Indexed OCR Text
Pages 101-120
حديث ((إنما الأعمال بالنيات ... )) ١٠١ فهجرته إلى الله وإلى رسوله، ومن كانت هجرته إِلی دنیا یصیبها، ثم من القواعد المقررة أنه لا بد من المغايرة بين الشرط والجزاء لحصول الفائدة فقيل: التقدير فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله قصداً ونية فهجرته إلى الله ورسوله ثمرةً ومنفعةً؛ فهو تمييز للنسبة ويجوز حذفه للقرينة، وقيل: فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله في الدنيا فهجرته إلى الله ورسوله في العقبى، وقيل: الجملة الجزائية كناية عن قوله: فهجرته مقبولة أو صحيحة فأقيم السبب مقام المسبب، وقيل: خبره مقدر من طرف الجزاء أي فهجرته إلى الله ورسوله مقبولة، أي فهي كما نواها وقد وقع أجره على الله سواءً مات في الطريق أو وصل إلى الفريق كقوله تعالى: ﴿ومن يخرج من بيته مهاجراً إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله﴾ [النساء - ١٠٠]، وقيل: اتحاد الشرط والجزاء لقصد التعظيم والإرادة التحقير فيما سيأتي فيكون التغاير معنى بدليل قرائن السياق بأن يراد بالأوّل ما وجد خارجاً وبالثاني ما عهد ذهناً على حد أنت أنت أي الصديق الخالص وهم هم أي الذين لا يعرف قدرهم، ومنه أنا أبو النجم و [شعري] شعري أي شعري الآن هو شعري الذي كان والكبر ما غير اللسان، والحاصل أن يقال: فهجرته عظيمة ونتيجتها جسيمة. (ومن كانت هجرته إلى دنيا) بضم الدال ويكسر وهي فعلى من الدنو، وهو القرب لدنوها إلى الزوال، أو لقربها من الآخرة منا، ولا تنوّن لأن ألفها مقصورة (١) للتأنيث، أو هي تأنيث أدنى وهي كافية في منع الصرف، وتنوينها في لغية شاذ، ولإجرائها مجرى الأسماء وخلعها عن الوصفية نكرت كرجعي ولو بقيت على وصفيتها لعرّفت كالحسي. واختلفوا في حقيقتها مع أنه لا حقيقة لها فقيل: وهي اسم مجموع هذا العالم المتناهي؛ ففي القاموس: الدنيا نقيض الآخرة ولو قال: ضدها لكان أولى إيماء إلى أنهما لا يجتمعان مع جواز إنهما يرتفعان، وقيل هي ما على الأرض من الجوّ والهواء، أو هي كل المخلوقات من الجواهر والأعراض الموجودة قبل الآخرة، قال النووي: وهذا هو الأظهر، ويطلق على كل جزء منها مجازاً، وأريد ههنا شيء من الحظوظ النفسانية كمال أو جاه، و [قد] تكون (٢) إشارة إلى العاجل والمرأة إيماء إلى الآجل وهو الآخرة لانضمام الروحانية إلى الجسمانية في كل منهما فيفيد حينئذ أن قصد ما سوى الله تعالى فيه انحطاط تام عمن لم يقصد غير وجهه [تعالی] وقليل ما هم، وعند محققي القوم ما تعلق دركه بالحس فهو دنيا وما تعلق دركه بالعقل فهو أخرى. وفي رواية : ((ومن كانت هجرته لدنيا)) أي لأجل عرضها وغرضها فاللام للتعليل أو بمعنى إلى لتقابل المقابل (يصيبها) أي يحصلها لكن لسرعة مبادرة النفس إليها بالجبلة الأصلية شبه حصولها بإصابة السهم للغرض، والأظهر أنه حال مقدرة أي يقصد إصابتها وفيه إيماء إلا أنه لو طلب الدنيا لأن يستعين بها على الأخرى فلا يذم مع أن تركها أولى لقول عيسى عليه الصلاة والسلام: ((يا طالب الدنيا لتبر(٣) تركك الدنيا أبر» (أو امرأة يتزوّجها) خصت بالذكر تنبيهاً على سبب الحديث وإن كانت (١) في المخطوطة المقصورة. (٣) في المخطوطة ((لبر)). (٢) في المخطوطة يكون. **** ، هو ت ٢٠٫٥٥ ١٠٢ حديث ((إنما الأعمال بالنيات ... )) أو امرأةٍ يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه)». العبرة بعموم اللفظ كما رواه الطبراني بسند رجاله ثقات عن ابن مسعود: ((كان فينا رجل خطب امرأة يقال لها أم قيس فأبت أن تتزوجه حتى يهاجر فهاجر فتزوجها، قال: فكنا نسميه مهاجر أم قيس))، وفيه إشارة إلى أنه مع كونه قصد في ضمن الهجرة سنة عظيمة أبطل ثواب هجرته فكيف يكون غيره، أو دلالة(١) على أعظم فتن الدنيا لقوله تعالى: ﴿زين للناس حب الشهوات من النساء [آل عمران - ١٤] ولقوله عليه السلام: ((ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء))(٢)، لكن المرأة إذا كانت صالحة تكون خير متاعها ولقوله عليه الصلاة والسلام: ((الدنيا كلها متاع وخير متاعها المرأة الصالحة))(٣) (فهجرته إلى ما هاجر إليه) أي منصرفة إلى الغرض الذي هاجر إليه فلا ثواب له لقوله تعالى: ﴿من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وماله في الآخرة من نصيب﴾ [الشورى - ٢٠] والمعنى: فهجرته مردودة أو قبيحة، قيل: إنما ذم لأنه طلب الدنيا في صورة الهجرة فأظهر العبادة للعقبى ومقصوده الحقيقي ما كان إلا الدنيا فاستحق الذم لمشابهته أهل النفاق، ولذا قال الحسن البصري لما رأى بهلواناً يلعب على الحبل: ((هذا أحسن من أصحابنا فإنه يأكل الدنيا بالدنيا وأصحابنا يأكلون الدنيا بالدين))، وقال ابن عبد السلام: ((متى اجتمع باعث الدنيا والآخرة فلا ثواب مطلقاً)) للخبر الصحيح: ((أنا أغنى الشركاء عن الشرك من عمل عملاً أشرك فيه غيري فأنا منه بريء هو للذي أشرك))(٤)، وقال الغزالي: ((يعتبر الباعث فإن غلب باعث الآخرة أثيب أو باعث الدنيا أو استويا لم يثب)). قال ابن حجر: ((يؤخذ من قول الشافعي وأصحابه)): ((من حج بنية التجارة كان ثوابه دون ثواب المتخلي عنها أن القصد المصاحب للعبادة إن كان محرماً كالرياء أسقطها مطلقاً وهو محمل الحديث المذكور كما يصرح به لفظه، أو غير محرم أثيب بقدر قصده الآخرة أخذاً بعموم قوله تعالى: ﴿فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ﴾ [الزلزلة - ٧]» ١ هـ. وهو تفصيل حسن وتعليل مستحسن، هذا بلسان العلماء أرباب العبارة، وأما بلسان العرفاء أصحاب الإشارة فمعناه مجملاً أن أعمال ظاهر القالب متعلق بما يقع في القلوب من أنوار الغيوب. ٣٢٧/١٣٤/١٠ ٢٢/٢/١ ٠٠ ٠٠٣٠ والنية جمع الهم في تنفيذ العمل للمعمول له، وأن لا يسنح في السر ذكر غيره، وللناس فيما يعشقون مذاهب. ثم نية العوام في طلب الأغراض مع نسيان الفضل والأعراض، ونية الجاهل التحصين عن سوء القضاء ونزول البلاء، ونية أهل النفاق التزين عند الناس مع إضمار الشقاق، ونية العلماء إقامة الطاعات، ونية أهل التصوّف ترك الاعتماد على ما يظهر منهم من العبادات، ونية أهل الحقيقة ربوبية تولت عبودية، وإنما لكل امرئ ما نوى من مطالب السعداء؛ (١) في المخطوطة دلالته. (٢) البخاري ٩/ ١٣٧ حديث ٥٠٩٦ ومسلم ٢٠٩٧/٤ حديث ٢٧٤٠. (٣) مسلم ٢/ ١٠٩٠ حديث رقم ١٤٦٧. مسلم ٢٢٨٩/٤ حديث ٢٩٨٥ وقال في آخره ((تركة وشركة)) الحديث في مسلم: ((أنا ... أشرك فيه (٤) معي غيري، تركته وشركه)». ٤٠٠ ١٠٣ حديث ((إنما الأعمال بالنيات ... )) متفق عليه. وهي الخلاص عن الدركات السفلى من الكفر والشرك والجهل والمعاصي والسمعة والرياء والأخلاق الذميمة وحجب الأوصاف، والفوز بالدرجات العلى وهي المعرفة والتوحيد والعلم والطاعات والأخلاق المحمودة وجذبات الحق والفناء عن إنابته والبقاء بهويته، أو من مقاصد الأشقياء وهي إجمالاً ما يبعد عن الحق. فمن كانت هجرته أي خروجه من مقامه الذي هو فيه سواء كان استعداده الذي جُبل عليه أو منزلاً من منازل النفس أو مقاماً من مقامات القلب إلى الله لتحصيل مراضيه(١) وتحسين الأخلاق والتوجه إلى توحيد الذات ورسوله [باتباع أعماله واقتفاء أخلاقه والتوجه إلى طلب الاستقامة في توحيد الصفات فهجرته إلى الله] ورسوله؛ فتخرجه العناية الإلهية من ظلمات الحدوث والفناء إلى أنوار(٢) الشهود والبقاء، وتجذبه من حضيض العبودية إلى ذروة العندية، ويفنى في عالم اللاهوت ويبقى بالحي الذي لا يموت، ورجع إليه الأنس ونزل