Indexed OCR Text

Pages 281-300

٢٨١
كتاب الزكاة/ باب صدقة الفطر
على العبدِ، والحرِّ،
إلى قول مالك ومن تبعه كالشافعي وتضعيف البيهقي [له] على تقدير صحته مبني على حدوث
الضعف بعد تعلق اجتهاد المجتهد به وهو غير مضر ثم أو للتخيير بين النوعين وما في معناهما
فليس ذكرهما لحصر الاعطاء منهما. قال الطيبي: دل على أن النصاب ليس بشرط أي للاطلاق
وإلا فلا دلالة فيه نفياً وإثباتاً، فعند الشافعي تجب إذا فضل عن قوته وقوت عياله ليوم العيد
وليلته، قدر صدقة الفطر أقول وهذا تقدير نصاب كما لا يخفى إلا أن علماءنا قيدوا هذا
الإطلاق بأحاديث وردت تفيد التقييد بالغنى، وصرفوه إلى المعنى الشرعي والعرفي وهو من
يملك نصاباً منها قوله عليه الصلاة والسلام لا صدقة إلا عن ظهر غني (١) رواه الإمام أحمد في
مسنده قال ابن الهمام: وذكره البخاري في صحيحه تعليقاً وتعليقاته المجزومة لها حكم
الصحة، ورواه مرة بغير هذا اللفظ ولفظ الظهر مقحم كظهر القلب وظهر الغيب في المغرب،
وهو حجة على الشافعي في قوله تجب على من يملك زيادة على قوت يومه لنفسه وعياله. وأما
ما روي أحمد عن أبي ثعلبة بن أبي صغير عن أبيه أن رسول الله وَ* قال أدّوا صاعاً من قمح أو
صاعاً من برشك حماد عن كل اثنين صغير أو كبير ذكر أو أنثى حر أو مملوك غني أو فقير أما
غنيكم فيزكيه الله وأما فقيركم فيرد الله عليه أكثر مما يعطى(٢)، فقد ضعفه ولو صح لا يقاوم ما
رويناه في الصحة مع أن ما لا ينضبط كثرة من الروايات المشتملة على التقسيم المذكور، ليس
فيه الفقير فكانت تلك رواية شاذة فلا تقبل خصوصاً مع نبوّ [قواعد] الصدقات، والحديث
الصحيح عنها (٣) (على العبد والحر) قال الطيبي جعل وجوب الفطرة على السيد كالوجوب على
العبد قال ابن الهمام: عند قول صاحب الهداية وشرطت الحرية ليتعلق التمليك إذ لا يملك إلا
المالك ولا ملك لغير الحر، فلا يتحقق منه الركن وقول الشافعي إنها على العبد ويتحمله السيد
ليس بذاك لأن المقصود الأصلي من التكليف أن يصرف المكلف نفس منفعته لمالكه، وهو
الرب تعالى ابتلاء له لتظهر طاعته من عصيانه، ولذا لا يتعلق التكليف إلا بفعل المكلف فإذا
فرض كون المكلف لا يلزمه شرعاً صرف تلك المنفعة التي هي فيما نحن فيه فعل إلا عطاء
وإنما يلزم شخصاً آخر لزم انتفاء الابتلاء الذي هو مقصود التكليف، في حق ذلك المكلف
وثبوت الفائدة بالنسبة إلى ذلك الآخر لا تتوقف على الإيجاب على الأوّل لأن الذي له ولاية
الإِيجاد والإِعدام يمكن أن يكلف ابتداء السيد بسبب عبد ملكه، له من فضله فوجب لهذا
الدليل العقلي وهو لزوم انتفاء مقصود التكليف الأوّل أن يحمل ما ورد من لفظ على في نحو
قوله على كل حر وعبد على معنى عن كقوله:
إذا رضيت على بنو قشير
لعمر الله أعجبني رضاها
وهو كثير هذا لو لم يجىء شيء من ألفاظ الروايات بلفظ عن كيلا ينافيه الدليل العقلي
(١) أحمد في المسند ٢/ ٢٣٠. والبخاري تعليقاً ٣/ ٢٩٤ الباب ١٨ من كتاب الزكاة.
(٣) فتح القدير ٢١٩/٢.
(٢) فتح القدير ٢٢٠/٢.

٢٨٢
كتاب الزكاة/ باب صدقة الفطر
والذكرٍ، والأنثى، والصغيرِ، والكبيرِ من المسلمين. وأمرَ بها أن تُؤذَّى قبلَ خروجَ الناسِ
إلى الصلاة .
٠٫٠٠٠
فكيف وفي بعض الروايات صرح به على ما قدمناه(١). (والذكر والأنثى والصغير والكبير) وهو
يعم الحاضر والغائب حال كونهما (من المسلمين) قال الطيبي: حال من العبد وما عطف عليه
فلا يجب على المسلم فطرة العبد الكافر. قال صاحب الهداية: يجب للاطلاق ولحديث رواه
الدار قطني عن ابن عباس مرفوعاً، أدوا صدقة الفطر عن كل صغير وكبير ذكر أو أنثى يهودي أو
نصراني حر أو مملوك نصف صاع من بر أو صاعاً من تمر أو شعير(٢) قال ابن الهمام: أما
الحديث فضعيف وأما الآخر فإن الاطلاق في الصحيح يوجبها في الكافر، والتقييد في الصحيح
أيضاً بقوله من المسلمين لا يعارضه لما عرف من عدم حمل المطلق على المقيد في الأسباب
لأنه لا تزاحم فيها فيمكن الأخذ بهما فيكون كل من المطلق والمقيد سبباً بخلاف ورودهما في
حكم واحد(٣) هذا وتجب الفطرة على الزوجة دون زوجها عندنا وبه قال الثوري: خلافاً
للشافعي. (وأمر بها أن تؤدي قبل خروج الناس إلى الصلاة) قال الطيبي: أمر استحباب لجواز
التأخير عن الخروج عند الجمهور إلى الغروب وفي جواز التأخير عن اليوم خلاف وقال ابن
حجر: ومما يدل على كون الأمر ندباً خبر الحسن من أداها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة، ومن
أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات وبهذا يندفع قول بعض السلف أن الأمر ههنا
للوجوب، وإن قوّاه جمع من أئمتنا. اهـ. ولا يخفى أن خبر الحسن يفيد الوجوب إلا أن
جماعة ادعوا أن إخراجه قبل صلاة العبد أفضل إجماعاً، ثم مما يؤيد كون الأمر للندب جواز
التقديم أيضاً. قال ابن الهمام: بعد قول صاحب الهداية فإن قدموها على يوم الفطر جاز لأنه
أدى بعد تقرر السبب يعني الرأس الذي يموته، ويلي عليه فأشبه تعجيل الزكاة وفيه حديث
البخاري عن ابن عمر فرض رسول الله وَ ل# صدقة الفطر إلى أن قال: في آخره وكانوا يعطون
قبل الفطر بيوم أو يومين(٤)، وهذا مما لا يخفى على النبي ◌ّ# بل لا بد من كونه بإذن سابق
فإن الإِسقاط قبل الوجوب مما لم يعقل فلم يكونوا يقدمون عليه إلا بسمع والله أعلم(٥).
وقال: عند قوله هو الصحيح احتراز عن عن قول خلف وكذا الشافعي (٦) بجواز تعجيلها بعد
دخول رمضان لا قبله لأنها صدقة الفطر ولا فطر قبل الشروع في الصوم وعما قيل: في النصف
الأخير لا قبله، وعما قيل في العشر الأخير لا قبله وقال الحسن بن زياد: لا يجوز التعجيل
أصلاً(٧). اهـ. وكأنه أخذ بظاهر هذا الحديث وبما رواه الحاكم في علوم الحديث عن ابن
عمر: وقال: أمرنا رسول الله # أن نخرج صدقة الفطر عن كل صغير وكبير حر أو عبد صاعاً
من تمر، أو صاعاً من شعير أو صاعاً من قمح وكان يأمرنا أن نخرجها قبل الصلاة وكان رسول
(١) الهداية ١١٦/١.
(٣) البخاري في صحيحه ٣٧٥/٣ حديث رقم ١٥١١.
(٤) فتح القدير ٢٣٢/٢.
(٦) فتح القدير ٢٣٢/٢.
(٢) فتح القدير ٢٢٣/٢.
(٥) لم يذكر الشافعي في فتح القدير في هذا الموضع.
١

