Indexed OCR Text
Pages 441-460
٤٤٠ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ EX ٢٣٢١ - [٦] وَعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ عِه فَقَالَ: ((أَيَعْجِزُ أَحَدُكُمْ أَنْ يَكْسِبَ كُلَّ يَوْمِ أَلَّفَ حَسَنَةٍ؟!)) فَسَأَلَهُ سَائِلٌ مِنْ جُلَسَائِهِ: كَيْفَ يَكْسِبُ أَحَدُنَا أَلْفَ حَسَنَةٍ؟ قَالَ: ((يُسَبِّحُ مِائَةَ تَسْبِيحَةٍ، فَيُكْتَبُ لَهُ أَلْفُ حَسَنَةٍ، أَوْ يُحَطُّ عَنْهُ أَلْفٌ خَطِيئَةٍ)). وَفِي ((كِتَابِهِ) فِي جَمِيعِ الرِّوَايَاتِ عَنْ مُوسَى الْجُهَنِيِّ: ((أَوْ يُحَطُّ)). قَالَ أَبُو بَكْرِ الْبِرْقَانِيِّ: وَرَوَاهُ شُعْبَةُ وَأَبُو عَوَانَةَ وَيَحْبَى بْنُ سَعِيدٍ القَطَّانِ عَنْ مُؤْسَى، فَقَالُوا: ((وَيُحَطَّ)) بِغَيْرِ أَلِفٍ، هَكَذَا فِي ((كِتَابِ الْحُمَيدِيِّ). [رَوَاهُ مُسْلِمْ] (صحيح} الشرح ٢٣٢١- قوله: (أَيَعْجِزُ) بكسر الجيم. (أَنْ يَكْسِبَ)، أي: يحصل. (فَيُكْتَبُ)، كذا بالتذكير في جميع النسخ، وهكذا وقع في ((المصابيح)) وفي ((جامع الأصول)) و((الحصن)) و(تحفة الذاكرين))، ووقع في ((صحيح مسلم)) فتكتب بالتأنيث وكذا نقله المنذري في ((الترغيب)). (لَهُ أَلْفُ حَسَنَةٍ)؛ لأن الحسنة الواحدة بعشر أمثالها وهو أقل المضاعفة الموعودة في القرآن بقوله: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠]. (أَوْ يُحَطّ)، أي: يوضع (عَنْهُ أَلْفُ خَطِيْئَةٍ) لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَتِ يُذْهِبْنَ السََّاتِ﴾ [هود: ١١٤]. وفيه: إشعار بأن الحسنات المتضاعفة تمحو السيئات. قال النووي: هكذا هو في عامة نسخ ((صحيح مسلم)) (أَوْ يُحَطُّ) بـ(أَوْ)، وفي بعضها: (وَيُحَطّ) بالواو. قلت: وكذا وقع بالواو بغير ألف عند أحمد (ج ١ ص١٧٤) والترمذي والنسائي وابن حبان، فعلى الرواية الأولى: يكون أجر القائل بذلك أن يكتب له ألف حسنة، أو تحط عنه ألف سيئة، أي: يحصل أحد الأمرين. وعلى الرواية الثانية: أنه يجمع له بين الأمرين، فيكتب له ألف حسنة وتحط عنه ألف خطيئة، وسيأتي مزيد الكلام في ذلك. (٢٣٢١) مُسْلِمٍ (٣٧/ ٢٦٩٨)، وَالتِّرْ مِذِي (٣٤٦٣) فِي الدَّعَوَاتِ، وَالنَّسَائي في الكبرى (٩٩٨٠) فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ عَنْ سَعْدٍ . ٤٤١ كِتّابُ الدَّعَوَاتِ بَابُ ثَوَابِ التَّسْبِيحِ وَالتَّحْمِيدِ وَالتَّهْلِيلِ وَالتَّكْبِيرِ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وأخرجه أيضًا أحمد (ج١ ص١٧٤، ١٨٠، ١٨٥) والترمذي والنسائي وابن حبان ونسبه في ((تنقيح الرواة)) لابن أبي شيبة وعبد بن حميد وأبي نعيم أيضًا. (وَفِي ((كِتَابِهِ))، أي: في ((كتاب مسلم)). (فِي جِمِيعِ الرِّوَايَاتِ عَنْ مُؤْسَى الْجُهَنِيِّ أَوْ يُحَطَّ)، أي: بالألف. وموسى هذا هو موسى بن عبد الله، ويقال: ابن عبد الرحمن الجهني أبوسلمة، ويقال: أبو عبد اللَّه الكوفي، روى عن زيد بن وهب ومصعب بن سعد، ومجاهد ونافع مولى ابن عمر وغيرهم، وعنه شعبة والثوري وعبدالله بن نمير والقطان ويعلى بن عبيد وآخرون. قال الحافظ : ثقة عابد. قلت: وثقه القطان وأحمد وابن معين والنسائي والعجلي وابن سعد وغيرهم، وعن يعلى بن عبيد، قال: كان بالكوفة أربعة من رؤساء الناس ونبلائهم وذكره منهم، وعن مسعر، قال: ما رأيت موسى الجهني إلا وهو في اليوم الآتي خير منه في اليوم الماضي، مات سنة أربع وأربعين ومائة. (قَالَ أَبُوبَكْرِ الْبِرْقَانِيِّ) بكسر الباء الموحدة وفتحها وبالقاف والنون هو الإمام الحافظ شيخ الفقهاء والمحدثين أبوبكر أحمد بن محمد بن أحمد بن غالب الخوارزمي البرقاني الشافعي شيخ بغداد، سمع من أبي العباس بن حمدان وغيره ببلده خوارزم، ومن أبي بكر الإسماعيلي بجرجان، ومن أبي عمرو بن حمدان بنيسابور، ومن أبي بكر بن أبي الحديد بدمشق. ومن عبد الغني الأسدي وابن النحاس بمصر، ومن أبي على الصواف وأبي بكر بن الهيثم وطبقتهم ببغداد. وحدث عنه أبوبكر البيهقي والخطيب وأبوإسحاق الشيرازي الفقيه وأبو عبد الله الصوري وآخرون، وصنف التصانيف وخرج على ((الصحيحين)). قال الخطيب البغدادي: كان ثقة ورعًا ثبتًا لم نر في شيوخنا أثبت منه عارفًا بالفقه، له حظ من علم العربية كثير، صنف مسندًا ضَمَّنَهُ ما اشتمل عليه صحيح البخاري ومسلم، قال: ولم يقطع التصنیف حتى مات. وسمعت محمد بن يحيى الكرماني يقول: ما رأيت في أصحاب الحديث أكثر عبادة من البرقاني، ولد سنة ثلاث وثلاثين. وقيل: سنة ست وثلاثين وثلاثمائة؛ ومات ببغداد في أول رجب سنة خمس وعشرين وأربعمائة كذا في ((تذكرة الحفاظ)). (وَرَوَاهُ شُعْبَةٌ) هو شعبة بن حجاج بن الورد العتكي الأزدي مولاهم أبوبسطام ٤٤٢ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ الواسطي، ثم البصري ثقة حافظ متقن. كان الثوري يقول: هو أمير المؤمنين في الحديث، وهو أول من فتش بالعراق عن الرجال وذب عن السنة، وكان عابدًا مات سنة ستين ومائة، كذا في ((التقريب)) وقد بسط في ترجمته في ((تهذيب التهذيب)) (ج ٤ ص٣٣٨ - ٣٤٦) وفي ((التذكير)) (ج١ ص١٧٤ - ١٧٧) وفي ((الجرح والتعديل)) (ج٢ق١ ص٣٦٢، ٣٧٠). (وَأَبُو عَوَانَةَ)، هو الوضَّاح بتشديد المعجمة، ثم حاء مهملة بن عبدالله اليشكري بالمعجمة الواسطي البزار مولى يزيد بن عطاء أبو عوانة الحافظ مشهور بكنيته، ثقة ثبت؛ قاله في ((التقريب)). وقال ابن عبدالبر: أجمعوا على أنه ثقة ثبت حجة فيما حدث من كتابه، وقال: إذا حدث من حفظه ربما غلط، مات في ربيع الأول سنة خمس أو ست وسبعين ومائة بالبصرة، وارجع للبسط في ترجمته إلى ((تهذيب التهذيب)) (ج ١١ ص١١٦ - ١١٩) والتذكرة (ج ١ ص٢١٣ - ٢١٥) و((الجرح والتعديل)) (ج ٤ق ٢ ص ٤٠ - ٤١). (وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ) تقدم