محلة القدس بدار القرار في جوار الملك الغفار، وأشرقت عليه سبحات الوجه الكريم وحل بقلبه روح الرضا العميم، ووجد فيها الروح المحمدي وأحباباً وعرف أن له مثوى ومآباً. ومن كانت هجرته لدنيا أي لتحصيل شهوة الحرص على المال والجاه، أو تحصيل لذة شهوة الفرج فيبقى مهجوراً عن الحق في أوطان الغربة وديار الظلمة، له نار الفرقة والقطيعة نار الله الموقدة، التي تطلع على الأفئدة. وأنشد بعض المخلصين لبعض المخلطين: يا غافل القلب عن ذكر المنيات * عما قليل ستثوى(٣) بين أموات إن الحِمام له وقت إلى أجل * فاذكر مصائب أيام وساعات لا تطمئن إلى الدنيا وزينتها * قد حان للموت يا ذا اللب أن يأتي وكن حريصاً على الاخلاص في عمل * فإنما العمل الزاكي بنيات وقد ورد في مسند أبي يعلى الموصلي مرفوعاً: ((إن الله تعالى يقول للحفظة يوم القيامة اكتبوا لعبدي كذا وكذا من الأجر، فيقولون: ربنا لم نحفظ ذلك عنه ولا هو في صحيفتنا، فيقول: إنه نواه)). ونقل الأستاذ أبو القاسم القشيري قدس الله سره العلي أن زبيدة رؤيت في المنام، فقيل لها: ما فعل الله بك، فقالت: غفر لي، فقيل لها: ((بكثرة عمارتك الآبار والبرك والمصانع في طريق مكة وإنفاقك فيها، فقالت: هيهات هيهات ذهب ذلك كله إلى أربابه وإنما نفعنا منه النيات فغفر لي بها))، اللهم فأحسن نياتنا ولا تؤاخذنا بدنياتنا واختم بالخير منياتنا. (متفق عليه) أي اتفق البخاري ومسلم على روايته، ويعبر عن هذا القسم بالمتفق عليه أي بما اتفق عليه الشيخان لا بما اتفق عليه الأمة لكن اتفاقها عليه لازم ذلك لاتفاقها على تلقي ما اتفقا عليه بالقبول، وكذلك أخرجه الأربعة بقية الستة، وقيل: لم يبق من أصحاب الكتب المعتمد عليها من لم يخرجه سوى مالك. ففي الجملة حديث مشهور مجمع على صحته وما ذكره ابن (١) في المخطوطة مراميه. (٣) في المخطوطة ((ستسوى)). (٢) في المخطوطة ((نور)). ١٠٤ حديث ((إنما الأعمال بالنيات ... )) ١٠٠٠ ماكولا وغيره من التكلم فيه لا يلتفت إليه، وما قيل: إنه متواتر غير صحيح فإنه لم يروه من طريق صحيح عن النبي ◌ّهو إلا عمر ولم يروه عن عمر إلا علقمة ولم يروه عن علقمة إلا محمد بن إبراهيم التيمي ولم يروه عنه إلا یحیی بن سعيد الأنصاري، ثم تواتر عنه بحيث رواه عنه أكثر من مائة إنسان أكثرهم أئمة، وقال جماعة من الحفاظ: إنه رواه عنه سبعمائة إنسان من أعيانهم مالك والثوري والأوزاعي وابن المبارك والليث بن سعد وحماد بن زيد وسعيد وابن عيينة. وقد روي هذا الحديث عن عمر تسعة غير علقمة وعن علقمة اثنان غير التيمي وعن التيمي خمسة غير يحيى، فالحديث مشهور بالنسبة إلى آخره غريب بالنسبة إلى أوّله. ثم اعلم أن جمعاً من المحدثين وغيرهم ذهبوا إلى أن جميع ما وقع مسنداً في الصحيحين أو أحدهما من الأحاديث يقطع بصحته لتلقي الأمة له بالقبول من حيث الصحة وكذا العمل ما لم يمنع منه نحو نسخ أو تخصيص، وإجماع هذه الأمة معصوم عن الخطأ كما قال عليه الصلاة والسلام(١)، فقبولها للخبر الغير المتواتر يوجب العلم النظري، وعبارة الأستاذ أبي إسحاق الإسفراييني: ((أهل الصنعة مجمعون على أن الأخبار التي اشتمل عليها الصحيحان مقطوع بصحة أصولها ومتونها، ولا يحصل الخلاف فيها بحال وإن حصل اختلاف فذلك اختلاف في طرقها أو رواتها، فمن خالف حكمه خبراً منهما وليس له تأويل سائغ نقضنا حكمة))، وقال إمام الحرمين(٢): ((أجمع علماء المسلمين على صحتهما وقد قال عطاء: الإجماع أقوى من الإِسناد فإذن أفاد العلم)»، وقال الأكثرون والمحققون: ((صحتهما ظنية لأن أخبارهما آحاد وهي لا تفيد إلا الظن وإن تلقتها الأئمة بالقبول لأنهم تلقوا بالقبول ما ظنت صحته من غيرهما، ولأن تصحيح الأئمة للخبر المستجمع لشروط الصحة إنما هو باعتبار الظاهر ولأن فيهما نحو مائتي حديث مسند طعن في صحتها فلم تتلق الأمة كلها ما فيهما بالقبول لكن بعض القائلين بالأوّل استثنوا هذه)). قال شيخ الإسلام ابن حجر العسقلاني: ((والتحقيق أن الخلاف لفظي لأن من أطلق عليهما العلم بالصحة جعله نظرياً وهو الناشىء عن الاستدلال ومن أبى هذا الإطلاق خص لفظ العلم بالمتواتر وما عداه عنده ظني)). واختلفوا هل يمكن التصحيح والتحسين والتضعيف في الأعصار المتأخرة، واختار ابن الصلاح أنه لا يمكن بل يقتصر على ما نص عليه الأئمة في تصانيفهم المعتمدة، ورده النووي وتبعوه وأطالوا في بيان رده، ومن ثم صحح جماعة من معاصريه كالقطان والضياء المقدسي ثم المنذري والدمياطي طبقة بعد طبقة، قيل: ولعله إنما اختار حسم المادة لئلا يتطفل على ذلك بعض الجهلة، قلت: ومن هذا القبيل اختلافهم هل يمكن لأحد الاجتهاد المطلق في الأزمنة المتأخرة، فقيل: يمكن، وقيل: لا والخلاف لفظي لأن الإِمكان أمر عقلي ومنعه أمر عادي والله تعالى أعلم. (١) لقوله ◌َلي ((لا تجتمع أمتي على ضلالة الخطأ)). (٢) هو الإِمام الجويني رحمه الله. كتاب الإيمان ٥٠٣٠ كتاب الإيمان الكتاب إمّا مأخوذ من الكَثْب بمعنى الجمع، أو الكتابة، والمعنى هذا مجموع أو مكتوب في الأحاديث الواردة في الإِيمان، وإنما عنون به مع ذكره الإِسلام أيضاً لأنهما بمعنى واحد في الشرع، وعلى اعتبار المعنى اللغوي من الفرق يكون فيه إشارة إلى أنه الأصل وعليه مدار الفصل، وقدمه لزيادة شرفه في الفضل، ولكونه شرطاً لصحة العبادات المتقدمة على المعاملات؛ وهو التصديق(١) الذي معه أمن وطمأنينة لغةً، وفي الشرع تصديق القلب بما جاء من عند الرب فكأن المؤمن يجعل به نفسه آمنة من العذاب في الدارين، أو من التكذيب والمخالفة وهو إفعال من الأمن يقال أمنت وآمنت غيري، ثم يقال: أمنه إذا صدقه، وقيل: معنى أمنت صرت ذا أمن ثم نقل إلى التصديق ويُعدَّى باللام نحو: ﴿وما أنت بمؤمن لنا﴾ [يوسف - ١٧] ﴿وقال فرعون ءامنتم له﴾ [الأعراف - ١٢٣] وقد يضمن معنى اعتراف فيُعدَّى بالباء نحو: ﴿يؤمنون بالغيب﴾ [البقرة - ٣]. بوة واختلف العلماء فيه على أقوال، أوّلها عليها الأكثرون والأشعري والمحققون. على أنه مجرد تصديق النبي عليه الصلاة والسلام فيما علم مجيئه به بالضرورة تفصيلاً في الأمور التفصيلية وإجمالاً في الإِجمالية تصديقاً جازماً ولو لغير دليل حتى يدخل إيمان المقلد فهو صحيح على الأصح، وما نقل عن الأشعري من عدم صحته رُدَّ بأنه كذب عليه؛ والحاصل أن من اعتقد أركان الدين من التوحيد والنبوّة ونحو الصلاة فإن جوّز ورود شبهة تفسد اعتقاده فهو كافر وإن لم يجوّز ذلك فهو مؤمن لكنه فاسق بتركه النظر وهذا مذهب الأئمة الأربعة والأكثرين، لأنه عليه الصلاة والسلام قبل الإِيمان من غير تفحص عن الأدلة العقلية كذا ذكره ابن حجر، لكن في كونه فاسقاً بتركه النظر نظر ظاهر فتدبر. ثم فهم من قيد مجرد التصديق أنه لا يعتبر معه أعمال الجوارح ومن الضرورة أن ما ليس كذلك ككونه تعالى عالماً بذاته أو بالعلم الذي هو صفة زائدة على الذات أو مرئياً لا يكفر منكره إجماعاً، ومن الجزم أن التصديق الظني لا يكفي في حصول مسمى الإِيمان. وثانيها: أنه عمل القلب واللسان معاً، فقيل: الإقرار شرط لإجراء الأحكام لا لصحة الإِيمان فيما بين العبد وربه، قال حافظ الدين النسفي: وهذا (١) في المخطوطة ((الصدق)). ـة مـ د ١٠٥ FEN's ١٠٦ كتاب الإيمان الفصل الأول ٢. (١) عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، قال: بينما نحن عند رسول الله وَله ذات يومٍ، إِذ طلع علينا رجلٌ هو المروي عن أبي حنيفة، وإليه ذهب أبو منصور الماتريدي والأشعري في أصح الروايتين عنه، وقيل: هو ركن