Indexed OCR Text
Pages 241-260
٢٤١ كتاب الإيمان / باب الإيمان بالقدر بخمسينَ ألفِ سنةٍ)) قال: ((وكان عرشُهُ على الماء)). رواه مسلم. ٨٠. (٢) وعن ابن عمر، قال: قال رسول الله وَّر: ((كُلُّ شيءٍ بِقَدَرِ حتى العَجْزُ والکیس)). فتعبيره بالمحو إنما هو من الترديد الواقع في اللوح إلى تحقيق الأمر المبرم المبهم الذي هو معلوم في أم الكتاب، أو محو أحد الشقين الذي ليس في علمه تعالى فتأمل فإنه دقيق وبالتحقيق حقيق. (وقوله بخمسين ألف سنة) معناه طول الأمد ما بين التقدير والخلق من المدد، أو تقديره ببرهة من الدهر الذي يوم منه كألف سنة مما تعدون وهو الزمان، أو من الزمان نفسه، فإن قلت: كيف يحمل على الزمان ولم يخلق الزمان ولا ما يتحدد به من الأيام والشهور والسنين؟ قلت: يحمل الزمان حينئذ على مقدار حركة الفلك الأعظم الذي هو العرش وهو موجود حينئذ بدليل أنه (قال) أي النبي وَلّ (وعرشه على الماء) وفي المصابيح: ((وكان عرشه على الماء)) يعني كان عرش الله قبل أن يخلق السموات والأرض على وجه الماء، والماء على متن الريح، والريح على القدرة؛ وهذا يدل على أن العرش والماء كانا مخلوقين قبل خلقهما، وقيل: ذلك الماء هو القلم، وقيل: فيه دليل لمن زعم أن أول ما خلق الله في العالم الماء وإنما أوجد سائر الأجسام منه تارة بالتلطيف وتارة بالتكثيف. قال ابن حجر: اختلفت الروايات في أول المخلوقات وحاصلها كما بينتها في شرح شمائل الترمذي أن أولها النور الذي خلق منه عليه الصلاة والسلام. ثم الماء ثم العرش. (رواه مسلم). ٨٠ - (وعن ابن عمر) [رضي الله عنهما] (قال: قال رسول الله (وَلاير: كل شيء بقدر) بفتح الدال، أي بمقدار مرتب مكتوب في اللوح المحفوظ قبل أن يوجد في الخارج على حسب ما اقتضته الحكمة (حتى العجز والكيس))) بفتح الكاف، رُوي برفعهما عطفاً على كل، أو على أنه مبتدأ حذف خبره أي حتى العجز والكيس كذلك أي كائنان بقدر الله تعالى، وبجرهما عطفاً على شيء، قيل: والأوجه أن يكون حتى هنا جارة بمعنى إلى، لأن معنى الحديث يقتضي الغاية، لأنه أراد بذلك أن اكتساب العباد وأفعالهم كلها بتقدير خالقهم حتى الكيس الذي يتوسل صاحبه به إلى البغية، والعجز الذي يتأخر به عنها. وقيل: المراد من العجز هنا عدم القدرة، أو ترك ما يجب فعله والتسويف به والتأخير عن وقته، أو العجز عن الطاعة، والكيس ضد العجز وهو النشاط والحذق بالأمور ومعناه: أن العاجز قد قدر عجزه والكيس قد قدر كيسه، وقيل: الكيس هو كمال العقل وشدة معرفة الأمور وتمييز ما فيه النفع مما فيه الضر والعجز مقابله، قوبل الكيس بالعجز على المعنى لأن المقابل الحقيقي للكيس البلادة وللعجز القوّة، وفائدة هذا الأسلوب تقييد كل من اللفظين بما يقابل الآخر كأنه قيل: حتى الكيس والقوّة والعجز والبلادة من قدر الله تعالى، فهو رد على من أثبت القدرة والاختيار للعباد لأن الحديث رقم ٨٠: أخرجه مسلم في صحيحه ٢٠٤٥/٤ حديث ١٨. وأخرجه الإمام مالك في الموطأ ٢/ ٨٩٩ كتاب القدر حديث رقم ٤. وأحمد في مسنده ١١٠/٢. * คิดที่ซี่ ٢٤٢ كتاب الإيمان / باب الإيمان بالقدر رواه مسلم. ٨١. (٣) وعن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله وَّهِ: ((احتجَّ آدمُ وموسى عند ربّهما، فحجَّ آدمُ موسى؛ قال موسى: أنت آدمُ الذي خلقك الله بيده، ونفخَ فیك من روحه، مصدر الفعل الداعية ومنشؤها القلب الموصوف بالكياسة والبلادة، ثم القوّة والضعف ومكانها الأعضاء والجوارح. وإذا كان الكل بقضاء الله وقدره فأي شيء يخرج منهما، وقال التورشتي: الكيس جودة القريحة وإنما قوبل بالعجز لأنه الخصلة التي تفضي بصاحبها إلى الجلادة وإتيان الأمور من أبوابها وذلك نقيض العجز. والعجز هنا عدم القدرة، وقال المظهر: يعني أن من كان عاجزاً وضعيفاً في الجثة، أو الرأي والتمييز، أو ناقص الخلقة لا تعيره، فإن ذلك بتقدير الله تعالى وخلقه إياه على هذه الصفة، ومن كان كامل العقل بصيراً بالأمور تام الجثة فهو أيضاً بتقدير الله تعالى وليس ذلك بقوّته وقدرته فإنه لا حول ولا قوّة إلا بالله. قيل: الوجه ما ذكره التوربشتي. (رواه مسلم) وكذا أحمد. ٠٠٠٠٠٠ ٨١ - (وعن أبي هريرة) [رضي الله عنه] (قال: قال رسول الله وَليقول: ((احتج) أي تحاج (آدم وموسى) أي طلب كل منهما الحجة من صاحبه على ما يقول، قيل: هذه المحاجة كانت روحانية في عالم الغيب ويؤيده قوله (عند ربهما) أي عند تجليه تعالى عليهما حال تفاوضهما، ويجوز أن تكون جسمانية بأن أحياهما، أو أحيا آدم في حياة موسى واجتمعا في حضائر القدس كما ثبت في حديث الإسراء أنه عليه الصلاة والسلام اجتمع مع الأنبياء، أو لأن الأنبياء أحياء في قبورهم يصلون(١). (فحج آدم موسى) أي غلبه في الحجة بأن ألزمه بأنه لم يكن مستقلاً فيما صدر عنه متمكناً من تركه، بل كان أمراً مقضياً فاللوم بعد زوال التكليف والتوبة والعفو عنه لا سيما ممن شاهد سر الله من وراء الأستار في القدر المحتوم مما لا يحسن عقلاً، وأما ما ترتب عليه شرعاً من الحدود والتعزير فحسنه من الشارع لا يتوقف على غرض وإن كان فيه فائدة (قال موسى:) الخ جملة مبينة لمعنى ما قبلها (أنت آدم الذي خلقك الله بيده) أي قدرته خصه بالذكر إكراماً وتشريفاً له وأنه خلق إبداعاً من غير واسطة أب وأم، والقياس خلقه ليعود الضمير على الموصول حتى يصح وقوع الجملة صلة، فالتفت تلذذاً بخطاب الأب الحائز لهذا الشرف الأكبر كذا قيل، والأظهر أنه لغة كقول عليّ رضي الله عنه: * أنا الذي سمتني أمي حيدرة * (ونفخ فيك من روحه) الإِضافة للتشريف والتخصيص، أي من الروح الذي هو مخلوق الحديث رقم ٨١: أخرجه البخاري في صحيحه بشيء من الاختصار ٥٠٥/١١ حديث رقم ٦٦١٤. وأخرجه مسلم في صحيحه ٢٠٤٣/٤ حديث ١٥. وأخرجه أبو داود مختصراً ٧٦/٥ حديث ٤٧٠١. والترمذي ٣٨٦/٤ حديث رقم ٢١٣٤. وابن ماجة في مقدمته ٣١/١ حديث رقم ٨٠. (١) الديلمي في مسند الفردوس: ٢٤٣ كتاب الإيمان / باب الإيمان بالقدر وأسجَدَ لك ملائكتّهُ، وأسكنَكَ في جَنّتِهِ، ثم أهبطتَ الناس بخطيئَتِكَ إلى الأرضِ؟ قال آدم: أنت موسى الذي اصطفاكَ اللَّهُ برسالتِهِ وبكلامِهِ، وأعطاك الألواحَ فيها تِبيانُ كلّ شيءٍ، وقرَّبكَ نجيّاً، فَبِكُمْ وجدتَ الله كتب التوراة ولا يد لأحد فيه، ولا يخفى ما في الحديث من الإشارة إلى ما في القرآن: (وأسجد لك ملائكته) أي أمرهم أن يسجدوا لك، أو إليك تعظيماً. قال ابن عباس: كان سجودهم له انحناء لآخر وراً على الذقن. وقال ابن مسعود: أُمروا بأن يأتموا به فسجد وسجدوا لله، فالتقدير: أمرهم بأن يسجدوا لله لأجل سجودك إياه، أو اللام للتوقيت. وقال أبي بن كعب: خضعوا له وأقروا بفضله فالسجدة لغوية بمعنى الانقياد. (وأسكنك) أي جعلك ساكناً، أو جعل لك سكنى (في جنته) الخاصة به، وفيه رد لفظاً ومعنى على المعتزلة حيث قالوا: في بستان من بساتين الدنيا (ثم أهبطت الناس بخطيئتك) أي التي صدرت منك غير لائقة بعلو مقامك وهي أكلك من الشجرة وإن كان نسياناً أو خطأ في الاجتهاد لأن الكمل يعاتبون ويؤاخذون بما لا يؤاخذ به غيرهم، فإن حسنات الأبرار سيئات المقربين، أي صرت سبباً لإهباطهم وإنزالهم وإسقاطهم فإنهم وإن لم يكونوا موجودين لكنهم كانوا على شرف الوجود فكأنه جعلهم مهبطين منها. (إلى الأرض) متعلق بأهبطت، يعني أن الله تعالى أنعم عليك بهذه النعم الجليلة وأنت عصيته بأكل الشجرة حتى أخرجت من الجنة بسببها وبقي أولادك في دار المشقة والبلوى والابتلاء من الله تعالى بالفقر والمرض وغير ذلك، ولو استمروا في الجنة لم يحصل لهم شيء من ذلك بل كانوا في غاية من النعيم الذي لا نعيم فوقه، وليس في هذا ما يخل بالأدب مع الأب لأن مقام الاحتجاج يسامح فيه بمثل ذلك. (قال آدم: أنت موسى الذي اصطفاك) أي اختارك (الله برسالاته) بالجمع لإرادة