Indexed OCR Text

Pages 421-440

٤٢١
كتاب الصوم/ باب في مسائل متفرقة من كتاب الصوم
١٩٨٨ - (٧) وعن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ الله وَّرِ: ((إِذا سمِعَ النّداءَ أحدُكم
والإِناءُ في يدِهِ، فلا يضعْهُ حتى يقضيَ حاجته منه)).
لرمضان نية لتعينه وعدم انعقاد غيره فيه قال ابن الهمام: روي هذا الحديث أصحاب السنن
الأربعة واختلفوا في لفظه لا صيام لمن لم ينو الصيام من الليل يجمع بالتشديد والتخفيف يبيت
ولا صيام لمن لم يفرضه من الليل رواية ابن ماجه واختلفوا في رفعه ووقفه والأكثر على وقفه،
ولنا ما في الصحيحين عن سلمة بن الأكوع أنه عليه الصلاة والسلام أمر رجلاً من أسلم أن أذن
في الناس أن من أكل فليصم بقية يومه، ومن لم يكن أكل فليصم فإن اليوم يوم عاشوراء وكان
يوم عاشوراء يصومه قريش في الجاهلية، وكان عليه الصلاة والسلام يصومه فلما قدم المدينة
صامه وأمر بصيامه فلما فرض رمضان، قال عليه الصلاة والسلام: من شاء صامه ومن شاء
تركه. قال الطحاوي: فيه دليل على أنه كان أمر إيجاب قبل نسخة برمضان إذ لا يؤمر بإمساك
[من أكل] بقية اليوم، إلا في يوم مفروض الصوم بعينه ابتداء بخلاف قضاء رمضان، إذا أفطر
فيه فعلم أن من تعين عليه صوم يوم ولم ينوه ليلاً أنه تجزئة نيته نهاراً قال: ثم يجب تقديم ما
رويناه على مرويه لقوّة ما في الصحيحين بالنسبة إلى ما رواه بعد ما نقلنا فيه من الاختلاف في
صحة رفعه فيلزم إذ قدم كون المراد به نفي الكمال كما في أمثاله من نحو لا وضوء لمن لم
يسم وغيره كثير(١). اهـ. ملخصاً.
١٩٨٨ - (وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله وتلفون: إذا سمع النداء) أي أذان الصبح
(أحدكم والاناء) أي الذي يأكل منه أو يشرب منه (في يده) جملة حالية (فلا يضعه) أي الاناء
(حتى يقضي حاجته منه) أي بالأكل والشرب، وهذا إذا علم أو ظن عدم الطلوع وقال ابن
الملك: هذا إذا لم يعلم طلوع الصبح، أما إذا علم أنه قد طلع أوشك فيه فلا وقال الخطابي:
هذا مبني على قوله عليه الصلاة والسلام أن بلالاً يؤذن بليل، فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم
مكتوم، وفيه أنه لا يظهر حينئذ فائدة القيد. قال: أو يكون معناه أن يسمع النداء وهو شاك في
الصبح، لتغيم الهواء مثلا فلا يقع له العلم بأذانه أن الفجر قد طلع لعلمه أن دلائل الفجر
معدومة ولو ظهرت للمؤذن، لظهرت له أيضاً فأما إذا علم طلوعه فلا حاجة إلى أذان الصارخ
فإنه مأمور بالإمساك إذا تبين له الخيط الأبيض، من الخيط الأسود. وقال الطيبي: يشعر دليل
الخطاب بأنه لم يفطر إذا لم يكن الاناء في يده، وقد سبق أن تعجيل الافطار مسنون لكن هذا
من مفهوم اللقب، فلا يعمل به وتعقبه ابن حجر باب الصواب أنه ليس من مفهوم اللقب،
والتقييد بالجملة الحالية له مفهوم اتفاقاً. اهـ. يعني عند الشافعية وإلا فعند الحنفية لا اعتبار
بالمفهوم إلا في المسألة لا في الأدلة (٢)، وقال ابن حجر: تبعاً للطيبي إيماء ويصح أن يراد من
الحديث طلب تعجيل الفطر، أي إذا سمع أحدكم نداء المغرب وصادف ذلك أن الاناء في يده
(١) فتح القدير ٢/ ٢٣٧.
الحديث رقم ١٩٨٨ : أخرجه أبو داود في السنن ٧٦١/٢ حديث رقم ٢٣٥٠. وأحمد في المسند ٢/ ٥١٠.
(٢) متفق عليه.

٤٢٢
كتاب الصوم/ باب في مسائل متفرقة من كتاب الصوم
رواه أبو داود.
١٩٨٩ - (٨) وعنه، قال: قال رسولُ اللهِ وَله: ((قالَ اللَّهُ تعالى: أحبُّ عِبادي إِليَّ
أعجلُهمْ فِطراً)).
الحالة أخرى، فليبادر بالفطر منه. ولا يؤخر إلى وضعه وبهذا يندفع قول الشارح ووجه اندفاعه
أن قوله والاناء في يده ليس للتقييد بل للمبالغة في السرعة. اهـ. وهو في غاية من البعد مع أن
قوله لحاجة أخرى، يرده صريح الحديث حتى يقضي حاجته منه. فالصواب أنه قيد احترازي
في وقت الصبح مشعر بأن بالإمكان سرعة أكله وشربه لتقارب وقته، واستدراك حاجته
واستشراف نفسه وقوّة نهمته وتوجه شهوته بجميع همته مما يكاد يخاف عليه، إنه لو منع منه
لما امتنع فأجازه الشارع رحمة عليه وتدريجاً له، بالسلوك والسير إليه ولعل هذا كان في أوّل
الأمر ويشير إليه ما وقع من الخلاف في الصبح المراد في الصوم، فقد ذكر الشمني أن المعتبر
أوّل طلوع الصبح عند جمهور العلماء وقبل استنارته، وهو مروي عن عثمان وحذيفة وابن
عباس وطلق بن علي وعطاء بن أبي رباح والأعمش قال مسروق: لم يكونوا يعدون الفجر
فجركم، إنما كانوا يعدون الفجر الذي يملأ البيوت قال شمس الأئمة الحلواني: الأول أحوط
والثاني أرفق. اهـ. ولعل هذا الحديث مبني على الرفق والله [تعالى] أعلم ويؤيده لفظ التبين في
الآية قال ابن حجر: وأما ما نقل عن جمهور الصحابة أن المراد بالفجر في الآية الاسفار فهو
مما كاد الاجماع أن ينعقد على خلافه وأغرب منه، ما نقل عن الأعمش وإسحاق أنه يحل
تعاطي المفطر إلى طلوع الشمس قال النووي: وما أظن إن ما نقل عن هذين الإمامين، يصح
عنهما. اهـ. ولا يخفى إنه مخالف للنص وهو قوله تعالى: ﴿حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من
الخيط الأسود من الفجر﴾ [البقرة - ١٨٧] فالقائل بطلوع الشمس يكفر (رواه أبو داود) قال
ميرك: وسكت عليه هو والمنذري وقال الحاكم(١) صحيح على شرط مسلم.
١٩٨٩ - (وعنه) أي عن أبي هريرة (قال: قال رسول الله وَلقر: قال الله تعالى أحب عبادي
إليّ أعجلهم فطراً) أي أكثرهم تعجيلاً في الافطار لما قدمناه وقال الطيبي: ولعل السبب في
هذه المحبة المتابعة للسنة والمباعدة عن البدعة، والمخالفة لأهل الكتاب. اهـ. وفيه إيماء إلى
أفضلية هذه الأمة لأن متابعة الحديث توجب محبة الله تعالى: ﴿قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني
يحببكم الله﴾ [آل عمران - ٣١] وإليه الاشارة بالحديث الآتي لا يزال الدين ظاهراً: ما عجل
الناس الفطر لأن اليهود والنصارى يؤخرون وسببه والله [تعالى] أعلم أن هذه الملة الحنيفية
سمحاء سهلة ليس فيها حرج، ليسهل قيامهم بها والمداومة عليها ولذا قيل: عليكم بدين
العجائز، بخلاف أهل الكتاب فإنهم شددوا على أنفسهم، فشدد الله عليهم فغلبوا ولم يقدروا
أن يقيموا الدين وقال ابن الملك: ولأنه إذا أفطر قبل الصلاة يؤديها عن حضور قلب، وطمأنينة
نفس ومن كان بهذه الصفة فهو أحب إلى الله ممن لم يكن كذلك. اهـ. ولذا قيل الطعام
(١) الحاكم في المستدرك ٤٢٦/١.
الحديث رقم ١٩٨٩: أخرجه الترمذي في السنن / ٨٣ حديث رقم ٧٠٠. وأحمد في المسند ٣٢٩/٢.