لكنه غير أصلي بل زائد ومن ثم يسقط عند الإكراه والعجز، ولهذا من صدق ومات فجأة على الفوز فإنه مؤمن إجماعاً، قال بعضهم: والأوّل مذهب المتكلمين والثاني مذهب الفقهاء. والحق أنه ركن عند المطالبة به وشرط لإجراء الأحكام عند عدم المطالبة، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿إنك لا تهدي من أحببت﴾ الآية [القصص - ٥٦] حيث أجمع المفسرون على أنها نزلت في أبي طالب والله أعلم بالمطالب؛ وبهذا يلتئم القولان والخلافان لفظيان، وأما ما نقل عن الغزالي من أن الامتناع عن النطق كالمعاصي التي تجامع الإيمان فهو بظاهره خلاف الإجماع فيحمل على الامتناع عند عدم المطالبة، غاية ما في الباب أنه جعل الإقرار من الواجبات لا شرطاً ولا شطراً. وثالثها: أنه فعل القلب واللسان مع سائر الأركان، ونقل عن أصحاب الحديث ومالك والشافعي وأحمد والأوزاعي وعن المعتزلة والخوارج، لكن المعتزلة على أن صاحب الكبيرة بين الإيمان والكفر بمعنى أنه لا يقال له مؤمن ولا كافر بل يقال له فاسق مخلد في النار، والخوارج على أنه كافر، وأهل السنة على أنه مؤمن فاسق داخل تحت المشيئة لقوله تعالى: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ [النساء - ٤٨] قالوا: لا تظهر المغايرة بين قول أصحاب الحديث وبين سائر أهل السنة لأن امتثال الأوامر واجتناب الزواجر من كمال الإيمان اتفاقاً لا من ماهيته فالنزاع لفظي لا على حقيقته، وكذلك اختلافهم في نقصان الإيمان وزيادته، وكذا اقتران الإِيمان بالمشيئة، وكذا الاختلاف في أن الإِيمان مخلوق أو غير مخلوق، وكذا التفضيل بين الملك والبشر، ومحل بسط هذا المرام كتب الكلام. (الفصل الأوّل) ٢ - (عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قال بينما نحن عند رسول الله وَلفي ذات يوم إذ طلع علينا رجل) أصله بين فأشبعت الفتحة فقيل: بينا وزيدت ما فقيل: بينما، وهما ظرفا زمان بمعنى المفاجأة ويضافان إلى الجملة الاسمية تارة وإلى الفعلية أخرى، ويكون العامل معنى المفاجأة في إذ، فمعنى الحديث: وقت حضورنا في مجلس رسول الله وَل# فاجأنا وقت طلوع ذلك الرجل، فبينا ظرف لهذا المقدر وإذ مفعول به بمعنى الوقت، كما قال صاحب الحديث رقم ٢: أخرجه مسلم ٣٦/١ حديث ١ وأبو داود في السنن ٦٩/٥ حديث ٤٦٩٥ وابن ماجه ١/ ٢٤ حديث ٦٣ وأحمد في مسنده ١/ ٥١. ٢٠٠١ كتاب الإيمان yome ١٠٧ • الكشاف (١) في قوله تعالى: ﴿وإذا ذكر الذين من دونه إذا هم يستبشرون﴾ [الزمر - ٤٥] أي وقت ذكر الذين من دونه فوجئوا وقت الاستبشار، فنحن مبتدأ، وعند ظرف مكان، وذات يوم ظرف لقوله ((عند)) باعتبار أن فيه معنى الاستقرار أي بين أوقات نحن حاضرون عنده، فنحن مخبر عنه بجملة ظرفية والمجموع صفة المضاف إليه المحذوف، وزيادة ذات لدفع توهم التجوّز بأن يراد باليوم مطلق الزمان لا النهار كما في قولك: رأيت ذات زيد، وقيل: ذات مقحم، وقيل: بمعنى الساعة، وقيل: بين يضاف إلى متعدد لفظاً كقولك: جلست بين القوم، أو معنىّ كقولك: جئت بين العشاءين، وإذا قصد إضافته إلى جملة يزاد ألف أو ما عوضاً عن الأوقات التي تقتضيها بين، وقيل: فائدة المزيدتين إنما هي التهيؤ لدخول الجملتين، ويجوز دخول إذ في جوابه كما في الحديث الصحيح ويجوز تركه كما في الشعر الفصيح: * وبينا نحن نرقبه أتانا * وجاء في طريق: ((بينما نحن عند رسول الله وَّ﴿ في آخر عمره)). والحكمة في تأخير مجيئه إلى ما بعد إنزال جميع الأحكام تقرير أمور الدين التي بلغها متفرقة في مجلس واحد لتغبط(٢) وتضبط، وقيل: مجيئه كان في السنة العاشرة قبيل حجة الوداع. وسبب الحديث ما في مسلم أنه رَّر قال: سلوني فهابوا أن يسألوه فجاءه جبريل(٣) ووقع في رواية ابن منده: ((بينا رسول الله وَلا يخطب أي يعظ إذ جاء رجل))، وفي رواية للبخاري: ((كان رسول الله وَل ل يوماً بارزاً للناس))(٤)، وفي أخرى لأبي داود: ((كان عليه الصلاة والسلام يجلس بين أصحابه فيجيء الغريب فلا يدري أيهم هو حتى يسأل، فطلبنا إلى رسول الله وَل﴿ أن يجعل لنا مجلساً يعرفه الغريب إذا أتاه، قال: فبنينا له دكانا أيّ دكّة من طين يجلس عليه وكنا نجلس بجنبه))(٥)، واستنبط منه القرطبي أنه يسن للعالم الجلوس بمحل مرتفع مختص به إذا احتاج إليه للتعظيم ونحوه. ثم الطلوع بمعنى الظهور من كمال النور مستعار من طلعت الشمس، وفيه إيماء إلى كمال عظمته وعلو مرتبته، والتنوين في رجل للتعظيم ويحتمل التنكير لأن الراوي حين روايته وإن كان عارفاً بأنه جبريل لكنه حكى الحال الماضية كما يعلم من قوله: لا يعرفه منا أحد، وفيه دليل على أن الملك له أن يقتدر بقدرة الله تعالى على التشكل بما شاء، قال الله تعالى: ﴿فتمثل لها بشراً سوياً﴾ [مريم - ١٧] والحكمة في اختيار شكل البشر الاستئناس لأن الجنسية علة الضم، فالمعنى رجل في الصورة إذ هو جبريل كما عبر به في رواية وما وقع في رواية النسائي من أن جبريل نزل في صورة دحية الكلبي(٦) [معلول] بأنه وهم من راويه لقول (١) الكشاف ٣٣٩/٣. (٢) أي تجتمع. وتدوم (لسان العرب). (٣) مسلم ٤٠/١ حديث ١٠. (٤) البخاري ١١٤/١ حديث ٥٠ ومسلم ٣٩/١ حديث ٩. (٥) أبو داود ٧٤/٥ حديث ٤٦٩٨. (٦) النسائي ١٠١/٨ حديث ٤٩٩١. .-. ١٠٨ کتاب الإيمان شديدُ بياض الثياب، شديدُ سواد الشعر، لا يُرى عليه أثرُ السفر، ولا يعرفُه منّا أحد، حتى جلس إلى النبي مَلآ، ٫٠٠٠ [عمر](١) الآتي: ((ولا يعرفه منا أحد))، نعم كان غالباً يتمثل بصورة دحية لكمال جماله (شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر) بإضافة شديد إلى ما بعده إضافة لفظية مفيدة للتخفيف فقط صفة رجل، واللام في الموضعين عوض عن المضاف إليه العائد إلى الرجل أي شديد بياض ثيابه شديد سواد شعره، وفي نسخة بالتنوين في الصفتين المشبهتين ورفع ما بعدهما على الفاعلية. وفيه استحباب البياض والنظافة في الثياب، وأن زمان طلب العلم أوان الشباب لقوّته على تحمل أعبائه وقدرته على تعمل أدائه، وقدم البياض على السواد لأنه خير الألوان ومحيط بالأبدان ولئلا يفتتح بغتة بلون متوحش، وجمع الثياب دون الشعر إشعاراً بأن جميعها كذلك. وفي رواية ابن حبان شديد سواد اللحية، وبها يتبين محل الشعر المذكور في الحديث المشهور والشعر بفتحتين أفصح من سكون الثاني، ويضم معه مراعاة للسجع في قوله (لا يرى عليه أثر السفر) رُوي بصيغة المجهول الغائب رفع الأثر وهو رواية الأكثر والأشهر، ورُوي بصيغة المتكلم المعلوم ونصب الأثر، والجملة حال من رجل، أو صفة له. والمراد بالآثار ظهور التعب والتغير والغبار، والسفر مأخوذ من السَفْر وهو الكشف لأنه يكشف حالة أحوال الرجال وأخلاقهم عند مباشرة الأعمال (ولا يعرفه) عطف على ما قبله (منا) أي من الحاضرين في المجلس قدم للاهتمام على قوله (أحد) وقال أبو الفضائل علي بن عبدالله بن أحمد المصري المشتهر بزين العرب في شرحه للمصابيح: ((أي من الصحابة وإلا فالرسول وَّوقد عرفه)). وقال السيد جمال الدين: ((قد جاء صريحاً في بعض الروايات أن النبي وَّه لم يعرفه حتى غاب جبريل كما أفاده الشيخ ابن حجر العسقلاني في شرحه للبخاري والمعنى تعجبنا من كيفية إتيانه، وترددنا في أنه من الملك أو من الجن إذ لو كان بشراً من المدينة لعرفناه، أو كان غريباً لكان عليه أثر السفر فإن قيل كيف علم عمر أنه لم يعرفه أحد منهم أجيب بأنه يحتمل أنه استند في ذلك إلى ظنه، أو إلى صريح قول الحاضرين، والثاني أولى فقد جاء كذلك في رواية عثمان بن غياث: ((فنظر القوم بعضهم إلى بعض، فقالوا: ما نعرف هذا»، كذا قاله الشيخ ابن حجر العسقلاني. (حتى جلس) غاية لمحذوف دل عليه طلع أوله لأنه بمعنى أتى أي أقبل واستأذن، وفي مسند الإمام الأعظم عن حماد عن علقمة عن ابن مسعود قال: ((جاء جبريل إلى النبي ◌ُّر في صورة شاب عليه ثياب بياض، فقال: السلام عليك يا رسول الله، فقال: رسول الله وَلقر: وعليك السلام، فقال: يا رسول الله أدنو، فقال: أدنُ»، فالتقدير: دنا حتى جلس متوجهاً(٢) أي مائلاً (إلى النبي (وَلِّ) والجلوس والقعود مترادفان وما ذكره التوربشتي وغيره أن القعود استعماله مع القيام والجلوس مع الاضطجاع محمول على أنه الأصل أو الغالب وفي رواية: ((حتى برك بين يدي النبي وَّ كما یجلس أحدنا للصلاة»(٣)، وقول زين العرب أي جلس إلى جانبه [أو معه] لا يلائمه قوله: (١) في المخطوطة ((لقوله)). واثبتنا هذا لأنه أتم للفائدة. (٢) شرح مسند أبي حنيفة ص ٣٠. (٣) أحمد. کتاب الإيمان ١٠٩ فأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفيه على فخذيه، وقال: يا محمد! أخبرني عن الإِسلام. (فأسند ركبتيه إلى ركبتيه) أي ركبتي رسول الله وَالر لأن الجلوس على الركبة أقرب إلى التواضع والأدب وإيصال الركبة بالركبة أبلغ في الإصغاء، وأتم في حصول حضور القلب، وأكمل في الاستئناس، وألزم لمسارعة الجواب، ولأن الجلوس على هذه الهيئة يدل على شدة حاجة السائل، وإذا عرف المسؤول حاجته وحرصه اعتنى وبادر إليه (ووضع كفيه) أي كفي الرجل (على فخذيه) بفتح فكسر، وفي القاموس الفخذ ككتف ما بين الساق والورك، مؤنث كالفخذ، ويكسر أي فخذي الرجل، وهو المناسب لهيئة المتعلم بين يدي المعلم، أو على فخذي النبي ◌َ ير كما في رواية النسائي وغيره: ((ثم وضع يديه على ركبتي النبي وَلّ)) على ما بينه الشيخ ابن حجر العسقلاني وهو الملائم للتقرب لديه والإصغاء إليه وقصر النظر عليه (وقال يا محمد) قيل: ناداه باسمه إذ الحرمة تختص بالأمة في زمانه، أو مطلقاً وهو ملك معلم ويؤيده قوله تعالى: ﴿لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضاً﴾ [النور - ٦٣] إذ الخطاب للآدميين فلا يشمل الملائكة إلا بدليل، أو قصد به المعنى الوصفي دون المعنى العلمي ولم أر من ذكره، وأمّا ما ورد في الصحاح من نداء بعض الصحابة باسمه فذاك قبل التحريم وقيل: آثره زيادة في التعمية إذ كانوا يعتقدون أنه لا يناديه به إلا العربي الجلف، ويحتمل أن يكون هذا قبل تحريم ندائه وَل باسمه، قيل: ولم يسلم (١) مبالغة في التعمية، أو بياناً أنه غير واجب، أو - سلم ولم ينقله الراوي وهو الصحيح لما سبق من رواية الإمام؛ ومن حفظ حجة على من لم يحفظ، ومن ذكره مقدم على من سكت عنه لأن معه زيادة علم، نعم في رواية قال: ((السلام عليك يا محمد))، والجمع بأنه جمع بين اللفظين، فقال: ((السلام عليك يا محمد السلام عليك يا رسول الله، ووقع عند القرطبي أنه قال: ((السلام عليكم يا محمد)». وأخذ منه أنه يسن للداخل أن يعم بالسلام ثم يخص من شاء بالكلام، قال شيخ الإِسلام في فتح الباري: ((والذي وقفت عليه في الرواية إنما فيه الإفراد وهو السلام عليك يا محمد))(٢). أقول: وعلى تقدير ثبوته الظاهر من إيراد الجمع إرادة التعظيم لا قصد التعميم فكأن القرطبي جعله نظيراً لقوله تعالى: ﴿يا أيها النبي إذا طلقتم النساء ﴾ [الطلاق - ١] في كون الخطاب خاصاً والحكم عاماً (أخبرني) أي أعلمني وصيغة الأمر للاستدعاء لما تقرر أن الرسول أفضل من الملائكة العلوية (عن الإِسلام) وهو لغة الانقياد مطلقاً، وشرعاً الانقياد الظاهر بشرط انقياد الباطن المعبر عنه بالإِيمان لقوله تعالى: ﴿قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم﴾ [الحجرات - ١٤]، واللام فيه للحقيقة الشرعية ولذلك أجاب عنه بالأركان الخمسة الإِسلامية. ثم اعلم أن السؤال عن الإِسلام وجوابه مقدم على الإِيمان وجوابه في صحيح مسلم وكتاب الحميدي وجامع الأصول ورياض الصالحين وشرح السنة بخلاف المصابيح فإنه قدم فيه (١) في المخطوطة ((لم يسم)) والأصح يسلم لما يدل عليه الحديث. (٢) فتح الباري ١١٧/١. ١٣٧٤٠ ٠٣. أحاد بين مـ ١١٠ ٣ ٠٠٥٣ كتاب الإيمان قال: ((الإِسلام: أن تشهدَ أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسولُ الله، الإيمان والتصديق وإن كان مقدماً لأنه أساس قاعدة الإِسلام لكن المقام يقتضي تقديم الإِسلام لأنه دليل [على] التصديق، وما جاء جبريل عليه السلام إلا لتعليم الشريعة، وهو عليه الصلاة والسلام كان يحكم بالظاهر على مقتضى الحكم التدريجية، فيبدأ بما هو الأهم ويترقى من الأدنى إلى الأعلى، فيكون الإِسلام مقدماً على الإِيمان، والإِيمان على الإِخلاص المعبر عنه بالإِحسان، وجاء في رواية للبخاري بتأخير الإسلام عن الإِيمان لكن عن أبي هريرة لا عن عمر؛ ففي إيراد الحديث بهذا اللفظ اعتراض فعلي من صاحب المشكاة على البغوي في المصابيح، وفي رواية بتوسط الإِحسان بينهما، فقيل: إشارة إلى أن محله القلب فذكر في القلب، والأظهر أن وجه التوسط أن له تعلقاً بكل من الطرفين، قال جماعة من المحققين: ((إن هذا التقديم والتأخير من الرواة لأن القضية واحدة فكان الواقع أمراً واحداً عبر الرواة عنه بأساليب مختلفة)) . (قال الإِسلام) أعاده ووضعه موضع ضميره إرادة لوضوحه (أن تشهد) أي أيها المخاطب خطاباً عاماً ولم يقل: تعلم، لأن الشهادة أبلغ في الانكشاف من مطلق العلم، ومن ثم لم يكف أعلم عن أشهد في أداء الشهادة، وأن مصدرية والتقدير الإِسلام شهادة (أن) وهي مخففة من المثقلة أي أنه والضمير للشأن (لا إله) لا هي النافية للجنس على سبيل التنصيص على نفي كل فرد من أفراده (إلا الله) قيل: خبر لا، والحق أنه محذوف، والأحسن فيه لا إله معبود بالحق في الوجود إلا الله. ولكون الجلالة اسماً للذات المستجمع لكمال الصفات وعلماً للمعبود بالحق قيل: لو بدل بالرحمن لا يصح به التوحيد المطلق، ثم قيل: التوحيد هو الحكم بوحدانية الشيء والعلم بها، وإصطلاحاً إثبات ذات الله بوحدانيته منعوتاً بالتنزه عما يشابهه اعتقاداً فقولاً وعملاً فيقيناً وعرفاناً فمشاهدةً وعياناً فثبوتاً ودواماً. قال الغزالي: ((للتوحيد لبان وقشران كاللوز، فالقشرة العليا القول باللسان المجرد، والثانية الاعتقاد بالقلب جازماً، واللب أن ينكشف بنور الله سر التوحيد بأن يرى الأشياء الكثيرة صادرة عن فاعل واحد، ويعرف سلسلة الأسباب مرتبطة بمسبباتها، ولب اللب أن لا يرى في الوجود إلا واحداً، ويستغرق في الواحد الحق غير ملتفت إلى غيره)) (وأن محمداً رسول الله) إيماء إلى النبوة، وهما أصلان متلازمان في إقامة الدين ضرورة توقف الإِسلام على الشهادتين. وظاهر الحديث يؤيد من قال: الإقرار شرط لإجراء الأحكام عليه، وفي رواية البخاري: ((أن تعبد الله - أي توحده - ولا تشرك به شيئاً)) [أي] من الأشياء أو الإشراك. قال المحققون: مجرد التوحيد هو الاحتجاب بالجمع عن التفصيل، وهو محض الجبر المؤدي إلى الإباحة ومجرد إسناد القول والفعل إلى الرسول وَله وسائر الخلق احتجاب بالتفصيل عن الجمع الذي هو صرف القدرة المؤدي إلى التعطيل أو الثنوية، والجمع بينهما هو الحق المحض. قال في العوارف(١): ((الجمع اتصال لا يشاهد (١) عوارف المعارف لأبي حفص عمر بن محمد بن عبدالله السهروردي ت (٦٣٢) وهو كتاب في التصوف دافع به عن علماء الصوفية والتصوف. ١١١ كتاب الإيمان وتقيمَ الصلاة، وتؤتيَ الزكاة، وتصومَ رمضان، وتحجَّ البيت إِن استطعتَ إِليه سبيلاً)). صاحبه إلا الحق فمن شاهد