٢٨٣
كتاب الزكاة/ باب صدقة الفطر
متفق عليه .
١٨١٦ - (٢) وعن أبي سعيد الخدريّ، قال: كنّا نُخرِجُ زكاةَ الفطرِ صاعاً من
طعام، أو صاعاً من شعيرٍ، أو صاعاً من تمرٍ، أو صاعاً من أَقِطِ، أو صاعاً من زبيبٍ.
متفق عليه .
الله وَيه يقسمها قبل أن ينصرف إلى المصلى ويقول أغنوهم عن الطواف في هذا اليوم. اهـ.
وفي رواية أغنوهم عن الطلب في هذا اليوم ولعل الأمر بالإِغناء لئلا يتشاغل الفقير، بالمسألة
عن الصلاة والجمهور حملوا أمره وفعله على الاستحباب لما تقدم. (متفق عليه) قال ميرك:
ورواه الأربعة إلى قوله من المسلمين.
١٨١٦ - (وعن أبي سعيد الخدري قال كنا نخرج زكاة الفطر، صاعاً من طعام) قال
الطيبي: أي بر بقرينة قوله (أو صاعاً من شعير) قال علماؤنا: إن المراد بالطعام المعنى الأعم
فيكون عطف ما بعده عليه من باب عطف الخاص على العام وإن أردت تحقيق المرام فعليك
بشرح ابن الهمام فإنه بسط الكلام في هذا المقام. (أو صاعاً من تمر) قال ميرك: نقلاً عن
الأزهار اختلف العلماء في أن أو في هذا الحديث لتخيير المؤدي، من هذه الأشياء أو لتعيين
واحد منها وهو الغالب فيه قولان أحدهما أنه للتخيير وبه قال أبو حنيفة: والثاني أنه لتعيين أحد
هذه الأشياء بالغلبة وهو غالب قوت البلد على الأصح وبه قال الأكثرون: ومعناه كنا نخرج هذه
الأنواع، بحسب أقواتنا ومقتضى أحوالنا. اهـ. وقال ابن الملك: أو هذه للتنويع لا للتخيير فإن
القوت الغالب لا يعدل عنه إلى ما دونه في الشرف. اهـ. وهو خلاف المذهب (أو صاعاً من
أقط) بفتح الهمزة وكسر القاف هو الكشك إذا كان من اللبن قال الثوري: وغيره وهو لبن يابس
غير منزوع الزبد، وقد ضبط بعضهم الأقط بتثليث الهمزة وإسكان القاف. قال ابن الملك: في
الاقط خلاف وظاهر الحديث يدل على جوازه. (أو صاعاً من زبيب) وفي رواية نصف صاع
وهو رواية عن أبي حنيفة رواها الحسن عنه وصححها أبو اليسر وفي رواية نصف صاع (متفق
عليه) قال ميرك ورواه أحمد والشافعي.
الحديث رقم ١٨١٦: أخرجه البخاري في صحيحه ٣٧١/٣. حديث رقم ١٥٠٦. ومسلم في صحيحه ٢/
٦٧٨ حديث رقم (٩٨٥/١٧). وأبو داود في السنن ٢٦٦/٢ حديث رقم ١٦١٤. والترمذي في
السنن ٥٩/٣ حدیث رقم ٦٧٣. والنسائي ٥١/٥ حديث رقم ٢٥١٢. وابن ماجه ٥٨٥/١ حديث
رقم ١٨٢٩. والدارمي ٤٨١/١ حديث رقم ١٦٦٤. ومالك في الموطأ ٢٨٤/١ حديث رقم ٥٣
من كتاب الزكاة.

٢٨٤
كتاب الزكاة/ باب صدقة الفطر
:
الفصل الثاني
١٨١٧ - (٣) عن ابنِ عبَّاسٍ، قال: في آخرِ رمضانَ أخرِجوا صدقةً صومِكم. فرضَ
رسولُ اللَّهِ وَِّ هذه الصدقةَ صاعاً من تمرٍ، أو شعيرٍ، أو نصف صاعٍ من قمح على كلِّ حرّ
أو مملوكٍ، ذكرٍ أو أنثى، صغيرٍ أو كبير. رواه أبو داود، والنسائي.
١٨١٨ - (٤) وعنه، قال: فرضَ رسولُ اللَّهِ وَّهَ زكاةَ الفطرِ طُهرَ الصيامِ من اللَّغوِ
والرَّفتِ،
(الفصل الثاني)
١٨١٧ - (عن ابن عباس قال) أي ابن عباس والمعنى أنه قال للناس (في آخر رمضان)
ظرف قال: ويحتمل أن يكون ظرف قوله (اخرجوا صدقة صومكم فرض رسول الله وصلحجم هذه
الصدقة صاعاً من تمر أو شعير أو نصف صاع من قمح) أي حنطة وبه قال أبو حنيفة: خلافاً
للثلاثة ويؤيده حديث معاوية، حيث قال في خطبته بالمدينة أرى نصف صاع من حنطة تعدل
صاعاً من تمر والظاهر أن هذا مرفوع حكماً ويحتمل كونه من اجتهاده والله أعلم. (على كل
حر أو مملوك ذكر أو أنثى صغير أو كبير رواه أبو داود والنسائي) قال ميرك: كلاهما من حديث
الحسن عن ابن عباس وقال الحسن: لم يسمع منه قلت فيكون الحديث مرسلاً وهو حجة عند
الجمهور فقول ابن حجر الحديث ضعيف مبني على قواعد مذهبه ومما يدل على حسن إسناده
سکوت أبي داود بعد إيراده.
١٨١٨ - (وعنه) أي عن ابن عباس (قال: فرض رسول الله وَلفر زكاة الفطر طهر الصيام)
أي تطهير الصوم وقيل: الصيام جمع صائم، كالقيام جمع قائم وفي المصابيح طهرة الصائم أي
تطهيراً لذنوبه (من اللغو) وهو ما لا يعني وقيل الباطل وقال الطيبي: المراد به القبيح (والرفث)
أي الفحش من الكلام. قال الطيبي: هو في الأصل ما يجري من الكلام بين الرجل والمرأة
تحت اللحاف، ثم استعمل في كل كلام قبيح. اهـ. فيحمل قوله في تفسير اللغو على القبيح
الفعلي أو العطف تفسيري قال ابن الملك: وهذا لأن الحسنات يذهبن السيئات، تمسك به من
الحديث رقم ١٨١٧ : أخرجه أبو داود في السنن ٢/ ٢٧٢ حديث رقم ١٦٢٢. والنسائي ٥٠/٥ حديث رقم
٢٥٠٨.
الحديث رقم ١٨١٨: أخرجه أبو داود في السنن ٢٦٢/٢ حديث رقم ١٦٠٩. وابن ماجه ٥٨٥/١ حديث
رقم ١٨٢٧.

٢٨٥
كتاب الزكاة/ باب صدقة الفطر
وطعمةً للمساكين. رواه أبو داود.
الفصل الثالث
١٨١٩ - (٥) عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدِّه، أنَّ النبيَّ لَهُ بعثَ مُنادياً في
فجاج مكّة: ((ألا إِنَّ صدقة الفطرِ واجبةٌ على كلِّ مسلم، ذكرٍ أو أنثى، حرّ أو عبد، صغيرٍ،
أو کبیر؛ مُدَّانِ
لم يوجب الفطرة على الأطفال لأنهم إذا لم يلزمهم الصيام، لم يلزم طهرته والأكثرون على
إيجابها عليهم ولعلهم نظروا إلى أن علة الإيجاب، مركبة من الطهرة والطعمة رعاية لجانب
المساكين وذهب الشافعي بهذا أيضاً إلى أن شرط وجوبها أن يملك ما يفضل عن قوت يومه
لنفسه، وعياله لاستواء الغني والفقير في كونها طهرة أقول كما أنه شرط ما ذكر شرطنا النصاب
لما تقدم من الأدلة جمعاً بين الأحاديث، ما أمكن وفيه إيماء إلى تفضيل الفقراء فكانت أعمالهم
مطهرة وذنوبهم مغفورة، من غير صدقة وإشارة إلى أن أكثر وقوع اللغو والرفث إنما هو من
الأغنياء. (وطعمة للمساكين) أي ليكون قوتهم يوم العيد مهيئاً تسوية بين الفقير، والغني في
وجدان القوت ذلك اليوم وفيه دلالة ظاهرة على أن الطهرة على الأغنياء من الصائمين والطعمة
للفقراء [والمساكين] كما هو مقتضى التقسيم سيما على مذهب الشافعي في تعريف المسكين
(رواه أبو داود) قال ميرك: وسكت عليه هو والمنذري يعني فسنده حسن بل قال الحاكم:
صحيح على شرط البخاري(١)، قال ابن الهمام: ولا يخفى أن ركن صدقة الفطر، هو نفس
الأداء إلى المصرف وسبب شرعيتها ما نص عليه في رواية أبي داود وابن ماجه عن ابن عباس
[رضي الله عنهما] فرض رسول الله وَير زكاة الفطر طهرة للصائم من اللغو، أو الرفث وطعمة
للمساكين من أداها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة ومن أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات
ورواه الدارقطني وقال ليس في روايته مجروح(٢). اهـ. وفي خبر حسن غريب، شهر رمضان
معلق بين السماء والأرض، لا يرفع إلا بزكاة الفطر (٣).
(الفصل الثالث)
١٨١٩ - (عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ◌ّ بعث منادياً في نجاح مكة)
بكسر الفاء أي في طرقها وهي الواسعة متعلق ببعث (ألا أن صدقة الفطر واجبة على كل مسلم
ذكر أو أنثى، حر أو عبد صغير أو كبير مدان) أي هي مدان فهو مرفوع على أنه خبر مبتدأ
(١) الحاكم في المستدرك ١/ ٤٠٩.
(٢) فتح القدير ٢١٨/٢.
(٣) عزاه في كنز العمال إلى ابن شاهين والضياء ٤٦٦/٨ حديث رقم ٢٣١٨٧.
الحديث رقم ١٨١٩: أخرجه الترمذي في السنن ٦٠/٣ حديث رقم ٦٧٤. والدارقطني في السنن ١٤١/٢
حديث رقم ١٤ من باب زكاة الفطر.
٠,٠٠

