Indexed OCR Text
Pages 521-540
٥٢٠
VENBE
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصابِيحِ
(وَيَبْسُطُ يَدَهُ بِالنَّهَارِ ؛ لِيَتُوبَ مُسِيءُ اللَّيْلِ)، وقال النووي: معناه: يقبل التوبة من
المسيئين نهارًا وليلاً حتى تطلع الشمس من مغربها، ولا يختص قبولها بوقت،
فبسط اليد استعارة في قبول التوبة، قال المازري: المراد به: قبول التوبة، وإنما
ورد لفظ بسط اليد؛ لأن العرب إذا رضي أحدهم الشيء بسط يده لقبوله، وإذا كرهه
قبضها عنه، فخوطبوا بأمر حسي يفهمونه وهو مجاز، فإن يد الجارحة مستحيلة في
حق الله تعالى. انتهى. وقيل: البسط: عبارة عن التوسع في الجود والعطاء والتنزه
عن المنع. وفي الحديث: تنبيه على سعة رحمته وكثرة تجاوزه.
وقال الطيبي: هو تمثيل يدل على أن التوبة مطلوبة عنده محبوبة لديه، كأنه
يتقاضاها من المسيء.
(حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا)، فحينئذ يغلق باب التوبة قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِى
بَعْضُ ءَايَتِ رَبِّكَ لَا يَنفَعُ نَفْسًا إِيَمَنُهَا﴾ الآية [الأنعام: ١٨٥]، قال ابن الملك: مفهوم هذا
الحديث وأشباهه يدل على أن التوبة لا تقبل بعد طلوع الشمس من المغرب إلى يوم
القيامة .
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) في التوبة، وأخرجه أيضًا أحمد (ج٤: ص٣٩٥: ٤٠٤) ونسبه في
((الكنز)) (ج٤: ص١٢٨) لابن أبي شيبة، وأحمد، ومسلم، والنسائي، وأبي الشيخ
في ((العظمة)) والبيهقي في ((الأسماء)).
٢٣٥٣ - [٨] وَعَنْ عَائِشَةَ رِ ◌ّ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((إِنَّ الْعَبْدَ
إِذَا اعْتَرَفَ، ثُمَّ تَابَ؛ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ)).
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
الشرح
٢٣٥٣ - قوله: (إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا اعْتَرَفَ)، أي: بذنبه، قال القاري: أي: أقرَّ
بكونه مذنبًا وعرف ذنبه. (ثُمَّ تَابَ)، أي: من ذنبه إلى الله. قال القاري: أي: أتى
بأركان التوبة؛ من الندم، والخلع، والعزم والتدارك.
(٢٣٥٣) البُخَارِي (٤١٤١) عَنْ عَائِشَةَ فِي الحَدِيثِ الطَّوِيلِ فِي قِصَّةٍ أَهْلِ الإِفْكِ.
كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
بَابُ الإِسْتِغْفَار وَالتّوْبَةِ
٥٢١
(تَابَ اللهُ عَلَيْهِ)، أي: قبل توبته؛ لقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِى يَقْبَلُ النَّوْبَةً عَنْ
عِبَادِهِ﴾ [الشورى: ٢٥]، قال الطيبي: وحقيقته أن الله يرجع عليه برحمته. انتهى.
والحديث قطعة من حديث طويل من حديث الإفك، وقبلها قال - أي: رسول الله
وَه: ((يَا عَائِشَةُ، إِنَّهُ قَدْ بَلَغَنِي عَنْكِ كذا وكذا - هو كناية عمَّا رميت به من الإفك فَإِنْ
كُنْتِ بَرِيئَةً فَسَيُبَرَّتُّكِ اللهُ، وَإِنْ كُنْتِ أَلْمَمْتِ بِذَنْبٍ فَاسْتَغْفِرِي اللـهَ وَتُوبِي إِلَيْهِ، فَإِنَّ
الْعَبْدَ إِذَا اعْتَرَفَ بِذَنْبِهِ ... )) إلخ.
قال الداودي: أمرها بالاعتراف ولم يندبها إلى الكتمان للفرق بين أزواج
النبي ◌َل﴾ وغيرهن، فيجب على أزواجه الاعتراف بما یقع منهن ولا یکتمنه إياه،
فإنه لا يحلُّ لنبي إمساك من يقع منها ذلك بخلاف نساء الناس، فإنهن ندبن إلى
الستر. وتعقبه عياض: بأنه ليس في الحديث ما يدل على ذلك، ولا فيه أنه أمرها
بالاعتراف، وإنما أمرها أن تستغفر اللَّه وتتوب إليه أي فيما بينها وبين ربها، فليس
صريحًا في الأمر لها بأن تعترف عند الناس بذلك. قال الحافظ: وسياق جواب
عائشة بقولها: والله لقد علمت، لقد سمعتم هذا الحديث حتى استقر في أنفسكم
وصدقتم به، فلئن قلت لكم: إني بريئة - والله يعلم أنِّي بريئة - لا تصدقوني
بذلك، ولئن اعترفت لكم بأمر - والله يعلم أنِّي منه بريئة - لتصدقني؛ يشعر بما
قاله الداودي لكن المعترف عنده ليس على إطلاقه فليتأمل.
ويؤيد ما قال عياض: إن في رواية يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب عند الطبراني
قالت: فقال لي أبي: إن كنت صنعت شيئًا فاستغفري اللّه وإلَّا فأخبري رسول الله
وَالثّ بعذرك. انتهى. قلت: ويرجح ما قال عياض، إن في رواية للبخاري قال: قال
رسول اللَّه ◌َِّ: ((يَا عَائِشَةُ، إِنْ كُنْتِ قَارَفْتِ سُوءًا وَظَلَمْتِ فَتُوبِي إِلَى اللهِ، فَإِنَّ اللهَ
يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ)).
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ)، هذا طرف من حديث الإفك الطويل أخرجه البخاري في باب
تعديل النساء بعضهن بعضًا من الشهادات، وفي غزوة بني المصطلق وهي غزوة
المريسيع من المغازي، وفي تفسير سورة النور، وأخرجه مسلم في التوبة،
وأخرجه أيضًا أحمد، وأخرج ابن جرير الطبري، والترمذي بنحوه.
٥٢٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
SE
٢٣٥٤ - [٩] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: «مَنْ تَابَ قَبْلَ
أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ».
[رَوَاهُ مُسْلِمٌ] {صحيح}
الشرح
٢٣٥٤ - قوله: (مَنْ تَابَ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا ... ) إلخ. هذا
هو المراد من قوله: ﴿يَوْمَ يَأْتِى بَعْضُ ءَايَتِ رَبِّكَ لَا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَتُهَا لَمْ تَكُنْ ءَامَنَتْ مِن
قَبْلُ﴾ الآية [الأنعام: ١٥٨]، لكن الآية مختصة بعدم قبول الإيمان، والحديث: يدل على
عدم قبول التوبة مطلقًا، سواء كانت من الكفر أو من المعصية، وفيه اختلاف بين
العلماء، فتدبر كذا في ((اللمعات)).
(تَابَ اللهُ عَلَيْهِ)، أي: قبل توبته ورضي بها، قال النووي: هذا، أي: طلوع
الشمس من المغرب حد لقبول التوبة، وقد جاء في الحديث الصحيح: ((إِنَّ لِلتَّوْبَةِ
بَابًا مَفْتُوحًا فَلَا تَزَالُ مَقْبُولَةً حَتَّى يُغْلَقَ، فَإِذَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا أَغْلِقَ وَامْتَنَعَتِ
الثَّوْبَةُ عَلَى مَنْ لَمْ يَكُنْ تَابَ قَبْلَ ذَلِكَ))، وهو معنى قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِى بَعْضُ ءَايَتِ
رَبِّكَ لَا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَتُهَا لَمْ تَكُنْ ءَامَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِيَ إِيَمَنِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام: ١٥٨] وللتوبة
حد آخر، وهو أن يتوب قبل الغرغرة، كما جاء في الحديث الصحيح، وأمَّا في
حالة الغرغرة وهي حالة النزع، فلا تقبل توبته ولا غيرها؛ لأن المعتبر هو الإيمان
بالغيب ولا تنفذ وصيته ولا غيرها.