غيره فما ثم جمع، والتفرقة شهود لما شاهد بالمباينة فقوله: ﴿آمنا بالله﴾ جمع ﴿وما أنزل إلينا﴾ [البقرة - ١٣٦] تفرقة)) ١ هـ. وكذا قوله: ﴿إياك نعبد﴾ تفرقة ﴿وإياك نستعين﴾ [الفاتحة - ٥] جمع والأول رد على الجبرية، والثاني حط على القدرية. وقال الجنيد: ((القرب بالوجد جمع وغيبته في البشرية تفرقة))، وكل جمع بلا تفرقة زندقة، وكل تفرقة بلا جمع تعطيل وحسبنا الله ونعم الوكيل (وتقيم) أي وأن تقيم (الصلاة) أي المعهودة شرعاً، وفي رواية لمسلم: ((المكتوبة)) تنبيهاً على أن النافلة وإن كانت من الإِسلام لكنها ليست من أركانه، يعني بأن تؤديها وتحفظ شروطها وتعدل أركانها وتداوم عليها ولذا لم يقل وتصلي (وتؤتي الزكاة) أي وأن تعطيها، وفيه إشارة إلى أنه لا بد فيها من التمليك، وهي مأخوذة من زكى بمعنى طهر ونما وهو اسم للقدر المخرج من النصاب لأنه يظهر المخرج أو المخرج عنه ويزيد البركة، وفي رواية للبخاري ومسلم تقييدها بالمفروضة والظاهر أنها للتأكيد (وتصوم) بالنصب (رمضان) أي في شهره، وفيه جواز ذكره بلا كراهة من غير ذكر شهر وهو المعتمد، وهو من رمض إذا احترق من الرمضاء فأضيف إليه الشهر وسمي به لإرتماضهم من حر الجوع، أو من حرارة الزمان الذي وقع فيه، أو لأنه تحترق به الذنوب وتنمحي به العيوب، أو لأنه تزول معه حرارة الشهوات. والصوم لغةً الإمساك وشرعاً إمساك مخصوص بوصف مخصوص (وتحج البيت) أي الحرام فأل فيه للعهد أو هو اسم جنس غلب على الكعبة علماً واللام فيه جزء كما في النجم، والحج لغةً: القصد، أو تكراره مطلقاً، أو إلى مُعظّم، وشرعاً: قصد بيت الله في وقت معين بشرائط مخصوصة (إن استطعت إليه) أي إلى البيت أو إلى الحج أي إن أمكن لك الوصول إليه بأن وجدت زاداً وراحلةً كما في حديث صححه غير واحد (سبيلاً) تمييز عن نسبة الاستطاعة، فأخر عن الجار ليكون أوقع، وهي الطريق الذي فيه سهولة، وتستعمل في كل ما يتوصل به إلى شيء، وتنكيره للعموم إذ النكرة في الإِثبات قد تفيد العموم كما ذكره الزمخشري في قوله تعالى: ﴿علمت نفس﴾ [الانفطار: ٥] لكنه مجاز وتقديم إليه عليه للاختصاص أي سبيلاً ما على أي وجه كان قريباً أو بعيداً ونحوهما بشرط اختصاص انتهائه إليه لا إلى غيره، وقيل: سبيلاً(١) مفعول بمعنى موصل أو مبلغ، قال الشافعي: إنه بالمال وأوجب الاستنابة على الزَمِن الغني، وقال مالك: إنه بالبدن فيجب على من قدر على المشي والكسب في الطريق، وقال أبو حنيفة: إنه بمجموع الأمرين. ثم الاستطاعة هي القدرة من طاع لك إذا سهل، يطلق على سلامة الأسباب وصحة الآلات - وهي قد تتقدم على الفعل - وعلى غرض في الحيوان يفعل به الأفعال الاختيارية ولا يكون إلا مع الفعل، وهي كما فسرت استطاعة خاصة بالمعنى الأول فلا يرد ما قيل: إن الاستطاعة التي بها يتمكن المكلف من فعل العبادة مشروطة في الكل فكيف خص الحج بها؟ قال الطيبي: فإن قلت: كيف خص الحج بالاستطاعة دون سائر الأركان الاسلامية مع أن (١) في المخطوطة سبيل. 7455- ١١٢ كتاب الإيمان ١٣٠/١٠٠٠٠/٦ /١٠٢٠ الاستطاعة التي بها يتمكن المكلفون من فعل الطاعة مشروطة في الكل؟ أجيب بأن المعنى بهذه الاستطاعة الزاد والراحلة وكان طائفة لا يعدونها منها ويثقلون على(١) الحاج فنهوا عن ذلك، أو علم الله تعالى أن ناساً في آخر الزمان يفعلون ذلك فصرح تسهيلاً على العباد؛ ومع ذلك ترى كثيراً من الناس لا يرفعون لهذا النص الجلي رأساً، ويلقون أنفسهم بأيديهم إلى التهلكة، أقول: ولعل في هذا حكمة وهي أن تكون حجة على الأغنياء التاركين للحج رأساً مع أن الله تعالى أعطاهم مالاً وأثاثاً (٢). وإيراد الأفعال المضارعية لإفادة الاستمرار التجددي لكل من الأركان الإِسلامية؛ ففي التوحيد المطلوب الاستمرار الدائم مدة الحياة، وفي الصلاة دونه، ثم في الصوم والزكاة دونها، وقدم الصوم لتعلقه بجميع المكلفين، وأخر ما وجب في العمرة مرة. وفي فتح الباري: ((فإن قيل: السؤال عام لأنه سئل عن ماهية الاسلام والجواب خاص بقوله: أن تعبد وتشهد وكذا قال في الايمان: أن تؤمن، وفي الاحسان: أن تعبد، فالجواب أن ذلك لنكتة الفرق بين المصدر وأن والفعل لأن أن والفعل يدل على الاستقبال والمصدر لا يدل على الزمان على أن في رواية قال: شهادة أن لا إله إلا الله))(٣) ] هـ. وقيل: الأولى في الجواب أن يقال: القصد التعليم، وهو إنما يتعلق بالأمور المستقبلة فلذلك عدل عن المصدر المناسب للسؤال إلى ما يدل على الاستقبال ويسنح بالبال، والله أعلم بحقيقة الحال أن العدول عن المصدر المفيد للعلم إلى المضارع المقتضي للعمل إيماء إلى أنه لا يكفي مجرد المعرفة من غير أن يخرج من القوة إلى الفعل، وبنحو هذا العدول يعلم بلوغ بلاغته إلى أعلى الغايات وأعلى النهايات. ووقع في رواية حذف الحج، وفي أخرى حذف الصوم، وفي أخرى الاقتصار على الشهادتين، وفي أخرى على الصلاة والزكاة ولا تخالف لأن بعض الرواة ضبط ما لم يضبطه غيره ذهولاً أو نسياناً كذا قيل، أو يقال: لكل وجهة، فحذف الحج لأن وجوبه نادر وفي العمر مرة، وحذف الصوم اكتفاءً بذكر الصلاة فإن كلاً منهما عبادة بدنية، والاقتصار على الشهادتين لأنهما أساس الإِسلام، وعلى الصلاة والزكاة لأنهما عمدة العبادة البدنية والمالية، والمقصود ظاهر الطاعة والانقياد والعبادة لا استيفاء أفرادها، وإن كانت الخمسة هي معظم أركانها فالمراد بذكر بعضها مثلاً هو التنبيه على بقيتها ولذا ورد في رواية: ((وتعتمر وتغتسل من الجنابة وتتم الوضوء)» فيحمل الاختلاف اللفظي على التحديث المعنوي. ثم اعلم أن لكل من تلك الأركان ظاهراً تبين أحكامه في الكتب الفقهية، وباطناً من حقائق وأسرار ذكرها أرباب القلوب الأمناء لأسرار الغيوب فنحن نذكر نبذة منها: أما التوحيد: فهو ظهور فناء الخلق بتشعشع أنوار الحق وله مراتب كما ذكره ذوو المناقب . (١) في المخطوطة عن. (٣) فتح الباري ١١٩/١. ،هو ٹ (٢) في المخطوطة أساساً. ١١٣ كتاب الإيمان (الأولى) التوحيد النظري إن علم بالاستدلال، أو التقليدي إن اعتقد بمجرد تصديق المخبر الصادق وسلم القلب من الشبهة والحيرة والريب؛ وهو أن يعتقد أن الله متفرد بوصف الألوهية، متوحد باستحقاق العبودية، به يحقن الدماء والأموال ويتخلص من الشرك الجلي في الأحوال. (الثانية) التوحيد العلمي وهو أن يصير العبد بخروجه من غشاوة صفاته، وخلاصه من سجن ظلمات ذاته، وانسلاخه عن لباس الاختيار، حيران في أنوار عظمة الجبار، ولهان تحت سبحات سطوات الأنوار، فيعرف أن الموجد المحقق والمؤثر المطلق هو الله تعالى، وأن كل ذات فرع من نور ذاته، وكل صفة من علم وقدرة وإرادة وسمع وبصر عكس من أنوار صفاته وأثر من آثار أفعاله، ومنشؤه نور المراقبة وهو دون المرتبة الحالية لكن مزاجه من تسنيم عينا يشرب بها المقربون وعند ذلك ينفى من الظلمة الوجودية ويرتفع بعض من الشرك الخفي. (الثالثة) التوحيد الحالي وهو أن يصير التوحيد وصفاً لازماً لذات الموحد بتلاشي ظلمات رسوم وجود الغير إلا قليلاً في غلبة إشراق أنوار التوحيد، واستتار نور حاله في نور علم التوحيد كاستتار نور الكواكب في نور الشمس، فلما استنار الصبح أدرج ضوءه نور الكواكب. واستغراقه في مشاهدة جمال وجود الواحد بحيث لا يظهر عند شهوده إلا ذات الواحد، ويرى التوحيد صفة الواحد لا صفته بل لا يرى ذلك. قال الجنيد: ((التوحيد معنى يضمحل فيه الرسوم، ويندرج فيه العلوم، ويكون الله كما لم يزل)). (الرابعة) التوحيد الإلهي وهو أن الله تعالى كان في الأزل موصوفاً بالوحدانية