الأنواع، أو بالإِفراد لإرادة الجنس كما قرىء بالوجهين في قوله تعالى: ﴿يا موسى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي﴾ [الأعراف - ١٤٤] والجمهور على الجمع وليس فيه ما ينفي رسالة آدم لأن كلا ذكر ما هو الأشرف من صفات صاحبه، وتخصيص الشيء بالذكر لا ينفي ما عداه مع أنه يمكن أن يكون المراد اصطفاه بالجمع بين الرسالة والتكليم، واختص بذلك لأنه لم يسمع كلام الله القديم أحد في الأرض غيره، وفيه تلميح إلى قوله تعالى: ﴿وكلم الله موسى تكليماً﴾ [النساء - ١٦٤] (وبكلامه) أي بتكليمه إياك (وأعطاك الألواح) وهي ألواح التوراة (فيها تبيان كل شيء) أي بيانه على وجه المبالغة، لأن زيادة الحرف تدل على زيادة المعنى، والجملة استئنافية مبينة أو صفة، أي الألواح التي فيها إظهار كل شيء مما يحتاج إليه في أمر الدين من الإخبار بالغيوب والقصص والمواعظ والعقائد والحلال والحرام والحدود والأحكام وغير ذلك، وهذا مستمد من قوله تعالى: ﴿وكتبنا له في الألواح من كل شيء موعظة وتفصيلاً لكل شيء﴾ [الأعراف - ١٤٥] (وقربك نجياً) النجيّ المناجي يستوي فيه الواحد والجمع، وهو من يجري بينك وبينه كلام في السر، أي وكلمك الله من غير واسطة ملك، أو المعنى وخصك بالنجوى كما قال تعالى: ﴿وناديناه من جانب الطور الأيمن وقربناه نجياً﴾ [مريم - ٥٢] حال من الفاعل أو المفعول. (فبكم) مميزه محذوف، أي فبكم زماناً، أو فبأي زمان (وجدت الله) أي علمته، أو صادفت حكمه (كتب التوراة) أي أمر بكتب ٢٤٤ كتاب الإيمان / باب الإيمان بالقدر قبل أن أُخلق؟ قال موسى: بأربعين عاماً. قال آدم: فهل وجدتَ فيها ﴿وعصى آدَمُ ربَّهُ فغوى﴾؟ قال: نعم. قال: أفتلومُني على أن عملتُ عملاً كتبه اللَّهُ عليَّ أن أعمَله قبل أن يخلُقَنِي بأربعين سنة؟)) قال رسول الله وَّ: ((فحجَّ آدمُ موسى)). التوراة في الألواح لما سبق أن ما في اللوح المحفوظ كتب قبل ذلك بخمسين ألف سنة (قبل أن أخلق؟) على صيغة المجهول (قال موسى: بأربعين عاماً) المراد منه التحديد، أو التكثير (قال آدم: فهل وجدت فيها) أي في التوراة وقرأت وعلمت مضمون قوله تعالى ﴿وعصى آدم ربه﴾ أي بمخالفة أمره ﴿فغوى﴾؟(١) أي فخرج بالعصيان من أن يكون راشداً في فعله، وليس المراد أن لفظه بهذا التركيب بل معناه بالعبرية. قال ابن حجر: وهذا منه في غاية التواضع لله وإذعان لما جاء عن الله وله تعالى أن يخاطب عبيده ويصفهم بما يشاء، إذ المعصية والغواية يطلقان على مطلق المخالفة ولو مع النسيان كما هنا فإن آدم لم يتعمد الأكل من الشجرة المنهي عنها، بل تأوّل أو نسي قال تعالى: ﴿ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي﴾ [طه - ١١٥] ومع ذلك وصفه ربه بأنه عصى وغوى إقامة لناموس الربوبية عليه لا ليتأسى به الناس في وصفه بذلك لعصمة الأنبياء من الكبائر والصغائر قبل النبوّة وبعدها فلم يوصف بذلك في غير القرآن لأنه يوهم العامة وقوع معصية منه عليه الصلاة والسلام. (قال:) أي موسى (نعم قال:) أي آدم (أفتلومني) أي أتجد في التوراة هذا فتلومني (على أن عملت عملاً كتبه الله عليّ) أي في الألواح (أن أعمله) بدل من ضمير كتبه المنصوب (قبل أن يخلقني بأربعين سنة؟) قال التوربشتي: ليس معنى قول آدم كتبه الله عليّ ألزمه إياي وأوجبه عليّ فلم يكن لي في تناول الشجرة كسب واختيار، وإنما المعنى إن الله تعالى أثبته في أم الكتاب قبل كوني وحكم بأنه كائن لا محالة فهل يمكن أن يصدر عني خلاف علم الله تعالى؟ فكيف تغفل عن العلم السابق وتذكر الكسب الذي هو السبب وتنسى الأصل الذي هو القدر وأنت ممن اصطفاك الله ومن المصطفين الذين يشاهدون سر الله من وراء الأستار؟ . واعلم أن هذه القصة تشتمل على معانٍ محرّرة لدعوى آدم عليه الصلاة والسلام مقررة لحجته؛ منها أن هذه المحاجة لم تكن في عالم الأسباب الذي لم يجوّز فيه قطع النظر عن الوسائط والاكتساب بل في عالم العلوي عند ملتقى الأرواح ومنها أن آدم عليه الصلاة والسلام احتج بذلك بعد اندفاع مواجب الكسب منه وارتفاع أحكام التكليف(٢) [عنه، ومنها أن اللائمة كانت بعد سقوط الذنب وموجب المغفرة، قيل: مذهب أهل الجبر إثبات التقدير الله تعالى ونفي القدرة] عن العبد أصلاً، والمعتزلة على خلافه. وكلاهما على شرف جرفٍ هارٍ والطريق المستقيم القصد بين الأمرين كما هو مذهب أهل السنة إذ لا يجوز إسقاط الأصل الذي هو القدر ولا إبطال الكسب الذي هو السبب. (قال رسول الله ويؤثر: فحج آدم موسى))) لامتناع رد علم الله في حقه حيث أخبر به عنه أنه إنما خلقه للأرض وأنه لا يتركه في الجنة بل إنه ينقله (١) وهي الآية ١٢١ من سورة طه. (٢) في المخطوطة القدرة. ٢٤٥ كتاب الإيمان / باب الإيمان بالقدر رواه مسلم. ٨٢. (٤) وعن ابن مسعود رضي الله عنه، قال: حدثنا رسول الله وَالر، وهو الصادق المصدوق: ((إِنَّ خلْقَ أحدِكُمْ يُجمعُ في بطن أمَّهِ أربعينَ يوماً منها إلى الأرض ليكون خليفته تعالى فيها، قال الطيبي: إعادته فذلكة للتفصيل تثبتاً للأنفس على هذا الاعتقاد، ويحتمل أن يقال: إن قوله: ((فحج)) أوّلاً تحرير للدعوى، وثانياً إثبات لها، فالفاء في الأول للعطف وفي الأخير للنتيجة. اهـ. وهما متغايران في المعنى (رواه مسلم). ٨٢ - (وعن ابن مسعود) [رضي الله عنه] (قال: حدثنا رسول الله وَ ل﴾ وهو الصادق المصدوق) الأولى أن تجعل هذه الجملة اعتراضية لا حالية لتعم الأحوال كلها، وأن يكون من عادته ذلك فما أحسن موقعه ههنا، ومعناه الصادق في جميع أفعاله حتى قبل النبوّة لما كان مشهوراً فيما بينهم بمحمد الأمين المصدوق في جميع ما أتاه من الوحي الكريم صدقه زيد راست كفت باوزيد قال النبي ◌َّ﴿ في أبي العاص بن الربيع: ((فصدقني)) وقال في حديث أبي هريرة: ((صدقك وهو كذوب))(١)، وقال علي رضي الله عنه للنبي وَّر في حديث الإفك: ((سل الجارية تصدقك))(٢) ونظائره كثيرة. كذا قال السيد جمال الدين، وفيه رد على ما قيل إن الجمع بينهما تأكيد إذ يلزم من أحدهما الآخر اللهم إلا أن يخص به (إن خلق أحدكم) بكسر الهمزة فتكون من جملة التحديث. ويجوز فتحها أي مادة خلق أحدكم، أو ما يخلق منه أحدكم (يجمع في بطن أمه) أي يقرر ويحرز في رحمها، وقال في النهاية: ويجوز أن يريد بالجمع مكث النطفة في الرحم (أربعين يوماً) يتخمر فيها حتى يتهيأ للخلق، قال الطيبي: وقد روي عن ابن مسعود في تفسير هذا الحديث أن النطفة إذا وقعت في الرحم فأراد الله أن يخلق منها بشراً طارت في بشرة المرأة تحت كل ظفر وشعر، ثم تمكث أربعين ليلة ثم تنزل دماً في الرحم فذلك جمعها، والصحابة أعلم الناس بتفسير ما سمعوه وأحقهم بتأويله وأكثرهم احتياطاً فليس لمن بعدهم أن يرد عليهم. قال ابن حجر: والحديث رواه ابن أبي حاتم وغيره، وصح تفسير الجمع بمعنى آخر وهو ما تضمنه قوله عليه الصلاة والسلام: ((إن الله تعالى إذا أراد خلق عبد فجامع الرجل المرأة طار ماؤه في كل عرق وعضو منها، فإذا كان يوم السابع جمعه الله ثم أحضره كل عرق له دون آدم في أي صورة ما شاء ركبك)»، ويشهد لهذا المعنى قوله عليه الصلاة والسلام: لمن قال له: ولدت امرأتي غلاماً أسود ((لعله نزعه عرق))(٣). وأصل النطفة الماء القليل سُمي بها المني لقلته، وقيل: لنطافته أي سيلانه لأنه ينطف نطفاً أي يسيل، قال ١ الحديث رقم ٨٢: أخرجه البخاري في صحيحه ٣٠٣/٦ حديث رقم ٣٢٠٨. ومسلم في صحيحه ٤/ ٢٠٣٦ حدیث ١ وأخرجه أبو داود في سننه ٨٢/٥ حديث رقم ٤٧٠٨. وأخرجه الترمذي ٣٨٨/٤ حديث رقم ٢١٣٧ وابن ماجة في مقدمة سننه ٢٩/١ حديث رقم ٧٦. (١) البخاري ٣٣٥/٦ حديث رقم ٣٢٧٥. (٢) البخاري ٧/ ٤٣١ حديث ٤١٤١. (٣) البخاري ٢٩٦/١٣ حديث ٧٣١٤ ومسلم. عربية عد بزيجاء ٦٠٥٤ ١١٣٦٠٦٠٢٠١٦٠٣٠ ٨٧،ٹ ٢٤٦ كتاب الإيمان / باب الإيمان بالقدر نطفةً، ثمَّ يكونُ علقةً مثلَ ذلك، ثمَّ يكونُ مُضْغَةً مثلَ ذلك، ثم يَبْعَثُ اللَّهُ إِليه ملكاً الصوفية [خصوصية] الأربعين لموافقته تخمير طينة آدم وميقات موسى، ثم إنه يعجن النطفة بتراب قبره كما ورد في تفسير قوله تعالى: ﴿منها خلقناكم﴾ [طه - ٥٥] أن الملك يأخذ من تراب مدفنه فيبددها على النطفة، ولكونه سلالة من الطين [جاء] مختلف الألوان والأخلاق حسب اختلاف أجزاء الطين، بل بحسب اختلاف المركبات من الطين فيه حرص النملة والفأرة وشهوة العصفور وغضب الفهد وكبر النمر وبخل الكلب وشره الخنزير وحقد الحية وغير ذلك من ذمائم الصفات، وفيه شجاعة الأسد وسخاوة الديك وقناعة البوم وحلم الجمل وتواضع الهرة ووفاء الكلب وبكور الغراب وهمة البازي ونحوها من محاسن الأخلاق. (نطفة) حال من فاعل يجمع (ثم يكون) أي خلق أحدكم (علقة) أي دماً غليظاً جامداً، قال ابن حجر: أي ثم عقب هذه الأربعين يكون في ذلك المحل الذي اجتمعت فيه النطفة علقة، والأظهر أن قوله: (يكون)) بمعنى يصير، والضمير إلى ما جمع في [بطن] أمه نطفة، وقيل: يصير خلقه علقة لأنها إذ ذاك تعلق بالرحم. اهـ. وفيه أنه يلزم منه أن الصيرورة في أربعين وليس كذلك فالظاهر أن يقدر ويبقى أو يمكث (مثل ذلك) إشارة إلى محذوف، أي مثل ذلك الزمان يعني أربعين يوماً. (ثم يكون مضغة) أي قطعة لحم قدر ما يمضغ (مثل ذلك) ويظهر التصوير في هذه الأربعين، قال المظهر: في هذا التحويل مع قدرته على خلقه في لمحة فوائد وعبر؛ منها أنه لو خلقه دفعة لشق على الأم لعدم اعتيادها وربما تظن علة فجعل أوّلاً نطفة لتعتاد بها مدة وهكذا إلى الولادة، ومنها إظهار قدرته ونعمته ليعبدوه ويشكروه حيث قلبهم من تلك الأطوار إلى كونهم إنساناً حسن الصورة متحلياً بالعقل والشهامة، ومنها إرشاد الناس وتنبيههم على كمال قدرته على الحشر لأن من قدر على خلق الإنسان من ماء مهين ثم من علقة ثم من مضغة مهيأة لنفخ الروح فيه [يقدر على حشره ونفح الروح فيه]، قلت: ومنها بل أظهرها اظهرها لتعليم العباد في تدريج الأمور وعدم تعجيلهم فيها، فإنه تعالى مع كمال قدرته وقوّته على خلقه دفعة حيث خلقه مدرجاً فإن الإنسان أولى به التأني في فعله كما قالوا مثل هذا (١) في قوله تعالى: ﴿إن ربكم الله الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام﴾ [الأعراف - ٥٤] فحصلت المطابقة والمناسبة والموافقة بين الآيات الآفاقية والدلالات الأنفسية، قال تعالى: ﴿سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق﴾ [فصلت - ٥٣] ومنها تنبيههم وتفهيمهم أصلهم وفرعهم فلا يغتروا بقوّة أبدانهم وأعضائهم وحواسهم ويعرفوا أنها كلها عطايا وهدايا بل على وجه العارية موجودة عندهم لينظروا في مبدئهم كما قال تعالى: ﴿فلينظر الإنسان مم خلق﴾ [الطارق - ٥] وفي الحديث: ((من عرف نفسه فقد عرف ربه)) (ثم يبعث الله إليه) أي إلى خلق أحدكم، أو إلى أحدكم يعني في الطور الرابع حين ما يتكامل بنيانه ويتشكل أعضاؤه (ملكاً) وفي الأربعين: ((ثم يرسل إليه الملك)»، والمراد بالإرسال أمره بها والتصرف فيها لأنه ثبت في الصحيحين: أنه موكل بالرحم حين كان نطفة أو (٢)، ذاك ملك آخر غير ملك الحفظ فإن قلت (١) في المخطوطة ((ذلك)). (٢) في المخطوطة ((إذ)). ٢٤٧ كتاب الإيمان / باب الإيمان بالقدر بأربعِ كلماتٍ: فيكتُبُ عملَهُ، وأجلَهُ ورزقَهُ، وشقيٍّ أو سعيد، قد ورد في صحيح مسلم برواية حذيفة ابن أسيد خلاف ابن مسعود كما في المشارق: أنه إذا مر بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة بعث الله ملكاً فصوّرها وخلق سمعها وبصرها وجلدها وعظامها، ثم يقول: يا رب أذكر أم أنثى؟ فيقضي ربك ما شاء، ثم يكتب أجله ورزقه. فعلم منه أن التصوير بعد الأربعين الأولى وهو مناف لهذه الرواية، فجوابه أن لتصرف الملك أوقاتاً أحدها حين يكون نطفة ثم ينقلب علقة وهو أوّل علم الملك بأنه ولد وذلك عقيب الأربعين الأولى وحينئذ يبعث إليه ربه يكتب رزقه وأجله وعمله وخلقته وصورته، ثم يتصرف فيه بتصويره وخلق أعضائه وذلك في الأربعين الثالثة، ثم ينفخ فيه الروح؛ فالمراد بتصويرها بعده أنه يكتب ذلك ثم يفعله في وقت آخر لأن التصوير الأوّل بعد الأربعين الأولى غير موجود عادة كذا في شرح مسلم، ولا يخفى ما فيه. وقد استفاض بين النساء أن النطفة إذا قدرت ذكراً تتصوّر بعد الأربعين الأولى بحيث يشاهد منه كل شيء حتى السوأة فتحمل رواية ابن مسعود على البنات أو الغالب (بأربع كلمات) أي بكتابتها، وكل قضية تسمى كلمة قولاً كان أو فعلاً (فيكتب عمله) من الخير والشر (وأجله) مدة حياته، أو انتهاء عمره (ورزقه) يعني أنه قليل أو كثير وغيرهما مما ينتفع به حلالاً كان أو حراماً مأكولاً أو غيره فيعين له وينقش فيه بعد أن كانت مكتوبة في اللوح المحفوظ ما يليق به من الأعمال والأعمار والأرزاق حسب ما اقتضته حكمته وسبقت كلمته؛ فمن وجده مستعداً لقبول الحق وأتباعه ورآه أهلاً للخير وأسباب الصلاح متوجهاً إليه أثبته في عداد السعداء، ومن وجده متجافياً قاسي القلب متأبياً عن الحق أثبته في ديوان الأشقياء وكتب ما يتوقع منه من الشرور والمعاصي، هذا إذا لم يعلم من حاله ما يقتضي تغير ذلك وإن علم من ذلك شيئاً كتب له أوائل أمره وأواخره وحكم عليه حسب ما يتم به عمله فإن ملاك العمل خواتيمه وهو الذي يسبق إليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة والنار، وقيل: المراد بكتبه هذه الأشياء إظهاره للملك وإلا فقضاؤه سابق على ذلك، قال مجاهد: يكتب هذه الكلمات في ورقة وتعلق في عنقه بحيث لا يراها الناس، قال تعالى: ﴿وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه﴾ [الإسراء - ١٣] قال أهل المعاني: أراد بالطائر ما قضى عليه أنه عامله وهو صائر إليه من سعادة أو شقاوة، وخص العنق لأنه موضع القلادة والأطواق. قلت: وهو كناية عن الذمة فكأن هذه الأشياء في ذمته أن يفعلها ولا يقدر أن ينفك عنها، وقيل: يؤمر بكتابة الأحكام المقدرة له على جبهته أو بطن كفه. واعلم أن الكتابة التي في أم الكتاب تعم الأشياء كلها وهذا ما يخص به كل إنسان، إذ لكل كتابة سابقة وهي ما في اللوح، ولاحقة تكتب ليلة القدر، ومتوسطة أشير إليها في الحديث، وفي أصل الأربعين: ((يكتب رزقه وأجله وعمله وسقي أو سعيد))، وهو بدل كل من قوله: ((أربع)) إذ المضاف مقدر فيه، ويُروى يكتب على الاستئناف. (وشقي) خبره مبتدأ محذوف، أي يكتب هو شقي (أو سعيد) قيل: كان من حق الظاهر أن يقال: ويكتب سعادته وشقاوته فعدل إما حكاية لصورة ما يكتبه الملك لأنه يكتب أشقي أو سعيد؟ ١٠٤٦٠ ٢٤٨ aTe كتاب الإيمان / باب الإيمان بالقدر ثم يُنفَخُ فيهِ الروحُ، فوالذي لا إِله غيره إِن أحدكم ليعمَلُ بعمل أهلِ الجنَّة حتى ما يكون بينه وبينها إِلا ذراعٌ، فيسبِقُ عليه الكتابُ، و(١) التقدير: أنه شقي أو سعيد فعدل لأن الكلام مسوق إليهما، والتفصيل وهو قوله: ((فوالذي)) الخ وارد عليهما. [والسعادة معاونة الأمور الإلهية للإنسان على نيل الخيرات، وتضادها الشقاوة وهي إما قلبية، أو بدنية، أو ما حول البدن؛ فالقلبية هي المعارف، والحكم والكمالات العلمية والعملية القلبية والخلقية والبدنية الصحة والقوّة واللذات الجسمانية، وما حول البدن من الأموال والأسباب. وقدم الشقاوة ليعلم أن الشر كالخير من عند الله، وتقديره رداً على الثنوية المثبتين شريكاً فاعلاً للشر لأنهم طلبوا الحكمة في أفعال الله فقالوا: مدبر العالم لو كان واحداً لم يخص هذا بأنواع الخيرات والصحة والغنى وذلك بأصناف الشرور، فرد عليهم الرب بقوله: ﴿لا يسئل عما يفعل﴾ وما أحسن قول الشاعر: كم من أديب فهم قلبه * مستكمل العقل مقل عديم وكم جهول مكثر ماله * ذلك تقدير العزيز العليم /٣٠/٣/١١/١٢ وتحقيق هذا المقام أن يقال: إن لله صفتي لطف وقهر، والحكمة تقتضي أن يكون