٢٨٦
394
كتاب الزكاة/ باب صدقة الفطر
من قمحِ و سِواه، أو صاعٌ من طعام)). رواه الترمذي.
١٨٢٠ - (٦) وعن عبدِ الله بن ثعلبة، أو ثعلبةَ بنِ عبدِ الله بن أبي صُعَير، عن أبيه،
قال: قال رسولُ اللّهِ وَلّهِ: ((صاعْ من بُرٍ أو قمحِ عن كلِّ اثنين؛ صغيرٍ أو كبير، حرّ أو
عبد، ذكرٍ أو أنثى. أما غنيُكم فيزكّيهِ الله. وأمَّا فقيرُكم
محذوف والجملة بيان لصدقة أو خبر بعد خبر (من قمح) تمييز (أو سواه) أي من غير القمح
وأو للتخيير أو للتنويع (أو صاع) شك من الراوي (من طعام) أي سوى القمح وهو يؤيد التأويل
الذي قدمناه من أن الطعام يراد به المعنى الأعم وقال ابن حجر: شك في أي اللفظين سمع.
اهـ. وهو يحتمل أن يكون بدلاً من قوله، مدان أو سواه (رواه الترمذي) وقال غريب: نقله
ميرك ثم اعلم أن الأحاديث والآثار تعارضت في مقدار الحنطة ففي بعضها مدان، وفي بعضها
صاع وفي بعضها نصف صاع، فإن أردت تحقيق الكلام فعليك بشرح الهداية لابن الهمام(١).
١ /٠٣٠
١٨٢٠ - (وعن عبد الله بن ثعلبة أو ثعلبة بن عبد الله بن أبي صعير) بالتصغير (عن أبيه)
أورد الذهبي في الكاشف عبد الله بن ثعلبة بن صعير بلا لفظ أبي وكذا أورده المزي في تهذيب
الكمال، لكن قال ويقال ابن أبي صعير أبو محمد المدني الشاعر حليف بني زهرة مسح رسول
الله وَله وجهه، ورأسه زمن الفتح. اهـ. وقال الشيخ ابن حجر في التقريب: في العين المهملة
عبد الله بن ثعلبة بن صعير بالمهملتين، ويقال ابن أبي صعير له رؤية ولم يثبت له سماع مات
سنة سبع أو تسع وثمانين، وقد قارب التسعين وقال: في حرف الثاء المثلثة ثعلبة بن صعير أو
ابن أبي صعير بمهملتين مصغر العذري بضم المهملة وسكون المعجمة، ويقال ثعلبة بن عبد الله
ابن صعير ويقال عبد الله بن ثعلبة بن صعير مختلف في صحبته والله أعلم نقله ميرك ثم قال:
وحديثه هذا مضطرب وفي إسناده النعمان بن راشد، وقد تفرد بروايته قال البخاري: وهو يهم
كثيراً وقال: مهما ذكرت لأحمد حديث ثعلبة بن صعير، فقال: ليس بصحيح إنما هو مرسل
يرويه معمر، وابن جريح عن الزهري مرسلاً. اهـ. قال المؤلف: هو عبد الله بن ثعلبة المازني
العذري، ولد قبل الهجرة بأربع سنين ومات سنة تسع وثمانين ورأى النبي ◌ُّر عام الفتح ومسح
وجهه، روي عنه ابنه عبد الله والزهري ذكره في حرف العين في فصل الصحابة ولم يذكره في
حرف المثلثة. (قال: قال رسول الله وتلقى: صاع من بر) أي الفطرة صاع، موصوف بأنه من بر
(أو قمح) شك من الراوي (عن كل اثنين) أي مجزىء (صغير أو كبير حر أو عبد ذكر أو أنثى
أما غنيكم) أي وجوبها عليه (فيزكيه الله) التزكية بمعنى التطهير أو التنمية أي بطهر حاله وينمي
ماله وأعماله بسببها (وأما فقيركم) أي بالإضافة إلى أكابر الأغنياء على مذهبنا وأما على مذهب
الشافعي فمن ملك صدقة الفطر زيادة على قوت نفسه وعياله ليوم العيد وليلته، وهو يرد عليهم
(١) راجع فتح القدير ٢٢٥/٢.
الحديث رقم ١٨٢٠: أخرجه أبو داود في السنن ٢٧٠/٢ حديث رقم ١٦١٩.

٢٨٧
كتاب الزكاة/ باب من لا تحل له الصدقة
فيُردُّ عليهِ أكثر ممَّا أعطاه)). رواهُ أبو داود.
(٣) باب من لا تحل له الصدقة
في الفرق بين الفقير والمسكين (فيرد) أي الله (عليه أكثر مما أعطاه) أي هو المساكين وفي
نسخة بصيغة المجهول في فيرد ويرفع أكثر والأوّل، أكثر وفي هذا تسلية لمن يكون قليل
المال، بوعد العوض والخلف في المال. (رواه أبو داود) وسكت عنه فيكون حسناً فقول ابن
حجر هذا حديث ضعيف، منكر من القول قال ابن الهمام: هو حديث مروي في سنن أبي داود
والدارقطني ومسند عبد الرزاق، وقد اختلف في الاسم والنسبة والمتن فالأوّل أهو ثعلبة بن أبي
صعير أو هو ثعلبة بن عبد الله بن أبي صعير أو عبد الله [بن ثعلبة] بن صعير عن أبيه؟ والثاني
أهو العدوي أو العذري؟ فقيل العدوي نسبة إلى جده الأكبر عدي، وقيل: العذري وهو
الصحيح ذكره في المغرب وغيره وقال أبو علي الغساني: في تقييد المهمل العذري بضم الذال
المعجمة، والراء هو عبد الله بن ثعلبة بن صعير أبو محمد حليف بني زهرة أي النبي وَل وهو
صغير والعدوي تصحيف والثالث أهو أدوا صدقة الفطر صاعاً من تمر أو قمح عن كل رأس
وهو صدقة الفطر صاع من بر أو قمح عن كل اثنين؟ قال في الإِمام: ويمكن أن يصرف رأس
إلى اثنين(١). اهـ. لكن تبعده رواية بين اثنين وهي من طرقه الصحيحة التي لا ريب فيها طريق
عبد الرزاق أخبرنا ابن جريج عن ابن شهاب عن عبد الله بن ثعلبة قال: خطب رسول الله وجل اله
الناس قبل يوم الفطر بيوم، أو يومين [فقال] أدوا صاعاً من بر أو قمح بين اثنين أو صاعاً، من
تمر أو شعير عن كل حر وعبد صغير أو كبير وهذا سند صحيح وفي غير هذه من أين يجاء
بالرأي .
(باب من لا تحل له الصدقة)
قيل: هي منحة لثواب الآخرة، والهدية أن يملك الرجل تقرباً إليه وإكراماً له ففي الصدقة
نوع ترحم وذل للآخذ ولذلك حرمت على النبي وَ ل﴿ بخلاف الهدية، وأيضاً لما كان وَلّور آمراً
بالصدقات ومرغباً في المبرات فتنزه عن الأخذ منها براءة لساحته عن الطمع فيها، وعن التهمة
بالحث عليها ولذا قال: تؤخذ من أغنيائهم، وترد على فقرائهم إيماء إلى أن المصلحة راجعة
إليهم، وإنه سفير محض مشفق عليهم وهو يحتمل أن يكون بأمر الله تعالى أو باجتهاد صدر من
مشكاة صدره الأنور وقلبه الأزهر.
:
(١) فتح القدير ٢١٨/٢.
٥٫٤٠

٢٨٨
كتاب الزكاة/ باب من لا تحل له الصدقة
الفصل الأول
١٨٢١ - (١) عن أنس، قال: مرَّ النبيُّ وَّر بتمرةٍ في الطريق، فقال: ((لولا أني أخافُ
أن تكونَ من الصدقةِ لأكلتُها)». متفق عليه.
" *.
١٨٢٢ - (٢) وعن أبي هريرةَ، قال: أخذَ الحسنُ بنُ علي تمرةً من تمرِ الصدقةِ
فجعلَها في فيهِ، فقالَ النبيُّ ◌َلّر: ((كِخ کِخْ))
(الفصل الأوّل)
١٨٢١ - (عن أنس قال: مر النبي وَلّ بتمرة) أي ملقاة (في الطريق فقال لولا أني أخاف
أن تكون من الصدقة) أي من تمرها (لأكلتها) تعظيماً لنعمة الله تعالى، والحديث يدل على
حرمة الصدقة على النبي ◌ّلر وعلى جواز أكل ما وجد في الطريق من الطعام القليل، الذي لا
يطلبه مالكه وعلى أن الأولى بالمتقي أن يجتنب عما فيه تردد وفي الأحياء روي عنه عليه
الصلاة والسلام أنه أرق ليلة فقالت: له بعض نسائه أرقت يا رسول الله قال أجل، وجدت تمرة
فخشيت أن تكون من الصدقة وفي رواية فأكلتها فخشيت، وأما ما روي أن عمر رضي الله عنه
رأى رجلاً ينادي على عنبة التقطها فضربه بالدرة، وقال: إن من الورع ما يمقت الله عليه
فمحمول على أنه تبين له من فعل ذلك إنه إنما يقصد به الرياء، والسمعة وإظهار الورع هنالك
ولخروجه بتصنعه عما عرف من أحوال الصحابة إنهم كانوا يتوضؤون ويمشون حفاة، ويصلون
من غير نظر إلى أن في الطريق نجاسة أو لا وقد أتى النبي وَلّر بجنبة وجبة من المشركين فأكل
وليس هذا ولو نظر أحد للاحتمالات البعيدة، لم يجد على وجه الأرض حلالاً ولذا قال
بعضهم: لا يتصوّر الحلال بيقين إلا في الماء النازل من السماء المتلقى باليد، مما في الهواء
(متفق عليه) قال میرك: ورواه أبو داود.
١٨٢٢ - (وعن أبي هريرة قال: أخذ الحسن بن علي تمرة من تمر الصدقة) أي الزكاة
(فجعلها في فيه) أي فمه (فقال النبي والتر كخ كخ) بكسر الكاف وفتحها وسكون الخاء قيل:
وبكسر فتنوين فارسية معربة، وهي كلمة يزجر بها الصبي والصبية عن تعاطي المستقذر بمعنى
١١٧٠
الحديث رقم ١٨٢١: أخرجه البخاري في صحيحه ٢٩٣٤/٤. حديث رقم ٢٠٥٥. ومسلم في صحيحه
٧٥٢/٢ حديث رقم (١٦٤ - ١٠٧١). وأبو داود في السنن ٢/ ٣٠٠ حديث رقم ١٦٥٢. وأحمد
في المسند ٢٩١/٣.
الحديث رقم ١٨٢٢: أخرجه البخاري في صحيحه ٣٥٤/٣. حديث رقم ١٤٩١. ومسلم في صحيحه ٢/
٧٥١ حديث رقم (١٦١ - ١٠٦٩). والدارمي في السنن ١/ ٤٥٢ حديث رقم ١٥٩١. وأحمد في
المسند ١/ ٢٠٠.
محد

