: كقوله تعالى: ﴿شهد الله أنه لا إله إلا هو﴾ [آل عمران - ١٨].
وتوحيد الحق للعبد وهو إعطاؤه التوحيد له، والتوفيق به وقلت: وإليه الإشارة بقوله
تعالى: ﴿فاعلم أنه لا إله إلا الله﴾ [محمد - ١٩]. وتوحيد العبد للحق وهو أن لا يشرك
به شيئاً. قلت: وإليه الإشارة بقوله تعالى: ﴿هو الله الذي لا إله إلا هو﴾ [الحشر - ٢٢]
وقال الجنيد التوحيد إفراد القدم من الحدث. وقيل التوحيد إسقاط الإضافات بنور الخلق
لظهور الحق. وحظك منه أن تفرد قلبك له لقوله - وَ ﴾ . ((أن الله وتر يحب الوتر)). قبل
الوتر هنا القلب المنفرد له تعالى قال الشاعر:
إذا كان من تهواه في الحسن واحداً
فكن واحداً في الحب إن كنت تهواه
(الصمد) أي السيد انتهى إليه السؤدد وقيل الذي لا جوف له فهو الذي يُطعِم ولا يُطعَم.
وقيل هو المنزه عن أن يعرض له حاجة أو يعتريه آفة. وقيل الباقي الذي لا يزول. وقيل
الدائم. وقيل غير ذلك. وقيل الذي يصمد إليه في الرغائب، ويقصد إليه في النوائب، وهو
المعتمد. ومن كان يقصده الناس فيما يعن لهم من مهام دينهم ودنياهم فله حظ من الوصف،
ومن رسخ في التوحيد وصار متصلباً في الدين لا يتزلزل بتقادم الشبهات، وتعاقب البليات، فقد
حظي منه. قال القشيري . رحمه الله . من حق من عرفه بهذا الوصف إن يعرف نفسه بالفناء
والزوال وشد الارتحال ويلاحظ الكون بعين الفناء والانتقال فيزهد في حطامها ولا يرغب في
حلالها فضلاً عن حرامها. ومن حق(١) من يعرف أنه يُطعِم ولا يطُعَم أن يوجه رغباته عند مآربه
إليه، ويصدق توكله في جميع حالاته. فلا يهتم في رزقه وكما أنه لم يستعن بأحد من خلقه
كذلك لا يشاركه في رزقه، وإذا عرف إنه يصمد إليه في الحوائج شكا إليه حاجته وفاقته ورفع
إليه وتعلق بجميل تصرفه وتقرب بصنوف توسله (القادر المقتدر) معناهما ذو القدرة (٢) إلا أن
المقتدر أبلغ لما في البناء من معنى التكلف والاكتساب فإن من ذلك وإن امتنع في حقه تعالى
حقيقة لكنه يفيد المعنى مبالغة. فمن قال باستواء الاسمين في المعنى المراد لأن المراد بهما
البالغ في القدرة . وأما قول ابن حجر زعم استواء الاسمين في المعنى المراد بعيد فبعيد. لأن
الكرم في المعنى والإختلاف في المبنى مع إنه ذكر بنفسه إن معنى التكلف والاكتساب مستحيل
في حقه تعالى فبين كلاميه مناقضة ظاهرة. وقيل المراد من وصفه تعالى بهما نفي العجز عنه
فيما يشاء ويريد ومحال أن يوصف بالقدرة المطلقة غير الله تعالى وإن أطلق عليه لفظاً. قال
الطيبي: ومن حقهما أن لا يوصف بهما مطلقاً غير الله فإنه القادر بالذات والمقتدر على جميع
الممكنات وما عداه فإنما يقدر بأقداره على بعض الأشياء في بعض الأحوال فحقيق به أن لا
(١) في المخطوطة ((ان)).
(٢) في المخطوطة ((القوة)).