٤٢٣
كتاب الصوم/ باب في مسائل متفرقة من كتاب الصوم
رواه الترمذي.
١٩٩٠ - (٩) وعن سَلمانَ بنِ عامرٍ، قال: قال رسولُ الله ◌َّهِ: ((إِذا أفطَرَ أحدُكم
فليُفطِرْ على تمرٍ، فإِنَّه بَرَكةٌ، فإِنْ لم يجِدْ فلْيُفطِرْ على ماءٍ، فإِنَّه طَهورٌ)). رواه أحمد،
والترمذي، وأبو داود، وابنُ ماجه، والدارميّ. ولم يذكر «فإِنَّه برَكةٌ)) غيرُ الترمذيِّ.
الممتزج بالصلاة خير من الصلاة المختلطة بالطعام، (رواه الترمذي) وقال: حديث حسن ورواه
أحمد وابن خزيمة(١) وابن حبان في صحيحيهما نقله ميرك.
١٩٩٠ - (وعن سلمان(٢) بن عامر قال: قال رسول الله يقول: إذا أفطر أحدكم فليفطر)
الأمر للندب (على تمر) أي على تمرة اكتفاء بأصل السنة، وإلا فأدنى كمالها ثلاث كما سيأتي
مع أن التمر اسم جنس. (فإنه) أي التمر (بركة) أي ذو بركة وخير كثير، أو أريد به المبالغة
ولعل الحكمة فيه أن الحلاء(٣) يسرع القوة إلى القوي، وفيه إيماء إلى حلاوة الإيمان، وإشارة
إلى زوال مرارة لعصيان قال الطيبي: أي فإن الإفطار على التمر فيه ثواب كثير، وبركة وفيه أنه
يرد عليه عدم حسن المقابلة بقوله فإنه طهور وقال ابن الملك: الأولى أن تحال علته إلى
الشارع، وأما ما يجري في الخاطر وهو أن التمر حلو وقوت والنفس قد تعبت بمرارة الجوع،
فأمر الشارع بإزالة هذا التعب بشيء هو قوت وحلو وقال ابن حجر: ومن خواص التمر أنه إذا
وصل إلى المعدة إن وجدها خالية حصل به الغذاء، وإلا أخرج ما هناك من بقايا الطعام وقول
الأطباء أنه يضعف البصر، محمول على كثيره المضر دون قليله فإنه يقويه. (فإن لم يجد) أي
التمر ونحوه من الحلويات (فليفطر على ماء فإنه) أي الماء (طهور) أي بالغ في الطهارة فيبتدأ به
تفاؤلاً بطهارة الظاهر، والباطن قال الطيبي: أي لأنه مزيل المانع من أداء العبدة ولدا من الله
تعالى على عباده ﴿وأنزلنا من السماء ماء طهوراً﴾ [الفرقان - ٤٨] وقال ابن الملك: يزيل
العطش عن النفس. اهـ. ويؤيد قوله عليه الصلاة والسلام عند الافطار ذهب الظمأ كما سيأتي.
(رواه أحمد والترمذي، وأبو داود وابن ماجه والدارمي ولم يذكر) أي أحد قوله (فإنه بركة غير
الترمذي) وفي نسخة لم يذكروا بصيغة الجمع فغير منصوب على الاستثناء (وفي رواية أخرى)
أي لهم أوله وهذا غير موجود في أكثر النسخ قال ابن حجر: ونحوه خبر الترمذي وصححوه
إذا كان أحدكم صائماً فليفطر على التمر، فإن لم يجد التمر فعلى الماء فإنه طهور (٤) وهذا
الترتيب لكمال السنة لأصلها. اهـ. وفيه بحث لا يخفى لأنه إن كان التمر موجوداً وبدأ بالماء
(١) ابن خزيمة في صحيحه ٢٧٦/٣ حديث رقم ٢٠٦٢.
الحديث رقم ١٩٩٠: أخرجه أبو داود في السنن ٧٦٤/٢ حديث رقم ٢٣٥٥. والترمذي ٤٦/٣ حديث
رقم ٦٥٨ وابن ماجه ٥٤٢/١ حديث رقم ١٦٩٩. والدارمي ١٣/٢ حديث رقم ١٧٠١ وأحمد في
المسند ٤ / ١٧.
(٢) في المخطوطة ((سليمان)).
(٣) في المخطوطة ((الحلاوة)).
(٤) هذا الحديث عند أبي داود ٧٦٤/٢ حديث رقم ٢٣٥٥.

٤٢٤
كتاب الصوم/ باب في مسائل متفرقة من كتاب الصوم
١٩٩١ - (١٠) وعن أنسٍ، قال: كانَ النبيُّ وَّهِ يُفطِرُ قبلَ أنْ يُصلّيَ على رُطَباتِ،
فإِنْ لم تكنْ فَتُميراتٌ، فإِنْ لم تكن تُمَيراتٌ حَسى حَسَواتٍ منْ ماءِ. رواه الترمذيُّ، وأبو
داود. وقال الترمذيُّ: هذا حديثٌ حسنٌ غريب.
أو اقتصر عليه، فلا شك في مخالفة السنة وإن لم يكن [موجوداً] فأتى بالسنة فالترتيب معتبر
كما في أمثاله من الآيات القرآنية، والأحكام الحديثية، ويؤكده الحديث الآتي وهو قوله.
١٩٩١ - (وعن أنس قال: كان النبي ◌َّ يفطر) أي في صيامه (قبل أن يصلي) أي
المغرب وفيه إشارة إلى كمال المبالغة في استحباب تعجيل الفطر، وأما ما صح أن عمر وعثمان
رضي الله عنهما كانا برمضان يصليان المغرب، حين ينظران إلى الليل الأسود، ثم يفطران بعد
الصلاة فهو لبيان جواز التأخير لئلا يظن وجوب التعجيل، ويمكن أن يكون وجهه أنه عليه
الصلاة والسلام كان يفطر في بيته، ثم يخرج إلى صلاة المغرب وإنهما كانا في المسجد ولم
يكن عندهما تمر ولا ماء، أو كانا غير معتكفين، ورأيا الأكل والشرب لغير المعتكف مكروهين
لكن إطلاق الأحاديث ظاهر في استثناء حال الافطار، والله أعلم. (على رطبات فإن لم يكن
رطبات) بالرفع أي موجودة، أو أن لم تحصل (فتميرات) بالجر أي فليفطر عليها وفي نسخة
بالرفع أي فتميرات عوضها (فإن لم يكن تميرات حساً) أي شرب (حسوات) بفتحتين أي ثلاث
مرات (من ماء) في النهاية الحسوة بالضم الجرعة من الشراب، بقدر ما يحسى مرة واحدة
وبالفتح المرة. اهـ. والظاهر منه ترجيح الضم فلا أقل من جوازه وفي القاموس، حسا زيد الماء
شربه شيئاً بعد شيء، والحسوة بالضم الشيء القليل منه المرة من الحسو، والفتح أفصح وقيل:
تقديم التمر في الشتاء، والماء في الصيف لرواية به [به] وقيل: الحكمة في ذلك، أن لا يدخل
جوفه أوّلاً شيء مما مسته النار وقضيته تقديم الزبيب على الماء. قيل: بل الحلو كله قال ابن
حجر: وكله ضعيف، أقول إن لم يكن التمر موجوداً فقياس صحيح، بل ورد أيضاً في حديث
كما سبق وإلا فمعارضته بالنص صريح، وقول من قال السنة بمكة تقديم ماء زمزم على التمر أو
خلطه به مردود، بأنه خلاف الأتباع وبأنه وَّر صام عام (١) الفتح أياماً كثيرة بمكة، ولم ينقل عنه
أنه خالف عادته التي هي تقديم التمر على الماء ولو كان لنقل. (رواه الترمذي وأبو داود وقال
الترمذي: هذا حديث من غريب) وصححه الدارقطني، قال ميرك: ورواه أبو يعلى ولفظه كان
رسول الله وَل و يحب أن يفطر على ثلاث تمرات، أو شيء لم تصبه النار وعن أنس قال: قال
رسول الله وي لتر: من وجد تمراً فليفطر عليه ومن لا فليفطر على الماء: فإنه له طور. رواه ابن
خزيمة في صحيحه والحاكم(٢) وقال: صحيح على شرطهما.
الحديث رقم ١٩٩١: أخرجه أبو داود في السنن ٧٦٤/٢ حديث رقم ٢٣٥٦. والترمذي ٧٩/٣ حديث
رقم ٦٩٦. وأحمد في المسند ١٦٤/٣.
(١) في المخطوطة ((أيام)).
(٢) الحاكم في المستدرك ٤٣١/١ وابن خزيمة ٢٧٨/٣ حديث رقم ٢٠٦٦.

٤٢٥
كتاب الصوم/ باب في مسائل متفرقة من كتاب الصوم
١٩٩٢ - (١١) وعن زيدِ بنِ خالدٍ، قال: قال رسولُ الله ◌ِّهِ: ((مَنْ فِطَّرَ صائِماً، أو
جهّزَ غازِياً، فلَه مثلُ أجرِه)). رواه البيهقيُّ في ((شعب الإِيمان))، ومُحيي السُّنة في ((شرح
السُّنةِ))، وقال: صحيح.
١٩٩٣ - (١٢) وعن ابنِ عمرَ، قال: كانَ النبيُّ نَّهِ إِذا أفطرَ قال: ((ذهب الظَّمأُ،
وابتَلَّتِ العُروقُ، وثبَتَ الأجرُ
١٩٩٢ - (وعن زيد بن خالد قال: قال رسول الله وَالقول: من فطر صائماً) قال ابن الملك:
التفطير جعل أحد مفطراً أي من أطعم صائماً. اهـ. أي عند افطاره (أو جهز غازياً) أي هيأ
أسبابه من الفرس والسلاح والنفعة (فله مثل أجره) أي الصائم أو الغازي وأو للتنويع وهذا
الثواب لأنه من باب التعاون على التقوى والدلالة على الخير قال الطيبي: نظم الصائم في سلك
الغازي، لانخراطهما في معنى المجاهدة مع اعداء الله، وقدم الجهاد الأكبر (رواه البيهقي في
شعب الإيمان، ومحيي السنة) أي صاحب المصابيح (في شرح السنة وقال: صحيح) قال
الجزري: ورواه النسائي بلفظه، جملة والترمذي وابن ماجه مقطعاً وقال الترمذي: في كل
منهما حسن صحيح، وقال ميرك: وروي الترمذي، والنسائي وابن ماجه وابن خزيمة، وابن
حبان في صحيحيهما من حديث زيد بن خالد الجهني عن النبي وَّر قال: من فطر صائماً، كان
له مثل أجره غير أنه لا ينقص من أجر الصائم شيء، قال الترمذي: حديث حسن صحيح،
ولفظ ابن خزيمة(١) والنسائي من جهز غازياً أو جهز حاجاً أو خلفه في أهله، أو فطر صائماً
كان له مثل أجورهم من غير أن ينقص من أجورهم شيء، وكأن المصنف لم يقف على هذين
الطريقين فعزا الحديث إلى البيهقي، وشرح السنة والعزو إلى أصحاب السنن أولى وأصوب
والله أعلم، فيه أنه إنما نسب إليهما لأن لفظهما مغاير للفظ الطريقين، فإن الأوّل مختصر
والثاني مطوّل مع قطع النظر عن مخالفة بقية الألفاظ.
١٩٩٣ - (وعن ابن عمر قال كان النبي ◌َ﴿ إذا أفطر) أي بعد الافطار (قال: ذهب الظمأ)
بفتحتين قال النووي في الأذكار: الظمأ مهموز الآخر مقصور وهو العطش، وإنما ذكرت هذا
وإن كان ظاهراً لأني رأيت من اشتبه عليه فتوهمه ممدوداً. اهـ. وفيه أنه قرىء لا يصيبهم ظمأ
بالمد والقصر، وفي القاموس ظمى كفرح ظمأ وظماء وظماءة عطش، أو أشد العطش ولعل
كلام النووي محمول على أنه خلاف الرواية، لا أنه غير موجود في اللغة، (وابتلت العروق) أي
بزوال اليبوسة الحاصلة بالعطش، وأما قول ابن حجر هو مؤكد لما قبله فاسترواح لأن منها نعمة
مستقلة نعم لو عكس العطف، لكان تأكيداً كما هو ظاهر في الجملة (وثبت الأجر) أي زال
التعب، وحصل الثواب، وهذا حث على العبادات فإن التعب يسر لذهابه، وزواله والأجر كثير
الحديث رقم ١٩٩٢ : أخرجه أحمد في المسند ١١٤/٤.
(١) ابن خزيمة في صحيحه ٧/ ٢٧٧ حديث رقم ٢٠٦٤.
الحديث رقم ١٩٩٣: أخرجه أبو داود في السنن ٢/ ٧٦٥ حديث رقم ٢٣٥٧.
رائان

