Indexed OCR Text

Pages 581-593

٥٨٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
قال الأثرم: سمعت أبا عبد اللَّه يُسْأَل عن المعتكف يشترط أن يأكل في أهله؟
فقال: إذا اشترط نعم. قيل له: وتجيز الشرط في الاعتكاف، قال: نعم. قلت له:
فيبيت في أهله؟ قال: إذا كان تطوعًا جاز، وممن أجاز أن يشترط العشاء في أهله
الحسن والعلاء بن زياد والنخعي وقتادة، ومنع منه أبو مجلز ومالك والأوزاعي وإن
شرط الوطء في اعتكافه أو الفرجة والنزهة أو البيع للتجارة، أو التكسب
بالصناعة في المسجد لم يجز؛ لأنَّ اللَّه تعالى قال: ﴿وَلَا تُبَشِرُوهُنَ وَأَنْتُمْ عَلَكِّفُونَ فِى
الْمَسَجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧] فاشترط ذلك اشتراط لمعصية اللّه تعالى، والصناعة في المسجد
منهي عنها في غير الاعتكاف، ففي الاعتكاف أولى، وسائر ما ذكرناه يشبه ذلك ولا
حاجة إليه، فإن احتاج إليه فلا يعتكف؛ لأنَّ ترك الاعتكاف أولى من فعل المنهي
عنه. قال أبو طالب: سألت أحمد عن المعتكف يعمل عمله من الخياطة وغيرها،
قال: ما يعجبني أن يعمل. قلت: إن كان يحتاج، قال: إن كان يحتاج لا يعتكف.
قال ابن قدامة: إذا خرج لما له منه بد عامدًا بطل اعتكافه، إلّا أن يكون اشترط،
وإن خرج ناسيًا. فقال القاضي: لا يفسد اعتكافه، وقال ابن عقيل: يفسد، فإن
أخرج بعض جسده لم يفسد اعتكافه عمدًا كان أو سهوًا، انتهى مختصرًا. وقال ابن
رشد: اختلفوا هل للمعتكف أن يشترط فعل شيء مما يمنعه الاعتكاف، فينفعه
شرطه في الإباحة، أم ليس ينفعه ذلك، مثل: أن يشترط شهود جنازة أو غير ذلك،
فأكثر الفقهاء: على أنه شرط لا ينفعه وإنه إن فعل بطل اعتكافه، وقال الشافعي:
ينفعه شرطه، والسبب في اختلافهم: تشبيههم الاعتكاف بالحج في أن كليهما
عبادة مانعة لكثير من المباحات، والاشتراط في الحج إنما صار إليه من رآه
لحديث ضباعة، لكن هذا الأصل مختلف فيه في الحج، فالقياس عليه ضعيف عند
الخصم المخالف له، انتهى. قلت: الظاهر عندنا: هو قول من لم يقل بالاشتراط
في الاعتكاف؛ لأنه لا دليل عليه من سنة صحيحة أو ضعيفة، ولا من أثر صحابي،
ولا من قياس صحيح. والراجح عندنا: أنَّه لا يجوز الخروج لعيادة المريض
وصلاة الجنازة والأكل واجبًا كان الاعتكاف أو غير واجب؛ لأنَّ النبي ◌َّ كان لا
يخرج لذلك وكان اعتكافه غير واجب. قال النووي في ((شرح المهذب)) في
الاعتكاف الواجب: لا يعود مريضًا، ولا يخرج لجنازة، سواءً تعينت عليه أم لا ،
في الصحيح، وفي التطوع يجوز لعيادة المريض وصلاة الجنائز.

