Indexed OCR Text

Pages 381-400

كتاب الإيمان / باب الاعتصام بالكتاب والسنّة
٣٨١
رواه الترمذي.
١٧٢ - (٣٣) وفي رواية أحمد، وأبي داود، عن معاوية: ((ثنتان وسبعون في النار،
وواحدة في الجنَّة، وهي
إدهات - الجـ
عليه مبالغة في مدحها وبياناً لباهر اتباعها حتى يخيل أنها عين ذلك المتبع، أو المراد بما
الوصفية على حد ﴿ونفس ما سوّاها﴾ أي القادر العظيم الشأن سوّاها، فكذا هنا المراد هم
المهتدون المتمسكون بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي فلا شك ولا ريب أنهم هم أهل
السنة والجماعة. وقيل: التقدير أهلها من كان على ما أنا عليه وأصحابي من الاعتقاد والقول
والفعل فإن ذلك يعرف بالإجماع، فما أجمع عليه علماء الإسلام فهو حق وما عداء باطل.
As .
واعلم أن أصول البدع كما نقل في المواقف ثمانية: المعتزلة القائلون بأن العباد خالقو
أعمالهم وبنفي الرؤية وبوجوب الثواب والعقاب وهم عشرون فرقة، والشيعة المفرطون في
محبة عليّ كرم الله وجهه وهم اثنان وعشرون فرقة، والخوارج المفرطة المكفرة له رضي الله
عنه ومن أذنب كبيرة وهم عشرون فرقة، والمرجئة القائلة بأنه لا يضر مع الإيمان معصية كما لا
ينفع مع الكفر طاعة وهي خمس فرق، والنجارية الموافقة لأهل السنة في خلق الأفعال
والمعتزلة في نفي الصفات وحدوث الكلام وهم ثلاث فرق، والجبرية القائلة بسلب الاختيار
عن العباد فرقة واحدة، والمشبهة الذين يشبهون الحق بالخلق في الجسمية والحلول فرقة أيضاً،
فتلك اثنان وسبعون فرقة كلهم في النار والفرقة الناجية هم أهل السنة البيضاء المحمدية
والطريقة النقية الأحمدية، ولها ظاهر سُمي بالشريعة شرعة للعامة وباطن سُمي بالطريقة منهاجاً
للخاصة وخلاصة خصت باسم الحقيقة معراجاً لأخص الخاصة؛ فالأول نصيب الأبدان من
الخدمة، والثاني نصيب القلوب من العلم والمعرفة، والثالث نصيب الأرواح من المشاهدة
والرؤية. قال القشيري: والشريعة أمر بالتزام العبودية، والحقيقة مشاهدة الربوبية فكل شريعة
غير مؤيدة بالحقيقة فغير مقبول، وكل حقيقة غير مقيدة بالشريعة فغير محصول؛ فالشريعة قيام
بما أمر. والحقيقة شهود لما قضي وقدر وأخفى وأظهر، والشريعة حقيقة من حيث إنها وجبت
بأمره، والحقيقة شريعة أيضاً من حيث إن المعارف به سبحانه وجبت بأمره. ولله در من قال من
أرباب الحال :
ألا فالزموا سنة الأنبياء * ألا فاحفظوا سيرة الأصفياء
ومن يبتدع بدعة لم يكرم * بوجدانه رتبة الأتقياء
(رواه الترمذي) أي عن ابن عمر وكذا.
١٧٢ - (وفي رواية أحمد) أي أحمد بن حنبل (وأبي داود عن معاوية) أي بعد قوله: ((وإن
هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة)) ((ثنتان وسبعون في النار وواحدة في الجنة وهي
الحديث رقم ١٧٢ : أخرجه أحمد في المسند ١٠٢/٤ وأبو داود ٥/٥ حديث رقم ٤٥٩٧.

٣٨٢
كتاب الإيمان / باب الاعتصام بالكتاب والسنّة
الجماعة، وإِنه سيخرجُ في أمَّتي أقوامٌ تتجارى بهم تلك الأهواء كما يتجارى الكَلَبُ
بصاحبِهِ، لا يبقى منهُ عِزْقٌ ولا مَفْصِلٌ إِلا دخَله)).
١٧٣ - (٣٤) وعن ابن عمر، قال: قال رسول الله وَلَّ: ((إِنَّ اللَّهَ لا يجمعُ أمَّتي - أو
قال: أمَّةَ - محمد - على ضَلالة،
الجماعة) أي أهل العلم والفقه الذين اجتمعوا على اتباع آثاره عليه الصلاة والسلام في النقير
والقطمير ولم يبتدعوا بالتحريف والتغيير. قال شريح: إن السنة قد سبقت قياسكم فاتبع ولا
تبتدع فإنك لن تضل ما أخذت بالأثر، وقال الشعبي: إنما رأيي بمنزلة الميتة إذا احتجت إليها
أكلتها، وعن سفيان: لو أن فقيهاً على رأس جبل لكان هو الجماعة. (وإنه سيخرج) وفي
المصابيح: وزاد في رواية: ((وإنه سيخرج)) أي يظهر (في أمتي) وفي نسخة: ((من أمتي)) (أقوام)
أي جماعات (تتجارى) بالتاءين، أي تدخل وتجري وتسري (بهم) أي في مفاصلهم (تلك
الأهواء) جمع هوى وهو ميل النفس إلى ما تشتهيه، والمراد هنا البدعة فوضعها موضعها وضعاً
للسبب موضع المسبب لأن هوى الرجل هو الذي يحمله على إبداع الرأي الفاسد أو العمل به
وذكر الأهواء بصيغة الجمع تنبيهاً على اختلاف أنواع الهوى وأصناف البدع يقال: تجاروا في
الحديث إذا جرى كل منهم مع صاحبه. (كما يتجارى الكلب) بفتحتين، داء مخوف يحصل من
عض الكلب المجنون ويتفرق أثره (بصاحبه) أي مع صاحبه إلى جميع أعضائه، أي مثل جري
الكلب في العروق (لا يبقى منه عرق) بكسر العين (ولا مفصل إلا دخله») فكذلك تدخل البدع
فيهم وتؤثر في اعضائهم، قيل: الكلب داء يعرض للإنسان من عضة الكلب الكِلب، أي
المكلوب وهو المجنون فيصيبه شبه الجنون ولا يعض المجنون أحداً إلا كلِب، أي جن
ويعرض له أعراض رديئة تشبه الماليخوليا مهلكة غالباً ويمتنع من شرب الماء حتى يموت
عطشاً، وأجمعت العرب أن دواءه قطرة من دم يخلط بماء فيسقاه.
١٧٣ - (وعن ابن عمر) [رضي الله عنهما] (قال: قال رسول الله وَيقول: ((إن الله لا يجمع
أمتي، أو قال: أمة محمد على ضلالة) قال المظهر: في الحديث دليل على حقية إجماع الأمة،
قيل: قوله ((أو قال أمة محمد)) شك من الراوي ولعل هذا أظهر في الدراية منها لدلالته على أن
يكون المنسوب إليه من اسمه محمد يقتضي(١) هذه الفضيلة التي امتازت بها أمته عن سائر
الأمم، وقال ابن الملك: المراد أمة الإجابة، أي لا يجتمعون على ضلالة غير الكفر، ولذا
ذهب بعضهم إلى أن اجتماع الأمة على الكفر ممكن بل واقع إلا أنها لا تبقى بعد الكفر أمة له،
والمنفي اجتماع أمة محمد على الضلالة وإنما حمل الأمة على أمة الإجابة لما ورد أن الساعة
لا تقوم إلا على الكفار، فالحديث يدل على أن اجتماع المسلمين حق، والمراد إجماع العلماء
ولا عبرة بإجماع العوام لأنه لا يكون عن علم. وقال الأبهري: قوله: ((على ضلالة)) أي على
الحديث رقم ١٧٣: أخرجه الترمذي ٤٠٥/٤ حديث رقم ٢١٦٧.
(١) في المخطوطة يقتضي.

٣٨٣
كتاب الإيمان / باب الاعتصام بالكتاب والسنّة
ويدُ الله على الجماعة، ومن شَذَّ شَذَّ في النار)). رواه الترمذي.
١٧٤ - (٣٥) وعنه. قال: قال رسولُ اللهِ وَالَ: ((اتّبعوا السَّوادَ الأعظم، فإِنه مَن شذَّ
شذّ في النار)). رواه [ ابن ماجة من حديث أنس ].
١٧٥ - (٣٦) وعن أنس، قال: قال لي رسولُ اللهِ وَليقول: ((يا بُني!
خطأ، وقيل: على كفر ومعصية (ويد الله) كناية عن النصرة والغلبة، أو الحفظ والرحمة، أو
معناه إحسانه وتوفيقه لاستنباط الأحكام والإطلاع على ما كان عليه رسول الله بَ له وأصحابه من
الاعتقاد والعمل. (على الجماعة) أي المجتمعين على الدين يحفظهم الله من الضلالة والخطأ،
أو للتوفيق لموافقة إجماع هذه الأمة (ومن شذ) أي انفرد عن الجماعة باعتقاد أو قول أو فعل لم
يكونوا عليه (شذ في النار))) أي انفرد فيها، ومعناه انفرد عن أصحابه الذين هم أهل الجنة وألقي
في النار (رواه الترمذي).
١٧٤ - (وعنه) أي عن ابن عمر (قال: قال رسول الله وَلقال: ((اتبعوا السواد الأعظم) يعبر به
عن الجماعة الكثيرة، والمراد ما عليه أكثر المسلمين، قيل: وهذا في أصول الاعتقاد كأركان
الإسلام وأما الفروع كبطلان الوضوء بالمس مثلاً فلا حاجة فيه إلى الإجماع، بل يجوز اتباع
كل واحد من المجتهدين كالأئمة الأربعة. وما وقع من الخلاف بين الماتريدية والأشعرية في
مسائل فهي ترجع إلى الفروع في الحقيقة فإنها ظنيات فلم تكن من الاعتقاديات المبنية على
اليقينيات، بل قال بعض المحققين: إن الخلف بينهما (١) في الكل لفظي، وقيل: المراد جمع
المسلمين الذين هم في طاعة الإمام وهو السلطان الأعظم، وقيل: الجماعة (٢) من أهل
الإيمان، وقيل: الكتاب والسنة لكثرة معانيهما، وقيل: كل عالم عامل بالكتاب والسنة. في
الأزهار: ((اتبعوا السواد الأعظم)) يدل على أن أعاظم الناس العلماء وإن قل عددهم ولم يقل
الأكثر لأن العوام والجهال أكثر عدداً (فإنه) أي الشأن (من شذ) أي في الدين بخروجه عن
) بعده بياض والحق ميرك شاه (ابن ماجة من
متابعة الأكثرين (شذ في النار)) رواه
حديث أنس) وزاد الطيبي: وابن عاصم في كتاب السنة.
47.77
١٧٥ - (وعن أنس) رضي الله عنه (قال: قال لي) أي وحدي أو مخاطباً لي من بين
أصحابي (رسول الله وَطار: (يا بني) بضم الباء تصغير ابن وهو بكسر الياء وفتحها والكسر أكثر،
وهو تصغير لطف ومرحمة ويدل على جواز هذا لمن ليس ابنه، ومعناه اللطف وإنك عندي
الحديث رقم ١٧٤: ما أخرجه ابن ماجة من حديث أنس ((أن أمتي لا تجتمع على ضلالة فإذا رأيتم اختلافاً
فعليكم بالسواد الأعظم» ١٣٠٣/٢ حديث رقم ٣٩٥٠.
(١) في المخطوطة ((عنها)).
(٢) في المخطوطة الجملة مقلوبة ولفظها ((وقيل الجماعة الأعظم)).
الحديث رقم ١٧٥: أخرجه الترمذي ٤٤/٥ حديث رقم ٢٦٧٨. وقال حسن غريب من هذا الوجه.