٤٢٦
كتاب الصوم/ باب في مسائل متفرقة من كتاب الصوم
إِنْ شاءَ اللَّهُ)). رواه أبو داود.
١٩٩٤ - (١٣) وعن مُعاذِ بنِ زُهرةَ، قال: إِنَّ النبيَّ وَ﴿َ كانَ إِذا أفطرَ قال: «اللهُمَّ لكَ
صُمْتُ، وعلى رِزْقِكَ أفطرتُ)). رواه أبو داود مُرسلاً.
الفصل الثالث
١٩٩٥ - (١٤) عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ اللهِ وَلَهَ: ((لا يزالُ الدِّينُ ظاهراً
لثباته وبقائه قال الطيبي: ذكر ثبوت الأجر بعد زوال التعب، استلذاذ أي استلذاذ ونظيره قوله
تعالى حكاية عن أهل الجنة: ﴿الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور شكور﴾ [فاطر -
٣٤] (إن شاء الله) متعلق بالأخير على سبيل التبرك، ويصح التعليق لعدم وجوب الأجر عليه تعالى
رداً على المعتزلة، ولئلا يجزم كل أحد فإن ثبوت أجر الأفراد تحت المشيئة، ويمكن أن يكون أن
بمعنى إذ فتتعلق بجميع ما سبق. (رواه أبو داود) ورواه النسائي والحاكم(١)، على ما في الحصن.
١٩٩٤ - (عن معاذ بن زهرة) تابعي يروي عنه حصين بن عبد الرحمن السلمي الكوفي
ذكره الطيبي (قال: إن النبي ◌َّي كان إذا أفطر قال) أي دعا وقال ابن الملك: أي قرأ بعد
الافطار ومنه (اللهم لك صمت وعلى رزقك أفطرت) قال الطيبي: قدم الجار والمجرور، في
القرينتين على العامل دلالة على الاختصاص إظهاراً للاختصاص في الافتتاح وإبداء الشكر
الصنيع المختص به، في الاختتام، (رواه أبو داود مرسلاً) قال في التقريب: معاذ بن زهرة،
ويقال أبو زهرة مقبول من الثالثة فارسل حديثاً فوهم من ذكره في الصحابة قال ميرك: عبارة أبي
داود هكذا عن معاذ بن زهرة، بلغه أن النبي وَيتر قرأه لا يقال لمثله أنه كان إذا أفطر إلى آخره
ومعاذ بن زهرة بن حبان في الثقات، وانفرد بإخراج حديثه هذا أبو داود وليس له سوى هذا
الحديث. اهـ. قال ابن حجر: وهو مع إرساله حجة في مثل ذلك، على أن الدارقطني
والطبراني روياه بسند متصل لكنه ضعيف وهو حجة أيضاً، وروي ابن ماجه أن للصائم عند
فطره دعوة لا ترد وورد أنه عليه الصلاة والسلام كان يقول يا واسع الفضل، اغفر لي وإنه كان
يقول الحمد لله الذي أعانني فصمت، ورزقني فافطرت. اهـ. وأما ما اشتهر على الألسنة اللهم
لك صمت [وبك آمنت] وعلى رزقك أفطرت فزيادة وبك آمنت لا أصل لها وإن كان معناها
صحيحاً وكذا زيادة وعليك توكلت ولصوم غد نويت بل النية باللسان من البدعة الحسنة.
(الفصل الثالث)
١٩٩٥ - (عن أبي هريرة قال: قال رسول الله (وَلجر: لا يزال الدين ظاهراً) أي غالباً وعالياً
(١) الحاكم في المستدرك ١/ ٤٢٢.
الحديث رقم ١٩٩٤ : أخرجه أبو داود في السنن ٧٦٥/٢ حديث رقم ٢٣٥٨.
الحديث رقم ١٩٩٥: أخرجه أبو داود في السنن ٧٦٣/٢ حديث رقم ٢٣٥٣. وابن ماجه ٥٤٢/١ حديث
رقم ١٦٩٨. وأحمد في المسند ٢/ ٤٥٠.

٤٢٧
كتاب الصوم/ باب في مسائل متفرقة من كتاب الصوم
ما عجّلَ النَّاسُ الفِطرَ؛ لأنَّ اليهودَ والنَّصارى يُؤَخّرونَ)). رواه أبو داود، وابنُ ماجه.
١٩٩٦ - (١٥) وعن أبي عطيّةً، قال: دخلتُ أنا ومسروقٌ على عائشةَ، فقُلنا: يا
أُمَّ المؤمنينَ! رجُلانِ منْ أصحابِ محمَّدٍ وََّ: أحدُهما: يُعجّلُ الإِفطارَ ويُعجّلُ الصَّلاةَ،
والآخرُ: يُؤَخّرُ الإِفطارَ ويُؤَخّرُ الصَّلاةَ. قالتْ: أيُّهما يُعجِلُ الإِفطارَ ويُعجِلُ الصلاةَ؟
قُلنا: عبدُ اللَّهِ بنُ مسعودٍ، قالتْ: هكذا صَنَعَ رسولُ اللهِ وَّهِ. والآخرُ أبو موسى. رواه
مسلم .
١٩٩٧ - (١٦) وعن العرباضِ بنِ سارِيةً، قال: دَعاني رسولُ اللهِ وَلَه إِلى
أو واضحاً ولائحاً (ما عجل الناس الفطر) أي مدة تعجيلهم الفطر (لأن اليهود والنصارى،
يؤخرون) أي الفطر إلى اشتباك النجوم وتبعهم الأرفاض، في زماننا قال الطيبي: في هذا التعليل
دليل على أن قوام الدين الحنيفي، على مخالفة الأعداء من أهل الكتاب، وإن في موافقتهم تلفاً
للدين قال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض
ومن يتولهم منكم فإنه منهم ﴾ [المائدة - ٥١] (رواه أبو داود وابن ماجه).
١٩٩٦ - (وعن أبي عطية قال دخلت أنا ومسروق) كلاهما تابعي (على عائشة فقلنا يا أم
المؤمنين رجلان) مبتدأ (من أصحاب محمد وَله) صفة وهي مسوغة لكون المبتدأ نكرة والخبر
جملة قوله. (أحدهما يعجل الافطار، ويعجل الصلاة والآخر يؤخر الافطار ويؤخر الصلاة) أي
يختار تأخيرهما والظاهران الترتيب الذكرى، يفيد الترتيب الفعلي في العملين وإلا قالوا ولا
تمنع تقديم الافطار على الصلاة على تقدير تأخيرهما أيضاً. (قالت: أيهما يعجل الافطار،
ويعجل الصلاة، قلنا: عبد الله بن مسعود قالت: هكذا صنع رسول الله (وَلقر والآخر أبو موسى)
قال الطيبي: الأول عمل بالعزيمة، والسنة، والثاني بالرخصة. اهـ. وهذا إنما يصح لو كان
الاختلاف في الفعل [فقط]، أما إذا كان الخلاف قولياً فيحمل على أن ابن مسعود اختار المبالغة
في التعجيل وأبو موسى اختار عدم المبالغة فيه وإلا فالرخصة متفق عليها عند الكل، والأحسن
أن يحمل عمل ابن مسعود على السنة وعمل أبي موسى على بيان الجواز، كا سبق من عمل
عمر وعثمان رضي الله عنهم [أجمعين وأما قول ابن حجر وكان عذر أبي موسى إنه لم يبلغه
فعل النبي ◌َّ فعذر بارد والله أعلم.
١٩٩٧ - (وعن العرباض) بكسر العين (ابن سارية قال: دعاني رسول الله وَلّ إلى
الحديث رقم ١٩٩٦ : أخرجه مسلم في صحيحه ٢/ ٧٧١ حديث رقم (٤٩ - ١٠٩٩). وأبو داود في السنن
٧٦٢/٢ حديث رقم ٢٣٥٤. والترمذي ٨٣/٣ حديث رقم ٧٠٢. والنسائي ١٤٤/٤ حديث رقم
٢١٦١. وأحمد في المسند ٤٨/٦.
الحديث رقم ١٩٩٧ : أخرجه أبو داود في السنن ٧٥٧/٢ حديث رقم ٢٣٤٤. والنسائي ١٤٥/٤ حديث
رقم ٢١٦٣.

٤٢٨
كتاب الصوم/ باب تنزيه الصوم
السَّحورِ في رَمضانَ، فقال: ((هَلُمَّ إِلى الغَداءِ المبارَكِ)). رواه أبو داود، والنسائي.
١٩٩٨ - (١٧) وعن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ اللهِ وَّ: («نَعْمَ سَحورُ المؤمن
التَّمْرُ)). رواه أبو داود.
(٣) باب تنزيه الصوم
الفصل الأول
١٩٩٩ - (١) عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ اللَّهِ وَلِّ: (مَنْ لم يدَعْ قوْلَ الزُّورِ
السحور) بفتح السين ويجوز ضمها (في رمضان فقال) عطف أو تفسير وبيان (هلم) أي تعال في
النهاية فيه لغتان فأهل الحجاز يطلقونه على الواحد، والجمع، والاثنين، بلفظ واحد مبني على
الفتح وبنو تميم يثنى ويجمع ويؤنث. اهـ. وجاء التنزيل بلغة الحجاز ﴿قل هلم شهداءكم ﴾
[الأنعام - ١٥٠] أي احضروهم (إلى الغداء المبارك) والغداء مأكول الصباح واطلق عليه لأنه
يقوم مقامه، وصحفه بعضهم وضبطه بالمعجمة وكسر أوله (رواه أبو داود والنسائي) قال ميرك:
ورواه ابن خزيمة وابن حبان في صحیحیھما.
١٩٩٨ - (وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ◌َّي: نعم سحور المؤمن) بفتح السين لا
غير (التمر) قال الطيبي: وإنما مدح التمر في هذا الوقت لأن في نفس السحور بركة،
وتخصيصه بالتمر بركة على بركة إذا فطر أحدكم، فليفطر على تمر فإنه بركة ليكون المبدوء به،
والمنتهى إليه البركة. (رواه أبو داود وصححه ابن حبان).
(باب تنزيه الصوم)
أي في بيان ما يدل على ما يجب تبعيد الصوم عما يبطله من الصوم أو يبطل ثوابه أو
ينقصه .
(الفصل الأوّل)
١٩٩٩ - (عن أبي هريرة قال: قال رسول الله (وَلاغير: من لم يدع) أي لم يترك (قول الزور)
أي الباطل وهو ما فيه اثم والاضافة بيانية وقال الطيبي: الزور الكذب والبهتان، اهـ. أي من لم
يترك القول الباطل من قول الكفر وشهادة الزور، والافتراء والغيبة والبهتان والقذف والسب
الحديث رقم ١٩٩٨: أخرجه أبو داود في السنن ٧٥٨/٢ حديث رقم ٢٣٤٥.
الحديث رقم ١٩٩٩: أخرجه البخاري في صحيحه ١١٦/٤. حديث رقم ١٩٠٣. وابن ماجه في السنن ١/
٥٣٩ حديث رقم ١٦٨٩. وأحمد في المسند ٤٥٢/٢.
35:L