كِتّاب الصَّؤْمِ
بَابُ الإِعْتِكافِ
٥٨١
قال صاحب ((الشامل)): هذا يخالف السنة؛ فإنه مايلي كان لا يخرج من الاعتكاف
العيادة المريض وكان اعتكافه نفلاً لا نذرًا ذكره العيني (ج١١ ص ١٤٥). (وَلَا يَمَسَّ
الْمَرْأَةَ) كذا وقع في جميع نسخ ((المشكاة)) و((المصابيح)) والذي في ((سنن أبي
داود)) ((امرأة)) وهكذا وقع في ((السنن)) للبيهقي و((المعالم)) للخطابي، وكذا ذكره
الحافظ في ((الفتح)) و((بلوغ المرام)) والمجد في ((المنتقى)) والجزري في ((جامع
الأصول)) والزيلعي في ((نصب الراية))، والظاهر: أنَّ ما في ((المصابيح)) خطأ من
الناسخ ولم يتنبه لذلك المصنف بل تبعه فيه. قال الخطابي: تريد عائشة بالمس
الجماع وهذا لا خلاف فيه، أنه إذا جامع امرأته بطل اعتكافه، (وَلَا يُبَاشِرَهَا)، أي:
فيما دون الفرج بشهوة. وقال القاري: لا يمس المرأة، أي: جنسها بشهوة ولا
يباشرها، أي لا يجامعها ولو حكمًا. وقال الشوكاني: المراد بالمباشرة هنا الجماع
بقرينة ذكر المس قبلها، وقد نقل ابن المنذر الإجماع على ذلك، ويؤيده ما روى
الطبري وغيره من طريق قتادة في سبب نزول الآية، يعني: قوله تعالى: ﴿وَلَا
تُبَشِرُوهُنَ وَأَنْتُمْ عَلَكِّفُونَ فِى الْمَسَجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧] أنهم كانوا إذا اعتكفوا، فخرج رجل
لحاجته فلقى امرأته جامعها إن شاء فنزلت، انتهى. قال الحافظ: اتفقوا على فساده
بالجماع حتى قال الحسن والزهري: من جامع فيه لزمته الكفارة، وعن مجاهد
يتصدق بدينارين، واختلفوا في غير الجماع ففي المباشرة أقوال: ثالثها: إنْ أنزل
بطل، وإلا فلا .
وقال ابن قدامة: الوطء في الاعتكاف محرم بالإجماع، والأصل فيه قول الله
تعالى: ﴿وَلَا تُبَشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَلَكِّفُونَ فِىِ الْمَسَجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، فإن وطئ في الفرج
متعمدًا أفسد اعتكافه بإجماع أهل العلم، حكاه ابن المنذر عنهم، وإنْ كان ناسيًّا،
فكذلك عند إمامنا الإمام أحمد وأبي حنيفة ومالك. وقال الشافعي: لا يفسد
اعتكافه. قال ابن قدامة: ولا كفارة بالوطء في ظاهر المذهب وهو ظاهر كلام
الخرقي، وقول عطاء والنخعي وأهل المدينة ومالك وأهل العراق والثوري وأهل
الشام والأوزاعي. ونقل حنبل عن أحمد: أنَّ عليه كفارة، وهو قول الحسن
والزهري واختيار القاضي.
قال: واختلف هؤلاء في الكفارة، فقال القاضي: يجب كفارة الظهار وهو قول

٥٨٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الحسن والزهري وظاهر كلام أحمد في رواية حنبل، وحكي عن أبي بكر: أنَّ عليه
كفارة يمين، فأمَّا المباشرة دون الفرج، فإن كانت لغير شهوة فلا بأس بها مثل أن
تغسل رأسه أو تفليه أو تناوله شيئًا؛ لأنَّ النبي ◌َلَّ كان يدني رأسه إلى عائشة وهو
معتكف فترجله، وإن كانت عن شهوة، فهي محرمة لقول الله تعالى: ﴿وَلَا
تُبَشِرُوهُنَ وَأَنْتُمْ عَلَكِفُونَ فِى الْمَسَجِدِّ﴾ [البقرة: ١٨٧] ولقول عائشة: السنة على المعتكف أن
لا يعود مريضًا، ولا يشهد جنازة، ولا يمس امرأة، ولا يباشرها؛ ولأنه لا يأمن
إفضاءها إلى إفساد الاعتكاف، وما أفضى إلى الحرام كان حرامًا، فإن فعل فأنزل
فسد اعتكافه وإن لم ينزل لم يفسد، وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي في أحد قوليه.