٠٠

١٣٠
١٩٧
كتاب الدعوات/ باب أسماء الله تعالى
المُقدِّمُ، المُؤَخّرُ، الأوَّلُ، الآخِرُ، الظَّاهرُ، الباطِنُ، الوالي، المُتعالي، البَرُّ، التَّوَّابُ،
يقال له إنه قادر إلا مقيداً أو على قصد التقييد (المقدم المؤخر) معناهما هو الذي يقرب ويبعد
ومن قربه فقد قدمه ومن بعده فقد أخره. وقيل هو الذي يقدم الأشياء بعضها على بعض إما
بالذات كتقديم البسائط على المركبات، وإما بالوجود كتقديم الأسباب على المسببات، أو
بالشرف والقربة كتقديم الأنبياء والصالحين على من عداهم، أو بالمكان كتقديم الأجسام العلوية
على السفلية، أو بالزمان كتقديم الأطوار والقرون بعضها على بعض. ومن كلام بعض العارفين
المقدم من قدم الأبرار بفنون المبار، والمؤخر من أخر الفجرة وشغلهم بالاغيار. وحظ العبد
منه أن يهم بأمره فيقدم الأهم فالأهم وأن يكون بين الخوف والرجاء (الأوّل) أي الذي لا بداية
لأوّليته (الآخر) أي الباقي بعد فناء خليقته ولا نهاية لآخريته فمنه الأمر يداً وإليه يعود وهو
المقصود في مراتب الوجود (الظاهر الباطن ) أي الذي ظهر ظاهر وجوده بالآيات الباهرة
واحتجب كنه ذاته عن العقول الماهرة. وقيل الظاهر الذي ظهرت شواهد وجوده بخلق
السموات والأرض وما بينهما. وقيل هو الذي ظهر فوق كل شيء وعلا عليه. وقيل هو الذي
عرف بطريق الإستدلال العقلي بما ظهر من آثار افعاله وأوصافه والباطن هو المحتجب عن بصر
الخلق ونظر العقل بحجب كبريائه، فلا يدركه بصر ولا يحيط به وهم. وقيل هو العالم بما
بطن يقال بطنت الأمر إذا عرفت باطنه وقبل الظاهر بنعمته الباطن برحمته. وقيل الظاهر لقوم
فلذلك وحدوه والباطن عن قوم فلذلك جحدوه. وقيل الأوّل قبل كل شيء والآخر بعد كل
شيء والظاهر بالقدرة والباطن عن الفكرة. وقيل الأوّل بلا مطلع والآخر بلا مقطع والظاهر بلا
اقتراب والباطن بلا احتجاب. ولعل الأتيان بها في الآية بالواو العاطفة إشارة إلى المرتبة
الجمعية وإشعارا برفع وهم التناقضية ولذا قال بعضهم: إنما خفي تعالى مع ظهوره لشدة ظهوره
فظهوره سبب لبطونه ونوره حجاب نوره وكل ما جاوز عن حده انعكس على ضده وفي الحكم
أظهر وجود كل شيء لأنه الباطن وطوى وجود شيء إلا أنه الظاهر (الوالي) أي الذي تولى
الأمور وحكمها بالأحزان والسرور (المتعالي) بمعنى العلي بنوع من المبالغة وقيل البالغ في
العلوّ والمرتفع عن النقائص (البر) أي المحسن البالغ في البر والإحسان. قال القشيري . رحمه
الله . من كان الله تعالى باراً به عصم عن المخالفة نفسه وأدام بفنون اللطائف أنسه وطيب فؤاده
وحصل مراده وجعل التقوى زاده وأغناه عن أشكاله بافضاله وحماه عن مخالفته بيمن أقباله فهو
ملك لا يستظهر بجيش وعدد وغنى لا يتموّل بمال وعدد وفي الحكم متى أعطاك أشهدك بره
ومتى منعك أشهدك قهره فهو في كل ذلك يتعرف إليك ويقبل بوجود لطفه عليك (التوّاب) أي
الذي يرجع بالانعام على كل مذنب رجع إلى التزام الطاعة بقبول توبته من التوب وهو الرجوع.