٣٨٤
256
1992
كتاب الإيمان / باب الاعتصام بالكتاب والسنة
إِنْ قَدَزْتَ أن تصبحَ وتمسي وليس في قلبِك غشِّ لأحدٍ فافعلْ)). ثم قال: ((يا بُنيَّ! وذلك
من سُنَّتي، ومنْ أحَبَّ سُنتي فقد أحَبَّني، ومن أحَبَّني كان معي في الجثّة)). رواه الترمذي.
١٧٦ - (٣٧) وعن أبي هريرة، قال: قال رسولُ اللهِ لّه: ((مَن تمسَّك بسُنتي عند
فساد أمتي، فله أجرُ مائة شهيد)). رواه.
١٧٧ - (٣٨) وعن جابر، عن النبي ◌َّ حين أتاهُ عمرُ فقال: إِنَّا نسمعُ أحاديثَ من
یهود
بمنزلة ولدى في الشفقة. (إن قدرت) أي استطعت، والمراد اجتهد قدر ما تقدر (أن تصبح
وتمسي) أي تدخل في وقت الصباح والمساء، والمراد جميع الليل والنهار (وليس في قلبك)
الجملة حال من الفاعل تنازع فيه الفعلان، أي وليس كائناً في قلبك (غش) ضد النصح الذي
هو إرادة الخير للمنصوح له (لأحد) وهو عام للمؤمن والكافر؛ فإن نصيحة الكافر أن يجتهد في
إيمانه ويسعى في خلاصه من ورطة الهلاك باليد واللسان والتألف بما يقدر عليه من المال كذا
ذكره الطيبي (فافعل) جزاء كناية عما سبق في الشرط، أي افعل نصيحتك (ثم قال: يا بني
وذلك) أي خلوّ القلب من الغش. قال الطيبي: وذلك إشارة إلى أنه رفيع المرتبة، أي بعيد
التناول (من سنتي) أي طريقتي (ومن أحب سنتي) فعمل بها (فقد أحبني) أي حباً كاملاً لأن
محبة الآثار علامة على محبة مصدرها (ومن أحبني كان معي) بفتح الياء وسكونها، أي معية
مقاربة لا معية متحدة في الدرجة (في الجنة))) فإن المرء مع من أحب كما في حديث، وقال
تعالى: ﴿ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم﴾ الآية [النساء - ٦٩] (رواه
الترمذي) .
2.i
١٧٦ - (وعن أبي هريرة) رضي الله عنه (قال: قال رسول الله وَّر: ((من تمسك) أي عمل
(بسنتي عند فساد أمتي) أي عند غلبة البدعة والجهل والفسق فيهم (فله أجر مائة شهيد))) لما
يلحقه من المشقة بالعمل بها وبإحيائها وتركهم لها كالشهيد المقاتل مع الكفار لإحياء الدين بل
) بعده بياض وألحق به ميرك وغيره البيهقي في كتاب الزهد له من حديث
أكثر. (رواه
ابن عباس.
١٧٧ - (وعن جابر) رضي الله عنه (عن النبي ◌َّر حين أتاه عمر فقال:) أي عمر («إنا
نسمع أحاديث) أي حكايات ومواعظ (من يهود)، قال الزمخشري: الأصل في يهود ومجوس
ترك اللام لأنهما علمان لقومين، ومن عرّف فإنه أجرى يهوديّاً ويهود مجرى شعيرة وشعير.
اهـ. وقال الأبهري: يهود غير منصرف للعلمية والتأنيث لأنه يجري مجرى القبيلة، وقيل:
٠١٩٥٤
الحديث رقم ١٧٦ : لم يذكر من أخرجه.
الحديث رقم ١٧٧ : أخرجه أحمد في المسند ٣٨٧/٣. وذكره البيهقي تعليقاً في شعب الإيمان في الحديث
١٧٦ وأورده بطرق أخرى حديث ١٧٧. (١٩٩/١. ٢٠٠).
แสลง

٣٨٥
كتاب الإيمان / باب الاعتصام بالكتاب والسنّة
تُعجِبنا، افترى أن نكتُبَ بعضَها؟ فقال: ((أمُتَهَوّكونَ أنتم كما تهَوَّكت اليهودُ والنَّصارى؟! لقد
جِئْتُكم بها بيضاءَ نَقِيَّة، ولو كان موسى حَياً ما وسعَه إِلا أتباعي)). رواه أحمد، والبيهقي في
کتاب «شعب الإِيمان)).
الأولى أن يقال للعلمية ووزن الفعل؛ لأن أسماء القبائل التي ليس فيها تأنيث لفظي يجوز
صرفها حملاً على الحي وعدم صرفها حملاً على القبيلة، ويهود لا يجوز فيه إلا عدم الصرف.
(تعجبنا) بضم التاء وكسر الجيم، أي تحسن عندنا وتميل قلوبنا إليها (أفترى) بفتح التاء، أي
أتحسن لنا استماعها فترى يعني فتأذن (أن نكتب بعضها، فقال) عليه الصلاة والسلام زجراً له
ولأمثاله (أمتهوّكون) أي أمتحيرون في دينكم حتى تأخذوا العلم من غير كتابكم ونبيكم (أنتم)
للتأكيد (كما تهوكت اليهود والنصارى؟) أي كتحيرهم حيث نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم
واتبعوا أهواء أحبارهم ورهبانهم (لقد جئتكم) جواب قسم محذوف (بها) أي بالملة الحنيفية
بقرينة الكلام (بيضاء) أي واضحة حال من ضمير بها (ففيه) صفة بيضاء، أي ظاهرة صافية
خالصة خالية عن الشرك والشبهة، وقيل: المراد بها أنها مصونة عن التبديل والتحريف والإصر
والإغلال خالية عن التكاليف الشاقة؛ لأن في دين اليهود إخراج ربع مالهم زكاة وقطع موضع
النجاسة بدلاً عن الغسل وغير ذلك كتحتم القصاص في دين اليهود وتحتم الدية في دين
النصارى، وأخر نقية لأنها صفة بيضاء إذ يقال: أبيض نقي دون العكس، وقال الطيبي: بيضاء
نقية حالان مترادفان من الضمير المفسر بالملة. اهـ. قيل: ووصف الملة بالبياض تنبيهاً على
كرمها وفضلها وكرمها إفادتها كل ما يحتاج إليه؛ لأن البياض لما كان أفضل لون عند العرب
عبر به عن الكرم والفضل، والحاصل أنه عليه الصلاة والسلام أشار بذلك إلى أنه أتاهم بالأعلى
والأفضل واستبدال الأدنى عنه مظنة للتحير. (ولو كان موسى حياً (١) ما وسعه) أي ما جاز له
(إلا أتباعي)) في الأقوال والأفعال، فكيف يجوز لكم أن تطلبوا فائدة من قومه مع وجودي؟
قال تعالى: ﴿وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما أتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول﴾ الآية
[آل عمران - ٨١]. قال علي بن أبي طالب: لم يبعث الله تعالى نبياً، آدم ومن بعده، إلا أخذ
عليه العهد في أمر محمد بَّار، وأخذ العهد على قومه ليؤمنن به ولئن بعث وهم أحياء
لينصرنه. وهذا معنى قول ابن عباس كذا في تفسير البغوي فيكون التنكير في رسول للتعظيم.
فهو نبي الأنبياء وإمام الرسل، ولذا قال: آدم ومن دونه تحت لوائي يوم القيامة. (رواه أحمد)
أي في مسنده (والبيهقي في شعب الإيمان) قال الأبهري: لكن في إسناده مجالد بن سعيد وهو
ضعيف، قال ابن حبان: كان رديء الحفظ يقلب الأسانيد ويرفع المراسيل لا يجوز الاحتجاج
به، وقال الشافعي: الحديث عن حرام بن عثمان حرام، وعن مجالد تجالد وعن أبي العالية
الرياحي رياح، وقال أحمد بن حنبل: حديث مجالد حلم إلا أن هذا الحديث جاء عن غير
مجالد فتأید به .
(١) ناقص في المخطوطة العبارة التالية ((قيل حال من المستتر في بيضاء)).