٤٢٩
كتاب الصوم/ باب تنزيه الصوم
والعمَلَ بهِ، فليسَ للَّهِ حاجةٌ في أنْ يَدَعَ طَعامَه وشرابَه)). رواه البخاريُّ.
٢٠٠٠ - (٢) وعن عائشةَ، قالتْ: كانَ رسولُ اللهِ وَلَهِ يقبّلُ ويُباشِرُ
والشتم، واللعن أمثالها مما يجب على الإنسان اجتنابها ويحرم عليه ارتكابها. (والعمل) بالنصب
(به) أي بالزور يعني الفواحش، من الأعمال لأنها في الاثم كالزور قال الطيبي: هو العمل
بمقتضاه من الفواحش، وما نهى الله عنه. (فليس لله حاجة) أي التفات ومبالاة وهو مجاز عن عدم
القبول، بنفي السبب وإرادة نفي المسبب، (في أن يدع) أي يترك (طعامه وشرابه) فإنهما مباحان
في الجملة فإذا تركهما وارتكب أمراً حراماً من أصله، استحق المقت وعدم قبول طاعته في الوقت
فإن المطلوب منه ترك المعاصي مطلقاً، لا تركاً دون ترك وكان هذا مأخذ من قال إن التوبة عن
بعض المعاصي غير صحيحة، والصحيحة صحتها كما هو مقرر في محلها بناء على الفرق بين
الصحة والقبول فإنه لا يلزم من عدم القبول عدم الصحة بخلاف العكس، قال القاضي: المقصود
من الصوم كسر الشهوة، وتطويع الامارة، فإذا لم يحصل منه ذلك لم يبال بصومه، ولم ينظر إليه
نظر عناية فعدم الحاجة عبارة عن عدم الالتفات والقبول وكيف يلتفت إليه؟ والحال أنه ترك ما
يباح من غير زمان الصوم من الأكل والشرب، وارتكب ما يحرم عليه [في كل زمان] قال الطيبي:
وفي الحديث دليل على أن الكذب، والزور أصل الفواحش ومعدن المناهي، بل قرين الشرك قال
تعالى: ﴿فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور﴾ [الحج - ٣٠] وقد علم أن الشرك
والزور، مضاد للاخلاص وللصوم بالاختصاص فيرتفع بما يضاده. (روا البخاري) وفي معناه
حديث الحاكم(١) الذي صححه ليس الصيام من الأكل والشرب فقط إنما الصيام، من اللغو
والرفث، ويؤخذ منه أن يتأكد اجتناب المعاصي على الصائم كما قيل: في الحج لكن لا يبطل
ثوابه من أصله، بل كماله فله ثواب الصوم وإثم المعصية وأما ما نقله البيهقي عن الشافعي واختاره
بعض أصحابه من أنه يبطل بذلك ثوابه من أصله فيحتاج إلى دليل معين، وتعليل مبين وأما قول
ابن حجر يتأكد على الصائم أي من حيث الصوم فلا ينافي كونه واجباً عليه من جهة أخرى أن
يكف لسانه وسائر جوارحه من المباحات وآكد من ذلك كف ما ذكر عن المعاصي باسرها فغير
صحيح، إذ الاجماع قائم على أن الكف عن المباحات غير واجب بل قوله يكره له شم الرياحين،
والنظر إليها ولمسها محتاج إلى نهي وارد مقصود كما هو مقرر.
٢٠٠٠ - (وعن عائشة قالت: كان رسول الله وَلفر يقبل) في شرح السنة، رخص في قبلة
الصائم عمر وأبو هريرة وعائشة وقال الشافعي: لا بأس بها إذا لم تحرك الشهوة، وقال ابن
عباس: يكره للشاب، ويرخص للشيخ (ويباشر) أي بعض نسائه يلصق البشرة بالبشرة وقال ابن
(١) الحاكم في المستدرك ٤٣٠/١.
الحديث رقم ٢٠٠٠: أخرجه البخاري في صحيحه ١٤٩/٤. حديث رقم ١٩٢٧. ومسلم في صحيحه ٢/
٧٧٧ حديث رقم (١١٨٦/٦٥). وأبو داود في السنن ٧٧٨/٢ حديث رقم ٢٣٨٢. وابن ماجه ١/
٥٣٨ حديث رقم ١٦٨٧. وأحمد في المسند ٦/ ٤٢.

٤٣٠
كتاب الصوم/ باب تنزيه الصوم
وهوَ صائِمٌ، وكانَ أملَكَكم لأَرَبِهِ. متفق عليه.
٢٠٠١ - (٣) وعنها، قالتْ: كانَ رسولُ الله ◌َّهِ يُدركُه الفجرُ في رمضانَ وهوَ جُنُبٌ
منْ غیرِ حُلْمٍ،
الملك: أي يلمس نساء بيده (وهو صائم) أي حال كونه صائماً زاد مسلم في رمضان. قال
الشمني: وعندنا كره القبلة واللمس والمباشرة، في ظاهر الرواية إن خاف على نفسه الجماع أو
الانزال وقال محمد تكره القبلة مطلقاً، لأنها لا تخلو عن الفتنة. اهـ. فلا ينبغي أن يقاس به
عليه الصلاة والسلام في ذلك لقولها رضي الله عنها (وكان أملككم) من ملك إذا قدر على شيء
أو صارحاً كما عليه (لأربه) بفتح الهمزة والراء على المشهور هو الحاجة وتريد به الشهوة وقد
يروي بكسر الهمزة وسكون الراء ويفسر تارة بأنه الحاجة وتارة بأنه العقل، وتارة بأنه العضو
وأريد ههنا العضو المخصوص كذا ذكر في شرح السنة والفائق ورده التوربشتي بأنه خارج عن
سنن الأدب، قال الطيبي: ولعل ذلك مستقيم لأن الصديقة رضي الله عنها ذكرت أنواع الشهوة
مترقية من الأدنى إلى الأعلى فبدأت بمقدمتها التي هي القبلة ثم ثنت بالمباشرة، من نحو
المداعبة والمعانقة، وأرادت أن تعبر عن المجامعة فكنت عنها بالارب وإلى عبارة أحسن منها .
اهـ. وفيه أن المستحسن إذا أن الارب بمعنى الحاجة كناية عن المجامعة وأما ذكر الذكر فغير
ملائم للأنثى كما لا يخفى لا سيما في حضور الرجال ثم المعنى أنه كان أغلبكم، وأقدركم
على منع النفس، مما لا ينبغي أن يفعل قال ابن الملك: أرادت بملكه عليه حاجته قمعه الشهوة
فلا يخاف الانزال بخلاف غيره، وعلى هذا فيكره لغيره القبلة والملامسة باليد وقيل: المعنى
إنه كان قادراً على حفظ نفسه عنهما، لأنه غالب على هواه ومع ذلك كان يقبل ويباشر وغيره
قلما يصير على تركهما لأن غيره قلما يملك هواه، فعلى هذا لا يكونان مكروهين لغيره عليه
الصلاة والسلام أيضاً ويؤيده ما صح أن عمر رضي الله عنه هش أي نشط وارتاح، فقبل فأتى
النبي وَ ر قائلاً صنعت أمراً عظيماً، فقال: أرأيت لو تمضمضت من الماء، وأنت صائم (١).
(متفق عليه) قال ابن الهمام: وعن أم سلمة أن النبي ◌َّر كان يقبلها وهو صائم، متفق عليه(٢).
٢٠٠١ - (وعنها) أي عن عائشة (قالت: كان رسول الله وَلا يدركه الفجر) أي الصبح (في
رمضان) أي في بعض الأحيان (وهو جنب) سمي به لكون الجنابة سبباً لتجنب الصلاة
والطواف، ونحوهما في حكم الشرع وذلك بإنزال الماء أو بالتقاء الختانين، وفي معناه الحائض
والنفساء. (من غير حلم) بضم الحاء وسكون اللام ويضم وهو صفة مميزة أي من غير احتلام
٠٠
(١) أبو داود في السنن ٧٧٩/٢ حديث رقم ٢٣٨٥ .
(٢) فتح القدير ٢/ ٢٥٧.
الحديث رقم ٢٠٠١: أخرجه البخاري في صحيحه ١٥٣/٤. حديث رقم ١٩٣٠. ومسلم في صحيحه ٢/
٧٨٠ حديث رقم (٧٦ - ١١٠٩). وأبو داود في السنن ٧٨١/٢ حديث رقم ٢٣٨٨. والترمذي ٣/
١٤٩ حديث رقم ٧٧٩. وابن ماجه ٥٤٤/١ حديث رقم ١٧٠٤. والدارمي ٢٣/٢ حديث رقم
٠١٧٢٥ وأحمد في المسند ٣٠٨/٦.

