Indexed OCR Text
Pages 81-100
pie! خطبة الكتاب ٨١ وإِني إِذا نسبتُ الحديثَ إِليهم كأني أسندتُ إِلى النبيّ وَّر؛ لأنهم قد فَرغوا منه، وأغنونا عنه. قال: الفقه سؤال وجواب وهو الذي تفرد بوضع الأسئلة، فسلم له نصف العلم، ثم أجاب عن الكل، وخصومه لا يقولون إنه أخطأ في الكل فإذا جعل ما وافقوا فيه مقابلاً بما خالفوا فيه سلم له ثلاثة أرباع العلم وبقي الربع مشتركاً بين الناس. ومما ذكره ابن حجر في مناقبه المسمى بالخيرات الحسان، أن الشافعى قال: قلت: لمالك رأيت أبا حنيفة، فقال: رأيته(١) رجلاً لو كلمك في السارية أن يجعلها ذهباً لقام بحجته. ولما دخل الشافعي بغداد زار قبره وصلى عنده ركعتين فلم يرفع يديه في التكبير، وفي رواية أن الركعتين كانتا الصبح وأنه لم يقنت، فقيل له في ذلك فقال: أدبنا مع هذا الإِمام أكثر من أن نظهر خلافه بحضرته، قال ابن حجر: ((وتلمذ له كبار من الأئمة المجتهدين والعلماء الراسخين عبدالله بن المبارك والليث بن سعد والإِمام مالك بن أنس)) اهـ. ومنهم داود الطائي وإبراهيم ابن أدهم وفضيل بن عياض وغيرهم من أكابر السادة الصوفية رضي الله عنهم أجمعين. وما استظل بحائط المديون حين أتاه متقاضياً، وتصدق بجميع مال أتى به وكيله إليه لما خلط ثمن ثوب معيب بيع مخفياً، قيل: وكان المال ثلاثين ألفاً، وترك لحم الغنم لما فقدت شاة في الكوفة سبع سنين لما قيل: إنها أكثر ما تعيش فيه. ثم اعلم أن المؤلف لما قال فيما قدمه فأعلمت ما أغفله، استشعر اعتراضاً بأن الإعلام الحقيقي إنما هو بإيراد الإِسناد الكلي ليترتب عليه معرفة رجاله التي يتوقف عليها الحكم بصحة الحديث وحسنه وضعفه وسائر أحواله، فاعتذر عن الأشكال فقال: (وإني إذا نسبت الحديث) أي كل حديث (إليهم) أي إلى بعض الأئمة المذكورين المعروفة كتبهم بأسانيدهم بين العلماء المشهورين (كأني أسندت) أي الحديث برجاله (إلى النبي ◌َّ#) أي فيما إذا كان الحديث مرفوعاً وهو الغالب، وإلى أصحابه إذا كان موقوفاً وهو المرفوع حكماً (لأنهم) أي الأئمة (قد فرغوا منه) أي من الإسناد الكامل بذكرهم، قال ابن حجر: أي من الإسناد(٢) المفهوم من أسندت(٣) على حد ﴿وأن تعفوا أقرب للتقوى﴾ [البقرة - ٢٣٧ ]١ هـ. ولا يخفى أن قوله: وأن تعفوا بتأويل المصدر مبتدأ خبره أقرب للتقوى، والتقدير: وعفوكم أقرب للتقوى، نحو ﴿وأن تصوموا خير لكم ﴾ [البقرة - ١٨٤ ] فالصواب أنه على حد ﴿اعدلوا هو أقرب للتقوى﴾. ثم في أصله على حد وأن تعفوا هو أقرب وهو إما سهو من الكتاب، أو وهم من مصنف الكتاب، والله أعلم بالصواب. (وأغنونا) بهمزة قطع، أي وجعلونا في غنى(٤) وكفاية (عنه) أي عن تحقیق الإسناد من وصله وقطعه ووقفه ورفعه وضعفه وحسنه وصحته ووضعه، ومن ثم لزم الأخذ بنص أحدهم على صحة السند أو الحديث أو على حسنه أو أضعفه أو وضعه؛ فعلم من (١) في المخطوطة رأيت. (٣) في المخطوطة أسند. (٢) في المخطوطة الأسانيد. (٤) فى المخطوطة غناه. قيد/1 ٨٢ خطبة الكتاب وسردُت الكتب والأبوابَ كما سردها، واقتفيتُ أثره فيها، وقسمتُ كلَّ بابٍ غالباً على فصولٍ ثلاثة : كلام المصنف أنه يجوز نقل الحديث من الكتب المؤلفة المعتمدة التي اشتهرت أو صحت نسبتها لمؤلفيها، كالكتب الستة وغيرها من الكتب المؤلفة وسواء في جواز نقله مما ذكر أكان نقله للعمل بمضمونه ولو في الأحكام، أو للاحتجاج. ولا يشترط تعدد الأصل المنقول منه، وما اقتضاه كلام ابن الصلاح من اشتراطه حملوه على الاستحباب والاستظهار، ولكن يشترط في ذلك الأصل أن يكون قد قوبل على أصل معتمد مقابلة صحيحة، لأنه حينئذ يحصل به الثقة التي مدار الاعتماد عليها [ صحة ] واحتجاجاً. نعم نسخ الترمذي مختلفة كثيراً في الحكم على الحديث بل وسنن أبي داود أيضاً، فلا بد من المقابلة على أصول معتمدة منهما. وعلم من كلام المصنف أيضاً أنه لا يشترط في النقل من الكتب المعتمدة للعمل والاحتجاج أن يكون له به رواية إلى مؤلفيها، ومن ثم قال ابن برهان: ذهب الفقهاء كافة إلى أنه لا يتوقف العمل بالحديث على سماعه، بل إذا صحت عنده النسخة من السنن جاز له العمل بها وإن لم يسمع، وشذ بعض المالكية فقال: اتفق العلماء على أنه لا يصح لمسلم أن يقول: قال رسول الله الطيار: كذا حتى يكون عنده ذلك القول مروياً ولو على أقل وجوه الروايات، لقوله عليه الصلاة والسلام: ((من كذب عليّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار))(١)، وفي رواية بحذف متعمداً، وتبعه الحافظ الزين(٢) العراقي؛ فإنه بعد أن قرر أنه يقبح للطالب أن لا يحفظ بإسناده عدة أحاديث يتخلص بها عن كذا وعن كذا، قال: ويتخلص به من الجرح بنقل ما ليست له به رواية، فإنه غير سائغ بإجماع أهل الدراية، وانتصر جماعة للأول. وقد يجمع بين الإجماعين المتعارضين بحمل الأول على ما إذا نظر في الأصل المعتمد وأخذ منه الحديث للعمل أو الاحتجاج، والثاني على ما إذا حدث بأحاديثها موهماً نسبتها إليه قراءة وإسناداً، فهذا لا يجوز لما فيه من مزيد التغرير، وبهذا اندفع ما أورد على الثاني من أنه يلزم عليه منع إيراد ما في الصحيحين أو أحدهما لمن لا رواية له به، وجواز نقل ما له به رواية وإن كان ضعيفاً. (وسردت الكتب والأبواب) أي أوردتها ووضعتها متتابعة متوالية (كما سردها) أي رتبها وعينها الإمام البغوي في المصابيح، (واقتفيت) أي اتبعت (أثره) بفتحتين وقيل بكسر الهمزة وسكون المثلثة أي طريقه (فيها) أي الكتب والأبواب من غير تقديم وتأخير وزيادة عنوان وتغيير، فإن ترتيبه على وجه الكمال وتبويبه في غاية من الحسن والجمال، ويحتمل أن يكون تأكيداً لكمال المتابعة وتبرئة عما قد يرد على إيراده بعض الكتب والأبواب من وجوه المناسبة (وقسمت) بالتخفيف (كل باب) وكذا كل كتاب أي جعلته مقسوماً (غالباً) أي في غالب الأحوال (على فصول ثلاثة) وقيد الغالبية بمعنى الأكثرية، لأنه قد لا يوجد الفصل الثاني أو الثالث، أو كلاهما في بعض الأبواب (١) البخاري ١/ ٢٠٢ حديث رقم ١١٠ ومسلم ٢٢٩٨/٤ حديث ٣٠٠٤. (٢) في المخطوطة حافظ الدين. ٨٣ خطبة الكتاب أوّلها: ما أخرجه الشيخان أو أحدُهما، واكتفيتُ بهما وإِن اشترك فيه الغيرُ؛ لعلوّ درجتهما في الرّواية . من الكتاب (أولها) أي أول الفصول في هذا الكتاب بدل قول البغوي في المصابيح من الصحاح (ما أخرجه) أي أورده أو أخرجه من بين الأحاديث (الشيخان) أي بزعم صاحب المصابيح لما سيأتي من قوله ((وإن عثرت على اختلاف الفصلين))، أو المراد في الغالب والنادر كالمعدوم (أو أحدهما) أي أحد الشيخين بزعمه أيضاً، وهما البخاري ومسلم في اصطلاح المحدثين، وأبو يوسف ومحمد عند فقهاء الحنفية، والرافعي والنووي عند الشافعية (واكتفيت) وفي نسخة واكتفى، وهو يحتمل المعلوم التفاتاً، والمجهول من الماضي والمضارع المتكلم المعروف وهو الأظهر (بهما) أي بذكرهما في التخريج (وإن اشترك) وصلية لا تطلب جزاء ولا جواباً (فيه) أي في تخريجه (الغير) أي غيرهما من المحدثين والمخرّجين كبقية الكتب الستة ونحوها العلو درجتهما) أي على سائر المخرجين مع الفرق بينهما (في الرواية) متعلق بالعلو، أي في شرائط إسنادها والتزام صحتها ما لم يلتزمه(١) غيرهما من المحدثين، وإن كان غيرهما أعلى مرتبة منهما في علو الإسناد، فإن البخاري أخذ عن أحمد بن حنبل وهو أخذ عن الشافعي وهو عن مالك، ولذا قال بشر الحافي: ((إن من زينة الدنيا أن يقول الرجل حدثنا مالك [ كذا ])). وهذا يحتمل أن يكون مدحاً للإسناد بمقتضى العلم الظاهر، ويحتمل ذماً بناء على التصوف الذي مبناه على علم الباطن كما قال بعضهم: ((حدثنا باب من أبواب الدنيا))، ولكنه محمول على ما إذا كان قصده السمعة وغرضه الرياء . ثم اعلم أن الأئمة قد اختلفوا في شرطهما الذي التزماه، فإنه لم يصرح واحد منهما به في كتابه، والأظهر ما قاله أبو عبدالله الحاكم وصاحبه البيهقي: إن شرطهما أن يكون