٣٨٦
كتاب الإيمان / باب الاعتصام بالكتاب والسنة
١٧٨ - (٣٩) وعن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسولُ اللهِ وَّهِ: (مَن أكَلَ طيّباً،
وعمِل في سُنَّة، وأمِن الناسُ بوائِقَه، دخل الجنة)). فقال رجلٌ: يا رسول الله! إِنَّ هذا اليومَ
لكثيرٌ في الناس؟ قال: ((وسيكونُ في قرونٍ بعدي)). رواه الترمذي.
١٧٩ - (٤٠) وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله وَّر: ((إِنكم في زمانٍ
١٧٨ - (وعن أبي سعيد الخدري) [رضي الله عنه] (قال: قال رسول الله وَليقول: ((من أكل
طيباً) أي من كان قوته حلالاً ولم يقل حلالاً لأن الطيب ما يفوح عنه ريح الورع أخذاً من
الطيب، فما اكتسب على وجه تعلق بسوابقه أو قرائنه أو لواحقه معصية لم يكن طيباً. (وعمل
في سنة) أي في موافقة سنة وردت فيه، أي وعمل كل فعل بفعله وكل قول يقوله على وفق
الشرع. يعني ويكون متمسكاً في كل عمل بسنة، أي بحديث جاء في ذلك العمل حتى قضاء
الحاجة وإماطة الأذى، فالمراد شمول كل سنة لا واحدة منها غير معينة، وقيل: تنكيرها
للإشعار بأن العمل في موافقة واحدة منها مع أختيها مما يوجب دخول الجنة، وقدم أكل
الحلال لأنه مورث للعمل الصالح كما قال تعالى: ﴿كلوا من الطيبات واعملوا صالحاً﴾
[المؤمنون - ٥١] (وأمن الناس بوائقه) البائقة الداهية. وهي المحنة العظيمة، والمراد هنا الشرور
وقد فسرت البوائق في بعض الأحاديث فروي: ((ظلمه وغشه)) (دخل الجنة) أي استحق دخول
الجنة دخولاً أوّلياً (فقال رجل: يا رسول الله إن هذا) أي الرجل الموصوف المذكور (اليوم)
ظرف مقدم لخبر إن (لكثير في الناس) بحمد الله فما حال المستقبل (قال) عليه الصلاة والسلام
(وسيكون) أي هم كثيرون اليوم وسيوجد من يكون بهذه الصفة (في قرون بعدي))) في الأزهار
القرن أهل عصر، وقيل: أهل كل مدة أو طبقة، وقيل: ثلاثون سنة، وقيل: أربعون، وقيل:
ثمانون، وقيل: مائة. اهـ. والأصح أن القرن ههنا أهل العصر، فإن كل عصر هو أبعد من
زمان رسول الله * يكون الصلحاء فيهم أقل ممن قبلهم، ولذا قال عليه الصلاة والسلام: ((خير
القرون قرني ثم الذين يلونهم)»(١) الحديث. وإنما قال ذلك و چورفي هذا الحديث نفياً
للاستعجاب عن أصحابه رضي الله عنهم أجمعين كذا قيل. وأقول: وفيه تسلية لمن بعدهم من
التابعين وأتباعهم إلى يوم الدين، وقال التوربشتي: يحتمل أنه ذكر ذلك حمداً لله وتحدثاً بنعمه
فقال إن ذلك غير مختص بهذا القرن (رواه الترمذي) وكذا الحاكم(٢).
١٧٩ - (وعن أبي هريرة) [رضي الله عنه] (قال: قال رسول الله وَّر: ((إنكم) أيها الصحابة
(في زمان) أي زمان عظيم من عزة الإسلام وأمن أهله، وهو زمان نزول الوحي وسماع كلام
الحديث رقم ١٧٨: أخرجه الترمذي ٥٧٧/٤ حديث رقم ٢٥٢٠. وقال حديث غريب لا نعرفه.
(١) أخرجه الترمذي بلفظ ((خير الناس قرني)) ٤٣٣/٤ حديث رقم ٢٢٢١.
(٢) الحاكم في المستدرك ١٠٤/٤.
الحديث رقم ١٧٩: أخرجه الترمذي في السنن ٤٥٩/٤ حديث رقم ٢٢٦٧ وقال غريب لا نعرفه إلا من
حديث نعيم بن حماد عن سفيان بن عيينة.

٣٨٧
كتاب الإيمان / باب الاعتصام بالكتاب والسنّة
من تَركَ منكم عُشْرَ ما أُمر به هَلك، ثم يأتي زمانٌ من عمل منهم بعشر ما أُمر به نجا)).
رواه الترمذي.
١٨٠ - (٤١) وعن أبي أمامة، قال: قال رسول الله وَّهُ: ((ما ضَلَّ قومٌ بعد هُدىّ
كانوا عليه إلا أوتُوا الجَدَل))، ثم قرأ رسول الله وَّر هذه الآية: ﴿ما ضربوه لكَ إِلا جدَلاً
صاحب الرسالة (من ترك منكم) أي فيه وهو الرابط لجملة الشرط بموصوفها وهو زمان (عشر)
بسكون الشين وضمها (ما أمر به) أي من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إذ لا يجوز
صرف هذا القول إلى عموم المأمورات لأنه عرف أن مسلماً لا يعذر فيما يهمل من الفرض
الذي تعلق بخاصة نفسه هكذا قاله الشراح. قال الطيبي: ولعل هذا غير مناسب لباب التمسك
بالكتاب والسنة، وفيه بحث لأن الأمر بالمعروف لا يعرف إلا منهما، ثم قال: بل لو حمل
على ما مر في الحديث السابق وهو من عمل في سنة على ما بيناه كان أنسب ويدخل فيه الأمر
بالمعروف والنهي عن المنكر بالطريق الأولى ويجري معنى قوله: ((ما أمر به)) في أمر الندب.
اهـ. وفيه أن الهلاك لا يترتب على ترك الندب مطلقاً فضلاً عن عشره، ثم رأيت ابن حجر
وافقني في المحلين (هلك) لأن الدين عزيز والحق ظاهر وفي أنصاره كثرة، فالترك يكون
تقصيراً منكم فلا يعذر أحد منكم في التهاون (ثم يأتي زمان) يضعف فيه الإسلام ويكثر(١)
الظلمة والفساق وقل أنصاره فيعذر المسلمون في الترك إذ ذاك لعدم القدرة لا للتقصير (من
عمل منهم بعشر ما أمر به نجا))) لانتفاء تلك المعاني المذكورة (رواه الترمذي).
١٨٠ - (وعن أبي أمامة قال: قال رسول الله وَلاغير: ((ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه) أي
على الهدى (إلا أتوا الجدل) أي أعطوه، وهو حال وقد مقدرة والمستثنى منه أعم عام
الأحوال، وصاحبها الضمير المستتر في خبر كان. والمعنى ما كان ضلالتهم ووقوعهم في
الكفر إلا بسبب الجدال وهو الخصومة بالباطل مع نبيهم وطلب المعجزة منه عناداً أو حجوداً،
وقيل: مقابلة الحجة بالحجة، وقيل: المراد هنا العناد والمراء فى القرآن ضرب بعضه ببعض
لترويج مذاهبهم وآراء مشايخهم من غير أن يكون لهم نصرة على ما هو الحق، وذلك محرم لا
المناظرة لغرض صحيح كإظهار الحق فإنه فرض كفاية. (ثم قرأ رسول الله وَ افي هذه الآية) أي
استشهاداً على ما قرره (﴿ما ضربوه﴾) أي هذا المثل (﴿لك﴾) يا محمد وهو قولهم ﴿أآلهتنا
خير أم هو﴾ أرادوا بالآلهة هنا الملائكة، يعني الملائكة خير أم عيسى؟ يريدون أن الملائكة
خير من عيسى؛ فإذا عبدت النصارى عيسى فنحن نعبد الملائكة، أي ما قالوا ذلك القول (﴿إلا
جدلاً﴾) أي إلا لمخاصمتك وإيذائك بالباطل لا لطلب الحق كذا قاله بعض الشراح. والأصح
في معنى الآية أن ابن الزبعري جادل رسول الله وَ لقر في قوله تعالى: ﴿إنكم وما تعبدون من دون
(١) في المخطوطة ((تكثر)).
الحديث رقم ١٨٠: أخرجه أحمد في المسند ٢٥٢/٥ وأخرجه الترمذي ٣٥٣/٥ حديث ٣٢٥٣ وقال
حسن صحيح. وأخرجه ابن ماجة ١٨/١ حديث رقم ٤٨.

٣٨٨
مے
١٣٥٠
١١٠
كتاب الإيمان / باب الاعتصام بالكتاب والسنّة
بل هم قومٌ خَصِمون ﴾. رواه أحمد، والترمذي، وابن ماجة.
١٨١ - (٤٢) وعن أنس بن مالك، أنَّ رسول الله وَ لّ كان يقول: ((لا تُشدّدوا على
أنفسكم فيُشدِّدَ اللَّهُ عليكم، فإِن قوماً شدَّدوا على أنفسِهم، فشدَّد اللَّهُ عليهم، فتلك بقاياهم
في الصَّوامع والديار ﴿رَهْبَانِيَّةً ابتدَعوها
الله حصب جهنم﴾ [الأنبياء - ٩٨] آلهتنا أي الأصنام خير عندك أم عيسى؟ فإن كان في النار
فلتكن آلهتنا معه والله أعلم. ثم رأيت ابن حجر ذكر مثل ما ذكرته، وأما الجواب عن هذه
الشبهة فأوّلاً أن ما لغير ذوي العقول فالإشكال نشأ عن الجهل بالقواعد العربية، وثانياً أن عيسى
والملائكة خصوا عن هذا بقوله تعالى: ﴿إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون﴾
[الأنبياء _ ١٠١] (﴿بل هم﴾) أي الكفار (﴿قوم خصمون﴾)))(١) أي كثيرو الخصومة (رواه أحمد
والترمذي وابن ماجة) وكذا الحاكم(٢).
١٨١ - (وعن أنس) رضي الله عنه (أن رسول الله وَلخير كان يقول:) فيه إشارة إلى التكرار
والاستمرار ((لا تشددوا على أنفسكم) أي بالأعمال الشاقة كصوم الدهر وإحياء الليل كله
واعتزال النساء لئلا تضعفوا عن العبادة وأداء الحقوق والفرائض (فيشدد الله عليكم) بالنصب
جواب النهي، أي يفرضها عليكم فتقعوا في الشدة، أو بأن يفوت عليكم بعض ما وجب عليكم
بسبب ضعفكم من تحمل المشاق كذا قاله الشراح. والظاهر أن المعنى لا تشددوا على أنفسكم
بإيجاب العبادات الشاقة على سبيل النذر أو اليمين فيشدد الله عليكم فيوجب عليكم بإيجابكم
على أنفسكم فتضعفوا عن القيام بحقه وتملوا وتكسلوا وتتركوا العمل فتقعوا في عذاب الله
تعالى، وهذا المعنى هو الملائم للتعليل بقوله (فإن قوماً) أي من بني إسرائيل (شددوا على
أنفسهم) بالعبادات الشاقة والرياضات الصعبة والمجاهدات التامة فشدد الله عليهم بإتمامها
والقيام بحقوقها، وقيل: شددوا حين أمروا بذبح بقرة فسألوه عن لونها وسنها وغير ذلك من
صفاتها (فشدد الله عليهم) بأن أمرهم بذبح بقرة على صفة لم توجد على تلك الصفة إلا بقرة
واحدة لم يبعها صاحبها إلا بملء جلدها ذهباً، ويؤيد المعنى الأوّل ما سيأتي من قوله (فتلك)
الفاء للتعقيب، وتلك إشارة إلى ما في الذهن من تصوّر جماعة باقية من أولئك المشددين بقيت
في الصوامع يفسرها قوله (بقاياهم) أي بقايا قوم شددوا على أنفسهم (في الصوامع) جمع
صومعة وهي موضع عبادة الرهبان من النصارى، قيل: هو بناء صغير على شكل دائرة (والديار)
جمع الدير وهو الكنيسة وهي معبد اليهود، قيل: وهو بناء وسيع فيه محل العبادة وباقيه لنحو
نزول المارّة وإيواء الغريب (﴿رهبانية﴾) نصب بفعل يفسره ما بعده، أي ابتدعوا رهبانية
((ابتدعوها﴾) يقال ابتدع إذا أتى بشيء بديع، أي جديد لم يفعله قبله أحد، والرهبانية بالفتح
الخصلة المنسوبة إلى الرهبان وهو الخائف فعلان من رهب رهبة أي خاف، وبالضم نسبة إلى
٢٦٨٧
(١) سورة الزخرف آية ٥٨.
(٢) الحاكم في المستدرك ٤٤٨/٢.
الحديث رقم ١٨١: أخرجه أبو داود من حديث طويل ٢٠٩/٥ حديث رقم ٢٩٠٤.
9 -
عيات
٦٫٣٠,٠