الملك سيما ملك الملوك كذلك إذ كل منهما من أوصاف الكمال ولا يقوم أحدهما مقام الآخر، ولا يتحقق كل منهما إلا بوجود الآخر كما لا تتبين اللذة إلا بالألم وبضدها تتبين الأشياء ولا بد لكل منهما من مظهر فالسعداء وأعمالهم مظاهر اللطف وفائدة بعثة الأنبياء والكتب ترجع إليهم: ﴿إنما أنت منذر من يخشاها﴾ [النازعات - ٤٥] كما أن فائدة نور الشمس لأهل البصر، والأشقياء وأفعالهم مظاهر القهر، وفائدة البعثة لهم إلزام الحجة لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل وهي في الحقيقة نعي عليهم بالشقاوة] (ثم ينفخ) على البناء للمجهول، وقيل: إنه معلوم (فيه الروح) بالوجهين أي ثم بعد هذا البعث لا قبله وعكس ذلك الواقع في رواية البيهقي المراد به ترتيب الأخبار فقط، على أن رواية الشيخين مقدمة على غيرها كذا ذكره ابن حجر، لكن وقع في الأربعين النووية بلفظ: ((فينفخ فيه الروح ويؤمر» الخ ونسب إلى الشيخين فتأمل فلعلهما روايتان والله أعلم. (فوالذي لا إله غيره) القسم لإفادة التحقيق وتأكيد التصديق وليعلم في أمر القضاء إن الكسب لا مدخل له في الحقيقة أي إذا كان الشقاوة والسعادة مكتوبة (إن أحدكم) ولفظ المصابيح: ((فإن الرجل)) أي الشخص (ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون) في الموضعين بالرفع لا لأن ما النافية كافة عن العمل بل لأن المعنى على حكاية حال الرجل لا الإخبار عن المستقبل كذا قاله السيد جمال الدين. وقال المظهر: حتى هي الناصبة وما نافية ولفظة ((يكون) منصوبة بحتى وما غير مانعة لها من العمل. وقال ابن الملك: الأوجه أنها عاطفة ويكون بالرفع عطف على ما قبله. (بينه وبينها) أي بين الرجل وبين الجنة (إلا ذراع) تمثيل لغاية قربها (فيسبق عليه الكتاب) ضمن معنى يغلب، ولذا عدي بعلى وإلا فهو متعد (١) في المخطوطة ((أو). ٤٠٠٠ ٢٤٩ كتاب الإيمان / باب الإيمان بالقدر فيعملُ بعملِ أهلِ النار فيدخلُها. وإِنَّ أحدكم ليعمل بعمل أهل النَّارِ حتى ما يكونُ بينَهُ وبينها إِلا ذراعٌ، فيسبِقُ عليه الكتابُ، فيعملُ بعملٍ أَهل الجنَّةِ فيدخلها)). متفق عليه. ٨٣.(٥) وعن سهل بن سعد بنفسه، أي يغلب عليه كتاب الشقاوة، والتعريف للعهد، والكتاب بمعنى المكتوب أي المقدر أو التقدير أي التقدير الأزلي. والفاء للتعقيب يدل على حصول السبق بلا مهلة (فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها) فيه إشارة إلى أن دخول النار لا يكون بمجرد تعلق العلم الإلهي بل لا بد من ظهور العمل المخلوقي فلا يكون جبراً محضاً ولا قدراً بحتاً وهذا مما سنح لي، وقيل [لأن بذر الشقاوة والسعادة قد اختفى في الأطوار الإنسانية لا يبرز إلا إذا انتهى إلى الغاية الإيمانية، أو الطغيانية] والله أعلم (وإن أحدكم) أي الآخر (ليعمل بعمل أهل النار) من الكفر والمعاصي (حتى ما يكون) بالوجهين (بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب) قيل: فيه دلالة ظاهرة على أن الأعمال أمارات لا موجبات، وإن مصيرها إلى ما جرى به المقادير في البداية. (فيعمل بعمل أهل الجنة) بأن يستغفر ويتوب (فيدخلها) أقول في الحديث تنبيه على أن السالك ينبغي أن لا يغتر بأعماله الحسنة ويجتنب العجب والتكبر والأخلاق السيئة ويكون بين الخوف والرجاء ومسلماً بالرضا تحت حكم القضاء، وكذا إذا صدرت منه الأعمال السيئة فلا ييأس من روح الله تعالى الطيبة فإنها إذ أبدت عين العناية ألحقت الآخرة بالسابقة، وكذا الحال بالنسبة إلى الغير في الأعمال فلا يحكم لأحد بأنه من أهل الجنة والدرجات وإن عمل ما عمل من الطاعات، أو ظهر عليه من خِوارق العادات، ولا يجزم في حق أحد بأنه من أهل النار والعقوبات ولو صدر منه جميع السيئات والمظالم والتبعات، فإن العبرة بخواتيم الحالات ولا يطلع عليها غير عالم الغيب والشهادات [ثم اعلم أن ما يجري في العالم من الإيمان والكفر والسعادة والشقاوة ومن الكليات والجزئيات بتقدير الله وإيجاده، إذ لا مؤثر في الوجود إلا الله المتعالي عن الشريك ذاتاً وصفةً وفعلاً، يفعل الله ما يشاء لا علة لفعله ولا معقب لحكمه، لا يسأل عما يفعل، ولا مجال للعقل في تحسين الأفعال وتقبيحها بل يحسن صدورها كلها عنه، والاستقلال للعبد في الأفعال والمدح والذم باعتبار المحلية لا باعتبار الفاعلية، كما يمدح الشيء بحسنه. والثواب والعقاب كسائر الأمور العادية؛ فإن الله أجرى عادته بأن يوجد الأسباب أوّلاً ثم يوجد المسببات عقيبها فكل منهما صادر عنه ابتداء. وأما البعثة والتكليف فلأن الله يجب اتصافه بالأمر والنهي والوعد والوعيد ولا بد لها من مظهر كما كان كذلك في جميع الصفات فكلف العباد بهما ورتب عليه الوعد والوعيد إظهاراً لمقتضى سلطنته كما قال: كنت كنزاً مخفياً فأردت أن أعرف فخلقت الخلق لأن أعرف] (متفق عليه). ٨٣ - (وعن سهل بن سعد) أي الساعدي الأنصاري، يُكنى أبا العباس، وكان اسمه حزناً الحديث رقم ٨٣: أخرجه البخاري من حديث طويل ٤٩٩/١١ حديث ٦٦٠٧. ورواه مسلم من غير «إنما الأعمال بخواتيمها» ١٠٦/١ حديث (١١٢٠١٧٩). ٢٥٠ كتاب الإيمان / باب الإيمان بالقدر رضي الله عنه، قال: قال رسول اللهِ وَّهِ: ((إِن العبد ليعملُ عملَ أَهلِ النارِ وإِنَّهُ من أَهلِ الجنّةِ، ويعملُ عملَ أهل الجنَّةِ وإِنَّهُ من أهلِ النَّارِ، وإِنَّما الأعمالُ بالخواتيم)). متفق عليه. ٨٤. (٦) وعن عائشةً، رضي الله عنها، قالت: دُعِيَ رسولُ الله ◌َّهَ إِلى جَنازةٍ صَبّي من الأنصارِ، فقلت: يا رسولَ اللَّهِ! طُوبَى لهذا، فسماه النبي ◌َ * سهلاً، ومات النبي ◌َّير وله خمس عشرة سنة، ومات سهل بالمدينة سنة إحدى وتسعين وهو آخر من مات بالمدينة من الصحابة، روى عنه ابنه العباس والزهري وأبو حازم. (رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَ له: ((إن العبد) أي عبد من عبيد الله (ليعمل عمل أهل النار) أي ظاهراً وصورة أو، أوّلاً، أو في نظر الخلق. (وإنه من أهل الجنة) أي باطناً، ومعنى، أو آخراً، أو في علم الله تعالى. والواو حالية وإن مكسورة بعدها. (ويعمل) أي عبد آخر (عمل(١) أهل الجنة وإنه من أهل النار وإنما الأعمال) أي اعتبارها (بالخواتيم))) أي بما يختم عليه أمر عملها، وهو تذييل لما قبله مشتمل على حاصله؛ فرب كافر متعند يسلم في آخر عمره ورب مسلم متعبد يكفر في غاية أمره، قيل: في هذا الحديث حث على مواظبة الطاعات ومحافظة الأوقات عن المعاصي والسيئات خوفاً من أن يكون ذلك آخر عمله، وفيه زجر عن العجب فإن العبد لا يدري ماذا يصيبه في العاقبة، وفيه أنه لا يجوز الشهادة لأحد(٢) بالجنة ولا بالنار، قيل: وفيه أيضاً أنه تعالى يتصرف في ملكه كيف يشاء وكل ذلك عدل وصواب ولا اعتراض بل لا نجاة إلا بالتسليم لقضاء الله تعالى وقدره. (متفق عليه). ٨٠٨٠٠ ٨٤ - (وعن عائشة [رضي الله عنها]) هي أم المؤمنين بنت أبي بكر الصديق، وأمها أم رومان بنت عامر بن عويمر خطبها النبي ◌َّه وتزوّجها بمكة في شهر شوال سنة عشر من النبوّة وقبل الهجرة بثلاث سنين، وقيل: غير ذلك، وأعرس بها بالمدينة في شوّال سنة اثنتين من الهجرة على رأس ثمانية عشرة شهراً ولها تسع سنين، وبقيت معه تسع سنين ومات عنها ولها ثماني عشرة سنة ولم يتزوّج(٣) بكراً غيرها. وكانت فقيهة عالمة فصيحة فاضلة كثيرة الحديث عن رسول الله وَالر عارفة بأيام العرب وأشعارها، روى عنها جماعة كثيرة من الصحابة والتابعين، وماتت بالمدينة سنة سبع وخمسين ليلة الثلاثاء لسبع عشرة خلت من رمضان، وأمرت أن تدفن ليلاً فدفنت بالبقيع وصلى عليها أبو هريرة وكان يومئذ خليفة مروان على المدينة في أيام معاوية، مروياتها ألف ومائتا حديث وعشرة أحاديث. (قالت: ((دُعي) مجهول (رسول الله ◌َر) أي للصلاة (إلى جنازة صبي) بفتح الجيم وتكسر (من الأنصار، فقلت: يا رسول الله طوبى لهذا) طوبى