٤٣١
كتاب الصوم/ باب تنزيه الصوم
فيغَسِلُ ويصومُ. متفق عليه.
٢٠٠٢ - (٤) وعن ابنِ عبَّاسٍ، قال: إِنَّ النبيَّي وَ لَّ احْتجَمَ وهوَ مُحرِمٌ، واحتجَمَ وهوَ
صائِمٌ. متفق عليه .
بل من جماع، فإن الثاني أمر اختياري فيعرف حكم الأوّل بطريق الأولى، بل ولو وقع الاحتلام
في حال الصيام لا يضر مع أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام سالمون من الاحتلام، لأنه علامة
تأتي الشيطان في حال المنام قال ابن حجر: وإنما احتاجت عائشة لقولها من غير حلم، مع أن
الأنبياء لا يحتلمون لأن هذا النفي ليس على اطلاقه بل المراد إنهم لا يحتلمون برؤية جماع،
لأن ذلك من تلاعب الشيطان بالنائم، وهم معصومون عن ذلك وأما الاحتلام بمعنى نزول
المنى في النوم، من غير رؤية وقاع فهو غير مستحيل عليهم لأنه ينشأ عن نحو امتلاء البدن،
فهو من الأمور الخلقية أو العادية التي يستوي فيها الأنبياء وغيرهم وفيه أن الاحتمال غير مقيد،
في موضع الاستدلال. (فيغتسل ويصوم) ظاهر الحديث قول عامة العلماء من أصبح جنباً
اغتسل، وأتم صومه وقيل يبطل وقال إبراهيم النخعي: يبطل الفرض، دون النفل كذا ذكره ابن
الملك وهو منقول عن شرح السنة وقال البيضاوي: في قوله تعالى: ﴿فالآن باشروهن﴾ [البقرة
- ١٨٧] الآية في تجويز المباشرة إلى الصبح الدلالة على جواز تأخير الغسل إليه، وصحة صوم
المصبح جنباً قال الطيبي: لأن المباشرة إذا كانت مباحة إلى الانفجار لم يمكنه الاغتسال إلا
بعد الصبح. اهـ. وقال جمع منهم أبو هريرة: لكنه رجع عنه يجب الغسل من ذلك قبل الفجر
لخبر البخاري، من أصبح جنباً فلا صوم له وأجابوا عنه بأنه منسوخ واستحسنه ابن المنذر، أو
محمول على من أصبح مجامعاً واستدام الجمع (متفق عليه).
٢٠٠٢ - (وعن ابن عباس قال: قال رسول الله وتلقى: احتجم وهو محرم، واحتجم وهو
صائم) قال الشيخ الجزري: مراد ابن عباس إنه احتجم في حال اجتماع الصوم مع الاحرام، لما
رواه أبو داود من حديثه أيضاً أنه عليه الصلاة والسلام احتجم صائماً محرماً ورواه الترمذي
بلفظ وهو محرم صائم قال ابن حجر: وقول ابن عباس راويه وهو صائم يبطل ما قيل: إنما
احتجم لأنه كان مسافراً والمسافر له الفطر بالحجامة وغيرها ووجه إبطاله له أنه أثبت له الصوم
مع الحجامة إذ لا يقال أكل وهو صائم. اهـ. وفيه بحث قال المظهر: يجوز للمحرم الحجامة
بشرط أن لا ينتف شعراً وكذا للصائم من غير كراهة، عند أبي حنيفة ومالك والشافعي، وقال
أحمد: يبطل صوم الحاجم والمحجوم، ولا كفارة عليهما وقال عطاء: يبطل صوم المحجوم
وعليه الكفارة ذكره الطيبي، وقال الأوزاعي: يكره له مخافة الضعف، وسيأتي دليلهم والكلام
عليه. (متفق عليه).
الحديث رقم ٢٠٠٢: أخرجه البخاري في صحيحه ١٧٤/٤. حديث رقم ١٩٣٨. وأبو داود في السنن ٢/
٧٧٣ حديث رقم ٢٣٧٣. والترمذي ١٤٦/٣ حديث رقم ٧٧٥. وابن ماجه ١/ ٥٣٧ حديث رقم
١٦٨٢.

٤٣٢
كتاب الصوم/ باب تنزيه الصوم
٢٠٠٣ - (٥) وعن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ اللهِ وَ له: ((مَنْ نسِيَ وهوَ صائمٌ فأكلَ
أو شرِبَ، فَلْيُتَمَّ صوْمَه، فإِنَّما أطعمَه اللَّهُ وسَقاه)).
٢٠٠٣ - (وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَلقر: من نسي) أي إنه في الصوم (وهو
صائم فأكل أو شرب) وفي رواية البخاري فأكل وشرب (فليتم صومه) وإطلاقه يدل على مذهبنا
من وجوب اتمامه فرضاً، أو نفلاً فاندفع تقييد ابن حجر بقوله وجوباً عليه إن كان فرضاً وفي
رواية سندها صحيح أو حسن من أفطر في شهر رمضان ناسياً فلا قضاء عليه، ولا كفارة(١)
وللخبر المشهور ورفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه(٢). قال ابن الهمام:
واختلفوا فيما إذا أكل ناسياً فقيل له أنت صائم، فلم يتذكر واستمر ثم تذكر فإنه يفطر عند أبي
حنيفة، وأبي يوسف لأنه أخبر بأن الأكل حرام عليه وخبر الواحد حجة في الديانات فكان يجب
أن يلتفت إلى تأمل الحال، وقال زفر والحسن لا يفطر(٣) قال ابن الملك: إطلاق الحديث يدل
على أنه لا يفطر وإن كان الأكل والشرب كثيراً، وقال مالك: يبطل الصوم وهو قول للشافعي،
ثم لما لم يكن أكله وشربه باختياره المقتضي لفساد صومه بل لأجل انسائه تعالى له لطفاً به
وتيسيراً عليه بدفع الحرج عن نفسه، علله وَّه بقوله. (فإنما أطعمه الله وسقاه) في شرح النقاية
للشمني قال مالك: عليه القضاء دون الكفارة، وقال الأوزاعي: والليث يجب القضاء في
الجماع دون الأكل والشرب، وقال أحمد: يجب القضاء والكفارة في الجماع دون الأكل
والشرب لنا، ما روي ابن حبان وابن خزيمة في صحيحيهما والحاكم وقال: صحيح على شرط
مسلم من حديث أبي هريرة أن النبي وَّر قال: من أفطر في رمضان ناسياً، فلا قضاء عليه ولا
كفارة وأما أن أفطر خطأ أو مكرهاً فإنه يقضي فقط(٤). وهو قول مالك وقال الشافعي: لا
يقضي فيهما لقوله تعالى: ﴿وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به﴾ [الأحزاب - ٥] وقوله عليه
الصلاة والسلام رفع عن أمتي الخطأ، والنسيان وما استكرهوا عليه، ولنا أن المفطر وصل إلى
جوفه فيفسد صومه وهو القياس في الناسي، إلا أنا نزلناه فيه للحديث السابق وصار كما إذا
أكره على أن يأكل بيده، وأجيب عن الآية والحديث أن المراد بهما نفي المأثم، ورفعه كذا
ذكره الشمني. (متفق عليه) قال ابن الهمام: الحديث في الصحيحين، وغيرهما وحمله على أن
المراد بالصوم اللغوي فيكون أمراً بالإمساك بقية يومه كالحائض، إذا طهرت في أثناء اليوم،
ونحوه مدفوع أولاً بأن الاتفاق على أن الحمل على المفهوم الشرعي، حيث أمكن في لفظ
الحديث رقم ٢٠٠٣: أخرجه البخاري في صحيحه ١٥٥/٤. حديث رقم ١٩٣٣. ومسلم في صحيحه
٨٠٩/٢ حديث رقم (١٧١ - ١١٥٥). وأبو داود في السنن ٧٨٩/٢ حديث رقم ٢٣٩٨.
والترمذي ١٠٠/٣ حديث رقم ٧٢١. والدارمي ٢٣/٢ حديث رقم ١٧٢٦. وأحمد في المسند
٣٩٥/٢.
الحاكم في المستدرك ١/ ٤٣٠.
(١)
(٢)
الطبراني في الكبير ذكره السيوطي في الجامع الصغير ٢٧٣/٢ حديث رقم ٤٤٦١.
فتح القدير ٢٥٤/٢.
(٣)
(٤) الحاكم في المستدرك ٤٣٠/١.

٤٣٣
كتاب الصوم/ باب تنزيه الصوم
متفق عليه .
٢٠٠٤ - (٦) وعنه، قال: بينما نحنُ جُلوسٌ عندَ النبيِّ وََّ إِذْ جاءَه رجلٌ فقال: يا
رسولَ اللَّهِ! هَلَكْتُ. قال: ((ما لَكَ؟)) قال: وقَعتُ على امرأَتي وأنا صائِمٌ،
الشارع وجب وثانياً بأن نفس اللفظ يدفعه وهو قوله فليتم صومه، وصومه إنما كان الشرعي
فإتمام ذلك إنما يكون بالشرعي، وثالثاً بأن في صحيح ابن حبان وسنن الدارقطني أن رجلاً
سأل رسول الله وَله، فقال: إني كنت صائماً فأكلت وشربت ناسياً، فقال عليه الصلاة والسلام،
أتم صومك، فإن الله أطعمك وسقاك، وفي لفظ ولا قضاء عليك ورواه البزار بلفظ الجماعة
وزاد فيه فلا تفطر(١).
٢٠٠٤ - (وعنه) أي عن أبي هريرة (قال بينما نحن جلوس) أي جالسون أو ذوو جلوس
(عند النبي وهو إذ جاءه رجل) قال التوربشتي: الرجل على ما ضبطنا هو سلمة بن صخر
الأنصاري البياضي، وقيل: سليمان أو سلمة وهو أصح وكان قد ظاهر من امرأته خشية أن لا
يملك نفسه، ثم وقع عليها في رمضان كذا وجدناه في عدة من كتب أصحاب الحديث، وعند
الفقهاء أنه أصابها في نهار رمضان. (فقال: يا رسول الله هلكت) أي بحصول الذنب لي وفي
المصابيح، وأهلكت أي زوجتي بأن حصلت لها ذنباً، (قال) أي النبي ◌َّ (ما لك) أي أي
شيء حصل أو وقع لك وفي المصابيح، ما شأنك أي أي شيء أمرك وحالك (قال) أي الرجل
(وقعت على امرأتي) أي جامعتها وزاد في المصابيح في رمضان (وأنا صائم) كذا نقله ابن
الملك وقال الطيبي: في أكثر نسخ المصابيح واقعت على امرأتي في نهار رمضان قال ابن
حجر: وبهذا أخذ أئمتنا فقالوا: إنما تجب الكفارة الآتية بالجماع، إن كان في أداء رمضان لا
غير لأنه يميز عن غيره بخصائص كثيرة، وكذا الكفارة واجبة على المرأة خلافاً للشافعي وفي
الهداية أن قوله عليه الصلاة والسلام من أفطر في رمضان فعليه ما على المظاهر قال ابن
الهمام: الله أعلم وهو غير محفوظ وما في الصحيحين عن أبي هريرة إنه عليه الصلاة والسلام
أمر رجلاً أفطر في رمضان أن يعتق رقبة، أو يصوم شهرين متتابعين، أو يطعم ستين مسكيناً
علق الكفارة بالافطار فإن قيل: لا يفيد المطلوب لأنه حكاية واقعة حال لا عموم لها فيجب
كون ذلك الفطر بأمر خاص لا بالاعم فلا دليل فيه أنه بالجماع أو بغيره، فلا متمسك به لأحد
بل قام الدليل على أن المراد به جماع الرجل، وهو السائل لمجيئه مفسراً كذلك برواية من نحو
عشرين رجلاً عن أبي هريرة قلنا: وجه الاستدلال به تعليقها بالافطار في عبارة لراوي عن أبي
(١) فتح القدير ٢٥٤/٢.
الحديث رقم ٢٠٠٤: أخرجه البخاري في صحيحه ١٦٣/٤. حديث رقم ١٩٣٦. ومسلم في صحيحه ٢/
٧٨١ حديث رقم (٨١ - ١١١١). وأبو داود في السنن ٧٨٣/٢ حديث رقم ٢٣٩٠. والترمذي ٣/
١٠٢ حديث رقم ٧٢٤. وابن ماجه ٥٣٤/١ حديث رقم ١٦٧١. والدارمي ١٩/٢ حديث رقم
١٧١٦. ومالك في الموطأ ٢٩٦/١ حديث رقم ٢٨ من كتاب الصيام. وأحمد فى المسند ٢٤١/٢.