وقيل هو الذي ييسر للمذنبين أسباب التوبة ويوفقهم لها فسمى المسبب للشيء باسم المباشر
له. وقيل الذي يقبل توبة عباده مرة بعد أخرى. ومن حظ العبد منه أن يكون واثقاً بقبول
التوبة، غير آيس من نزول الرحمة، ويصفح عن المجرمين، ويقبل عذر المعتذرين. قال
القشيري: توبة الله على العبد توفيقه للتوبة. ابتداء التوبة وأصلها من الله وكذلك إتمامها على
الله تعالى ونظامها بالله نظامها في الحال وتمامها في المآل ولولا أن الله يتوب على العبد متى
تهوم
دجبة
جون

١٩٨
كتاب الدعوات/ باب أسماء الله تعالى
المُنْتَقِمُ، العَفُوُّ، الرَّؤوفُ، مالكُ، المُلْكِ، ذُو الجَلالِ والإِكرام، المُقسِطُ، الجامِعُ،
حسسي
٢٧:
كان للعبد توبة قال تعالى: ﴿ثم تاب عليهم ليتوبوا﴾ [التوبة. ١١٨] (المنتقم) أي المعاقب
للعصاة على مكروهات أفعالهم افتعال من نقم الشيء إذا كرهة غاية الكراهة وهو لا يحمد من
العبد إلا إذا كان انتقامه الله ومن أعداء الله وأحق الأعداء بالانتقام نفسه فينتقم منها مهما فارقت
معصية أو تركت طاعة بأن يكلفها خلاف ما حملها عليه (العفوّ) فعول من العفو وهو الذي
يمحو السيئات ويتجاوز عن المعاصي وهو أبلغ من الغفور لأن الغفران ينبىء عن الستر والعفو
ينبىء عن المحو وأصل العفو القصد لتناول الشيء سمى به المحو لأنه قصد لازالة المحوّ.
قال، القشيري: من عرف أنه تعالى عفوّ ومن طلب عفوه وتجاوز عن خلقه فإن الله تعالى بذلك
أدبهم وإليه ندبهم بقوله ﴿وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم ﴾ [النور. ٢٢]
(الرؤوف) أي ذو الرأفة وهي شدة الرحمة وهو أبلغ من الرحيم بمرتبة ومن الراحم بمرتبتين كذا
ذكره الطيبي. وصحف ابن حجر الراحم بالرحمن واعتراض عليه بقوله وهو عجيب من الشارح
لأنه إنما يأتي على إن الرحيم أبلغ من الرحمن وهو قول ليس بمشهور حكي إن انساناً تجنب
عن الصلاة على جار له مات لكونه كان شريرا فرؤى في المنام فقيل له ما فعل الله بك قال غفر
لي وقال قل لفلان لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربي إذا لامسكتم خشية الإنفاق (مالك الملك)
هو الذي ينفذ مشيئته في ملكه يجري الأمور فيه على ما شاء إيجاد واعداماً وابقاء وإفناء لامردّ
لقضائه ولا معقب لحكمه. قال الشاذلي: قف بباب واحد لا ليفتح لك الأبواب واخضع لملك
واحد لا ليخضع لك الرقاب. قال تعالى: ﴿وإن من شيء إلا عندنا خزائنه﴾ [حجر.٢١] (ذو
الجلال والأكرام) قيل هو الذي لا شرف ولا كمال إلا هو له ولا كرامة ولا مكرمة إلا وهي منه
فالجلال له في ذاته والاكرام منه فائض على مخلوقاته وفي الحديث ((الظوابيا ذا الجلال
والاكرام)»(١). قيل لأنه الاسم الأعظم الذي إذا دعى به أجاب (المقسط) يقال قسط إذا جارو
منه قوله تعالى: ﴿وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطباً﴾ [الجن. ١٥] وأقسط إذا عدل وأزال
الجور فهو الذي ينتصف للمظلومين من الظالمين ويدفع بأس الظلمة عن المستضعفين ومنه قول
تعالى: ﴿إن الله يحب المقسطين﴾ [الحجرات. ٩] وأما قوله تعالى: ﴿وأقيموا الوزن بالقسط
﴾ [الرحمان. ٩] أي بالعدل فهو اسم مصدر لا قسط لا مصدر لقسط لتضادّ معناهما (الجامع)
أي الذي جمع بين أشتات (٢) الحقائق المختلفة والمتضادة متجاورة ومتمازجة في الأنفس
والآفاق وقيل الجامع الأوصاف الحمد والثناء وأقول هو كما قال جامع الناس ليوم لا ريب فيه
فمن جمع بين العلم والعمل ووافق الكمالات النفسانية (٣) بالآداب الجسمانية فله حظ من
ذلك. وقال القشيري: وقد يجمع اليوم قلوب أوليائه إلى شهود تقديره حتى يتخلص من أسباب
التفرقة فيطيب عيشه اذ لا راحة للمؤمن دون لقاء الله فلا يرى الوسائط ولا ينظر إلى الحادثات
١٠٢٦/٥٠٠
وبين:١
(١) أخرجه الترمذي في السنن الحديث رقم ٣٥٢٥.
(٢) في المخطوطة ((أسباب)).
(٣) في المخطوطة ((النفسية)).