ترجمته في جزء الأول (ص٩٤) من هذا الشرح. (عَنْ مُؤْسَى)، أي: المذكور الذي رواه مسلم من جهته . (فَقَالُوا) بصيغة الجمع والضمير لشعبة وصاحبيه. (وَيُحَطَّ بِغَيْرِ أَلِفٍ)، أي: بالواو. وقال الشوكاني بعد ذكر كلام البرقاني: هذا ورواية هؤلاء الثلاثة الحفاظ حجة على رواية غيرهم. قلت: رواية شعبة عند أحمد (ج١ ص١٧٤) وأمَّا رواية أبي عوانة فلم أقف عليها، ولعلها عند النسائي أو ابن حبان. وأمّا رواية يحيى القطان، فهي عند الترمذي بالواو وعند أحمد (ج ١ ص ١٨٠) بـ ((أو))، أي: بالألف ووافقه على ذلك عبدالله بن نمير عند مسلم، وأحمد (ج١ ص١٨٥) ويعلى بن عبيد عند أحمد (ج١ ص ١٨٥) قال: عبدالله بن أحمد بعد رواية يحيى بـ ((أو))، أي: بالألف قال أبي: وقال ابن نمير أيضًا: ((أَوْ يُحَطُّ)) ويعلى أيضًا ((أَوْ يُحَطّ))، وعلم من هذا أنه اتفق شعبة وأبو عوانة على الرواية بالواو وابن نمير، ويعلى على الرواية بالألف. واختلفت روایة یحیی، فروی عنه محمد بن بشار عند الترمذي بالواو، والإمام أحمد بالألف، ولم يظهر لي وجه ترجيح أحديهما على الأخرى، ولعل الجمع بينهما أولى من الترجيح. قال القاري في ((المرقاة)): قد تأتي الواو بمعنى ((أو)) فلا منافاة بين الروايتين، ٤٤٣ كِتّابُ الدَّعَوَاتِ بَابُ ثَوَابِ التَّسْبِيحِ وَالتَّحْمِيدِ وَالتَّهْلِيلِ وَالتَّكْبِيرِ وكأن المعنى: أن من قالها يكتب له ألف حسنة إن لم يكن عليه خطيئة، وإن كانت فيحط بعض ويكتب بعض، ويمكن أن تكون ((أو)) بمعنى الواو ((أو)) بمعنى بل، فحينئذ يجمع له بينهما وفضل الله أوسع من ذلك. انتهى. وقال في ((شرح الحصن)): ((أو)) هنا للتنويع في اختلاف الحالة فالكتابة للمتقي والحط للمخطي ((أو)) بمعنى الواو الموضوعة للجمع، كما يدل قوله: (وَيُحَطَّ)، (هَكَذَا) المشار إليه قوله وفي كتابه إلى آخره. (فِ ((كِتَابِ الْحُمَيدِيِّ))) وهو ((الجمع بين الصحيحين))، يعني: الجامع بين البخاري ومسلم جمعًا وأفرادًا: وقد ذكر كلام الحميدي هذا النووي في ((شرح مسلم)) وفي ((الأذكار))، والمنذري في ((الترغيب))، والشوكاني في ((تحفة الذاكرين)) وتقدم ترجمة الحميدي ووصف كتابه في الجزء الأول (ص١٦ - ١٧). ٢٣٢٢- [٧] وَعَنْ أَبِي ذَرِّ قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ أَيُّ الْكَلَام أَفْضَلُ؟ قَالَ: ((مَا اصْطَفَى اللَّهُ لِمَلَائِكَتِهِ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ)). [رَوَاهُ مُسْلِمٌ] الشرح ٢٣٢٢ - قوله: (سُئِلَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ أَبُّ الْكَلَام)، أي: من جملة الأذكار. (أَفْضَلُ؟ قَالَ: مَا اصْطَفَى اللهُ)، كذا في جميع النسخ من ((المشكاة)) وهكذا في ((المصابيح))، وكذا نقله الجزري في ((جامع الأصول)) والمنذري في ((الترغيب)). ووقع في بعض نسخ ((صحيح مسلم)): ((مَا اصْطَفَاهُ اللهُ))، وكذا نقله الحافظ في ((الفتح)) وهكذا وقع عند أحمد (ج٥ص١٤٨). (لِمَلَائِكَتِهِ)، أي: الذي اختاره من الذكر لملائكته وأمرهم بالمداومة عليه ومواظبته لغاية فضله، فليس في هذا الحديث ما يدل على حصره، فاندفع ما قيل : أنه يعلم منه أن الملائكة يتكلمون بهذه الكلمة لا غير، وقد ثبت منهم كلمات أخر (٢٣٢٢) مُسْلِم (٢٧٣١/٨٤)، وَالتِّرْ مِذِي (٣٥٩٣) فِي الدَّعَوَاتِ عَنْ أَبِي ذَرٍّ. ٤٤٤ Bse مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ من الأذكار والتسبيحات والدعوات، وليس هذا محل بسطها. (سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ)، قال الطيبي: فيه: تلميح إلى قوله تعالى حكاية عن الملائكة: ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ [البقرة: ٣٠] ويمكن أن يكون سبحان الله وبحمده مختصرًا من الكلمات الأربع: سبحان الله، والحمد الله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، لما سبق أن (سُبْحَانَ اللهِ) تنزيه لذاته عمَّا لا يليق بجلاله، وتقديس لصفاته من النقائص، فيندرج فيه معنى: لا إله إلا الله، وقوله: ((بِحَمْدِهِ)) صريح في معنى الحمد لله؛ لأن الإضافة فيه بمعنى اللام في الحمد. ويستلزم ذلك معنى (الله أكبر))؛ لأنه إذا كان كل الفضل والأفضال لله ومن اللَّه وليس من غيره شيء من ذلك، فلا يكون أحد أكبر منه. فإن قلت: يلزم من هذا أن يكون التسبيح أفضل من التهليل؟ قلت: لا يلزم ذلك إذ التهليل صريح في التوحيد والتسبيح متضمن له؛ ولأن نفي الإلهية في قول: ((لَا إِلَهَ)) نفي لمضمنها من الخالقية، والرازقية، والإثابة والمعاقبة. وقوله: إلَّ اللهُ، إثبات لذلك، ويلزم منه نفي ما يضاد الإلهية ويخالفها من النقائص، ومنطوق سبحان الله تنزيه ومفهومه توحيد، يعني: فيكون لا إله إلا الله أفضل؛ لأن التوحيد أصل والتنزيه ينشأ عنه. قال: فإذا اجتمعا دخلا في أسلوب الطرد والعكس. انتهى كلام الطيبي وتقدم شيء من الكلام في ذلك في شرح حديث سمرة بن جندب. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ)، وأخرجه أيضًا أحمد (ج ٥ص١٤٨) ونسبه في ((الحصن)) لأبي عوانة أيضًا، وفي رواية لمسلم: قال أبوذر: قال رسول اللَّه ◌َّه: ((أَلَا أُخْبِرُلَكَ بِأَحَبٌّ الْكَلَامِ إِلَى اللَّهِ؟))