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) في الدعاء، وأخرجه أيضًا أحمد (ج٢: ص٢٧٥)، وعبد الرزاق،
وابن جرير في تفسيرهما، ونقله ابن كثير في التفسير عن الطبري، ثم قال: لم
يخرجه أحد من أصحاب الكتب الستة، وعليه في هذا استدراك، فإنه في ((صحيح
مسلم)) كما ترى، فلا ينبغي في هذا أن يوصف بأنه لم يخرجه أحد من أصحاب
الكتب الستة وأغرب مما صنع ابن كثير صنيع الحافظ الهيثمي، فإنه ذكره في
((مجمع الزوائد)) (ج١٠: ص٩٨) باللفظ الذي في ((صحيح مسلم))، ثم قال: رواه
الطبراني في ((الأوسط)) وفيه الحسن بن أبي جعفر وهو ضعيف.
(٢٣٥٤) مُسْلِم (٢٧٠٣/٤٣) فِي الدَّعَوَاتِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً.
كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
بَابُ الإِسْتِغْفَارِ وَالتَّوْبَةِ
٥٢٣
٢٣٥٥ - [١٠] وَعَنْ أَنَس قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَِّ: (لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا
بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ، حِينَ يَتُوبُ إِلَيْهِ مِنْ أَحَدِكُمْ، كَانَ رَاحِلَتُهُ بِأَرْضٍ فَلَاةٍ، فَانْفَلَتَتْ
مِنْهُ، وَعَلَيْهَا طَعَامُهُ، وَشَرَابُهُ، فَأَيِسَ مِنْهَا، فَأَتَى شَجَرَةً، فَاضْطَجَعَ فِي ظِلِّهَا قَدْ
أَبِسَ مِنْ رَاحِلَتِهِ، فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ، إِذْ هُوَ بِهَا قَائِمَةً عِنْدَهُ، فَأَخَذَ بِخِطَامِهَا، ثُمَّ
قَالَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ: اللَّهُمَّ أَنْتَ عَبْدِي وَأَنَا رَبُّكَ، أَخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَح)).
[رَوَاهُ مُسْلِمْ] {صحيح}
الشرح
٢٣٥٥ - قوله: (لَلَّهُ) بلام التأكيد المفتوحة. (أَشَدُّ فَرَحًا)، قيل: الفرح في
مثل هذا كناية عن الرضاء وسرعة القبول وحسن الجزاء؛ لتعذر ظاهره عليه تعالى.
(بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ)، أي: أرضى بتوبة عبده المؤمن وأقبل لها. (حِينَ يَتُوبُ إِلَيْهِ مِنْ
أَحَدِكُمْ)، أي: من فرح أحدكم وسروره ورضاه، قيل: الفرح المتعارف في نعوت
بني آدم غير جائز على الله تعالى؛ لأنه اهتزاز طرب يجده الشخص في نفسه عند
ظفره بغرض يستكمل به نقصانه، أو يسد به خلته، أو يدفع به عن نفسه ضرارًا أو
نقصانًا، وإنما كان غير جائز عليه تعالى؛ لأنه الكامل بذاته، الغني بوجوده، الذي
لا يلحقه نقص ولا قصور. وإنما معناه الرضا. والسلف فهموا منه ومن أشباهه
الترغيب في الأعمال والأخبار عن فضل الله، وأثبتوا هذه الصفات لله تعالى ولم
يشتغلوا بتفسيرها مع اعتقادهم تنزيهه تعالى عن صفات المخلوقين، وأمَّا من اشتغل
بالتأويل فله طريقان :
أحدهما: أن التشبيه مركب عقلي من غير نظر إلى مفردات التركيب، بل تؤخذ
الزبدة والخلاصة من المجموع، وهي غاية الرضا ونهايته. وإنما إبراز ذلك في
صورة التشبيه تقريرًا لمعنى الرضا في نفس السامع؛ وتصويرًا لمعناه.
وثانيهما: تمثيلي وهو أن يتوهم للمشبه الحالات التي للمشبه به وينتزع له منها ما
(٢٣٥٥) مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ: عَنْ أَنَسٍ؛ وَاللَّفْظُ لِمُسْلِم (٢٧٤٧) فِي التَّوْبَةِ، وَاخْتَصَرَهُ الْبُخَارِي (٦٣٠٩) فِي
الرِّقَاقِ .
ECRNE
٥٢٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَضَابِيحِ
يناسبه حالة حالة، بحيث لم يختل منها شيء، يعني: أنه من باب التمثيل، وهو أن
يشبه الحال الحاصلة بتنجيز الرضا والإقبال على العبد التائب بحال من كان في
المفازة على الصورة المذكورة في الحديث، ثم يترك المشبه ويذكر المشبه به. قال
القرطبي: هذا مثل قصد به بيان سرعة قبول الله توبة عبده التائب وإنه يقبل عليه
بمغفرته ويعامله معاملة من يفرح بعمله، ووجه هذا المثل: أن المعاصي حصلٍ
بسبب معصيته في قبضة الشيطان وأسره، وقد أشرف على الهلاك، فإذا لطف الله
به ووفقه للتوبة خرج من شؤم تلك المعصية، وتخلص من أسر الشيطان، ومن
المهلكة التي أشرف عليها، فأقبل اللَّه عليه بمغفرته وبرحمته، وإلا فالفرح الذي هو
من صفات المخلوقين محال على الله تعالى كما تقدم بيانه؛ لكن هذا الفرح عند
ثمرة وفائدة، وهو الإقبال على الشيء المفروح به وإحلاله المحل الأعلى، وهذا
هو الذي يصح في حقه تعالى، فعبر عن ثمرة الفرح بالفرح على طريقة العرب في
تسمية الشيء باسم ما جاوره، أو کان منه بسبب. انتهى.
والحاصل: إنَّ إطلاق الفرح في حقه تعالى مجاز عن رضاه، وقد يعبر عن الشيء
بسببه أو عن ثمرته الحاصلة عنه، فإن من فرح بشيء؛ جاد لفاعله بما سأل، وبذل له
ما طلب فعبر عن عطائه تعالى وواسع كرمه بالفرح. وقال الطيبي: المراد كمال
الرضا؛ لأن الفرح المتعارف لا يجوز عليه تعالى، والمتقدمون من أهل الحديث
فهموا من أمثال ذلك ما يرغب في الأعمال الصالحة ويكشف عن فضل الله تعالى
على عباده مع كونه منزهًا عن صفات المخلوقين، ولم يفتشوا عن معاني هذه
الألفاظ، وهذه الطريقة السليمة. وقلما يزيغ عنه قدم الراسخ.
وقال التوربشتي: هذا القول وأمثاله إذا أضيف إلى الله سبحانه، وقد عرف أنه
مما يتعارفه الناس في نعوت بني آدم على ما تقدم في غير هذا الموضع، أن
النبي ◌ّ- إذا أراد بيان المعاني الغيبية ولم يطاوعه فيه لفظ موضوع لذلك، فله أن
يأتي فيه بما يتضح دونه المعنى المراد، ولما أراد أن يبين أن التوبة منهم تقع
عند الله بأحسن موقع؛ عبر عنه بالفرح الذي عرفوه من أنفسهم في أسنى الأشياء
وأحبها إليهم؛ ليهتدوا إلى المعنى المراد منه ذوقًّا ومالًا، وذلك بعد أن عرفهم أن
إطلاق تلك الألفاظ في صفات الله تعالى على ما يتعارفونه في نعوتهم غير جائز ولا
يجوز لأحد أن يتعاطى هذا النوع في كلامه ويتسع فيه إلا للنبي وَّ، فإنه يجوز له ما
لا يجوز لغيره؛ لبراءة نطقه عن الهوى؛ ولأنه لا يقدم على ذلك إلا بإذن من الله،
٥٢٥
كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
بَابُ الإِسْتِغْفَارِ وَالتَّوْبَةِ
وهذه رتبة لا تنبغي إلا له وَل. انتهى.