في الذات والأحدية في الصفات، كان ولم يكن معه شيء والآن كما كان ﴿كل شيء هالك إلا وجهه ﴾ [القصص - ٨٨] ولم يقل يهلك لأن عزة وحدانيته لم تدع لغيره وجوداً. وفي هذا المعنى أنشد العارف الأنصاري لنفسه شعراً: ما وحد الواحد من واحد * إذ كل من وحده جاحد توحيد من ينطق عن نعته * عارية أبطلها الواحد توحيده إياه توحيده * ونعت من ينعته لاحد i وأما الصلاة فقد قيل: كان لرسول الله وَ القر معراجان: معراج في عالم الحس من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى ثم إلى عالم الملكوت ومحل الملأ الأعلى، ومعراج في عالم الأرواح من الشهادة إلى الغيب ومن الغيب إلى غيب الغيب، فلما أراد أن يرجع قال الرب تبارك وتعالى: المسافر إذا عاد إلى وطنه أتحف أصحابه وإن تحفة أمتك الصلاة الجامعة بين المعراجين الجسماني بالآداب والأفعال، والروحاني بالأذكار والأحوال، ولهذا ورد: ((الصلاة معراج المؤمن))، وأما الصوم فصوم الشريعة منافعه أكثر من أن تحصى، ولو لم يكن إلا التشبه بالملأ الأعلى لكفى به فضلاً، وصوم الطريقة فهو الإمساك عن الأكوان والإفطار بمشاهدة الرحمن : .7 ١١٤ كتاب الإيمان قال: صدقت. فعجبنا له يسأله ويصدقه! قال: فأخبرني عن الإِيمان. قال: ((أن تُؤمنَ صمت عن غيره فلما تجلى * كان لي شاغل عن الإفطار وأما الزكاة فهي إشارة إلى تزكية أحوال الظاهر، والباطن بترك الأموال وصرفها إلى أسباب الوصول إلى الأحوال، وتخلية القلب عن الأغيار وتخلية الروح لظهور تجليات الأنوار، وأما الحج فهو إشارة إلى وجوب زيارة بيت الجليل على الخليل إن استطاع إليه السبيل بأن وجد شرائط السلوك وإمكانه، وآداب السفر وأركانه، وهي الإِحرام بالخروج عن الرسوم والعادات والتجرد عن المألوفات والتوجه إلى الله تعالى بصفاء الطويات، والوقوف بعرفات المعرفة والعكوف على عتبة جبل الرحمة، والطواف بالخروج عن الأطوار السبعية بالأطواف السبعية حول كعبة الربوبية، والسعي بين صفا الصفات ومروة المروات، والحلق بمحو آثار العبودية بموسى الأنوار الإلهية، وقس عليه سائر المناسك ولله در القائل الناسك: يا من إلى وجهه حجي ومعتمري * إن حج قوم إلى ترب وأحجار لبيك لبيك من قرب ومن بعد * سرابسر وإضماراً بإضمار (قال صدقت) دفعاً لتوهم أن السائل ما عده من الصواب وحملاً للسامعين على حفظ الجواب (فعجبنا له) أي للسائل (يسأله ويصدقه) التعجب حالة للقلب تعرض عند الجهل بسبب الشيء، فوجه التعجب أن السؤال يقتضي الجهل غالباً بالمسؤول عنه، والتصديق يقتضي علم السائل به؛ لأن صدقت إنما يقال إذا عرف السائل أن المسؤول طابق ما عنده جملةً وتفصيلاً وهذا خلاف عادة السائل، ومما يزيد التعجب أن ما أجابه وَّر لا يعرف إلا من جهته وليس هذا الرجل ممن عرف بلقائه و # فضلاً عن سماعه منه، وفي رواية: ((لما سمعنا قول الرجل صدقت أنكرناه))(١)، وفي رواية أخرى: ((أنظروا هو يسأله ويصدقه كأنه أعلم منه))، وفي أخرى: ((ما رأينا رجلاً مثل هذا كأنه يعلم رسول الله وَ لهو يقول له: صدقت صدقت))، قيل: هو من صنيع الشيخ إذا امتحن المعيد عند حضور الطلبة ليزيدوا طمأنينة وثقة في أنه يعيد الدرس، ويلقي المسألة من الشيخ بلا زيادة ونقصان، وفيه نسخة من قوله تعالى: ﴿وما يَنْطِقُ عَن الهوَى إِنْ هو إلا وَحيّ يوحَى عَلمَهُ شَديدُ القُوىَ﴾ [النجم - ٣ - ٤ - ٥]. (قال فأخبرني عن الإيمان) وفي رواية: ((ما الإِيمان)) واستشكلت بأن ما للسؤال عن الماهية فالجواب غير مطابق، ورد بأنه عليه الصلاة والسلام علم منه أنه إنما سأل عن متعلقات الإِيمان لأنها الأحق بالتعليم، ولأن التصديق في ضمنها، والأظهر أنه لا فرق بين الروايتين والمطابقة حاصلة في الجهتين لأن الإِيمان في! (قال أن تؤمن) أريد به المعنى اللغوي، وقيل: المعنى الشرعي حتى لا يكون تفسير الشيء بنفسه ولا يكون الدور في تعريفه، وقول الطيبي: أي تعترف ولذا عُدِّي بالباء فيه أن الاعتراف من أجزاء الإِسلام؛ فالتحقيق أن الإيمان هنا بمعنى التصديق وهو يتعدى بالباء، ففي (١) النسائي ٨/ ١٠١ حديث ٤٩٩١. ٪ ١١٥ کتاب الإيمان بالله، القاموس: آمن به إيماناً أي صدقه، نعم لو ضمن معنى الاعتراف لكان حسناً ويكون التقدير: أن تصدق معترفاً، أو تعترف مصدقاً فيفيد كون الإقرار شطراً أو شرطاً، قيل: والحديث يدل على مغايرة العمل للإيمان فإنه أجاب عن الإِسلام ثم عن الإِيمان وجعله تصديقاً (بالله) أي بتوحيد ذاته وتفريد صفاته وبوجوب وجوده وبثبوت كرمه وجوده وسائر صفات كماله من مقتضيات جلاله وجماله، قيل: الصفة إما حقيقية لا يتوقف تصوّرها على شيء كالحياة، أو إضافية يتوقف على ذلك كالوجوب والقدم، أو وجودية وهي صفات الإِكرام، أو سلبية وهي صفات الجلال. وتنحصر الوجودية في ثمانية نظمها الشاعر في قوله: حياة وعلم قدرة وإرادة * كلام وإبصار وسمع مع البقا قال ابن الصلاح: ((هذا الحديث بيان أصل الإِيمان، وهو التصديق والإِسلام، وهو الانقياد، وحكم الإِسلام يثبت بالشهادتين وإنما أضاف إليهما الأعمال المذكورة لأنها أظهر شعائره . ثم قيل: الإِيمان قد يطلق على الإِسلام كما في حديث عبد قيس(١)، واسم الإِسلام يتناول أصل الإِيمان وهو التصديق والطاعات فإن كل ذلك استسلام فعلم أنهما يجتمعان ويفترقان، وإن كل مؤمن مسلم من غير عكس، وهذا التحقيق موافق لمذهب جماهير العلماء)) أهـ. والمشهور أنهما مترادفان في الشرع نقله ابن عبد البر عن الأكثرين لأن انقياد الظاهر لا ينفع بدون انقياد الباطن وكذا العكس، والحق أن الخلاف لفظي لأن مبنى الأوّل على الحكم الدنيوي ومدار الثاني على الأمر الأخروي، أو الأول بناؤه على اللغة والثاني مداره على الشريعة. وصنف في المسألة إمامان كبيران وأكثرا من الأدلة على أنهما متغايران أو مترادفان وتكافآً في ذلك، وقيل: التحقيق أنهما مختلفان باعتبار المفهوم متحدان في الما صدق والله أعلم. ثم التصديق إذعان النفس وقبولها بما يجب قبوله وهو تقليدي وتحقيقي، والتحقيقي إما استدلالي أو ذوقي، والذوقي إما كشفي واقف على حد العلم أو الغيب، أو غيبي غير واقف عليه، والغيبي إما مشاهدة أو شهود، والأول هو الاعتقاد الجازم المطابق الممتنع الزوال، والثاني الاعتقاد الجازم الثابت بالبرهان، والثالث الممتنع الزوال الثابت بالوجدان، والثلاثة مراتب الإِيمان بالغيب، والأخيران علم اليقين، والرابع هو المشاهدة الروحانية مع بقاء الأثنينية ويسمى عين اليقين، والخامس هو الشهود الحقاني عند تجلي الوحدة الذاتية وزوال الأثنينية ويسمى حق اليقين، هذا وإن للإيمان وجوداً غيبياً ووجوداً ذهنياً ووجوداً لفظياً؛ أما الأول فهو ما أشار إليه الشيخ الكبير أبو عبد الله الشيرازي في معتقده من أنه نور يُقذف في القلب من نور الذات، ومعناه: أن أصله نور يقذفه الحق من ملكوته إلى قلوب عباده فيباشر أسرارهم وهو (١) يراجع الحديث رقم ١٧. ١ مبنى كتاب الإيمان ١١٦ وملائكته، متصل بالحضرة ثابت في قلوبهم، فإذا انكشف جمال الحق [له] ازداد ذلك النور فيتقوى إلى أن ينبسط وينشرح الصدر ويطلع العبد على حقائق الأشياء، ويتجلى له الغيب وغيب الغيب ويظهر له صدق الأنبياء، وينبعث من قلبه داعية الاتباع فينضاف إلى نور معرفته أنوار الأعمال والأخلاق، ﴿نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء﴾، وذلك القذف والكشف يتعلق بمراد الله في أحايين(١) نسيم الصفات لا يقدر على كسبه. نعم شرائطه مكتسبة وأما الوجود الذهني فملاحظة ذلك النور ومطالعته بالتصديق، وأما الوجود