Indexed OCR Text

Pages 401-420

٤٠١
كتاب الإيمان / باب الاعتصام بالكتاب والسنّة
وكلامُ الله ینسخُ بعضُه بعضاً».
١٩٦ - (٥٧) وعن ابن عمر، قال: قال رسولُ الله ◌َلِّ: ((إِنَّ أحاديثَنا ينسخُ بعضُها
بعضاً كنسخ القرآن».
بيت المقدس بالسنة، ثم نسخ بقوله تعالى: ﴿فول وجهك شطر المسجد الحرام﴾ [البقرة
- ١٤٤] قال ابن حجر: في كل من هذين خلاف للأصوليين، والأصح أنه يجوز نسخ كل
بالآخر لاستوائهما من حيث ظنية الدلالة في كل منهما، ولقوله تعالى: ﴿وأنزلنا إليك
الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم﴾ [النحل - ٤٤] ولا يرد عليهم ما في هذا الحديث
لتوقف ذلك على صحته أو حسنه على أنه يمكن تأويله بحمله على أنه لا ينسخ لفظه.
(وكلام الله ينسخ بعضه بعضاً) وهذا لا خلاف فيه كآيات المسالمة بآيات القتال والمنسوخ
أنواع: منها التلاوة والحكم معاً وهو ما نسخ من القرآن في حياة الرسول وَيقول بالإنساء حتى
رُوي أن سورة الأحزاب كانت تعدل سورة البقرة، ومنها الحكم دون التلاوة كقوله تعالى:
﴿لكم دينكم ولي دين﴾ [الكافرون - ٦] ومنها التلاوة دون الحكم كآية الرجم وهي:
((الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتة نكالاً من الله والله عزيز حكيم))(١) وبقي في
الحديث قسم رابع وهو نسخ السنة بالسنة وجوازه متفق عليه ومثاله: ((كنت نهيتكم عن
زيارة القبور ألا فزوروها)» (٢) فاجتمع في هذا الحديث الناسخ والمنسوخ وهو مستفاد من
الحديث الآتي وهو قوله:
١٩٦ - (وعن ابن عمر قال: قال رسول الله وَله: ((إن أحاديثنا) أي بشرط صحتها (ينسخ
بعضها بعضاً) أي بشرط معرفة التاريخ (كنسخ القرآن))) أي كما ينسخ بعض آياته بعضاً والتشبيه
في مجرد النسخ لا في أنواعه كما تقدم (٣) .
(١) يراجع الاتقان في علوم القرآن ٢١/٢. وفتح الباري ١٢/ ١٤٣ وهذا الحديث أخرجه الستة في كتبهم
منهم مطولاً ومنهم مختصراً ومنهم بمعناه. وسنفصل القول كما سيأتي إن شاء الله.
(٢) الحاكم في المستدرك ٣٧٦/١.
*27
الحديث رقم ١٩٦: أخرجه الدارقطني في سننه ١٤٥/٤ ((النوادر)) حديث رقم ١٠.
(٣) وقد تكلم علماء كثر في الناسخ والمنسوخ وفصلوا فيه القول وأفرده بالتصنيف خلائق لا يحصون. وقد
اختلف العلماء في تعريف النسخ فقال بعضهم يأتي بمعنى الازالة من قوله تعالى: ﴿فينسخ الله ما يلقي
الشيطان ثم يحكم الله آياته﴾ [الحج: آية ٢٥]. كما يأتي بمعنى التبديل ﴿وإذا بدلنا آية مكان آية﴾
[النحل: آية ١٠١] ويأتي بمعنى التحويل من شخص إلى آخر كما في المواريث (الاتقان ٢٠/٢٠).
ويأتي بمعنى النقل من موضع إلى موضع ((كقولك نسخت الكتاب)) هذا على الصعيد اللغوي أما
تعريف النسخ اصطلاحاً فهو ((رفع الحكم الشرعي بدليل متراخ) فالنسخ يكون فيه النصان الناسخ
والمنسوخ غير مقترنين زماناً. فيكون الناسخ متأخراً عن المنسوخ.
والنسخ جائز في شرعنا خلافاً لليهود والنصارى. ولم يخالف من علماء المسلمين بوقوع النسخ سوى أبو
مسلم الأصفهاني ووجه الآيات أن الآيات لا تدل على وقوع النسخ بل تدلان على إمكانه وفرق =

٤٠٢
كتاب الإيمان / باب الاعتصام بالكتاب والسنّة
بين الوقوع والجواز واستدل بأدلة تراجع في كتب أصول الفقه. فهو يحمل النسخ على أنه
=
تخصيص. ورد عليه جمهور العلماء بأن هناك فرق بين التخصيص والنسخ فالتخصيص قرينة سابقة
أو لاحقة أو مقارنة أما النسخ فلا يقع إلا بدليل متراخ. وكذلك فإن من أدلة التخصيص العقل
والحس إلى جانب الكتاب والسنة أما في النسخ فأدلتها الكتاب والسنة فقط وهناك فروق عديدة.
ونسخ القرآن بالقرآن جائز عند جمهور علماء وهو يكون اما نسخ الحكم وبقاء التلاوة كقوله تعالى
﴿الذين يتوفون منكم) إلى قوله تعالى ﴿متاعاً إلى الحول﴾ منسوخة بآية ﴿أربعة أشهر وعشرا﴾.
وقد ذكر السيوطي في الاتقان الحكمة من ذلك فقال: إن القرآن كما يتلى ليعرف الحكم منه والعمل
به فيتلى لكونه كلام الله فيثاب عليه فتركت التلاوة لهذه الحكمة وكذلك فإن النسخ غالباً يكون
للتخفيف فأبقيت التلاوة تذكيراً للنعمة.
ومنه ما نسخت تلاوته وحكمه معاً: فقد أخرج الشيخان عن عائشة أنها قالت: ((كان فيما أنزل عشر
رضعات معلومات فنسخن بخمس معلومات فتوفي رسول الله وَلجر وهن مما يقرأ من القرآن: وأجابوا عن
قولها بأن المراد قارب الوفاة أو أن التلاوة نسخت ولم يبلغ ذلك لكل الناس إلا بعد وفاة الرسول وَله.
ومنه ما نسخ تلاوةً وبقي حكماً. وأمثلة ذلك ((إذا زنا الشيخ والشيخة فارجموهما البته نكالاً من الله
والله عزيز حكيم)) فقد أخرجه أصحاب السنن عن عمر رضي الله عنه قال ((إياكم أن تهلكوا عن آية
الرجم)). أن يقول قائل لا نجل حديث في كتاب الله فقد رجم رسول الله وَلّر ورجمنا والذي نفسي
بيده لولا أن يقول الناس زاد عمر بن الخطاب في كتاب الله تعالى لكتبتها (الشيخ والشيخة
فارجموهما البتة) فإنا قد قرأناها. الموطأ ٨٢٤/٢ حديث رقم ١٠ من كتاب الحدود وأخرجه أبو
داود والبخاري والنسائي. وغيرهم من أصحاب السنن مختصراً ومطولاً. وقال ابن حجر في السبب
في نسخ تلاوتها ما روى الحاكم عن كثير بن الصلت قال: كان زيد بن ثابت وسعيد بن العاص
يكتبان في المصحف فمرا على هذه الآية فقال زيد سمعت رسول الله وعليه يقول الشيخ والشيخة
فارجموهما البتة. فقال عمر، لما نزلت أتيت النبي ◌َّ فقلت اكتبها؟ فكأنه كره ذلك فقال عمر: ألا
ترى أن الشيخ إذا زنى ولم يحصن جلد وأن الشاب إذا زنى وقد أحصن رجم)). فنسخت تلاوتها
لكون العمل على غير الظاهر من عمومها. وفي كتب علوم القرآن أمثلة وافرة. وعن كيفية النسخ قال
أبو بكر الرازي يكون بأن ينسيهم الله إياه ويرفعه من أوهامهم ويأمرهم بالإعراض عن تلاوته وكتبه
في المصحف فيندرس على الأيام كسائر كتب الله القديمة التي ذكرها في كتابه كصحف إبراهيم
وموسی.
أما نسخ القرآن بالسنة. فقال الشافعي رحمه الله لا ينسخ القرآن إلا قرآن مثله واستدل بقوله تعالى:
﴿ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها﴾ وكذلك بقوله تعالى: ﴿يمحو الله ما يشاء
ويثبت ما يشاء وعنده أم الكتاب ﴾ وكذلك الشافعي يرى لا بد من سنة تبين الناسخ من المنسوخ.
وقال الشافعي حيث وقع نسخ القرآن بالسنة فمعها قرآن عاضد لها وحيث وقع نسخ السنة بالقرآن
فمعه سنة عاضدة له ليتبين توافق القرآن والسنة. وأجاز الجمهور نسخ القرآن بالسنة لأنها أيضاً من
عند الله قال تعالى: ﴿وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى ﴾.
ومنه نسخ السنة بالقرآن: اتفق الجمهور على أن القرآن ينسخ السنة كما في آية التوجه في القبلة من
بيت المقدس إلى الكعبة. ورأى الإمام الشافعي أن القرآن لا ينسخ السنة فهو يقول سنة رسول الله لا
تنسخها إلا سنة رسول الله)).
ومنه نسخ السنة بالسنة ومثل له بالوضوء مماست النار وتركه. والله أعلم.