٣٨٩
كتاب الإيمان / باب الاعتصام بالكتاب والسنّة
ما کتبناها علیهم ))). رواه أبو داود.
١٨٢ - (٤٣) وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله وَله: ((نزل القرآنُ على خمسة
أوجُهٍ: حَلالٍ، وحَرام، ومحكم، ومُتشابهٍ، وأمثال. فأحلُّوا الحلال، وحرِّموا الحرام،
واعملوا بالمحكم، وَآمنوا بالمتشابه، واعتبروا بالأمثال)». هذا لفظ المصابيح، وروى
البيهقي في ((شعب الإيمان)) ولفظُه: «فاعمَلوا بالحلال،
الرهبان جمع راهب، وفي الآية قرئت بالضم شاذاً، وقيل: الرهبة الخوف والمبالغة في العبادة
والرياضة والانقطاع عن الناس، ويطلق على عبادة الرهبان وهو جمع الراهب، أي عابد
النصارى وهي ما يفعلون من تلقاء أنفسهم (﴿ما كتبناها﴾) أي ما فرضنا تلك الرهبانية
((عليهم)) من ترك التلذذ بالأطعمة وترك التزوّج والاعتزال عن الناس والتوطن في رؤوس
الجبال والمواضع البعيدة عن العمران، والاقتصار على هذا يدل على أن الاستثناء فيما بعده
وهو قوله تعالى (﴿إلا ابتغاء رضوان الله﴾) استثناء منقطع، أي ولكنهم ابتدعوها ابتغاء رضوان
الله قال تعالى: (فما رعوها حق رعايتها) أي لم يرعوا الرهبانية حق رعايتها وكفروا بدين عيسى
فتهوّدوا وتنصروا ودخلوا في دين ملوكهم وتركوا الترهب وأقام منهم أناس على دين عيسى عليه
الصلاة والسلام حتى أدركوا محمداً ﴿ ﴿ فآمنوا به فذلك قوله عزَّ وجلّ: ﴿فآتينا الذين آمنوا
منهم أجرهم وكثير منهم فاسقون﴾(١) كذا في المعالم (رواه أبو داود).
١٨٢ - (وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَله: ((نزل القرآن) أي بطريق الإجمال (على
خمسة أوجه) من وجوه الكلام (حلال) بالجر وهو بدل بعد العطف قبل الربط كقوله تعالى:
﴿كلوا من طيبات ما رزقناكم﴾ [البقرة - ١٧٢] وقوله: ﴿أحل لكم الطيبات وما علمتم من
الجوارح﴾ [المائدة - ٤] وغيرهما (وحرام) كقوله تعالى: ﴿إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم
الخنزير﴾ الآية [البقرة - ١٧٣] وغيرها (ومحكم) كقوله تعالى: ﴿قل تعالوا أقل ما حرم ربكم
عليكم﴾ [الأنعام - ١٥١] وغير ذلك من الأمر والنهي والموعظة (ومتشابه) كقوله تعالى:
﴿وجاء ربك﴾ [الفجر - ٢٢] وأمثال ذلك (وأمثال) يعني قصص الأمم الماضية كقوم نوح
وصالح وغيرهما كذا قيل، والأظهر أن الأمثال مثل قوله تعالى: ﴿مثل الذين اتخذوا من دون
الله أولياء كمثل العنكبوت﴾ [العنكبوت - ٤١] ولذا عقبه تعالى بقوله: ﴿وتلك الأمثال نضربها
للناس وما يعقلها إلا العالمون﴾ [الأنعام - ١٤٢] (فأحلوا الحلال) أي اعتقدوا حليته وجوّزوا
منفعته (وحرموا الحرام) أي اجتنبوه واعتقدوا حرمته واحكموا بمضرته (واعملوا بالمحكم) من
الأمر والنهي (وآمنوا بالمتشابه) من غير اشتغال بكيفيته (واعتبروا بالأمثال))) أي الظاهرية أو
المعنوية (هذا) أي المذكور من الحديث المروي (لفظ المصابيح، وروى البيهقي في شعب
الإيمان) أي معناه وحذف هذا للعلم به (ولفظه) أي لفظ البيهقي ((فاعملوا بالحلال) ولا
(١) آية ٢٧ من سورة الحديد.
الحديث رقم ١٨٢ : مصابيح السنة ١٦٤/١ حديث رقم ١٤٤.
١٠٠-٠٢٠

٣٩٠
كتاب الإيمان / باب الاعتصام بالكتاب والسنّة
واجتنبوا الحرام، واتبعوا المحكم)).
١٨٣ - (٤٤) وعن ابن عباس، قال: قال رسولُ اللهِ وَّةِ: ((الأمرُ ثلاثة: أمرٌ بَيْنٌ
رُشدهُ فاتّبعْهُ، وأمرٌ بيّنٌ غيُّه فاجتنِبْه، وأمرٌ اختُلف فيه فكِلْه إِلى الله عزَّ وجل)). رواه أحمد.
الفصل الثالث
١٨٤ - (٤٥) عن معاذ بن جبل، قال: قال رسول الله وَلّر: ((إِن الشيطان ذئبُ
الإنسان کذئب الغنم،
تجتنبوه (واجتنبوا الحرام) ولا ترتكبوه (واتبعوا المحكم))) ولا تتركوه ففيه نوع اعتراض من
المصنف على صاحب المصابيح.
١٨٣ - (وعن ابن عباس قال: قال رسول الله وَالير: ((الأمر) واحد الأمور، أي الحكم
والشأن والحال في الأعمال التكليفية (ثلاثة) أي ثلاثة أنواع (أمر) أي منها أمر أو أحدها أمر
(بيّن رشده) أي ظاهر صوابه كأصول العبادات مثل وجوب الصلاة والزكاة (فاتبعه وأمر بين
غيه) أي ضلالته كموافقة أهل الكتاب في أعيادهم كذا قاله ابن الملك، والأنسب بحسن
المقابلة أن يقال في الأوّل كأصول العقائد من التوحيد والنبوّة والقيامة، وفي الثاني كقتل النفس
والزنا (فاجتنبه) أي احترز عنه (وأمر اختلف فيه) على بناء المجهول، وضبط في نسخة السيد
جمال الدين بضم الهمزة لكن الأولى أن لا تكون الضمة مكتوبة أو تكتب بالحمرة ليكون فرقاً
بين همزة الوصل والقطع حتى في المصحف في نحو قوله تعالى: ﴿القارعة﴾ [القارعة - ١] و
﴿الهاكم﴾ [التكاثر - ١] ثم همزة اختلف مضمومة في الابتداء وإذا سقطت في الدرج يجوز
ضم التنوين وكسره كما هو مقرر في محله: قال الطيبي: يحتمل أن يكون معناه اشتبه وخفي
حكمه، ويحتمل أن يراد به اختلاف العلماء، أي والأدلة. وقيل الأولى أن يفسر هذا الحديث
بما ورد في آخر الفصل الثالث من حديث أبي ثعلبة. اهـ. وقيل: المراد ما لم يبينه الشرع مثل
المتشابهات، وقال ابن الملك: أي اختلف فيه الناس من تلقاء أنفسهم من غير أن يبين الله
ورسوله حكمه كتعيين وقت يوم القيامة وحكم أطفال الكفرة. (فكله) أمر من وكل يكل (إلى
الله عزَّ وجلّ))) أي فوض أمره إلى الله تعالى فلا تقل فيه شيئاً من نفي أو إثبات (رواه أحمد).
(الفصل الثالث)
١٨٤ - (عن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله وَالله: ((إن الشيطان ذئب الإنسان) الذئب
مستعار للمفسد والمهلك، وهو بالهمز ويبدل. (كذئب الغنم) أي في العداوة والإهلاك. قال
الحديث رقم ١٨٣: ليس عند أحمد في المسند وقد أخرجه الطبراني في الكبير. مع بعض التغيير.
الحديث رقم ١٨٤: أخرجه أحمد في المسند ٢٤٣/٥.