قلت: كل صفة وصف الله بها نفسه أو وصفه بها رسول اللَّه ◌َلّه، فهي صفة
حقيقة لا مجاز، فهو تعالى يسمع ويبصر ويتكلم بما شاء متى شاء ويرضى ويسخط
ويعجب ويفرح بتوبة عبده، ومعنى كل ذلك معلوم، والكيف مجهول، فنثبت له
ذلك كله، ولا نكيفه ولا نشبهه بصفات المخلوقين ولا نؤوله ولا نعطله. قال
شيخنا: لا حاجه إلى التأويل ومذهب السلف في أمثال هذا الحديث إمرارها على
ظواهرها من غير تكييف ولا تشبيه ولا تأويل هذا. وقد تقدم في أول الباب ما ذكره
ابن القيم في بيان معنى هذا الحديث فراجعه.
(كَانَ رَاحِلَتُهُ)، قال القاري: وفي نسخة، يعني: من المشكاة: ((كَانَتْ رَاحِلَتْهُ))،
قلت: والذي في ((صحيح مسلم)): ((كَانَ عَلَى رَاحِلَتِهِ))، وهكذا نقله المنذري،
والجزري، والراحلة: البعير الذي يركبه الإنسان ويحمل عليه متاعه. (بِأَرْضِ فَلَاةٍ)
بالإضافة وبتنوين، أي: بمفازة ليس فيها ما يؤكل ويشرب. (فَانْفَلَتَتْ)، أي:
نفرت وفرت. (وَعَلَيْهَا)، أي: على ظهر. (طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ)، يعني: يكون حزنه
على غاية الشدة بذهاب الراحلة، وخوف هلاك نفسه من عدم الزاد والماء. (فَأَيِسَ)
من باب سمع. (مِنْهَا)، أي: من وجدان الراحلة بعد طلبها. (قَدْ أَيِسَ مِنْ رَاحِلَتِهِ)،
أي: من حصولها ووصولها، وهي جملة حالية.
(فَيْنَمَا)، كذا في جميع النسخ من ((المشكاة))، وفي ((صحيح مسلم)): ((فَبَيْنَا»،
(هُوَ كَذَلِكَ)، أي: في هذا الحال منكسر البال. (إِذْ هُوَ بِهَا قَائِمَةً عِنْدَهُ)، ((إِذْ))
للمفاجأة وقائمة حال من الضمير المجرور، أي: إذ الرجل حاضر بتلك الراحلة
حال كونها قائمة عنده من غير تردد في طلبها، وعليها زاده طعامه وشرابه. (فَأَخَذَ
بِخِطَامِهَا) بِكسر المعجمة، أي: زمامها فرحًا بها فرحًا لا نهاية له. (ثُمَّ قَالَ مِنْ شِدَّةِ
اَلْفَرَحِ: اللَّهُمَّ أَنْتَ عَبْدِي وَأَنَا رَبُّكَ. أَخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَح)، كرره؛ لبيان عذره
وسبب صدوره، يعني: أراد أن يحمد الله بما أنعم عليه من رَد راحلته إليه وقصد أن
يقول: اللَّهُمَّ أنت ربي وأنا عبدك، فسبق لسانه عن نهج الصواب وأخطأ، وقال:
اللَّهُمَّ أنت عبدي وأنا ربك من غاية الفرح، فكان أن فرح هذا الرجل على غاية
الشدة، فكذلك رضاء الله توبة عبده. قال عياض: فيه أن ما قاله الإنسان من مثل
هذا في حال دهشته وذهوله لا يؤاخذ به، وكذا حكايته عنه على طريق علمي،
صَلى الله
وفائدة شرعية لا على الهزل والمحاكاة والعبث، ويدل على ذلك حكاية النبي
٥٢٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
ذلك ولو كان منكرًا ما حكاه. والله أعلم.
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ)، في التوبة، وأخرجه البخاري في أوائل الدعوات مختصرًا، وفي
الباب عن البراء بن عازب والنعمان بن بشير عند أحمد، ومسلم، والحاكم وعن
أبي سعيد عند أحمد، وابن ماجه، وعن أبي مسعود عند أحمد، والشيخين،
وسيأتي في الفصل الثالث، وعن أبي هريرة عند أحمد، ومسلم، والترمذي، وابن
ماجه .
٢٣٥٦ - [١١] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَِالْتَهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَِّ: ((إِنَّ
عَبْدًا أَذْنَبَ ذَنْبًا، فَقَالَ: رَبِّ، أَذْنَبْتُ، فَاغْفِرْهُ، فَقَالَ رَبُّهُ: أَعَلِمَ عَبْدِي أَنَّ لَهُ رَبًّا
يَغْفِرُ الذَّنْبَ، وَيَأْخُذُ بِهِ؟ غَفَرْتُ لِعَبْدِي، ثُمَّ مَكَثَ مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ أَذْنَبَ ذَنْبًا،
فَقَالَ: رَبِّ، أَذْنَبْتُ ذَنْبًا، فَاغْفِرْهُ، فَقَالَ رَبُّهُ: أَعَلِمَ عَبْدِي أَنَّ لَهُ رَبَّا يَغْفِرُ
الذَّنْبَ، وَيَأْخُذُ بِهِ؟ غَفَرْتُ لِعَبْدِي، ثُمَّ مَكَثَ مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ أَذْنَبَ ذَنْبًا، قَالَ:
رَبِّ، أَذْنَبْتُ ذَنْبًا آخَرَ، فَاغْفِرْهُ لِي، فَقَالَ: أَعَلِمَ عَبْدِي أَنَّ لَّهُ رَبَّا يَغْفِرُ الذَّتْبَ
[مُثَّفَقٌ عَلَيْهِ]
وَيَأْخُذُ بِهِ؟ غَفَرْتُ لِعَبْدِي، فَلْيَفْعَلْ مَا شَاءَ)) .
الشرح
٢٣٥٦ - قوله: (إِنَّ عَبْدًا)، أي: من هذه الأمة أو من غيرهم. (أَذْنَبَ ذَنْبًا)،
وفي البخاري: ((إِنَّ عَبْدًا أَصَابَ ذَنْبًا))، قال الحافظ: كذا تكرر هذا الشك أي: روي
بالشك ها هنا وفي المواضع الآتية في هذا الحديث من هذا الوجه أي: من رواية
همام بن يحيى عن إسحاق بن عبد الله عن عبد الرحمن بن أبي عمرة عن أبي هريرة
ولم يقع في رواية حماد بن سلمة، يعني: رواه حماد بن سلمة عن إسحاق عند
مسلم بلفظ: عن النبي ◌ََّ فيما يحكي عن ربه رَكَ قال: ((أَذْنَبَ عَبْدٌ ذَنْبًا))، ولم
يشك، وكذا في بقية المواضع ولفظ الكتاب للبخاري إلا أن المصنف اقتصر على
أحد اللفظين بالجزم تبعًا للبغوي.
(٢٣٥٦) مُتَفَقٌ عَلَيْهِ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: البُخَارِي (٧٥٠٧) فِي التَّوْحِيدِ، مُسْلِم (٢٩/ ٢٧٥٨) فِي التَّوْبَةِ،
والنَّسَائي في الكبرى (١٠٢٥٢) فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ .
كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
بَابُ الإِسْتِغْفَارِ وَالتَّوْبَةِ
exes
٥٢٧
(فَقَالَ) ظاهره أنه عطف على (أَذْنَبَ)، وقال الطيبي: خبر إن إذا كانت اسمها
نكرة موصوفة؛ ذكره القاري. (رَبِّ)، أي: يا ربِّ. (أَذْنَبْتُ)، أي: ذنبًا، وفي
البخاري: ((أَذْنَبْتُ - وربما قال: أَصَبْتُ))، أي: بالشك. (فَاغْفِرْهُ)، أي: الذنب
وقوله: ((فَاغْفِرْهُ))، كذا لأبي ذرٍ، وللكشميهني: ((فَاغْفِرْ لِي))، قاله القسطلاني.
(فَقَالَ رَبُّهُ)، أي: للملائكة. (أَعَلِمَ عَبْدِي)، بهمزة الاستفهام والفعل الماضي
وللأصيلى: ((عَلِمَ))، بحذف الهمزة.