٤٠٣
كتاب الإيمان / باب الاعتصام بالكتاب والسنة
١٩٧ - (٥٨) وعن أبي ثعلبة الخشني، قال: قال رسولُ اللهِ وَّر: ((إِن اللَّهَ فرض
فرائضَ فلا تُضيّعوها، وحرَّم حُرُمات فلا تَنتهِكوها، وحدَّ حُدوداً
١٩٧ - (وعن أبي ثعلبة) مشهور بكنيته واسمه جرثوم بن ناشر (الخشني) بضم المعجمة
الأولى وفتح الثانية بطن من قضاعة، وهو من أهل بيعة الرضوان كذا في التهذيب. وأرسله
النبي ◌َ﴿ إلى قومه فأسلموا ونزل بالشام ومات بها سنة خمس وسبعين، ومروياته أربعون حديثاً
(قال: قال رسول الله وير: ((إن الله فرض فرائض) بالهمز جمع فريضة بمعنى مفروضة والتاء
للنقل من الوصفية إلى الاسمية، وهي ما يترتب على فعله الثواب وعلى تركه العقاب من
العبادات، قال في الصحاح: الفرض ما أوجبه الله سُمي بذلك لأن له معالم وحدوداً،
واصطلاحاً هو ما يمدح فاعله شرعاً ويذم تاركه قصداً مطلقاً، ويرادفه الواجب هذا عند
الشافعي. وعند أبي حنيفة ما ثبت بدليل قطعي والواجب بدليل ظني كذا في شرح الأربعين.
والواجب عندنا فرض عملي أيضاً يترتب على تركه العقاب لكن دون عقاب الفرض، والمقام
يناسب المعنى الأعم، أي أوجب أحكامها مقدرة مقطوعة كالإيمان والإسلام وكالصلاة والزكاة
وسائر الفرائض العلمية والعملية سواء يكون من فروض الكفاية أو العينية وسواء أوجبه الله في
كتابه أو على لسان رسوله. (فلا تضيعوها) بتركها رأساً أو بترك شروطها وأركانها أو بالسمعة
والرياء أو بالعجب والغرور. قال بعض المحققين: وعند العارفين هي المعرفة الإلهية التي هي
مقصود الخلق كما أشار إليه الحق بقوله تعالى: ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾
[الذاريات - ٥٦] أي ليعرفون. ولا تحصل المعرفة غالباً إلا بالمجاهدة وهي تزكية النفس عن
ظلمة أخلاقها، وتخليتها عن أوصاف الرذائل، وتحليتها بأنوار الفضائل كالتوبة والتقوى والزهد
والاستقامة وسائر الأخلاق الحميدة، والإرتقاء من حال إلى حال، والتصاعد من مقام إلى آخر
حتى تنجلي شمس صفات الجلال وتظهر طوالع أنوار الجمال، ويستولي سلطان الحقيقة على
ممالك الخليقة، ويطوي بأيدي سطوات الجود سرادقات الوجود؛ فما بقي الأرض ولا السماء
ولا الظلمة ولا الضياء، وتلاشى العبد في كعبة العندية، ونودي بفناء الفناء من عالم البقاء،
رفعت القبلة، وما بقي إلا الله ﴿فأينما تولوا فثم وجه الله﴾ [البقرة - ١١٥] وهذا حال السالك
المجذوب أو المجذوب السالك، ومعنى الجذبة أنه يناجي المجذوب من أمر الملكوت ما
يدهش عقله ويأخذه عن نفسه. (وحرم حرمات) أي محرمات من المعاصي، وفي الأربعين
للنووي: ((وحرم أشياء))، أي كالميتة والدم (فلا تنتهكوها) أي لا تقربوها فضلاً عن أن تتناولوها
كما قال تعالى: ﴿ولا تقربوا الزنا﴾ [الإسراء - ٣٢] وقال في الصحاح انتهاك الحرمة تناولها بما
لا يحل، وقيل: الانتهاك خرق محارم الشرع كذا ذكره السيد جمال الدين وقال ميرك: وهو
عند الطائفة الصوفية متابعة الشيطان والهوى والإقبال على الدنيا والإعراض عن العقبى، إذ
يجب أن ينقطع المحب عن كل مطلوب بل ينقطع عما سوى المحبوب. (وحد حدوداً) أي بيّن
الحديث رقم ١٩٧ : أخرجه الدارقطني في سننه ١٨٣/٤ حديث رقم ٤٢ من كتاب الرضاع وأخرج عن
الدرداء معناه ٤/ ٢٩٧.

٤٠٤
كتاب الإيمان / باب الاعتصام بالكتاب والسنّة
فلا تعتَذوها، وسكّت عن أشياءَ من غير نسيان فلا تبحثوا عنها)). روى الأحاديث الثلاثة
الدار قطني .
وعيّن حدوداً في المعاصي من القتل والضرب (فلا تعتدوها) أي لا تتجاوزوا عن الحد بالزيادة
ولا بالنقصان قال في النهاية: الحدود هي محارم الله تعالى وعقوباتها التي قرنها بالذنوب،
وأصل الحد المنع والفصل بين الشيئين، فكأن حدود الشرع فصلت بين الحلال والحرام؛ فمنها
ما لا يقرب كالفواحش المحرمة [ومنه قوله تعالى: ﴿تلك حدود الله فلا تقربوها﴾ [البقرة -
١٨٧] ومنها ما لا تتعدى كالمواريث المعينة وتزويج الأربعة] ومنه قوله تعالى: ﴿تلك حدود
الله فلا تعتدوها﴾ [البقرة - ٢٢٩] والتلخيص أن حدود الله ما منع من مخالفتها بعد أن قدرها
بمقادير مخصوصة وصفات مضبوطة ومنه تعيين الركعات والأوقات وما وجب إخراجه في
الزكوات وإثباتها في الحج وحدود العقوبات، فكأنه تقرير وتأكيد للقسمين المتقدمين. وهذا
وفي كلام الصوفية أن العبد يتقلب في جميع الأوقات على الحدود ولكل عمل حد ولكل وقت
حد ولكل حال ومقام حد، فمن تخطاها فقد ضل سواء السبيل. (وسكت عن أشياء) أي ترك
ذكر أشياء، أي حكمها من الوجوب والحرمة والحل (من غير نسيان) بل من رحمة وإحسان،
وفي الأربعين: ((رحمة لكم غير نسيان بنصب رحمة على العلة ونصب غير على الحالية.
والنسيان هو ترك الفعل بلا قصد بعد حصول العلم بخلاف السهو. (فلا تبحثوا عنها) أي لا
تفتشوا عن تلك الأشياء، دل على أن الأصل في الأشياء الإباحة كقوله تعالى: ﴿هو الذي خلق
لكم ما في الأرض جميعاً﴾ [البقرة - ٢٩].
هذا وقال بعض العارفين: اعلم أن الله تعالى تجلى على عامة عباده بأفعاله وآياته المنبثة
في أرضه وسمائه، ولخواص أصفيائه بصفاته العظمى، ولأعظم أنبيائه بذاته وحقائق صفاته،
وخصه بذلك دون غيره من عرفانه رحمة لهم غير نسيان، إذ ما قام عظيم عند عظمته إلا كلّ
وزلّ، ولا استقام كبير دون كبريائه إلا هام وقام كما قال جل جلاله وعم نواله: لا يراني حي
إلا مات ولا يابس ألا تدهده ولا رطب إلا تفرق، وإنما يراني أهل الجنة الذين لا تموت
أعينهم ولا تبلى أجسادهم، ولذا قال: فلا تبحثوا عنها، أي لا تتفكروا فيها؛ فإن الباب إلى
وصول معرفة كنه الذات مردود والطريق إلى كنه الصفات مسدود، تفكروا في آلاء الله ولا
تتفكروا في ذات الله :
العجز عن درك الإدراك إدراك * والبحث عن سر ذات الرب إشراك
(روى الأحاديث الثلاثة الدارقطني) وقال النووي في الأخير حديث حسن رواه الدار قطني
وغيره.

46.74
كتاب العلم
(كتاب العلم)
أي فضله وفضل تعلمه وتعليمه، وبيان ما هو علم شرعاً، وهو أعم من الكتاب والسنة،
فيكون ذكره بعد باب الاعتصام من باب التعميم بعد التخصيص.
حج /
والعلم نور في قلب المؤمن مقتبس من مصابيح مشكاة النبوّة من الأقوال المحمدية
والأفعال الأحمدية والأحوال المحمودية يهتدى به إلى الله وصفاته وأفعاله وأحكامه؛ فإن حصل
بواسطة البشر فهو كسبي وإلا فهو العلم اللدني المنقسم إلى الوحي والإلهام والفراسة.
فالوحي لغة إشارة بسرعة، واصطلاحاً كلام إلهي يصل إلى القلب النبوي؛ فما أنزل
صورته ومعناه ولا يكون إلا بواسطة جبريل فهو الكلام الإلهي، وما نزل معناه على الشارع
فعبر عنه بكلامه فهو الحديث النبوي، وهذا قد يكون بغير واسطة في محل الشهود كما
قال تعالى: ﴿فأوحى إلى عبده ما أوحى﴾ [النجم - ١٠] وقد يكون بواسطة نزول الملك،
أي بنزوله من الصورة الملكية إلى الهيئة البشرية. وتحقيقه أن المتكلم الحقيقي هو الحق
فكلم أوّلاً محمداً بواسطة جبريل، وثانياً أصحابه بواسطة محمد، وثالثاً التابعين بواسطة
الصحابة وهلم جرا. وقد يكون بنفئة في قلبه بأن يُلقي معناه من غير أن يتمثل بصورة ((إن
روح القدس نفث في روعي)).
والإلهام [لغة] الإبلاغ، وهو علم حق يقذفه الله من الغيب في قلوب عبادة ﴿قل إن ربي
يقذف بالحق﴾ .
والفراسة علم ينكشف من الغيب بسبب تفرس آثار الصور ((اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر
بنور الله)). فالفرق بين الإلهام والفراسة أنها كشف الأمور الغيبية بواسطة تفرس آثار الصور
والإلهام كشفها بلا واسطة، والفرق بين الإلهام والوحي أنه تابع للوحي من غير عكس. ثم علم
اليقين ما كان من طريق النظر والاستدلال، وعين اليقين ما كان بطريق الكشف والنوال، وحق
اليقين ما كان بتحقيق الانفصال عن لوث الصلصال لورود رائد الوصال.
٤٠٥