للصحابي المشهور بالرواية عن النبي ◌َّ# راويان فأكثر، ثم يكون للتابعي المشهور راويان ثقتان، ثم يرويه عنه من أتباع التابعين الحافظ المتقن المشهور، وله رواة ثقات من الطبقة الرابعة، ثم يكون شيخ البخاري أو مسلم حافظاً متقناً مشهوراً بالعدالة في روايته، وله رواة، ثم يتداوله أهل الحديث بالقبول إلى وقتنا هذا كالشهادة على الشهادة. وقال شيخ الإسلام الحافظ ابن حجر العسقلاني: ((وهو وإن انتقض في بعض الصحابة الذين أخرجا لهم فهو معتبر فيمن بعدهم، فليس في كتابيهما حديث أصلاً من رواية من ليس له إلا راوٍ واحد فقط)) اهـ. قيل: والحاكم موافق على استثناء الصحابة فكأنه رجع عن الأول؛ ثم المراد بقوله في مستدركه: على شرطهما أو شرط أحدهما عند النووي وابن دقيق العيد والذهبي كابن الصلاح أن يكون رجال ذلك الإسناد بأعيانهم في كتابيهما، أو كتاب أحدهما وإلا قال: صحيح فحسب، ومخالفته لذلك في بعض المواضع تحمل على الذهول. هذا وقال السيد جمال الدين لو لم يكتف المصنف بهما وذكر في كل حديث غيرهما ممن رواه كان أولى وأنسب وأحرى وأصوب، لأن الحديث وإن كان في أصل الصحة لا يحتاج إلى غيرهما، لكن في الترجيح لا يستغنى عن ذكر غيرهما، لأن 4:05 (١) في المخطوطة يلزم. Fer ٨٤ صويا خطبة الكتاب وثانيها: ما أورده غيرُهما من الأئمة المذكورين. وثالثُها: ما اشتملَ على معنى الباب من مُلحقاتٍ مناسبةٍ مع محافظةٍ على الشريطة، وإِن كان مأثوراً عن السلف والخلف. الحديث الذي رواه الستة مثلاً لا شك في ترجيحه على الذي رواه الشيخان أو أحدهما ولم يخرجه غيرهما (وثانيها) أي ثاني الفصول وهو المعبر عنه في المصابيح بقوله: من الحسان (ما أورده غيرهما من الأئمة المذكورين) وهم أبو داود والترمذي والنسائي والدارمي وابن ماجة، فإن أحاديث المصابيح لا تتجاوز عن كتب الأئمة السبعة وأكثرها صحاح (وثالثها) وهو المعبر عنه بالفصل الثالث (ما اشتمل على معنى الباب) أي على معنى عقد له الباب ولم يذكره البغوي في الكتاب (من ملحقات) بفتح الحاء ومن بيانية لما اشتمل (مناسبة) بكسر السين أي مشاكلة، وهي صفة ملحقات، والمراد بها زيادات ألحقها صاحب المشكاة على وجه المناسبة بكل كتاب وباب غالباً لزيادة الفائدة وعموم العائدة (مع محافظة على الشريطة) أي من إضافة الحديث إلى الراوي من الصحابة والتابعين، ونسبته إلى مخرّجه من الأئمة المذكورين. ولما كان صاحب المصابيح ملتزماً للأحاديث المرفوعة في كتابه في الفصلين ولم يلتزم المصنف ذلك نبه عليه بقوله: (وإن كان) أي المشتمل (مأثوراً) أي منقولاً ومروياً (عن السلف) أي المتقدمين وهم الصحابة (والخلف) أي المتأخرين وهم التابعون. واعلم أن تقديم السلف على الخلف ثابت في جميع النسخ المصححة، وكأنه وقع في أصل ابن حجر سهو من تقديم الخلف على السلف واعتمد عليه ولتوجيهه تكلف، وقال: ((الخلف هم [ من ] بعد القرون الثلاثة الأول التي أشار ◌َ ل# إليها بقوله: ((خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم)»(١)، وقدمهم مع أن رتبتهم التأخير كما صرح به هذا الحديث لأن تقديمهم أنسب بالغاية المذكورة، لأنه إذا أتى بالمأثور عنهم فما عن السلف أولى. اهـ. ولا يخفى أن هذا لا يصلح أن يكون سبباً لتقديم الخلف على السلف، نعم لو اقتصر على ذكر الخلف ونقل في كتابه عن السلف لكان يوجه بهذا التوجيه، قال: والسلف وهم أهل القرون الثلاثة الذين هم خير الأمة بشهادة نبيهم وَلّة، وزعم ابن عبد البر أنه قد يكون في الخلف من هو أفضل من الصحابة مما تفرد به، والأحاديث التي استدل بها ضعيفة أو محمولة على أن لهم مزية من حيث قوّة الإِيمان بالغيب والصبر على مر الحق في زمن الجور الصرف، والمفضول قد توجد فيه مزية بل مزايا لا توجد في الفاضل، ومن ثمة قيل لابن المبارك: ((أيما أفضل معاوية أو عمر بن عبد العزيز؟، فقال: الغبار الذي دخل في أنف فرس معاوية مع النبي ◌َّر خير من مثل عمر [ بن عبد ] العزيز كذا [ و] كذا مرة)) اهـ. ولا يخفى أن ابن عبد البر ما أراد إلا هذا المعنى بهذه الحيثية بعينها، وهي أن الخلف قد يوجد فيهم [ الـ] كمالات العلمية و [1] لرياضات العملية والحقائق الأنسية والدقائق القدسية وحالات من الكرامات وخوارق العادات بحيث إنهم يكونون أفضل من بعض السلف ممن ليس له ذلك، كأعرابي رأى النبي ◌َّ من بعد فإنه لا يقال في حقه ر.م. 775 (١) أخرجه البخاري ٢٥٨/٥ حديث ٢٦٥١. خطبة الكتاب ٨٥ ثم إِنك إِنْ فقدتَ حديثاً في بابٍ؛ فذلك عن تكرير أُسقطُه. وإِن وجدت آخرَ بعضه متروكاً على اختصاره، أو مضموماً إليه تمامه؛ فعن داعي اهتمامٍ أتركهُ وألحقه. وإِنْ عَثرْتَ على اختلافٍ في الفصلين ( جوط إنه من جميع الوجوه أفضل من جميع الخلف من الأئمة المجتهدين والمشايخ المعتبرين، وأما فضيلة نسبة الصحبة فلا ينكر مؤمن شرفها، فإنه بمنزلة الإكسير في عظم التأثير. ثم تفسير السلف والخلف على ما شرحه وإن كان صحيحاً في نفس الأمر ولكن لا يلائم كلام المصنف، فإنه ما يروي في كتابه إلا عن الصحابة والتابعين ويدل عليه أسماء رجاله المحصورين في ذكر الصحابة والتابعين، فإذا فسر السلف بهم فلا يبقى لذكر الخلف معنى وهذا خلف. (ثم) أي بعد ما ذكرت لك إني التزمت متابعة صاحب المصابيح في كل باب (إنك) أي أيها الناظر في كتابي هذا (إن فقدت) أي من محله (حديثاً) أي من أصله الذي هو المصابيح (في باب) مثلاً، أو في كتاب أيضاً، والمعنى ما وجدته بالكلية لئلا يشكل بنقله من باب إلى باب كما فعله في مواضع من الكتاب (فذلك) أي الفقد وعدم الوجد ليس صادراً عن طعن أو سهو بل صدر (عن تكرير) أي عن وقوع تكرار وقع في المصابيح (أسقطه) أي أحذف ذلك الحديث لتكريره، وأذكر في موضع آخر بعينه من غير تغييره إذ لا داعي إلى إتيانه بعد ظهوره وبيانه، (وإن وجدت آخر) أي صادفت حديثاً آخر (بعضه) بالنصب بدل بعض من كل أي حال كونه (متروكاً) أي بعضه حال كونه جارياً أو بناء (على اختصاره) يعني اختصار محيي السنة، ويؤيده قوله فيما بعد: ((أتركه وألحقه))، ويحتمل عود الضمير إلى الحديث ويؤيده قوله: (أو مضموماً إليه تمامه) كذا ذكره شيخ مشايخنا ميركشاه، واقتصر الطيبي على الأوّل وتبعه ابن حجر، والأظهر الثاني كما أفاده السيد جمال الدين بأنه حينئذ يكون الكلام على نسق واحد، وأما على الأول فيحصل تفكيك الضمير وهو غير ملائم، ثم المعنى أو وجدت حديثاً آخر مضموماً إليه تمامه الذي أسقطه البغوي أو أتى به في محل آخر (فعن داعي اهتمام) الفاء جزائية، أي فذلك الترك والضم لم يقع اتفاقاً وإنما صدر ونشأ عن موجب اهتمام، وقيل: عن بمعنى اللام أي فهو لأجل باعث اهتمام اقتضى أني (أتركه) أي على اختصاره في الأوّل (وألحقه) الواو بمعنى أو كما في نسخة، أي وألحقه في الثاني لفوات الداعي والسبب إلى اختصاره، فهو نشر مرتب، قال الفاضل الطيبي: ((وذلك بأن تلك الرواية كانت مختصرة عن حديث طويل جداً فأتركه اختصاراً، أو كان حديثاً يشتمل على معانٍ جمة يقتضي كل باب معنى من معانيه))، وأورد الشيخ كلا في بابه، فاقتفينا أثره في الإيراد وما لم يكن على هذين الوضعين أتممناه غالباً)) اهـ. قال السيد جمال الدين كذا قرره الشارح وحرره وأسند الاختصار والإتمام بصيغة المتكلم مع [ الغير ] من غير أن ينقل هذا الكلام من المؤلف، وهذا الأمر من الشارح يحتمل أن يحمل على سماعه من المصنف، ويحتمل أن يكون مراد الشارح أن هذا مقصود الماتن والله أعلم. (وإن عثرت) بتثليث المثلثة والفتح أولى أي اطلعت أيها الناظر في كتابي هذا (على اختلاف) أي بيني وبين صاحب المصابيح (في الفصلين) أي الأوّلين وبيان الاختلاف قوله جـ ـ ٨٦ خطبة الكتاب من ذكر غير الشيخين في الأوَّل، وذكرهما في الثاني؛ فاعلم أني بعد تتبعي كتابَيْ ((الجمع بين الصحيحين)) للحُميدي، و ((جامع الأصول))؛ اعتمدتُ على صحيحي الشيخين ومتنيهما. وإِن