اللفظي فهو الشهادتان وكما أن إيمان العوام هو التصديق بالجنان والإقرار باللسان والعمل بالأركان، فإيمان الخواص عزوب النفس من(٢) الدنيا وسلوكه طريق العقبى وشهود القلب مع المولى، وإيمان خواص الخواص ملازمة الظاهر والباطن في طاعة الله وإنابة الخلق إلى الفناء في الله وإخلاص السر للبقاء بالله ذوّقنا الله (وملائكته) جمع ملأك، وأصله ملك. [بتقديم الهمزة] من الألوكة، وهي الرسالة قدمت اللام على الهمزة وحذفت الهمزة بعد نقل حركتها إلى ما قبلها فصار ملك، ولما جمعت ردت الهمزة، وقيل: قلبت ألفا وقدمت اللام وجمع على فعائل كشمال وشمائل، ثم تركت همزة المفرد لكثرة الاستعمال وألقيت حركتها إلى اللام والتاء التأنيث الجمع، أو مزيدة لتأكيد معناه، أطلقت بالغلبة على الجواهر العلوية النورانية المبرأة عن الكدورات الجسمانية، وهي وسائط بين الله وبين أنبيائه وخاصة أصفيائه. وقال بعضهم: هي أجسام لطيفة نورانية مقتدرة على تشكلات مختلفة يجوز عليهم الصعود والنزول والتسبيح، لهم بمنزلة النفس منا فمشقة التكليف منتفية. والمعنى: نعتقد بوجودهم تفصيلاً فيما علم اسمه منهم ضرورة كجبريل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل وإجمالاً في غيرهم، وأنهم عباد مكرمون يسبحون الليل والنهار لا يفترون، ولا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، وأن منهم كراماً كاتبين، وحملة العرش المقربين، وأن لهم أجنحة مثنى وثلاث ورباع، وأنهم منزهون عن وصف الأنوثة والذكورة. وأما كون الرسل أفضل منهم أو هم فلا يجب اعتقاد أحدهما فإن المسألة ظنية فإن قلت: ما الموجب لدخول الإيمان بها في مفهوم الإيمان الصحيح مع أن المقصود بالذات معرفة المبدأ والمعاد، فأجيب بأن الناس ينقسم إلى فطن يرى المعقول كالمحسوس ويدرك الغائب كالمشاهد وهم الأنبياء، وإلى من الغالب عليهم متابعة الحس ومتابعة الوهم فقط وهم أكثر الخلائق، فلا بد لهم من معلم يدعوهم إلى الحق ويذودهم عن الزيغ المطلق، ويكشف لهم المغيبات ويحل عن عقولهم الشبهات، وما هو إلا النبي المبعوث لهذا الأمر وهو وإن كان مشتعل القريحة يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار يحتاج إلى نور يظهر له الغائب وهو الوحي والكتاب، ولذلك سمي القرآن نوراً، ولا بد له من حامل وموصل، وهو الملك المتوسط وإليه الإشارة بقوله: [﴿إلا من ارتضى من رسول فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصداً﴾ [الجن - ٢٧] فالمراد لا يصير مؤمناً إلا إذا تعلم من النبي ما يحققه بإرشاد الكتاب الواصل إليه بتوسط الملك أن له ١٣/١ % (١) في المخطوطة احانين. (٢) في المخطوطة عن. ١٠ عمون کتاب الإيمان ١١٧ وكتُبِهِ، ورُسله، واليوم الآخر، إلها واجب الوجود فائض الجود إلى غير ذلك مما يثبت بالشرع (وكتبه) أي ونعتقد بوجود كتبه المنزلة على رسله تفصيلاً فيما علم يقيناً كالقرآن والتوراة والزبور والإنجيل، وإجمالاً فيما عداه، وأنها منسوخة بالقرآن، وأنه لا يجوز عليه نسخ(١) ولا تحريف إلى قيام الساعة لقوله تعالى: ﴿إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون﴾ [الحجر - ٩]. وأما كون كلام الله تعالى غير مخلوق ففيه اختلاف بين المعتزلة وأهل السنة] قيل: الكتب المنزلة مائة وأربعة كتب، منها عشر صحائف نزلت على آدم وخمسون على شيث وثلاثون على إدريس وعشرة على إبراهيم والأربعة السابقة وأفضلها القرآن (ورسله) بأن تعرف أنهم بلغوا ما أنزل الله إليهم، وأنهم معصومون، وتؤمن بوجودهم فيمن علم بنص أو تواتر تفصيلاً، وفي غيرهم إجمالاً . وهذا الحديث يدل على ترادف الرسول والنبي فإنه كما يجب الإِيمان بالرسل يجب بالأنبياء، وعن الإِمام أحمد عن أبي أمامة قال أبو ذر: ((قلت: يا رسول الله كم وفاء عدة الأنبياء، قال: مائة ألف وأربعة وعشرون ألفاً؛ الرسل من ذلك ثلاثمائة وخمسة عشر جماً غفيرا))(٢) إ هـ. وهو ظاهر في التغاير وعليه الجمهور في الفرق بينهما بأن النبي: إنسان بعثه الله ولو لم يؤمر بالتبليغ، والرسول: من أمر به فكل رسول نبي ولا عكس، فلعل وجه التخصيص أن الرسول هو المقصود بالذات في الإِيمان من حيث إنه مبلغ وأن الإيمان بالأنبياء إنما يعرف من جهة تبليغ الرسل فإنه لا تبليغ للأنبياء والله أعلم. وهذا لا ينافي حديث أحمد قوله تعالى: ﴿ولقد أرسلنا رسلاً من قبلك منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص عليك ﴾ [غافر: ٧٨] لأن المنفي هو التفصيل والثابت هو الإجمال، أو النفي مقيد بالوحي الجلي والثبوت متحقق بالوحي الخفي. فإن قلت ما فائدة ذكر ما بعد الرسل وما قبلهم مع أن الإِيمان بهم المستلزم للإيمان بجميع ما جاؤوا به يستلزم الإِيمان بجميع ذلك؟ قلت: التنبيه على الترتيب الواقع فإن الله تعالى أرسل الملك بالكتاب إلى الرسول لمعرفة المبدأ والمعاد، وإن الخير والشر يجريان على العباد بمقتضى ما قدره وقضاه وأراده، ولهذا قدم الملائكة لا لكونهم أفضل من الرسل لأنه مختلف ولا من الكتب إذ لم يقل به أحد. وهذا الترتيب مما يقتضيه حكمة عالم التكليف والوسائط وإلا فمقام: ((لي مع الله وقت لا يسعني فيه ملك مقرب ولا نبي مرسل)) معلوم لنبينا ◌َّر إذ فيه إشارة إلى تمكينه في وقت كشوف المشاهدة واستغراقه في بحر الوحدة حيث لا يبقى فيه أثر البشرية والكونين، وهذا محل استقامته في مشهد التمكين الذي أخبر الله عنه بقوله: ﴿فكان قاب قوسين أو أدنى﴾ [النجم - ٩] وليس هناك مقام جبريل وجميع الكروبيين ولا مقام الصفي والخليل ومن دونهم من الأنبياء، وكان أكثر أوقاته كذلك لكن يرده الله إلى تأديب أمته في بعض الأوقات ليجري عليهم أحكام التلوين ولا يذوب في أنوار كبرياء الأزل (واليوم الآخر) أي يوم القيامة لأنه آخر أيام الدنيا وهو الأحسن ليشمل أحوال البرزخ فإنه (١) المراد هنا: أنه لا ينسخ بكتاب آخر والله أعلم. (٢) أحمد فى المسند ٢٦٦/٥. ١ وحدة ١١٨ كتاب الإيمان وتُؤمن بالقدر خيرِهِ وشَره)). آخر يوم من أيام الدنيا وأول يوم من أيام الآخرة، ولأنه مقدمته، أو لأنه أخر عنه الحساب والجزاء، وقيل: هو الأبد الدائم الذي لا ينقطع لتأخره عن الأوقات المحدودة وذلك بأن تؤمن بوجوده وبما فيه من البعث الجسماني والحساب والجنة والنار وغير ذلك مما جاءت به 590v النصوص، وفي رواية البخاري ((والبعث الآخر))(١) فهو تأكيد كأمس الذاهب، أو لإفادة تعدده؛ فإن الأول هو الإخراج من العدم إلى الوجود، أو من بطون الأمهات إلى الدنيا، والثاني البعث من بطون القبور إلى محل الحشر [والنشور]، وفي أخرى له: ((وبلقائه وتؤمن بالبعث))(٢) فاللقاء الانتقال إلى دار الجزاء، والبعث بعث الموتى من قبورهم وما بعد من حساب وميزان وجنة ونار، وقد صرح بهذه الأربعة في رواية، وقيل: اللقاء الحساب، وقيل: رؤية الله تعالى، وقيل: المراد بالبعث بعثة الأنبياء (وتؤمن) أي وأن تؤمن (بالقدر) بفتح الدال ويسكن ما قدره الله وقضاه وإعادة العامل إما لبعد العهد كقول الشاعر: لقد علم الحي اليماني أنني إذا قلت أما بعد إني خطيبها # أو لشرف قدره وتعاظم أمره وقع فيه الاهتمام لأنه محار الأفهام ومزال الأقدام، وقد علم عليه الصلاة والسلام أن الأمة سيخوضون فيه وبعضهم يتقونه فاهتم بشأنه ثم قرره بالإبدال [بقوله] (خيره وشره) أي نفعه وضره، وزيد في رواية: ((وحلوه ومره)) فإن البدل توضيح مع التوكيد المفيد للتعميم لتكرير العامل، وعندي أن إعادة العامل هنا أفادت أن هذا المؤمن به دون ما سبق، فإن من أنكر شيئاً مما تقدم