٤٠٦
كتاب العلم
الفصل الأول
١٩٨ - (١) عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه، قال: قال رسولُ اللهِ وَله: (بَلّغوا
عَني ولو آيةً، وحدّثوا عن بني إسرائيلَ ولا حرج،
(الفصل الأول)
١٩٨ - (عن عبد الله بن عمرو) بالواو (قال: قال رسول الله وَطير: ((بلغوا عني) أي انقلوا إلى
الناس وأفيدوهم ما أمكنكم، أو ما استطعتم مما سمعتموه مني وما أخذتموه عني من قول أو فعل أو
تقرير بواسطة أو بغير واسطة (ولو آية) أي ولو كان المبلغ آية، وهي في اللغة العلامة الظاهرة. قال
زين العرب: وإنما قال آية لأنها أقل ما يفيد في باب التبليغ، ولم يقل حديثاً لأن ذلك يفهم بطريق
الأولى لأن الآيات إذا كانت واجبة التبليغ مع انتشارها وكثرة حملتها لتواترها وتكفل الله [تعالی]
بحفظها وصونها عن الضياع والتحريف لقوله تعالى: ﴿إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون﴾
[الحجر - ٩] فالحديث مع أنه لا شيء فيه مما ذكر أولى بالتبليغ، وإما لشدة اهتمامه عليه الصلاة
والسلام بنقل الآيات لبقائها من سائر المعجزات ولمساس الحاجة إلى ضبطها ونقلها إذ لا بد من
تواتر ألفاظها والآية ما وزعت السورة [عليها] اهـ. والثاني أظهر كما لا يخفى، وقال المظهر:
المراد بالآية الكلام المفيد نحو: من صمت نجا والدين النصيحة، أي بلغوا عني أحاديثي ولو كانت
قليلة، فإن قيل: فلم قال ولو آية ولم يقل ولو حديثاً مع أنه المراد؟ قلنا: لوجهين أحدهما أنه أيضاً
داخل في هذا الأمر لأنه عليه الصلاة والسلام مبلغهما، وثانيهما أن طباع المسلمين مائلة إلى قراءة
القرآن وتعلمه وتعليمه ونشره ولأنه قد تكفل الله بحفظه. اهـ. والأظهر أن المراد الكلام المفيد
وهو أعم من الآية والحديث؛ وإنما اختير لفظ الآية لشرفها، أو المراد من الآية الحكم الموحى إليه
وَل وهو أعم من المتلوة وغيرها بحكم عموم الوحي الجلي والخفي، أو لأن كل ما صدر عن
صدره فهو آية دالة على رسالته؛ فإن ظهور مثل هذه العلوم من الأمي معجزة والله أعلم.
١٢١
قال الطيبي: وفي الحديث فوائد منها التحريض على نشر العلم، ومنها جواز تبليغ بعض
الحديث كما هو عادة صاحب المصابيح والمشارق ولا بأس به إذ المقصود تبليغ لفظ الحديث
مفيداً سواء كان تاماً أم لا. (وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج) الحرج الضيق والإثم وهذا
ليس على معنى إباحة الكذب عليهم بل دفع لتوهم(١) الحرج في التحديث عنهم وإن لم يعلم
الحديث رقم ١٩٨: أخرجه البخاري في صحيحه ٤٩٦/٦ حديث رقم ٣٤٦١. وأخرجه الترمذي في السنن
٣٩/٥ حديث رقم ٢٦٦٩. وأحمد في المسند ١٥٩/٢.
(١) في المخطوطة ((همهم)).
....

٤٠٧
كتاب العلم
ک تجا و.
ومن كذَبَ عليَّ متعمّداً، فلْيتَبَّوأُ مقعَدَه من النَّار)).
صحته وإسناده لبعد الزمان كذا في شرح السنة، وتبعه زين العرب وأشار إليه المظهر، وهو
مقيد بما إذا لم نر كذب ما قالوه علماً أو ظناً. قال السيد جمال الدين ووجه التوفيق بين النهي
عن الاشتغال بما جاء عنهم وبين الترخيص المفهوم من هذا الحديث أن المراد بالتحدث ههنا
التحدث بالقصص من الآيات العجيبة كحكاية عوج بن عنق، وقتل بني إسرائيل أنفسهم في
توبتهم من عباده العجل، وتفصيل القصص المذكورة في القرآن، لأن في ذلك عبرة وموعظة
لأولي الألباب، وأن المراد بالنهي هناك النهي عن نقل أحكام كتبهم لأن جميع الشرائع والأديان
منسوخة بشريعة نبينا وَلقرـ اهـ. لكن قال ابن قتيبة: وما روي عن عوج أنه رفع جبلاً قدر
عسكر موسى عليه السلام وهم كانوا ثلثمائة ألف ليضعه عليهم، فنقره هدهد بمنقاره وثقبه
ووقع في عنقه فكذب لا أصل له كذا نقله الأبهري، وروى الفقيه أبو الليث السمرقندي بإسناده
في تنبيه الغافلين(١) عن النبي وَلّر أنه قال: ((حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج فإنه قد كانت
فيهم أعاجيب)) ثم أنشأ يحدث، أي رسول الله وَله فقال: ((خرجت طائفة من بني إسرائيل حتى
انتهوا إلى مقبرة، فقالوا لو صلينا ثم دعونا ربنا حتى يخرج الله لنا بعض الموتى فيخبرنا عن
الموت ففعلوا ذلك. ثم دعوا ربهم، فبيناهم كذلك إذا رجل قد أطلع رأسه من قبره وهو أسود
خلا شيباً، أي بياض رأسه يخالط سواده، وقال: ((يا هؤلاء ما أردتم فوالله لقدمت منذ تسعين
سنة فما ذهبت مرارة الموت مني حتى كأنه الآن فادعوا الله أن يعيدني كما كنت وكان بين عينيه
أثر السجود)) (ومن كذب عليّ) قال الكرماني: معنى كذب عليه نسب الكلام كاذباً إليه(٢) سواء
كان عليه أوله. اهـ. وبهذا يندفع زعم من جوز وضع الأحاديث للتحريض على العبادة كما
وقع لبعض الصوفية الجهلة في وضع أحاديث في فضائل السور وفي الصلاة الليلية والنهارية
وغيرهما، والأظهر أن تعديته بعلى لتضمين معنى الإفتراء. (متعمداً) نصب على الحال وليس
حالاً مؤكدة لأن الكذب قد يكون من غير تعمد، وفيه تنبيه على عدم دخول النار فيه. (فليتبوأ
مقعده من النار))) يقال: تبوّأ الدار إذا اتخذها مسكناً، وهو أمر معناه الخبر يعني: فإن الله يبوّئه.
وتعبيره بصيغة الأمر للإهانة ولذا قيل: الأمر فيه للتهكم والتهديد إذ هو أبلغ في(٣) التغليظ
والتشديد من أن يقال: كان مقعده في النار، ومن ثم كان ذلك كبيرة بل قال الشيخ أبو محمد
الجويني: إنه كفر يعني لأنه يترتب عليه الاستخفاف بالشريعة.
ويؤخذ من الحديث أن من قرأ حديثه وهو يعلم أنه يلحن فيه سواء كان في أدائه أو
إعرابه يدخل في هذا الوعيد الشديد لأنه بلحنه كاذب عليه، وفيه إشارة إلى أن من نقل حديثاً
وعلم كذبه يكون مستحقاً للنار إلا أن يتوب لا من نقل عن راو عنه عليه السلام أو رأى في
(١) تنبيه الغافلين لأبي الليث نصر بن محمد الفقيه السمرقندي ت (٣٧٥) وهو كتاب في المواعظ ذكر
الذهبي أن فيه كثيراً من الأحاديث الموضوعة. (كشف الظنون).
(٢) في المخطوطة ((عليه)).
(٣) في المخطوطة من.

٤٠٨
كتاب العلم
رواه البخاري.
١٩٩ - (٢) وعن سَمُرَة بن جندب، والمغيرة بن شعبة،
...
كتاب ولم يعلم كذبه. قال الطيبي: فيه إيجاب التحديث بالضعيف مطلقاً مردود التحرز عن
الكذب على رسول الله ولو بأن لا يحدث عنه إلا بما يصح بنقل الإسناد، قال ابن حجر: وما
أوهمه كلام شارح من حرمة التحديث بالضعيف مطلقاً مردود. اهـ. والظاهر أن مراد الطيبي
بقوله: [((إلا] بما يصح)) الصحة اللغوية التي بمعنى الثبوت لا الإصطلاحية وإلا لأوهم حرمة
التحديث بالحسن أيضاً ولا يحسن ذلك ولا يظن به هذا، إذ من المعلوم أن أكثر الأحاديث
الدالة على الفروع حسان، ومن المقرر أن الحديث الضعيف يعمل به في فضائل الأعمال فيتعين
حمل كلامه على ما ذكرناه، وكلامه أيضاً مشعر بذلك إذ لم يقل: بنقل الإسناد الصحيح،
ولكنه موهم أنه لا بد من ذكر الإسناد وليس كذلك لأن المراد أنه لا يحدث عنه إلا بما ثبت
عنه، وذلك الثبوت إنما يكون بنقل الإسناد وفائدته أنه لو روى عنه ما يكون معناه صحيحاً لكن
ليس له إسناد فلا يجوز أن يحدث [به] عنه. واللام في الإسناد للعهد، أي الإسناد المعتبر عند
المحدثين وإلا [فـ] قد يكون للحديث الموضوع إسناد أيضاً. قال عبد الله بن المبارك: الإسناد
من الدين ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء(١)، قال ابن حجر: ولكون الإسناد يعلم به
الموضوع من غيره كانت معرفته من فروض الكفاية، قيل: ((بلغوا عني)) يحتمل وجهين أحدهما
اتصال السند بنقل الثقة عن مثله إلى منتهاه؛ لأن التبليغ من البلوغ وهو إنهاء الشيء إلى غايته،
والثاني أداء اللفظ كما سمع من غير تغيير، والمطلوب في الحديث كلا الوجهين لوقوع بلغوا
مقابلاً لقوله: ((حدثوا عن بني إسرائيل)) (رواه البخاري) أي مجموع الحديث، وكذا رواه أحمد
والترمذي. وأما قوله: ((من كذب)) الخ فرواه أحمد والشيخان والترمذي والنسائي وابن ماجة
وأبو داود والحاكم والطبراني والدارقطني والخطيب وابن عدي وغيرهم عن جمع كثير من
الصحابة. قال ابن الصلاح: حديث ((من كذب عليّ)) من المتواتر وليس في الأحاديث ما في
مرتبته من التواتر فإن ناقليه من الصحابة جم غفير، قيل: اثنان وستون من الصحابة فيهم العشرة
المبشرة بالجنة. وقيل: لا نعرف حديثاً اجتمع فيه العشرة إلا هذا. ثم عدد الرواة كان في
التزايد في کل قرن.
١٩٩ - (وعن سمرة) بفتح السين وضم الميم (ابن جندب) بضم الجيم والدال ويفتح،
الفزاري حليف الأنصار كان من الحفاظ المكثرين عن رسول الله وَلقره روى عنه جماعة، مات
بالبصرة آخر [سنة] تسع وخمسين. (والمغيرة بن شعبة) بضم الميم وكسرها والضم أشهر،
قيل: إنه أحصن ثلثمائة امرأة في الإسلام كذا في التهذيب، ثقفي أسلم عام الخندق وقدم
(١) أخرجه مسلم في مقدمة صحیحه ص ١٥ باب ٥.
الحديث رقم ١٩٩: أخرجه مسلم في مقدمة صحيحه ٩/١. وأخرجه الترمذي عن المغيرة في سننه ٣٥/٥
حديث رقم ٢٦٦٢ وابن ماجة في مقدمة سننه ١/ ١٥ حديث رقم ٣٩ عن سمرة. وحديث رقم ٤١
عن المغيرة وأخرجه أحمد في المسند عن سمرة ١٤/٥ وعن المغيرة ٤/ ٢٥٠.