رأيت اختلافاً في نفس الحديث؛ فذلك من تشغُبٍ طرق الأحاديث، ولعلي ما اطلعتُ على تلك الرواية التي سلكها الشيخُ رضي الله عنه. وقليلاً ما تجد أقول: ما وجدتُ هذه الرواية في كتب الأصول، (من ذكر غير الشيخين) أي من المخرجين (في الأوّل) أي في الحديث المذكور في الفصل الأوّل ؛ سم + (وذكرهما) أي أو من ذكر الشيخين (في الثاني) أي من الفصلين، بأن يسند بعض الأحاديث فيه إليهما، أو إلى أحدهما (فاعلم) جزاء الشرط أي إن اطلعت على ما ذكر فاعلم أنه ما صدر عني سهواً أو غفلة (١) فلا تظن هذا واعلم (أني بعد تتبعي) أي تفحصي وتجسسي (كتابي الجمع) تثنية مضاف، أي كتابين أحدهما الجمع (بين الصحيحين) أي بين كتابي البخاري ومسلم المسميين بالصحيحين (للحميدي) متعلق بالجمع، وهو بالتصغير نسبة لجده الأعلى حميد الحافظ أبي عبد الله محمد بن أبي نصر الأندلسي القرطبي، وهو إمام عالم كبير مشهور ورد بغداد وسمع أصحاب الدار قطني وغيرهم، ومات بها سنة ثمانين وأربعمائة، (وجامع الأصول) بالجر عطفاً على أ[ الجمع ] أي والآخر جامع الأصول أي الكتب الستة للإمام مجد الدين أبي السعادات المبارك بن محمد الجزري الشهير بابن الأثير، وله أيضاً مناقب الأخيار وكتاب النهاية في غريب الحديث، كان عالماً محدّثاً لغوياً وكان بالجزيرة وانتقل إلى الموصل ومات بها عام ست وستمائة، (اعتمدت على صحيحي الشيخين ومتنيهما) عطف بيان وإنما لم يكتف بهما لأنه ربما يحتمل أن يتوهم أن تتبعه واستقراءه غير تام فإذا وافق الحميدي وصاحب جامع الأصول يصير الظن قوياً بصحة استقرائه للموافقة، ولو اكتفى بتتبع الجمع بين الصحيحين وجامع الأصول لاحتمل وقوع القصور في استقرائهما، فبعد اتفاق الأربعة يمكن الحكم بالجزم على سهو البغوي (وإن رأيت) أي أبصرت أو عرفت أيها الناظر في المشكاة وأصلها مع أصولهما (اختلافاً في نفس الحديث) أي في متنه لا إسناده بأن يكون لفظ الحديث في المشكاة مخالفاً للفظ المصابيح (فذلك) أي الاختلاف ناشىء (من تشعب طرق الأحاديث) أي من اختلاف أسانيدها ورواتها حتى عند المؤلف الواحد، إذ كثيراً ما يقع للشيخين أو أحدهما أو لغيرهما سوق الحديث الواحد من عدة طرق بألفاظ متباينة مختلفة المعاني تارة ومؤتلفتها أخرى (ولعلي) للإشفاق، أي إذا وجدتني آثرت لفظ حديث على الذي رواه البغوي في المصابيح لعلي (ما اطلعت) أي ما وقفت (على تلك الرواية التي سلكها الشيخ) أي أطلقها وأوردها في مصابيحه (رضي الله عنه) إذ هو إمام كبير واطلاعه كثير، فأحذفها وآتي باللفظ الذي اطلعت عليه (وقليلاً ما تجد) زيادة ما لتأكيد القلة، ونصب قليلاً veter على المصدرية لقوله: (أقول) : أي وتجدني أقول قولاً قليلاً ما، أي في غاية من القلة والمقول قوله: (ما وجدت هذه الرواية) أي مثلاً (في كتب الأصول) أي أصول الحديث من الكتب (١) في المخطوطة ((و)). ٨٧ /١٠٥ خطبة الكتاب أو وجدتُ خلافها فيها. فإِذا وقفتَ عليه فانسُبِ القصورَ إِليَّ لقلة الدراية، لا إِلى جناب الشيخ رفع الله قدره في الدارين، حاشا لله من ذلك. رَحِمَ الله من إِذا وقف على ذلك نبهنا عليه، وأرشدنا طريقَ الصواب. المبسوطة التي هي أصول السبعة عند الشيخ، أو مطلق الأصول، ولا يبعد أن ينصب قليلاً على الظرفية (أو وجدت) من جملة المقول وأو للتنويع (خلافها فيها) أي خلاف هذه الرواية في الأصول (فإذا وقفت عليه) الضمير راجع إلى المصدر المفهوم من قوله: ((أقول)) أي إذا أطلعت على قولي بمعنى مقولي هذا (فانسب) بضم السين، أي مع هذا (القصور) أي التقصير في التتبع (إليّ لقلة الدراية) أي درایتي وتتبع روايتي (لا) أي لا تنسب القصور (إلى جانب الشيخ) أي إلى جانبه وساحة بابه، لأنه كان من الأئمة الحفاظ المتقنين والعلماء الكاملين الراسخين. هذا ما ظهر لي من معنى الكلام في هذا المقام، وقال ابن حجر: ((فإذا وقفت، أي فإذا حذفت لفظاً وأتيت بغيره حسبما أطلعت عليه ووقفت أنت عليه، أي على ذلك اللفظ في الأصول فانسب [ إلى آخره]». وأنا أقول أيضاً فانسب القصور إليّ لا إلى الشيخ (رفع الله قدره) جملة دعائية (في الدارين) أي في الدنيا بإلهام الناس الترضي والترحم عليه، وفي العقبى بإعطائه معالم القرب لديه (حاشا) بإثبات الألف (الله) أي تنزيهاً له (من ذلك) أي من نسبة القصور إلى الشيخ، وهذا غاية من المؤلف في تعظيمه ونهاية أدب منه في تكريمه، وهو حقيق بذلك وزيادة، فإن له حق الإفادة ونسبة السيادة. قال ابن حجر: حاشا حرف جر وضعت موضع التنزيه والبراءة، وفي مغني اللبيب: الصحيح أن حاشا اسم مرادف للتنزيه من كذا، وزعم بعضهم: أنه اسم فعل معناه التبرىء والبراءة، وقال الشيخ ابن حجر العسقلاني: هو تنزيه واستثناء، وقيل: معناه معاذ الله، وقيل: إنه فعل، قال السيد جمال الدين: قيل: الصحيح أنه اسم مرادف للتنزيه بدليل أنه قرىء ﴿حاش لله﴾ [يوسف - ٥١] في سورة يوسف بالتنوين، وهو لا يدخل على الفعل والحرف، وقرىء أيضا [حاشُ الله ] بالإِضافة وهي من علامات الاسم، وحينئذ قوله: (لله)) لبيان المنزه والمبرأ كأنه قال: براءة وتنزيه، ثم قال: لله بياناً للمبرأ والمنزه، فلامه كاللام في سقياً لك، فعلى هذا يقال: معنى عبارة المشكاة أن الشيخ مبرأ ومنزه عن قلة الدراية، ثم أتى لبيان المنزه والمبرأ بقوله: لله وكان الظاهر أن يقول الله بلا لام وكأنها لإفادة معنى الاختصاص، فكأنه يقول تنزيهه مختص لله تعالى وله أن ينزهه وليس لغيره ذلك، وفيه غاية التعظيم لما هنالك، ويحتمل أن يكون التقدير: وأقول في حقه التنزيه لله [ لا] لأمر آخر، وقيل: حاشا فعل وفسر الآية بأن معناها: جانب يوسف الفاحشة لأجل الله، وعلى هذا يرجع عبارة المشكاة بأنه جانب الشيخ ذلك القصور لأجل الله لا لغرض آخر، أو قولنا في حقه حاشا إنما هو الله لا لأمر آخر، وقيل: إنه اسم فعل بمعنى أنزه أو تبرأت واللام علة، وقيل: إنه حرف وهو في هذا المقام ضعيف، لأن كونه حرفاً بمعنى الاستثناء وهو غير مستقيم هنا، ولام لله أيضاً يأبى عن الحرفية لأن الحرف لا يدخل على الحرف والله أعلم. (رحم الله) جملة دعائية كقول عمر رضي الله عنه: ((رحم الله امرأ أهدى إليّ بعيوب نفسي))، أي اللهم ارحم (من إذا وقف على ذلك) أي على ما ذكر من الرواية التي أوردها الشيخ ولم أجدها في الأصول (نبهنا عليه وأرشدنا) فيه تجريد والمعنى هدانا (طريق الصواب) أي ٨٨ خطبة الكتاب ولم آلُ جهداً في التنقير والتفتيش بقدر الوسع والطاقة، ونقلتُ ذلك الاختلافَ كما وجدتُ في الأصول. وما أشار إليه رضي الله عنه من غريبٍ أو ضعيفٍ إليه بنسبة الرواية وتصحيحها إلى الباب والكتاب، وهو إما محمول على الحقيقة بالمشافهة حال الحياة، أو على المجاز بكتابة حاشية أو شرح بعد الممات، إذ التصنيف لا يغير وإلا لم يوجد كتاب يعتبر، (ولم آل) بمد الهمزة وضم اللام من ألا في الأمر: إذا قصَّر أي لم أترك (جهداً) أي سعياً واجتهاداً، وهو بضم الجيم وفتحه، أي المشقة والطاقة، وقيل: بالضم الطاقة وبالفتح المشقة؛ قال بعض الشراح: معناه لم أمنعك جهداً، وكأنه حمله عليه ما وجد في كلام العرب: لا آلوك نصحاً، وقرر تركيب العبارة على حذف المفعول الأوّل، واستعمل آلو بمعنى أمنع إما تجوّزاً وإما تضميناً، ويلزم منه التقصير، والحال أن المعنى على اللزوم صحيح بأن جهداً يكون تمييزاً أو حالاً بمعنى مجتهداً، أو منصوباً بنزع الخافض أي في الاجتهاد، وأن يكون [ على تقدير ] متعدياً إلى مفعولين يمكن أن يضمن الترك فيكون متعديّاً إلى مفعول واحد، هذا حاصل كلام السيد جمال الدين. وقال البيضاوي في قوله تعالى: ﴿لا يألونكم خبالاً﴾ [ آل عمران - ١١٨ ] أي لا يقصرون لكم في الفساد والآلو التقصير وأصله أن يُعدّى بالحرف، ثم عُدِي إلى مفعولين كقولهم: لا آلوك نصحاً على تضمين معنى المنع والنقص، وقال أبو البقاء: يألو يتعدى إلى مفعول واحد و((خبالاً)) تمييز أو منصوب بنزع