٤٣٤
كتاب الصوم/ باب تنزيه الصوم
فقال رسولُ اللهِ وَيَّ: ((هلْ تجِدُ رقَبَةً تُعتِقُها؟)) قال: لا، قال: ((فهلْ تستَطيعُ أنْ تصومَ
شهرَيْنِ مُتتابعَينٍ؟)) قال: لا. قال: ((هلْ تجدُ إِطْعَامَ سِتّينَ مسكيناً؟)) قال: لا.
هريرة إذا أفاد أنه فهم من خصوص الأحوال، التي شاهدها في قضائه عليه الصلاة والسلام أو
سمع ما يفيدان إيجابها عليه باعتبار خصوص الافطار فيصح التمسك به، وهذا كما قالوا في
أصولهم في مسألة ما إذا نقل الراوي بلفظ ظاهرة العموم، فإنهم اختاروا اعتباره ومثلوه بقول
الراوي: وقضى بالشفعة للجار لما ذكرنا من المعنى فهذا مثله بلا تفاوت لمن تأمل ولأن الحد
يجب عليها إذا طاوعته، فالكفارة أولى على نظير ما ذكرناه آنفاً فتكون ثابتة بدلالة نص حدها(١)
ثم قال ابن الهمام: عند قول صاحب الهداية ولنا أن الكفارة تعلقت بجناية الافطار، يعني وهو
أعم من أن يكون جماعاً أو غيره قال ابن الهمام: مأخوذ من ذلك الحديث الذي ذكره من أفطر
في رمضان من قول أبي هريرة، وروي الدارقطني عن أبي هريرة أن رجلاً أكل في رمضان فأمره
النبي ◌ّير أن يعتق الحديث، وأعله بأبي معشر وأخرجه الدارقطني أيضاً في كتاب العلل في
حديث الذي وقع على امرأته عن سعيد بن المسيب أن رجلاً أتى النبي وَلّر، فقال: يا رسول
الله أفطرت في رمضان متعمداً الحديث وهذا مرسل سعيد، وهو مقبول عند كثير ممن لا يقبل
المرسل وعندنا هو حجة مطلقاً، وأيضاً دلالة نص الكفارة بالجماع تفيده للعلم بأن من علم
استواء الجماع والأكل والشرب، في أن ركن الصوم الكف عن كلها ثم علم لزوم عقوبة على
من فوت الكف عن بعضها، جزم بلزومها على من فوت الكف عن البعض الآخر حكماً للعلم
بذلك الاستواء غير متوقف فيه على أهلية الاجتهاد، أعني بعد حصول العلمين يحصل العلم
الثالث، ويفهم كل عالم بهما أن المؤثر في لزومها تفويت الركن لا خصوص ركن(٢). اهـ.
وحاصله أن هذا قياس جلي في غاية الوضوح لا خفي يحتاج إلى ترتيب مقدمات من مقيس
ومقيس عليه، وإلى معرفة القياس ودقائقه المحتاج إلى إدراك جامعه وفارقه والله أعلم. (فقال
رسول الله ◌َر: هل تجد رقبة؟) أي عبداً أو أمة (تعتقها) أي كفارة لهذا الذنب (قال: لا قال
فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ قال: لا قال: هل تجد) بدون الفاء (اطعام ستين
مسكيناً؟ قال لا) قال القاضي: وكذا في شرح السنة رتب الثاني بالفاء، على فقد الأوّل ثم
الثالث بالفاء على فقد الثاني فدل على الترتيب، وقال مالك: بالتخيير فإن المجامع مخير بين
الخصال الثلاث عنده، قال ابن حجر: الكفارة مرتبة، ككفارة الظهار المذكور في سورة
المجادلة. وهو قول الشافعي والأكثرين، وقال مالك: إنها مخيرة كالكفارة المذكورة في سورة
المائدة لرواية أبي داود، أن يعتق رقبة أو يصوم شهرين متتابعين، أو يطعم ستين مسكيناً
وأجابوا بأن أو كما لا تقتضى الترتيب لا تمنعه كما بينته الروايات الآخر وحينئذ فالتقدير أو
يصوم إن عجز عن العتق أو يطعم إن عجز عن الصوم، ورواتها أكثر وأشهر فقد رواها عشرون
صحابياً وهي حكاية لفظ النبي وَلّ ورواة هذا اثنان، وهو لفظ الراوي وخبر أنه مخير بين عتق
ونحر بدنة ضعيف وإن أخذ به الحسن. اهـ. واعلم أن الفاء في أصلنا الموافق للنسخ
(١) فتح القدير ٢٦٢/٢ - ٢٦٣.
(٢) فتح القدير ٢٦٤/٢.

٤٣٥
كتاب الصوم/ باب تنزيه الصوم
قال: ((اجلِسْ)) ومكثَ النبيُّ وََّ، فبّينا نحنُ على ذلكَ، أَتَيَ النبيُّ وَلَ بِعَرَقٍ فیهِ تمرٌ -
والعَرقُ المِكتَلُ الضَّخمُ - قال: ((أيْنَ السَّائلُ؟)) قال: أنا. قال: ((خُذْ هذا فتصَدَّقْ بِهِ)). فقال
الرجلُ : أَعلى أفقر مني يا رسولَ الله؟ فوَاللَّهِ، ما بَيْنَ لابتَيها - يُريدُ الحرَّتَيْنِ - أهلُ بيتٍ أفقرُ
مِنْ أهلِ بَيتي. فضحِكَ النبيُّ وَّرَ حتى بدتْ أنْيَابُه، ثمَّ قال: ((أطعِمْهُ أهلَكَ)). متفق عليه.
المصححة في الثاني غير موجود، وأما في أصل البخاري فموجود في بعض النسخ وفي بعضها
مفقود، وأما الفاء في الأوّل فموجود اتفاقاً وهو يكفي للدلالة على الترتيب لعدم القائل بالفصل
والله أعلم. (قال: اجلس ومكث النبي ◌َّه) بضم الكاف وفتحها أي لبث وتوقف، وأما قول
ابن حجر وسكت بالسين والتاء فتصحيف لمخالفته الأصول المعتمدة (فبينا نحن على ذلك) أي
ما ذكر من الجلوس والمكث (أتي النبي ونَ﴾ أي جيء (بعرق فيه تمر والعرق) أي بفتحتين قال
الزركشي: ويروي بإسكان الراء (المكتل) بكسر الميم أي الزنبيل (الضخم) بسكون الخاء، أو
العظيم قيل: المنسوج من نسائج الخوص في المغرب، يسع ثلاثين صاعاً وقيل: خمسة عشر
وفي شرح السنة هو مكتل يسع خمسة عشر صاعاً، فيكون ستين مداً لأن الصاع أربعة أمداد
فدل على أن طعام الكفارة لكل مسكين مد. (قال: أين السائل؟) أي عن المسألة (قال أنا) أي
أنا هو أو أنا السائل (قال خذ هذا فتصدق به) أي على الفقراء (فقال الرجل: أعلى أفقر مني؟)
بهمزة الاستفهام وقال الزركشي: في حاشية البخاري: هو على حذف همزة الاستفهام،
والمجرور متعلق بمحذوف أي أتصدق به على أكثر حاجة مني. (يا رسول الله) وفيه نوع
استعانة واستغاثة به وير ثم بين أفقريته بقوله المؤكد بقسمه بناء على ظنه (فوالله ما بين لابتيها)
أي المدينة (يريد) أي يعني الرجل باللابتين (الحرتين) أي في طرفي المدينة من الشرقية
والغربية، والحرة على ما في النهاية الأرض ذات الحجارة السود، والمعنى ما بين أطرافها (أهل
بيت) أي جماعة مجتمعون في بيت واحد. (أفقر مني) بالرفع على الوصفية وبالنصب على
الخبرية قال الزركشي: أهل مرفوع على [أنه] اسم ما وأفقر خبره أن جعلتها حجازية وبالرفع إن
جعلتها تميمية بأفقر. (فضحك النبي بَلي حتى بدت) أي ظهرت (أنيابه) جمع ناب وهو الذي
بعد الرباعية (ثم قال أطعمه أهلك) وفي رواية صحيحة فلا تفطر فيه دليل على أن العبرة بحال
الأداء، لا الفعل إذ لم يكن له حال ارتكاب المحظور شيء فلما تصدق عليه وصار قادراً أمره
بالاطعام، وهو قول أكثر العلماء وأظهر قولي الشافعي فلما ذكر حاجته أخره عليه إلى الوجد.
وقال الزهري: كان هذا خاصاً بذلك الرجل وقيل: منسوخ والتأويل الأول أولى من الأخيرين،
إذ لا دليل عليهما كذا ذكره الطيبي. (متفق عليه) قال ابن الهمام: رواه أصحاب الستة لكن قال
في آخره: حتى بدت ثناياه وفي لفظ أنيابه، وفي لفظ نواجذه ثم قال خذه فاطعمه أهلك، وفي
لفظ لأبي داود زاد الزهري وإنما كان هذا رخصة له خاصة، ولو أن رجلاً فعل ذلك اليوم لم
يكن له بدّ من التكفير قال المنذر: قول الزهري، ذلك دعوى لا دليل عليها وعلى ذلك ذهب
سعيد بن جبير، إلى عدم وجوب الكفارة على من أفطر في رمضان، بأي شيء أفطر قال
لانتساخه بما فى آخر الحديث بقوله كلها أنت وعيالك. اهـ. وجمهور العلماء، على قول