، قلت: يا رسول الله، أخبرني بأحب الكلام إلى الله، فقال: (أَحَبُّ الْكَلَامِ إِلَى اللَّهِ سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ))، وأخرجها أيضًا أحمد (ج ٥ص١٦١) والنسائي وابن أبي شيبة، كما في الحصن وأخرجها الترمذي والحاكم (ج ١ ص ٥٠١) وابن حبان وأبوعوانة أيضًا إلا أنهم قالوا: ((سُبْحَانَ رَبِّي وَبِحَمْدِهِ). ٤٤٥ BSERDE كِتَابُ الدَّعَوَاتِ بَابُ ثَوَابِ التَّسْبِيحِ وَالتَّحْمِيدِ وَالتَّهْلِيلِ وَالتَّكْبِيرِ ٢٣٢٣ - [٨] وَعَنْ جُوَيْرِيَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ وََّ خَرَجَ مِنْ عِنْدِهَا بُكْرَةً، حِينَ صَلَّى الصُّبْحَ وَهِيَ فِي مَسْجِدِهَا، ثُمَّ رَجَعَ بَعْدَ أَنْ أَضْحَى وَهِيَ جَالِسَةٌ، قَالَ: ((مَا زِلْتِ عَلَى الْحَالِ الَّتِي فَارَقْتُكِ عَلَيْهَا؟)) قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ النَّبِيُّ ◌َ: (لَقَدْ قُلْتُ بَعْدَكِ أَرْبَعَ كَلِمَاتٍ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، لَوْ وُزِنَتْ بِمَا قُلْتِ مُنْذُ الْيَوْمِ لَوَزَنَتْهُنَّ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ، عَدَدَ خَلْقِهِ، وَرِضَا نَفْسِهِ، وَزِنَةَ عَرْشِهِ، وَمِدَدَ كَلِمَاتِهِ)). [رَوَاهُ مُسْلِمٌ ] الشرح ٢٣٢٣ - قوله: (وَعَنْ جُوَيْرِيَةَ)، تصغير جارية، وهي جويرية بنت الحارث ابن أبي ضرار الخزاعية من بني المصطلق أم المؤمنين، كان اسمها برَّة، فغيَّرها النبي ◌ّ إلى جويرية، فصارت علما لها؛ فلهذا لا ينصرف، سباها رسول الله يوم ((المريسيع)) وهي غزوة بني المصطلق في سنة خمس أو ست، وكانت تحت مسافع ابن صفوان المصطلقي، وقد قتل في هذه الغزوة، وكانت قد وقعت في سهم ثابت ابن قيس بن شماس أو ابن عم له، فكاتبته على نفسها، فأتت رسول اللَّه وَل تستعينه على كتابتها، فقالت: يا رسول الله، أنا جويرية بنت الحارث سيد قومه، وقد أصابني من الأمر ما لم يخف عليك، فوقعت في السهم لثابت بن قيس، أو لابن عم له فكاتبته على نفسي وجئتك أستعينك، فقال لها: ((هَلْ لَكِ فِي خَيْرِ مِنْ ذَلِكَ؟»، قالت: وما هو يا رسول الله، قال: ((أَقْضِي كِتَابتِكِ وَأَتَزَوَّجُكِ)) قالت: نعم، قال: (قَدْ فَعَلْتُ)) فبلغ الناس أنه قد تزوجها، فقالوا: أصهار رسول اللَّه وَّر، فأرسلوا ما كان في أيديهم من بني المصطلق، فلقد أعتق الله بها مائة أهل بيت من بني المصطلق. قالت عائشة: فما أعلم امرأة أعظم بركة منها على قومها. وأخرج ابن سعد في ((الطبقات)) عن أبي قلابة، أن النبي وَّل سبى جويرية، فجاء أبوها، فقال: إن ابنتي لا تسبى مثلها فخلَّ سبيلها، فقال: ((أَرَأَيْتَ إِنْ خَيَّرَتَهَا أَلَيْسَ قَدْ أَحْسَنْتُ؟»، قال: بلى، فأتاها أبوها، فذكر لها ذلك، فقالت: قد اخترت رسول اللّه وَله . (٢٣٢٣) مُسْلِم (٧٩/ ٢٧٢٦)، وَالتِّرْ مِذِي (٣٥٥٥) فِي الدَّعَوَاتِ، وَالنَّسَائِي (٧٧/٣) فِي الصَّلَاةِ، وَابنِ مَاجَهْ (٣٨٠٨) فِي ثَوَابِ التَّسْبِيحِ عَنْ أُمِّ المُؤْمِنِينَ جويرية. ٤٤٦ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ قال الحافظ: هذا مرسل صحيح الإسناد، وماتت سنة خمسين على الصحيح. قال الخزرجي: لها أحاديث انفرد البخاري بحديثين ومسلم بمثلهما. (بُكْرَةً) بضم الموحدة، أي: أول النهار. (حِينَ صَلَّى الصُّبْحَ)، أي: أراد صلاة الصبح، يعني: أراد أن يصلي فرض الصبح. (وَهِيَ)، أي: جويرية. (فِي مَسْجِدِهَا) بفتح الجيم ويكسر، أي: موضع صلاتها والجملة حالية. (ثُمَّ رَجَعَ) إليها. (بَعْدَ أَنْ أَضْحَى)، أي: دخل في الضحوة وهي ارتفاع النهار. (وَهِيَ جَالِسَةٌ)، أي: في موضعها، ففي رواية أبي داود، فخرج النبي وَّ وهي في مصلاها، ورجع وهي في مصلاها. وفي رواية أحمد والترمذي والنسائي: أن النبي ◌َّه مر عليها بكرة وهي في المسجد تدعو، ثم مر بها قريبًا من نصف النهار. ولابن ماجه: مر بها رسول اللّه وَ ل حين صلى الغداة أو بعد ما صلى الغداة وهي تذكر الله، فرجع حين ارتفع النهار؛ أو قال: انتصف وهي كذلك، وفي ((الأدب المفرد)»: ثم رجع إليها بعد ما تعالى النهار، وهي في مجلسها . (مَا زِلْتِ) بكسر التاء خطاب لجويرية على تقدير الاستفهام، أي: ثبت في مكانك وما زالت. (عَلَى الْحَالِ) هو مما يجوز تذكيره وتأنيثه، ولذا قال: (الَّتِي فَارَقْتُكِ عَلَيْهَا)، أي: من الجلوس على ذكر الله تعالى. وفي رواية أبي داود: ((لَمْ تَزَالِي فِي مُصَلَّاكِ هَذَا))، وفي ((الأدب المفرد)): ((مَا زِلْتِ فِي مَجْلِسِكِ))، (لَقَدْ قَلْتُ بَعْدَكِ)، أي: بعد أن خرجت من عندك، أو بعد ما فارقتك، (أَرْبَعَ كَلِمَاتٍ) نصبه على المصدر، أي: تكلمت بعد مفارقتك أربع كلمات. (لَوْ وُزِنَتْ) بصيغة المجهول، أي: قوبلت. (بِمَا قُلْتِ)، أي: بجميع ما قلت من الذكر من أول النهار إلى هذا الوقت. (مُنْذُ) بضم الميم وقد تكسر. (الْيَوْم) بالجر على ما هو المختار و(مُنْذُ) على هذا حرف جر بمعنى ((من))، أو ((في))، أي: من ابتداء النهار أو في الوقت المذكور، ويجوز رفع اليوم وتفصيله في ((المغني)) لابن هشام (ج ٢ ص٢١ - ٢٢) وفي ((القاموس)). (لَوَزَنَتْهُنَّ) بفتح الزاء والنون، أي: ساوتهن في الوزن. يقال: هذا يزن درهمًا، أي: يساويه أو غلبتهن في الوزن، يقال: وازنه فوزن؛ إذا غلب عليه. وزاد في الوزن، وقال القاضي: أي: لرجحت تلك الكلمات على جميع أذكارك وزادت عليهن في الأجر والثواب، والضمير راجع إلى ((ما)) باعتبار المعنى . ٤٤٧ كِتَابُ الدَّعَوَاتِ بَابُ ثَوَابِ التَّسْبِيحِ وَالتَّحْمِيدِ وَالتَّهْلِيلِ وَالتَّكْبِيرِ (عَدَدَ خَلْقِهِ)، هو وما عطف عليه منصوبات بنزع الخافض، ويقدر المقدار في الثلاثة الأخيرة، أي: بعدد جميع مخلوقاته وبمقدار رضا ذاته الشريفة أي: بمقدار يكون سببًا لرضاه تعالى، أو بمقدار يرضي به لذاته ويختاره، فهو مثل ما جاء و «بملأ ما شئت من شيء بعد))، وفيه إطلاق النفس عليه تعالى من غير مشاكلة، وبمقدار ثقل عرشه، وبمقدار زيادة كلماته، أي: بمقدار يساويهما، يساوي العرش وزنا والكلمات عددًا. وقيل: نصب الكل على الظرفية بتقدير قدر، أي: قدر عدد مخلوقاته وقدر رضاه، إلخ. وقيل: نصب هذه الألفاظ على المصدرية، أي: أعد تسبيحه المقرون بحمده عدد خلقه وأقدر مقدار ما يرضى لنفسه، وزنة عرشه ومقدار