كفر بخلاف من أنكر هذا فإنه لا يخرجه عن دائرة الإسلام فيكون بمنزلة التذييل والتكميل، وأما قول ابن الملك: ((خيره وشره)) بدل بعض فغير ظاهر إلا أن يقال باعتبار كل من [المعطوف] والمعطوف عليه، والأظهر أنه بدل الكل والرابطة بعد العطف، والمعنى: تعتقد أن الله قدر الخير والشر قبل خلق الخلائق، وأن جميع الكائنات متعلق بقضاء الله مرتبط بقدره. قال تعالى: ﴿قل كل من عند الله﴾ [النساء - ٧٨] وهو مريد لها لقوله تعالى: ﴿فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقاً حرجاً كأنما يصّعّد في السماء ﴾ [الأنعام - ١٢٥] فالطاعات يحبها ويرضاها بخلاف الكفر والمعاصي، قال تعالى: ﴿ولا يرضى لعباده الكفر﴾ [الزمر - ٧] والإِرادة لا تستلزم الرضا. ثم القضاء هو الحكم بنظام جميع الموجودات على ترتيب خاص في أم الكتاب أوّلاً ثم في اللوح المحفوظ ثانياً على سبيل الإجمال، والقدر تعلق الإرادة بالأشياء في أوقاتها وهو تفصيل قضائه السابق بإيجادها في المواد الجزئية المسماة بلوح المحو والإِثبات، كما يُسمى الكتاب بلوح القضاء، واللوح المحفوظ بلوح القدر في وجه هذا تحقيق كلام القاضي. ولما (١) البخاري ٥١٣/٨ حديث ٤٧٧٧. (٢) البخاري ١١٤/١ حديث ٥٠. . 4 2 ١١٩ کتاب الإيمان كان الإيمان بالقدر مستلزماً للإيمان بالقضاء لم يتعرض له، وذكر الراغب (١) أن القدر هو التقدير، والقضاء هو التفصيل فهو أخص، ومثل هذا بأن القدر ما أعد للبس والقضاء بمنزلة اللبس، ويؤيده ما ذكره الحكيم الترمذي: ((إنه كان في البدء علم ثم ذكر [ثم مشيئة] ثم تدبير ثم مقادير ثم إثبات في اللوح ثم إرادة ثم قضاء»، فإذا قال: كن فكان على الهيئة التي علم فذكر ثم شاء فدبر ثم قدر [ثم](٢) أثبت ثم قضى، فعلم منه أنه ما من شيء من حيث استقام في العلم الأزلي إلى أن استقام في اللوح ثم استبان إلا يتعلق به أمور من الله تعالى. قال بعض العارفين: إن القدر كتقدير النقاش الصورة في ذهنه، والقضاء كرسمه تلك الصورة للتلميذ بالأسرب، ووضع التلميذ الصبغ عليها متبعاً لرسم الأستاذ هو الكسب والاختيار، وهو في اختياره لا يخرج عن رسم الأستاذ، كذلك العبد في اختياره لا يمكنه الخروج عن القضاء والقدر ولكنه متردد بينهما. هذا والقدرية فسروا القضاء بعلمه بنظام الموجودات وأنكروا تأثير قدرة الله تعالى في أفعال المخلوقات، ومعتقد أهل السنة والجماعة أن أفعال العباد خيرها وشرها مخلوقة لله تعالى مرادة له، ومع ذلك هي مكتسبة للعباد لأن لهم نوع اختيار في كسبها وإن رجع ذلك في الحقيقة إلى إرادته تعالى وخلقه ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون، وهذا أوسط المذاهب وأعدلها وأوفقها للنصوص، والحق والصواب خلافاً للجبرية القائلين بأن العباد مجبورون على أفعالهم؛ إذ يلزمهم أن لا تكليف، ومن اعترف منهم بهذا اللازم فهو كافر بخلاف من زعم أن سلب قدرة العبد من أصلها إنما هو تعظيم لقدرة الله تعالى عن أن يشركه فيها أحد بوجه فإنه مبتدع، وخلافاً للقدرية النافين للقدر وهم المعتزلة القائلون بأن العبد يخلق أفعال نفسه، وأن قدرة الله تعالى لا تؤثر فيها، وأن إرادته لا تتعلق بها لاستقلال قدرة العبد بالإِيجاد والتأثير في أفعاله؛ إذ يلزمهم أن له تعالى شركاء في ملكه سبحانه فمن اعتقد حقيقة الشركة قصداً فقد كفر أو تنزيه الله تعالى عن الفعل القبيح فهو مبتدع. رُوي أنه كتب الحسن البصري إلى الحسن بن علي رضي الله عنهم يسأله عن القضاء والقدر فكتب إليه الحسن بن علي: ((من لم يؤمن بقضاء الله وقدره وخيره وشره فقد كفر، ومن حمل ذنبه على ربه فقد فجر، وأن الله تعالى لا يطاع استكراهاً ولا يعصى بغلبة لأنه تعالى مالك لما ملكهم وقادر على ما أقدرهم، فإن عملوا بالطاعة لم يحل بينهم وبين ما عملوا، وإن عملوا بالمعصية فلو شاء لحال بينهم وبين ما عملوا فإن لم يفعل فليس هو الذي جبرهم على ذلك، ولو جبر الله الخلق على الطاعة لأسقط عنهم الثواب، ولو جبرهم على المعصية لأسقط عنهم العقاب ولو أهملهم كان ذلك عجزاً في القدر، ولكن له فيهم المشيئة التي غيبها عنهم، فإن عملوا بالطاعة فله المنة عليهم وإن عملوا (١) المقصود الراغب الأصبهاني وهو أبو القاسم الحسين بن محمد ت (٥٠٢) صاحب كتاب ((المفردات في غريب القرآن)». (٢) وفي المخطوطة ((ف) بدل ((ثم). ١٢٠ ٩٧٧٠ كتاب الإيمان قال: صدقت. قال: فأخبرني عن الإِحسان. قال: ((أن تعبدَ اللَّهَ بالمعصية فله الحجة عليهم والسلام)). فهذه رسالة يظهر عليها أنوار مشكاة النبوة والرسالة. ثم اعلم أن الإيمان بالقدر يستلزم العلم بتوحيد ذات الحق؛ لأن إتيان المقدورات وأحكامها على ما هو حقها في أزمنة وأمكنة مخصوصة تدل على توحد الحكم بتقديرها المقتضي لتوحد المقدّر والعلم بصفاته، كسعة علمه ورحمته على العالمين وآثار قدرته وحكمته للمخلوقين، ونفوذ قضائه فيهم والعلم بكمال صنعه وأفعاله، وأن الحوادث مستندة إلى الأسباب الإلهية، فيعلم أن الحذر لا يقطع القدر ولا ينازع أحداً في طلب شيء من اللذات ولا يأنس بها إذا وجدها، ولا يغضب بسبب فوت شيء من المطالب، ولا بوقوع شيء من المهارب، قال الله تعالى: ﴿لكيلا تحزنوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم﴾ [الحديد: ٢٣]، وورد في الحديث: ((ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك))(١)، فيكون مستسلماً للحق فيما أراده من القضاء المطلق وحسن الخلق مع سائر الخلق، قال بعض العارفين: ((إن الله قدر وجود مخلوقاته لمظاهر تجلي أسمائه وصفاته، فلكل منها مقدار مقدر لمظاهر تجلي ما علمه الله له [من] الأسماء والصفات مما يليق به وهو مستعد له، وبذلك يسبح [له] كما قال: ﴿وإن من شيء إلا يسبح بحمده﴾ [الإِسراء - ٤٤] ولكل ذرة لسانٌ ملكوتي ناطق بالتسبيح والتحميد تنزيهاً لصانعه وحمداً له على ما أولاه من مظهريتها للصفات الجمالية والجلالية؛ فالأشياء كلها مقادير لأسماء الله تعالى وصفاته دون ذاته فإنه لا يسعها إلا قلب المؤمن: ((لا يسعني أرضي ولا سمائي ولكن يسعني قلب عبدي المؤمن))، ولذا قيل: ((قلب المؤمن عرش الله))، وقال أبو يزيد قدس سره(٢): ((لو وقع العالم ألف ألف مرة في زاوية من زوايا قلب العارف ما أحس به)). (قال صدقت قال فأخبرني عن الإِحسان) قيل: أي المعهود ذهناً في الآيات القرآنية من قوله تعالى: ﴿للذين أحسنوا الحسنى﴾ [يونس - ٢٦] ﴿وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان﴾ [الرحمن - ٦٠] ﴿وأحسنوا إن الله يحب المحسنين﴾ [المائدة - ٥٣] والأظهر أن المراد به في الآيات ما اشتمل على الإيمان والإِسلام وغيرهما من الأعمال والأخلاق والأحوال، والمراد في الحديث المعنى الأخص فقيل: أراد به الإِخلاص فإنه شرط في صحة الإِيمان والإِسلام. معاً لأن من تلفظ بالكلمة وجاء بالعمل من غير نية إلا لخلاص لم يكن إيمانه صحيحاً قاله في النهاية، فكأن المخلص في الطاعة يوصل الفعل الحسن إلى نفسه والمرائي يبطل عمل نفسه. والإِخلاص تصفية العمل من طلب عوض وغرض عرص ورؤية رياء، والأظهر أن المراد به إحسان العمل وهو إحكامه وإتقانه، وهو يشمل الإِخلاص وما فوقه من مرتبة الحضور مع الله تعالى، ونفي الشعور عما سواه ويدل عليه الجواب. (قال أن تعبد الله) أي توحده وتطيعه في أوامره وزواجره، وفي رواية: ((أن تخشى الله)) ومآلهما واحد لأن العبادة أثر الخشية وهي منتجة للعبادة وهي الطاعة مع الخضوع والمذلة، قال (١) ابن ماجة في مقدمة سننه ٢٩/١ حديث ٧٧. (٢) لعله أبو يزيد البسطامي. المجا هد