٣٩١
.٠٨٥
كتاب الإيمان / باب الاعتصام بالكتاب والسنّة
يأخذ الشاذَة والقاصيةَ والناحيةَ، وإِياكم والشّعابَ، وعليكم بالجماعة والعامَّة)). رواه أحمد.
١٨٥ - (٤٦) وعن أبي ذر، قال: قال رسول الله وَلَى: ((مَن فارَق الجماعةِ شبراً فقد
خلَع ربقة الإِسلام من عنُقِه)). رواه أحمد، وأبو داود.
تعالى: ﴿إن الشيطان لكم عدوّ فاتخذوه عدوّاً﴾ الآية [فاطر - ٦] (يأخذ) أي ذئب الغنم،
والظاهر أنه استئناف مبين. وقال الطيبي: صفة الذئب لأنه بمنزلة النكرة كمثل الحمار، ويجوز
أن يكون حالاً منه والعامل معنى التشبيه. اهـ. ولا يخفى أن ما قاله بالنسبة إلى الآية ظاهر،
وأما بالنسبة إلى الحديث فالإطلاق أولى من التقييد. والمعنى يأخذ غالباً [أو بالسهولة من غير
تدارك] (الشاذة) بتشديد الذال المعجمة، أي النافرة التي لم تؤنس باخواتها ولم تختلط بهن
(والقاصية) التي قصدت البعد عنهن لأجل المرعى مثلاً لا للتنفر (والناحية) التي غفل عنها
وبقيت في جانب منها؛ فإن الناحية هي التي صارت في ناحية من الأرض عن اخواتها لغفلتها
قال الأبهري كذا قاله الطيبي وظاهر كلامه أن الناحية بالحاء المهملة، وفي النهاية في باب النون
مع الجيم النجاء السرعة يقال: نجا ينجو إذا أسرع ونجا من الأمر إذا خلص وأنجى غيره، ومنه
إنما يأخذ الذئب القاصية والشاذة والناجية، أي السريعة هكذا روي عن الحربي بالجيم. اهـ.
ومفهومه أن المعتمد هو الحاء، وأما الجيم فإنما هو رواية شاذة ولهذا أطبقت نسخ المشكاة
على الحاء والله أعلم. (وإياكم والشعاب) بالكسر والنصب من الشعب وهو الوادي ما اجتمع
منه طرف وتفرق طرف منه، ولذلك قيل: شعبت الشيء إذا جمعته وشعبته إذا فرقته، والمراد
المنعطفات في الأودية لأنها محل السباع والهوام وقطاع الطريق والسراق وأماكن الجن. ولما
فرغ من التمثيل أكده بقوله: ((وإياكم)) وعقبه بقوله (وعليكم بالجماعة) تقريراً بعد تقرير
(والعامة))) أي عامة الجماعة، يعني عليكم بمتابعة جمهور العلماء من أهل السنة والجماعة، أو
عليكم بمخالطة عامة المسلمين وإياكم ومفارقتهم والعزلة عنهم واختيار الجبال والشعاب البعيدة
عن العمران، وهذا أظهر للفظ التمثيل والأوّل أوفق لمعناه والله أعلم. (رواه أحمد).
١٨٥ - (وعن أبي ذر قال: قال رسول الله وَالخير: ((من فارق الجماعة شبراً) أي ولو ساعة
أو ولو في قليل من الأحكام. قال الأبهري: مفارقة الجماعة ترك السنة وإتباع البدعة. اهـ.
والظاهر أن مفارقة الجماعة متاركة إجماعهم ويؤيده قوله (فقد خلع) أي نزع (ربقة الإسلام) أي
ذمته (من عنقه))) ألا أن يحمل الإسلام على كماله، أو المراد المبالغة في التخويف والتنفير عن
هذه المفارقة والمخالفة للإعلام بأن المداومة على ذلك تؤدي إلى الخلع الحقيقي. وقال
الطيبي: الربقة عروة في حبل تجعل في عنق البهيمة أو يدها تمسكها فاستعيرت لانقياد الرجل
واستسلامه لأحكام الشرع وخلعها ارتداده وخروجه عن طاعة الله وطاعة رسوله. (رواه أحمد
وأبو داود).
الحديث رقم ١٨٥: أخرجه أبو داود في السنن ١١٨/٥ حديث رقم ٤٧٥٨ وأحمد في المسند ١٨٠/٥.

٣٩٢
كتاب الإيمان / باب الاعتصام بالكتاب والسنّة
١٨٦ - (٤٧) وعن مالك بن أنس مُرسلاً، قال: قال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((تركتُ فيكم
أمرين لن تَضِلوا ما تمَسَّكتم بهما: كتابَ الله وسُنَّةَ رسوله)). رواه في ((الموطأ)).
١٨٧ - (٤٨) وعن غُضَيْف بن الحارث الثمالي، قال: قال رسول الله وَل: ((ما
أحدثَ قومٌ بدعةً إِلا رُفعَ مثلُها من السنَّة؛
١٨٦ - (وعن مالك بن أنس) وهو الإمام مالك صاحب المذهب (مرسلاً) اعلم أن
المرسل هو أن يقول التابعي: قال رسول الله ◌َلاير: هذا هو المشهور عند أهل الحديث، لكن
المعروف في الفقه وأصوله أن قول من دون التابعي أيضاً يسمى مرسلاً وبه ذهب الخطيب لكن
قال: إلا أن أكثر ما يوصف به رواية التابعي عن النبي ◌َّ ر. اهـ. فهذا محمول على قوله: فإن
الإمام مالكاً من أتباع التابعين. (قال: قال رسول الله وَلي: ((تركت فيكم أمرين) أي شيئين
عظيمين أو حكمين بفتحهما (لن تضلوا) أي لن تقعوا في الضلالة (ما تمسكتم) أي مدة
تمسككم (بهما) أي بالأمرين معاً (كتاب الله) أي القرآن (وسنة رسوله))) أي حديث رسوله وهما
منصوبان على البدلية، أو بتقدير أعني، وقيل: بالرفع على الخبرية بتقديرهما. ثم في العدول
عن سنتي مبالغة في زيادة شرفه والحث على التمسك بسنته بذكره السبب في ذلك وهو خلافته
عن الله وقيامه برسالته وإن ما جاء به ليس إلا من تلك الرسالة لا من تلقاء نفسه (رواه) أي
مالك، وفيه أنه يصير التقدير رواه مالك عن مالك في (الموطأ) فكان حق المصنف أن يذكر
التابعي مكان مالك في أول الحديث، ثم يقول في الآخر رواه مالك مرسلاً لأنه من
المخرجين، أو يقول كذا في الموطأ. مع أنه يبقى مناقشة أخرى في قوله: ((عن)) فإنه يحتاج
إلى راوٍ عنه وهو غير موجود.
ثم الموطأ بالهمز وقيل: بالألف كتاب مشهور مصنف للإمام مالك قرأ فيه الشافعي
ومحمد وغيرهما من الأئمة عليه. وقال الشافعي في حقه: هو أصح الكتب بعد كتاب الله.
لكن هذا قبل وجود الصحيحين وإلا فصحيح البخاري هو الأصح مطلقاً على الأصح والله
أعلم.
١٨٧ - (وعن غضيف) بالمعجمتين مصغراً، وقيل: بالظاء مختلف في صحبته، ومنهم
من فرق بين غضيف فاثبت صحبته وغظيف تابعي وهو أشبه كذا في التقريب. وذكره المصنف
في الصحابة وقال: يكنى أبا أسماء، شامي أدرك النبي بَّ وقد اختلف في صحبته، وقال:
ولدت على عهد رسول الله وَ ﴿ فبايعته وصافحته وسمع عمر وأبا ذر وعائشة، وروى عنه
مكحول وسليم بن عامر. (ابن الحرث الثمالي) بضم الثاء المثلثة وتخفيف الميم، نسبة إلى
ثمالة بطن من الأزد (قال: قال رسول الله وَلجر: ((ما أحدث) أي أبدع وجدد (قوم بدعة) أي
مزاحمة لسنة (إلا رفع مثلها) أي مقدارها في الكمية أو الكيفية (من السنة) وقال ابن حجر:
الحديث رقم ١٨٦: أخرجه مالك في الموطأ ٨٩٩/٢ الحديث رقم ٣ من كتاب القدر.
الحديث رقم ١٨٧: أخرجه أحمد في المسند ٤/ ١٠٥.
٠,٣٦٠
٢ م,٠

٣٩٣
كتاب الإيمان / باب الاعتصام بالكتاب والسنة
فتمسّكٌ بسنةٍ خَيرٌ من إِحْداث بدعة)). رواه أحمد.
١٨٨ - (٤٩) وعن حسَّان، قال: ما ابتدَع قومٌ بدعةً في دينهم إِلا نزَع اللَّهُ من سُنَّتهم
مثلها،
سُمي الضد مثلاً لأنه أقرب خطوراً بالبال عند ذكره وأسرع ثبوتاً عند ارتفاعه فكان بينهما تناسب
مّا (فتمسك) جواب شرط محذوف، أي إذا عرفت ذلك فتمسك (بسنة) أي صغيرة أو قليلة
كإحياء آداب الخلاء مثلاً على ما ورد في السنة. وأما قول الطيبي: أي سنة قذرة فلغزة قلم
وزلة قدم مما ينفر عنه الطبع ويمجه السمع. قال ابن حجر: ولولا اشتهار علم الرجل وتحقيقه
وحسن حاله وطريقه لقضي عليه بهذه الكلمة بأمر عظيم، كيف وأصحابنا مصرحون بأن من
استقذر شيئاً منسوباً إليه عليه الصلاة والسلام كفر؟ والسنة منسوبة إليه فوصفها بالقذارة يوقع في
تلك الورطة لا إمكان تأويله بأنه لم يصفها بالقذارة من حيث كونها سنة، بل من حيث تعلق
فعلها بمستقذر وهذا بفرض قبوله إنما يمنع الكفر فحسب لا الشناعة والقبح وسوء الأدب.
(خير من إحداث بدعة))) أي أفضل من حسنة عظيمة كبناء رباط ومدرسة. قال الطيبي: ويمكن
أن يجعل من قبيل العسل أحلى من الخل وعلى حد ﴿أي الفريقين خير﴾ [مريم - ٧٣]
فالتقدير حينئذ التمسك بسنة فيه خير عظيم وببدعة لا خير فيه أصلاً. وأما قول ابن حجر:
وهذا هو الصواب [وما مثله الطيبي] أوّلاً غير مسلم؛ أما أولاً فلأن البدعة الحسنة ملحقة
بالسنن المنصوصة لكن لما لم تؤلف في الصدر الأول سميت بدعة، وأما ثانياً فنحو المدرسة
نفعها عام دائم وثوابها متضاعف باق ببقائها فكيف يفضل عليها ما نفعه قاصر وثوابه منقطع
بانقضاء فعله؟ هذا مما لا يعقل. اهـ. والأظهر أن مراده عليه الصلاة والسلام المبالغة في
متابعته وأن سنته من حيث انها سنة أفضل من بدعة ولو كانت مستحسنة مع قطع النظر عن
كونها متعدية أو قاصرة أو دائمة أو منقطعة، ألا ترى أن ترك سنة أي سنة تكاسلاً يوجب اللوم
والعتاب، وتركها استخفافاً يثبت العصيان والعقاب، وإنكارها يجعل صاحبه مبتدعاً بلا ارتياب.
والبدعة ولو كانت مستحسنة لا يترتب على تركها شيء من ذلك وأما جعل خير بغير معنى
التفضيل فبعيد بل تحصيل حاصل معلوم عند المخاطبين فلا يكون فيه فائدة تامة ولا مبالغة
كاملة والله أعلم. (رواه أحمد) قال میرك بسند جيد.
١٨٨ - (وعن حسان) غير منصرف على أنه فعلان، وقد ينصرف على أنه فعال. وهو ابن
ثابت شاعر رسول الله وَله، يُكنى أبا الوليد الأنصاري الخزرجي وهو من فحول الشعراء، قال
أبو عبيدة: أجمعت العرب على أن أشعر أهل المدر حسان بن ثابت؛ روى عنه عمر وأبو
هريرة وعائشة، ومات قبل الأربعين في خلافة علي، وقيل: سنة خمسين وله مائة وعشرون
سنة، عاش منها ستين في الجاهلية وستين في الإسلام. (قال) أي حسان (ما ابتدع قوم بدعة)
أي سيئة مزاحمة لسنة (في دينهم إلا نزع الله من سنتهم مثلها) أي في العدد والقدر، أو من
الحديث رقم ١٨٨: أخرجه الدارمي ٥٨/١ حديث رقم ٩٨.
,جلوسوب