وقال الطيبي: قوله: ((أَعَلِمَ))، قيل: إمَّا استخبار من الملائكة، وهو أعلم به
للمباهاة، وإمَّا الاستفهام للتقرير والتعجيب، وإنما عدل عن الخطاب وهو قوله:
((أَعَلِمْتَ عَبْدِي))، إلى الغيبة؛ شكرًا لصيغة إلى غيره؛ وإحمادًا له على فعله. (أَنَّ لَهُ
ربَّا يَغْفِرُ الذُّنْبَ)، أي: إذا شاء لمن شاء. (وَيَأْخُذُ بِهِ)، أي: يؤاخذ ويعاقب فاعله
إذا شاء لمن شاء، وفي رواية حماد: ((وَيَأْخُذُ بِالذَّنْبِ))، (غَفَرْتُ لِعَبْدِي)، أي:
ذنبه. (ثُمَّ مَكَثَ) بفتح الكاف وضمها. (مَا شَاءَ اللَّهُ)، أي: من الزمان، وسقط هذا
من رواية حماد. (ثُمَّ أَذْنَبَ ذَتْبًا) آخرٍ، وفي البخاري: ((ثُمَّ أَصَابَ ذَنْبًا - أو - أَذْنَبَ
ذَنْبًا))، وفي رواية حماد: (ثُمَّ عَادَ فَأَذْنَبَ))، (فَقَالَ: رَبِّ، أَذْنَبْتُ ذَنْبًا)، أي: آخر،
وفي البخاري: ((أَصَبْتُ - أو - أَذْنَبْتُ آخَرَ))، (فَاغْفِرْهُ) لي، وللأصيلي: ((فَاغْفِرْ
لِي))، (فَقَالَ) ربه: (أَعَلِمَ عَبْدِي)، وللأصيلي: ((عَلِمَ)) بحذف الهمزة.
(إِنَّ لَهُ رَبَّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ) تارة. (وَيَأْخُذُ بِهِ)، أي: يعاقب فاعله عليه أخرى. (ثُمَّ
مَكَثَ مَا شَاءَ اللهُ) من الزمان. (ثُمَّ أَذْنَبَ ذَنْبًا) آخر، وفي البخاري: (بَعْدَهُ - وربما
قال: أَصَابَ ذَنْبًا))، (قَالَ)، وفي بعض النسخ: (فَقَالَ))، (رَبِّ، أَذْنَبْتُ ذَنْبًا آخَرَ) ،
أي: من جنسه أو من غير جنسه، وفي البخاري: ((رَبِّ! أَصَبْتُ - أو قال: أَذْنَبْتُ
آخَرَ)» .
قال القسطلاني: كذا بالشك في هذه المواضع المذكورة كلها في هذا الحديث
من هذا الوجه، ورواه حماد عن إسحاق عند مسلم ولم يشك. (غَفَرْتُ لِعَبْدِي)
وزاد في رواية غير أبي ذر: (ثَلَانًا)»، قال القسطلاني: أي: غفرت لعبدي الذنوب
الثلاثة. وقال القاري في ((شرح الحصن)): قوله: (ثَلَاثًا))، ليس ظرفًا لقوله:
((غَفَرْتُ))، كما يتبادر إلى الوهم، بل بيان لما وقع من تكرار السؤال والجواب
والحديث بين العبد والرب.
٥٢٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
(فَلْيَفْعَلْ)، قال القاري: وفي نسخة، يعني: من ((المشكاة)) وهي كما في
(المصابيح)): ((فَلْيَعْمَلْ))، قلت: وهكذا وقع في البخاري، وكذا نقله المنذري في
((الترغيب)) والجزري في ((الحصن))، وهكذا وقع عند أحمد (ج٢: ص٢٩٦). (مَا
شَاءَ)، أي: من الذنب المعقب بالتوبة الصحيحة، ففيه: أن التوبة الصحيحة لا
يضر فيها نقص بالذنب ثانيًا بل مضت على صحتها ويتوب من المعصية الثانية.
وهكذا قال المنذري: قوله: ((فَلْيَعْمَلْ مَا شَاءَ))، معناه: إذ كان هذا دأبه يذنب
الذنب، فيتوب منه ويستغفر، فليفعل ما شاء؛ لأنه كلما أذنب كانت توبته
واستغفاره كفارة لذنبه فلا يضره. لا أنه يذنب الذنب فيستغفر منه بلسانه من غير
إقلاع ثم يعاوده، فإن هذه توبة الكذابين ويدل له قوله: ((ثُمَّ أَصَابَ ذَنْبًا آخَرَ)).
انتهى. وفي رواية حماد: ((اعْمَلْ مَا شِئْتَ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكَ))، قال النووي: معناه: ما
دمت تذنب ثم تتوب غفرت لك.
وقال الطيبي: أي: اعمل ما شئت ما دمت تذنب ثم تتوب، فإني أغفر لك.
وهذه العبارة تستعمل في مقام السخط، كقوله تعالى: ﴿أَعْمَلُواْ مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ
بَصِيرُ﴾ [فصلت: ٤٠] وليس هذا المعنى مرادًا هاهنا، وفي مقام التلطف والحفاوة
بالمخاطب وإظهار العناية والشفقة به كما في هذا الحديث، وفي قوله في حديث
حاطب بن أبي بلتعة: ((لَعَلَّ اللهَ الطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ ، فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ، فَقَدْ
غَفَرْتُ لَكُمْ))، وكما تقول لمن تحبه وهو يؤذيك: اصنع ما شئت، فلست بتارك
ذلك، وليس المراد من ذلك الحث على الفعل، بل إظهار الحفاوة والتلطف،
انتهى. قلت: قد أشكل على كثير من الناس معنى قوله: ((فَلْيَعْمَلْ مَا شَاءَ))، كما
أشكل عليهم معنى قوله المذكور في حديث حاطب، فإن ظاهره إباحة كل الأعمال
لأهل بدر وتخييرهم فيما شاءوا منها، وذلك ممتنع .
وقد أجيب عن ذلك بوجوه: منها: ما قال ابن القيم في ((الفوائد)) (ص١٦): إن
هذا خطاب لقوم قد علم الله سبحانه أنهم لا يفارقون دينهم بل يموتون على
الإسلام، وأنهم قد يقارفون بعض ما يقارفه غيرهم من الذنوب، ولكن لا يتركهم
سبحانه مصرين عليها، بل يوفقهم لتوبة نصوح واستغفار وحسنات تمحو أثر ذلك،
ويكون تخصيصهم بهذا دون غيرهم؛ لأنه قد تحقق ذلك فيهم، وإنهم مغفور لهم،
ولا يمنع ذلك كون المغفرة حصلت بأسباب تقوم بهم، كما لا يقتضي ذلك أن
كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
بَابُ الإِسْتِغْفَارِ وَالتّوْبَةِ
٥٢٩
.-.
،
يعطلوا الفرائض وثوقًا بالمغفرة، فلو كانت قد حصلت بدون الاستمرار على القيام
بالأوامر لما احتاجوا بعد ذلك إلى صلاة ولا صيام ولا حج ولا زكاة ولا جهاد،
وهذا محال، ومن أوجب الواجبات التوبة بعد الذنب، فضمان المغفرة لا يوجب
تعطيل أسباب المغفرة، ونظير هذا قوله في الحديث الآخر: ((أَذْنَبَ عَبْدٌ ذَنْبًا فَقَالَ:
أي رَبِّ أَذْنَبْتُ ذَنْبًا فَاغْفِرْهُ لِي، فَغَفَرَهُ لَهُ))، الحديث.
وفيه: ((قَدْ غَفَرْتُ لِعَبْدِي، فَلْيَعْمَلْ مَا شَاءَ))، فليس في هذا إطلاق وإذن منه
سبحانه له في المحرمات والجرائم. وإنما يدل على أنه يغفر له ما دام كذلك إذا
أذنب وتاب، واختصاص هذا العبد بهذا؛ لأنه قد علم أنه لا يصر على ذنب وإنه
كلما أذنب تاب، حكم يعم كل من كانت حاله حاله، لكن ذلك العبد مقطوع له
بذلك، كما قطع به لأهل بدر، وكذلك كل من بشره رسول اللَّه وَ ل بالجنة، أو
أخبره بأنه مغفور له لم يفهم منه هو ولا غيره من الصحابة إطلاق الذنوب
والمعاصي له ومسامحته بترك الواجبات، بل كان هؤلاء أشد اجتهادًا وحذرًا وخوفًا
بعد البشارة منهم قبلها كالعشرة المشهود لهم بالجنة، وقد كان الصِّدِّيقُ شديد
الحذر والمخافة، وكذلك عمر، فإنهم علموا أن البشارة المطلقة مقيدة بشروطها
والاستمرار عليها إلى الموت، ومقيدة بانتفاء موانعها ولم يفهم أحد منهم من ذلك
الإطلاق الإذن فيما شاؤوا من الأعمال. انتهى.