كلماته، (وَزِنَةَ عَرْشِهِ)، أي: قدر وزن عرشه، ولا يعلم وزنه إلا الله. (وَمِدَادَ كَلِمَاتِهِ) بكسر الميم. قيل: معناه: مثلها في العدد. وقيل: مثلها في عدم النفاد. وقيل: مثلها في الكثرة. والمداد مصدر مثل المدد، وهو الزيادة والكثرة. وقال في (النهاية)): أي: مثل عددها. وقيل: قدر ما يوازيها في الكثرة عيار كيل أو وزن، أو عدد، أو ما أشبهه من وجوه الحصر والتقدير. وهذا تمثيل يراد به التقريب؛ لأن الكلام لا يدخل في الكيل والوزن، وإنما يدخل في العدد. والمداد مصدر كالمدد، يقال: مددت الشيء مدًّا ومدادًا وهو ما يكثر به ويزاد. انتهى. قال العلماء: واستعماله هنا مجاز؛ لأن كلمات اللَّه تعالى لا تحصر بعد ولا غيره، والمراد: المبالغة به في الكثرة؛ لأنه ذكر أولًا ما يحصره العدد الكثير من عدد الخلق، ثم ارتقى إلى ما هو أعظم من ذلك وعبر عنه بهذا، أي: ما لا يحصيه عد كما لا تحصى كلمات الله تعالى ذكره النووي، وقال في ((اللمعات)): وهذا ادعاء ومبالغة في تكثيرها، كأنه تكلم بهذا المقدار، فلا يتجه أن يقال: إنه ما معنى أسبحه بهذا المقدار، سواء كان خبرًا أو إنشاء وهو لم يسبح إلا واحد. انتهى. وقال السندي: فإن قلت: كيف؟ يصح تقييد التسبيح بالعدد المذكور، مع أن التسبيح: هو التنزيه عن جميع ما لا يليق بجنابه الأقدس، وهو أمر واحد في ذاته لا يقبل التعدد، وباعتبار صدوره عن المتكلم لا يمكن اعتبارًا هذا العدد فيه؛ لأن المتكلم لا يقدر عليه، ولو فرض قدرته عليه أيضًا لما صح تعلق هذا العدد بالتسبيح إلا بعد أن صدر منه بهذا العدد أو عزم على ذلك. وأمَّا بمجرد أنه قال مرة: سبحان اللَّه، لا يحصل منه هذا العدد. قلت: لعلَّ التقييد بملاحظة استحقاق ذاته الأقدس ٤٤٨ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ الأطهر أن يصدر من المتكلم التسبيح بهذا العدد، فالحاصل: أن العدد ثابت لقول المتكلم لكن لا بالنظر إلى الوقوع، بل بالنظر إلى الاستحقاق، أي: بالنظر إلى أنه تحقق منه التسبيح بهذا العدد، بل باعتبار أنه تعالى حقيق، بأن يقول المتكلم التسبيح في حقه بهذا العدد والله تعالى أعلم. وفي الحديث: دليل على فضل هذه الكلمات، وأن من قال: سبحان اللَّه عدد كذا وزنة كذا، إلخ. يدرك فضيلة ذلك القدر، وفضل الله يمن به على من يشاء من عباده. قال الشوكاني: ولا يتجه أن يقال: إن مشقة من قال هكذا أخف من مشقة من كرر لفظ الذكر حتى يبلغ إلى مثل ذلك العدد، فإن هذا باب منحه رسول الله وَ لّ لعباد الله وأرشدهم ودلهم عليه؛ تخفيفًا لهم وتكثيرًا لأجورهم من دون تعب ولا نصب. فلله الحمد. وقد ورد ما يقوي هذا في كثير من الأحاديث. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ)، في ((الدعوات))، وكذا الترمذي وابن ماجه وأخرجه النسائي في ((الصلاة)) (ج ٦ ص ٣٢٥ - ٤٣٠) وابن سعد في ((الطبقات)) (ج٨ص٨٤ - ٨٥) ونسبه الجزري في ((الحصن)) لابن أبي شيبة أيضًا. واعلم: أن الحديث رواه مسلم عن ابن عباس عن جويرية، وكذا الترمذي والنسائي وابن ماجه، فالحديث عندهم من مسند جويرية. وأمَّا أَبُو دَاوُدَ فرواه عن ابن عباس، قال: خرج النبي ◌ِّ من عند جويرية، إلخ، وهكذا وقع عند أبي عوانة. وهذا بظاهره يدل على أن الحديث من مسانيد ابن عباس، ورواه أحمد في ((مسنده)) على النَّحْوَيْنِ، ذكره أولا في مسند ابن عباس (ج١ ص٢٥٨ - ٣٥٣)، ثم ذكره في مسند جويرية (ج ٦ ص٣٢٥ - ٤٣٠) ورواه البخاري في ((الأدب المفرد)) أولًا عن ابن عباس عن جويرية، ثم رواه عن ابن عباس أن النبي وَل﴾ خرج من عند جويرية ولم يسق لفظه، نعم، زاد ولم يقل: أي: سفيان عن جويرية إلا مرة واحدة، والراجح عندنا: أنَّ الحديث من مسند جويرية، رواه عنها ابن عباس، وَوَقَعَ فِي روايةٍ أبي داود ومَن وافقه الحذف من ابن عباس أو ممن دونه. والله تعالى أعلم. ٤٤٩ كِتَابُ الدَّعَوَاتِ بَابُ ثَوَابِ التَّسْبِيحِ وَالتَّحْمِيدِ وَالتَّهْلِيلِ وَالتَّكْبِيرِ ٢٣٢٤ - [٩] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ عَةِ: ((من قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَّهُ، لَهُ الْمُلْلُكَ، وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ فِي يَوْمِ مِائَةً مَرَّةٍ؛ كَانَتْ لَهُ عِدْلُ عَشْرِ رِقَابٍ، وَكُتِبَتْ لَهُ مِائَةُ حَسَنَةٍ، وَمُحِيَتْ عَنْهُ مِائَةُ سَيِّئَةٍ، وَكَانَتْ لَهُ حِرْزًا مِنَ الشَّيْطَّانِ يَوْمَهُ ذَلِكَ حَتَّى يُمْسِيَ، وَلَمْ يَأْتِ أَحَدٌ بِأَفْضَلَ مِمَّا جَاءَ بِهِ إِلَّا رَجُلٌ عَمِلَ أَكْثَرَ مِنْهُ)). [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ] الشرح ٢٣٢٤ - قوله: (لَا إِلَهَ إِلَّ اللهُ)، اختلف في تقديره على أقوال ذكر بعضها الزرقاني في ((شرح الموطأ)). (وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ)، ((وَحْدَهُ)) حال مؤولة بـ ((منفردًا))؛ لأن الحال لا تكون معرفة، و((لا شريك له)) حال ثانية مؤكدة لمعنى الأولى. (لَهُ الْمُلْك) بضم الميم. (فِي يَوْمِ مِائَةَ مَرَّةٍ)، مجتمعة أو متفرقة. (كَانَتْ)، أي: هذه الكلمة أو التهليلة، وفي روايةً: ((كَانَ)) بالتذكير، أي: القول المذكور. (لَهُ)، أي: للقائل بها. (عَدْلُ) بفتح العين بمعنى: المثل والنظير. قال ابن التين: قرأناه بفتح العين. قال الفراء: العدل بالفتح: ما عدل الشيء من غير جنسه، وبالكسر: المثل؛ كذا في ((الفتح)). وقال في ((المجمع)): عدل ذلك مثله، فإذا كسر العين فهو زِنَتُهُ، أي: هو بفتح عين بمعنى مثله بكسر الميم، وبكسر عين بمعنى زنة ذلك، أي: موازنة قدرًا، أو حديث: (عَدْلُ عَشْرِ رِقَابٍ) بالفتح، أي: مثلها. وفي ((النهاية)): العدل بالكسر والفتح بمعنى المثل، وقيّل: بالفتح: ما عادله من جنسه، وبالكسر ما ليس من جنسه، وقيل: بالعكس. (عَشْرٍ) بسكون الشين. (رِقَابٍ)، أي: مثل ثواب إعتاق عشر، رقاب جمع رقبة بمعنى العنق في الأصل، فجعلت كناية عن جميع ذات الإنسان تسمية للشي ببعضه، أي: يضاعف ثوابها حتى يصير مثل أصل ثواب الإعتاق المذكور. (٢٣٢٤) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: الْبُخَارِي (٦٤٠٣)، ومُسْلِم (٢٨/ ٢٦٩١) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ التِّرْمِذي (٣٤٦٨)، وابن مَاجَهْ (٣٧٩٨). ٤٥٠ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ (وَكُتِبَتْ)، أي: ثبتث. (مِائَةُ حَسَنَةٍ) بالرفع. (وَمُحِيتْ)، أي: أزيلت. (عَنْهُ مِائَةُ سَيِّئَةٍ)، قال الطيبي: جعل في هذا الحديث التهليل ماحيًا من السيئات مقدارًا معلومًا، وفي حديث التسبيح ماحيًا لها مقدار زبد البحر، فيلزم أن يكون التسبيح أفضل. وقد قال في حديث التهليل: ((لَمْ يَأْتِ أَحَدٌ بِأَفْضَلَ مِمَّا جَاءَ بِهِ»، أجاب القاضي عياض أن التهليل المذكور في هذا الحديث أفضل؛ لأن جزاءه مشتمل على محو السيئات وعلى عتق عشر رقاب وعلى إثبات مائة حسنة والحرز من الشيطان، (حِرْزًّا) بكسر الحاء المهملة وسكون الراء وبالزاي، أي: حصنًا. وقال المظهر: أي: حفظًا ومنعًا. (يَوْمَهُ) بالنصب على الظرفية. (ذَلِكَ)، أي: في ذلك اليوم الذي قالها فيه. (حَتَّى يُمْسِيَ) وفي رواية ابن ماجه: ((سَائِرَ يَوْمِهِ إِلَى اللَّيْلِ))، أي: بقية يومه أو كله. قال القاري: ظاهر التقابل: إنه إذا قال: في الليل كانت له حرزًا منه ليلة ذلك حتى يصبح، فيحتمل أن يكون اختصارًا من الراوي، أو ترك لوضوح المقابلة وتخصيص النهار؛ لأنه أحوج فيه إلى الحفظ. انتهى. قلت: قال الحافظ في ((الفتح)): قوله: ((وَكَانَتْ لَهُ حِرْزًا مِنَ الشَّيْطَانِ)) في رواية عبد الله سعيد عند ابن السني (ص٢٦): ((وَحُفِظَ يَوْمَهُ حَتَّى يُمْسِيّ)) وَزَادَ: ((مَنْ قَالَ مِثْلُ ذَلِكَ حِينَ يُمْسِي، كَانَ لَهُ مِثْلُ ذَلِكَ))، و((مِثْلُ ذَلِك)) في طرق أخرى يأتي التنبيه عليها بعد. انتهى. قال النووي: ظاهر إطلاق الحديث: أنه يحصل هذا الأجر المذكور في الحديث لمن قال هذا التهليل مائة مرة في يومه، سواء قاله متوالية أو متفرقة في مجالس أو بعضها أول النهار وبعضها آخره؛ لكن الأفضل أن يأتي بها متوالية في أول النهار؛ ليكون حرزًّا له في جميع نهاره، وكذا في أول الليل؛ ليكون حرزًا له في جميع ليلة. (وَلَمْ يَأْتِ أَحَدٌ)، أي: يوم القيامة. (بِأَفْضَلَ مِمَّا جَاءَ بِهِ)، أي: بأي عمل كان من الحسنات. (إِلَّا رَجُلٌ عَمِلَ أَكْثَرَ مِنْهُ) استثناء منقطع، أي: لكن أحد عمل أكثر مما عمل، فإنه يزيد عليه أو متصل بتأويل. قال ابن عبد البر: فيه: تنبيه على أنَّ المائة غاية في الذكر وأنه قلَّ من يزيد عليه. وقال: ((إِلَّا أَحَدٌ)) ؛ لئلا يظن أن الزيادة على ذلك ممنوعة، كتكرار العمل في الوضوء، ويحتمل أن يريد أنه لا يأتي أحد من سائر أبواب البر بأفضل مما جاء به إلا رجل عمل من هذا الباب أكثر مما عمله، ٤٥١ كِتّابُ الدَّعَوَاتِ بَابُ ثَوَابِ التَّسْبِيحِ وَالتَّحْمِيدِ وَالتَّهْلِيلِ وَالتَّكْبِيرِ ونحوه قول القاضي عياض: ذكر المائة دليل على أنها غاية للثواب المذكور، وقوله: ((إِلَّا أَحَدٌ)) يحتمل أن يريد الزيادة على هذا العدد، فيكون لقائله من الفضل بحسابه؛ لئلا يظن أنه من الحدود التي نهي عن اعتدائها، وأنه لا فضل في الزيادة عليها، كما في ركعات السنن المحدودة وأعداد الطهارة، ويحتمل أن تراد الزيادة من غير هذا الجنس من الذكر وغيره، أي: إلا أن يزيد أحد عملًا آخر من الأعمال الصالحة. انتهى. وقال النووي: فيه: دليل أنه لو قال هذا التهليل أكثر من مائة مرة في اليوم؛ كان له هذا الأجر المذكور في الحديث على المائة، ويكون له ثواب آخر على الزيادة، وليس هذا من الحدود التي نهي عن اعتدائها ومجاوزة أعدادها، وإن زيادتها لا فضل فيها أو تبطلها كالزيادة في عدد الطهارة وعدد ركعات الصلاة، ويحتمل أن يكون المراد: الزيادة من أعمال الخير لا من نفس التهليل، ويحتمل أن يكون المراد: مطلق الزيادة، سواء كانت من التهليل أو من غيره، أو منه ومن غيره وهذا الاحتمال أظهر والله أعلم. انتهى. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) أخرجه البخاري في صفة إبليس من ((بدء الخلق)) وفي ((الدعوات))، ومسلم فيه وأخرجه أيضًا أحمد (ج٢ ص ٢٠٢) ومالك في أواخر الصلاة والترمذي والنسائي وابن ماجه في الدعوات وأبوعوانة وابن أبي شيبة. ٤٥٢ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ ٢٣٢٥ - [١٠] وَعَنْ أَبِي مُؤْسَى الْأَشْعَرِيِّ قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ وَّ فِي سَفَرِ، فَجَعَلَ النَّاسُ يَجْهَرُونَ بِالتَّكْبِيرِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَ: ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ، أَرْبِعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمٍْ، إِنَّكُمْ لَا تَدْعُونَ أَصَمَّ، وَلَا غَائِبًا، إِنَّكُمْ تَدْعُونَ سَمِيعًا بَصِيرًا وَهُوَ مَعَكُمْ، وَالَّذِي تَدْعُونَهُ أَقْرَبُ إِلَى أَحَدِكُمْ مِنْ عُنُقِ رَاحِلَتِهِ)) قَالَ أَبُو مُوسَى: وَأَنَا خَلْفَهُ أَقُولُ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ فِي نَفْسِي، فَقَالَ: يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ قَيْسٍ، أَلَا أَدُلُّكَ عَلَى كَثْرٍ مِنْ كُنُوزِ الْجَنَّةِ؟ فَقُلْتُ: بَلَى يَا [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ] رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: (َلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللّهِ)). الشرح ٢٣٢٥ - قوله: (كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ نَّ فِي سَفَرٍ)، وفي رواية: في غزاة، وهذه الغزوة غزوة خيبر، كما وقع التصريح بذلك في رواية البخاري في باب غزوة خيبر من كتاب المغازي. (فَجَعَلَ النَّاسُ يَجْهَرُونَ بِالتَّكْبِيرِ)، أي: يبالغون في الجهر ورفع الصوت بالتكبير، كلما صعدوا ثنية وعلوْا شرفًا، والمراد بالتكبير: قول: لا إله إلا الله والله أكبر، ففي رواية البخاري التي أشرنا إليها: لمَّا غزا رسول اللّه ◌َيَّة. خيبر أشرف الناس على وادٍ، فرفعوا أصواتهم بالتكبير: الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله. (ارْبَعُوا) بهمزة وصل مكسورة ثم موحدة مفتوحة، (عَلَى أَنْفُسِكُمْ)، أي: ارفقوا بها بخفض أصواتكم، ولا تجهدوا على أنفسكم، يعني: لا تبالغوا في الجهر أو اعطفوا على أنفسكم بالرفق بها والكف من الشدة عليها. قال ابن السكيت: ربع الرجل يربع، إذا رفق وكف. وقال القاري: أي: ارفقوا بها وأمسكوا عن الجهر الذي يضركم، وفيه: إشارة إلى أنهم بالغوا في الجهر ورفع الصوت، فلا يلزم منه المنع من الجهر مطلقًا؛ لأن النهي للتيسير والإرفاق، لا الكون الجهر غير مشروع. (إِنَّكُمْ) استيناف فيه معنى التعليل. (لَا تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلَا غَائِبًا)، قال الكرماني: فإن قلت: المناسب: (ولا أعمى))، قلت: الأعمى غائب (٢٣٢٥) عَنْ أَبِي مُوسَى الْبُخَاري، ومسلم، وأَبُو دَاوُد (١٥٢٨)، والتِّرْ مِذِي (٣٣٧٤) فِي الدَّعَوَاتِ، والنسائي في الكبرى (٧٦٧٩) فِي النعُوتِ، وابن مَاجَهْ (٣٨٢٤) فِي ثَوَابِ التَّسْبِيحِ. ٤٥٣ كِتَابُ الدَّعَوَاتِ بَابُ ثَوَابِ التَّسْبِيحِ وَالتَّحْمِيدِ وَالتَّهْلِيلِ وَالتَّكْبِيرِ عن الإحساس بالمبصر، والغائب كالأعمى في عدم رؤيته ذلك المبصر، فنفي لازمه؛ ليكون أبلغ وأعم. وزاد قريبًا - أي: في رواية أخرى - إذ رب سامع وباصر لا يسمع ولا يبصر؛ لبعده عن المحسوس، فأثبت القرب؛ ليتبين المقتضى وعدم المانع ولم يرد بالقرب قرب المسافة، بل القرب بالعلم. وقال الحافظ: ومناسبة الغائب ظاهرة من أجلِ النهي عن رفع الصوت. (إِنَّكُمْ) تأكيد، وقيل: هو كالتعليل؛ لقوله: ((لَا تَدْعُونَ أَصَمَّ))، ((سَمِيْعًا بَصِيرًا))، كذا وقع في رواية البخاري في باب: الدعاء إذا علا عقبة من كتاب الدعوات وفي كتاب القدر، ووقع عنده في المغازي ((سَمِيعًا قَرِيبًا))، وهكذا عند مسلم، ووقع في التوحيد عند البخاري ((سَمِيعًا بَصِيرًا قَرِيْبًا))، قال في ((اللمعات)»: وجه زيادة قوله : (بَصِيرًا)) مع أنه لا حاجة إليه لمناسبة قوله: ((سَمِيعًا))، فإنهما مذكوران معًا في أكثر المواضع، أو لإرادة أنه لا حاجة لكم إلى الجهر ورفع الصوت، فإنه يسمع من غير جهر ورفع صوت، ومع ذلك يبصركم ويعلم حالكم من صوركم وهيئاتكم فافهم. وقال الطيبي: فائدة زيادة قوله: ((بَصِيرًا)) أنَّ السميع البصير أشد إدراكًا، وأكمل إحساسًا من السميع الأعمى. وقال ابن حجر: ((سَمِيعًا)) مقابل لقوله: ((أَصَمَّ)) و((بَصِيرًا)) أتى به؛ لأنه ملازم للسميع في الذكر؛ لما بينهما من التناسب في الإدراك. (وَهُوَ مَعَكُمْ)، أي: بالعلم والقدرة والإحاطة عمومًا والفضل والرحمة خصوصًا. قال القاري: أي: حاضر بالعلم والإطلاع على حالكم أين ما كنتم، سواء أعلنتم أو أخفيتم وهو بظاهره مقابل لقوله: (وَلَا غَائِبًا)، ثم زاد في تحقيق هذه المعية المعنوية الدالة على غاية الشرف والعظمة بقوله: (وَالَّذِي تَدْعُونَهُ أَقْرَبُ إِلَى أَحَدِكُمْ مِنْ عُنُقِ رَاحِلَتِهِ)، هذه الجملة انفرد بها مسلم لم يذكرها البخاري، وهذا تمثيل وتقريب إلى الفهم وإلا فهو أقرب من حبل الوريد. قال النووي: قوله: (هُوَ مَعَكُمْ)، أي: بالعلم والإحاطة وقوله: (وَالَّذِي تَدْعُونَهُ أَقْرَبُ)، إلخ هو بمعنى ما سبق، وحاصله: إنه مجاز كقوله تعالى: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق: ١٦]، أي: نحن أقرب إليه بالعلم من حبل وريده، لا يخفى علينا شيء من خفياته فكأن ذاته قريبة منه، وحاصله: إنه تجوز بقرب الذات عن قرب العلم. ونقل الذهبي في كتاب العلو عن الإمام أبي الحسن الأشعري أنه قال: إن الله يقرب من خلقه كيف شاء كما قال: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ . ٤٥٤ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ (فِي نَفْسِي) متعلق بـ((أَقُولُ))، أي: بلساني سرًّا من غير ارتفاع صوتي، وقوله: ((فِي نَفْسِي)) تفرد به البخاري وهو عنده في الدعوات وفي التوحيد، ووقع عنده في المغازي: ((وأنا خلف دابة رسول اللّه وسل﴿ فسمعني وأنا أقول: لا حول)). إلخ. (يَا عَبْدَاللهِ) هو اسم أبي موسى. (أَلَا أَدُلُّكَ عَلَى كَنْزِ مِنْ كُنُوزِ الْجَنَّةِ)، معنى كونه: ((كَنْزًا)» أنه يُعَدُّ لقائله ويدخر له من الثواب ما يقع له في الجنة موقع الكنز في الدنيا، وحاصله: أنه من ذخائر الجنة أو من محصلات نفائس الجنة. (لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ) خبر مبتدأ محذوف أي هو، أو كنز الجنة لا حول ولا قوة إلا بالله. قال النووي: قال العلماء: سبب ذلك إنها كلمة استسلام وتفويض إلى الله تعالى واعتراف بالإِذعان له، وإنه لا صانع غيره ولا رادَّ لأمره، وإن العبد لا يملك شيئًا من الأمر، ومعنى الكنز هنا: إنه ثواب مدخر في الجنة وهو ثواب نفیس، كما أن الكنز أنفس أموالكم. قال أهل اللغة: الحول الحركة والحيلة، أي: لا حركة ولا استطاعة ولا حيلة إلا بمشيئة الله تعالى. وقيل: معناه: لا حول ولا قوة في تحصيل خير إلا بالله، وقيل: لا حول عن معصية الله إلا بعصمته ولا قوة على طاعته إلا بمعونته، وحكي هذا عن ابن مسعود رضيُلَهُ. عند البزار مرفوعًا، وكله مقارب. انتهى . (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ)، أخرجه