الخافض، ويجوز أن يكون مصدراً في موضع الحال والأظهر ما حققه القاضي أنه في أصله لازم ففي عبارة المشكاة إما يضمن معنى الترك فيكون ((جهداً)) مفعولاً به، أو يبقي على معناه الأصلي وينصب ((جهداً) على أحد الاحتمالات الثلاث، والمعنى لم أقصر لكم أو الله (في التنقير) أي في البحث والتجسس عن طرق الأحاديث واختلاف ألفاظها (والتفتيش) عطف بيان لما قبله (بقدر الوسع والطاقة) أي بمقدار وسعي وطاقتي في التفحص و﴿لا يكلف الله نفساً إلا وسعها﴾ [البقرة: ٢٨٦] والطاقة عطف بيان، وإيراد الألفاظ المترادفة في الديباجات والخطب متعارف عند الفصحاء غير معايب عند البلغاء (ونقلت ذلك الاختلاف) أي المختلف فيه (كما وجدت) أي كما رأيته (في الأصول) ولا اكتفيت بتقليد الشيخ ولو كان هو من أجلاء أرباب النقول، وقال ابن حجر: ((أي ومن ثمة نقلت ذلك الاختلاف كما وجدته في الأصول من غير أن أتصرف فيه بتغيير أو بتبديل حتى أنسب كلا إلى مخرّجه باللفظ والمعنى لا المعنى فحسب، لوقوع الخلاف المشهور في جواز رواية الحديث بالمعنى، وهو وإن جاز على الأصح للعارف بمدلولات الألفاظ ومعانيها لكن التنزه عنها أولى خروجاً من الخلاف» اهـ. فتدبر يتبين لك الأظهر في حمل العبارة عليه وإن كان في أصل الكلام منه لا مناقشة لنا لدیه، مع أن التجويز المذكور والاختلاف المسطور إنما هو في نقل الراوي الحديث من شيخه أما مطلقاً، أو حال كونه ناسياً على المعتمد، وأما نقل حديث من كتاب كالبخاري وغيره وإسناده إليه من غير أن يبين أنه نقل بالمعنى فلا يجوز إجماعاً والله أعلم. ٠٠٠٠ دجر. / ١/١١٣٠ ** (وما أشار إليه) أي الشيخ محيي السنة صريحاً أو كناية (رضي الله عنه) جملة دعائية معترضة بين المبين والمبين وهو قوله (من غريب) أي حديث غريب، وهو ما تفرد به الراوي عن سائر رواته ولم يشرك معه أحداً في روايته عن الراوي عنه (أو ضعيف) وهو ما لم يجتمع Fee ٨ ٣هدى خطبة الكتاب أو غيرهما؛ بينت وجهَهُ غالباً. وما لم يشر إِليه مما في الأصول؛ فقد قَفَّيتُه فيه صفات الصحيح والحسن بأن يكون في أحد رواته قدح أو تهمة (أو غيرهما) اعتباراً لا حقيقة، إذ ما عدا الصحيح والحسن داخل تحت أنواع الضعيف، والمراد بغيرهما نحو منكر وهو ما رده قطعي أو رواه ضعيف مخالف لثقة، أو شاذ وهو ما خالف الثقة من هو أوثق منه، أو معلل وهو ما فيه علة خفية غامضة قادحة لم يدركها إلا الحذاق. واعلم أن معرفة أنواع الحديث وبيان حدودها وما يتعلق بها من قيودها يحتاج إلى بسط في الكلام ليس هذا موضع إيرادها، وقد أوردنا في شرح النخبة ما يستفيد بذكره المبتدىء ولا يستغني عن تذكره المنتهى (بينت وجهه) أي وجه غرابته أو ضعفه أو نكارته (غالباً) أي في أكثر المواضع ولعل ترك التبيين في بعض مواضعه لعدم العلم به أو لاختلاف فيه أو لغير هذا. وقد قال السيد جمال الدين: ((المتبادر إلى الفهم من هذه العبارة أن أحاديث الحسان من المصابيح المعبر عنه في المشكاة بالفصل الثاني: كل حديث ذكر الشيخ فيه أنه غريب أو ضعيف أو منكر بين المصنف وجهه بأن يقول: أي الراوي تفرد به أو غير ثقة أو مخالف لما هو أوثق ونحوه بذكره منشئه، والحال أنه لم يفعل ذلك بل في كل حديث ذكر محيي السنة أنه ضعيف أو غريب ذكر المصنف قائله الذي هو الترمذي في غالب الأحوال من أرباب الأصول وعينه، وغاية ما في الباب يشير الترمذي أحياناً إلى وجه الغرابة وبيان الضعف، وهذا الصنيع من المصنف يقتضي أنه لم يجعل محيي السنة أهلا للحكم بالضعف والصحة في الحديث فلا جرم نسبته إلى من له أهلية ذلك)) انتهى فيكون المعنى: بينت وجهه بنسبة الحكم عليه بذلك إلى أهله المرجوع إليهم فيه، وهذا يحتمل على أن يكون تقوية للشيخ لا سلب الأهلية عنه، فالعلمان خير من علم واحد بل في هذا هضم لنفس المصنف أن يكون له أهلية لذلك (وما لم يشر إليه) أي الشيخ (مما في الأصول) أي مما أشير إليه من المنقطع والموقوف والمرسل في جامع الترمذي وسنن أبي داود والبيهقي وهو كثير (فقد قفّيته) بالتشديد، أي تبعته تأسياً به كذا قاله الطيبي، وتبعه ابن حجر وكتب ميرك في هامش الكتاب: قفوته بالواو ورقم عليه ظ إشارة إلى أنه الظاهر، وكتب عمه السيد جمال الدين في أول شرح المشكاة: ((إن أصل سماعنا وجميع النسخ الحاضرة المعتمدة صححت بتشديد الفاء من التقفية، وهي تستعمل في كلام العرب بعلى والباء وقد جاء في التنزيل ﴿وقفينا على آثارهم بعيسى ابن مريم﴾ [ المائدة - ٤٦] وتستعمل أيضاً بمن والباء، قال تعالى: ﴿وقفينا من بعده بالرسل ﴾ [ البقرة - ٨٧ ] والمعنى ههنا على التتبع فكان المناسب أن يكون بتخفيف الفاء وبالواو من القفو)) انتهى. وحاصل المناقشة أنه بالتشديد متعد إلى مفعولين بأحد الاستعمالين المذكورين، وبالتخفيف والباء غير وارد وكلاهما مدفوع، فإنه ذكر في مختصر النهاية قفيته وأقفيته تبعته واقتديت به [ و] في القاموس قفوته تبعته كتقفيته واقتفيته وقفيته زيداً (١) أي أتبعته إياه، اهـ. والظاهر من الآيات القرآنية أن قفي بالتشديد متعد بنفسه إلى واحد وبالباء إلى اثنين، ولذا قال البيضاوي في قوله تعالى: ((﴿وقفينا من بعده بالرسل﴾ [البقرة - ٨٧ ] أي (١) لم تكتب زيد كاملة. جدة ٤ /٠٠١/٠١/٠١ ٨٩ ١٠ ١٠٣/ ٩٠ خطبة الكتاب في تركه، إِلا في مواضع لغرض. وربما تجدُ مواضعَ مُهملةً، وذلك حيثُ لم أطلع على راويه فتركتُ البياض. فإِن عثرتَ عليه فألحقْهُ به، أحسنَ الله جزاءك. وسميت الكتاب. ((بمشكاة المصابيح)) أرسلنا على أثره الرسل، [ كقوله تعالى: ﴿ثم أرسلنا رسلنا تترى﴾ [ المؤمنون - ٤٤] يقال: قفاه إذا اتبعه(١) وقفاه به إذا أتبعه من القفا نحو ذنبه من الذنب)). انتهى وعلى تقدير تسليم أنه متعد بنفسه إلى مفعولين فأمره سهل بأن يكون المعنى أتبعت نفسي إياه (في تركه) وهو يحتمل أن يكون من إضافة المصدر إلى فاعله أو مفعوله، أي في ترك الشيخ الحكم على الحديث بشيء أو في ترك المشار إليه بالموافقة معه في السكوت عليه (إلا في مواضع) أي قليلة أبينها (لغرض) قال الفاضل الطيبي: ((وذلك أن بعض الطاعنين أفرزوا أحاديث من المصابيح ونسبوها إلى الوضع، ووجدت الترمذي صححها أو حسنها، وغير الترمذي أيضاً فبينته لرفع التهمة كحديث أبي هريرة: ((المرء على دين خليلة)) فإنهم صرحوا بوضعه، وقال الترمذي في جامعه إنه حسن، وقال النووي في الرياض: ((إنه صحيح الإسناد)). ومن الغرض أن الشيخ شرط في الخطبة أنه أعرض عن ذكر المنكر، وقد أتى في كتابه بكثير منه وبين في بعضها كونه منكراً وترك في بعضها فبينت أنه منكر)) [ ١ هـ ]. قال السيد جمال الدين: والجواب من قبل صاحب المصابيح أن يقال مراده أنه أعرض عن المنكر المجمع على نكارته، والذي أورده هو من قبيل المختلف فيه، وصرح بإنكار البعض لئلا يحمل على ذهوله، وأعرض عن بيان البعض لأن الحكم بنكارته كان غير معتبر عنده. (وربما) بالتشديد أشهر وللتقليل أظهر وما كافة (تجد) أي أيها الناظر في المشكاة (مواضع مهملة) أي غير مبين(٢) فيها ذكر مخرجيها (وذلك) أي الإهمال وعدم التبيين (حيث لم أطلع على راويه) (٣) أي مخرّجه (فتركت البياض) أي عقب الحديث دلالة على ذلك (فإن عثرت عليه) أي اطلعت [ أيها الناظر ] على مخرجه (فألحقه) أي ذكر المخرج (به) أي بذلك الحديث واكتبه في موضع البياض، [ و] قال ابن حجر: ألحقه بذلك البياض وفيه مسامحة لا تخفى (أحسن الله جزاءك) أي على هذا العمل، والجزاء ممدود بمعنى الثواب، وفيه إشارة لما ورد عن أسامة مرفوعاً: ((من صنع إليه معروف فقال لفاعله جزاك الله خيراً فقد أبلغ في الثناء)»(٤) رواه الترمذي والنسائي وابن حبان. هذا وقد بين بعض العلماء المواضع المهملة في حاشية الكتاب تكملة(٥)، وترك البياض في أصل المصنف ليدل على أن التبيين من غير المؤلف (وسميت الكتاب بمشكاة المصابيح) قال الطيبي: ((روعي المناسبة بين الاسم والمعنى، فإن المشكاة يجتمع