٤٠٩
كتاب العلم
قالا: قال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((مَن حدَّث عني بحديثٍ يَرى أنه كذِبٌ، فهو أحدُ الكاذبِينَ)).
رواه مسلم.
٢٠٠ - (٣) وعن معاوية،
مهاجراً، نزل الكوفة ومات بها سنة خمسين وهو ابن سبعين سنة وهو أميرها لمعاوية بن أبي
سفيان، روى عنه نفر. (قالا) رضي الله عنهما (قال رسول الله وَلافر: ((من حدث عني بحديث)
أي ولو بواحد (يرى) رُوي بضم الياء من الأراءة، أي يظن وبفتحها من الرأي، أي يعلم (أنه)
أي الحديث (كذب) بفتح الكاف وكسر الذال، وجوّز كسر الكاف وسكون الذال، يعني ولم
يبين كذبه (فهو) بضم الهاء وسكونها (أحد الكاذبين))) جمع باعتبار كثرة النقلة، قال الأشرف:
سماه كاذباً لأنه يعين المفتري ويشاركه بسبب إشاعته فهو كمن أعان ظالماً على ظلمه، قال
الشيخ محيي الدين النووي: ((يري)) ضبطناه بضم الياء، والكاذبين بكسر الباء وفتح النون على
الجمع وهذا هو المشهور في اللفظين. وقال القاضي عياض: الرواية عندنا على الجمع. ورواه
أبو نعيم الأصفهاني في المستخرج من حديث سمرة على التثنية، واحتج به على أن الراوي له
يشارك البادىء بهذا الكذب، ثم رواه أبو نعيم من رواية المغيرة الكاذبين أو الكاذبين على الشك
في التثنية والجمع، وذكر بعض الأئمة جواز فتح الياء من يرى بمعنى يعلم وهو ظاهر حسن؛
فأما من ضم الياء فمعناه يظن، ويجوز أن يكون الفتح بمعنى يظن أيضاً فقد حُكي رأى بمعنى
ظن، وقيل: إنه لا يأثم إلا برواية ما يعلمه أو يظنه كذباً، وأما ما لا يعلمه ولا يظنه فلا اثم
عليه في روايته وإن ظنه غيره كذباً أو علمه. اهـ. كلام الشيخ محيي الدين النووي. قال السيد
جمال الدين في تجويزه فتح الياء بمعنى يعلم تأمل، ولعل وجه التأمل أن الظن يكفي في هذا
المقام بل أبلغ في إفادة المرام فلا يحتاج إلى العلم التام، ويمكن دفعه بأن المراد العلم بالمعنى
الأعم يقينياً أو ظنياً والله أعلم. (رواه مسلم) وأحمد وابن ماجة.
٢٠٠ - (وعن معاوية) رضي الله عنه هو معاوية بن أبي سفيان القرشي الأموي أمه هند
بنت عتبة، كان هو وأبوه من مسلمة الفتح ثم من المؤلفة قلوبهم، وهو أحد الذين كتبوا لرسول
الله ◌َالر، وقيل: لم یکتب له من الوحي شيئاً إنما كتب له كتبه، روى عنه ابن عباس وأبو سعيد
تولى الشام بعد أخيه يزيد في زمن عمر ولم يزل بها متولياً حاكماً إلى أن مات وذلك أربعون
سنة منها في أيام عمر أربع سنين أو نحوها، ومدة خلافة عثمان وخلافة علي وابنه الحسن
وذلك تمام عشرين سنة، ثم استوثق له الأمر بتسليم الحسن بن علي إليه في سنة إحدى
الحديث رقم ٢٠٠: أخرجه البخاري في صحيحه ١٦٤/١ حديث رقم ٧١ ومسلم إلى قوله ((ويعطي الله))
٧١٩/٢ حديث رقم (١٠٣٧.١٠٠) والدارمي في سننه ٨٥/١ حديث رقم ٢٢٤. ومالك بعضه
في الموطأ ٢/ ٩٠٠ حديث ٨. وأحمد في المسند عن معاوية ٩٢/٤. ورواه عن ابن عباس
الترمذي ٢٨/٥ حديث رقم ٢٦٤٥ وقال حسن صحيح وأحمد في مسنده ٣٠٦/١ والدارمي ١/
٨٥ حديث رقم ٢٢٥. وأخرجه ابن ماجة عن أبي هريرة ١/ ٢٢٠ حديث رقم ٢٢٠.

٤١٠
كتاب العلم
قال: قال رسول الله وَله: ((مَن يُرِدِ اللَّهُ به خَيراً يُفقهه في الدين، وإِنما أنا قاسمُ واللَّهُ
يعطي)). متفق عليه ..
٢٠١ - (٤) وعن أبي هريرة، قال: قال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((الناسُ معادنُ
وأربعين ودام له عشرين سنة، ومات في رجب بدمشق وله ثمان وسبعون سنة. وكان إصابته في
آخر عمره لقوة وكان يقول في آخر عمره: ليتني كنت رجلاً من قريش بذي طوی ولم أر من
هذا الأمر شيئاً، وكان عنده إزار رسول الله وَلر ورداؤه وقميصه وشيء من شعره وأظفاره فقال:
كفنوني في قميصه وأدرجوني في ردائه وأزروني بإزاره واحشوا منخري وشدقي ومواضع
السجود من شعره وأظفاره وخلوا بيني وبين أرحم الراحمين. (قال: قال رسول الله وَليقول: ((من
يرد الله به خيراً) تنكيره للتفخيم، أي خيراً كثيراً (يفقهه) بتشديد القاف، أي يجعله عالماً (في
الدين) أي أحكام الشريعة والطريقة والحقيقة ولا يختص بالفقه المصطلح المختص بالأحكام
الشرعية العملية كما ظن؛ فقد روى الدارمي عن عمران قال: قلت للحسن يوماً في شيء قاله:
يا أبا سعيد هكذا يقول الفقهاء، قال: ويحك هل رأيت فقيهاً قط، إنما الفقيه الزاهد في الدنيا
الراغب في الآخرة البصير بأمر دينه المداوم على عبادة ربه (١)، وفي رواية: إنما الفقيه من
انفقأت عينا قلبه فنظر إلى ربه. اهـ. ويؤيده ما في رواية: ((من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين
ويلهمه رشده)) رواه أبو نعيم في الحلية عن ابن مسعود (وإنما أنا قاسم) أي للعلم (والله يعطي)))
أي الفهم في العلم بمبناه والتفكر في معناه والعمل بمقتضاه. قال الطيبي: الواو في ((وإنما))
للحال من فاعل يفقهه، أو من مفعوله، أي أنا أقسم العلم بينكم فألقي إليكم جميعاً ما يليق
بكل أحد والله يوفق من يشاء منكم لفهمه. قال ابن حجر: ومن ثم تفاوتت أفهام الصحابة مع
استواء تبليغه عليه الصلاة والسلام، بل فاق بعض من جاء بعد الصحابة بعضهم في الفهم
والاستنباط كما أشار لذلك الخبر الآتي: ((رب حامل فقه ليس بفقيه، ورب حامل فقه إلى من
هو أفقه منه))، وقيل: معناه أنا أقسم المال بينكم والله يعطيه فلا يكون في قلوبكم سخط وتنكر
عن التفاضل في القسمة فإنه أمر الله، والظاهر أن المعنى أنا أقسم العلم بينكم والله يعطي العلم
كذا قاله بعض الشراح. والأظهر أن لا منع من الجمع وإن كان المقام يقتضي العلم والله أعلم.
قيل: ولم يقل معطٍ لأن إعطاء [٥] متجدد ساعة فساعة. (متفق عليه) ورواه أحمد عنه، وكذا
أحمد والترمذي عن ابن عباس وابن ماجة عن أبي هريرة.
٢٠١ - (وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَلاير: ((الناس معادن) جمع معدن والمراد به
(١) أخرجه الدارمي في السنن ١٠١/١ حديث رقم ٢٩٤.
الحديث رقم ٢٠١: أخرجه مسلم من حديث طويل ٢٠٣١/٤ حديث (١٦٠- ٢٦٣٨). أما لفظ ((خيارهم
في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا)) فهو متفق عليه من حديث أبي هريرة «قيل يا رسول الله
من أكرم الناس ... )) أخرجه البخاري في صحيحه ٣٨٧/٦ حديث رقم ٢٣٥٣. ومسلم في صحيحه
١٨٤٦/٤ حديث (٢٣٧٨.١٦٨).