٢٨٩
كتاب الزكاة/ باب من لا تحل له الصدقة
..-
٢٠٠٠٠
٠٫٠
ليطرحَها، ثمّ قال: ((أما شعرتَ أنّا لا نأكلُ الصدقةَ؟!)). متفق عليه.
١٨٢٣ - (٣) وعن عبدِ المطلبِ بنِ ربيعة، قال: قال رسولُ اللهِ وَّ: ((إِنَّ هذهِ
الصدقاتِ إِنَّما هي أوساخُ النَّاسِ، وإِنَّها لا تحلُّ لمحمَّدٍ ولا لآلِ محمَّد)). رواه مسلم.
اترك وارم والتكرير للتأكيد. (ليطرحها) أي التمرة من فيه (ثم قال أما شعرت) أي أما
علمت كما في رواية (أنا) أي معشر بني هاشم (لا نأكل الصدقة) قال ابن حجر: وهذا
يستعمل في أمر واضح، وإن لم يعلمه المخاطب أي كيف خفي هذا عليك مع ظهوره؟
فهو أبلغ في الزجر من لا تفعل وفيه مخاطبة من لا تمييز له كما يدل عليه كخ كخ إذ لا
يستعمل إلا في غير المميز وفائدته إعلام الحاضرين، بالحكم ليذيع ويشتهر قال ابن
الملك: وهذا يدل على أنه وجب على الآباء نهى الأولاد عما لا يجوز في الشرع. اهـ.
ولذا قال علماؤنا: يحرم على الآباء والأمهات الباس الصبي، الحرير والحلي من الذهب
والفضة خلافاً للشافعي وقد أورد الغزالي هذا الحديث في الأحياء، عند ذكر ورع المتقين
وقال ابن حجر: يحرم عليه وَيهر الصدقة الواجبة والمندوبة وأما على آلة فالمفروضة لا غير
وسيأتي كلام أئمتنا (متفق عليه).
١٨٢٣ - (وعن عبد المطلب بن ربيعة قال: قال رسول الله وَجلول: إن هذه الصدقات) أى
أنواع الزكاة وأصناف الصدقات، (إنما هي أوساخ الناس) الجملة خبر لقوله هذه كما في قوله
تعالى: ﴿إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنا لا نضيع أجر من أحسن عملاً﴾ [الكهف - ٣٠]
فلا يحتاج إلى تقدير خبر كما اختاره ابن حجر ولا إلى القول بأنها بدل مما قبلها وبأنها زائدة
ونحوها وإنما سماها أوساخاً لأنها تطهر أموالهم، ونفوسهم قال تعالى: ﴿خذ من أموالهم
صدقة تطهرهم ﴾ فهي كغسالة الأوساخ ففي الكلام تشبيه بليغ (وإنها لا تحل لمحمد ولا لآل
محمد) زيد لا لتأكيد لا النافية وكذا اللام الثانية قال ميرك فيه دليل على أن الصدقة تحرم عليه
وعلى آله سواء كان بسبب العمل، أو بسبب الفقر والمسكنة وغيرهما وهذا هو الصحيح عندنا
وقال ابن الملك: الصدقة لا تحل للنبي وَ 18 فرضاً كانت أو نفلاً وكذا المفروضة لآله أي
اقربائه، وأما التطوع فمباح لهم قال ابن الهمام: عند قول صاحب الهداية ولا تدفع إلى بني
هاشم، هذا ظاهر الرواية وروي أبو عصمة عن أبي حنيفة أنه يجوز في هذا الزمان وإنما كان
ممتنعاً في ذلك الزمان، وعنه وعن أبي يوسف يجوز أن يدفع بعض بني هاشم إلى بعض
زكاتهم(١) قال الشمني: وبنو هاشم هم بنو الحارث، والعباس ابنا عبد المطلب جد النبي وَّة.
وبنو علي وجعفر وعقيل أولاد أبي طالب عم النبي ◌َّ لا بنو أبي لهب لأن حرمة الصدقة أولاً
في الآباء إكراماً لهم ثم سرت إلى الأبناء، ولا إكرام لأبي لهب. (رواه مسلم) قال ميرك: في
الحديث رقم ١٨٢٣: أخرجه مسلم في صحيحه ٧٥٣/٢ حديث رقم (١٦٧ - ١٠٧٢). والنسائي في
السنن ١٠٥/٥ حديث رقم ٢٦٠٩. وأحمد في المسند ١٦٦/٤.
(١) فتح القدير ٢/ ٢١١.

٢٩٠
كتاب الزكاة/ باب من لا تحل له الصدقة
قصة طويلة وأخرج البخاري تحريم الصدقة على آل النبي ◌ِّر، من حديث أبي هريرة (١). اهـ.
قال ابن الهمام: روي مسلم عن عبد المطلب بن ربيعة بن الحرث قال اجتمع ابن ربيعة،
والعباس بن عبد المطلب، فقالا: لو بعثنا هذين الغلامين وللفضل ابن عباس إلى رسول الله
وَيرٍ فأمرهما على هذا الصدقة فأصابا منها ما يصيب الناس، فقال علي لا ترسلوها فانطلقنا حتى
دخلنا على رسول الله وَّر وهو يومئذ عند زينب بنت جحش، فقلنا يا رسول الله قد بلغنا النكاح
وأنت أبر الناس، وأوصل الناس، وجئناك لتؤمرنا على هذه الصدقات فنؤدي إليك كما يؤدي
الناس، ونصيب كما يصيبون قال: فسكت طويلاً ثم قال: إن الصدقة لا تنبغي لآل محمد إنما
هي أوساخ الناس ادعوا إليّ محمية بن جزء رجلاً من بني أسد كان رسول الله وَله يستعمله على
الأخماس، ونوفل بن الحارث بن عبد المطلب فأتياه فقال لمحمية أصدق عنهما من الخمس،
كذا وكذا قال ابن الهمام: وهذا ما وعدناك من النص على عدم حل أخذها للعامل الهاشمي،
ولفظه للطبراني لا يحل لكم أهل البيت من الصدقات شيء إنما هي غسالة أيدي الناس، وإن
لكم في خمس الخمس ما يغنيكم وهو يوجب تحريم صدقة بعضهم، على بعض وكذا ما روي
البخاري عنه عليه الصلاة والسلام نحن أهل البيت لا تحل لنا الصدقة ثم لا يخفى أن هذه
العمومات تنظم الصدقة النافلة، والواجبة فجروا على موجب ذلك في الواجبة فقالوا: لا يجوز
صرف كفارة اليمين، والظهار والقتل وجزاء الصيد وعشر الأرض وغلة الوقف إليهم، وأما
الصدقة النافلة فقال في النهاية ويجوز النفل بالإِجماع وكذا يجوز النفل للغني كذا في الفتاوى
العتابية. اهـ. وصرح في الكافي بدفع صدقة الوقف إليهم على أنه بيان المذهب من غير نقل
خلاف فقال: وأما التطوّع والوقف فيجوز الصرف إليهم لأن المؤدي في الواجب يطهر نفسه
بإسقاط الفرض، فيتدنس به المؤدي كالماء المستعمل وفي النفل يتبرع بما ليس عليه فلا يتدنس
به المؤدي كمن تبرد بالماء. اهـ. والحق الذي يقتضيه النظر إجراء صدقة الوقف مجرى النافلة
فإن ثبت في النافلة جواز الدفع يجب دفع الوقف، وإلا فلا إذ لا شك في أن الواقف متبرع
بتصدقه بالوقف إذ لا انفاق واجب وكان منشأ الغلط وجوب دفعها على الناظر، وبذلك لم تصر
صدقة واجبة على المالك بل غاية الأمر أنه وجوب اتباع شرط الواقف على الناظر فوجوب
الأداء هو نفس هذا الوجوب، فلنتكلم في النافلة ثم يعطى مثله للوقف ففي شرح الكنز لا فرق
بين الصدقة الواجبة والتطوّع، ثم قال: وقال بعض: يحل لهم التطوع فقد أثبت الخلاف على
وجه يشعر بترجيح حرمة النافلة، وهو الموافق للعمومات فوجب اعتباره فلا تدفع إليهم النافلة
إلا على وجه الهبة مع الأدب، وخفض الجناح تكرمة لأهل بيت رسول الله وَ ل﴿ وأقرب الأشياء
إليك، حديث لحم بريرة الذي تصدق به عليها لم يأكله حتى اعتبره هدية منها فقال: هو عليها
صدقة ولنا منها هدية والظاهر إنها كانت صدقة نافلة(٢).
(١) البخاري في صحيحه ٣٥٤/٣ حديث رقم ١٤٩١.
(٢) فتح القدير ٢١٢/٢.