قال النووي: في هذا الحديث أنَّ الذنوب لو تكررت مائة مرة؛ بل ألفًا أو أكثر
وتاب في كل مرة قبلت توبته، أو تاب عن الجميع توبة واحدة صحت توبته. وقال
القرطبي في ((المفهم)): هذا الحديث: يدل على عظم فائدة الاستغفار، وكثرة فضل
اللَّه وسعة رحمته وحلمه وكرمه، لكن هذا الاستغفار هو الذي يثبت معناه في
القلب مقارنًا للسان؛ لتنحل به عقدة الإصرار، ويحصل معه الندم، وهو ترجمة
للتوبة، ويشهد له حديث: ((خياركم كل مفتن تواب))، أي: الذي يتكرر منه الذنب
والتوبة، فكلما وقع في الذنب؛ عاد إلى التوبة لا من قال: أستغفر اللّه، بلسانه
وقلبه مُصِرٌّ على تلك المعصية، فهذا الذي استغفاره يحتاج إلى استغفار، وفي
حديث ابن عباس عند ابن أبي الدنيا مرفوعًا: ((التَّائِبُ مِنَ الذَّنْبِ، كَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ
والمستغفر من الذنب، وهو مقيم عليه كالمستهزئ بربه))، ولكن الراجح أن قوله :
((والمستهزئ ... )) إلى آخره موقوف.
٥٣٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
قال القرطبي: وفائدة هذا الحديث: أنَّ العود إلى الذنب وإن كان أقبح من
ابتدائه؛ لأنه أضاف إلى ملابسة الذنب نقض التوبة لكن العودة إلى التوبة أحسن
من ابتدائها؛ لأنه إن ضاف إليها ملازمة الطلب من الكريم والإلحاح في سؤاله
والاعتراف بأنه لا غافر للذنب سواه. وقال ابن بطال: في هذا الحديث أن المُصِرَّ
على المعصية في مشيئة الله، إن شاء عذبه، وإن شاء غفر له مغلبًا لحسنته التي جاء
بها، وهي اعتقاد أن له ربًّا خالقًا يعذبه يغفر له، واستغفاره إياه على ذلك يدل عليه
قوله تعالى: ﴿مَنْ جَّةَ بِالْحَسَنَةِ فَلَمُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ (الأنعام: ١٦٠] ولا حسنة أعظم من
التوحيد، فإن قيل: إن استغفار ربه توبة منه، قلنا: ليس الاستغفار أكثر من طلب
المغفرة، وقد يطلبها المصر والتائب، ولا دلالة في الحديث على أنه تاب مما سأل
الغفران عنه؛ لأن حد التوبة الرجوع عن الذنب، والعزم على أن لا يعود إليه
والإقلاع عنه والاستغفار بمجرده لا يفهم منه ذلك. وقال غيره: شروط التوبة
ثلاثة: الإقلاع، والندم، والعزم على أن لا يعود إليه، والتعبير بالرجوع عن الذنب
لا يفيد معنى الندم، بل هو إلى معنى الإقلاع أقرب.
قال بعضهم: يكفي في التوبة تحقق الندم على وقوعه منه، فإنه يستلزم الإقلاع
عنه، والعزم على عدم العود، فهما ناشئان عن الندم لا أصلان معه. ومن ثم جاء
الحديث، ((الندم توبة)) وهو حديث حسن من حديث ابن مسعود، أخرجه ابن ماجه
وصححه الحاكم، وأخرجه ابن حبان من حديث أنس وصححه. ومن شاء مزید
الكلام في ذلك فليرجع إلى ((مدارج السالكين)) (ج١: ص٨٨) وإلى باب التوبة من
أوائل كتاب الدعوات من ((الفتح))، فإنه قد استوفى البحث في ذلك هناك، وقال
السبكي في ((الحلبيات)): الاستغفار: طلب المغفرة إما باللسان، أو بالقلب، أو
بهما. فالأول: فيه نفع؛ لأنه خير من السكوت؛ ولأنه يعتاد قول الخير، والثاني:
نافع جدًّا، والثالث: أبلغ منه لكن لا يمحصان الذنب أي: قطعًا وجزمًا حتى توجد
التوبة منه، فإن العاصي المصر يطلب المغفرة لا يستلزم ذلك وجود التوبة إلى أن
قال: والذي ذكرته أن معنى الاستغفار غير معنى التوبة هو بحسب وضع اللفظ،
لكنه غلب عند كثير من الناس أن لفظ ((أستغفر الله)) معناه: التوبة، فمن كان ذلك
معتقده، فهو يريد التوبة لا محالة، ثم قال: وذكر بعضهم أنَّ التوبة لا تتم إلا
بالاستغفار؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَنِ اُسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ﴾ [هود: ٣] والمشهور أنه لا
يشترط. انتهى ملخصًا من ((فتح الباري)).
كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
بَابُ الإِسْتِغْفَارِ وَالتَّوْبَةِ
1ج
٥٣١
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) أخرجه البخاري في باب قول الله: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَُدِّلُواْ كَمَ
اللَّهِ﴾ [الفتح: ١٥] من كتاب التوحيد ومسلم في التوبة، وأخرجه أيضًا أحمد (ج٢ :
ص٢٩٦)، وابن السني (ص١١٧)، والحاكم (ج ٣ ص ٢٤٢) ونسبه في الحصن
للنسائي أيضًا .
٢٣٥٧ - [١٢] وَعَنْ جُنْدَبِ رَِّلْتَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَلِّ حَدَّثَ: ((أَنَّ رَجُلًا
قَالَ: وَاللَّهِ لَا يَغْفِرُ اللَّهُ لِفُلَانِ، وَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: مَنْ ذَا الَّذِي يَتَأَّى عَلَيَّ
أَنِّي لا أَغْفِرُ لِفُلانٍ، فَإِنِّي قَدْ غَفَرْتُ لِفُلَانٍ، وَأَحْبَطْتُ عَمَلَكَ)). أَوْ كَمَا قَالَ.
[رَوَاهُ مُسْلِمٌ] {صحيح}
الشرح
٢٣٥٧ - قوله: (حَدَّثَ) أي: حكى لأصحابه. (أَنَّ رَجُلًا)، يحتمل أنه من
هذه الأمة، أو من غيرهم. (قَالَ: وَاللهِ لَا يَغْفِرُ اللهُ لِفُلَانٍ)؛ قاله استكثارًا أو
استكبارًا لذنبه، أو تعظيمًا لنفسه حين جنى عليه، كما يصدر عن بعض جهلة
الصوفية؛ قاله القاري. (وَأَنَّ اللهَ تعالى) بفتح الهمزة، أي: وحدث أن اللَّه تعالى
وبكسرها، أي: والحال أنَّ اللَّه تعالى. (قَالَ: مَنْ ذَا الَّذِي يَتَأَلَّى عَلَيَّ) بفتح الهمزة
وتشديد اللام المفتوحة، أي: يتحكم علي ويحلف باسمي من الألية اليمين،
يقال: آلى يؤلي إيلاء وائتلى يأتلي إيتلاءً وتألى يتألى تَألِيًّا، أي: حلف والاسم
الآلية .
(أَنِّي لَا أَغْفِرُ لِفُلَانٍ)، وهذا استفهام إنكار، فلا يجوز لأحد الجزم بالجنة أو
النار، أو عدم المغفرة إلا لمن ورد فيه النص. (فَإِنِّي قَدْ غَفَرْتُ لِفُلَانٍ)، أي: رغمًا
لأنفك. (وَأَحْبَطْتُ عَمَلَكَ)، قال المظهر: أي: أبطلت قسمك وجعلت حلفك
كاذبًا، لما ورد في حديث آخر: ((مَنْ يَتَلَّ عَلَى اللهِ؛ يُكَذِّبْهُ)) أي: من حكم وحلف
نحو: واللَّه ليدخل اللَّهُ فلانًا النارَ؛ أبطل قسمه وجعل حلفه كاذبًا فلا متمسك
(٢٣٥٧) مُسْلِمٍ (١٣٧ / ٢٦٢١) فِي الأَدَبِ عَنْ جُنْدُبٍ .