فيها الضوء فيكون أشد تقوياً بخلاف المكان الواسع، والأحاديث إذا كانت غفلاً عن سمة الرواة انتشرت، وإذا قيدت بالراوي انضبطت واستقرت في ٣/١٠/١٠ (١) في المخطوطة تبعه. (٣) في المخطوطة رواية. (٥) في المخطوطة كلمة. (٢) في المخطوطة غير مبينة. (٤) الترمذي ٣٣٣/٤ حديث رقم ٢٠٣٥. ٩١ حديث ((إنما الأعمال بالنيات ... )) وأسأل الله التوفيق والإعانة والهداية والصيانة، وتيسير ما أقصده، وأن ينفعني به في الحياة وبعد الممات، وجميع المسلمين والمسلمات. حسبي اللَّهُ ونعم الوكيل. ولا حول ولا قوة إلا بالله العزيز الحكيم. مكانها)) اهـ. وتبعه ابن حجر، وقال ميرك: ((الأظهر في وجه المطابقة أن كناية محيط ومشتمل على ما في المصابيح من الأحاديث كما أن المشكاة محيطة ومشتملة على المصباح) اهـ. ويمكن أن يقال: مراده بالمصابيح الأحاديث الواردة في كتابه مما في المصابيح وغيره مشبهاً بها لأنها آيات نورانية ودلالات برهانية صدرت من مشكاة صدر الأنبياء ليقتدي(١) بها أمته من العلماء والأولياء في بيداء الضلالة وصحراء الجهالة، وبهذا المعنى ورد: ((أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم))، وشبه كتابه من حيث إنه جامع لها ومانع من تفرقها بالمشكاة وهي: الكّة الغير النافذة، ويحتمل أن يقال: فيه معنى التورية، وهي: أن يؤتى [ بكلمة ] لها معنيان أحدهما قريب والآخر بعيد ويكون المراد البعيد. (وأسأل الله التوفيق) أي جعل أمور المريد على وفق المراد، وهو في عرف العلماء: ((خلق قدرة العبد في الطاعة والعبادة)). (والإعانة) أي في الدين والدنيا والآخرة، أو على ما قصدت (والهداية) أي الدلالة على ما أردت أو ثبات الهداية من البداية إلى النهاية (والصيانة) أي الحفظ والحماية من العقائد الدنية والأحوال الردية، أو العصمة عن الخطل والزلل، أو عما يمنع إتمام الكتاب من الموانع والعلل (وتيسير ما أقصده) بكسر الصاد، أي تسهيل ما أريده من التحرير والتفتيش والتنقير (وأن ينفعني به) أي الله بهذا الكتاب وغيره، وفي نسخة به، أي علماً وعملاً وتعليماً، وجوّز أن يرجع ضمير ينفع إلى الكتاب على سبيل المجاز (في الحياة) أي بالمباشرة (وبعد الممات) بالسببية، أو في الحياة بأن يجعله سبباً لزيادة الأعمال وباعثاً للترقي إلى علو الأحوال وبعد الممات بوصول أعلى الدرجات وحصول أعلى المقامات (وجميع المسلمين والمسلمات) عطف على الضمير المنصوب في ينفعني، أي وأن ينفع بقراءته وكتابته ووقفه ونقله إلى البلدان ونحو ذلك (حسبي الله) وفي نسخة بواو العطف، أي الله كافيّ في جميع أموري (ونعم الوكيل) أي الموكول إليه، يعني هو المفوّض إليه والمعتمد عليه والمخصوص بالمدح محذوف هو هو (ولا حول) أي عن معصية الله (ولا قوّة) أي على طاعته (إلا بالله) أي بعصمته ومعونته (العزيز) أي الغالب على ما يريد، أو البديع الذي ليس كمثله شيء (الحكيم) أي صاحب الحكم والحكمة على وجه الإتقان والإحكام، قال ابن حجر: ((ذكر هذين الاسمين لأنهما الواردان في ختم هذه الكلمة دون ما اشتهر من ختمها بالعلي العظيم على أن في بعض نسخ الحصن الحصين للحافظ الجزري رواية ختمها بالعلي العظیم، فلعله رواية أخرى) اهـ. اعلم أن الرواية الصحيحة هي ((العزيز الحكيم))(٢) على ما في مسلم كما نقله صاحب المصابيح وتبعه صاحب المشكاة، وكذا هو في أصل الحصن الحصين، وكتب على حاشيته العلي العظيم ونسب إلى البزار والله أعلم. (١) في المخطوطة ليهتدي. (٢) مسلم ٤/ ٢٠٧٢ حديث ٢٦٩٦. ٩٢ حديث ((إنما الأعمال بالنيات ... )) ١ . عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ولما كان ينبغي لكل مصنف كما صرح به جمع من الأئمة أن يبدأ كتابه بالحديث الآتي المسمى بطليعة كتب الحديث، تنبيهاً على تصحيح النية والإِخلاص لكل من العالم والمتعلم، وإنه الأساس(١) الذي يبنى عليه جميع الأحوال من العقائد والأعمال، وعلى أن أوّل الواجبات قصد المقصد بالنظر الموصل إلى معرفة الصمد، فالقصد سابق وما بقي لاحق، وإن طالب الحديث حكم المهاجر إلى النبي ◌َّر فعليه أن يراعي الإِخلاص ليصل إلى مقام الاختصاص بدأ به المصنف اقتداء بالبغوي لا تبعاً للبخاري كما قاله ابن حجر فقال: ١ - (عن عمر بن الخطاب) وهو الناطق بالصواب المسمى بالفاروق على ما دل عليه الكتاب، وأوّل من سمي بأمير المؤمنين فيما بين الأصحاب (رضي الله عنه) وهو عدوي قرشي يجتمع مع النبي ◌َّير في كعب بن لؤي، كناه النبي وَّر بأبي حفص، وهو لغةً الأسد، ولقبه بالفاروق لفرقانه بين الحق والباطل، قال القاضي في تفسيره عند قوله تعالى: ﴿يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت﴾ [ النساء - ٦٠ ] عن ابن عباس رضي الله عنهما أن منافقاً خاصم يهودياً فدعاه اليهودي إلى النبي ◌َّلتر، ودعاه المنافق إلى كعب بن الأشرف، ثم إنهما احتكما إلى رسول الله وَّ﴿ فحكم لليهودي فلم يرض المنافق وقال: نتحاكم إلى عمر، فقال اليهودي لعمر: قضى لي رسول الله فلم يرض بقضائه وخاصم إليك، فقال عمر للمنافق: أكذلك؟ قال: نعم، فقال: مكانكما حتى أخرج إليكما، فدخل فأخذ سيفه ثم خرج فضرب به عنق المنافق حتى برد وقال: هكذا أقضي لمن لم يرض بقضاء الله ورسوله، فنزلت وقال جبريل: إن عمر فرق بين الحق والباطل، فسمي الفاروق، وقيل: بإسلامه إذ أمرُ المسلمين قبله كان في غاية من الخفاء، وبعده على غاية من الظهور والجلاء. أسلم بعد أربعين رجلاً وعشرة امرأة سنة ست من النبوّة، وقيل: أسلم مع النبي ◌َّ ثلاثة وثلاثون رجلاً وست نسوة ثم أسلم عمر فنزلت: ﴿يا أيها النبي حسبك الله ومن أتبعك من المؤمنين ﴾ [الأنفال - ٦٤ ]. /١٣/٧ بويع له بالخلافة بعد موت الصديق بعهده إليه ونصه عليه سنة ثلاث عشرة من الهجرة، ففتح البلاد الكثيرة والفتوح الشهيرة، واستشهد على يد نصراني اسمه أبو لؤلؤة غلام مغيرة بن شعبة بالمدينة في صلاة الصبح من يوم الأربعاء لأربع بقين من ذي الحجة عام ثلاث وعشرين من الهجرة وهو ابن ثلاث وستين على الأصح، وكانت خلافته عشر سنين ونصفاً، وصلى عليه صهيب. روى عنه أبو بكر وباقي العشرة وخلق كثير من الصحابة والتابعين؛ أحاديثه المرفوعة خمسمائة وسبعة وثلاثون [ له في الصحيحين أحد وثمانون انفرد البخاري منها بأربعة وثلاثين // (١) في المخطوطة اس. الحديث رقم ١: أخرجه البخاري ١٣٥/١ حديث ٥٤ من غير لفظ ((انما)). ومسلم في صحيحه ١٥١٥/٣ حدیث ١٩٠٧ وأبو داود في سننه ٦٥١/٢ رقم ٢٢٠١. والنسائي في سننه ٨٥/١ حدیث ٧٥ بالإفراد والترمذي ١٥٤/٤ حديث ١٦٤٧ وابن ماجة ١٤١٣/٢ حديث ٤٢٢٧. وأحمد في مسنده ٢٥/١. حديث ((إنما الأعمال بالنيات ... )) ٩٣ قال: قال رسول الله وَّهو: ((إنما الأعمالُ بالنيات، ومسلم بأحد وعشرين ] نقش خاتمة كفى بالموت واعظاً. كان شديداً في أمر الله، عاقلاً مجتهداً صابراً محتسباً، جعل الحق على لسانه وأعز الدين به واستبشر أهل السماء بإسلامه، وله فضائل لا تحد وشمائل لا تعد. (قال: قال رسول الله وَله: إنما الأعمال بالنيات) قيل: كلمة إنما بسيطة وقيل: مركبة من إن وما الكافة أو الزائدة للتأكيد، وقيل: مركبة من إن وما النافية فهي عاملة بركنيها إيجاباً ونفياً، فبحرف التحقيق. تثبت الشيء وبحرف النفي تنفي ما عداه، وما اعترض عليه من لزوم اجتماع الضدين على شيء واحد ومن أن إن وما كلاهما يقتضي الصدارة مدفوع بأن هذا إنما هو قبل التركيب وأما بعده فقد صار علماً مفرداً على إفادة الحصر، وتضاعيفه يفيد القصر لأنه ليس إلا تأكيداً للحكم على تأكيد. واتفق أهل العربية والأصول على أنها موضوعة للحصر خلافاً لما نقل عن أكثر النحاة لصحة إنما قام زيد في جواب هل قام عمرو: كما يجاب بما قام إلا زيد، ولورود قوله تعالى: ﴿إنما على رسولنا البلاغ المبين﴾ [المائدة - ٩٢ ] ﴿وما على الرسول إلا البلاغ ﴾ [ النور - ٥٤ ] وإذا تقرر أنها للحصر فتثبت المذكور وتنفي الحكم عن غيره في