٢٩١
كتاب الزكاة/ باب من لا تحل له الصدقة
١٨٢٤ - (٤) وعن أبي هريرةَ، قال: كانَ رسولُ اللَّهِ بَّهِ إِذا أُتَيَ بطعام سألَ عنهُ
((أهديَّةٌ أم صدقة؟)) فإِنْ قيلَ: صدقةٌ؛ قالَ لأصحابهِ: ((كُلوا)) ولمْ يأكُلْ، وإِنْ قِيَلَ: هديَّةٌ،
ضربَ بيدِهِ فأكلَ معهم. متفق عليه.
١٨٢٥ - (٥) وعن عائشةَ، قالت: كانَ في بريرةَ ثلاثُ سُنَنٍ: إِحدى السُّنَّنِ أنها
عتَقَتْ فخُيّرَتْ في زوجِها، وقال رسولُ الله وَّر: ((الوَلاءُ لمَنْ أعتقَ)). ودخلَ رسولُ اللَّهِ بِه
والبُرمةُ تفورُ
١٨٢٤ - (وعن أبي هريرة قال: كان رسول الله وَ ﴿ إذا أتي بطعام) أي جيء به (سأل عنه)
أي عن الطعام أو عن الآتي به (أهدية) أي فقال أهو هدية (أم صدقة فإن قيل) أي له (صدقة)
أي هو (قال لأصحابه) أي من غير آله (كلوا ولم يأكل وإن قيل: هدية ضرب بيده) الباء للتعدية
أي شرع ومد يده إليه سريعاً من غير تحام عنه (فأكل معهم) وفارقت الصدقة الهدية حيث
حرمت عليه تلك، وحلت له هذه بأن القصد من الصدقة ثواب الآخرة، وذلك ينبىء عن عز
المعطي وذل الآخذ في احتياجه إلى الترحم عليه، والرفق إليه ومن الهدية التقرب إلى المهدى
إليه، وإكرامه بعرضها عليه ففيها غاية العزة والرفعة لديه وأيضاً فمن شأن الهدية مكافأتها في
الدنيا ولذا كان عليه الصلاة والسلام يأخذ الهدية، ويثيب عوضها عنها فلا منة ألبتة فيها بل
لمجرد المحبة كما يدل عليه حديث تهادوا تحابوا وأما جزاء الصدقة ففي العقبى، ولا يجازيها
إلا المولى (متفق عليه).
١٨٢٥ - (وعن عائشة قالت: كان في بريرة) أي حصل بسببها (ثلاث سنن) أي أحكام
ومسائل شرعية جعلتها مكاناً ومقراً للمسائل لأنها وجدت بوجودها، وهي اسم جارية اشترتها
عائشة وأعتقتها وزعم بائعوها أن الولاء لهم وكانت حال عتقها متزوّجة عبداً اسمه مغيث كما
في البخاري ذكره ابن حجر (إحدى السنن إنها عتقت) بفتح العين والتاء أي صارت معتوقة
(فخيرت في زوجها) أي بين فسخ نكاحه وامضائه فالمرأة إذا كانت أمة وزوجها عبد فعتقت
تكون مخيرة إن شاءت فسخت وإن شاءت لا وهي المسألة الأولى. (وقال رسول الله وَطير:) أي
في قضيتها وهي قصة مشهورة (الولاء) بفتح الواو (لمن أعتق) أي لا لمن باع ولو شرط أن
الولاء له فمن أعتق عبداً أو أمة، كان ولاؤه له أي وهذه هي المسألة الثانية. (ودخل رسول
الله ◌َ*) أي على عائشة (والبرمة) أي القدر من الحجر ويستعمل بمعنى القدر مطلقاً، (تفور)
الحديث رقم ١٨٢٤: أخرجه البخاري في صحيحه ٢٠٣/٥. حديث رقم ٢٥٧٦. ومسلم في صحيحه ٢/
٧٥٦ حديث رقم (١٧٥ - ١٠٧٧). والترمذي في السنن ٤٥/٣ حديث رقم ٦٥٦. والنسائي ٥٪
١٠٧ حديث رقم ٢٦١٣.
الحديث رقم ١٨٢٥ : أخرجه البخاري في صحيحه ٩/ ٤٠٤. حديث رقم ٥٢٧٩. ومسلم في صحيحه ٢/
١١٤٤ حديث رقم (١٤ - ١٥٠٤). والنسائي في السنن ١٠٧/٥ حديث رقم ٢٦١٤. وابن ماجه
٦٧١/١ حديث رقم ٢٠٧٦. والدارمي ٢٢٢/٢ حديث رقم ٢٢٨٩. ومالك في الموطأ ٢/ ٥٦٢
حديث رقم ٢٥ من كتاب الطلاق. وأحمد في المسند ٢٨١/١.

٢٩٢
كتاب الزكاة/ باب من لا تحل له الصدقة
بلحم، فقُرَّبَ إِليهِ خبزٌ وأُدمٌ من أدم البيتِ، فقال: ((ألَمْ أَرَ برمةً فيها لحمٌ؟)) قالوا: بلى،
ولكنَّ ذلكَ لحمْ تُصدَّقَ بهِ على بَرِيرَةَ، وأنتَ لا تأكلَ الصدقةَ. قال: ((هو عليها صدقةٌ، ولنا
هدیٌ)). متفق عليه.
١٨٢٦ - (٦) وعنها، قالت: كانَ رسولُ اللَّهِ وَله يقبلُ الهديةَ ويُثيبُ عليها. رواه
البخاري.
١٨٢٧ - (٧) وعن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ اللَّهِ وَلَ: ((لو دُعيتُ إِلى كُراع
لأجبتُ، ولو أهدِيَ إِليَّ ذِراعٌ لقبِلتُ)).
أي تغلي ملتبسة (بلحم) والجملة حالية (فقرب) بالتشديد على صيغة المجهول (إليه خبز وأدم)
بضم الهمز وسكون الدال ويضم بمعنى الأدام: وهو ما يؤتدم به الخبز أي يطيب أكله به ويتلذذ
الأكل بسببه (من أدم البيت) بضمتين جمع أدام فلما لم يؤت إليه عليه الصلاة والسلام مما في
البرمة (فقال: ألم أر برمة فيها لحم) الاستفهام للتقرير (قالوا بلى: ولكن ذلك لحم تصدق به
على بريرة وأنت لا تأكل الصدقة قال هو) أي اللحم (عليها) أي على بريرة (صدقة ولنا هدية)
قال الطيبي: إذا تصدق على المحتاج بشيء ملكه، فله أن يهدي به إلى غيره. اهـ. وهو معنى
قول ابن الملك فيحل التصدق على من حرم عليه بطريق الهدية وهذه هي المسألة الثالثة (متفق
عليه) قال ميرك: هذا لفظ مسلم ورواه البخاري مقطعاً.
١٨٢٦ - (وعنها) أي عن عائشة (قالت: كان رسول الله إليه يقبل الهدية ويثيب عليها) أي
يجازي ويعطي الجزاء والعوض، من أثاب إذا أعطى الثواب (رواه البخاري) قال ميرك: ورواه
أحمد والترمذي في الشمائل.
١٨٢٧ - (وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَلي: لو دعيت إلى كراع) أي إلى كراع
غنم أو أي قربة (لأجبت ولو أهدي إلى ذراع) من كرباس أو شاة (لقبلت) قال الطيبي: الكراع
هو مستدق الساق(١) من الغنم، والبقر بمنزلة الوظيف من الفرس والبعير وقيل: كراع موضع
بين مكة والمدينة، والأوّل مبالغة في الإِجابة مع القلة والثاني مع البعد وقال ابن الملك: يعني
لو دعاني أحد إلى ضيافة كراع غنم لأجبت الداعي، وهذا حث على التواضع وإجابة الدعوة
وحسن المعاشرة قال القاضي: من حمله على كراع الغميم، وهو موضع بين مكة والمدينة فقد
غلط فكان ابن حجر غفل عن ذلك حيث قال: يحتمل أن يراد به كراع الغميم أمام عسفان،
وهو موضع بين عسفان وقديد وقال زين العرب: المراد بالذراع ذراع الغنم وغيرها أو ذراع
الكرباس، وهو ترغيب في قبول الهدية قال السيد جمال الدين: إدخال هذا الحديث في باب
الحديث رقم ١٨٢٦ : أخرجه البخاري في صحيحه ٥ حديث رقم ٢٥٨٥.
الحديث رقم ١٨٢٧: أخرجه البخاري في صحيحه ١٩٩/٥. حديث رقم ٢٥٦٧. وأحمد في المسند ٢/
٤٢٤.
(١) في المخطوطة ((السباق)).
١٫٣٠

٢٩٣
كتاب الزكاة/ باب من لا تحل له الصدقة
رواه البخاري .
١٨٢٨ - (٨) وعنه، قال: قال رسولُ اللَّهِ وَهُ: ((ليسَ المسكينُ الذي يطوفُ على
الناسِ تردُّه اللّقمةُ واللقمتان والتمرةُ والتمرتان؛ ولكنَّ المسكينَ الذي لا يجدُ غنىّ يُغنيهِ ولا
يُقطنُ به فيُتصدَّقَ عليه، ولا يقومُ فيسألُ النَّاس)).
من لا تحل له الصدقة فيه، خفاء وتأمل. اهـ. فتأملنا فوجدنا وجهه إنه لما ذكر الصدقة والهدية
في الحديث السابق أورد هذا الحديث لتعلقه بالهدية كما يقال الشيء بالشيء يذكر، ويسمى
استطراداً. (رواه البخاري) قال ميرك والنسائي.
١٨٢٨ - (وعنه) أي عن أبي هريرة (قال: قال رسول الله وَله: ليس المسكين) أي
المذكور في قوله تعالى: ﴿إنما الصدقات للفقراء والمساكين﴾ [التوبة - ٦٠] والمعنى ليس
المسكين شرعاً، المسكين عرفاً وهو (الذي يطوف) أي يدور(١) ويتردد (على الناس) في أصل
ابن حجر على الأبواب (ترده اللقمة واللقمتان والتمرة والتمرتان) جملة حالية قال ابن الملك أي
ليس المسكين من يتردد على الأبواب ويأخذ لقمة فإن من فعل هذا ليس بمسكين لأنه يقدر
على تحصيل قوته، والمراد ذم من هذا فعله إذا لم يكن مضطراً وقال الطيبي: فينبغي أن لا
يستحق الزكاة وقيل: ليس المراد نفي استحقاقه بل إثبات المسكنة لغير هذا المتعارف
بالمسكنة، وإثبات استحقاقه أيضاً. اهـ. وهذا القيل هو القول لأن كلا منهما مصرف الزكاة
حيث لا شيء لهما لكن الثاني أفضل، وهذا معنى قوله (ولكن المسكين) وفي نسخة بتشديد
النون أي الكامل في المسكنة (الذي لا يجد غنى) أي شيئاً أو مالاً (يغنيه) أي عن غيره ويكفيه
(ولا يفطن به) بصيغة المجهول أي لا يعلم باحتياجه (فيتصدق) بالرفع والنصب مجهولاً (عليه
ولا يقوم) أي لا يتعرض (فيسأل الناس) بالرفع والنصب معلوماً بل يخفى حال نفسه وفي
الحديث إشارة إلى ما في الكلام القديم: ﴿للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله لا يستطيعون
ضرباً في الأرض يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف تعرفهم بسيماهم لا يسألون الناس إلحافاً ﴾
[البقرة - ٢٧٣] أي أصلاً وفيه حجة لما ذهب إليه أبو حنيفة، ومالك ومن تبعهما من أن
المسكين هو الذي لا يملك شيئاً فهو أسوأ حالاً من الفقير لأنه يملك مالاً يكفيه وأما ما ذكره
بعض الشافعية من أن عليه الصلاة والسلام تعوّذ من الفقر في حديث الصحيحين(٢)، وسأل
المسكنة في حديث الترمذي(٣) فمدفوع لأن حديث الترمذي قيل: ضعيف بل قال البيهقي:
الحديث رقم ١٨٢٨: أخرجه البخاري في صحيحه ٣٤١/٣. حديث رقم ١٤٧٩. وأخرجه مسلم في
صحيحه ٧١٩/٢ حديث رقم (١٠١ - ١٠٣٩). وأبو داود في السنن ٢٨٣/٢ حديث رقم ١٦٣١.
والنسائي في السنن ٨٤/٥ حديث رقم ٢٥٧١. والدارمي في السنن ٤٦٢/١ حديث رقم ١٦١٥.
ومالك في الموطأ ٩٢٣/٢ حديث رقم ٧ من كتاب صفة النبي وَّر. وأحمد في المسند ٣٨٤/١.
(١) في المخطوطة ((يطوف)).
(٢) البخاري في صحيحه ١٨١/١١ حديث رقم ٦٣٧٧.
(٣) أخرجه الترمذي في السنن الحديث رقم ٢٣٥٢.
١٠