٥٣٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
للمعتزلة أن ذا الكبيرة مع عدم الاستحلال يخلد في النار، كالكفر يحبط عمله.
وقال النووي: في الحديث: دلالة لمذهب أهل السنة في غفران الذنوب بلا توبة
إذا شاء الله غفرانها، واحتجت المعتزلة به في إحباط الأعمال بالمعاصي الكبائر.
ومذهب أهل السنة: أنها لا تحبط إلا بالكفر، ويتأول حبوط عمل هذا على أنه
سقطت حسناته في مقابلة سيئاته، فسمي إحباطًا مجازًا، ويحتمل أنه جرى منه أمر
آخر أوجب الكفر، ويحتمل أن هذا كان في شرع من كان قبلنا، وكان هذا
حکمهم. انتهى.
وقيل: هو محمول على التغليظ. قال في ((اللمعات)): قوله: (مَنْ ذَا الَّذِي يَتَأَلَّى
عَلَيَّ)، في هذه العبارة تخويف، وتهديد شديد، وفي صورة الغيبة دون أن يقول:
أنت الذي تتألى؛ دلالة على التهديد لكل من يتألى من غير خصوصية بالمخاطب،
ثم خاطبه بأنك إذا حلفت علي، فاعلم أني قد غفرت له على رغم أنفك، وأحبطت
عملك جزاءً على ما قلت.
(أَوْ كَمَا قَالَ)، شك الراوي، أي: قال الرسول، أو غيره ما ذكرته، أو قال: مثل
ذلك، وهو تنبيه على النقل بالمعنى؛ لئلا يتوهم نقل اللفظ أيضًا. قال النووي:
ينبغي للراوي وقارئ الحديث إذا اشتبه عليه لفظة فقرأها على الشك أن يقول:
عقيبه: ((أو كما قال))، وكذا يستحب لمن روى بالمعنى أن يقول بعده: ((أو كما
قال))، أو نحو هذا، كما فعلته الصحابة فمن بعدهم. والله أعلم. وقد روى
الدارمي في مسنده في باب من هاب الفتيا مخافة السقط آثارًا كثيرة في ذلك، فمن
شاء فليرجع إليه. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) في البرِّ والصلة والأدب.
كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
بَابُ الإِسْتِغْفَارِ وَالتّوْبَةِ
٥٣٣
٢٣٥٨ - [١٣] وَعَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْس قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَِّ: ((سَيِّدُ
الإِسْتِغْفَارِ أَنْ تَقُولَ: اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّي لَا إِلَهَّ إِلَّا أَنْتَ خَلَقْتَنِي، وَأَنَا عَبْدُكَ، وَأَنَا
عَلَى عَهْدِكَ، وَوَعْدَِ مَا اسْتَطَعْتُ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا صَنَعْتُ، أَبُوءُ لَكَ
بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ، وَأَبُوءُ بِذَنْبِي، فَاغْفِرْ لِي، فَإِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ)) قَالَ:
((وَمَنْ قَالَهَا مِنَ النَّهَارِ مُوقِنَّا بِهَا، فَمَاتَ مِنْ يَوْمِهِ قَبْلَ أَنْ يُمْسِيَ، فَهُوَ مِنْ أَهْلِ
الْجَنَّةِ، وَمَنْ قَالَهَا مِنَ اللَّيْلِ وَهُوَ مُوقِنٌ بِهَا، فَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يُصْبِحَ، فَهُوَ مِنْ أَهْلِ
الْجَنَّةِ)).
[رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ] {صحيح}
الشرح
٢٣٥٨ - قوله: (سَيِّدُ الإِسْتِغْفَارِ)، قال العزيزي: أي: أفضل أنواع صيغ
الاستغفار، يعني: الأكثر ثوابًا عند الله. قلت: ترجم البخاري لهذا الحديث
بقوله: باب أفضل الاستغفار. قال الحافظ: ترجم بالأفضلية، ووقع الحديث بلفظ
السيادة، فكأنه أشار إلى أن المراد بالسيادة: الأفضلية، ومعناها: الأكثر نفعًا
لمستعمله، يعني: إن النفع والثواب للمستغفر به لا للاستغفار نفسه، والمراد:
المستغفر بهذا النوع من الاستغفار أكثر ثوابًا من المستغفر بغيره، فهو نحو: مكة
أفضل من المدينة، أي: ثواب العابد فيها أفضل من ثواب العابد في المدينة،
ووجه كون هذا الاستغفار كذلك مما لا يعرف بالعقل، وإنما هو أمر مفوض إلى
الذي قرر الثواب على الأعمال. وقال الطيبي: لما كان هذا الدعاء جامعًا لمعاني
التوبة كلها. وقد سبق أنَّ التوبة غاية الاعتذار استعير له اسم السيد، وهو في الأصل
الرئيس المقدم الذي يقصد في الحوائج، ويرجع إليه في الأمور.
قال ابن أبي جمرة: جميع هذا الحديث من بديع المعاني وحسن الألفاظ ما يحق
له أن يسمى بسيد الاستغفار، ففيه الإقرار لله وحده بالإلهية ولنفسه بالعبودية،
والاعتراف بأنه الخالق والإقرار بالعهد الذي أخذه عليه والرجاء بما وعده به،
(٢٣٥٨) البُخَارِي (٦٣٠٦) فِي الدَّعَوَاتِ، وَالنَّسَائِي في ((الكبرى)) (١٠٤١٦) فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ عَنْ شَدَّادِ
ابنِ أَوْسٍ .
٥٣٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
والاستعاذة من شر ما جنى به العبد على نفسه وإضافة النعم إلى موجدها، وإضافة
الذنب إلى نفسه، ووفور رغبة في المغفرة، واعترافه بأنه لا يقدر على ذلك إلا هو،
فهذا الاستغفار جامع لما يجب على العبد أن يقرَّ به ويعترف ويدعو ويستغفر. (أَنْ
تَقُولَ) بالمثناة الفوقية، أي: أيها المخاطب خطابًا عامًّا، أو أيها الراوي.
قال القسطلاني: بصيغة المخاطب في الفرع.
وقال الحافظ: قوله: ((أَنْ يَقُولَ))، أي: العبد، وثبت في رواية أحمد (ج٤ :
ص١٢٢)، والنسائي: ((إِنَّ سَيِّدَ الإِسْتِغْفَارِ: أَنْ يَقُولَ الْعَبْدُ))، وللترمذي من رواية
عثمان بن ربيعة عن شداد: ((أَلَا أَدُلَّكَ عَلَى سَيِّدِ الاِسْتِغْفَارِ))، وفي حديث جابر عند
النسائي: ((تَعَلَّمُوا سَيِّدَ الاِسْتِغْفَارِ)). قلت: رواية الترمذي تؤيد كونه بصيغة
المخاطب .
(لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ خَلَقْتَنِي)، ويُروى: ((لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَنْتَ خَلَقْتَنِي))، قال الحافظ :
كذا في نسخة معتمدة بتكرير ((أنت)) وسقطت الثانية من معظم الروايات. قيل:
قوله: ((خَلَقْتَنِي)) استئناف بيان للتربية. (وَأَنَا عَبْدُلَكَ)، أي: مخلوقك ومملوكك
وهو حال كقوله: (وَأَنَا عَلَى عَهْدَِ وَوَعْدَِ)، أي: أنا مقيم على الوفاء بعهد
الميثاق، وأنا موقن بوعدك يوم الحشر والتلاق، أو بوعدك بالثواب للمؤمنين على
لسان الرسل. (مَا اسْتَطَعْتُ)، أي: قدر استطاعتي، فما مصدرية، والمضاف
مقدر .