نحو إنما قام زيد، أي لا عمرو، أو غير الحكم عن المذكور في نحو إنما زيد قائم أي لا قاعد؛ ومما يدل له حديث: ((إنما الماء من الماء))(١) فإن الصحابة الآخذين بقضيته لم يعارضهم جمهورهم القائلون بوجوب الغسل وإن لم ينزل بأن إنما لا تفيده، وإنما عارضوهم بأدلة أخرى كحديث: ((إذا التقى الختانان وجب الغسل))(٢). وقد استدل ابن عباس لما تفرد به، قيل: ورجع عنه لما اشتد إنكار أبي سعيد الخدري عليه بخبر: ((إنما الربا في النسيئة))(٣)، ولم تنازعه الصحابة فيه بل عارضوه في الحكم بأدلة أخرى فدل على اتفاقهم على أنها للحصر؛ فالتقدير: إن الأعمال تعتبر إذا كانت بنية ولا تعتبر إذا كانت بلا نية فتصير إنما بمعنى ما وإلا، وقيل: الحصر مستفاد من الجمع المحلى باللام فإنه مفيد للاستغراق وهو مستلزم للحصر، فالمعنى: ليست الأعمال حاصلة إلا بالنية، ولا يمكن هنا نفي نفس الأعمال لثبوتها حساً وصورةً من غير اقتران النية بها، فلا بد من إضمار شيء يتوجه إليه النفي ويتعلق به الجار، فقيل: التقدير صحيحة أو تصح كما هو رأي الشافعي وأتباعه، وقيل: كاملة أو تكمل على رأي أبي حنيفة وأصحابه، والأظهر أن المقدر معتبرة أو تعتبر ليشمل الأعمال كلها سواء كانت عبادات مستقلات كالصلاة والزكاة فإن النية تعتبر لصحتها إجماعاً أو شروطاً في الطاعات كالطهارة وستر العورة، فإنها تعتبر لحصول ثوابها اتفاقاً لعدم توقف الشروط على النية في الصحة خلافاً للشافعي في الطهارة فعليه بيان الفرق أو أموراً مباحة فإنها قد تنقلب بالنيات حسنات كما أنها قد تنقلب سيئات بلا خلاف. غاية ما في الباب أن متعلق الصحة والكمال يعرف من الخارج ولا محذور فيه، ويدل على ما قلنا إن الأعمال جمع محلى باللام فيستغرق كل عمل سواء كان جوة ١ (١) مسلم راجع الحديث رقم ٤٣٠. (٢) الترمذي راجع الحديث ٤٤٢. ١ ١/٠ ـة يو٤ عدة (٣) أخرجه مسلم ١٢١٨/٣ حديث (١٠٢. ١٥٩٦). .57 ٩٤ حديث ((إنما الأعمال بالنيات ... )) من العبادات أو غيرها. ويشمل المتروكات أيضاً فإنه لا ثواب في ترك الزنا والغصب ونحوهما إلا بالنية وإن كانت صحيحة بدونها، وكان هذا ملحظ من قال: المراد أعمال المكلفين، ويؤيده ما قال ابن دقيق العيد: ((ولا تردّد عندي أن الحديث يشمل الأقوال)). ثم الباء للاستعانة وقيل: للمصاحبة ليعلم منه وجوب المقارنة، لكنها تشعر بوجوب استصحابها إلى آخر العمل لأنه الظاهر من المعية ولا قائل به؛ نعم يشترط اتفاقاً استصحابها مع العمل حكماً بأن لا ينشىء منافياً، وأيضاً تشير إلى عدم جواز تقدمها على العمل، وهو منقوض بنية الزكاة فإنها جائزة عند إفراد مال الزكاة، وبنية الصوم في الليل فإنها أفضل بلا خلاف فالأولى هي الأولى، وأوقات النيات في العبادات مختلفة محل بسطها الكتب الفقهيات. والنية - بتشديد الياء وقد تخفف - لغةً: القصد، وشرعاً توجه القلب نحو الفعل ابتغاء لوجه الله، والقصد بها تمييز العبادة عن العادة، فإن قيل: النية عمل من أعمال القلب فيحتاج إلى النية ويتسلسل، أجيب بأن المراد أعمال الجوارح بدلالة العقل، وبدليل الخبر المعتبر: (نية المؤمن خير من عمله)»(١)، وبدليل أن في العرف لا يطلق العمل على فعل الناوي ا هـ. وفيه أن سائر أعمال القلوب لا تعتبر شرعاً إلا بالنية، وأن معنى الحديث عمل النية خير من عمل الجارحة لوجوه ذكرها الحجة في الإحياء، وأنه لا عبرة بالعرف مع أنه يختلف، فالأظهر في الجواب استثناء النية وكذا الأمور الاعتقادية للدلالة العقلية. ثم لا يخفى أن النية باللسان مع غفلة الجنان غير معتبرة لما ورد من: ((إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم» (٢)، وفي رواية: ((ولكن ينظر إلى قلوبكم ونياتكم))؛ فلو نوى الظهر بقلبه في وقته وتلفظ بنية العصر لا يضره بخلاف العكس. وهذا معنى قولهم: ((ولا معتبر باللسان))، واختلفوا في التلفظ بما يدل على النية بعد اتفاقهم أن الجهر بالنية غير مشروع سواء يكون إماماً أو مأموماً أو منفرداً فالأكثرون على أن الجمع بينهما مستحب ليسهل تعقل معنى النية واستحضارها، قال صاحب الهداية: ((ويحسن لاجتماع عزيمته)»(٣)، قال المحقق الإِمام ابن الهمام: قال بعض الحفاظ: ((لم يثبت عن رسول الله ◌َلو بطريق صحيح ولا ضعيف أنه كان عليه الصلاة والسلام يقول عند الافتتاح أصلي كذا ولا عن أحد من الصحابة والتابعين، بل المنقول أنه كان عليه الصلاة والسلام إذا قام إلى الصلاة كبر وهذه بدعة))(٤) إ هـ. قال: ((وقد يفهم من قول المصنف لاجتماع عزيمته أنه لا يحسن لغير هذا القصد وهذا لأن الإنسان قد يغلب عليه تفرق خاطره فإذا ذكر بلسانه كان عوناً على جمعه، ثم رأيته في التجنيس، قال: والنية بالقلب لأنه عمله والتكلم لا معتبر به ومن اختاره اختاره لتجتمع عزيمته)) اهـ كلامه. وقيل: لا يجوز التلفظ بالنية فإنه بدعة، والمتابعة كما تكون في الفعل تكون (١) أخرجه الديلمي في مسند الفردوس ٢٨٦/٤ حديث ٦٨٤٣. (٢) أخرجه مسلم في صحيحه ٤/ ١٩٨٧ حديث .٢٥٦٤ (٣) الهداية ٤٥/١. (٤) فتح القدير ٢٦٦/١. ٢٦٧. ٩٥ حديث ((إنما الأعمال بالنيات ... )) في الترك أيضاً، فمن واظب على فعل لم يفعله الشارع فهو مبتدع [و] قد يقال: نسلم أنها بدعة لكنها مستحسنة استحبها المشايخ للاستعانة على استحضار النية لمن احتاج إليها(١) وهو عليه الصلاة والسلام وأصحابه لما كانوا في مقام الجمع والحضور لم يكونوا محتاجين إلى الاستحضار المذكور، وقيل: التلفظ شرط لصحة الصلاة ونسبوه إلى الغلط والخطأ ومخالفة الإجماع، لكن له محمل عندنا مختص بمن ابتلي بالوسوسة في تحصيل النية وعجز عن أدائها فإنه قيل في حقه: إذا تلفظ بالنية سقط عنه الشرط دفعاً للحرج، وأغرب ابن حجر وقال: إنه عليه الصلاة والسلام نطق بالنية في الحج فقسنا عليه سائر العبادات، قلنا له: ثبت العرش ثم انقش [من جملة الواردات] فإنه ما ورد نويت الحج وإنما ورد اللهم إني ((أريد الحج)) الخ، وهو دعاء وإخبار لا يقوم مقام النية إلا بجعله إنشاء وهو يتوقف على العقد، والقصد الإنشائي غير معلوم فمع الاحتمال لا یصح الاستدلال، ومع عدم صحته جعله مقیساً محال. ثم قال: وعدم وروده لا يدل على عدم وقوعه، قلنا: هذا مردود بأن الأصل عدم وقوعه حتى يوجد دليل وروده، وقد ثبت أنه عليه الصلاة والسلام قام إلى الصلاة فكبر فلو نطق بشيء آخر لنقلوه عنه، وورد في حديث المسيء صلاته أنه قال له: ((إذا قمت إلى الصلاة فكبر))(٢)، فدل على عدم وجود التلفظ، وذكر أبو داود أنه قال: قلت للبخاري: هل تقول شيئاً قبل التكبير فقال: لا. انتهى. وبما ذكرناه يتبين فساد بقية كلام ابن حجر من قوله: ((وأيضاً فهو عليه الصلاة والسلام لا يأتي إلا بالأكمل، وهو أفضل من تركه إجماعاً، والنقل الضروري حاصل بأنه لم يواظب على ترك الأفضل طول عمره، فثبت أنه أتى في نحو الوضوء والصلاة بالنية مع النطق ولم يثبت أنه تركه والشك لا يعارض اليقين)) اهـ. وقد علمت أن الأفضل المكمل عدم النطق بالنية مع أن دعوى الإجماع غير صحيحة، فإن(٣) المالكية [قالوا بكراهته]، والحنبلية نصوا على أنه بدعة غير مستحب، وإن أراد [به] الاتفاق بين الشافعية والحنفية فليس على الإطلاق بل محله إن احتاج إليه بالاستعانة عليه، وقد ثبت تركه عند الحفاظ المحدثين بلا ريب. فقوله: ((والشك لا يعارض اليقين)) مجازفة عظيمة من أعجب العجائب الذي يتحير فيه أولو الألباب، حيث جعل الوهم يقيناً وثبوت الحفاظ ريباً؛ لا يقال: المثبت مقدم على النافي لأنا نقول: محله إذا تعارض دليلان أحدهما على النفي والآخر على الإِثبات، والخصم هنا سواء جعلناه مثبتاً أو نافياً ليس معه دليل، ودليلنا على النفي ثابت بنقل المحدثين المؤيد بالأصل الذي هو عدم الوقوع، فتأمل فإنه موضع زلل ومحل خطل. ثم رأيت ابن القيم ذكر في زاد المعاد في هدى خير العباد وهذا لفظه: ((كان عليه الصلاة والسلام إذا قام إلى الصلاة قال: الله