٢٩٤
كتاب الزكاة/ باب من لا تحل له الصدقة
متفق عليه .
الفصل الثاني
١٨٢٩ - (٩) عن أبي رافع، أنَّ رسولَ اللَّهِ وَرَّ بعثَ رُجلاً من بني مخزوم على
الصدقةِ، فقالَ لأبي رافع: اصحبني كيما تُصيبَ منها. فقال: لا، حتى آتَيَ رسولَ اللَّهِ وَّ
فاسألَهُ. فانطلَقَ إِلى النبيِّ وَّر فسأله، فقال: ((إِنَّ الصدقةَ لا تحلُّ لنا، وإِنَّ مواليَ القومِ من
أنفُسِهِمْ)).
روي أنه وَلقوله تعوذ من المسكنة أيضاً ثم حمل ذلك على أنه استعاذ من فتنة الفقر، والمسكنة
اللذين يرجع معناهما إلى غاية القلة المؤدية، إلى ما ورد كاد الفقر أن يكون كفراً أو أراد به فقر
القلب، والحاصل أنه استعاذ من فتنة الفقر دون حال الفقر، كما أنه استعاذ في الصحيحين من
فتنة الغني لا من حال الغنى وقد تحمل المسكنة التي سألها على التواضع اللازم، لأهلها بأن لا
يحشر في زمرة الأغنياء المتكبرين (متفق عليه) رواه أبو داود والنسائي.
(الفصل الثاني)
١٨٢٩ - (عن أبي رافع) واسمه أسلم روي عنه ابنه عبد الله وهو كاتب علي بن أبي طالب
أي مولى النبي وَّ (إن رسول الله وَّفه بعث رجلاً من بني مخزوم، على الصدقة) أي أرسله
ساعياً ليجمع الزكاة، ويأتي بها إليه قال ابن الملك: فلما أتى أبا رافع في طريقه (فقال لأبي
رافع اصحبني) أي ائت معي إلى النبي ◌َّر (كيما تصيب) نصب بكي وما زائدة أي لتأخذ (منها)
أي من الصدقة بسبب ذهابك معي أو بأن أقول له ليعطي نصيبك من الزكاة، والظاهر أنه طلب
منه المرافقة والمصاحبة والمعاونة عند السفر لا بعد الرجوع كما يدل عليه جواب (فقال لا) أي
لا أصحبك (حتى أتي) أي أجيء (رسول الله وَّر فاسأله) أي استأذنه أو اسأله هل يجوز لي أم
لا؟ (فانطلق إلى النبي وَ ير فسأله) أي عن ذلك (فقال إن الصدقة لا تحل لنا وإن موالي القوم)
أي عتقاءهم (من أنفسهم) أي فحكمهم كحكمهم لخبر الولاء لحمة كلحمة النسب، وهذا دليل
لمن قال بحرمة الصدقة على موالي من تحرم الصدقة عليه وهذا هو المشهور في المذهب:
وأغرب ابن الملك حيث قال: والمشهور إنها لا تحرم على موالي بني هاشم وبني المطلب
لانتفاء السبب ووجه الجمع بينهما أنه وَ الإ قال: تنزيهاً وضماً لهم على التشبيه بساداتهم. اهـ.
وكأنه غفل عن المذهب وتبع الطيبي في المطلب لكن كلام الطيبي أطيب، حيث قال: ظاهر
الحديث أن الصدقة لا تحل لموالي بني هاشم، وبني المطلب، لكن قال الخطابي: يشبه أن
يكون هذا نهي تنزيه له فإن رسول الله # كان يكفي مؤنته. اهـ. وهو تأويل من غير معارضة
الحديث رقم ١٨٢٩: أخرجه أبو داود في السنن ٢٩٨/٢ حديث رقم ٦١٥٠. والترمذي ٤٦/٣ حديث
رقم ٦٥٧. والنسائي ١٠٧/٥ حديث رقم ٢٦١٢. وأحمد في المسند ٦/ ١٠.

٢٩٥
كتاب الزكاة/ باب من لا تحل له الصدقة
رواه الترمذي، وأبو داود، والنسائي.
١٨٣٠ - (١٠) وعن عبد اللَّهِ بنِ عمرو، قال: قالَ رسولُ اللّهِ وَ له: ((لا تحِلُّ الصدقةُ
الغنيّ ولا لذي مِرَّةٍ سويّ)). رواه الترمذي، وأبو داود، والدارمي.
١٨٣١ - (١١) ورواه أحمد، والنسائي، وابن ماجه عن أبي هريرة.
١٨٣٢ - (١٢) وعن عبيد الله بن عدي بن الخيار،
دليل (رواه الترمذي) قال ميرك: وصححه (وأبو داود والنسائي) ورواه أحمد وابن حبان في
صحيحه وفي نقل ابن الهمام والشمني فقال: مولى القوم من أنفسهم، وأنا لا تحل لنا الصدقة
قال الترمذي: حديث حسن صحيح وكذا صححه الحاكم(١).
١٨٣٠ - (وعن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله وَلاير: لا تحل الصدقة لغني) في
المحيط الغني على ثلاثة أنواع غني يوجب الزكاة وهو ملك نصاب حولي، تام وغني يحرم
الصدقة ويوجب صدقة الفطر والأضحية، وهو ملك ما يبلغ قيمة نصاب من الأموال الفاضلة
عن حاجته الأصلية، وغني يحرم السؤال دون الصدقة وهو أن يكون له قوت يومه، وما يستر
عورته. (ولا لذي مرة) بكسر الميم وتشديد الراء القوة أي ولا لقوي على الكسب (سوّي) أي
صحيح البدن تام(٢) الخلقة فيه نفي كمال الحل لا نفس الحل، أو لا تحل له بالسؤال قال ابن
الملك: أي لا تحل الزكاة لمن أعضاؤه صحيحة، وهو قوي يقدر على الاكتساب بقدر ما يكفيه
وعياله وبه قال الشافعي قال الطيبي: وقيل: المعنى ولا لذي عقل وشدة، وهو كناية عن القادر
على الكسب وهو مذهب الشافعي والحنفية على أنه إن لم يكن له نصاب حلت له الصدقة.
(رواه الترمذي) قال ميرك: وقال حسن وذكر أن شعبة لم يرفعه، ورواه سفيان مرفوعاً (وأبو
داود والدارمي).
٨٠٠٫٠٠٠
١٨٣١ - (ورواه أحمد والنسائي وابن ماجه عن أبي هريرة) قال ابن الهمام: ولهذا
الحديث طرق كثيرة عن جماعة من الصحابة كلهم يروونه عن رسول الله وَله .
١٨٣٢ - (وعن عبد الله بن عدي الخيار) وفي نسخة ابن الخيار وقال الطيبي: قرشي
(١) فتح القدير ٢١٣/٢.
الحديث رقم ١٨٣٠: أخرجه أبو داود في السنن ٢٨٥/٢ حديث رقم ١٦٣٤. والترمذي ٤٢/٣ حديث
رقم ٦٥٢. والدارمي ١/ ٤٧٢ حديث رقم ١٦٣٩. وأحمد في المسند ٣٨٩/٢.
(٢) في المخطوطة ((تمام)).
الحديث رقم ١٨٣١: أخرجه النسائي في السنن ٩٩/٥ حديث رقم ٢٥٩٧. وابن ماجه ٥٨٩/١ حديث
رقم ١٨٣٩. وأحمد في المسند ١٦٤/٢.
الحديث رقم ١٨٣٢ : أخرجه أبو داود في السنن ٢٨٥/٢ حديث رقم ١٦٣٣. والنسائي ٩٩/٥ حديث رقم
٢٥٩٨.
چ۔۔
"⑆9'
٢٠,٠