وقال الخطابي: يريد أنا على ما عاهدتك عليه وواعدتك من الإيمان بك،
وإخلاص الطاعة لك ما استطعت من ذلك، ويحتمل أن يريد أنا مقيم على ما
عاهدت إلي ومتمسك به ومتنجز وعدك في المثوبة والأجر عليه، واشتراط
الاستطاعة في ذلك، معناه: الاعتراف بالعجز والقصور من كنه الواجب في حقه
تعالى، أي: لا أقدر أن أعبدك حق عبادتك، ولكن أجتهد بقدر طاقتي. وقيل: أراد
بالعهد ما أخذه الله على عباده حيث أخرجهم أمثال الذر وأشهدهم على أنفسهم
ألست بربكم؟! فأقروا له بالربوبية، وأذعنوا له بالوحدانية، وبالوعد ما قال على
لسان نبيه: ((إِنَّ مَنْ مَاتَ لَا يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ)).
كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
بَابُ الإِسْتِغْفَارِ وَالتَّوْبَةِ
٥٣٥
(أَبُوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ) بضم الموحدة وسكون الواو بعدها همزة ممدودًا، أي:
اعترف بها من قولهم: باء بِحَقِّه، أي: أقر به، وأصله البواء، ومعناه: اللزوم ومنه :
بوأه الله منزلًا، إذا أسكنه فكأنه ألزمه به. (وَأَبُوءُ بِذَنْبِي)، أي: أعترف به. وقيل :
معناه احتمله برغمي لا أستطيع صرفه عني من قولهم: باء فلان بذنبه إذا احتمله
كرهًا لا يستطيع دفعه عن نفسه. قال القسطلاني: ولأبي ذر عن الكشميهني: ((وَأَبُوءُ
لَكَ بِذَنْبِي))، وفي رواية الترمذي: ((وَأَعْتَرِفُ بِذُنُوبِي)) ، قال الطيبي: واعترف أولًا
بأنه أنعم عليه، ولم يقيده ليشمل كل النعم، ثم اعترف بالتقصير، وأنه لم يقم بأداء
شكرها وَعَدَّه ذنبًا مبالغة في التقصير وهضم النفس، انتهى.
قال الحافظ: ويحتمل أن يكون قوله: ((وَأَبُوءُ لَكَ بِذَنْبِي))؛ اعترافًا بوقوع الذنب
مطلقًا ليصح الاستغفار منه لا أنه عد ما قصر فيه من أداء شكر النعم ذنبًا. (فَاغْفِرْ لِي،
فَإِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ)، يؤخذ منه: أنَّ مَنِ اعترف بذنبه غفر له، وقد وقع
صريحًا في حديث الإفك الطويل، وفيه كما تقدم قبل أربعة أحاديث: ((فَإِنَّ الْعَبْدَ
إِذَا اعْتَرَفَ بِذَنْبِهِ وَتَابَ تَابَ اللهُ عَلَيْهِ)) وهذا الاعتراف فيما بينه وبين ربه لا عند
الناس؛ لأنه يحب الستر والكتمان عن الناس إذا اقترف ذنبًا هو يستطيع أن يكتمه .
(قَالَ)، أي: النبي ◌ََّ. (وَمَنْ قَالَهَا)، أي: هذه الكلمات. (مِنَ النَّهَارِ)، أي:
في بعض أجزائه، وفي رواية النسائي: ((فَإِنْ قَالَهَا حِينَ يُصْبِحُ)، وللترمذي: ((لَا
يَقُولُهَا أَحَدُكُمْ حِينَ يُمْسِي فَيَأْتِي عَلَيْهِ قَدَرٌ قَبْلَ أَنْ يُصْبِحَ - أو حِينَ يُصْبِحُ - فَأْتِي عَلَيْهِ
قَدَرْ قَبْلَ أَنْ يُمْسِي))، (مُؤْقِنَا بِهَا)، أي: مخلصًا من قلبه مصدقًا بثوابه. وقال
القاري: أي: حال كونه معتقدًا لجميع مدلولها إجمالاً أو تفصيلاً.
(فَمَاتَ مِنْ يَوْمِهِ قَبْلَ أَنْ يُمْسِيَ)، أي: قبل الغروب. (فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ)، أي:
يموت مؤمنًا فيدخل الجنة، أو مع السابقين، أو بغير عذاب، أو هو بشارة بحسن
الخاتمة، وفي رواية الترمذي: ((إِلَّا وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ))، وفي رواية النسائي: ((دَخَلَ
الْجَنَّةَ))، قال السندي: أي: ابتداء، وإلا فكل مؤمن يدخل الجنة بإيمانه، وهذا
فضل من الله تعالى. وقال الكرماني: فإن قيل: المؤمن وإن لم يقلها فهو من أهل
الجنة .
٥٣٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَضابِيحِ
ae
قلت: المراد: أنه يدخلها ابتداء من غير دخول النار؛ لأن الغالب أن الموقن
بحقيقتها المؤمن بمضمونها لا يعصي الله تعالى، أو إن اللَّه يعفو عنه ببركة هذا
الاستغفار، فإن قلت: فما الحكمة في كونه سيد الاستغفار؟ قلت: هذا وأمثاله من
التعبديات، والله أعلم بذلك، لكن لا شك أن فيه ذكر الله تعالى بأكمل
الأوصاف، وذكر العبد نفسه بأنقص الحالات، وهي أقصى غاية التضرع ونهاية
الاستكانة لمن لا يستحقها إلَّا هو، أمَّ الأول: فَلِمَا فيه من الاعتراف بوجود الصانع
وتوحيده، الذي هو أصل الصفات العدمية المسماة بصفات الجلال، والاعتراف
بالصفات السبعة الوجودية المسماة بصفات الإكرام؛ وهي القدرة اللازمة من
الخلق الملزومة للإرادة، والعلم، والحياة. والخامسة الكلام اللازم من الوعد،
والسمع، والبصر، اللازمان من المغفرة، إذ المغفرة للمسموع والمبصر لا يتصور
إلَّا بعد السماع والإبصار.
وأمَّا الثاني: فَلِمَا فيه أيضًا من الاعتراف بالعبودية وبالذنوب في مقابلة النعمة
التي تقتضي نقيضها وهو الشكر، انتهى. وقال ابن أبي جمرة: من شروط الاستغفار
صحة النية والتوجه والأدب، فلو أنَّ أحدًا حصل الشروط واستغفر بغير هذا اللفظ
الوارد، واستغفر آخر بهذا اللفظ الوارد لكن أخل بالشروط هل يستويان؟
فالجواب: إنَّ الذي يظهر أن اللفظ إنما يكون سيد الاستغفار، إِذَا جمع الشروط
المذكورة، والله أعلم.
(رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ)، في أوائل الدعوات، وأخرجه أيضًا في ((الأدب المفرد))،
وأخرجه أحمد (ج٤: ص١٢٢: ١٢٥)، والنسائي في الاستعاذة وفي اليوم
والليلة، والترمذي في الدعوات، والحاكم (ج٢: ص٤٥٨) وفي الباب عن بريدة
عند أحمد، وأبي داود في الأدب، والنسائي، وابن ماجه في الدعاء، وعن جابر
عند النسائي، وابن السني (ص١٢٨) ونسبه في ((الكنز)) لعبد بن حميد، وابن أبي
شيبة أيضًا.
كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
بَابُ الإِسْتِغْفَارِ وَالتَّوْبَةِ
se
٥٣٧
الفصل الثانى
٢٣٥٩ - [١٤] وَعَنْ أَنَس قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَةِ: ((قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:
يَا ابْنَ آدَمَ إِنَّكَ مَا دَعَوْتَنِي، وَرَجَوْتَنِي، غَفَرْتُ لَكَ عَلَى مَا كَانَ فِيكَ وَلَا أُبَالِي،
يَا ابْنَ آدَمَ لَوْ بَلَغَتْ ذُنُوبُكَ عَنَانَ السَّمَاءِ، ثُمَّ اسْتَغْفَرْتَنِي، غَفَرْتُ لَكَ وَلَا
أَبَالِي، يَا بْنَ آدَمَ إِنَّكَ لَوْ لَقِيتَنِي بِقُرَابِ الْأَرْضِ خَطَايَا، ثُمَّ لَّقِيتَنِي لَا تُشْرِكُ بِي
شَيْئًا، لَأَتَيْتُكَ بِقُرَابِهَا مَغْفِرَةً)).