أكبر ولم يقل شيئاً قبلها ولا تلفظ بالنية ولا قال أصلي لله صلاة كذا مستقبل القبلة أربع ركعات إماماً أو مأموماً، ولا قال أداءً ولا قضاءً ولا فرض الوقت؛ وهذه عشر بدع لم ينقل عنه عليه الصلاة والسلام أحد قط بإسناد صحيح ولا ضعيف ولا مسند ولا مرسل (١) في المخطوطة عليها. (٢) يراجع حديث المسيء صلاته. (٣) في المخطوطة قال. ٠٥٠٠ ٩٦ حديث ((إنما الأعمال بالنيات ... )) لفظة واحدة [منها] ألبتة، بل ولا عن أحد من الصحابة ولا استحبه أحد من التابعين ولا الأئمة الأربعة وإنما غرّ بعض المتأخرين قول الشافعي في الصلاة: ((إنها ليست كالصيام لا يدخل فيها أحد إلا بذكر)) فظن أن الذكر تلفظ المصلي بالنية، وأن مراد الشافعي بالذكر تكبيرة الإحرام ليس إلا، وكيف يستحب الشافعي أمراً لم يفعله رسول الله وَل98 في صلاة واحدة ولا أحد من خلفائه وأصحابه، وهذا هديهم وسيرتهم فإن أوجدنا أحد حرفاً واحداً عنهم في ذلك قبلناه وقابلناه بالقبول والتسليم ولا هدي أكمل من هديهم ولا سنة إلا ما تلقوه عن صاحب الشرع تٍَّ)) اهـ. وصرح السيد جمال الدين المحدث بنفي رواية التلفظ بالنية عن المحدثين، وكذا ذكره الفيروزآبادي صاحب القاموس في كتابه المسمى بالصراط المستقيم، وقال القسطلاني في المواهب: ((وبالجملة فلم ينقل أحد أنه عليه الصلاة والسلام تلفظ بالنية، ولا علم أحداً من أصحابه التلفظ بها ولا أقره على ذلك، بل المنقول عنه في السنن أنه قال: ((مفتاح الصلاة الطهور وتحريمها التكبير وتحليلها التسليم». نعم اختلف العلماء في التلفظ بها فقال قائلون: هو بدعة لأنه لم ينقل فعله، وقال آخرون: هو مستحب لأنه عون على استحضار النية القلبية، وعبادة للسان كما أنها (١) عبودية للقلب والأفعال المنوية عبادة الجوارح، وبنحو ذلك أجاب الشيخ تقي الدين السبكي والحافظ عماد الدين ابن كثير وأطنب ابن القيم في الهدى في رد الاستحباب وأكثر من الاستدلال بما في ذكره طول يخرجنا عن المقصود، لا سيما والذي استقر عليه أصحابنا استحباب النطق بها، وقاسه بعضهم على ما في الصحيحين من حديث أنس أنه سمع النبي وَل يلبي بالحج والعمرة جميعاً يقول: ((لبيك عمرة وحجة))(٢)، وهذا تصريح باللفظ والحكم كما يثبت بالنص يثبت بالقياس؛ لكنه تعقب هذا بأنه عليه الصلاة والسلام قال ذلك في ابتداء إحرامه تعليماً للصحابة ما يهلون به ويقصدونه [من النسك]، ولقد صلى عليه الصلاة والسلام ثلاثين ألف صلاة فلم ينقل عنه أنه قال: نويت أصلي صلاة كذا وكذا، وتركه سنة كما أن فعله سنة فليس لنا أن نسوّي بين ما فعله وتركه فنأتي من القول في الموضع الذي تركه بنظير ما أتى به في الموضع الذي فعله، والفرق بين الحج والصلاة أظهر من أن يقاس أحدهما بالآخر. / ١٠٠ ثم اللام في النيات عوض عن المضاف إليه أي إنما الأعمال بنياتها، أو الحديث من باب مقابلة الجمع بالجمع على حد ركب القوم دوابهم. قال ابن الهمام: هذا حديث مشهور متفق على صحته، وأما ألفاظه: فإنما الأعمال بالنيات وبالنية والأعمال بالنية والعمل بالنية كلها في الصحيح، وأما الأعمال بالنيات كما في الكتاب يعني الهداية، فقال النووي في كتابه بستان العارفين ولم يكمل [٥] نقلاً عن الحافظ أبي موسى الأصفهاني: إنه لا يصح إسناده وأقره، ونظر بعضهم فيه إذ قد رواه كذلك ابن حبان في صحيحه، والحاكم في أربعينه ثم حكم بصحته قلت: وهو رواية عن إمام المذهب في مسند أبي حنيفة رحمه الله رواه عن يحيى بن سعيد عن محمد بن إبراهيم التيمي عن علقمة عن أبي (١) في المخطوطة انه. الحرة (٢) أخرجه مسلم فى صحيحه ٩٠٥/٢ حديث ١٢٣٢. ٩٧ حديث ((إنما الأعمال بالنيات ... )) وقاص الليثي عن عمر بن الخطاب، قال: قال رسول الله وَ له: ((الأعمال بالنيات))(١) الحديث، ورواه ابن الجارود في المنتقى: ((إن الأعمال بالنيات وإن لكل امرئ ما نوى» (٢) إ هـ. وروي عن الشافعي في فضل هذا الحديث أنه يدخل فيه نصف العلم، ووجهه أن النية عبودية القلب والعمل عبودية القالب، أو أن الدين إما ظاهر [وهو العمل] أو باطن وهو النية، فهو كقوله عليه الصلاة والسلام: ((تعلموا الفرائض فإنها نصف العلم))(٣) لتعلقها بالموت المقابل للحياة، وروي عنه ما يدل على أنه ربع العلم كما قال: عمدة الخير عندنا كلمات * أربع قالهن خير البرية اتق الشبهات(٤) وازهد ودع ما * ليس يعنيك واعمل بنية إشارة إلى الأحاديث الأربعة، فكأنه اعتبر اتقاء السيئات والزهد في المباحات وترك الفضولات والعمل بالنيات في جميع الحالات. وروي عنه وعن أحمد أنه ثلث الإِسلام، أو ثلث العلم، ووجهه البيهقي بأن كسب العبد إما بقلبه كالنية أو بلسانه أو ببقية جوارحه، والأوّل أحد الثلاثة بل أرجحها لأنه عبادة بانفرادها وهذا وجه خبر: ((نية المؤمن خير من عمله))، وفي رواية: ((أبلغ))، وفي أخرى زيادة: ((إن الله عزَّ وجلّ ليعطي العبد على نيته ما لا يعطيه على عمله، وذلك أن النية لا رياء فيها والعمل يخالطه الرياء»(٥)، وله طرق ضعيفة يتقوّى بمجموعها، ولا يعارضه حديث: ((من همّ بحسنة فلم يعملها كتبت له واحدة، ومن عملها كتبت له عشرة))(٦)، الموهم أن العمل خير منها لأن كتابة العشر ليست على العمل وحده بل معها لأنها شرط لصحته وهو ليس شرطاً لصحتها ولهذا يثاب على النية المجرّدة، فانقلب هذا الحديث دليلاً على خيريتها وظهر فساد ما قيل: المراد أن النية خير من العمل بلا نية لا معها لئلا يلزم أن الشيء خير من نفسه مع غيره، والعجب من ابن حجر حيث ذكر هذا القيل وقرره بالتعليل. وأما قوله: ((ومن خيريتها على العمل أنها تقتضي التخليد في الجنة أو النار إذ المؤمن ناوِ الإِيمان دائماً والكافر ناو الكفر دائماً فقوبل التأبيد بالتأبيد، ولو نظر للعمل لكان الثواب أو العقاب بقدر مدته)) فمدخول ومعلول، فإنه لا يقال: نية الكافر خير من عمله، بل مفهوم الحديث أن عمل الكافر خير من نيته، نعم ذكروا في جانب الجنة أن دخولها بالإيمان ودرجاتها بالأعمال وخلودها بالنية، أو من باب الإفضال فلا إشكال، وأما دخول الكفار في النار فلكفرهم ودركاتها على قدر أعمالهم السيئة، فكان مقتضى العقل في ظاهر العدل أن الكافر الذي عاش في الدنيا مائة سنة مثلاً أن يعذب قدرها فقالوا: التخليد في مقابلة نيته من التأبيد فإنه لو فرض أنه عاش أبد الآباد لاستمر على كفره المعتاد. ثم قيل: ضمير عمله لكافر معهود (١) شرح مسند أبي حنيفة ص ٢٢١. (٢) المنتقى ص ٢٧ حديث رقم ٦٤. (٣) أخرجه الدارقطني ٤/ ٦٧ حديث رقم ٢ من كتاب الفرائض. (٤) في المخطوطة السيئات .(٥) أخرجه الديلمي في مسند الفردوس ٢٨٦/٤ حديث ٦٨٤٣. (٦) البخاري ٣٢٣/١١ حديث ٦٤٩١ ومسلم ١١٧/١ حديث ١٣٨ ٩٨ حديث ((إنما الأعمال بالنيات ... )) وهو السابق كبناء (١) قنطرة عزم مسلم على بنائها، والقول بأن خير ليست بمعنى أفعل التفضيل، والمعنى: النية خير من جملة الخيرات ساقط عن الاعتبار من جميع الجهات. قال ابن حجر: واختلفوا في نية السيئة، والحق أنه لا عقاب (٢) عليها إلا إن انضم إليها عزم أو تصميم أي عزم على الفعل بالفعل أو تصميم على أنه سيفعل، وفيه أن النية لا تكون إلا مع العزيمة وإلا فمع التردد تسمى خطرة وهي مرفوعة بالإجماع. قال في المدارك(٣) عند قوله تعالى: ﴿وإن تخفوا ما في صدوركم﴾ [آل عمران - ٢٩] الآية: ((ولا تدخل الوساوس وحديث النفس فيما يخفيه الإنسان لأن ذلك مما ليس [في] وسعه الخلو عنه، و﴿لا يكلف الله نفساً إلا وسعها﴾ [البقرة: ٢٨٦]، ولكن ما اعتقده وعزم عليه)). والحاصل أن عزم الكفر كفر وخطرة الذنوب من غير عزم معفوّ عنها وعزم الذنب إذا ندم عليه ورجع عنه معفوّ عنه بل يثاب، فأما إذا همّ بسيئة وهو ثابت على ذلك إلا أنه منع عنه بمانع لا باختيار فإنه لا يعاقب على ذلك عقوبة فعله أي بالعزم على الزنا لا يعاقب عقوبة الزنا. وهل يعاقب عقوبة عزم الزنا؟ قيل: لا لقوله عليه الصلاة والسلام: ((إن الله عفا عن أمتي ما حدثت به أنفسهم ما لم تعمل أو تتكلم به))(٤)، والجمهور على أن الحديث في الخطرة دون العزم، وأن المؤاخذة في العزم ثابتة، واليه مال الشيخ أبو منصور وشمس الأئمة الحلواني، والدليل عليه قوله تعالى: ﴿إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة ﴾ [النور - ١٩) الآية. ٠٥٠٠ ثم قال ابن حجر: فإن قلت: ونية الحسنة كذلك، قلت: فرق بأن ناوي الحسنة يثاب عليها وعلى نيتها، وناوي السيئة إنما يعاقب على نيتها [فقط] قلت: لا حاجة إلى الفرق فإن لكل امرئ ما نوى، ثم ما ذكره من الفرق غير صحيح لأنه إن أراد التعدد الحقيقي فهو غير ثابت، وإن أراد التعدد الحكمي وهو الزيادة في الكيفية دون الكمية كما أشار إليه بقوله: ((ومعنى ثوابه على الأوّلين أنه يكتب له حسنة عظيمة لكن باعتبارين)) فهذا جار في السيئة أيضاً. ومن جملة الفروع المتعلقة بهذا الحديث أن من سبق لسانه بمكفر يدين خلافاً لبعض المالكية إذ لا نية له، ويؤيدنا خبر مسلم في الذي ضلت راحلته ثم وجدها فقال من شدة الفرح: ((اللهم أنت عبدي وأنا ربك))، قال عليه الصلاة والسلام: ((أخطأ من شدة الفرح))(٥)، قال ابن حجر: فإن قلت: ظاهر كلام بعضهم قبول دعواه سبق اللسان هنا ولو من غير قرينة فينا فيه ما مر في نحو الطلاق أنه لا بد من قرينة فما الفرق؟ قلت: أما بالنسبة إلى الباطن فهما (١) في المخطوطة ((لبناء)). (٢) في المخطوطة ((لا عتاب)). (٣) وهو كتاب ((مدارك التنزيل وحقائق التأويل)) للإمام حافظ الدين عبد الله بن أحمد النسفي المتوفى (٧٠١). (كشف الظنون ٢/ ١٦٤٠). (٤) البخاري ٣٨٨/٩ حديث ٥٢٦٩ مسلم ١١٦/١ حديث ١٢٧. (٥) مسلم ٢١٠٤/٤ حدیث ٢٧٤٧. ٩٩ حديث ((إنما الأعمال بالنيات ... )) وإنما لامریٍ ما نوی؛ على حد سواء فلا شيء عليه باطناً فيهما حيث سبق لسانه، وأما ظاهراً فلا بد من قرينة في الطلاق وكذا الكفر كما هو ظاهر، ويحتمل قبوله فيه ظاهراً مطلقاً، أو يفرق بأنه يغتفر في حق الله ما لا يغتفر في حق غيره لبناء حقه تعالى على المسامحة وحق الآدمي على المشاحة. ومنها أن من وطىء أو شرب أو قتل بظن الحليلة ونحو الماء وغير المعصوم فبان محرماً (١) لا يأثم، وفي عكسه يأثم اعتباراً بالنية فيهما. وقال بعض العلماء استثني بعض الأعمال من هذا العموم كصريح الطلاق والعتاق، لأن تعيين الشارع هذه الألفاظ لأجل هذه المعاني بمنزلة النية، ولا يخفى أن هذا إنما هو بالنسبة إلى الصحة والجواز وأما بالنسبة إلى الثواب فلا بد من تصحيح النية والله أعلم. (وإنما لامرىء) أي الشخص وفي رواية: (([وإنما] لكل امرىء» (ما نوى) أي جزاء الذي نواه من خير أو شر، أو جزاء عمل نواه أو نيته دون ما لم ينوه أو نواه غيره له؛ ففيه بيان لما تثمره النية من القبول والرد والثواب والعقاب وغير ذلك كإسقاط القضاء وعدمه، إذ لا يلزم من صحة العمل قبوله ووجود ثوابه لقوله تعالى: ﴿إنما يتقبل الله من المتقين ﴾ [المائدة - ٢٧]، ففهم من الجملة الأولى أن الأعمال لا تكون محسوبة إلا بالنية ومن هذه أنها إنما تكون مقبولة بالإِخلاص. وحاصل الفرق(٢) أن النية في الأوّل متعلقة بنفس العمل وفي الثاني متوجهة إلى ما لأجله العمل من الأمل، وقيل هذه مؤكدة للأولى تنبيهاً على سر الإِخلاص، ونوقش بأن تنبيهها على ذلك يمنع إطلاق كونها مؤكدة، وقيل: المراد بالأعمال العبادات وبالثاني الأمور المباحات فإنها لا تفيد المثوبات إلا إذا نوى بها فاعلها القربات كالمآكل والمشارب والمناكح وسائر اللذات إذا نوى بها القوّة على الطاعات لاستيفاء الشهوات، وكالتطيب إذا قصد إقامة السنة ودفع الرائحة المؤذية عن عباد الله تعالى؛ ففي الجملة كل عمل صدر عنه لداعي الحق فهو الحق وكذا المتروكات لا يترتب عليها المثوبات إلا بالنيات. رُوي أن رجلاً من بني إسرائيل مر بكثبان رمل في مجاعة فقال في نفسه: لو كان هذا الرمل طعاماً لقسمته بين الناس، فأوحى الله إلى نبيهم قل: إن الله قد صدقك وشكر حسن صنيعك وأعطاك ثواب ما لو كان طعاماً فتصدقت به. وقال الخطابي في أعلام الحديث واختاره النووي: ((إن هذه إشارة إلى إيجاب تعيين المنوي فلا بد أن ينوي في الفائتة من كونها ظهراً أو عصراً، ولولاه لدل إنما الأعمال على الصحة بلا تعيين أو أوهم ذلك)) اهـ. وكذلك إذا عمل عملاً ذا وجهين أو وجوه من القربات كالتصدق على القريب الذي يكون جاراً له وفقيراً أو غير ذلك من الأوصاف التي يستحق بها الإِحسان ولم ينو إلا وجهاً واحداً لم يحصل له ذلك بخلاف ما إذا نوى جميع الجهات، فعلم سر تأخير هذه الجملة وأنهما متغايرتان، قيل: المفهوم منه أن نية الخاص في ضمن نية العام غير معتبرة كما قال به بعض، وقال بعضهم: إنها معتبرة ويدل عليه حديث (١) في المخطوطة ((خلافه)). (٢) في المخطوطة ((الفرض)). ٠٠٠ .. ١٠٠ حديث ((إنما الأعمال بالنيات ... )) فمن كانت هجرته إلى الله وإلى رسوله، ((الخيل لثلاثة))(١) الخ والله أعلم، وقيل: النية في الحديث محمولة على معناها اللغوي ليحسن تطبيقه على ما بعده وتقسيمه بقوله. بوني بيير جيـ (فمن كانت هجرته إلى الله و) إلى (رسوله) فإنه تفصيل ما أجمله واستنباط المقصود عما أصله؛ وتحريره أن قوله: إنما لامرىء ما نوى دل على أن الأعمال تحسب بحسب النية إن كانت خالصة لله فهي له تعالى وإن كانت للدنيا فهي لها وإن كانت لنظر الخلق فهي لذلك، فالتقدير: إذا تقرر أن لكل إنسان منوية من طاعة أو مباح أو غيرهما، فمن كانت هجرته من الهجر وهو الترك الذي هو ضد الوصل، والمراد هنا ترك الوطن الذي بدار الكفر إلى دار الإِسلام، كهجرة الصحابة لما اشتد بهم أذى أهل مكة منها إلى الحبشة وإلى المدينة قبل هجرته عليه الصلاة والسلام وبعدها، ولما احتاجوا إلى تعلم العلوم(٢) من أوطانهم إلى المدينة، وقد تطلق كما في أحاديث على هجرة ما نهى الله عنه. وفي معناها هجر المسلم أخاه، وهجر المرأة مضجع زوجها وعكسه، ومنها الهجرة من ديار البدعة إلى بلاد السنة، والهجرة لطلب العلم وترك الوطن لتحصيل الحج وفي معناه الاعتزال عن الناس. وأما قوله عليه الصلاة والسلام: ((لا هجرة بعد الفتح)) (٣) فمحمول على خصوص الهجرة من مكة إلى المدينة لأن عموم الانتقال من دار الكفر إلى دار الإِيمان باق على حاله، وكذا الهجرة من المعاصي ثابتة لقوله عليه الصلاة والسلام: ((المهاجر من هجر ما نهى الله عنه)» (٤) والمراد المهاجر الكامل [وهذا معنى حديث: ((لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة]»(٥) قيل: المراد منها ههنا إلى المدينة لذكر المرأة وحكاية أم قيس(٢)، لكن العبرة لعموم اللفظ لا لخصوص السبب. والمعنى من قصد بهجرته وجه الله والتقرب إلى رضاه لا يخلطها بشيء من الأغراض الدنيوية فهو كناية عن تخليص النية، أو ذكر الله توطئة لذكر الرسول تخصيصاً له بالله وتعظيماً للهجرة إليه، أو ذكر الله للتزيين والإيماء إلى أن الهجرة إليه عليه الصلاة والسلام كالهجرة إلى الله تعالى كقوله: ﴿ومن يطع الرسول فقد أطاع الله﴾ [النساء - ٨٠]. ثم الثابت في النسخ المصححة إعادة الجار في الشرط والجزاء وهي تفيد الاستقلال في الحكم بمعنى أن كلا من الهجرتين تقوم مقام الأخرى في مرتبة القبول (فهجرته إلى الله و) إلى (رسوله) لم يقل إليهما استلذاذاً بتكرير اسمهما، وإلى متعلقة بهجرته إن قدرت كانت تامة، وبمحذوف هو خبرها إن كانت ناقصة أي منتسبة إليهما. والمراد أصل الكون لا بالنظر إلى زمن مخصوص، أو وضعه الأصلي من المضي، أو هنا من الاستقبال لوقوعها في حيز الشرط لفظاً أو معنى للإجماع على استواء الأزمنة في الأحكام الشرعية إلا لمانع. // (١) البخاري ٦/ ٦٣ حديث ٢٨٦. وأخرجه مسلم. (٣) البخاري ١٨٩/٦ حديث ٣٠٧٨. ولفظه: ((لا هجرة بعد فتح مكة)). ١ (٤) راجع حديث رقم ٦ (٦) ذكر الطبراني قصتها. (٢) في المخطوطة ((العلم)). .(٥) أخرج معناه البيهقي في شعب الإيمان ٤٤٤/٥ حديث ٢٧٤٠.