البخاري في الجهاد والمغازي والدعوات والقدر والتوحيد، ومسلم في الدعوات بألفاظ متقاربة، وليس السياق المذكور لواحد منهما، بل هو مأخوذ مجموع من مجموع ما فيهما، والحديث أخرجه أيضًا أحمد (ج ٤ ص ٣٩٤، ٤٠٠، ٤٠٢، ٤٠٣، ٤٠٧، ٤١٧، ٤١٨ - ٤١٩) والترمذي في ((الدعوات)) وأَبُو دَاوُدَ في أواخر الصلاة والنسائي في ((الكبرى))، وابن ماجه في ((الدعوات)) مختصرًا وابن السني (ص ١٦٥). ٤٥٥ كِتَابُ الدَّعَوَاتِ بَابُ ثَوَابِ التَّسْبِيحِ وَالتَّحْمِيدِ وَالتَّهْلِيلِ وَالتَّكْبِيرِ الفصل الثاني ٢٣٢٦ - [١١] عَنْ جَابِرِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَله: «مَنْ قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ الْعَظِيمِ وَبِحَمْدِهِ؛ غُرِسَتْ لَهُ نَخْلَةٌ فِي الْجَنَّةِ)). [ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ] الشرح ٢٣٢٦ - قوله: (غُرِسَتْ لَهُ) بصيغة المجهول من باب ضرب، يقال: غرست الشجرة غرسًا وغراسة؛ إذا نصبتها وأثبتها في الأرض. (نَخْلَةٌ)، أي: غرس له بكل مرة نخلة، ووقع في رواية النسائي: ((شَجَرَةٌ)) بدل (نَخْلَةٌ))، لكن تحمل هذه الرواية المطلقة على المقيدة بالنخلة، فيكون المغروس هنا في الجنة هو النخلة. (فِي الِجَنَّةِ)، أي: المعدة لقائلها. فيه: أن التمرة من ثمار الجنة، كما قال تعالى: وْفِهِمَا فَلَكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرَُّانٌ ٦٨ : [الرحمن: ٦٨] وخصت النخلة هنا؛ لكثرة نفعها وطيب طعمها وكثرة ميل العرب إليها. وقد قال العلماء أيضًا: إنما خص النخلة؛ لأنها أنفع الأشجار وأطيبها؛ ولذلك ضرب اللَّه تعالى مثل المؤمن وإيمانه بها وثمرتها في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيَّفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً﴾ [إبراهيم: ٢٤] وهي كلمة التوحيد ﴿كَشَجَرَةِ طَبِّبَةٍ﴾ [إبراهيم: ٢٤] وهي النخلة. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ)، وحسَّنه وأخرجه أيضًا النسائي، إلا أنه قال: ((غُرِسَتْ لَهُ شَجَرَةٌ))، وابن حبان في ((صحيحه)) والحاكم في موضعين بإسنادين؛ قال في أحدهما: على شرط مسلم. وقال في الآخر: على شرط البخاري، كذا في ((الترغيب)) للمنذري. قلت في النسخة المطبوعة للمستدرك في الموضع الأول (ج ١ ص٥٠٢): هذا حديث صحيح على شرط مسلم ورمز الذهبي في تلخيصه في آخر الحديث (خ) وفي الموضع الثاني (ج١ ص ٥١٢) ذكره الحاكم شاهد الحديث رواه هو وابن ماجه عن أبي هريرة بلفظ: ((سُبْحَانَ اللهِ وَالْحَمْدُ للهِ وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَاللهُ أَكْبَرُ؛ يُغْرَسْ لَكَ بِكُلِّ وَاحِدَةٍ شَجَرَةٌ))، قال الحاكم: هذا حديث صحيح (٢٣٢٦) التِّرْمِذِي (٣٤٦) فِي الدَّعَوَاتِ، وَالنَّسَائِي في الكبرى (١٠٦٦٣) فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ عَنْ جَابٍِ . ٤٥٦ esecxe مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ nEse :*** 3935 الإسناد ولم يخرجاه، وله شاهد عن جابر. ثم ذكره وسكت عنه، أعني: لم يحكم عليه بشي، ولم يذكره الذهبي في ((تلخيصه))، والحديث نسبه الجزري في ((الحصن)) لابن أبي شيبة أيضًا، وفي الباب عن عبدالله بن عمرو أخرجه البزار. قال الھیثمي (ج١٠ ص٩٤) : وإسناده جید. ٢٣٢٧ - [١٢] وَعَنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((مَا مِنْ صَبَاح يُصْبِحُ الْعِبَادُ فِيهِ إِلَّا مُنَادٍ يُنَادِي: سَبِّحُوا الْمَلِكَ الْقُدُّوسَ)). [رَوَاهُ التَّْمِذِيُّ] الشرح ٢٣٢٧ - قوله: (وَعَنِ الزُّبَيرِ)، أي: ابن العوام. (مَا مِنْ صَبَاحِ يُصْبِحُ الْعَبِادُ فِيهِ)، قال الطيبي: (صَبَاح)) نكرة وقعت في سياق النفي، وضمت إليها ((مِنْ)) الاستغراقية؛ لإفادة الشموَّل ثم جيء بقوله: (يُصْبِحُ) صفة مؤكدة لمزيد الإحاطة كقوله تعالى: ﴿وَمَا مِن دَابَةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: ٦] ﴿وَلَا طَيِرٍ يَطِيُرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ [الأنعام: ٣٨]. (إِلَّا مُنَادٍ) من الملائكة وهو مبتدأ، والواو مقدرة. (سَبِّحُوا) بصيغة الأمر من التسبيح، أي: نزهوا. (الْمَلِكَ الْقُدُّوسَ)، أي: عمَّا هو منزه عنه، والمعنى: اعتقدوا أنه منزه عنه، وليس المراد إن شاء تنزيه؛ لأنه منزه أزلًا وأبدًا، أو اذكروه بالتسبيح؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنِ مِّن شَىْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِهِ﴾ [الإسراء: ٤٤]، ولذا قال الطيبي: أي: قولوا: سبحان الملك القدوس، أو قولوا: سبوح قدوس رب الملائكة والروح، أي: نحوهما من قول: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم، وقوله: (سَبِّحُوا الْمَلِكَ الْقُدُّوسَ)، كذا وقع في أكثر نسخ الترمذي، ووقع في بعضها: ((سُبْحَانَ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ)»، وهكذا نقله النووي في ((الأذكار)) والجزري في ((جامع الأصول)) والسيوطي في ((الجامع الصغير))، ونقله عَلِيُّ المتقي في ((الكنز)) على النحوين بأن جعلهما روايتين للترمذي، والقصد من مناداة الملك بـ ((سبحان (٢٣٢٧) التِّرْ مِذِي (٣٥٦٩) فِي الدَّعَوَاتِ عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ العَوَّامِ. ٤٥٧ كِتَابُ الدَّعَوَاتِ بَابُ ثَوَابِ التَّسْبِيحِ وَالتَّحْمِيدِ وَالتَّهْلِيلِ وَالتَّكْبِيرِ الملك القدوس)) على ما وقع في بعض نسخ الترمذي: حث الناس على قول ذلك، كما صرح بذلك في رواية أبي يعلى وابن السني، وهي تؤيد ما في أكثر نسخ الترمذي من قوله: ((سَبِّحُوا الْمَلِكَ الْقُدُّوسَ)). (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) من طريق موسى