وقال في الآخر: يفسد في الحالين وهو قول مالك؛ لأنها مباشرة محرمة فأفسدت
الاعتكاف كما لو أنزل، ولنا أنها مباشرة لا تفسد صومًا ولا حجًّا، فلم تفسد
كالمباشرة لغير شهوة، وفارق التي أنزل بها؛ لأنها تفسد الصوم ولا كفارة عليه،
انتھی .
(وَلَا يَخْرُجَ لِحَاجَةٍ) دنيوية أو أخروية. (إِلَّا لِمَا لَا بُدَّ مِنْهُ)، أي: إلا لحاجة لا
فراق ولا محيص من الخروج لها وهي البول والغائط؛ إذ لا يتصور فعلهما في
المسجد، ولذا أجمعوا عليه بخلاف الأكل والشرب أو لأمر لا بد من ذلك الأمر،
وهو كناية عن قضاء الحاجة وما يتبعه من الاستنجاء والطهارة. (وَلَا اعْتِكَافَ إِلَّا
بِصَوْم) فيه: دليل على أنه لا يصح الاعتكاف إلا بصوم وأنه شرط فيه، وقد تقدم
بيان الاختلاف في ذلك. وأجاب من لم يقل باشتراط الصوم عن هذا الحديث بما
سيأتي من الكلام عليه، وبأن المراد: لا اعتكاف كاملًا أو فاضلًا إلا بصوم، ذكره
الطيبي .
(وَلَا اعْتِكَافَ إِلَّا فِي مَسْجِدٍ جَامِع)، أي: يجمع الناس للجماعة، وفيه: دليل
على أن المسجد شرط في الاعتكاف، واتفق العلماء على ذلك إلا ما روي عن بعض
العلماء أنه أجازه في كل مكان. قال الحافظ: وذهب أبو حنيفة وأحمد إلى
اختصاصه بالمساجد التي تقام فيها الصلوات، وخصه أبويوسف بالواجب منه.
وأمَّا النفل ففي كل مسجد. وقال الجمهور بعمومه في كل مسجد إلا لمن تلزمه
الجمعة، فاستحب له الشافعي في ((الجامع))، وشرطه مالك؛ لأنَّ الاعتكاف
عندهما ينقطع بالجمعة، ويجب بالشروع عند مالك وخصه طائفة من السلف

كِتّابُ الصَّوْم
بَابُ الإِعْتِكافِ
٥٨٣
كالزهري بالجامع مطلقًا، وأومأ إليه الشافعي في القديم، وخصه حذيفة بن اليمان
بالمساجد الثلاثة، وعطاء بمسجد مكة والمدينة وابن المسيب بمسجد المدينة،
انتھی .
وقال العيني: ذهب هؤلاء - أي: من خص الاعتكاف بالمساجد الثلاثة مسجد
مكة والمدينة والأقصى، أو بمسجد مكة والمدينة - إلى أن الآية خرجت على نوع
من المساجد وهو ما بناه نبي؛ لأن الآية نزلت على رسول اللَّه ◌َّله وهو معتكف في
مسجده فكان القصد والإشارة إلى نوع تلك المساجد مما بناه نبي، وذهبت طائفة:
إلى أنه لا يصح الاعتكاف إلا في مسجد تقام فيه الجمعة، روي ذلك عن علي وابن
مسعود وعروة وعطاء والحسن والزهري، وهو قول مالك في ((المدونة))، قال: أمَّا
من تلزمه الجمعة فلا يعتكف إلا في الجامع. وقالت طائفة: الاعتكاف يصح في
كل مسجد، روي ذلك عن النخعي وأبي سلمة والشعبي وهو قول أبي حنيفة
والثوري والشافعي في الجديد، وأحمد وإسحاق وأبي ثور وداود وهو قول
الجمهور والبخاري أيضًا، حيث استدل بعموم الآية في سائر المساجد، فقال: باب
الاعتكاف في المساجد كلها؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُبَشِرُوهُنَ وَأَنْتُمْ عَلَكِّفُونَ فِ
اَلْمَسَجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧] قال العيني: جمع - أي: البخاري - المساجد وأكدها بلفظ
((كلها))؛ ((إشارة)) إلى أن الاعتكاف لا يختص بمسجد دون مسجد.