٣٩٤
كتاب الإيمان / باب الاعتصام بالكتاب والسنّة
ثم لا يُعيدُها إِليهم إِلى يوم القيامة. رواه الدارمي.
١٨٩ - (٥٠) وعن إِبراهيم بن مَيسَرة، قال: قال رسول الله وَله: ((مَنْ وَقَّرَ صاحبَ
بدعةٍ، فقد أعانَ على هَدمِ الإِسلام)). رواه البيهقي في ((شعب الإِيمان)) مرسلاً.
١٩٠ - (٥١) وعن ابن عباس، قال: من تعلّمَ كتابَ الله ثم اتّبعَ ما فيه؛ هداه اللهُ من
الضلالة فى الدنيا، ووقاه يوم القيامة سوء الحساب. وفى رواية، قال: مَن اقتَدى بكتاب الله
- اد ؟
شآمة ارتكاب البدعة يحرمون من بركات السنة (ثم لا يعيدها) أي الله تلك الحسنة (إليهم) أي
إلى ذلك القوم الذين اتفقوا على ابتداع السيئة (إلى يوم القيامة))) قال الطيبي: وذلك أن السنة
كانت متأصلة مستقرة في مكانها فلما أزيلت عنه لم يمكن إعادتها كما كانت أبداً، فمثلها كمثل
شجرة ضربت عروقها في تخوم الأرض فإذا قلعت لم يمكن إعادتها كما كانت (رواه الدارمي)
أي موقوفاً لكن مثل هذا لا يقال من قبل الرأي لاشتماله على أخبار بغيب وهو قوله: ((ثم إلى))
الخ فيكون في حكم المرفوع.
١٨٩ - (وعن إبراهيم بن ميسرة) بفتح السين الطائفي يعد في التابعين ثقة صحيح الحديث
حديثه في أهل مكة (قال: قال رسول الله وَّلقي: ((من وقرّ) بالتشديد أي عظّم أو نصر (صاحب
بدعة)(١) سواء كان داعياً لها أم لا قال ابن حجر: كأن قام وصدّره في مجلس، أو خدمه من غير
عذر يلجئه إلى ذلك (فقد أعان على هدم الإسلام) أي إسلامه أو كمال إسلامه أو على هدم أهل
الإسلام، أو المراد بالإسلام السنة. قال الطيبي: وهو من باب التغليظ فإذا كان حال الموقّر كذا
فما حال المبتدع، وفيه أن من وقّر صاحب سنة كان الحكم بخلافه، وكذا من أهان صاحب بدعة
يخالف حكمه. (رواه البيهقي في شهب الإيمان مرسلاً) لإسقاط الصحابي من السند.
١٩٠ - (وعن ابن عباس قال) أي موقوفاً ((من تعلم كتاب الله) نظراً أو حفظاً أو علماً
بمعناه (ثم اتبع ما فيه) من الأمر والنهي (هداه الله من الضلالة) ضمَّن هدى معنى آمن فعداه
بمن، أي آمنه الله من ارتكاب المعاصي كذا قاله الطيبي. والأظهر أن معناه من اتبع القرآن ثبته
الله على الهداية ووقاه من الوقوع في الضلالة ما دام يعيش (في الدنيا ووقاه) أي حفظه (يوم
القيامة سوء الحساب))) أي مناقشته المؤدية إلى السوء كما ورد في الحديث: ((من نوقش في
الحساب عذّب))(٢). قال الطيبي: وفيه أن سعادة الدارين منوطة بمتابعة كتاب الله. اهـ.
ومتابعته موقوفة على معرفة سنة رسوله عليه الصلاة والسلام. ومتابعته فهماً متلازمان شرعاً لا
ينفك أحدهما عن الآخر. (وفي رواية قال:) أي ابن عباس ((من اقتدى بكتاب الله) أي في
الحديث رقم ١٨٩ : أخرجه البيهقي في شعب الإيمان ٧/ ٦١ حديث رقم ٩٤٦٤.
(١) في المخطوطة سياق الجملة مغاير وما أثبت هو الصواب. والله أعلم.
الحدیث رقم ١٩٠: رواه رزین.
(٢) البخاري ١٩٧/١ حديث رقم ١٠٣ ومسلم ٢٢٠٤/٤ حديث رقم ٢٨٧٦.
.......
١٥٠
٦
بے .

٣٩٥
كتاب الإيمان / باب الاعتصام بالكتاب والسنة
لا يضلُّ في الدنيا ولا يشقى في الآخرة، ثم تلا هذه الآية: ﴿فمن اتَّبَعَ هُدائيَ فلا يَضلُّ ولا
يشقی ﴾. رواه رزین.
١٩١ - (٥٢) وعن ابن مسعود، أن رسول الله رٍَّ قال: ((ضرب اللَّهُ مثلاً صراطاً
مستقيماً، وعن جَنَبتي الصّراط سوران، فيهما أبوابٌ مفتَّحة، وعلى الأبواب ستورٌ مُرخاةٌ،
وعند رأس الصِراط داع يقول: استقيموا على الصراطِ ولا تعوَّجُوا، وفوق ذلك
الاعتقادات والعبادات وغيرها (لا يضل) أي لا يقع في الضلالة (في الدنيا ولا يشقى) أي لا
يتعب ولا يعذب (في الآخرة ثم تلا هذه الآية) استشهاداً لما قاله ﴿فمن اتبع هداي﴾ أي ما
يهدى به، أو أريد به المصدر مبالغة وهو القرآن بقرينة الإضافة، أي الهداية المخصوصة بي
المنسوبة إلي، وفي معناها الهداية النبوية والسنة المصطفوية ولذا قال في المعالم: أي الكتاب
والسنة ﴿فلا يضل ولا يشقى))﴾(١) ظاهر كلام ابن عباس أن نفي الضلالة في الدنيا ونفي التعب
في الآخرة وعليه جمهور المفسرين. وقال سهل بن عبد الله التستري: من اتبع الهدى وهو
ملازمة الكتاب والسنة لا يضل عن طريق الهدى ولا يشقى في الآخرة والأولى؛ فكأنه لم يعدّ
التعب الدنيوي مع النعيم الأخروي تعباً، أو الانشراح صدره واطمئنان قلبه وتسليمه تحت
القضاء مع الرضا ارتفع التعب كله والله أعلم. (رواه رزين).
١٩١ - (وعن ابن مسعود أن رسول الله وَ لي قال: ((ضرب الله مثلاً) أي بين مثلاً (صراطاً
مستقيماً) بدل من ((مثلاً)) لا على إهدام المبدل كما في قولك: زيد رأيت غلامه رجلاً صالحاً
(وعن جنبتي الصراط) بفتح النون كذا في النهاية نقله ميرك، أي عن طرفيه وجانبيه يعني يمينه
ويساره (سوران) والجملة حال عن صراطاً (فيهما أبواب مفتحة) الجملة صفة سوران، أي
جداران فاصلان بين الصراط المستقيم وطرفيه الخارجين عن الصراط القويم المشبهين بسور
البلد من جنبتيه أحد جانبيه من أهله والآخرة من العدوّ، وفيه إيماء إلى قوله تعالى: ﴿فضرب
بينهم بور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب﴾ [الحديد - ١٣] والله أعلم.
بالصواب (وعلى الأبواب ستور) جمع الستر بالكسر (مرخاة) أي مرسلة، والجملة حال من
ضمير الأبواب في ((مفتحة)) ووضع الظاهر موضع الضمير الراجع إلى صاحبها لإفادة التفخيم.
(وعند رأس الصراط) أي عليه (داع) معطوف على ((وعن جنبتي الصراط)) (يقول) أي الداعي
(استقيموا) أي استووا (على الصراط ولا تعوّجوا) بتشديد الجيم من الإعوجاج كذا في نسخة
السيد وغيره، وفي نسخة بتشديد الواو على حذف إحدى التاءين وهو تأكيد لما قبله، أي لا
تميلوا إلى الأطراف. قال الطيبي: عطف على ((استقيموا)) على الطرد والعكس لأن مفهوم كل
منهما يقرر منطوق الآخر وبالعكس. (وفوق ذلك) عطف على ((وعند رأس الصراط)) والمشار
(١) آية ١٢٣ من سورة طه.
الحديث رقم ١٩١: أخرجه أحمد فى المسند ٤/ ١٨٢.
.... ":
:٫٠