٤٣٦
٢٠٠
كتاب الصوم/ باب تنزيه الصوم
الفصل الثاني
٢٠٠٥ - (٧) عن عائشةَ رضي الله عنها: أنَّ النبيَّ نَّكانَ يُقبّلُها وهوَ صائمٌ، ويَمُصُ
لسانها. رواه أبو داود.
٢٠٠٦ - (٨) وعن أبي هريرةَ، أنَّ رجلاً سألَ النبيِّ وََّ عنِ المُباشرةِ لِلصَّائِمِ،
فرَخَّصَ له. وأتاهُ آخرُ فسألَه فنهاهُ، فإِذا الذي رخّصَ له شيخٌ، وإِذا الذي نهاهُ شابٌّ.
الزهري وأما رفع المصنف يعني صاحب الهداية، يجزئك ولا يجزي أحداً بعدك فلم ير في
شيء من طرقه وكذا لم يوجد فيها لفظ الفرق بالفاء بل بالعين وهو مكتل يسع خمسة عشر
صاعاً، على ما قيل قلنا وإن لم يثبت فغاية الأمر أنه أخر عنه إلى الميسرة إذا كان فقيراً في
الحال عاجزاً عن الصوم، بعد ما ذكر له ما يجب عليه كذا قال الشافعي وغيره: والظاهر أنه
خصوصية لأنه وقع عند الدارقطني في هذا الحديث فقد كفر الله عنك ولفظ وأهلكت ليس في
الكتب الستة، وجاء في حديث الدارقطني والبيهقي وضعفه الحاكم(١). اهـ. ملخصاً.
(الفصل الثاني)
٢٠٠٥ - (عن عائشة أن النبي (وَلفي كان يقبلها، وهو صائم) أي في رمضان وغيره
(ويمص) بفتح الميم ويجوز ضمه (لسانها رواه أبو داود) قال ميرك في التصحيح: اعلم أن في
إسناد هذا الحديث محمد بن دينار الطاحي البصري. قال ابن معين: ضعيف وقال ابن مرة:
ليس به بأس، ولم يكن له كتاب وقال غيره ضعيف، وقال ابن عدي: قوله ويمص لسانها في
المتن لا يقوله إلا محمد بن دينار، وهو الذي رواه وفي إسناده أيضاً سعد بن أوس. قال ابن
معين: بصري ضعيف، قيل: إن ابتلاع ريق الغير يفطر إجماعاً، وأجيب على تقدير صحة
الحديث إنه واقعة حال فعلية محتملة أنه وس* كان يبصقه ولا يبتلعه، وكان يمصه ويلقي جميع
ما في فمه في فمها والواقعة الفعلية إذا احتملت لا دليل فيها. اهـ. ولا يخفى أن الوجه الثاني،
مع بعده إنما يتصوّر فيما إذا كانت غير صائمة والله أعلم.
٢٠٠٦ - (وعن أبي هريرة أن رجلاً سأل النبي وَلفي عن المباشرة للصائم) قيل: هي مس
الزوج المرأة فيما دون الفرج، وقيل: هي القبلة، واللمس باليد. (فرخص له وأتاه آخر فسأله)
أي عنها (فنهاه) قال أبو هريرة: فتأملنا حالهما (فإذا الذي رخص له) أي فيها (شيخ وأما الذي
نهاه) أي عنها (شاب) فيه إشارة إلى أنه و ◌ّر أجابهما بمقتضى الحكمة، إذ الغالب على الشيخ
سكون الشهوة وأمن الفتنة فأجاز له بخلاف الشاب فنهاه اهتماماً له، واختلف في أن هذا النهي
(١) فتح القدير ٢٦٤/٢ - ٢٦٥.
الحديث رقم ٢٠٠٥: أخرجه أبو داود في السنن ٢/ ٧٨٠ حديث رقم ٢٣٨٦. وأحمد في المسند ١٢٣/٦.
الحديث رقم ٢٠٠٦: أخرجه أبو داود في السنن ٢/ ٧٨٠ حديث رقم ٢٣٨٧.

٤٣٧
كتاب الصوم/ باب تنزيه الصوم
رواه أبو داود.
٢٠٠٧ - (٩) وعنه، قال: قال رسولُ اللهِ وَله: ((مَنْ ذَرَعَه القيْءُ وهوَ صائِمٌ، فليسَ
عليهِ قضاءً، ومَنِ اسْتَقاءَ عمداً؛ فلْيَقضٍ)). رواه الترمذيُّ، وأبو داود، وابنُ ماجه،
والدراميّ. وقال الترمذيُّ: هذا حديثٌ غريبٌ لا نعرِفِه إِلاَّ من حديثٍ عيسى بنِ يونُسَ.
وقال محمَّدُ - يعني البخاريٍّ .: لا أَراهُ محفُوظاً.
للتنزیه أو للتحریم. (رواه أبو داود) قال ابن الهمام سنده جيد.
٢٠٠٧ - (وعنه) أي عن أبي هريرة (قال: قال رسول الله تليفون: من ذرعه القيء) بالذال
المعجمة أي غلبه وسبقه في الخروج (وهو صائم فليس عليه قضاء) لأنه لا تقصير منه (ولو
استقاء) أي من تسبب لخروجه (عمداً) أي عالماً بالتحريم مختاراً قاله ابن حجر، والظاهر أنه
احتراز عن النسيان كما هو مذهبنا إذ الجهل ليس بعذر، وكذا الخطأ والاكراه. (فليقض) قال
ابن الملك: والأكثر على إنه لا كفارة عليه، وفي شرح السنة عمل بظاهر هذا الحديث أهل
العلم فقالوا من استقاء فعليه القضاء، ومن ذرعه فلا قضاء عليه لم يختلفوا فيه وقال ابن عباس
وعكرمة: بطلان الصوم، مما دخل وليس مما خرج قال ابن الهمام: روي أبو يعلى الموصلي
في مسنده، حدثنا أحمد بن منيع حدثنا مروان بن معاوية عن رزين البكري قال حدثتنا مولاة لنا
يقال لها سلمى من بكر بن وائل، أنها سمعت عائشة رضي الله عنها تقول دخل عليّ رسول الله
وَ* فقال: يا عائشة هل من كسرة؟ فأتته بقرص فوضعه على فيه فقال: يا عائشة هل دخل بطني
منه شيء؟ كذلك قبلة الصائم إنما الافطار مما دخل وليس مما خرج ولجهالة المولاة لم يثبته
بعض أهل الحديث ولا شك في ثبوته موقوفاً على جماعة ففي البخاري تعليقاً قال ابن عباس
وعكرمة: الفطر مما دخل، وليس مما خرج وأسند عبد الرزاق إلى ابن مسعود قال: إنما
الوضوء مما خرج وليس مما دخل والفطر مما دخل وليس مما خرج وروي من قول علي قال
البيهقي: وعلى كل حال يكون مخصوصاً بحديث الاستقاء، إذ الفطر فيه باعتبار أنه يعود بشيء
وإن قل حتى لا يحس به(١). (رواه الترمذي وأبو داود، وابن ماجه والدارمي) قال ابن الهمام:
رواه أصحاب السنن الأربعة، واللفظ للترمذي (وقال الترمذي: هذا حديث غريب) وفي نقل
ابن الهمام حسن غريب (لا نعرفه) أي من حديث هشام بن حسان عن ابن سيرين عن أبي هريرة
مرفوعاً (إلا من حديث عيسى بن يونس وقال محمد يعني البخاري لا أراه) بضم الهمزة أي لا
أظنه (محفوظاً) قال الطيبي: الضمير راجع إلى الحديث، وهو عبارة عن كونه منكراً. اهـ.
وهذا منه منكر إذ قال ابن الهمام قال البخاري لا أراه محفوظاً لهذا يعني للغرابة ولا يقدح في
الحديث رقم ٢٠٠٧: أخرجه أبو داود في السنن ٧٧٦/٢. حديث رقم ٢٣٨٠. والترمذي في السنن ٩٨/٣
حديث رقم ٧٢٠. وابن ماجه ٥٣٦/١ حديث رقم ١٦٧٦. والدارمي ٢٤/٢ حديث رقم ١٧٢٩.
وأحمد في المسند ٢/ ٤٩٨.
(١) فتح القدير ٢٦٦/٢.
ـدمە پربي .