١٩٩
کتاب الدعوات/ باب أسماء الله تعالى
الغَنيُّ، المانِعُ، الضَّارُّ، التَّفِعُ، النُّورُ، الهادِي،
بعين التقدير فإن كان نعمة علم إن الله هو المعطي لها ومنحيها وإن كان شدة علم إن الله
الكاشف لها ومزيحها (الغني) أي المستغني بذاته وصفاته عن كل شي في كل شيء . قال
تعالى: ﴿يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني﴾ [فاطر. ١٥] الحميد (المغني) أي
الذي يغني من يشاء من عباده بما شاء. وقيل هو الذي أغنى خواص عباده عما سواه بأن لم يبق
لهم حاجة الإ إليه. قال القشيري: إن الله يغني عباده بعضهم عن بعض على الحقيقة لأن
الحوائج لا تكون إلا إلى الله فمن أشار إلى الله ثم رجع عند حوائجة الى غير الله ابتلاه الله
بالحاجة إلى الخلق ثم ينزع الرحمة من قلوبهم ومن شهد محل افتقاره إلى الله فرجع إليه بحسن
العرفان أغناه الله من حيث لا يحتسب، وأعطاء من حيث لا يرتقب، وأغناء الله العباد على
قسمين: فمنهم من يغنيه بتنمية أمواله ومنهم من يغنيه بتصفية أحواله وهذا هو الغني الحقيقي
(المانع) أي الدافع لأسباب الهلاك والنقصان في الأبدان والأديان وقيل هو من المنعة أي يحوط
أولياءه وينصر أصفياءه وقيل من المنع أي يمنع من يستحق المنع ومنه قوله عليه الصلاة والسلام
(لا مانع لما أعطى ولا معطي لما منع))(١). وقال ابن عطاء: ربما أعطاك فمنعك وربما منعك
فأعطاك (٢). قال ابن حجر وفي رواية المعطي المانع. قال القشيري: المانع في وصفه تعالى
يكون بمعنى منع البلاء عن أوليائه، ويكون بمعنى منع العطاء عمن شاء من أوليائه وأعدائه وقد
يمنع المنى والشهوات عن نفوس العوام ويمنع الارادات والاختيارات عن قلوب الخواص وهو
من أجل النعم التي يخص بها عباده المقربين ويكرم به أولياءه العارفين (الضار النافع) هما
بمنزلة وصف واحد وهو القدرة الشاملة للضر والنفع أو خالق الضر والنفع أو الذي يصدر عنه
النفع والضر أما بوسط أو بغير وسط. قال القشيري: وفي معنى الوصفين إشارة إلى التوحيد
وهو إنه لا يحدث شيء في ملكه إلا بايجاد وحكمته وقضائه وارادته ومشيئته فمن استسلم
لحكمه فهو عائش في الراحة ومن آثر اختيار نفسه وقع في كل آفة. وقد ورد عن الحق تعالى
أنه قال: أنا الله لا إله إلا أنا من استسلم لقضائي وصبر على بلائي وشكر على نعمائي كان
عبدي حقاً ومن لم يستسلم لقضائي ولم يصبر على بلائي ولم يشكر على نعمائي فليطلب رباً
سواي (النور) أي الظاهر بنفسه المظهر لغيره. وقيل هو الذي يبصر بنوره ذو العماية. قال
القشيري: في قوله تعالى: ﴿الله نور السموات والأرض﴾ [النور. ٣٥] ينور الآفاق بالنجوم
والقلوب بفنون المعارف وصنوف العلوم والأبدان بآثار الطاعات لإن العبادة زينة النفوس
والأشباح والمعارف زينة القلوب والأرواح والتأييد بالموافقات نور الظواهر والتوحيد
بالمواصلات نور السرائر وإن الله تعالى يزيد قلب العبد نورا على نور قوله: ﴿يهدي الله لنوره
من يشاء﴾ [النور. ٣٥] أي يهدي الله القلوب إلى محاسن الأخلاق ينور الحق ويصطفيه ويترك
الباطل ويدع ما يستدعيه (الهادي) هو الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى خاصة خلقه إلى
Ben
هم مـ
i
، بهرپا ..
(١) أخرجه مالك في الموطأ ٢/ ٩٠٠ حديث رقم ٨ من كتاب القدر.
(٢) شرح الحكم العطائية ص ٧٧ حكمه رقم ٨٣.