٣٩٦
كتاب الإيمان / باب الاعتصام بالكتاب والسنة
داعٍ يدعو، كلما همَّ عبدٌ أن يفتح شيئاً من تلك الأبواب قال: ويحك! لا تفتحه، فإِنك إِنْ
تفتّحْهُ تِلِجْهُ)). ثمَّ فسَّره فأخبر: ((أنَّ الصِراط هو الإِسلام، وأنَّ الأبواب المفتّحةَ محارمُ الله،
وأنَّ الستور المرخاة حدودِ الله، وأن الداعي على رأس الصراط هو القرآن، وأن الداعي من
فوقه واعظُ الله في قلبٍ کلّ مؤمن)). رواه رزین، ورواه أحمد.
١٩٢ - (٥٣) والبيهقي في ((شعب الإيمان)) عن النوّاس بن سمعان، وكذا الترمذي
عنه إلا أنه ذكر أخصر منه.
إليه بذلك الصراط أو الداعي (داع يدعو كلما همّ عبد) أي قصد وأراد (أن يفتح شيئاً) أي قدراً
يسيراً (من تلك الأبواب) أي ستورها. قال الطيبي: كلما ظرف يستدعي الجواب وهو قال.
اهـ. والضمير في (قال) راجع إلى الداعي (ويحك) زجر له عن تلك الهمة، وهي كلمة ترحم
وتوجع تقال لمن وقع في هلكة لا يستحقها كذا قاله الطيبي. يعني ثم استعمل لمجرد الزجر
عما همّ به من الفتح (لا تفتحه) أي شيئاً من تلك الأبواب، أي ستورها. وقال الأبهري: هذا
يدل على أن تلك الأبواب مردودة فمعنى قوله سابقاً ((أبواب مفتحة)) غير مغلقة. اهـ. وهو
خلاف الظاهر (فإنك إن تفتحه تلجه) أي تدخله، يعني لا تقدر أن تملك نفسك وتمسكها عن
الدخول بعد الفتح (ثم فسره) أي أراد تفسيره (فاخبر أن الصراط هو الإسلام) وهو طريق مستقيم
والمطلوب من العبد الاستقامة عليه (وأن الأبواب المفتحة محارم الله) فإنها أبواب للخروج عن
كمال الإسلام والاستقامة والدخول في العذاب والملامة (وأن الستور المرخاة حدود الله) قال
الطيبي: الحد الفاصل بين العبد ومحارم الله كما قال الله تعالى: ﴿تلك حدود الله فلا تقربوها﴾
[البقرة - ١٨٧]١ هـ. والظاهر والله أعلم أن المراد من الستور الأمور المستورة الغير المبينة من
الدين المسماة بالشبهة المعبر عنها بحول الحمى في الحديث المشهور (وأن الداعي) وفي نسخة
والداعي بالرفع (على رأس الصراط هو القرآن وأن الداعي من فوقه) أي فوق الصراط، أو من
فوق الداعي الأوّل (هو واعظ الله في قلب كل مؤمن))) قال الطيبي: هو لمة الملك في قلب
المؤمن واللمة الأخرى هي لمة الشيطان. اهـ. أي التي أثرها الهم، وكان الأظهر أن يقول:
والهم لمة الشيطان. (رواه رزين) أي عن ابن مسعود. (ورواه أحمد).
١٩٢ - (والبيهقي في شعب الإيمان عن النواس) بفتح النون وتشديد الواو (ابن سمعان)
بكسر السين المهملة، وقيل: بفتحها وسكون الميم وبالعين المهملة، كلابي سكن الشام وهو
معدود منهم، روى عنه جبير بن نفير وأبو داود الخولاني وكان من أصحاب الصفة. (وكذا
الترمذي عنه) أي روى عن النّاس (ألا إنه) أي الترمذي (ذكر أخصر منه) أي من هذا الحديث
أو أخصر مما ذكر غيره.
٠٫٤٤٠
الحديث رقم ١٩٢ : البيهقي في شعب الإيمان ٤٤٥/٥ حديث رقم ٧٢١٦. والترمذي مختصراً ١٣٣/٥
حدیث رقم ٢٨٥٩. وقال حديث غريب.
٤٧٠٣
٠٠٠

٣٩٧
كتاب الإيمان / باب الاعتصام بالكتاب والسنّة
١٩٣ - (٥٤) وعن ابن مسعود، قال: من كان مُسْتئًّا؛ فليستنَّ بِمَن قد مات، فإِن
الحيّ لا تُؤمنُ عليه الفتنة. أولئك أصحاب محمَّد ◌ََّ كانوا أفضلَ هذه الأمّة، أبَرِّها قلوباً،
١٩٣ - (وعن ابن مسعود قال: ((من كان مستناً) بتشديد النون، أي مقتدياً بسنة أحد
وطريقته (فليستن بمن قد مات) أي على الإسلام والعلم والعمل وعلم حاله وكماله على وجه
الاستقامة. قال الطيبي: أخرج الكلام مخرج الشرط والجزاء تنبيهاً به على الاجتهاد وتحري
طريق الصواب بنفسه بالاستنباط من معاني الكتاب والسنة؛ فإن لم يتمكن فليقتد بأصحاب
رسول الله ◌َّ لأنهم نجوم الهدى، وكان ابن مسعود يوصي القرون الآتية بعد قرون الصحابة
والتابعين باقتفاء أثرهم والاهتداء بسيرهم وأخلاقهم. اهـ. والظاهر أنه يوصي التابعين ومن
بعدهم تبع لهم بالاقتداء بالصحابة، لكن خص أمواتهم لأنه علم استقامتهم على الدين
واستدامتهم على اليقين بخلاف من بقي منهم حياً فإنه يمكن منهم الافتتان ووقوع المعصية
والطغيان، بل الردة والكفران لأن العبرة بالخاتمة. وهذا تواضع منه في حقه رضي الله عنه
لكمال خوفه على نفسه، ولما رأى من الفتن العظيمة ووقوع الهالكين فيها وإلا فهو ممن يقتدى
به حياً وميتاً، وقد شهد له عليه الصلاة والسلام بالجنة وقال: رضيت لأمتي ما رضي لهم، وإنه
أفقه الصحابة بعد الخلفاء الأربعة رضوان الله تعالى عليهم أجمعين، ولذا اختار الإمام الأعظم
تشهده على تشهد ابن عباس. ويؤيد ما قلنا قوله: (فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة) قال الطيبي:
الفتنة كالبلاء يستعملان فيما يدافع إليه الإنسان من الشدة والرخاء. اهـ. وهما في الشدة أظهر
وأما قول الطيبي لأن أصحاب النبي وَلّ كانوا قد أمنوا من الفتنة قال تعالى: ﴿إن الذين يغضون
أصواتهم عند رسول الله أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى لهم مغفرة وأجر عظيم﴾
[الحجرات - ٣] ففيه نظر ظاهر (أولئك أصحاب محمد ◌َز) إشارة إلى من مات، أفرد الضمير
في ((مات)) نظراً إلى اللفظ، وقال: ((أولئك نظراً إلى المعنى كذا ذكره الطيبي. وفيه إشارة إلى
أن الصحابي الحقيقي هو الذي لقي النبي وَ لقه وآمن به ومات على الإيمان، وأما من عاش منهم
فهو في خطر من الردة سواء آمن بعدها أم لا؛ فإن بالردة تبطل الصحبة في مذهبنا. (كانوا
أفضل هذه الأمة) أي أمة الإجابة وهم خير أمة فكانوا أفضل الأمم، قال الطيبي: إشارة إلى ما
في الذهن من أمة محمد عليه إلى انقراض العالم. اهـ. أو يقال: الإشارة إلى الموجودين في
القرن الثاني ويلزم منه الأفضلية على سائر القرون الحديث: ((خير القرون قرني ثم الذين
يلونهم))(١) الحديث (أبرِّها قلوباً) أي أطوعها وأحسنها وأخلصها وأعلمها أو أكثرها إيماناً، قال
تعالى: ﴿ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر﴾ الآية [البقرة - ١٧٧]، وقال عزَّ وجلّ: ﴿أولئك
الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى﴾ [الحجرات - ٣] أي ضربها بأنواع المحن والتكليفات الصعبة
والشدائد التي لا تطاق لأجل أن يختبر ما عندها من التقوى إذ لا تظهر (٢) حقيقتها إلا عند
٠
١١٣
٠٫٥٦
الحدیث رقم ١٩٣ : رواه رزین.
(١) الترمذي ٤٣٣/٤ حديث رقم ٢٢٢١.
(٢) في المخطوطة يظهر.

٣٩٨
كتاب الإيمان / باب الاعتصام بالكتاب والسنة
وأعمقَها علماً، وأقلَّها تكلفاً، اختارهم اللَّهُ لصحبة نبيّه، ولإِقامة دينِه، فاعرِفوا لهم
فضلَهم، واتَّبعوهم
ذلك، فوجدها مع ذلك على غاية من الانقياد والرضا، أو أخلصها للتقوى من قولهم امتحنت
الذهب وفتنته إذا أذبته بالنار حتى خرج خالصاً نقياً، أو أذهب الشهوات والحظوظ الدنيوية عنها
كما قاله عمر رضي الله عنه. (وأعمقها علماً) أي أكثرها غوراً من جهة العلم وأدقها فهماً
وأوفرها حظاً من العلوم المختلفة كالتفسير والحديث والفقه والقراءة والفرائض والتصوّف لسعة
صدورهم وشرح قلوبهم فكان كل واحد منهم أمة جامعاً للشمائل السنية والفضائل البهية لا
توجد غالباً إلا في جماعة. وأما من بعدهم فقد افترقوا؛ فبعضهم صار مفسراً وبعضهم محدثاً
وغير ذلك لعدم تلك القابلية العظمى والاستعدادات الكاملة العليا، ولذا اعترض الشيخ جلال
الدين السيوطي على العلامة التفتازاني في قوله: عند قوله تعالى: ﴿يسئلونك عن الأهلة﴾
[البقرة - ١٨٩] أن الجواب من أسلوب الحكيم فإنهم ما كانوا يدركون تحقيق ماهية الأهلة ولذا
عدل إلى قوله: ﴿قل هي مواقيت للناس والحج﴾ [البقرة - ١٨٩] مع أن السائل من أجلاء
الصحابة وهو معاذ بن جبل الذي قال عليه الصلاة والسلام في حقه: ((هو أعلمكم بالحلال
والحرام)) (وأقلها تكلفاً) أي في العمل فإنهم كانوا يمشون حفاة ويصلون على الأرض ويأكلون
من كل آنية ويشربون من سؤر الناس، وكذا في العلم فإنهم كانوا لا يتكلمون إلا فیما یعنیھم،
ويقولون فيما لا يدرون: لا ندري، وكانوا يتدافعون الفتوى عن أنفسهم، ويشيرون إلى من هو
أعلم منهم، وكذا في القراءة فإنهم كانوا يتلون القرآن حق تلاوته على لحون العرب من غير
النغمات والتمطيطات وغيرها، وكذا في الأحوال الباطنية فإنهم ما كانوا يرقصون ولا يصيحون
ولا يطيحون ولا يطرقون ولا يجتمعون للغناء والمزامير ولا يتحلقون للإذكار والصلوات برفع
الصوت في المساجد ولا في بيوتهم، بل كانوا فرشيين بأبدانهم عرشيين بأرواحهم كائنين مع
الخلق في الظاهر بائنين عن الخلق مع الحق في الباطن، وكانوا يلبسون ما تيسر لهم من
الصوف والقطن والكتان غير متقيدين بالأوصاف المخصوصة والمرقعات المنتقشة، وكانوا
يأكلون ما تهيأ لهم من الحلالات والمستلذات غير محترزين من اللحم أو اللبن أو الفواكه وغير
ذلك وكل هذا بتربية النبي ◌ّر المربي الكامل المكمل الذي قال: ((أدبني ربي فأحسن تأديبي))(١)
كما أشار إليه رضي الله عنه بقوله: (اختارهم الله) أي من بين الخلائق (لصحبة نبيه) الذي كان
كالإكسير في كمال التأثير (ولإقامة دينه) فإنهم نقلة أقواله وحملة أحواله إلى من بعدهم، وأيضاً
جاهدوا حق الجهاد حتى فتحوا البلاد وأظهروا الدين للعباد مع اشتغالهم بأحوال المعاش
والمعاد جزاهم الله عن المسلمين خير الجزاء في يوم التناد. (فاعرفوا لهم فضلهم) أي على
غيرهم وإن كان بعضهم أفضل من بعض، أي زيادة قدرهم في كل شيء من العلم والعمل
والغزو والإنفاق ومزية الثواب وغيرها كما قال تعالى: ﴿لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح
وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا﴾ [الحديد - ١٠] (واتبعوهم) بتشديد
(١) عزاه السيوطي إلى ابن السمعاني في الجامع الصغير ٢٥/١ حديث رقم ٣١٠.