وقال صاحب ((الهداية)): الاعتكاف لا يصح إلا في مسجد الجماعة - وهو الذي
له مؤذن وإمام ويصلى فيه الصلوات الخمس أو بعضها بجماعة -وعن أبي حنيفة:
أنه لا يصح إلا في مسجد يصلى فيه الصلوات الخمس، أي: بجماعة، قلت: وهذا
رواية الحسن عن أبي حنيفة وصححه بعض مشائخ الحنفية وهو قول أحمد. قال
الخرقي: لا يجوز الاعتكاف إلا في مسجد يجمع فيه. قال ابن قدامة (ج٣ ص ٨٧):
يعني: تقام الجماعة فيه، وإنما اشترط ذلك؛ لأن الجماعة واجبة واعتكاف الرجل
في مسجد لا تقام فيه الجماعة يفضي إلى أحد أمرين، إمَّا ترك الجماعة الواجبة،
وإمَّا خروجه إليها، فيتكرر ذلك منه كثيرًا مع إمكان التحرز منه، وذلك مناف
للاعتكاف؛ إذ هو لزوم المعتكف والإقامة على طاعة الله فيه ولا يصحُّ الاعتكاف
في غير مسجد إذا كان المعتكف رجلًا لا نعلم في هذا بين أهل العلم خلافًا .
والأصل في ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَا تُبَشِرُوهُنَ وَأَنْتُمْ عَلَكِّفُونَ فِىِ الْمَسَجِدِ﴾ فخصها

٥٨٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
بذلك فلو صح الاعتكاف في غيرها لم يختص تحريم المباشرة فيها، فإن المباشرة
محرمة في الاعتكاف مطلقًا، وروى الدارقطني بإسناده عن الزهري، عن عروة
وسعيد بن المسيب، عن عائشة في حديث: وإن السنة للمعتكف أن لا يخرج إلا
لحاجة الإنسان ولا اعتكاف إلا في مسجد جماعة.
فذهب أحمد: إلى أن كل مسجد تقام فيه الجماعة يجوز الاعتكاف فيه، ولا
يجوز في غيره. وقال الشافعي: يصح الاعتكاف في كل مسجد إذا لم يكن اعتكافه
یتخلله جمعة، ولنا حديث عائشة المتقدم. وقد قيل: إن هذا من قول الزهري وهو
ينصرف إلى سنة رسول اللَّه وَليل كيفما كان. وروى سعيد من طريق الضحاك عن
حذيفة قال: قال رسول اللَّه ◌َله : ((كُلُّ مَسْجِدٍ لَهُ إِمَامٌ وَمُؤَذِّنٌ فَالِاِعْتِكَافُ فِيْهِ يَصْلُحُ))؛
ولأن قوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ عَلَكِّفُونَ فِى الْمَسَجِدِ﴾ يقتضي إباحة الاعتكاف في كل
مسجد إلا أنه يقيد بما تقام فيه الجماعة بالأخبار، ففيما عداه يبقى على العموم،
وقول الشافعي في اشتراطه موضعًا تقام فيه الجمعة لا يصح للأخبار؛ ولأن الجمعة
لا تتكرر فلا يضر وجوب الخروج إليها، ولو كان الجامع تقام فيه الجمعة وحدها،
ولا يصلى فيه غيرها لم يجز الاعتكاف فيه، ويصحُّ عند مالك والشافعي، ومبنى
الخلاف على أن الجماعة واجبة عندنا، فيلتزم الخروج من معتكفه إليها، فيفسد
اعتكافه وعندهم ليست بواجبة، وإن كان اعتكافه مدة غير وقت الصلاة كليلة أو
بعض یوم جاز في كلُّ مسجد لعدم المانع، وإن كانت تقام فيه في بعض الزمان جاز
الاعتكاف فيه في ذلك الزمان دون غيره، وإن اعتكف اثنان في مسجد لا تقام فيه
جماعة، فأقاما الجماعة فيه صح اعتكافهما؛ لأنهما أقاما الجماعة فأشبه ما لو
أقامهما فيه غيرهما، انتهى مختصرًا.