٤١١
كتاب العلم
كمعادن الذهبِ والفضّة، خِيارُهم في الجاهليَّة خِيارُهم في الإِسلام إِذا فَقُهوا)). رواه
مسلم .
٢٠٢ - (٥) وعن ابن مسعود، قال: قال رسولُ الله وَّر: ((لا حَسَدَ إلا في اثنتين:
مستقر الأخلاق كذا ذكره الأبهري. (كمعادن الذهب والفضة) وغيرهما إلى أن ينتهي إلى
الأدنى؛ فمن كان استعداده أقوى كانت فضيلته أتم، وفيه إشارة إلى أن ما في معادن الطباع من
جواهر مكارم الأخلاق ينبغي أن يستخرج برياضة النفوس كما تستخرج (١) جواهر المعادن
بالمقاساة والتعب كذا ذكره ابن الملك. وقال الطيبي: المعدن المستقر من عدنت البلد إذا
توطنته، ومنه المعدن لمستقر الجواهر. ومعادن خبر المبتدأ ولا يصح حمله إلا بأحد وجهين
إما على التشبيه كقولك: زيد أسد وحينئذ يكون کمعادن الذهب بدلاً منه، أي الناس كمعادن
الذهب، وإما على أن المعادن مجاز عن التفاوت؛ فالمعنى أن الناس متفاوتون يعني في مكارم
الأخلاق ومحاسن الصفات تفاوتاً مثل تفاوت معادن الذهب، والمراد بالتفاوت تفاوت النسب
في الشرف والضعة يدل عليه الصلاة والسلام في حديث آخر: ((فعن معادن العرب تسألونني؟
قالوا: نعم)) أي أصولها التي ينسبون إليها ويتفاخرون بها، وإنما جعلت معادن لما فيها من
معنى الاستعدادات المتفاوتة، فمنها قابلة لفيض الله سبحانه على مراتب المعادن ومنها غير
قابلة، وقوله: (خيارهم في الجاهلية) الخ جملة مبينة شبههم بالمعادن في كونها أوعية للجواهر
النفيسة والفلزات المنتفع(٢) بها المعني بها العلوم والحكم؛ فالتفاوت في الجاهلية بحسب
الأنساب، وفي الإسلام بالإحساب ولا يعتبر الأول إلا بالثاني، فالمعنى خيارهم بمكارم
الأخلاق في الجاهلية. (خيارهم في الإسلام) أيضاً بها (إذا فقهوا) بضم القاف، وقيل:
بالكسر، أي إذا استووا في الفقه وإلا فالشرف للأفقه منه. قال في النهاية: فَقِه الرجل بالكسر
إذا علم وفَقُه بالضم إذا صار فقيهاً عالماً، وجعله العرف خاصاً بعلم الشريعة وتخصيصها بعلم
الفروع. (رواه مسلم).
٢٠٢ - (وعن ابن مسعود قال: قال رسول الله وَيقول: ((لا حسد) وهو تمني زوال نعمة أحد
وانتقالها إليه كذا قيل، والحق أنه أعم وهو مذموم إذا عمل بمقتضاه من تصميم أو قول أو
فعل، ولذا قال تعالى: ﴿ومن شر حاسد إذا حسد﴾ [الفلق - ٥] واستثنوا من ذلك إذا كانت
النعمة لكافر أو فاسق يستعين بها على معاصي الله، والمراد هنا الغبطة وهي تمني حصول مثلها
له، وأطلق الحسد عليها مجازاً. قال الطيبي: أي لا رخصة فيه، والظاهر أن معناه لو جاز
الحسد لما جاز إلا فيما ذكر وأما ما قيل من أنه يؤخذ من الحديث إباحة نوع من الحسد
لتضمنه المنفعة في الدين فغير صحيح. (إلا في اثنتين) أي في نفيسين أو خصلتين، ورُوي
(١) في المخطوطة ((يستخرج)).
(٢) في المخطوطة ((المنفعة)).
الحديث رقم ٢٠٢: أخرجه البخاري في صحيحه ١/ ١٦٥ حديث رقم ٧٣. وأخرجه مسلم في صحيحه ١/
٥٥٩ حديث رقم (٢٦٨ .٨١٦) وأخرجه أحمد في المسند ٤٣٢/١.

٤١٢
كتاب العلم
رجلٌ آتاهُ الله مالاً فسلَّطه على هَلَكتِهِ في الحقِّ، ورجل آتاه اللَّهُ الحِكمة فهو يقضي بها
ويُعَلّمُها)). متفق عليه.
٢٠٣ - (٦) وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله وَّر: ((إذا مات الإنسانُ انقطع عنه
عملُه إِلا من ثلاثة: إلاّ من صدَقةٍ جارية،
بالتذكير، أي في شأن اثنين. (رجل) رُوي مجروراً على البدل وهو أوثق الروايات، ورُوي
مرفوعاً مبتدأ، أو قال الطيبي [روي:] ((لا حسد إلا في اثنين)) فيكون ((رجل)) بدلاً منه، ورُوي
في ((اثنتين)) أي خصلتين اثنتين فلا بد من تقدير مضاف ليستقيم المعنى، فإذا رُوي ((في اثنينِ))
يقدر في شأن اثنين، وإذا رُوي ((اثنتين)) يقدر خصلة رجل. (آتاه الله) بالمد، أي أعطاه (مالاً)
أي مالاً كثيراً أو نوعاً من المال ولا بد أن يكون [حلالاً] (فسلطه) أي وكله الله ووفقه (على
هلكته) بفتحتين، أي انفاقه وإهلاكه وعبر بذلك ليدل على أنه لا يبقي منه شيئاً وكمله بقوله:
(في الحق)(١) ليزيل الإسراف المذموم والرياء الملوم، ولا سرف في الخير كما لا خير في
السرف (ورجل) بالوجهين للعطف (آتاه الله الحكمة) وهي إصابة الحق بالعلم والعمل، أو علم
أحكام الدين. قال الكرماني: عرف الحكمة لأن المراد بها معرفة الأشياء التي جاءت بها
الشريعة، وأراد التعريف بلام العهد (فهو يقضي) أي يعمل ويحكم (بها) أي بالحكمة التي
أوتيها (ويعلمها))) أي غيره (متفق عليه).
٢٠٣ - (وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَلافي: ((إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله) أي
أعماله بدليل الاستثناء والمراد فائدة عمله لانقطاع عمله، يعني لا يصل إليه أجر وثواب من
شيء من عمله (إلا من ثلاثة) أي من ثلاثة أشياء؛ فإن فائدتها لا تنقطع عنه لما ثبت عنه سبحانه
أنه يثيب المكلف بكل فعل يتوقف وجوده بوجه مّا على كسبه سواء فيه المباشرة والتسبب (إلا
من صدقة) قال الطيبي: في بعض نسخ المصابيح أسقطوا ((إلا) وهي مثبتة في صحيح مسلم
وكتاب الحميدي وجامع الأصول والمشارق، وهو إلى آخر بدل من قوله ((إلا من ثلاثة)) فعلى
التكرير فيه مزيد تقرير واعتناء بشأنه. اهـ. وقال الأبهري: ((من)) زائدة والتنوين عوض
الأعمال، وقيل: بل الضمير في ((عنه)) زائد، ومعناه إذا مات الإنسان انقطع عن أعماله إلا من
ثلاثة، ويحتمل أن يقال: كلتاهما أصليتان ومعناه إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله وانقطع هو
عن عمله إلا من ثلاثة أعمال (جارية) يجري نفعها فيدوم أجرها كالوقف في وجوه الخير، وفي
الأزهار قال أكثرهم: هي الوقف وشبهه مما يدوم نفعه، وقال بعضهم: هي القناة والعين
الجارية المسبلة، قلت: وهذا داخل في عموم الأول ولعلهم أرادوا هذا الخاص لكن لا وجه
(١) في المخطوطة ((الخير).
الحديث رقم ٢٠٣: أخرجه مسلم في صحيحه ٣/ ١٢٥٥ حديث (١٦٣١.١٤). وأخرجه أبو داود ٣/ ٣٠٠
حديث رقم ٢٨٨٠ وأخرجه النسائي في السنن ٢٥١/٦ حديث رقم ٣٦٥١. وأخرجه الترمذي ٣/
٦٦٠ حديث رقم ١٣٧٦. وأخرجه أحمد في المسند ٣٧٢/٢.
عدة

٤١٣
مے
كتاب العلم
أو علمٍ يُنتفعُ به، أو ولَدٍ صالحٍ يدعُو له)). رواه مسلم.
٢٠٤ - (٧) وعنه، قال: قال رسولُ اللهِ وَلِ: (مَن نَّفَّسَ
للتخصيص. (أو علم ينتفع به) أي بعد موته، قال ابن الملك: قيد العلم بالمنتفع به لأن غيره
لا يؤتى(١) به أجراً، والمراد بالمنتفع(٢) به العلم بالله وصفاته وأفعاله وملائكته، ويدخل فيه علم
الكلام، أي العقائد والعلم بكتبه، ويدخل فيه التفسير وبملكوت أرضه وسمائه، ويدخل فيه
علم الرياضي. أقول: وفيه نظر، قال: والعلم بشريعة محمد وَله، ويدخل فيه التفسير أيضاً
والحديث والفقه وأصوله. قلت: الأولى الاقتصار على الأخير المشتمل على النقير والقطمير.
(أو ولد صالح) أي مؤمن كما قاله ابن حجر المكي (يدعو له))) قال ابن الملك: قيد الولد
بالصالح لأن الأجر لا يحصل من غيره، وإنما ذكر دعاءه تحريضاً للولد على الدعاء لأبيه حتى
قيل: للوالد ثواب من عمل الولد الصالح سواء دعا لأبيه أم لا، كما أن من غرس شجرة يجعل
للغارس ثواباً بأكل ثمرتها سواء دعا له الآكل أم لا. قال الطيبي: الاستثناء متصل تقديره ينقطع
عنه ثواب أعماله من كل شيء كالصلاة والزكاة ولا ينقطع ثواب أعماله من هذه الثلاثة، يعني
إذا مات الإنسان لا يكتب له أجر أعماله لأنه جزاء العمل وهو منقطع بموته إلا فعلاً دائم الخير
مستمر النفع مثل وقف أرض أو تصنيف كتاب أو تعليم مسئلة يعمل بها أو ولد صالح، وجعل
الولد من العمل لأنه السبب في وجوده. اهـ. ولا تنافي بين هذا الحصر وبين قوله عليه
الصلاة والسلام: ((من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم
القيامة))(٣) لأن السنة المسنونة من جملة المنتفع به، وكذا لا تنافي بينه وبين قوله عليه الصلاة
والسلام: ((كل ميت يختم على عمله إلا المرابط في سبيل الله فإنه ينمو له عمله إلى يوم
القيامة)) (٤) لأن النامي من عمل المرابط ما قدمه في حياته. وأما الثلاثة المذكورة فإنها أعمال
تحدث بعد وفاته فلا تنقطع عنه لأنه سبب تلك الأعمال؛ فهذه الأشياء يلحقه منها ثواب طار
خلاف أعماله الذي مات عليها(٥)، أو لأن معناه أن الرجل إذا مات لا يزاد في ثوب ما عمل
ولا ينقص منه شيئاً إلا الغازي فإن ثواب مرابطته ينمو ويتضاعف وليس فيه ما يدل على أن
عمله يزاد بضم غيره أو لا يزاد، وقيل: يمكن أن تجعل المرابطة داخلة في الصدقة الجارية إذ
المقصود نصرة المسلمين. ا هـ. وهو الأظهر (رواه مسلم).
٢٠٤ - (وعنه) أي عن أبي هريرة رضي الله عنه (قال: قال رسول الله وَاله: (من نفّس)
(١) في المخطوطة ((لا يؤت)).
(٢) ((المنفعة)) كذا في المخطوطة.
(٣) مسلم ٢٠٥٩/٤ حديث ١٠١٧ مع بعض التغير.
(٤) أبو داود ٣/ ٢٠ حديث ٢٥٠٠ وأخرجه الترمذي كذلك.
(٥) في المخطوطة عليه.
الحديث رقم ٢٠٤: أخرجه مسلم في صحيحه ٢٠٧٤/٤ حديث رقم (٢٦٩٩.٣٨) وأخرج البخاري بعض
ألفاظه ٩٧/٥ حديث رقم ٢٤٤٢. وأخرجه أبو داود إلى ((والله في عون العبد ... ) ٢٣٤/٥ ٪