٢٩٦
كتاب الزكاة/ باب من لا تحل له الصدقة
قال: أخبرَني رُجلانِ أَنَّهُما أتيًا النبيَّ وَّهِ وهو في حجَّةِ الوداع، وهو يُقسّمْ الصدقةَ، فسألاهُ
منها، فرفعَ فينا النظرَ وخفضَه فرآنًا جَلْدَين، فقال: ((إِنْ شِئْتُمَا أعطيتُكُما، ولاحظً فيها لغنيّ
ولا لقويّ مكتسبٍ)). رواه أبو داود، والنسائي.
١٨٣٣ - (١٣) وعن عطاءٍ بنِ يسار، مُرسلاً، قال: قال رسولُ اللَّهِ وَلِّ: ((لا تحِلُّ
الصدقةُ لغنيّ إِلا لخمسة: لغازٍ في سبيلِ اللَّهِ، أو لعاملٍ عليها، أو لغارم، أو لرجلٍ اشتراها
بمالهِ، أو لرُجلٍ كانَ لهُ جارٌ مسكينٌ فتُصدّقَ على المسكينِ فأهدَى المسكينُ
نوفلي يقال إنه ولد في عهد رسول الله وَّير ويعد في التابعين وروي عن عمر وعثمان رضي الله
٠٫٤٠
عنهما (قال: أخبرني رجلان أنهما أتيا النبي ◌َّر وهو في حجة الوداع) بفتح الواو أشهر في
السماع (وهو يقسم الصدقة، فسألاه منها) أي فطلباه أن يعطيهما شيئاً من الصدقة (فرفع فينا
النظر) أي البصر كما في رواية (وخفضه فرآنا جلدين) بسكون اللام وكسرها أي قويين (فقال إن
شئتما أعطيتكما) أي منها ووكلت الأمر إلى أمانتكما، لكن تكونان في خطر الأخذ بغير حق إن
كنتما قويين، كما دل عليه حالكما أو غنيين. (ولا حظً) أي لا نصيب (فيها لغني ولا لقوي
مكتسب) قال الطيبي: أي لا أعطيكما لأن في الصدقة ذلاً وهواناً فإن رضيتما بذلك أعطيتكما
أو لا أعطيكما لأنها حرام على القوي المكتسب، فإن رضيتما بأكل الحرام أعطيكما قاله توبيخاً
وقال ابن الهمام: الحديث دل على أن المراد حرمة سؤالهما لقوله، وإن شئتما أعطيتكما فلو
كان الأخذ محرماً غير مسقط عن صاحب المال، لم يفعله (رواه أبو داود والنسائي) أي عن
هشام بن عروة عن أبيه عن عبد الله بن عدي في شرح ابن الهمام قال صاحب التنقيح: حديث
(٧) وقال الإِمام أحمد ما أوجده من حديث هو أحسنها إسناداً فهذا مع حديث معاذ يفيد منع
غني الغزاة والغارمين عنها، فهو حجة على الشافعي في تجويزه لغني الغزاة إذا لم يكن له شيء
في الديوان، ولم يأخذ من الفيء(١).
١٨٣٣ - (وعن عطاء بن يسار) تابعي جليل (مرسلاً) أي بحذف الصحابي (قال: قال
رسول الله وَله: لا تحل الصدقة لغني، إلا لخمسة لغاز في سبيل الله) أي لمجاهد منقطع عن
الغزو، أو الحج ويؤيده أنه فسر أحمد سبيل الله في الآية بسفر الحج للخبر الصحيح، إن الحج
سبيل الله واختاره محمد من أصحابنا لكن في الاستدلال المذكور، بحث للجمهور. (أو لعامل
عليها) أي على الصدقة من نحو عاشر، وحاسب وكاتب (أو لغارم) أي من استدان ليصلح بين
طائفتين في دية أو دين تسكيناً للفتنة وإن كان غنياً. (أو لرجل) أي غني (اشتراها) أي الزكاة من
الفقير (بماله أو لرجل) أي غني (كان له جاره مسكين، فتصدق على المسكين فأهدى المسكين
(١) فتح القدير ٢٠٩/٢.
الحديث رقم ١٨٣٣ : أخرجه أبو داود في السنن ٢٨٦/٢ حديث رقم ١٦٣٥ وابن ماجه ١/ ٥٩٠ حديث رقم
١٨٤١. ومالك في الموطأ ٢٦٨/١ حديث رقم ٢٩ من كتاب الزكاة. وأحمد في المسند ٥٦/٣.
٠٠٠.

٢٩٧
كتاب الزكاة/ باب من لا تحل له الصدقة
للغني)). رواه مالك، وأبو داود.
١٨٣٤ - (١٤) وفي روايةٍ لأبي داود عن أبي سعيد: ((أو ابن السبيل)).
١٨٣٥ _ (١٥) وعن زياد بن الحارث الصُّدائيّ، قال: أتيتُ النبيَّ ◌ََّ فبايعتُهُ، فذكرَ
حديثاً طويلاً، فأتاهُ رجلٌ فقال: أُعطِني من الصدقةِ. فقالَ لهُ رسولُ اللَّهِ وَّهِ: ((إِنَّ اللَّهَ لم
یرضَ بحكم نبيّ ولا غيره في الصدقاتِ، حتی حگم
للغني رواه مالك وأبو داود) أي من طريق زيد بن أسلم هكذا مرسلاً وروي أيضاً أبو داود عن
عطاء عن أبي سعيد مرفوعاً بمعناه وفي رواية عن زيد بن أسلم، حدثني الليث عن النبي وَيّ
ورواه ابن ماجه مسنداً قال ابن عبد البر: وصل هذا الحديث جماعة من رواية زيد بن أسلم
ذكره میرك وقال ابن حجر: صحيح أو حسن.
١٨٣٤ - (وفي رواية لأبي داود عن أبي سعيد أو ابن السبيل) اعلم أني تتبعت روايات أبي
داود فهي ثلاث منها حدثنا عبد الله بن مسلمة عن مالك عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار
أن رسول الله وَ﴾ قال: الحديث(١) ومنها حدثنا الحسن بن علي حدثنا عبد الرزاق أنا معمر عن
زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله وَله: بمعناه قال
أبو داود: ورواه ابن عيينة عن زيد، كما قال مالك: ورواه الثوري عن زيد قال حدثني الليث
عن النبي ◌َ﴾(٢) ومنها حدثنا محمد بن عوف الطائي، حدثنا الفريابي حدثنا سفيان عن عمران
البارقي عن عطية عن أبي سعيد قال: قال رسول الله وَله: لا تحل الصدقة لغني إلا في سبيل
الله عزَّ وجلَّ، أو ابن السبيل أو جار فقير، بتصدق عليه فيهدى لك أو يدعوك وبهذا يتضح لك
ما في كلام المصنف من الابهام (٣) ثم قال ابن الهمام: قيل لم يثبت هذا الحديث ولو ثبت لم
يقو قوة ترجح حديث معاذ، فإنه رواه أصحاب الكتب الستة مع قرينة من الحديث الآخر، يعني
قوله لا تحل الصدقة لغني ولو قوي قوته (٤) ترجح حديث معاذ بأنه مانع، وما رواه مبيح مع أنه
داخله التأويل عندهم حيث قيد للأخذ له، بأن لا يكون له شيء من الديوان ولا أخذ من الفيء
وهو أعم من ذلك، وذلك يضعف الدلالة بالنسبة إلى ما لم يدخله.
١٨٣٥ - (وعن زياد بن الحرث الصدائي) بضم الصاد ممدوداً (قال أتيت النبي ◌َّ فبايعته
فذكر) أي زياد أو النبي وَلّر (حديثاً طويلاً فأتاه) أي أتى النبي وَّر (رجل فقال: أعطني من
الصدقة، فقال له رسول الله وَّطاهر: إن الله لم يرض بحكم نبي ولا غيره، في الصدقات حتى حكم
الحديث رقم ١٨٣٤ : أخرجه أبو داود في السنن ٢٨٨/٢ حديث رقم ١٦٣٧.
(١) أبو داود في السنن ٢٨٦/٢ حديث رقم ١٦٣٥ وزاد في المخطوطة عن أبي سعيد.
(٢) أبو داود في السنن ٢٨٨/٢ حديث رقم ١٦٣٦.
(٣) راجع التخريج.
(٤) فتح القدير ٢٠٩/٢.
الحديث رقم ١٨٣٥: أخرجه أبو داود في السنن ٢/ ٢٨١ حديث رقم ١٦٣٠. والدار قطني ١٣٧/٢ حديث
رقم ٩ من باب الحث عى اخراج الصدقة.

٢٩٨
محمـ
كتاب الزكاة/ باب من لا تحل له الصدقة
فيها هو فجزَّأها ثمانيَةَ أجزاء؛ فإِنْ كُنتَ من تلكَ الأجزاءِ أعطيتُكَ)). رواه أبو داود.
الفصل الثالث
١٨٣٦ - (١٦) عن زيد بن أسلم، قال: شربَ عمرُ بن الخطّابِ رضي الله عنه لَبَناً
فأعجَبَه، فسألَ الذي سقاهُ: من أينَ هذا اللَّبَنُ؟ فأخبرَهُ أنَّهُ ورَدَ على ماءٍ قد سمَّه، فإِذا نَعَمْ
من نعَمِ الصدقةِ وهم
فيها) أي إلى أن حكم في الصدقات (هو) أي الله تعالى وهو لمجرد التأكيد (فجزأها) بتشديد
الزاي فهمز أي فقسم أصحابها (ثمانية أجزاء) أي أصناف (فإن كنت من تلك الأجزاء) أي أجزاء
مستحقيها أو من أصحاب تلك الأجزاء، أي من الأصناف الثمانية. (أعطيتك) أي حقك قال
الطيبي: [قيل]: في التجزئة دلالة على وجوب التفريق في الأصناف، وأغرب ابن الملك حيث
قال: وهذا يدل على أنه يفرق على أهل السهام بحصصهم، وهو مع كونه خلاف المذهب ليس
فيه دلالة إلا على أن الزكاة لا تصرف، إلا إلى هذه المصارف لا إنها تصرف إلى جميع هذه
(١)
المصارف، ولذا قال علماؤنا: فتصرف إلى الكل أو البعض قال الشمني: روي ذلك الطبري"
في تفسيره عن ابن عباس وعمر وحذيفة، وسعيد بن جبير، وعطاء بن أبي رباح، وأبي العالية
وإبراهيم النخعي وميمون بن مهران وبه قال مالك وأحمد: لقوله وَّر لمعاذ فاعلمهم، إن الله
افترض عليهم صدقة في أموالهم، تؤخذ من أغنيائهم، فترد في فقرائهم ولأنه عليه الصلاة
والسلام أمر لسلمة بن صخر البياضي بصدقة قومه، وبسط فيه الكلام المحقق ابن الهمام
وانتصر له الفخر الرازي، في هذا المقام وأجاب عنه ابن حجر بما لا نظام له في المرام (رواه
أبو داود) قال ميرك: وفي سنده عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الأفريقي، وقد تكلموا فيه.
-- ٠٠٠
(الفصل الثالث)
١٨٣٦ - (عن زيد بن أسلم قال: شرب عمر بن الخطاب رضي الله عنه لبناً فاعجبه) أي
وافق هوى نفسه فأنكره بالاستدلال القلبي، أو بالإِلهام الغيبي وقال الغزالي: سأل عمر رضي
الله عنه إذ رابه فإنه أعجبه طعمه، ولم يكن على ما كان يألفه كل ليلة وهذا من أسباب الريبة،
وحمله على الورع. (فسأل الذي سقاه من أين هذا اللبن فأخبره أنه ورد) أي مر (على ماء) أي
مكان ماء وأغرب ابن حجر في قوله أي مكان فيه ماء كذا قاله شارح: وهو غير محتاج وما
المانع أنه ورد الماء نفسه وإن كان من لازم وروده محله. اهـ. ووجه غرابته لا تخفى (وقد
سماه) أي عينه باسمه فإذا للمفاجأة (نعم) بفتحتين (من نعم الصدقة وهم) أي الرعاة أو أهل
(١) في المخطوطة ((الطبراني)). والصواب ما ذكر والله تعالى أعلم.
الحديث رقم ١٨٣٦: أخرجه مالك في الموطأ ٢٦٩/١ حديث رقم ٣١ من كتاب الزكاة. والبيهقي في
شعب الإيمان ٥/ ٦٠ حديث رقم ٥٧٧١.