بن عبيدة الربذي، عن محمد بن ثابت، عن أبي حكيم مولى الزبير، عن الزبير. قال الترمذي: هذا حديث غريب. انتهى. قلت: وإسناده ضعيف، لضعف موسى بن عبيدة ولجهالة محمد بن ثابت وأبي حكيم، وأخرجه أبو يعلى وابن السني (ص٢٢) بلفظ: ((مَا مِنْ صَبَاحِ يُصْبِحُ الْعِبَادُ إِلَّ وَصَارِعٌ يَصْرِغُ: أَيُّهَا الْخَلَائِقُ سَبِّحُوا الْمَلِكَ الْقُدُّوسَ))،ً قال الهيثمي (ج١٠ ص٩٤): وفيه: موسى بن عبيدة وهو ضعيف جدًّا. قلت: وفيه أيضًا محمد بن ثابت وأبوحكيم المذكوران في سند الترمذي، وقد تقدم أنهما مجهولان . ٢٣٢٨ - [١٣] وَعَنْ جَابِرِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِهِ: ((أَفْضَلُ الذِّكْر: لَا إِلَهَ إِلَّ اللَّهُ، وَأَفْضَلُ الدُّعَاءِ: الْحَمْدُ لِلَّهِ)). [رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ] الشرح ٢٣٢٨ - قوله: (أَفْضَلُ الذِّكْرِ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللـهُ) ؛ لأنها كلمة التوحيد والتوحيد لا يماثله شيء، وهي الفارقة بين الكفر والإيمان، وباب الإسلام الذي لا يدخل إليه إلا منه؛ ولأنها أجمع للقلب مع الله وأنفى للغير، وأشد تزكية للنفس، وتصفية للباطن، وتنقية للخاطر من خبث النفس وأطرد للشيطان. قال الطيبي: قال بعض المحققين: إنما جعل التهليل أفضل الذكر، لأن له تأثيرًا في الباطن عن الأوصاف الذميمة التي هي معبودات في باطن الذاكر. قال تعالى: ﴿أَرَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَاهَهُ, هَوَهُ﴾ [الفرقان: ٤٣] فيفيد نفي عموم الآلهة بقوله: (لَا إِلَهَ)) (٢٣٢٨) التِّرْ مِذِي (٣٣٨٣) فِي الدُّعَاءِ، وَالنَّسَائِي في الكبرى (١٠٦٦٧) فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ، وَابن مَاجَهْ (٣٨٠٠) فِي ثَوَابِ التَّسْبِيحِ، كُلُّهُمْ عَنْ جَابِرٍ . ٤٥٨ مِزْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ ويثبت الواحد بقوله: ((إِلّا اللهُ))، ويعود الذكر من ظاهر لسانه إلى باطن قلبه فيتمكن فيه، ويستولى على جوارحه؛ وجد حلاوة هذا من ذاق. وقيل: لأنه لا يصح الإيمان إلا به وليس هذا فيما سواه من الأذكار، والحديث يعارضه في الظاهر حديث أبي ذر المتقدم، قال: سُئل رسول اللَّه وَّهِ أَيُّ الكلام أفضل؟ قال: ((مَا اصْطَفَى اللهُ لِمَلَائِكَتِهِ: سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ))، وحديثِ سمرة بن جندب: ((أَفْضَلُ الْكَلَامِ أَرْبَعٌ: سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ))، وسبق وجه الجمع بينهما في شرح هذين الحدیثین. (وَأَفْضَلُ الدُّعَاءِ: الْحَمْدُ للهِ)، يحتمل أن المراد به: سورة الفاتحة بتمامها، كأن هذا اللفظ بمنزلة القلب لها. قال الطيبي: يمكن أن يكون قوله: ((الْحَمْدُ للهِ))، مِن باب التلميح، والإشارة إلى قوله تعالى: ﴿أَهْدِنَا الصِّرَطَ الْمُسْتَفِيمَ (١) صِرَطَ [الفاتحة: ٥، ٦]، وأيُّ دعاء أفضل وأكمل وأجمع من ذلك، الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ ويحتمل أن المراد هذه اللفظة، وعلى هذا فقيل: إطلاق الدعاء على الحمد من باب المجاز، ولعلَّه جعل أفضل الدعاء من حيث إنه سؤال لطيف يدق مسلكه. ومن ذلك قول أمية بن أبي الصَّلْت حين خرج إلى بعض الملوك يطلب نائلته: إِذَا أَثْنَى عَلَيْكَ الْمَرْءُ يَوْمًا كَفَاهُ مِنْ تَعَرُّضِهِ الثَّنَاءُ وقيل: جعل الحمد من أنواع الدعاء باعتبار ما يلزمه، فإنه إذا وقع في مقابلة نعمة؛ كان شكرًا، وقد قال تعالى: ﴿لَيْنِ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: ٧] فهو يتضمن الطلب. قال المظهر: إنما جعل الحمد دعاء؛ لأن الدعاء عبارة عن ذكر الله، وأن تطلب منه حاجة، والحمد يشملهما، فإن من حمد الله إنما يحمده على نعمته، والحمد على النعمة طلب مزيد، قال تعالى: ﴿لَيْنِ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: ٧]، انتهى. قلت: في قوله: إنما يحمده على نعمته نظر ظاهر لمن ينظر فيما ذكروا في تحقيق معنى: ((الْحَمْدُ للهِ)). (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) وحسنه. (وَابْنُ مَاجَهْ)، وأخرجه أيضًا النسائي وابن حبان وصححه والحاكم (ج ١ ص٣٩٨ - ٥٠٣)، وقال: حديث صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي، ورواه أحمد بلفظ: ((لَا إِلَهَ إِلَّ اللهُ، أَفْضَلُ الذِّكْرِ وَهِيَ أَفْضَلُ الْحَسَنَاتِ)»، قال الشوكاني: وهكذا في ((مسند البزار)). ٤٥٩ كِتَابُ الدَّعَوَاتِ بَابُ ثَوَابِ التَّسْبِيحِ وَالتَّحْمِيدِ وَالتَّهْلِيلِ وَالتَّكْبِيرِ ٢٣٢٩ - [١٤] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ : ((الْحَمْدُ رَأْسُ الشُّكْرِ، مَا شَكَرَ اللَّهَ عَبْدَ لا يَّحْمَدُهُ)). الشرح ٢٣٢٩ - قوله: (الْحَمْدُ رَأْسُ الشُّكْرِ) ؛ لأن الشكر تعظيم المنعم وفعل اللسان أظهر وأدل على ذلك، أمَّا فعل القلب فخفي، وفي دلالة أفعال الجوارح قصور كذا في ((اللمعات)). وقال بعض الشراح: ((الْحَمْدُ رَأْسُ الشَّكْرِ))، أي: بعض خصاله وأعلاها؛ لأن الحمد باللسان وحده والشكر به وبالقلب والجوارح، إذ الشكر: صرف العبد جميع ما أنعم الله به عليه إلى ما خلق لأجله، فالحمد إحدى شعب الشكر ورأس الشيء بعضه، فهو من هذه الجهة بعض الشكر. وجعل رأسه؛ لأن الرأس أعظم أجزاء البدن والثناء باللسان أعظم أجزاء الشكر، فإن ذكر النعمة باللسان والثناء على موليها أشيع لها، وأدل على مكانها؛ لخفاء الاعتقاد، ولما في أعمال الجوارح من الاحتمال بخلاف عمل اللسان. (مَا شَكَرَ اللهَ عَبْدٌ لَا يَحْمَدُهُ)، قال القاضي: لما جعل الحمد رأس الشكر، وأصله والعمدة فيه حتى انعكس عليه لم يعتمد فيه لغيره من الشعب عند فقده، وكان التارك له كالعرض عن الشكر رأسًا .