وقال الباجي: أمَّا المساجد التي لا يصلى فيها الجمعة، فإنما يكره الاعتكاف
فيها، إذا كان الاعتكاف يتصل إلى وقت صلاة الجمعة؛ لأنه يقتضي أحد أمرين
ممنوعين: أحدهما: التخلف عن الجمعة. والثاني: الخروج عن الاعتكاف إلى
الجمعة، وذلك يبطل اعتكافه في المشهور من مذهب مالك. وقد روى ابن الجهم
عن مالك الخروج إلى الجمعة ولا ينتقص اعتكافه، انتهى. قلت: الراجح عندي
هو ما ذهب إليه أحمد لحديث الباب، وأجاب عنه من خالفه بأنَّ ذكر الجامع

٥٨٥
كِتّابُ الصَّوْم
بَابُ الإِعْتِكافِ
للأولوية يعني: أنَّ النفي فيه محمول على نفي الفضيلة والكمال ولا يخفى ما فيه،
ولحديث حذيفة وقد أخرجه الدار قطني أيضًا. وقال الضحاك: لم يسمع من حذيفة
ولقول عليٍّ قال: لا اعتكاف إلا في مسجدٍ جماعةٍ، أخرجه ابن أبي شيبة
وعبد الرزاق في ((مصنفيهما)). ولقول ابن عباس: لا اعتكاف إلا في مسجد تقام فيه
الصلاة، أخرجه البيهقي فيصح الاعتكاف في كل مسجد تقام فيه الجماعة، ولا
يجوز في غيره، ولا يشترط مسجد الجمعة، وإن كان هو أفضل، ويجب الخروج
إلى الجمعة ولا يبطل اعتكافه بالخروج إليها .
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) من طريق عبد الرحمن بن إسحاق عن الزهري عن عروة عن
عائشة وأخرجه البيهقي (ج٤ ص ٣٢١) من طريق أبي داود في (ج ٤ ص ٣١٥، ٣٢٠)
من طريق عقيل عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة وأخرجه أيضًا من هذا الطريق
في (الشعب)) و((المعرفة)) وأخرجه الدارقطني (ص٢٤٧، ٢٤٨) من رواية ابن
جريج عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، وعروة عن عائشة. قال أَبُو دَاوُدَ: غير
عبد الرحمن بن إسحاق لا يقول فيه: قالت: السنة. قال أَبُو دَاوُدَ: جعله قول
عائشة، انتهى. وقال المنذري: وأخرجه النسائي من حديث يونس بن زيد ولیس
فيه: قالت: السنة، وأخرجه من حديث مالك وليس فيه أيضًا ذلك وعبد الرحمن
ابن إسحاق هذا هو القرشي المدني يقال له عباد، وقد أخرج له مسلم في ((صحيحه))
ووثقه ابن معين، وأثنى عليه غيره وتكلم فيه بعضهم، انتهى.
وقال الحافظ في ((بلوغ المرام)): لا بأس برجاله إلا أن الراجح وقف آخره، أي:
من قولها ولا اعتكاف إلا بصيام. وقال في ((الفتح)) بعد ذكر كلام أبي داود: وجزم
الدار قطني بأن القدر الذي من حديث عائشة قولها: لا يخرج إلا لحاجة وما عداه
ممن دونها، انتهى. وقال البيهقي في ((السنن)) (ج ٤ ص٣٢١): قد ذهب كثير من
الحفاظ إلى أن هذا الكلام مَنْ قول من دون عائشة، وإن من أدرجه في الحديث
وهم فيه؛ فقد رواه الثوري عن هشام عن أبيه عروة، قال: المعتكف لا يشهد
جنازة، ولا يعود مريضًا، ولا يجيب دعوة، ولا اعتكاف إلا بصيام، ولا اعتكاف
إلا في مسجد جماعة، وعن ابن جريج عن الزهري عن سعيد بن المسيب أنه قال:
المعتكف لا يعود مريضًا ولا يشهد جنازة، انتهى.