٢٠٠
کتاب الدعوات/ باب أسماء الله تعالى
البَدِيعُ، الباقي، الوارِثُ،
١:٥٠
معرفة ذاته فاطلعوا بها على معرفة مصنوعاته فيكون أول معرفتهم بالله ثم يعرفون غيره به وهدى
عامة خلقه إلى مخلوقاته فأستشهدوا بها على معرفة ذاته وصفاته فيكون أول معرفتهم بالأفعال
ثم يرتفعون بها الى الفاعل فالثاني مريد والأوّل مراد والله رؤوف بالعباد وإلى المرتبة الأولى
الإشارة بقوله تعالى: ﴿أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد﴾ [فصلت. ٥٣] خطابا منه
عليه الصلاة والسلام وهو معرفة الأقوياء من خواص عباده الأصفياء وإليها الإيمان بقوله عرفت
ربي بربي ولولا ربي ما عرفت ربي . ولولا الله ما اهتدينا. وإلى الثانية الإشارة بقوله تعالى:
﴿سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم إنه الحق﴾ [فصلت. ٥٣] وبقوله عز
وجل ﴿أولم ينظروا في ملكوت السموات والأرض وما خلق الله من شيء﴾ [الأعراف. ١٨٥]
قال القشيري في قوله تعالى: ﴿يهديهم ربهم﴾ [يونس.٩] يكرم أقواما بما يلهمهم من جميل
الأخلاق ويصرف قلوبهم إلى ابتغاء ما فيه رضا الخلاق ویدلهم على استصغار قدر الدنيا حتى
لا يسترقهم ذل الطمع من الوقوف على غير باب المولى والهداية إلى أحسن الخلق ثاني الهداية
إلى إعتقاد الحق لأن الدين (١) صدق مع الحق وخلق مع الخلق (البديع) أي المبدع الذي أتى
بمعالم بسبق إليه فعيل بمعنى مفعل أو الذي أبدع الأشياء أي أوجدها من العدم أو هو الذي لم
يعهد مثله فالله هو البديع مطلقاً لأنه لا مثل له في ذاته ولا نظير له في صفاته. قبل من أمر
السنة على نفسه قولا وفعلاً ونطق بالحكمة ومن أمر الهوى على نفسه قولاً وفعلاً نطق بالبدعة .
وقال القشيري: أصول مذهبنا ثلاثة الأقتداء بالنبي وَ ل# في الأخلاق والأفعال والأكل من الحلال
وصدق المقال وإخلاص النية في جميع الأعمال وقال أيضاً من داهن مبتدعا سلب الله حلاوة
السنن من عمله ومن ضحك إلى مبتدع نزع الله الإيمان من قلبه (الباقي) أي الدائم الوجود الذي
لا يقبل الفناء. القشيري: حقيقة الباقي من له البقاء ولا يجوز أن يكون الباقي باقيا ببقاء غيره
ومما يجب إن تشتد به العناية أن يتحقق العبد أن المخلوق لا يجوز أن يكون متصفاً بصفات
ذات الحق تعالى. فلا يجوز أن يكون العبد عالما بعلم الحق، ولا قادرا بقدرته، ولا سميعا
بسمعه، ولا بصير ببصره، ولا باقيا ببقائه، لأن الصفة القديمة لا يجوز قيامها بالذات الحادثة.
كما لا يجوز قيام الصفة الحادثة بالذات القديمة وحفظ هذا الباب أصل التوحيد. وإن كثيرا
ممن لا تحصيل له ولا تحقيق زعموا أن العبد يصير باقيا ببقاء الحق سميعا بسمعه وبصيرا
ببصره وهذا خروج عن الدين، وانسلاخ عن الإسلام. بالكلية وربما تعلقوا في نصرة هذه
المقالة الشنيعه بما روي في الخبر ((فإذا أحببته كنت له سمعا وبصراً فبي يسمع وبي يبصر)) ولا
احتجاج لهم في ظاهره إذ ليس فيه أنه يسمع بسمعي ويبصر ببصري بل قال بي يسمع وبي
يبصر. قال النصراباذي: الله تعالى باق ببقائه والعبد باق بإبقائه ولقد حقق رحمة الله وحصل
وأخذ عن كمية المسألة وفصل (الوارث) الباقي بعد فناء العباد وخراب البلاد حين يقول لمن
الملك اليوم لله الواحد القهار قال تعالى: ﴿إنا نحن نرث الأرض ومن عليها﴾ [مريم. ٤٠]
(١) في المخطوطة ((الدنيا)).
١٠
مے
1-