٤١٤
كتاب العلم
عن مُؤمنٍ كُربةً من كُرَبِ الدنيا، نَفَّسَ اللهُ عنه كُربةً من كُرَبٍ يوم القيامة. ومَن يسَّر على
مُغْسِرٍ يسَّرَ اللهُ عليه في الدنيا والآخرة. ومَن ستَرَ مُسلماً سترَه اللَّهُ في الدنيا والآخرة.
بالتشديد، أي فرّج، قال الطيبي: كأنه فتح مداخل الأنفاس فهو مأخوذ من قولهم: أنت في
نفس، أي سعة كأن من كان في كربة سد عنه مداخل الأنفاس فإذا فرج عنه فتحت بمعنى من
أزال وأذهب (عن مؤمن) أي مؤمن ولو كان فاسقاً مراعاة لإيمانه (كربة) أي أيّ حزن وعناء
وشدة ولو حقيرة (من كرب الدنيا) الفانية المنقضية، ومن تبعيضية أو ابتدائية (نفّس الله عنه
كربة) أي عظيمة. (من كرب يوم القيامة) أي الباقية الغير المتناهية فلا يرد أنه تعالى قال: ﴿من
جاء بالحسنة فله عشر أمثالها﴾ [الأنعام - ١٦٦] فإنه أعم من أن يكون في الكمية أو الكيفية،
ولما كان الخلق كلهم عيال الله وتنفيش الكرب إحسان فجازاه الله جزاء وفاقاً لقوله تعالى:
﴿هل جزاء الإحسان إلا الإحسان﴾ [الرحمن - ٦٠].
(ومن يسرّ على معسر) أي سهّل على فقير وهو يشمل المؤمن والكافر، أي من كان له
دين على فقير فسهّل عليه بإمهال أو بترك بعضه أو كله (يسرّ الله عليه) بدل تيسيره على عبده
مجازاة بجنسه (في الدنيا والآخرة) أي في الدارين أو في أمورهما، قال بعض العارفين: لا
يخفى أن المعسر وصاحب الكربة هو المريد في وادي الغربة المحتاج إلى قطع العقبات
النفسانية والمنازل الظلمانية والنورانية، كما اشتهر عن الكتاني أن بين العبد والحق ألف مقام من
نور وظلمة ويتلقاه الوساوس والهواجس، فعلى شيخه أن ينفّس كربة الوساوس عنه بأمره بترك
المبالاة بها والتأمل في الحجج العقلية والأدلة النقلية إن استأهله واستدامة الذكر والابتهال إلى
المولى، ويسهّل عليه سواء الطريق ويذيقه حلاوة التحقيق حتى يسطع في قلبه أنوار القلوب
ويطلع في سره شموس الوصول إلى المحبوب.
(ومن ستر مسلماً) أي في قبيح يفعله فلا يفضحه، أو كساه ثوباً (ستره الله) أي عيوبه أو
عورته (في الدنيا والآخرة) كما تقدم، وفي شرح مسلم أي ستر بدنه بالألباس أو عيوبه بعدم
الغيبة له والذب عن معايبه. وهذا على من ليس معروفاً بالفساد، وأما المعروف به فيستحب أن
ترفع قصته إلى الوالي. ولو رآه في معصية فينكرها بحسب القدرة، وإن عجز يرفعها إلى
الحاكم إذا لم يترتب عليه مفسدة. قال بعض المحققين: وفيه إشارة لمن وقف على شيء من
مقامات أهل العرفان وكرامات ذوي الإيقان أن يحفظ سره ويكتم عن غيره أمره؛ فإن كشف
الأسرار على الأغيار يسد باب العناية ويوجب الحرمان والغواية.
من أطلعوه على سر فباح (١) به * لم يأمنوه على الأسرار ما عاشا
حديث رقم ٤٩٤٦ وأخرجه الترمذي ١٧٩/٥ حديث رقم ٢٩٤٥. وابن ماجة ٨٢/١ حديث ٢٢٥
=
وأحمد في المسند ٢٥٢/٢.
(١) في المخطوطة ((فتاح)).

٤١٥
كتاب العلم
واللَّهُ في عَونِ العَبْد ما كان العبْدُ في عون أخيه. ومن سَلك طريقاً يلتمِسُ فيه عِلماً سهَّل
اللَّهُ له به طريقاً إلى الجنَّة. وما اجتمع قومٌ في بيتٍ من بيوت الله يتلون كتابَ الله
ویتدارسونه بينهم، إِلا نزَلتْ
(والله في [عون العبد]) الواو للاستئناف، وهو في عون العبد تذييل للكلام السابق. (ما
كان) أي ما دام (العبد) مشغولاً (في عون أخيه) أي المسلم كما في نسخة، أي في قضاء
حاجته. وفيه إشارة إلى فضيلة عون الأخ على أموره والمكافأة عليها بجنسها من العناية الإلهية
سواء كان بقلبه أو بدنه أو بهما لدفع المضار أو جذب المسار إذا لكل عون. ولما فرغ من
الحث على الشفقة على خلق الله اتبعه بما ينبىء عن التعظيم لأمر الله لأن العلم وسيلة إلى
العمل فقال :
(ومن سلك) أي دخل أو مشى (طريقاً) أي قريباً أو بعيداً، قيل: التنوين للتعميم إذ النكرة
في الإثبات قد تفيد العموم، أي بسبب أي سبب كان من التعليم والتعلم والتصنيف ومفارقة
الوطن والإنفاق فيه (يلتمس فيه) حال أو صفة (علماً) نكرة ليشمل كل نوع من أنواع علوم الدين
قليلة أو كثيرة إذا كان بنية القربة والنفع والانتفاع، وفيه استحباب الرحلة في طلب العلم وقد ذهب
موسى إلى الخضر عليهما الصلاة والسلام وقال له: ﴿هل أتبعك على أن تعلمن مما علمت
رشداً﴾ [الكهف - ٦٦] ورجل جابر بن عبد الله بن مسيرة شهر إلى عبد الله بن قيس في حديث
واحد كذا نقله ابن الملك. (سهل الله له به) أي بذلك السلوك أو الطريق أو الالتماس أو العلم
(طريقاً) أي موصلاً ومنهياً (إلى الجنة) مع قطع العقبات الشاقة دونها يوم القيامة.
(وما اجتمع قوم) أي جمع (في بيت) أي مجمع (من بيوت الله) بكسر الباء وضمها،
واحترز به عن مساجد اليهود والنصارى؛ فإنه يكره الدخول فيها والعدول عن المساجد إلى
بيوت الله ليشمل كل ما بيني تقرباً إلى الله تعالى من المساجد والمدارس والربط. (يتلون) حال
من قوم لتخصيصه (كتاب الله) أي القرآن، وليس المراد بالتلاوة مجرد إجراء الألفاظ على
اللسان، بل لا بد أن يقدر العبد أنه يقرأ على الله واقفاً بين يديه وهو ناظر إليه، بل يشهد بقلبه
كأن ربه يخاطبه بل يستغرق بمشاهدة المتكلم غير ملتفت إلى غيره سامعاً منه كما قال الإمام
الصادق وقد سئل عن حالة لحقته في الصلاة حتى خر مغشياً عليه فلما سُري عنه قال: ما زلت
أردد الآية على قلبي حتى سمعتها من المتكلم بها، فلم يثبت جسمي لمعاينة قدرته ثم يتفكر
فيما يتعلق بذات الله وصفاته وأفعاله، ويقتبس معرفة الجلال والعظمة وفيما يتعلق بإهلاك
الأعداء، ويقتبس معرفة العزة والاستغناء والقهر والإفناء وفيما يتعلق بأحوال الأنبياء والأحباء،
ويقتبس معرفة اللطف والفضل والنعماء وفي الآيات الدالة على التكليف والإرشاد، ويقتبس
معرفة اللطف والحكم ويعمل بمقتضاها (ويتدارسونه بينهم) والتدارس قراءة بعضهم على بعض
تصحيحاً لألفاظه أو كشفاً لمعانيه كذا قاله ابن الملك. ويمكن أن يكون المراد بالتدارس
المدارسة المتعارفة بأن يقرأ بعضهم عشراً مثلاً وبعضهم عشراً آخر وهكذا فيكون أخص من
التلاوة أو مقابلاً لها، والأظهر أنه شامل لجميع ما يناط بالقرآن من التعليم والتعلم. (إلا نزلت