٥٨٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
وقال في ((المعرفة)): وإنما لم يخرجاه في الصحيح لاختلاف الحفاظ فيه، منهم
من زعم أنه قول عائشة، ومنهم من زعم أنه قول الزهري، ويشبه أن يكون من قول
من دون عائشة، فقد رواه الثوري عن هشام عن عروة قال: المعتكف لا يشهد
جنازة، ولا يعود مريضًا، انتهى. ورد عليه ابن التركماني فقال: جعل هذا الكلام
من قول من دون عائشة دعوى بل هو معطوف على ما تقدم من قولها: السنة كذا
وكذا. وقد تقدم أن هذا عند المحدثين في حكم المرفوع، رواه عروة عن عائشة
مرة، وأفتى به مرة أخرى، وقد أخرجه الدارقطني من طريق ابن جريج، عن
الزهري بسنده، انتھی.

كِتّابُ الصَّوْم
earcomes *:
بَابُ الإِعْتِكافِ
٥٨٧
الفصل الثالث
٢١٢٧ - [١١] عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ وََّ: أَنَّهُ كَانَ إِذَا اعْتَكَفَ طُرحَ
[رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ]
لَهُ فِرَاشُهُ، أَوْ يُوضَعُ لَهُ سَرِيرُهُ وَرَاءَ أَسْطُوَانَةِ التَّوْبَةِ.
الشرح
٢١٢٧- قوله: (طُرِحَ) بصيغة المجهول، أي: وُضِعَ وفُرِشَ. (أَوْ يُوضَعُ لَهُ
سَرِيرُهُ) الظاهر: أنَّ ((أَوْ)) للتنويع. (وَرَاءَ أُسْطُوانَةِ التَّوْبَةِ) هي من اسطوانات
المسجد النبوي سميت بذلك؛ لأنَّ أبا لبابة بن عبد المنذر ربط بها نفسه حتى تاب
الله عليه عندها، وروى ابن وهب عن مالك، عن عبد الله بن أبي بكر، أن أبا لبابة
ارتبط بسلسلة ربوض، والربوض: الضخمة الثقيلة اللازقة بصاحبها بضع عشرة
ليلة، حتى ذهب سمعه، فما كاد يسمع، وكاد أن يذهب بصره، وكانت ابنته تحله
إذا حضرت الصلاة، أو أراد أن يذهب لحاجة، وإذا فرغ أعادته إلى الرباط.
قال ابن عبد البر: اختلف في الحال التي أوجبت فعل أبي لبابة هذا بنفسه.
وأحسن ما قيل في ذلك: ما رواه معمر عن الزهري، قال: كان أبولبابة ممن تخلف
عن النبي ◌َّ في غزوة تبوك، فربط نفسه بسارية، وقال: والله لا أحل نفسي منها
ولا أذوق طعامًا ولا شرابًا حتَّى يتوب الله عليَّ أو أموت، فمكث سبعة أيام لا يذوق
طعامًا ولا شرابًا حتى خرَّ مغشيًّا عليه، ثم تاب الله عليه، فقيل له: قد تاب الله
عليك يا أبا لبابة، فقال: والله لا أحل نفسي حتى يكون رسول اللّه ◌َل هو الذي
يحلني، قال: فجاء رسول اللَّه وَل فحله بيده، ثم قال أبو لبابة: يا رسول الله، إنّ
من توبتي أنْ أهجر دار قومي التي أصبت فيها الذنب، وأن أنخلع من مالي كله
صدقة إلى الله وإلى رسوله، قال: (يُجْزِئُكَ يَا أَبَا لُبَابَةَ الثَّلُثُ)). قال ابن عبد البر:
وقد قيل: إن الذنب الذي أتاه أبو لبابة كان إشارته إلى حلفائه من بني قريظة أن
(٢١٢٧) رَوَاه ابن مَاجَهْ (١٧٧٤) عنه فيه .

٥٨٨
*
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الذبح إن نزلتم على حكم سعد بن معاذ، وأشار إلى حلقه، فنزلت: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ
ءَامَنُوْ لَا تَّخُونُواْ اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُواْ أَمَنَتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (9)﴾
[الأنفال: ٢٧]، انتهى.