٤٣٨
كتاب الصوم/ باب تنزيه الصوم
٢٠٠٨ - (١٠) وعن مَعدانَ بنِ طلحةَ، أنَّ أبا الدَّرداءِ حدَّثَه أنَّ رسولَ اللهِ وَلَهِ قاءً
فَأَفطّرَ. قالَ: فَلَقيتُ ثَوْبانَ في مسجدٍ دمشقَ، فقلتُ: إِنَّ أبا الدَّرداءِ حدَّثَني أنَّ رسولَ الله
وَ قاءَ فأفطرَ. قال: صدَقَ، وأنا صَبَبتُ له وَضُوءَه.
ذلك بعد تصديقه الراوي فإنه هو الشاذ المقبول وقد صححه الحاكم على شرط الشيخين، وابن
حبان ورواه الدارقطني وقال: رواته كلهم ثقات ثم قد تابع عيسى بن يونس، عن هشام بن
حسان حفص بن غياث رواه ابن ماجه ورواه الحاكم، وسكت عليه ورواه مالك في الموطأ
موقوفاً على ابن عمر، ورواه النسائي من حديث الأوزاعي موقوفاً على أبي هريرة ووقفه عبد
الرزاق على أبي هريرة وعلي أيضاً وما روي في سنن ابن ماجه إنه عليه الصلاة والسلام، خرج
في يوم كان يصومه فدعا بإناء، فشرب فقلنا يا رسول الله هذا يوم كنت تصومه قال أجل، ولكن
قيئت محمول على ما قبل الشروع أو عروض الضعف ثم الجمع بين آثار الفطر مما دخل وبين
آثار القيء إن في القيء يتحقق رجوع شيء مما يخرج وإن قل فلاعتباره يفطر وفيما إذا ذرعه أن
تحقق ذلك أيضاً لكن لا صنع له فيه، ولغيره من العباد فكان كالنسيان لا الاكراه والخطأ(١).
اهـ. قال الشمني: لو تقيأ دون ملىء الفم لا يقضي عند أبي يوسف، لعدم الخروج حكماً،
ويقضي عند محمد لاطلاق الحديث.
٢٠٠٨ - (وعن معدان) بفتح الميم (ابن طلحة أن أبا الدرداء حدثه) أي أخبره (إن رسول
الله ◌َ لقاء) أي عمداً لما تقدم من أن من ذرعه ليس عليه قضاء (فافطر) يعني عن صوم
التطوع، وهذا محمول على أنه كان لعذر من مرض أو ضعف لقوله تعالى: ﴿ولا تبطلوا
أعمالكم﴾ (قال) أي معدان (فلقيت ثوبان) هو مولى اشتراه عليه الصلاة والسلام وأعتقه (في
مسجد دمشق) بكسر الدال وفتح الميم ويكسر وهو لا ينصرف وقيل: منصرف أي في مسجد
الشام. (فقلت أن أبا الدرداء حدثني أن رسول الله وَّ ر قاء، فافطر قال) أي ثوبان (صدق) أي
أبو الدرداء (وأنا صببت) أي سكبت (له) أي للنبي وَّر (وضوءه) بالفتح أي ماء وضوئه قال
ميرك: احتج به أبو حنيفة، وأحمد وإسحاق وابن المبارك [والثوري] على أن القيء ناقض
الوضوء، وحمله الشافعي، على غسل الفم والوجه أو على استحباب الوضوء، والثاني أولى
من الأول لأن كلام الشارع إذا أمكن حمله على المعنى الشرعي لا ينبغي العدول عنه إلى
المعنى اللغوي، ولو قرينة السياق تقضي بأن الماء المصبوب للتنظيف نعم يتوقف الاستدلال به
للنقض على تحقق الوضوء السابق، مع أن الأصل في فعله والقر الخارج عن القرينة أن الحمل
على الندب على الخلاف المذكور في أصول الفقه، وقال ابن الهمام: قيل: رواية أبي الدرداء
حكاية قيء النبي وَّر لا يعلم إنه عليه الصلاة والسلام لأي علة أفطر للقيء أو لغيره وقد علم
(١) فتح القدير ٢٥٩/٢.
الحديث رقم ٢٠٠٨: أخرجه أبو داود في السنن ٧٧٧/٢ حديث رقم ٢٣٨١. والترمذي ١/ ١٤٢ حديث
رقم ٨٧. والدارمي ٢٤/٢ حديث رقم ١٧٢٨. وأحمد فى المسند ٦/ ٤٤٣.
٤٢٠٠

٤٣٩
کتاب الصوم/ باب تنزيه الصوم
رواه أبو داود، والترمذيّ، والدارميّ.
٢٠٠٩ - (١١) وعن عامرِ بنِ ربيعةً، قال: رأيتُ النَّبِيَّ وََّ ما لا أُحْصِي يتسَوَّكُ وهوَ
صائمٌ.
من قوله من ذرعه القيء، الحديث أن القيء لا يكون سبباً للفطر فظهر أن السبب غيره وهو
عود ما قاء أو وصول الماء إلى الجوف عند غسل الفم، وقول ثوبان صدق تصديق للقيء
والافطار لا تصديق كون الافطار للقيء (رواه أبو داود والترمذي والدارمي) قال ميرك: ورواه
النسائي وقال الترمذي: وقد جود حسين المعلم هذا الحديث وحديث حسين، أصح شيء في
هذا الباب.
٢٠٠٩ - (وعن عامر بن ربيعة قال: رأيت النبي ◌َّ ما لا أحصي) أي مقداراً لا أقدر على
احصائه، وعده لكثرته وقوله. (يتسوّك) مفعول ثان لأنه خبر على الحقيقة وما موصوفة ولا
أحصي صفتها وهي ظرف ليتسوّك أي يتسوك مرات، لا أقدر على عدها قاله الطيبي قال ميرك
ولعله حمل الرؤية على معنى العلم، فجعل يتسوك مفعولاً ثانياً، ويكتمل أن تكون بمعنى
الأبصار ويتسوك حينئذ حال وقوله، (وهو صائم) حال أيضاً إما مترادفة وإما متداخلة والله
[تعالى] أعلم أقول هذا الاحتمال أظهر من ذلك المقال، والتداخل متعين في الحال قال
المظهر: لا يضر السواك للصائم في جميع النهار [بل] هو سنة [عند أكثر أهل العلم، وبه قال
مالك وأبو حنيفة، لأنه مطهر] وقال ابن عمر يكره بعد الزوال لأن خلوف الصائم أثر العبادة
والخلوف يظهر عند خلو المعدة من الطعام وخلو المعدة يكون عند الزوال، غالباً وإزالة أثر
العبادة مكروه، وبه قال الشافعي وأحمد قال الشمني: لا يكره للصائم استعمال السواك، سواء
كان رطباً أو مبلولاً قبل الزوال أو بعده، وهو قول مالك وقال أبو يوسف: يكره بالرطب،
والمبلول وقال الشافعى، يكره بعد الزوال، لأن فيه إزالة الخلوف المحمود، بقوله عليه الصلاة
والسلام، لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك(١). ولنا ما روي ابن ماجه
والدارقطني من حديث عائشة قالت: قال رسول الله وَلو: من خير خصال الصائم السواك(٢)
والخلوف، بضم الخاء المعجمة على الصحيح، تغير رائحة الفم من خلو المعدة وذلك لا يزال
بالسواك قال ابن الهمام: بل إنما يزيل أثره الظاهر عن السن من الاصفرار، وهذا لأن سبب
الخلوف خلو المعدة من الطعام، والسواك لا يفيد شغلها بطعام ليرتفع السبب ولهذا روي عن
معاذ مثل ما قلنا روي الطبراني عن عبد الرحمن بن غنم قال: سألت معاذ بن جبل أتسوّك وأنا
صائم؟ قال نعم قلت: أي النهار أتسوّك؟ قال أي النهار شئت غدوة وعشية، قلت: إن الناس
الحديث رقم ٢٠٠٩: أخرجه أبو داود في السنن ٧٦٨/٢ حديث رقم ٢٣٦٤. والترمذي ١٠٤/٣ حديث
رقم ٧٢٥. وأحمد في المسند ٤٤٥/٣.
(١) البخاري في صحيحه الحديث رقم ٧٥٣٨ ومسلم ٢/ ٨٠٧ حديث رقم (١٦٣ - ١١٥١).
(٢) ابن ماجه فى السنن ٥٣٦/١ حديث رقم ١٦٧٧ والدارقطني عن ابن منيع ٢٠٣/٢.

٤٤٠
كتاب الصوم/ باب تنزية الصوم
رواه الترمذي، وأبو داود.
يكرهونه عشية، ويقولون إن رسول الله لقد قال لخلوف فم الصائم، أطيب عند الله من ريح
المسك. فقال سبحان الله لقد أمرهم بالسواك وهو يعلم أنه لا بد بفي الصائم خلوف، وإن
استاك وما كان بالذي يأمرهم أن ينتنوا أفواههم عمداً، ما في ذلك من الخير شيء بل فيه شر
إلا من ابتلى ببلاء لا يجد منه بدّاً قال وكذا الغبار في سبيل الله، لقوله عليه الصلاة والسلام من
اغبرت قدماه في سبيل الله حرمه الله على النار، إنما يؤجر عليه من اضطر إليه، ولم يجد عنه
محيصاً فأما من القى نفسه عمداً فما له في ذلك من الأجر شيء (١) قيل: ويدخل في هذا أيضاً
من تكلف الدوران تكثيراً للمشي إلى المساجد، نظراً إلى قوله عليه الصلاة والسلام وكثرة
الخطأ إلى المساجد، ومن تصنع في طلوع الشيب لقوله عليه الصلاة والسلام من شاب شيبة في
الإِسلام، إنما يؤجر عليهما من بلى بهما وفي المطلوب أيضاً أحاديث مضعفة نذكر منها شيئاً
للاستشهاد والتقوية، وإن لم يحتج إليه في الاثبات منها ما رواه البيهقي عن إبراهيم بن عبد
الرحمن ثنا إسحاق الخوارزمي قال سألت عاصماً الأحول أيستاك الصائم بالسواك الرطب؟ قال
نعم أتراه أشد رطوبة من الماء قلت: أول النهار وآخره، قال نعم قلت: عمن رحمك الله قال:
عن أنس عن النبي و 98 وروي ابن حبان عن ابن عمر قال: كان النبي ◌َّ يستاك آخر النهار،
وهذا هو الصحيح عن ابن عمر من قوله قلنا كفى ثبوته عن ابن عمر مع تعدد الضعيف فيه، مع
عمومات الأحاديث الواردة في فضل السواك، وأما ما روي الطبراني عنه عليه الصلاة والسلام
إذا صمتم فاستاكوا بالغدوة، ولا تستاكوا بالعشى فإن الصائم إذا يبست شفتاه كانت له نوراً يوم
القيامة، فحديث ضعيف لا يقاوم ما قدمنا (٢). اهـ. وبه بطل قول ابن حجر ليس فيه دليل لقول
أبي حنيفة ومالك بعدم كراهة تسوكه قبل الزوال، ووجه بطلانه إن المانع لا يحتاج إلى دليل لا
سيما إذا ورد عن الشارع أحاديث مطلقة شاملة لما قبل الزوال وما بعده وخصوصاً إذا ورد عن
الصحابة فعلهم وافتاؤهم على جوازه بعد الزوال، وکیف یصلح بعد هذا كله أن یکون حدیث
الخلوف دليلاً للشافعي ومن تبع على منع السواك بعد الزوال وصرف الاطلاق إلى ما قبل
الزوال من غير دليل صريح أو تعليل صحيح؟ وهل هو إلا مبالغة في فضيلة الصوم كما يبالغ
أحد ويقول لعرق فلان الذي يحصل حال كده في آخر النهار عندي أحسن من ماء الورد؟
فيكون فيه دلالة على كراهة إزالة العرق بالاغتسال. (رواه الترمذي وأبو داود) وقال الترمذي
حسن. اهـ. وقد أخرجه أحمد وابن خزيمة(٣).
(١) فتح القدير ٢٧١/٢.
(٢) المصدر السابق.
(٣) ابن خزيمة في صحيحه حديث رقم ٢٠٠٧.