٢٩٩
كتاب الزكاة/ باب من لا تحل له المسألة ومن تحل له
يسقُون، فحلَبوا من ألبانِها فجعلتهُ في سِقائي فهوَ هذا؛ فأدخلَ عُمرُ يدَه، فاستَقاءَه. رواه
مالك، والبيهقي في ((شعبِ الإِيمان)).
(٤) باب من لا تحل له المسألة ومن تحل له
الفصل الأول
١٨٣٧ - (١) عن قبيصةَ بنِ مخارقٍ، قال: تحمَّلتُ حمَالةً.
النعم (يسقون) أي النعم (فحلبوا من ألبانها) أي فاعطوني هذا فأخذته (فجعلته في سقائي) بكسر
السين (فهو هذا فادخل عمر يده) أي في فمه أو حلقه (فاستقاءه) أي فتقيأه حتى أخرجه من
جوفه قال الطيبي هذا غاية الورع والتنزه عن الشبه قال ابن حجر: كان الشارح لم يستحضر قول
أئمته: إن كل من أكل أو شرب حراماً لزمه، أن يتقيأه إن أطاقه وإن عذر في تناوله. اهـ. وفيه
أنه لا دلالة في الحديث على كون ذلك اللبن حراماً لأن القابض إذا أخذه على وجه الاستحقاق
وأهداه لغير المستحق، على فرض أن عمر غير مستحق فلا شك في حليته كما تقدم في حديث
بريرة أنه لها صدقة ولنا هدية فكان المعترض لم يتفطن لهذا وظن أن اللبن حرام، وأيضاً لا
فائدة في استقائه إذ لا يمكن رده إلى صاحبه، وإنما هو تنقية الباطن من أثر الحرام أو الشبهة
وهذا لا شبهة أنه ورع قال الغزالي: في الأحياء: وإنما تقيأ ما شربه مع الجهل حتى لا ينبت
منه لحم، يثبت ويبقى وقال في موضع آخر: ولا ينبغي أن يقال إنه لا يدري فلا يضره لأن
الحرام إذا [أكل] وحصل في المعدة، أثر في قساوة القلب وإن لم يعرفه صاحبه ولذا تقيأ عمر
رضي الله عنه لأنه شرب على جهل، وهذا وإن أفتينا بأنه حلال للفقير فإنما أحللناه بحكم
الحاجة إليه فهو كالخنزير، والخمر إذا أحللناه للضرورة ولا يلتحق بالطيبات. اهـ. (رواه مالك
والبيهقي في شعب الإيمان).
(باب من لا تحل له المسألة ومن تحل له)
(الفصل الأوّل)
١٨٣٧ - (عن قبيصة) بفتح القاف وكسر الموحدة (ابن مخارق) بضم الميم وكسر الراء
(قال تحملت حمالة) بفتح الحاء وتخفيف الميم ما يتحمله عن غيره من دية أو غرامة، لدفع
وقوع حرب يسفك الدماء بين فريقين ذكره ابن الملك وغيره من علمائنا قال الطيبي: أي ما
يتحمله الإِنسان من المال أي يستدينه ويدفعه لاصلاح ذات البين، فتحل له الصدقة إذا لم تكن
الحديث رقم ١٨٣٧: أخرجه مسلم في صحيحه ٧٢٢/٢ حديث رقم (١٠٩ - ١٠٤٤). وأبو داود في
السنن ٢٩٠/٢ حديث رقم ١٦٤٠. والنسائي ٨٩/٥ حديث رقم ٢٥٨٠. والدارمي ٤٨٧/١ حديث
رقم ١٦٧٨. وأحمد في المسند ٤٧٧/٣.
٠ ٠٠٠.
/٦٠١

٣٠٠
كتاب الزكاة/ باب من لا تحل له المسألة ومن تحل له
فأتيتُ رسولَ اللَّهِ وَهِ أسألهُ فيها، فقال: ((أقِمْ حتى تأتيَنا الصدقةُ؛ فنأمُرَ لكَ بها»، ثمَّ قال:
(يا قبيصةُ! إِنَّ المسألةَ لا تحِلُّ إِلاَّ لأحَدٍ ثلاثةٍ: رجلٌ تحمَّلَ حمَالةٌ فحلَّتْ لهُ المسألةُ حتى
يُصيبَها ثمَّ يُمسِك. ورجلٌ أصابتهُ جائحةٌ اجتاحَتْ مالَه فحلَّتْ لهُ المسألةُ حتى يُصيبَ قِواماً
من عيشٍ، أو قال: سِداداً من عيشٍ ورجلٌ أصابتْهُ فاقةٌ حتى يقومَ ثلاثةٌ مِن ذوي الحِجى من
قومِهِ :
الحمالة في المعصية (فأتيت رسول الله ولو أسأله فيها) أي في الحمالة بمعنى لأجلها (فقال أقم)
أمر من الإقامة بمعنى اثبت واصبر (حتى تأتينا الصدقة) أي يحضرنا مالها (فنأمر لك بها) أي
بالصدقة أو بالحمالة (ثم قال: يا قبيصة إن المسألة) أي السؤال والشحذة (لا تحل إلا لأحد
ثلاثة) في شرح ابن الملك قالوا: هذا بحث سؤال الزكاة، وأما سؤال صدقة التطوّع فمن لا
يقدر على كسب لكونه زمناً أو ذا علة أخرى جاز له السؤال، بقدر قوت يومه ولا يدخر، وإن
كان قادراً عليه فتركه لاشتغال العلم، جازت له الزكاة وصدقة التطوّع فإن تركه لاشتغال صلاة
التطوّع، وصيامه لا تجوز له الزكاة ويكره له صدقة التطوّع، فإن جلس واحد أو جماعة في
بقعة واشتغلوا بالطاعة ورياضة الأنفس، وتصفية القلوب يستحب لواحد منهم أن يسأل صدقة
التطوّع، وكسرات الخبز لهم، واللباس لأجلهم (رجل) بالجر بدل من أحد وقال ابن الملك من
ثلاثة بالرفع خبر مبتدأ محذوف. (تحمل حمالة فحلت له المسألة) أي جازت بشرط أن يترك
الإلحاح، والتغليظ في الخطاب. (حتى يصيبها) أي إلى أن يجد الحمالة أو يأخذ الصدقة (ثم
يمسك) أي عن المسألة يعني إذا أخذ من الصدقات، ما يؤدي ذلك الدين لا يجوز أخذ شيء
آخر منها كذا ذكره ابن الملك وفيه نظر. (ورجل) بالوجهين (أصابته جائحة) أي آفة وحادثة
مستأصلة من جاحة يجوحه إذا استأصله وهي الآفة المهلكة للثمار، والأموال. (اجتاحت) أي
استأصلت وأهلكت (ماله) من ثمار بستانه أو غيره من الأموال (فحلت له المسألة) أي سؤال
المال من الناس (حتى يصيب قواماً) أي إلى أن يدرك ما تقوم به حاجته الضرورية (من عيش)
أي معيشة من قوت ولباس (أو قال) شك من الراوي (سداداً من عيش) وبالكسر هو الصواب ما
يسد به الفقر ويدفع ويكفي الحاجة (ورجل) بالوجهين أي غني (أصابته فاقة) أي حاجة شديدة
اشتهر بها بين قومه (حتى يقوم) أي على رؤوس الأشهاد (ثلاثة من ذوي الحجى) بكسر الحاء
وفتح الجيم أي العقل الكامل (من قومه لقد أصابت فلاناً فاقة) أي يقوم ثلاثة قائلين هذا القول،
والمراد المبالغة في ثبوت الفاقة قال الصغاني: هكذا وقع في كتاب مسلم يقوم والصحيح يقول
باللام وكذا أخرجه أبو داود، وكذا في المصابيح وأجيب بأن تقدير القول مع القيام آكد وأغرب
ابن حجر حيث قال: وبما تقرر في معنى يقوم اندفع قول الصغاني ووجه غرابته أن كلام
الصغاني في تصحيح الرواية لا في تصحيح الدراية، مع أن عدم الاحتياج إلى التقدير أظهر في
مقام التقرير هذا وقد أبعد من قال أن يقوم بمعنى يقول وصححه ابن حجر، ووجه بعده أن
القول يأتي بمعنى الفعل لا العكس كما في هذا المحل فتأمل قال ابن الملك: وهذا على سبيل
الاستحباب والاحتياط ليكون أدل على براءة لسائل عن التهمة في ادعائه وأدعى للناس إلى
سرعة إجابته، وخص بكونهم من قومه لأنهم هم العالمون بحاله، وهذا من باب التبيين