وارجع للبسط إلى ((وفاء الوفاء)) للسمهودي (ج٢ ص ٤٤٢، ٤٤٧).
وفي الحديث: دليل على جواز طرح الفراش ووضع السرير للمعتكف في
المسجد، وعلى جواز الوقوف في مكان معين من المسجد في الاعتكاف، فيكون
مخصصًا للنهي عن إيطان المكان في المسجد، يعني: ملازمته.
(رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ) قال في ((الزوائد)): إسناده صحيح، ورجاله موثقون. وقال
الشوكاني: رجال إسناده ثقات، وقد ذكره الحافظ في ((الفتح)) عن نافع أنَّ ابن عمر
كان إذا اعتكف ... إلخ، وعزاه لابن ماجه ولم يذكر أنه مرفوع، وفي ((صحيح
مسلم)) عن نافع أنه قال: وقد أراني عبد الله بن عمر المكان الذي كان رسول الله
وَلخير يعتكف فيه من المسجد.
وقال السمهودي (ج٢ ص٤٤٧): أسند ابن زبالة ويحيى في بيان معتكف
النبي ◌َّه عن ابن عمر، أن النبي ◌َّ كان إذا اعتكف طرح له فراشه، ووضع له
سريره وراء أسطوانة التوبة. ثم ذكر السمهودي هذا الحديث من رواية ابن ماجه.
وقال: قال البدر بن فرحون: ونقل الطبراني في ((معجمه)) عن ابن عمر أن ذلك مما
يلي القبلة يستند إليها .
قال السمهودي: رواه البيهقي بسند حسن، ولفظه: ((إن رسول اللَّه وَ لَه كان إذا
اعتكف يطرح له فراشه أو سريره إلى أسطوانة التوبة مما يلي القبلة يستند إليها)).
ونقل عياض عن ابن المنذر، أن مالك بن أنس كان له موضع في المسجد، قال :
وهو مكان عمر بن الخطاب، وهو المكان الذي يوضع فيه فراش رسول اللّه وَ ل إذا
اعتكف، كذا قال الأويسي.

٥٨٩
فهرس الموضوعات
٢١٢٨ - [١٢] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَلَّ قَالَ فِي
الْمُعْتَكِفِ: ((هُوَ يَعْتَكِفُ الذَّنُّوبَ، وَيُجْرَىِّ لَهُ مِنَ الْحَسَنَاتِ كَعَامِلِ الْحَسَنَاتِ
كُلِّهَا)).
[ رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ]
الشرح
٢١٢٨ - قوله: (قَالَ فِي الْمُعْتَكِفِ)، أي: في حقه وشأنه. (هُوَ يَعْتَكِفُ) من
الاعتكاف. (الذَّنُوبَ) منصوب بنزع الخافض، أي: يحتبس عن الذنوب، بين
بذلك أنَّ شأن المحتبس في المسجد الانحباس عن تعاطي أكثر الذنوب قاله
القاري، قلت: قوله: ((يَعْتَكِفُ))، كذا في أكثر النسخ من ((المشكاة))، ووقع في
بعضها يعكف من ((العكف)) وهو الذي في ((سنن ابن ماجه))، وهكذا نقله الولي
العراقي في ((شرح التقريب)). قال السندي: قوله: ((هُوَ يَعْكِفُ الذَّنُوبَ)) من عكفه
كنصر وضرب، أي: حبس، وضمير هو للمعتكف، أو الاعتكاف وهو الظاهر،
أي: هو يمنع الذنوبِ ولا يتأتى فيه، وإن أريد المنع على الدوام، فيمكن من آثار
الاعتكاف أن يقي الله تعالى صاحبه من المعاصي. (وَيُجْرَى) بالجيم والراء
مجهولًا. وقيل: معلومًا، أي: يمضي ويستمر. (لَّهُ مِنَ الْحَسَنَاتِ)، أي: من
ثوابها. (كَعَامِلِ الْحَسَنَاتِ)، أي: كأجور عاملها.