٤١٦
كتاب العلم
عليهمُ السكينةُ، وغشِيَتَهُمُ الرحمَةُ، وحَفَّتهمُ الملائِكةُ، وذكرهم اللَّهُ فيمن عنده. ومَن بَطَّأ به
عملُه لم يُسْرغ به نسبُه»
عليهم السكينة) يجوز في مثل هذا التركيب كسر الهاء وضم الميم وهو الأكثر، وضمهما
وكسرهما والسكينة هي الوقار والخشية، يعني الشيء الذي يحصل به سكون القلب والطمأنينة
والوقار ونزول الأنوار، قيل: والمراد هنا صفاء القلب بنوره وذهاب الظلمة النفسانية وحصول
الذوق والشوق، وقيل: السكينة ملك [يسكن قلب] المؤمن ويؤمنه ويأمره بالخير، وذكر الطيبي
عن ابن مسعود السكينة مغنم وتركها مغرم. (وغشيتهم الرحمة) أي أتتهم وعلتهم وغطتهم
(وحفتهم الملائكة) أي ملائكة الرحمة والبركة أحدقوا وأحاطوا بهم، أو طافوا بهم وداروا
حولهم إلى سماء الدنيا يستمعون القرآن ودراستهم ويحفظونهم من الآفات ويزورونهم
ويصافحونهم ويؤمنون على دعائهم، [قيل: وبلسان الإشارة بيوت الله عبارة عما يذكر فيه الحق
من النفس والقلب والروح والسر والخفي؛ فذكر بيت النفس الطاعات، وذكر بيت القلب
التوحيد والمعرفة، وذكر بيت الروح الشوق والمحبة، وذكر بيت السر المراقبة والشهود، وذكر
بيت الخفي بذل الوجود وترك الموجود.
وقوله: ((إلا نزلت)) الخ إشارة إلى ثمرات التلاوة وهي الانس والحضور مع الله وتمثل
الأنبياء والملائكة والأرواح المقدسة في صور لطيفة والصعود من حضيض البشرية إلى ذروة
الملكوت الأعلى، بل الفرح بالبقاء والدخول تحت الفناء والقرب من اللاهوت والتبري من
الناسوت، وهذا مقام يضيق عن إعلانه نطاق النطق ولا يسع إظهاره في ظهور الحروف، وأن
قميصاً خيط من نسج تسعة وعشرين حرفاً من معانيه قاصر. قال الشيخ أبو سعيد الخرّاز: إذا
أراد الله تعالى أن يوالي عبداً من عبيده فتح عليه باب ذكره، فإذا استلذ بالذكر فتح عليه باب
القرب، ثم رفعه إلى مجالس الانس، ثم أجلسه على كرسي التوحيد، ثم رفع عنه الحجاب
وأدخله دار الفردانية وكشف له حجاب الجلال والعظمة، فإذا وقع بصره على الجلال والعظمة
بقي بلا هو، فحينئذ صار العبد زمناً فانياً في حفظ سبحانه وبرىء من دعاوى نفسه]. (وذكرهم
الله فيمن عنده) أي الملأ الأعلى والطبقة الأولى من الملائكة، وذكره سبحانه للمباهاة بهم
يقول: انظروا إلى عبيدي يذكروني ويقرؤون كتابي.
(ومن يبطأ) بتشديد الطاء من التبطئة ضد التعجل كالإبطاء والبطء نقيض السرعة والباء في
(به) للتعدية، أي من أخره وجعله بطيئاً عن بلوغ درجة السعادة (عمله) السيىء في الآخرة، أو
تفريطه للعمل الصالح في الدنيا (لم يسرع به نسبه))) من الإسراع، أي لم يقدمه نسبه، يعني لم
يجبر نقيصته لكونه نسيباً في قومه إذ لا يحصل التقرب إلى الله تعالى بالنسب بل بالأعمال
الصالحة، قال تعالى: ﴿إن أكرمكم عند الله أتقاكم﴾ [الحجرات - ١٣] وشاهد ذلك أن أكثر
علماء السلف والخلف لا أنساب لهم يتفاخر بها بل كثير(١) من علماء السلف موالٍ(٢) ومع
(١) في المخطوطة ((كثر).
-
(٢) في المخطوطة ((موال)).
مے

٤١٧
كتاب العلم
رواه مسلم.
٢٠٥ - (٨) وعنه، قال: قال رسولُ اللهِ نَّهِ: ((إِنَّ أوَّلَ الناسِ يُقضى عليه يوم القيامة
رجلٌ استُشهد، فأُتِيَ به فعرَّفه نِعمتَه فعرفها، فقال: ما عمِلْت فيها؟ قال: قاتلتُ فيك حتى
استُشهدتُ.
ذلك هم سادات الأمة وينابيع الرحمة وذوو الأنساب العلية الذين ليسوا كذلك في مواطن جهلهم
نسياً منسياً، ولذا قال عليه الصلاة والسلام: ((إن الله يرفع بهذا الدين أقواماً ويضع به آخرين))(١)،
ويؤيده ما ورد في الحديث من قوله عليه الصلاة والسلام: ((يا صفية عمة محمد، يا فاطمة بنت
محمد ائتوني يوم القيامة بأعمالكم لا بأنسابكم فإني لا أغني عنكم من الله شيئاً»، وما نقل عن أبي
يزيد قدس [الله] سره أن مريداً له تتبع خطاه من خلفه فأقبل عليه قائلاً: ((والله والله لو سلخت جلد
أبي يزيد ولبسته لم تنل مثقال خردل من مقاماته ما لم تعمل عمله))، وأنشد:
ما بال نفسك أن ترضى تدنسها * وثوب جسمك مغسول من الدنس
ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها * إن السفينة لا تجري على اليبس
(رواه مسلم) قال النووي في الأربعين بهذا اللفظ(٢).
٢٠٥ _ (وعنه) أي عن أبي هريرة (قال: قال رسول الله وَليقول: ((إن أوّل الناس يقضى عليه)
قيل: هو صفة للناس لأنه نكرة في المعنى، أي يحاسب ويُسأل عن أفعاله. قيل، ويستفاد منه
أنه أوّل المقضى عليهم لا مطلقاً. (يوم القيامة) أي ثلاثة (رجل استشهد) على بناء المفعول،
أي قتل في سبيل الله (فأتي به) أي بالرجل للحساب (فعرّفه) بالتشديد، أي ذكّره تعالى (نعمته)
على صيغة المفرد ههنا، والباقيتان على صيغة الجمع هكذا جاء في صحيح مسلم والحميدي
وجامع الأصول وفي الرياض للنووي وفي بعض نسخ المصابيح. ولعل الفرق اعتبار الإفراد في
الأولى والكثرة في الأخيرتين كذا ذكره الطيبي. ولعل المراد بالكثرة أصناف العلوم والأموال
والله أعلم بالحال. وليس المراد بالإفراد نعمة الشهادة كما يتوهم فإنه لا يلائمه ما بعده، بل
المراد أفراد جنسية النعمة؛ فإن المراد المضاف للعموم بخلاف الأخيرتين فإنه جمع فيهما لإرادة
الأنواع، أو أفرد في الأوّل لنعمته البدنية فقط بخلاف الأخيرتين فإنه انضم معها [النعمة] المالية
أو العلمية. (فعرفها) بالتخفيف، أي تذكرها فكأنه من الهول والدهشة نسيها وذهل عنها (فقال
تعالى: فما عملت فيها؟) أي في مقابلتها شكرا لها، أي في أيامها لينفعك اليوم (قال) أي
الرجل (قاتلت فيك) أي جاهدت في جهتك خالصاً لك كذا ذكره الطيبي، أي حاربت لأجلك
ففي تعليلية (حتى استشهدت) الظاهر أن هذا المقول صدر منه على زعمه، قال تعالى:
(١) مسلم ٥٥٩/١ حديث ٨١٧.
(٢) الحديث رقم ٣٦ من متن الأربعين النووية.
الحديث رقم ٢٠٥: أخرجه مسلم في صحيحه ١٥١٣/٣ حديث (١٥٢. ١٩٠٥) وأخرجه النسائي في سننه
٢٣/٦ حديث رقم ٣١٣٧. وأخرجه أحمد في المسند ٣٢٢/٢.

٤١٨
٠٫٢٠٠
كتاب العلم
قال: كذَبت؛ ولكنَّك قاتلتَ لأَنْ يقالَ: جريء، فقد قيل، ثم أُمرَ به فسُحِب على وجهِه
حتى أُلْقي في النار. ورجُلُ تعلَّم العلمَ وعلَّمه، وقرأ القرآن، فأُتي به فعرّفه نِعمَه فعرفها.
قال: فما عمِلتَ فيها؟ قال: تعلَّمتُ العِلمَ وعلَّمتُه، وقرأتُ فيك القرآنَ. قال: كذبتَ؛
ولكنَّك تعلَّمتَ العلم ليقال: إِنَّك عالمٌ، وقرأتَ القرآنَ ليُقال: هو قارىء، فقد قيل، ثم أُمرَ
به فسُحب على وجهه حتى أُلقي في النار. ورجلٌ وسَّعَ اللَّهُ عليه وأعطاه من أصناف المال
كلِّه، فأَتِيَ به فعرَّفه نِعمه فعرفها، قال: فما عَملتَ فيها؟ قال: ما تركتُ من سبيلٍ تُحب أن
يُنفقَ فيها إِلا أنفقتُ فيها لك. قال: كذبتَ، ولكنك فعلتَ ليقالَ: هو
﴿ويحسبون أنهم يحسنون صنعاً﴾ [الكهف - ١٠٤] ويحتمل أنه مبالغة في التمويه المعتاد به على
ما ورد: ((كما يعيشون يموتون وكما يموتون يحشرون))، وقد قال تعالى: ﴿يوم يبعثهم الله جميعاً
فيحلفون له كما يحلفون لكم ويحسبون إنهم على شيء ألا أنهم هم الكاذبون﴾ [المجادلة - ١٨]
(قال) تعالى: (كذبت) أي في دعوى الإخلاص، أو في هذا القول (ولكنك قاتلت لأن يقال:) أي
في حقك إنك أو هو (جريء) فعيل من الجراءة فهو مهموز وقد يدغم، أي شجاع (فقد قيل) أي
ذلك القول لك وفي شأنك فحصل مقصودك وغرضك (ثم أُمر به) أي قيل لخزنة جهنم ألقوه في
النار (فسحب) أي جر (على وجهه حتى أُلقي في النار) مبالغة في تنكيله .
(ورجل تعلّم العلم) أي الشرعي (وعلّمه) أي الناس، أي وصل إلى مرتبة الكمال
والتكميل (وقرأ القرآن) فهو تخصيص بعد تعميم، أو المراد به مجرد تلاوة القرآن، يعني التعلم
والتعليم لم يمنعاه عن الاشتغال بالقرآن وهذا أظهر (فأتي به) إلى محضر الحساب (فعرّفه نعمه)
تعالى أو نعم الرجل (فعرفها) فكأنه لغفلته عنها كان أنكرها (قال) تعالى: (فما عملت فيها؟)
أي هل صرفتها في (١) مرضاتي أم في غيرها (قال: تعلّمت العلم وعلّمته وقرأت فيك القرآن)
أي صرفت نعمتي التي أنعمت بها عليّ في الاشتغال بالعلم والعمل والقراءة ابتغاء لوجهك
وشكراً لنعمتك (قال: كذبت) في دعوى مقام الإخلاص، أو على مقتضى عادتك (ولكنك
تعلمت العلم ليقال: إنك عالم) ولعله لم يقل: وعلمت العلم ليقال: إنك معلم للاختصار
والاكتفاء بالمقايسة، أو لأن أساس الشيء إذا لم يكن على الإخلاص فيبعد بناؤه أن يكون على
وجه الاختصاص (وقرأت القرآن ليقال: هو قارىء فقد قيل) لك عالم وقارىء فما لك عندنا
أجر (ثم أمر به فسحب على وجهه حتى أُلقي في النار) نعوذ بالله منها.
(ورجل وسّع الله عليه) أي كثر ماله (وأعطاه) عطف بيان (من أصناف المال كله) كالنقود
والمتاع والعقار والمواشي (فأتي به) على رؤوس الخلائق للافتضاح (فعرّفه نعمه فعرفها قال:)
تعالى (فما عملت فيها؟) أي في مقابلة النعم أو في الأموال (قال: ما تركت من سبيل) من
زائدة تأكيداً لاستغراق النفي (تحب أن ينفق فيها) كبناء المساجد والمدارس وإعطاء الزكاة
والصدقات (إلا أنفقت فيها لك قال: كذبت) أي في قولك [لك] (ولكنك فعلت ليقال: هو
(١) في المخطوطة ((إلى)).