[ْرَوَاهُ النِّرْمِذِيُّ]
الشرح
٢٣٥٩ - قوله: (إِنَّكَ مَا دَعَوْتَنِي وَرَجَوْتَنِي)، (مَا) مصدرية ظرفية، أي:
مادمت تدعوني وترجوني، يعني: في مدة دعائك ورجائك. (غَفَرْتُ لَكَ)
ذنوبك. (عَلَى مَا كَانَ فِيك)، أي: من المعاصي، وإن تكررت وكثرت. (وَلَا
أُبَالِي)، أي: بكثرة ذنوبك وخطاياك، ولا يتعاظمني ذلك ولا أستكثره، يعني: لا
يعظم على مغفرتك وإن كانت ذنوبك كثيرة، فذنوب العبد، وإن كثرت وعظمت
فإنَّ عفو الله ومغفرته أعظم منها وأعظم، فهي صغيرة في جنب عفو الله ومغفرته.
قال القاري: ((وَلَا أَبَالِي))، أي: والحال أني لا أتعظم مغفرتك علي، وإن كان ذنبًا
كبيرًا أو كثيرًا. قيل: لأنَّ الدعاء مخِ العبادة، وهو سؤال النفع والصلاح والرجاء
يتضمن حسن الظن بالله تعالى، واللّه رَ يقول: ((أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي)). وعند
ذلك تتوجه رحمة الله إلى العبد، وإذا توجهت لا يتعاظمها شيء؛ لأنها وسعت كل
شيء.
قال الطيبي: في قوله: ((وَلَا أُبَالِي)) معنى: ﴿لَا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ﴾ [الأنبياء: ٢٣]. (لَوْ
بَلَغَتْ ذُنُوبُكَ عَنَانَ السَّمَاءِ) بفتح العين المهلة وبنونين خفيفتين، أي: سحابها
واحدها عنانة. وقيل: ((عَنَانَ السَّمَاءِ))، ما عنَّ - بتشديد النون - لك منها، أي:
(٢٣٥٩) التِّرْمِذِي (٣٥٤٠) عَنْ أَنَسٍ فِي الدَّعَوَاتِ، وَقَالَ: غَرِيبٌ.
٥٣٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَضَابِيحِ
ظهر لك منها، إذا رفعت رأسك إلى السماء ونظرتها، وما انتهى إليه البصر منها.
وقال الطيبي: العنان السحاب وإضافتها إلى السماء تصوير لارتفاعه، وأنه بلغ
مبلغ السماء، يعني: لو تجسمت ذنوبك، وملأت الأرض والفضاء بكثرتها
وعظمتها، حتى ارتفعت إلى السماء. (ثُمَّ اسْتَغْفَرْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ)، هو نظير قوله
تعالى: ﴿وَمَن يَعْمَلْ سُوْءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ, ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا
١١٠
[النساء: ١١٠].
(لَوْ لَقِيتَنِي) كذا في جميع النسخ الحاضرة من ((المشكاة))، والذي في الترمذي:
(لَوْ أَتَيْتَنِي))، وهكذا في ((المصابيح))، و((الترغيب))، و((الحصن))، و((الجامع
الصغير))، و((الكنز))، و((مدارج السالكين))، والظاهر إن ما وقع في نسخ ((المشكاة))
خطأ من الناسخ. (بِقُرَابِ الأَرْضِ) بضم القاف ويكسر والضم أشهر، أي: بما
يقارب ملأها، وقيل: أي: يملأها وهو أشبه، أي: هو المراد هنا؛ لأن الكلام في
سياق المبالغة، ويؤيده ما وقع في آخر حديث أبي ذر عند أحمد: و((قُرَابَ الْأَرْضِ)»
مِلء الأرض. (خَطَايَا) تمييز، أي: بتقدير تجسمها.
(ثُمَّ لَقِيتَنِي)، أي: مت حال كونك. (لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا)، أي: معتقدًا توحيدي
مصدقًا برسولي محمد ◌َّ، وبما جاء به وهو الإيمان. قال القاري: قوله: ((لَا
تُشْرِكُ بِي شَيْئًا))، الجملة حال من الفاعل أو المفعول على حكاية الحال الماضية؛
لعدم الشرك وقت اللقي. (لَأَتَيْتُكَ بِقُرَابِهَا مَغْفِرَةً) تمييز أيضًا وعبر به للمشاكلة،
وإلا فمغفرة الله أبلغ وأوسع لا يجوز الاغترار به وإكثار المعاصي، فالمراد:
الحث على الاستغفار والتوبة، وأن الله يقبل توبة التائب ويغفر له وإن كثرت
ذنوبه. قال الطيبي: ((ثم) هذه التراخي في الإخبار، وإن عدم الشرك مطلوب
أولي، ولذلك قال: (لَقِيتَنِي))، وقيد به، وإلا لكان يكفي أن يقال: خطايا لا تشرك
بي. قال القاري: فائدة القيد: أن يكون موته على التوحيد، انتهى. قال ابن رجب
في ((شرح الأربعين)): قد تضمن حديث أنس هذا أن هذه الأسباب الثلاثة يحصل بها
المغفرة :
أحدها: الدعاء مع الرجاء.
كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
بَابُ الإِسْتِغْفَارِ وَالتَّوْبَةِ
٥٣٩
والثاني: الاستغفار ولو عظمت الذنوب وبلغت الكثرة عنان السماء .
والثالث: التوحيد وهو السبب الأعظم فمن فقده فقد المغفرة، ومن جاء به فقد
أتى بأعظم أسباب المغفرة؛ قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِرُ مَا دُونَ
ذَلِكَ لِمَن يَشَآءٌ﴾ [النساء: ١١٦]، فمن جاء مع التوحيد بقراب الأرض خطايا لقيه اللَّه
بقرابها مغفرة، لكن هذا مع مشيئة الله رَك فإن شاء غفر له، وإن شاء أخذه بذنوبه،
ثم كان عاقبته أن لا يخلد في النار بل يخرج منها، ثم يدخل الجنة قال بعضهم:
الموحد لا يلقى في النار كما يلقى الكفار، ولا يبقى فيها كما يبقى الكفار، فإن كمل
توحيد العبد، وإخلاصه لله فيه وقام بشروطه كلها بقلبه ولسانه وجوارحه، أو بقلبه
ولسانه عند الموت أوجب ذلك مغفرة ما سلف من الذنوب كلها، ومنعه من دخول
النار بالكلية، فمن تحقق بكلمة التوحيد قلبه أخرجت منه كل ما سوى الله محبة
وتعظيمًا وإجلالاً ومهابة وخشيةً ورجاءً وتوكلًا، وحينئذٍ تحرق ذنوبه و خطاياه كلها
ولو كانت مثل زبد البحر، وربما قلبتها حسنات، فإن هذا التوحيد هو الإكسير
الأعظم فلو وضع ذرة منه على جبال الذنوب والخطايا لقلبها حسنات، انتهى.
وارجع إلى ((مدارج السالكين)) (ج١: ص١٨٣، ١٨٤)، فإنه قد أسهب الكلام في
إيضاح ذلك بما لا مزيد عليه هذا. وقد بسط ابن رجب الكلام في شرح السببين
الأولين، وإيراد ما يناسب المقام، ويتعلق به عقب ذكر كل واحد منهما، فليرجع
إليه من شاء.
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ)، في الدعوات من طريق كثير بن فائد عن سعيد بن عبيد الهنائي
عن بكر بن عبد الله المزني عن أنس، وقال: حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا
الوجه، انتهى. قال ابن رجب: وإسناده لا بأس به. وقال الدارقطني: تفرد به کثیر
ابن فائد عن سعيد مرفوعًا، ورواه مسلم بن قتيبة عن سعيد بن عبيد فوقفه عن أنس .
قال ابن رجب: روي عنه مرفوعًا وموقوفًا وتابعه على رفعه أبو سعيد مولى بني
هاشم فرواه عن سعيد بن عبيد مرفوعًا أيضًا، وقد روي أيضًا من حديث ثابت عن
أنس مرفوعًا، ولكن قال أبو حاتم: هو منكر، انتهى. ونسب الحديث في ((الكنز))
للضياء أيضًا .