قال القاري: وفي نسخة صحيحة - يعني: من ((المشكاة)) - بالجيم والزاي
مجهولًا، أي: يعطى له من الحسنات التي يمتنع عنها باعتكاف كعيادة المريض،
وتشييع الجنازة، وزيارة الإخوان وغيرها، فاللام في الحسنات للعهد، انتهى.
(رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ) من طريق عيسى بن موسى غنجار عن عبيدة العمي، عن فرقد
السبخي عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، وهذا إسناد ضعيف؛ لأن عيسى قال فيه
في التقريب: صدوق ربما أخطأ، وربما دلَّس مكثر من الحديث عن المتروكين،
وعبيدة العمي مجهول الحال. وفرقد السبخي البصري الحائك.
(٢١٢٨) روَاهُ ابنُ ماجَهْ (١٧٨١) عنه.

٥٩٠
***
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
قال الترمذي: تكلم فیه یحیی بن سعید وروی عنه الناس.
قلت: وثقه ابن معين وتكلم فيه غيره. وقال الساجي: قد اختلف فيه وليس
بحجة في الأحكام والسنن.
وقال في ((التقريب)): صدوق عابد، لكنه لين الحديث كثير الخطأ.

***<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<< > *<<<<<<<<<<**
٥٩١
00
فهرس الموضوعات
الموضوع
الصفحة
0
٦ - بَابُ فَضْلِ الصَّدَقَةِ
الفصل الأول
٥
٣٩
الفصل الثاني
٦٨
الفصل الثالث
٧٥
٧٥
٧ - بَابُ أَفْضَلِ الصَّدَقَةِ
الفصل الأول
٩٠
الفصل الثاني
١٠٢
١٠٩
١٠٩
١١٧
الفصل الثالث
٨ - بَابُ صَدَقَةِ الْمَرْأةِ مِنْ مَالِ الزَّوْجِ
الفصل الأول
الفصل الثاني
الفصل الثالث
١٢٠
١٢٢
١٢٢
٩ - بَابُ مَنْ لاَ يَعُودُ في الصَّدَقَةِ - هذا الباب خالٍ عن الفصل الثاني والثالث
الفصل الأول
٧ - كِتَابُ الصَّوْم
الفصل الأول
الفصل الثاني
١٢٨
١٣٠
١٥٠
الفصل الثالث
١٥٤
١٦٧
١٦٧
١ - بَابُ رُؤْيَةِ الْهِلَاَلِ
الفصل الأول
الفصل الثاني
الفصل الثالث
١٩٢
٢ - بَابٌ في مسائل متفرقة من كتاب الصوم
الفصل الأول
٢٠٨
٢١٢
٢١٢

٥٩٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الفصل الثاني
الفصل الثالث
٢٤٦
٢٥١
٢٥١
٣ - بَابُ تَنْزِيهِ الصَّؤْم
الفصل الأول
٢٩٥
الفصل الثاني
٣٢٨
الفصل الثالث
٤ - بَابُ صَوْمِ الْمُسَافِرِ
٣٣٦
٣٣٦
٣٥٦
الفصل الثاني
٣٦١
٣٦٧
٣٦٧
٣٨٣
الفصل الثاني
٣٨٦
الفصل الثالث
٣٨٨
٦ - بَابُ صِيامِ التَّطَوُّعِ
٣٨٨
الفصل الأول
الفصل الثاني
٤٦٠
٤٧٧
٤٩١
الفصل الثالث
٧ - بَابٌ في الإفطار من التطوع
٤٩١
الفصل الأول
٥٠١
الفصل الثاني
٥١٠
الفصل الثالث
٥١٢
٨ - بَابُ لَيْلَةِ الْقَدْرِ
الفصل الأول
٥١٩
٥٣٨
الفصل الثاني
الفصل الثالث
٥٤٥
٥٥٠
٩ - بَابُ الإِعْتِكَافِ
الفصل الأول
٥٥٢
الفصل الثاني
٥٧٠
الفصل الثالث
٥٨٧
فهرس الموضوعات
٥٩١
٢٢٤
الفصل الأول
الفصل الثالث
٥ - بَابُ الْقَضَاءِ
الفصل الأول