فعلى من طاب يطيب، قلبت الياء واواً وكسرت الباء كما في بيض (١) في المخطوطة ((بعمل)). (٢) في المخطوطة ((لا حد الشهادة)). الحديث رقم ٨٤: أخرجه مسلم في الصحيح ٤/ ٢٠٥٠ حديث وأخرجه النسائي في سننه ٥٧/٤ حديث رقم ١٩٤٧ وابن ماجة ٣٢/١ حديث رقم ٨٢. وأحمد في المسند ٢٠٨/٦. (٣) في المخطوطة بزوجها. ** ٥٨:٦٤, ٩:٣٩٠٠ ٢٥١ كتاب الإيمان / باب الإيمان بالقدر عُصفورٌ من عصافير الجنة، لم يعمل السوءَ ولم يُدكره. فقال: ((أو غير ذلك جمع أبيض إبقاءً للأصل. واختلفوا في معناه فقال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿طوبى لهم﴾ [الرعد - ٢٩] معناه فرح وقرة عين لهم، وقيل: الحسنى لهم، وقيل: خير وكرامة لهم، وقيل: اسم الجنة بالحبشية، وقيل: اسمها بالهندية، وقيل: اسم شجر في الجنة، وقيل: معناه أصيب خيراً على الكناية لأن إصابة الخير مستلزمة لطيب العيش ولأنه يقال في حق المصيب طوبى لك فاطلق اللازم على الملزوم، وقيل: طوبى تأنيث أطيب أي الراحة وطيب العيش حاصل لهذا الصبي (هو عصفور) أي طير صغير (من عصافير الجنة) أي هو مثلها من حيث إنه لا ذنب عليه وينزل في الجنة حيث يشاء، قال ابن الملك: شبهته بالعصفور كما هو صغير إما بالنسبة إلى ما هو أكبر منه من الطيور، وإما لكونه خالياً من الذنوب من عدم كونه مكلفاً. اهـ. والأظهر الثاني فهو تشبيه بليغ، وما قيل من أن هذا ليس من باب التشبيه لأنه لا عصفور في الجنة فممنوع لما ورد في الحديث: ((إن في الجنة طيراً كأمثال البخت تأتي الرجل فيصيب منها ثم تذهب كأن لم ينقص منها شيء))، وقد قال تعالى: ﴿ولحم طير مما يشتهون﴾ [الواقعة - ٢١] وأما ما ذكره ابن حجر من حديث: ((إن أرواح الشهداء في أجواف طيور خضر))(١)، وخبر: (نسمة المؤمن - أي روحه - طائر تعلق في شجر الجنة))(٢) فليس يصلح سنداً للمنع كما لا يخفى (لم يعمل السوء) بضم السين ويجوز فتحه، أي الذنب قال المظهر: أي لم يعمل ذنباً يتعلق بحقوق الله وأما حقوق العباد كإتلاف مال مسلم وقتل نفس فيؤخذ منه الغرم والدية وإذا سرق يؤخذ منه المال ولا تقطع يده لأنه من حقوق الله، قلت: لا تسمى هذه الأفعال منه ذنوباً فتأمل. (ولم يدركه) أي ولم يلحقه السوء فيكون تأكيداً، أو لم يدرك هو السوء أي وقته لموته، قيل: التكليف فضلاً(٣) عن عمله والتأسيس أولى ومع إفادة المبالغة أحرى. (فقال: أو غير ذلك؟) بفتح الواو وضم الراء وكسر الكاف هو الصحيح المشهور من الروايات، والتقدير: أتعتقدين ما قلت؟ والحق غير ذلك وهو عدم الجزم بكونه من أهل الجنة فالواو للحال، في الفائق: الهمزة للاستفهام، أي الإنكاري والواو عاطفة على محذوف وغير مرفوع بضمير تقديره، أو وقع هذا ويحتمل غير ذلك، قيل: ورُوي أو بسكون الواو التي لأحد الأمرين، أي الواقع هذا أو غير ذلك، وقيل: التقدير أو هو غير ذلك؟ ورُوي بنصب غير أي أو يكون غير ذلك؟ أو التقدير: أو غير ما قلت؟ وقيل: يجوز أن يكون أو بمعنى بل كقوله تعالى: ﴿مائة ألف أو يزيدون﴾ [الصافات - ١٤٧] أي بل غير ذلك محتمل، أو يحتمل غير ذلك وكأنه عليه الصلاة والسلام لم يرتض قولها لما فيه من الحكم بالجزم بتعيين إيمان أبوي الصبي أو أحدهما إذ هو تبع لهما، ومرجع معنى الاستفهام إلى هذا لأنه للإنكار للجزم وتقرير لعدم التعيين، قلت: وفيه دلالة على أن أولاد الكفار ليسوا من أهل الجنة بل إنهم من أهل النار كما يدل عليه (١) أخرجه مسلم في صحيحه ٣/ ١٥٠٢ حديث ١٨٨٧. (٢) ابن ماجة ١٤٢٨/٢ حديث ٤٢٧١ والنسائي. (٣) في المخطوطة فرضاً. ٢٥٢ ٠٫٧٢ ٢٫٠٠ راتحاد ٠٥٠٠٠ كتاب الإيمان / باب الإيمان بالقدر يا عائشة! إِن اللَّهَ خلقَ للجنَّةِ أهلاً، خلقهم لها وهم في أصلابِ آبائهِم، وخلقَ للنَّارِ أهلاً، خلقهم ولها وهم في أصلابٍ آبائهِم)). رواه مسلم. ٨٥.(٧) وعن علي، رضي الله عنه، قوله (يا عائشة إن الله خلق للجنة أهلاً) يدخلونها ويتنعمون بها (خلقهم لها) كرره لإناطة أمر زائد به وهو قوله (وهم في أصلاب آبائهم) والجملة حال اهتماماً قيل، ويحتمل أن يراد به خلق الذر في ظهر آدم واستخرجها ذرية من صلب كل واحد إلى انقراض العالم، وقيل: عين في الأزل من سيكون من أهل الجنة ومن سيكون من أهل النار فعبر عن الأزل بأصلاب الآباء تقريباً لأفهام العامة. (وخلق للنار أهلاً) فيه إيماء إلى أنه لا اعتراض فإنهم أهل لها أهلية لا يعلمها إلا خالقها (خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم))) وإنما يظهر منهم من الأعمال ما قدر لهم في الأزل، قال القاضي: في حديث عائشة رضي الله عنها إشارة إلى أن الثواب والعقاب لأجل [الأعمال] وإلا لكان ذراري المسلمين والكافرين لا من أهل الجنة ولا من أهل النار بل الموجب هو اللطف الرباني والخذلان الإلهي المقدر لهم وهم في الأصلاب، فالواجب التوقف وعدم الجزم. وقال النووي: ((أجمع من يعتد به من علماء المسلمين على أن من مات من أطفال المسلمين فهو من أهل الجنة، وتوقف في ذلك بعض لهذا الحديث، وأجابوا عنه بأنه لعله نهاها عن المسارعة إلى القطع من غير أن يكون عندها دليل قاطع، ويحتمل أنه عليه الصلاة والسلام قال هذا قبل أن يعلم أن أطفال المسلمين في الجنة)) اهـ. والأصح ما تقدم من أنه لم يرتض هذا القول منها لما فيه من الحكم بالغيب والجزم بإيمان أصل الولد لأنها أشارت إلى طفل معين فالحكم على شخص معين بأنه من أهل الجنة لا يجوز من غير ورود النص لأنه من علم الغيب، وقد يقال التبعية في الدنيا من الإيمان والكفر وحكمها من أمور الآخرة، ففيه إرشاد للأمة إلى التوقف في الأمور المبهمة والسكوت عما لا علم لهم به وحسن الأدب بين يدي علام الغيوب. قال ابن حجر: ولعل هذا كان قبل ما نزل عليه في ولدان المؤمنين والكفار إذ هم في الجنة إجماعاً في الأوّل وعلى الأصح في الثاني (رواه مسلم). ٨٥ - (وعن علي رضي الله عنه) هو أمير المؤمنين علي بن أبي طالب يُكنى أبا الحسن وأبا تراب القرشي، وهو أوّل من أسلم من الذكور في أكثر الأقوال ومن الصبيان في جميعها. وقد اختلف في سنة يومئذ فقيل: كان له خمس عشرة سنة، وقيل: ثمان سنين، وقيل: عشر سنين. شهد مع النبي ◌َّر المشاهد كلها غير تبوك فإنه خلفه في أهله وفيها قال له: ((أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى))(١). كان آدم شديد الأدمة عظيم العينين، أقرب إلى القصر من الطول ذا بطن كثير الشعر عريض اللحية أصلع أبيض الرأس واللحية، استخلف يوم الحديث رقم ٨٥: أخرجه البخاري في الصحيح ٢٢٥/٣ حديث ١٣٦٢ ومسلم ٢٠٣٩/٤ حديث ٦ والترمذي بعضه ٣٨٧/٤ حديث ٢١٣٥ وكذلك ابن ماجة ٣١/١ حديث رقم ٣١. (١) أخرجه البخاري في صحيحه ٧/ ٧١ حديث رقم ٣٧٠٦. Face ٢٥٣ كتاب الإيمان / باب الإيمان بالقدر قال: قال رسول الله وَلّهِ: ((ما منكم من أحدٍ إِلا وقد كُتِبَ مقعدُهُ من النَّارِ ومقعدُهُ من الجَنَّةِ». قالوا: يا رسولَ اللَّهِ! أفلا نتَّكِلُ على كتابِنَا وَدَعُ العملَ؟ قال: ((اعملوا فكلٌ مُيَسَّرٌ لما خُلِقَ لهُ؛ قتل عثمان وهو يوم الجمعة لثمان عشرة خلت من ذي الحجة سنة خمس وثلاثين، وضربه عبد الرحمن بن ملجم المرادي بالكوفة صبيحة الجمعة لسبع عشرة خلت من شهر رمضان سنة أربعين ومات بعد ثلاث ليال من ضربته، وغسله ابناه الحسن والحسين وعبد الله بن جعفر، وصلى عليه الحسن، ودفن سحراً وله من العمر ثلاث وستون سنة. وكانت خلافته أربع سنين وتسعة أشهر وأياماً، روى عنه بنوه الحسن والحسين ومحمد وخلائق من الصحابة والتابعين. (قال: قال رسول الله رَتلاقى: ((ما منكم من أحد) من مزيدة لاستغراق النفي (إلا وقد كتب مقعده من النار) الواو للحال والاستثناء مفرغ، أي ما وجد أحد منكم في حال من الأحوال إلا في هذه الحالة، أي إلا وقد قدر مقعده من النار (ومقعده) الواو بمعنى أو بدليل قوله في الحديث: ((أفلا نتكل))، وقد ورد في بعض الروايات [بلفظ] أو كذا حرره السيد جمال الدين، أي موضع قعوده. (من الجنة))) قال الطيبي: كنى عن كونه من أهل الجنة أو النار باستقراره فيها، وظاهر الكلام يقتضي أن يكون لكل أحد مقعد من النار ومقعد من الجنة وهذا وإن ورد في حديث آخر يعني في عذاب القبر رواه أنس(١)، لكن التفصيل الآتي يأبى حمله على ذلك فيجب أن يقال: إن الواو بمعنى أو قال المظهر: قد ورد هذا الحديث بلفظ [الواو] في بعض الروايات وليس في شرح السنة إلا بلفظ: ((أو)) (قالوا: يا رسول الله أفلا نتكل على كتابنا) المقدر لنا في الأزل، قيل: الفاء في جواب الشرط، أي إذا كان الأمر كما ذكرت يا رسول الله أفلا نعتمد على ما كتب لنا في الأزل؟ (وندع العمل؟) أي نتركه لأنه لا فائدة في إتعاب أنفسنا بالأعمال لأن قضاياه لا تتغير فلم يرخص عليه السلام في ذلك الإتكال وترك الأعمال حيث (قال: اعملوا فكل ميسر لما خلق له) بل أمرهم بالتزام ما يجب على العبد من(٢) امتثال أمر مولاه من العبودية عاجلاً وتفويض الأمر إليه بحكم الربوبية آجلاً، وأعلمهم بأن ههنا أمرين لا يبطل أحدهما الآخر باطن وهو حكم الربوبية وظاهر وهو سمة العبودية، فأمر بكليهما ليتعلق الخوف بالباطن المغيب والرجاء بالظاهر البادي ليستكمل العبد بذلك صفات الإِيمان ونعوت الإِيقان ومراتب الإِحسان؛ يعني عليكم بالتزام ما أمرتم واجتناب ما نهيتم من التكاليف الشرعية بمقتضى العبودية، وإياكم والتصرف في الأمور الربوبية ولا تجعلوا الأعمال أسباباً للسعادة والشقاوة بل أمارات لهما وعلامات، فكل موفق ومهيأ لما خُلق له أي لأمر قدر ذلك الأمر له من الخير والشر، والفاء في ((فكل)) للسببية والتنوين عوض عن المضاف إليه. والحاصل أن الأمر المبهم الذي ورد عليه البيان من هذا الحديث عن النبي ◌َّليو هو أنه بين أن القدر في حق العباد واقع (١) البخاري في صحيحه ٧٠٨/٨ حديث رقم ٤٩٤٦. (٢) في المخطوطة ((في)). ٢٥٤ كتاب الإيمان / باب الإيمان بالقدر أَمَّا من كان من أهل السعادةِ فسيُيسَّر لعملِ السَّعادَةِ، وأما من كان من أهل الشقاوة فسيُيسَّر لعملِ الشَّقَاوَةِ، ثم قرأ: ﴿فأما مَنْ أعطَى واتَّقى وصَدَّقَ بالحُسْنِى) الآية)). متفق عليه. ٨٦. (٨) وعن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله وَلّ: ((إن الله كتب على ابن آدمَ حظّهُ من الزِّنا، على تدبير الربوبية وذلك لا يبطل تكليفهم العمل بحق العبودية، فكل من الخلق ميسر لما دبر له في الغيب فيسوقه العمل إلى ما كتب له في الأزل من سعادة أو شقاوة، فمعنى العمل التعرض للثواب والعقاب ونظيره الرزق المقسوم مع الأمر بالكسب. ثم فصل عليه الصلاة والسلام ما أجمله بقوله (أما من كان) أي في علم الله، أو كتابه، أو في آخر أمره وخاتمة عمله (من أهل السعادة) أي الإِيمان في الدنيا والجنة في العقبى (فسييسر) أي يسهل ويوافق ويهيأ (لعمل السعادة) أي لعمل أهلها (وأما من كان من أهل الشقاوة) وهو ضد السعادة، وفي المصابيح بلفظ ((الشقوة)) بكسر الشين، وهو مصدر بمعنى الشقاوة (فسييسر لعمل الشقاوة) أي أهلها من الكفرة والفجرة (ثم قرأ) أي النبي وَلهو استشهاداً، أو اعتضاداً ﴿فأما من أعطى﴾ أي حق الله من المال أو الامتثال ﴿واتقى﴾ أي خاف مخالفته أو عقوبته واجتنب معصيته ﴿وصدق بالحسنى﴾ أي بكلمة لا إله إلا الله، وأخر في الذكر ترقياً أو إشارة إلى حسن الخاتمة (الآية)(١) لا يخفى أن الحسنى رأس آية، فالمراد ما بعدها من الآيات المتعلقة بها المناسبة لها وهي (فسنيسره لليسرى) قال البيضاوي: أي فسنهيئه للخلة التي تؤدي إلى يسر وراحة كدخول الجنة (وأما من بخل) أي بما أمر به (واستغنى) بشهوات الدنيا عن نعيم العقبى (وكذب بالحسنى) أي بكلمة التوحيد (فسنيسره للعسرى) أي للخلة المؤدية إلى العسر والشدة كدخول النار، وفي الكشاف سمى طريقة الخير باليسر لأن عاقبته اليسر وطريقة الشر بالعسرى لأن عاقبته العسر وفي المعالم، فسنيسره أي نهيئه في الدنيا لليسرى للخلة اليسرى وهو العمل بما يرضاه، وأما من بخل بالنفقة الخير واستغنى عن ثواب الله تعالى ولم يرغب فيه فسنيسره للعسرى، أي سنهيئه للشر بأن نجريه على يديه حتى يعمل بما لا يرضى الله ويستوجب به النار. قال مقاتل: يعسر عليه بأن يأتي خيراً. اهـ. ولا يخفى أن ما في البيضاوي غير ملائم المعنى الحديث لانعكاسه بالمعنى المقصود منه فالمدار على ما في المعالم والكشاف لكن السين في الآية تحمل على مجرد التأكيد لا على الاستقبال والله أعلم بالحال (متفق عليه). .... .. .... ٨٦ - (وعن أبي هريرة) [رضي الله عنه] (قال: قال رسول الله وَليقول: ((إن الله كتب) أي أثبت في اللوح المحفوظ (على ابن آدم حظه) أي نصيبه (من الزنا) بالقصر على الأفصح، ومن (١) سورة الليل الآيات ١٠.٥. الحديث رقم ٨٦: أخرجه البخاري في صحيحه ٢٦/١١ حديث رقم ٦٣٤٣. ومسلم في صحيحه ٤/ ٢٠٤٦ حديث ٢٠ والرواية الثانية ٢٠٤٧/٤ وأخرجه أبو داود ٦١١/٢ حديث ٢١٥٢ وأحمد في المسند ٢٧٦/٢. ٢٥٥ كتاب الإيمان / باب الإيمان بالقدر أَدركَ ذلك لا محالة، فزنا العين النَّظر، وزنا اللسان النطقُ، والنفسُ تتمنَّى وتشتهي، والفرجُ يصدق ذلك ویکذِّبُهُ)). بيانية وما يتصل بها حال من حظه وجعلها تبعيضية كما ذكره ابن حجر غير ظاهر، والمراد من الحظ مقدمات الزنا من التمني والتخطي والتكلم لأجله والنظر واللمس والتخلي، وقيل: أثبت فيه سببه وهو الشهوة والميل إلى النساء وخلق فيه العينين والأذنين والقلب والفرج وهي التي تجد لذة الزنا، أو المعنى قدر في الأزل أن يجري عليه الزنا في الجملة (أدرك) أي أصاب ابن آدم ووجد (ذلك) أي ما كتبه الله وقدره وقضاه أو حظه (لا محالة) بفتح الميم وتضم، أي لا بد له ولا فراق ولا احتيال منه فهو واقع ألبتة (فزنا العين) بالإفراد لإرادة الجنس، وفي نسخة بالتثنية (النظر) أي حظها النظر على قصد الشهوة فيما لا يحل له، وقد ورد: ((النظر سهم مسموم من سهام إبليس))(١)، لأن النظر قد يجر إلى الزنا فتسمية مقدمة الزنا بالزنا مبالغة، أو إطلاق للمسبب على السبب. (وزنا اللسان المنطق) أي التكلم على وجه الحرمة كالمواعدة (والنفس) أي القلب، كما في الرواية الآتية ولعل النفس إذا طلبت(٢) تبعها القلب (تمني) بحذف أحد التاءين (وتشتهي) لعله عدل عن سنن السابق لإفادة التجدد، أي زنا النفس ثمنيها واشتهاؤها وقوع الزنا الحقيقي. والتمني أعم من الاشتهاء لأنه قد يكون في الممتنعات دونه، وفيه دلالة على أن التمني إذا استقر في الباطن وأصر صاحبه عليه ولم يدفعه يسمى زنا فيكون معصية ويترتب عليه عقوبة ولو لم يعمل [فتأمل] (والفرج يصدق ذلك أو يكذبه))) قال الطيبي: سمى هذه الأشياء باسم الزنا لأنها مقدمات له مؤذنة بوقوعه، ونسب التصديق والتكذيب إلى الفرج لأنه(٣) منشؤه ومكانه، أي يصدقه بالإتيان بما هو المراد منه ويكذبه بالكف عنه، وقيل: معناه إن فعل بالفرج ما هو المقصود من ذلك فقد صار الفرج مصدقاً لتلك الأعضاء، وإن ترك ما هو المقصود من ذلك فقد صار الفرج مكذباً. قال ابن حجر: فإن حقق زناه فيوقع صاحبه في تلك الكبيرة، وإن كذبه بأن لا يزني فيستمر زنا تلك الأعضاء على كونها صغيرة. أقول: الأظهر أن يقال: والفرج أي عمله يصدق ذلك التمني ويكذبه، وهو أقرب لفظاً وأنسب معنى، وقيل: معنى كتب أنه أثبت عليه ذلك بأن خلق له الحواس التي يجدبها لذة ذلك الشيء وأعطاه القوى التي بها يقدر على ذلك الفعل، فبالعينين وبما ركب فيهما من القوّة الباصرة تجد لذة النظر، وعلى هذا وليس المعنى أنه الجأه إليه وأجبره عليه بل ركز في جبلته حب الشهوات، ثم إنه تعالى برحمته وفضله يعصم من يشاء كذا قاله بعض الشراح. وقيل: هذا ليس على عمومه فإن الخواص معصومون عن الزنا ومقدماته، ويحتمل أن يبقى على عمومه بأن يقال: كتب الله على كل فرد من بني آدم صدور نفس الزنا، فمن عصمه الله عنه بفضله صدر عنه من مقدماته الظاهرة، ومن عصمه بمزيد فضله ورحمته عن صدور مقدماته وهم خواص عباده صدر عنه لا محالة بمقتضى الجبلة مقدماته الباطنة وهي تمني النفس واشتهاؤها. اهـ. قلت: المراد (١) الحاكم في المستدرك ٤/ ٣١٤. (٢) في المخطوطة ((غلبت)). (٣) في المخطوطة ((لأنها)). ٢٥٦ ١٢٠٠ كتاب الإيمان / باب الإيمان بالقدر متفق عليه . ٦:٥٥ وفي رواية لمسلم قال: ((كُتب على ابن آدم نصيبُه من الزنا، يدركه ذلك لا محالة، العينان زناهما النظر، والأذنان زناهما الاستماع، واللسان زناه الكلام، واليدُ زناها البطش، والرِجلُ زناها الخُطا، والقلب يهوى ويتمنى، ويصدق ذلك الفرجُ ویكذبه)). ٨٧. (٩) وعن عمرانَ بن حُصيْن رضي الله عنه، أنّ رجلَيْنِ من مُزَيْنَةَ قالا: يا رسولَ اللَّهِ! أرأيتَ مَا يَعْمِلُ الناسُ اليومَ ويَكْدَحُونَ فيهِ؟ أشيءٌ بالمقدمات الباطنة الخواطر الذميمة التي هي غير اختيارية ويؤيده قوله تعالى: ﴿ولقد همت به وهم بها﴾ [يوسف - ٢٤] (متفق عليه) ورواه أبو داود (وفي رواية) أخرى (لمسلم قال: ((كُتب) مجهول، وقيل معلوم (على ابن آدم) أي هذا الجنس، أو كل فرد من أفراده واستثنى الأنبياء (نصيبه) أي حظه، أو مقدار ما قدر له (من الزنا مدرك) بالتنوين، ويجوز الإِضافة (ذلك) يعني هو، أي ابن آدم واصله حظه ونصيبه، أو نصيبه المقدر يدركه ويصيبه (لا محالة) أي لا حائل بينه وبينه، أو لا حيلة له في دفعه فلا بد منه إذ لا حذر من القدر ولا قضاء مع القضاء (العينان زناهما النظر) فإنه حظهما ولذتهما (والأذنان) بضم الذال وتسكن (زناهما الاستماع) أي إلى كلام الزانية، أو الواسطة فهو حظهما ولذتهما به. قال ابن حجر: أي إلى صوت المرأة الأجنبية مطلقاً بناء على أنه عورة، أو بشرط الفتنة بناء على الأصح أنه ليس بعورة (واللسان زناه الكلام) أي مع الأجنبية بالمواعدة على الزنا، أو مع من يتوسل به إليها على وجه الحرام ويدخل فيه إنشاء الشعر وإنشاده فيها (واليد زناها البطش) أي الأخذ واللمس ويدخل فيه الكتابة إليها ورمي الحصا عليها ونحوهما (والرجل زناها الخطا) جمع خطوة، وهي ما بين القدمين يعني زناهما نقل الخطا، أي المشي، أو الركوب إلى ما فيه الزنا (والقلب يهوى) بفتح الواو، أي يحب ويشتهي (ويتمنى ويصدق ذلك) أي ما ذكر من المقدمات، أي ما تتمناه النفس وتدعو إليه الحواس وهو الجماع (الفرج) أي يوافقه ويطابقه بالفعل (ويكذبه))) أي بالترك والكف عنه، فإن تركه خوفاً من الله فيثاب عليه، وإن تركه اضطراراً لا يعاقب عليه فقط. ٨٧ - (وعن عمران بن حصين) مصغراً رضي الله عنهما، يُكنى أبا نجيد بضم النون وفتح الجيم وسكون الياء بعدها دال مهملة، الخزاعي الكعبي، أسلم عام خيبر سكن البصرة إلى أن مات بها سنة اثنتين وخمسين، وكان من فضلاء الصحابة وفقهائهم. أسلم هو وأبوه، روى عنه أبو رجاء ومطرف وزرارة بن أبي أوفى. (أن رجلين من مزينة) بالتصغير اسم قبيلة (قالا: ((يا رسول الله أرأيت) أي أخبرني من إطلاق اسم السبب على المسبب لأن مشاهدة الأشياء طريق إلى الإخبار عنها، والهمزة فيه مقررة أي قد رأيت ذلك فأخبرني به (ما يعمل الناس) من الخير والشر (اليوم) أي في الدنيا (ويكدحون فيه) أي يسعون في تحصيله بجهد وكدّ (أشيء) خبر الحديث رقم ٨٧: أخرجه مسلم في صحيحه ٢٠٤١/٤ حديث ١٠. ٢٥٧ كتاب الإيمان / باب الإيمان بالقدر قُضِيَ عَليهِمْ ومضى فيهم من قَدَرِ سَبَقَ، أو فيما يستقبلون به مبتدأ محذوف، أي أهو شيء (قُضي عليهم) بصيغة المجهول، أي قدر فعله عليهم (ومضى فيهم) بصيغة الفاعل أي نفذ في حقهم (من قدر سبق) أي في الأزل، ومن إما بيانية لشيء ويكون القضاء والقدر شيئاً واحداً كما قاله بعضهم، أو على الإطلاق اللغوي، وإما تعليلية متعلقة بقضي أي قضي عليهم لأجل قدر سبق، وإما ابتدائية أي القضاء نشأ وابتدأ من خلق مقدر فيكون القدر سابقاً على القضاء. قال في النهاية: المراد بالقدر التقدير وبالقضاء الخلق لقوله تعالى: ﴿فقضاهن سبع سموات﴾ [فصلت - ١٢] فالقضاء والقدر متلازمان لأن أحدهما وهو القدر بمنزلة الأساس والآخر وهو القضاء بمنزلة البناء، وقال الراغب: القضاء من الله تعالى أخص من القدر [لأنه الفصل من التقدير] والقدر هو التقدير، والقضاء هو الفصل والقطع. وقد ذكر بعض العلماء أن القدر بمنزلة المعد للكيل والقضاء بمنزلة الكيل، ولهذا لما قال أبو عبيدة لعمر رضي الله عنهما (١) لما أراد الفرار من الطاعون بالشام: أتفر من القضاء؟ قال: أفر من قضاء الله إلى قدر الله(٢). تنبيهاً على أن القدر ما لم يكن قضاء فمرجوّ أن يدفعه الله فأما إذا قضي فلا يندفع ويشهد لذلك قوله تعالى: ﴿وكان أمراً مقضياً﴾ [مريم - ٢١] وقوله: ﴿حتماً مقضياً﴾ [مريم - ٧١] تنبيهاً على أنه صار بحيث لا يمكن تلافيه، وهذا مخالف لما نقلناه عن القاضي في حديث جبريل عليه السلام. قال بعض العارفين: القدر كتقدير النقاش الصورة في ذهنه والقضاء كرسمه تلك الصورة للتلميذ بالأسرب ووضع التلميذ الصبغ عليها متبعاً لرسم الأستاذ هو الكسب والاختيار، والتلميذ في اختياره لا يخرج عن رسم الأستاذ كذلك العبد في اختياره لا يمكنه الخروج عن القضاء والقدر (أو فيما يستقبلون به) قال السيد جمال الدين: كذا وقع بصيغة المجهول في أصل سماعنا من صحيح مسلم، وهو الأرجح معنى أيضاً لكن وقع في أكثر نسخ المشكاة بصيغة المعروف، وقال الطيبي: كذا يعني ((أو)) في صحيح مسلم وكتاب الحميدي وجامع الأصول، ووقع في نسخ المصابيح: ((أم فيما يستقبلون))، قيل: على كلتا الروايتين ليس السؤال عن تعيين أحد الأمرين لأن جوابه عليه الصلاة والسلام وهو قوله لا غير مطابق له فنقول: أم منقطعة، وأو بمعنى بل، فإن السائل لما رأى أن الرسل يأمرون أممهم وينهون اعتقد أن الأمر أنف كما زعمت المعتزلة، فاضرب عن السؤال الأوّل والهمزة للتقرير والإِثبات فلذلك نفى رسول الله وَ ل ﴿ ما أثبته وقرره وأكده ((بيل)) ولو كان السؤال عن التعيين لقال السائل: أشيء قضي عليهم أم شيء يستقبلونه؟ وقيل: كان حق العبارة أشيء قضي علينا أم شيء نستقبله بالتكلم؟ فغير العبارة وعدل عن التكلم إلى الغيبة، وعمم الأمم كلها وأنبياءهم فدل ذلك على صحة ما قيل من الإضراب، وقيل: وهو الأظهر أن المعنى أم شيء لم يقض عليهم في الأزل بل هو كائن فيما يستقبلون من الزمان فبه (١) في المخطوطة ((عنه)). (٢) من حديث أخرجه الشيخان ولفظه ((نفر من قدر الله إلى قدر الله)). البخاري ١٧٩/١٠ حديث رقم ٥٧٢٩. ٢٥٨ كتاب الإيمان / باب الإيمان بالقدر مما أتاهم به نبيهم وثبتت الحجةُ عليهم؟ فقال: ((لا، بل شيءٌ قُضِي عليهم ومَضَى فيهم، وتصديقُ ذلك في كتابِ اللَّهِ عزَّ وَجَلَّ: ﴿وَنَفْسٍ وما سَوَّاها فَأَلْهَمَهَا فُجورَها وتقواها))). رواه مسلم. ٣٫٣٠ ٨٨. (١٠) وعن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قلت: يا رسول الله! إِني رجلٌ شابٌ، وأنا أخافُ على نفسي العنت، ولا أجِدُ ما أتزوج به النّساء، كأنه يستأذنه في الاختصاء، قال: فسكت عني، ثم قلتُ مثلَ ذلكَ، فسكتَ عني، ثم قلت مثل ذلك، ١٠/ يتوجهون إلى العمل ويقصدون من غير سبق تقدير قبل ذلك. (مما أتاهم) أي جاءهم (به نبيهم) الباء للتعدية ولفظ من في ((مما أتاهم)) بيان لما في قوله: ((ما يعمل الناس))، أو بيان لما في قوله: ((ما يستقبلون))، والأوّل أولى كما قال السيد جمال الدين (وثبتت الحجة عليهم) قال تعالى: ﴿قل فللّه الحجة البالغة﴾ [الأنعام - ١٤٩] (فقال: لا) أي لا تردد (بل شيء قضي) أي قدر (عليهم ومضى) أي سبق (فيهم وتصديق ذلك) إشارة إلى ما ذكر أنه قضي عليهم (في كتاب الله عزَّ وجل : ﴿ونفس﴾) بالجر على الحكاية (﴿وما سواها فألهمها فجورها وتقواها﴾)(١) وجه الاستدلال من النبي * بالآية أن ((ألهمها)) بلفظ الماضي