٣٩٩
كتاب الإيمان / باب الاعتصام بالكتاب والسنة
على آثارهم، وتمسّكوا بما استطعتم من أخلاقهم وسِيَرهم، فإنهم كانوا على الهُدى
المستقیم. رواه رزین.
١٩٤ - (٥٥) وعن جابر، أنَّ عمر بن الخطاب، رضي الله عنهما، أتى رسولَ الله وَل
بنُسخةٍ من الثَّوراة، فقال: يا رسولَ الله! هذه نسخةٌ من التوراة، فسكت، فجعل يقرأ ووَجهُ
رسول الله وَله يتغيَّر. فقال أبو بكر: ثكلتك الثواكلُ! ما ترى ما بوجه رسول الله وَلهم؟! فنظر
عمرُ إِلى وجه رسول الله وَ ل﴿ فقال: أعوذُ بالله من غضب الله وغضب رسوله،
التاء، أي كونوا متبعين لهم حال كونكم ماشين (على أثرهم) بفتحهما وبكسر الهمزة وسكون
المثلثة، أي عقبهم في العلم والعمل فإنهم اتبعوا أثر النبي وَّلقر على ما شاهدوا من الأقوال
والأحوال والأفعال، ولذا قال ◌َلير: ((أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم)) (وتمسكوا) أي
خذوا واعملوا (بما استطعتم) وفيه إشارة إلى عجز المتأخرين عن المتابعة الكاملة، لكن ما لا
يدرك كله لا يترك كله، والمحبة على قدر المتابعة كما أن المتابعة على قدر المحبة قال تعالى:
﴿قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله﴾ [آل عمران - ٣١] (من أخلاقهم) الحميدة
(وسيرهم) السعيدة (فإنهم كانوا على الهدى المستقيم))) لأنهم كانوا أتباع الرسول الكريم في
الدين القويم. قال الطيبي: في قوله: ((فاعرفوا لهم) قد أجمل ههنا، ثم فصل بقوله: ((فضلهم))
كما في قوله تعالى: ﴿رب اشرح لي صدري﴾ [طه - ٢٥] والمراد من العرفان ما يلازمه من
متابعتهم ومحبتهم والتخلق بأخلاقهم فإن قوله: ((فضلهم)) كما في قوله تعالى:
(واتبعوهم) عطف على اعرفوا على سبيل البيان، وقوله: ((على أثرهم)) حال مؤكدة من فاعل
((اتبعوا)) نحو قوله تعالى: ﴿ثم وليتم مدبرين﴾ [التوبة - ٢٥] ويجوز أن يكون من المفعول.
اهـ. وخطر بالبال والله أعلم بالحال أن هذا من ابن مسعود رضي الله عنه شهادة على حقية
الأصحاب المتقدمين رداً على الرافضة والملحدين (رواه رزين).
١٩٤ - (وعن جابر أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أتى رسول الله وَلقر بنسخة) بضم
النون، أي بشيء نسخ ونقل (من التوراة فقال: يا رسول الله هذه نسخة من التوراة) أي فهل
تأذن لنا أن نطالع فيها لنطلع على ما فيها من أخبار الأمم وشرائع موسى عليه الصلاة والسلام
(فسكت) من كمال حلمه وغاية لينه ورحمته (فجعل) أي شرع عمر (يقرأ) تلك النسخة ظناً أن
السكوت علامة الرضا والاذن (ووجه رسول الله وَ هل يتغير) من أثر الغضب (فقال أبو بكر رضي
الله عنه) لعمر: ((ثكلتك) بكسر الكاف، أي فقدتك (الثواكل) أي من الأمهات والبنات
والأخوات، وأصله دعاء للموت لكن العرب تستعمله في محاوراتهم غير قاصدين به حقيقة
ذلك كتربت يمينه ورغم أنفه. (ما ترى) ما نافية بتقدير الاستفهام (ما بوجه رسول الله وَ لي) ما
هذه موصولة، أو موصوفة (فنظر عمر إلى وجه رسول الله وَلي) فعرف آثار الغضب فيه (فقال:
أعوذ بالله من غضب الله وغضب رسوله) غضب الله توطئة لذكر غضب رسوله إيذاناً بأن غضبه
الحديث رقم ١٩٤: أخرجه الدارمي ١٢٦/١ حديث رقم ٤٣٥.
٫٠٠.
٠١٥٤

٤٠٠
كتاب الإيمان / باب الاعتصام بالكتاب والسنّة
رَضينا بالله ربّاً، وبالإِسلام ديناً، وبمحمَّدٍ نبِياً. فقال رسولُ اللهِ وَّ: ((والذي نفسُ محمدٍ
بيده، لو بدا لكم موسى فاتبعتموهُ وتركتموني لضَللْتم عن سواءِ السَّبيل؛ ولو كان حَيّاً
وأدركَ نْبُوَّتي لاتْبَعَني)). رواه الدارمي.
١٩٥ - (٦٥) وعنه، قال: قال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((كلامي لا يَنسَخُ كلامَ الله، وكلامُ الله
ینسخُ كلامي،
غضبه كذا قاله الطيبي: وإيماء إلى أن التعوّذ إنما هو من غضب الله حقيقة، وإنما يتعوّذ من
غضب رسوله لأنه سبب لغضبه تعالى والله أعلم. (رضينا بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد نبياً)
قاله اعتذاراً عما صدر عنه وجمع الضمير إرشاد للسامعين كذا قاله الطيبي: أو إيماء إلى أني مع
الحاضرين في مقام الرضا طلباً للرضا واجتناباً عن الغضب. (فقال رسول الله وخطير: والذي نفس
محمد بيده) أي بقدرته وإرادته (لو بدا) بالألف دون الهمزة، أي ظهر (لكم موسى) على
الفرض والتقدير (فاتبعتموه وتركتموني) لم يقتصر على الاتباع لأنه بمجرده لا محذور فيه وإنما
المحذور في اتباع يؤدي إلى الترك (لضللتم عن سواء السبيل) فكيف مع وجودي وعدم ظهور
موسى تتبعون كتابه المنسوخ وتتركون الأخذ مني (ولو كان) أي موسى كما في نسخة (حياً) أي
في الدنيا فإن الأنبياء أحياء عند ربهم (وأدرك نبوّتي) أي زمانها (لا تبعني))) لأن دينه صار
منسوخاً في زماني ولأخذ الميثاق منه ومن سائر الأنبياء على ذلك، كما قال تعالى: ﴿وإذ أخذ
الله میثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به
ولتنصرنه﴾ الآية [آل عمران - ٨١]. قيل: رسول عام فالتنوين للتنكير، وقيل: خاص وهو
محمد ◌ّله فالتنوين للتعظيم والله أعلم. وفي الحديث نهي بليغ عن العدول من الكتاب والسنة
إلى غيرهما من كتب الحكماء والفلاسفة (رواه الدارمي).
١٩٥ - (وعنه) أي عن جابر (قال: قال رسول الله وَلقر: ((كلامي لا ينسخ كلام الله) النسخ
لغة: التبديل، وشرعاً: بيان لانتهاء الحكم الشرعي المطلق.
ثم نسخ الكتاب بالسنة لا يجوز عند الثوري والشافعي وأحمد في رواية، وفي رواية
يجوز وهو مذهب أبي حنيفة ومالك. ومنه نسخ الوصية للوالدين والأقربين بقوله عليه الصلاة
والسلام: ((لا وصية لوارث))(١) وأجيب بأن الناسخ إنما هو آية الميراث وفيه بحث إذ الكلام في
الوصية لا في مقدار الموصى به ومن هذا القبيل قوله عليه الصلاة والسلام: ((نحن معاشر
الأنبياء لا نورث))(٢) (وكلام الله ينسخ كلامي) وهذا يؤيد مذهب أبي حنيفة في الجواز خلافاً
للشافعي، ومثاله نسخ التوجه إلى بيت المقدس، فإنه ويلو كان متوجهاً إلى الكعبة ثم تحوّل إلى
الحديث رقم ١٩٥: أخرجه الدارقطني في سننه ١٤٥/٤ ((النوادر)) حديث رقم ٩.
(١) أخرجه أبو داود ٣/ ٢٩٠ حديث ٢٨٧٠ والترمذي.
(٢) البخاري ٦/ ١٩٧ حديث رقم ٣٠٩٣. ومسلم بلفظ ((لا نورث ما تركناه صدقة)).