٤١٩
كتاب العلم
جوادٌ؛ فقد قيل، ثم أُمرَ به فسُحب على وجهه ثم أُلقي في النار)). رواه مسلم.
٢٠٦ - (٩) وعن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله وَّر: ((إن الله لا يقْبِضُ
العلم انتزاعاً ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلّم بقبض العلماءِ، حتى إذا لم يُبقِ عالماً؛
اتخذَ الناسُ رؤوساً جهالاً، فسُئلوا فاقْتَوا بغير علم، فضلُوا وأضلُوا)). متفق عليه.
٢٠٧ - (١٠) وعن شقيق:
جواد) أي سخي كريم (فقد قيل) وفيه إشارة إلى أن الله لا يضيع أجر من عمل لأي غرض
يكون (ثم أمر به فسحب على وجهه) ثم هذا هو الأصل الصحيح من النسخ في هذا المحل
وفي نسخة هنا أيضاً (حتى ألقي في النار)) رواه مسلم).
٢٠٦ - (وعن عبد الله بن عمرو) أي ابن العاص (قال: قال رسول الله وَله: ((إن الله لا
يقبض العلم) المراد به علم الكتاب والسنة وما يتعلق بهما (انتزاعاً) مفعول مطلق على معنى
يقبض نحو رجع القهقرى وقوله: (ينتزعه من العباد) صفة مبينة للنوع كذا قاله السيد جمال
الدين، وقال ابن الملك: انتزاعاً مفعول مطلق للفعل الذي بعده، والجملة حالية يعني لا يقبض
[العلم] من العباد بأن يرفعه من بينهم إلى السماء (ولكن يقبض العلم) أي يرفعه (بقبض
العلماء) أي بموتهم ورفع أرواحهم (حتى) هي التي تدخل على الجملة وهي هنا الشرط
والجزاء يعني: (إذا لم يبق) أي الله (عالماً) بقبض روحه من الإبقاء، وفي نسخة ((حتى إذا لم
يبق)) بفتح الياء والقاف وعالم بالرفع، ويؤيد الأول رواية مسلم: ((حتى إذا لم يترك عالماً))
(اتخذ الناس رؤوساً) أي خليفة وقاضياً ومفتياً وإماماً وشيخاً (جهالاً) جمع جاهل، أي جهلة بما
يناسب منصبه، قال الشيخ محيي الدين النووي: ضبطناه في البخاري رؤوساً بضم الهمزة
والتنوين جمع رأس وضبطوه في مسلم هنا بوجهين أحدهما هذا والثاني رؤساء جمع رئيس
وكلاهما صحيح والأوّل أشهر. (فسئلوا فافتوا) أي أجابوا وحكموا (بغير علم فضلوا) أي
صاروا ضالين (وأضلوا))) أي مضلين لغيرهم فيعم الجهل العالم (متفق عليه) ورواه أحمد
والترمذي وابن ماجة .
٢٠٧ - (وعن شقيق) هو ابن أبي سلمة، يكنى أبا وائل الأسدي، أدرك زمن النبي وَل
ولم يره ولم يسمع منه، وهو ثقة حجة روى عن خلق من الصحابة منهم عمر بن الخطاب وابن
الحديث رقم ٢٠٦: أخرجه البخاري في صحيحه ١٩٤/١ حديث ١٠٠ ومسلم في صحيحه ٢٠٥٨/٤
حديث رقم (٢٦٧٣.١٣) وأخرجه الترمذي في سننه ٣٠/٥ حديث رقم ٢٦٥٢. وابن ماجة في
السنن ٢٠/١ حديث رقم ٥٢. وأحمد في المسند ١٦٢/٢.
الحديث رقم ٢٠٧: أخرجه البخاري في صحيحه ١/ ١٦٢ حديث رقم ٦٨. وأخرجه مسلم في صحيحه ٤/
٢١٧٣ حديث رقم (٢٨٢١.٨٣). وأخرج الترمذي نحوه ١٣٠/٥ حديث رقم ٢٨٥٥ وأحمد في
المسند ٣٧٨/١.

٤٢٠
م هاي
كتاب العلم
كان عبد الله بن مسعود يذكّر الناس في كلّ خميس. فقال له رجل: يا أبا عبد الرحمن!
لوَدِذْتُ أنك ذكرتنا في كلّ يوم. قال: أما إِنه يمنعني من ذلك أني (١) أكره أن أمِلُكم، وأني
أتخولُكم بالموعظة كما كان رسول الله وَله يتخوَّلنا بها مخافة السآمة علينا. متفق عليه.
٢٠٨ - (١١) وعن أنس، قال: كان النبي ◌ََّ إِذا تكلمَ بكلمةٍ أعادها ثلاثاً حتى تُفهم
عنه ،
مسعود، وكان خصيصاً به من أكابر الصحابة، وهو كثير الحديث مات زمن الحجاج. قاله
المصنف، (قال: ((كان عبد الله بن مسعود يذكّر))) بالتشديد، أي يعظ (الناس) ويخوّفهم، أي
يذكر كلام الله وحديث رسول الله وَ ير لهم (في كل خميس) ولعل وجه التخصيص ليصل بركته
إلى يوم الجمعة (فقال له رجل:) يحتمل الراوي وغيره (يا أبا عبد الرحمن لوددت) أي أحببت
أو تمنيت (إنك ذكرتنا في كل يوم) لغلبة الغفلة علينا ليعود بتذكيرك الحضور إلينا (قال: أما)
بمعنى ألا للتنبيه (إنه) بكسر الهمزة والضمير للشأن (يمنعني من ذلك) أي من التذكير كل يوم
(أني أكره) بفتح الهمزة فاعل يمنعني، أي كراهتي (أن أمّكم) مفعول أكره، أي إملالكم يعني
إيقاعكم في الملالة (وإني) بكسر الهمزة عطف على أنه أو حال (أتخولكم) من التخوّل وهو
التعهد وحسن الرعاية (بالموعظة كما كان رسول الله وَ ل * يتخوّلنا) من التخوّل، وفي بعض
الروايات بالحاء المهملة وهو تفقد الحال، ورُوي يتخوننا بالخاء المعجمة والنون بمعنى
يتخولنا، قيل: الرواية باللام أكثر، وزعم بعضهم أن الصواب يتحوّلنا بالحاء المهملة، لكن
الرواية في الصحاح بالخاء المعجمة. وكان أبو عمرو يقول: ((إنما هو يتخوننا، والتخون
التعهد، وقد ورد على الأعمش روايته باللام، وكان الأصمعيّ يقول: ظلمه (٢) أبو عمرو،
ويقال: يتخولنا ويتخوننا جميعاً كذا ذكره الطيبي. [ويدل عليه اختلاف الرواة في حديث
واحداً، يعني يتفقدنا (بها) أي بالموعظة في مظان القبول ولا يكثر علينا ولا يعظنا متوالياً
(مخافة السآمة علينا) وفي المصابيح: ((كراهة السآمة))، أي الملالة إذ لا تأثير للموعظة عند
الملالة، قال ابن الملك: أي يعظنا يوماً دون يوم ووقتاً دون وقت، ويُروى بالحاء المهملة
أيضاً، أي يتأمل أحوالنا التي تنشط فيها الموعظة فيعظنا فيها، وكذلك يفعل المشايخ والوعاظ
في تربية المريدين. (متفق عليه).
٢٠٨ - (وعن أنس قال: ((كان النبي (وَل#) أي غالباً أو أحياناً (إذا تكلم بكلمة) أي بجملة
مفيدة (أعادها) أي كررها (ثلاثاً حتى تفهم) أي تلك الكلمة (عنه) أي فهما قوياً راسخاً في
النفس، وفيه إشارة إلى أن المراد بالكلمة الكلام الذي لا يفهم إلا بالإعادة. ثم الإعادة يحتمل
(١) في المخطوطة ((اني)).
(٢) في المخطوطة ((ظلماً)).
الحديث رقم ٢٠٨: أخرجه البخاري في صحيحه ١٨٨/١ حديث رقم ٩٥. وأخرجه الترمذي مع تقديم
وتأخير في سننه ٦٨/٥ حدیث رقم ٢٧٢٣.