يدل على أن ما يعملونه من الخير والشر قد [جرى] في الأزل، والواو في ((ونفس)) للقسم أو للعطف على المقسم به، والمراد نفس آدم لأنه الأصل فالتنوين للتقليل، وقيل: المراد جميع النفوس كقوله(٢) تعالى: ﴿علمت نفس ما أحضرت﴾ [التكوير - ١٤] فالتنوين للتنكير ((وما)) في ((ما سوَّاها)» بمعنى من، أي ومن خلقها يعني به ذاته تعالى أي خلقها على أحسن صورة وزينها بالعقل والتمييز وفي الحديث: ((اللهم آت نفسي تقواها وزكها فأنت خير من زكاها أنت وليها ومولاها)) (٣) (رواه مسلم). che. ٨٨ - (وعن أبي هريرة) [رضي الله عنه] (قال: ((قلت: يا رسول الله إني رجل شاب) أي قوي الشهوة (وأنا أخاف) قال الشيخ: وفي البخاري: ((وإني أخاف)) (على نفسي) بفتح الفاء وتسكن (العنت) بفتحتين، أي الزنا، أو مقدماته. وأصل العنت المشقة سُمي به الزنا لأنه سبب العذاب في الدنيا والعقبى (ولا أجد) أي من المال (ما أتزوّج به النساء) أراد به الجنس، أي مقدار ما أتزوّج به امرأة وأنفق عليها فإذا عجز عن تزوّج المرأة فالعجز عن شراء الجارية أولى (كأنه يستأذنه في الاختصاء) بالمد، أي قطع الانثيين، أو سلهما، أو يحتمل قطع الذكر أيضاً فيكون الاختصاء تغليباً هذا كلام الراوي عن أبي هريرة قال الأبهري: وليس هذا في البخاري (قال) [أي] أبو هريرة (فسكت) أي النبي وَّر (عني) أي عن جوابي (ثم قلت: مثل ذلك) أي (١) سورة الشمس آية ٨.٧. (٢) في المخطوطة ((لقوله)). (٣) مسلم ٢٠٨٨/٤ حديث رقم ٢٧٢٣. الحديث رقم ٨٨: أخرجه البخاري في صحيحه ١١٧/٩ حديث رقم ٥٠٧٦. والنسائي في سننه ٨٩/٦ حديث رقم ٣٢١٥. ٠٠٩٠ 7475 ٢٥٩ كتاب الإيمان / باب الإيمان بالقدر فسكتَ عني، ثم قلت مثلَ ذلك، فقال النبيِ وَّرَ: ((يا أبا هريرة! جفَّ القلم بما أنت لاقٍ، فاختص على ذلك أو ذَر))(١). رواه البخاري. ٨٩. (١١) وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه، قال: قال رسول الله وَل: ((إن قلوبَ بني آدم كلَّها القول (فسكت عني) ثانياً (ثم قلت: مثل ذلك) لعله يجيبني (فسكت عني) ثالثاً (ثم قلت: مثل ذلك) أي إلحاحاً ومبالغة (فقال النبي:) وفي نسخة رسول الله (وَلاير: يا أبا هريرة جف القلم بما أنت لاق) أي ملاق بما تفعله وتقوله ويجري عليك، قال التوربشتي: جف القلم كناية عن جريان القلم بالمقادير وإمضائها والفراغ منها لأن الفروغ بعد الشروع يستلزم جفاف القلم عن مداده، فأطلق اللازم على الملزوم وهذه العبارة من مقتضيات الفصاحة النبوية. (فاختص) قال التوربشتي: الرواية الصحيحة ((فاختص)) بتخفيف الصاد من الاختصاء. وقد صحفه بعض أهل النقل فرواه على ما هو في المصابيح يعني ((فاختصر)) بزيادة الراء، قال: ولا يشتبه ذلك إلا على عوام(٢) أصحاب النقل، وفي شرح الطيبي: قال المؤلف: الحديث في البخاري وكتاب الحميدي وشرح السنة وبعض نسخ المصابيح كما ذكره التوربشتي (على ذلك) في موضع الحال يعني إذا علمت أن كل شيء مقدر فاختص حاله كون فعلك وتركك واقعاً على ما جف القلم (أو ذر))) أي اترك الاختصاء وأذعن وسلم للقضاء وأو للتخيير، قال المظهر: أي ما كان وما يكون مقدر في الأزل فلا فائدة في الاختصاء فإن شئت فاختص وإن شئت فاترك، وليس هذا اذناً في الاختصاء بل توبيخ ولوم على الاستئذان في قطع عضو بلا فائدة، وقيل: ((أو)) للتسوية على ما ذكر في أكثر نسخ المصابيح من قوله: ((فاختصر أو ذر)) بمعنى أن الاختصار على التقدير والتسليم له وتركه والإعراض عنه سواء، فإن ما قدر لك من خير أو شر فهو لا محالة لاقيك وما لا فلا. وذكر أن عبد الله بن الطاهر دعا الحسين بن الفضل فقال: أشكل عليّ قوله تعالى ﴿كل يوم هو في شأن﴾ [الرحمن - ٢٩] وقول النبي ◌َّيقر: ((جف القلم بما أنت لاق)) فأجاب بأنها شؤون يبديها لا شؤون يبتدىء بها، فقام عبد الله وقبل رأسه. (رواه البخاري). ٨٩ - (وعن عبد الله بن عمرو) رضي الله تعالى عنهما (قال: قال رسول الله وَليقول: ((إن قلوب بني آدم) أي هذا الجنس وخص لخصوصية قابلية التقليب به، وأكد بقوله (كلها) ليشمل الأنبياء والأولياء والفجرة والكفرة من الأشقياء، قال التوربشتي: ليس هذا الحديث مما يتنزه السلف عن تأويله كأحاديث السمع والبصر واليد وما يقاربها في الصحة والوضوح، فإن ذلك يحمل على ظاهره من غير أن يشبه بمسميات الجنس، أو يحمل على معنى الاتساع والمجاز، بل يعتقد أنها صفات الله لا كيفية لها. وإنما تنزهوا عن تأويل القسم الأول لأنه لا يلتئم معه ولا يحمل ذلك على وجه يرتضيه العقل إلا ويمنع منه الكتاب والسنة من وجه آخر، وأما مثل (١) في المخطوطة ((ذرة)). (٢) في المخطوطة ((الأعوام)). الحديث رقم ٨٩: أخرجه مسلم في الصحيح ٤/ ٢٠٤٥ حديث ١٧ وأحمد في المسند ١٦٨/٢. ٢٦٠ كتاب الإيمان / باب الإيمان بالقدر بین إصبعين من أصابع الرحمنِ هذا الحديث فليس في الحقيقة من أقسام الصفات ولكن ألفاظ مشاكلة لها في وضع الاسم، فوجب تخريجه على وجه يناسب نسق الكلام. قيل: المتشابه قسمان: الأول لا يقبل التأويل ولا يعلم تأويله إلا الله كالنفس في قوله: ﴿ولا أعلم ما في نفسك﴾ [المائدة - ١١٦] والمجيء في ﴿جاء ربك﴾ [الفجر - ٢٢] وفواتح السور، والثاني: يقبله. ذكر شيخ الشيوخ السهروردي قدس الله سره أخبر الله ورسوله بالاستواء والنزول واليد والقدم والتعجب وكل ما ورد من هذا القبيل دلائل التوحيد فلا يتصرف فيه بتشبيه وتعطيل. قيل: هذا هو المذهب المعوّل وعليه السلف الصالح، ومن ذهب إلى القول الأوّل شرط في التأويل أن كل ما يؤدي إلى تعظيم الله فهو جائز وإلا فلا. قال ابن حجر: أكثر السلف لعدم ظهور أهل البدع في أزمنتهم يفوّضون علمها إلى الله تعالى مع تنزيهه سبحانه عن ظاهرها الذي لا يليق بجلال ذاته، وأكثر الخلف يؤّلونها بحملها على محامل تليق بذلك الجلال الأقدس والكمال الأنفس لاضطرارهم إلى ذلك لكثرة أهل الزيغ والبدع في أزمنتهم، ومن ثم قال إمام الحرمين: لو بقي الناس على ما كانوا عليه لم نؤمر بالاشتغال بعلم الكلام. وأما الآن فقد كثرت البدع فلا سبيل إلى ترك أمواج الفتن تلتطم. وأصل هذا اختلافهم في الوقف في قوله تعالى: ﴿وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم﴾ [آل عمران - ٧] فالأكثرون على الوقف على الجلالة، والأقلون على الوقف على العلم ومن أجلهم ابن عباس فكان يقف عليه ويقول حملاً للناس على سؤاله والأخذ عنه: أنا من الراسخين في العلم؛ على أنه يمكن رفع الخلاف بأن المتشابه على قسمين: ما لا يقبل تأويلاً قريباً فهذا محمل الوقف الأول، وما يقبله فهذا محمل الثاني. ومن ثم اختار بعض المحققين قبول التأويل إن قرب من اللفظ واحتمله وضعاً ورده إن بعد عنه. والحاصل أن السلف والخلف مؤوّلون لإجماعهم على صرف اللفظ عن ظاهره، ولكن تأويل السلف إجمالي لتفويضهم إلى الله تعالى وتأويل الخلف تفصيلي لاضطرارهم إليه لكثرة المبتدعين. (بين إصبعين) بكسر الهمزة وفتح الباء هو المشهور وإلا ففيه تسع لغات، قال في القاموس: الأصبع مثلث الهمزة والباء (من أصابع الرحمن) إطلاق الأصبع عليه تعالى مجاز، أي تقليب القلوب في قدرته يسير، يعني أنه تعالى متصرف في قلوب عباده وغيرها كيف شاء لا يمتنع منها شيء ولا يفوته ما أراده، كما يقال: فلان في قبضتي أي كفي لا يراد أنه في كفه، بل المراد أنه تحت قدرتي وفلان بين أصبعي أقلبه(١) كيف شئت، أي أنه هين عليّ قهره والتصرف فيه كيف شئت. وقيل: المراد بأصبعين صفتا الله وهما صفة الجلال والإكرام، فبصفة الجلال يلهمها فجورها وبصفة الإِكرام يلهمها تقواها، أي يقلبها تارة من فجورها إلى تقواها وتارة من تقواها إلى فجورها، وقيل: معناه بين أثرين من آثار رحمته وقهره، أي قادر أن يقلبها من حال إلى حال [من الإيمان] والكفر والطاعة والعصيان. قال القاضي: نسب تقليب القلوب إليه تعالى (١) في المخطوطة ((قلبه)). ٣٠٠ ١