Indexed OCR Text
Pages 541-560
٥٤٠ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ ٢١١٣ - [١١] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَّهِ عَنْ لَيْلَةِ الْقَدْرِ، فَقَالَ: ((هِيَ فِي كُلِّ رَمَضَانَ)). [ رَوَاهِ أَبُو دَاوُد] - وَقَالَ: رَوَاهُ سُفْيَانُ وَشُعْبَةُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ مَوْقُوفًا عَلَى ابْنِ عُمَرَ(*). الشرح ٢١١٣ - قوله: (سُئِلَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ عَنْ لَيْلَةِ الْقَدْرِ)، أي: هي في كل السنة أو في رمضان خاصة، أو أهي في كل رمضان أو في هذا بخصوصه. قال القاري: ويؤيده. (فَقَالَ: هِيَ فِي كُلِّ رَمَضَانَ) قال ابن الملك: أي: ليست مختصة بالعشر الأواخر بل كل ليلة من رمضان، يمكن أن يكون ليلة القدر، ولهذا لو قال أحد لا مرأته في نصف رمضان أو أقل: أنت طالق في ليلة القدر، لا تطلق حتى يأتي رمضان السنة القابلة فتطلق في الليلة التي علق فيها الطلاق، انتهى. قال القاري: وكان حقه أن يصور المسألة بقوله: في رمضان فقط، أو يزيد بعد قوله: أو أقل قوله: أو أكثر، ثم هذا التفريع مسألة خلافية في المذهب كما تقدم تحقيقه في أول الباب، وليس أصل الحديث نصًّا في المقصود للاحتمالات المتقدمة. وللاختلاف في رفع الحديث ووقفه. قال الطيبي: الحديث يحتمل وجهين: أحدهما: أنها واقعة في كل رمضان من الأعوام فتختص به، فلا تتعدى إلى سائر الشهور. وثانيهما: أنها واقعة في كل أيام رمضان فلا تختص بالبعض الذي هو العشر الأخير؛ لأن البعض في مقابلة الكل فلا ينافي وقوعها في سائر الأشهر اللَّهُمَّ إلا أن يختص بدليل خارجي، ويتفرع على الوجه الثاني ما إذا علق الطلاق بدخول ليلة القدر في الليلة الثانية من شهر رمضان، فما دونها إلى السلخ فلا يقع الطلاق إلا في السنة القابلة في ذلك الوقت الذي علق الطلاق فيه، بخلاف غرة الليلة الأولى، فإن الطلاق يقع في السلخ، كذا في ((المرقاة)). (٢١١٣) أَبُو دَاوُد (١٣٨٧) عَنْهُ فِيهِ. (*) حَكَاهُ أَبُو دَاوُد. ٥٤١ كِتّاب الصَّوْم بَابُ لَيْلَةِ الْقَدْرِ قلت: استدل بهذا الحديث لما روي عن أبي حنيفة: من أن ليلة القدر ممكنة في جميع ليالي رمضان، لكن الحديث ليس بنص في ذلك كما قال القاري، مع أنه اختلف في رفعه ووقفه، ولو كان الموقوف مرويًّا بهذا اللفظ لم يكن نصًّا أيضًا، والراجح عندي: هو الوجه الأول من الوجهين اللذين ذكرهما الطيبي في معنى الحديث؛ لكثرة الأحاديث الصحيحة الصريحة في كونها مختصة بالعشر الأواخر من رمضان، وتأويل ابن الهمام لهذه الأحاديث بأنَّ المراد في ذلك رمضان الذي كان عليه الصلاة والسلام التمسها فيه بعيد جدًّا، بل هو باطل؛ لأنه لا دليل على ذلك. وليس في سياقاتها ما يدل على ذلك. كما لا يخفى على من تأمل طرقها وألفاظها، ولم أر حديثًا مرفوعًا صحيحًا أو ضعيفًا صريحًا في ما روي عن أبي حنيفة من إمكانها في جميع ليالي رمضان، ولا فيما هو المشهور عنه من إمكانها في جميع السنة . (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) أي: مرفوعًا، وكذا البيهقي (ج ٤ ص٣٠٧) كلاهما من طريق موسى بن عقبة عن أبي إسحاق السبيعي الهمداني، عن سعيد بن جبير عن عبد الله ابن عمر. (وَقَالَ)، أي: أَبُو دَاوُدَ وكذا البيهقي. (رَوَاهُ سُفْيَانُ)، أي: ابن عيينة أو الثوري. (وَشُعْبَةُ)، أي: ابن الحجاج بن الورد العتكي مولاهم أبو بسطام الواسطي ثم البصري، ثقة حافظ متقن، كان الثوري يقول: هو أمير المؤمنين في الحديث، وهو أول من فتش بالعراق عن الرجال وذبَّ عِن السنة وكان عابدًا، مات سنة (١٦٠). (عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ) اسمه عمرو بن عبد الله السبيعي الكوفي، والسبيع بفتح المهملة وكسر الموحدة من همدان، ولد لسنتين بقيتا من خلافة عثمان، مكثر ثقة عابد من أوساط التابعين، اختلط بآخره. وقال ابن حبان: كان مدلسًا، وكذا ذكره في المدلسين حسين الكرابيسي، وأبو جعفر الطبري والجوزجاني مات سنة (١٢٩) وقيل: قبل ذلك، قال المصنف: رأى عليًا وابن عباس وغيرهما من الصحابة، وسمع البراء بن عازب وزيد بن أرقم، روى عنه الأعمش، والثوري وشعبة، وهو تابعي مشهور كثير الرواية. (مَوْقُوفًا عَلَى ابْنِ عُمَرَ)، أي: من قوله، ولم يرفعاه إلى النبي بَّه، وأشار أَبُو دَاوُدَ، وكذا البيهقي بهذا الكلام إلى ترجيح وقفه، وهذا الموقوف رواه ابن أبي شيبة، قال الحافظ في ((الفتح)): بإسناد صحيح. ٥٤٢ مِزْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَضابِيحِ ٢١١٤ - [١٢] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُنَيْسِ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ لِ بَادِيَةً أَكُونُ فِيهَا، وَأَنَا أُصَلِّي فِيهَا بِحَمْدِ اللَّهِ، فَمُرْنِي بِلَيْلَةٍ أَنْزِلُهَا إِلَى هَذَا الْمَسْجِدِ فَقَالَ: ((انْزِلْ لَيْلَةَ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ)). قِيلَ لِاِبْنِهِ: كَيْفَ كَانَ أَبُوَ يَصْنَعُ؟ قَالَ: كَانَ يَدْخُلُ الْمَسْجِدَ، إِذَا صَلَّى الْعَصْرَ فَلَا يَخْرُجُ مِنْهُ لِحَاجَةٍ، حَتَّى يُصَلَِّ الصُّبْحَ، فَإِذَا صَلَّى الصُّبْحَ وَجَدَ دَابَتَهُ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ، فَجَلَسَ عَلَيْهَا وَلَحِقَ بِبَادِیَتِهِ. [رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ] الشرح ٢١١٤- قوله: (وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أُنَيْسٍ) بالتصغير مخففًّا. (إِنَّ لِي بَادِيَةً أَكُونُ)، أي: ساكنًا. (فِيْهَا) قال مَيْرَك: المراد بالبادية: دار إقامة بها، فقوله: ((إِنَّ لِي بَادِيَةً))، أي: إن لي دارًا ببادية أو بيتًا أو خيمة هناك، واسم تلك البادية الوطاءة كذا في ((المرقاة)). (وَأَنَا أُصَلِّ فِيْهَا بِحَمْدِ اللهِ)، أي: ولكن أريد أن أعتكف أو أريد أن أدرك ليلة القدر. (فَمُرْنِي) أمر من أمرِ مخففًا. (بِلَيْلَةٍ) زاد في ((المصابيح)): ((من هذا الشهر))، يعني: شهر رمضان. (أَنْزِلُهَا) بالرفع على أنه صفة. وقيل: بالجزم على جواب الأمر، أي: أنزل تلك الليلة من النزول بمعنى الحلول. وقال الطيبي: أي: أنزل فيها قاصدًا أو منتهيًا. (إِلَى هَذَا الْمَسْجِدِ)؛ إشارة إلى المسجد النبوي وقصد إلى حيازة فضيلتي الزمان والمكان. (انْزِلْ لَيْلَةَ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ) فتدرك ليلة القدر، وقد سبق منَّا أنَّ الظاهر أن هذا الأمر كان لتلك السنة خاصة، لكنه رَو ◌ْتَهُ حمله على العموم. (قِيْلَ لِاِبْنِهِ)، أي: ضمرة، وقيل: عمرو. قال الحافظ في ((التقريب)) و((تهذيب التهذيب)): ابن عبد الله ابن أنيس عن أبيه في التماس ليلة القدر هو ضمرة، وقيل: عمرو. وقال في ((الإصابة)): في القسم الرابع من حرف الجيمٍ في ترجمة جحش الجهني بعد الإشارة إلى هذا الحديث، ما لفظه: وابن عبد الله اسمه ضمرة سماه الزهري في روايته لهذا الحديث. وقال في ترجمة ضمرة هذا من ((تهذيبه)): ذكره ابن حبان في (٢١١٤) أَبُو دَاوُد (١٣٨٠) عَنْهُ فِيهِ . كِتّابُ الصَّوْمِ بَابٌ لَيْلَةِ الْقَدْرِ ٥٤٣ ((الثقات)) أخرج له أَبُو دَاوُدَ والنسائي حديثًا واحدًا في ذكر ليلة القدر. وقال في ((التقريب)) في ترجمة ضمرة وعمرو: كليهما مقبول من أوساط التابعين، والقائل له: هو محمد بن إبراهيم ابن الحارث التيمي التابعي الثقة، شيخ محمد بن إسحاق صاحب ((المغازي)). (كَيْفَ) في ((سنن أبي داود)): ((فكيف)) وكذا عند البيهقي. (كَانَ أَبُوَ)، أي: عبد الله بن أنيس. (يَصْنَعُ)، أي: في نزوله. (إِذَا صَلَّى الْعَصْرَ)، أي: يوم الثاني والعشرين من رمضان. (فَلَا يَخْرُجُ مِنْهُ لِحَاجَةٍ)، أي: من الحاجات الدنيوية؛ اغتنامًا للخيرات الأخروية أو لحاجة غير ضرورية. قال الطيبي: كذا في ((سنن أبي داود)) و((جامع الأصول))، وفي ((شرح السنة)) و((المصابيح)): فلم يخرج إلا في حاجة، والتنكير في حاجة للتنويع، فعلى الأول لا يخرج لحاجة منافية للاعتكاف كما سيجيء في باب الاعتكاف في حديث عائشة، وعلى الثاني فلا يخرج إلا في حاجة يضطر إليها المعتكف، انتهى. (حَتَّى يُصَلِّيَ الصُّبْحَ) يشير إلى أنها ليلة القدر. (وَلَحِقَ) في ((سنن أبي داود)) والبيهقي: فلحق. وقد روى مالك عن أبي النضر مولى عمر بن عبيد الله بن عبد الله بن أنيس الجهني، قال لرسول اللَّه مَ ل: يا رسول الله، إني رجل شاسع الدار فمرني ليلة أنزل لها، فقال له رسول اللَّه ◌َثه: ((انْزِلْ لَيْلَةَ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ مِنْ رَمَضَانَ))، قال ابن عبد البر: يقال: ليلة الجهني معروفة بالمدينة ليلة ثلاث وعشرين، وحديثه هذا مشهور عند عامتهم وخاصتهم. وروى ابن جريج هذا الخبر لعبد الله بن أنيس. وقال في آخره: فكان الجهني يمسي تلك الليلة - يعني: ثلاث وعشرين - في المسجد فلا يخرج منه حتى يصبح، ولا يشهد شيئًا من رمضان قبلها ولا بعدها ولا يوم فطر، انتهى. وقد ذهب إلى كون ليلة القدر ليلة ثلاث وعشرين جماعة من الصحابة والتابعين . قال الحافظ: روى ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عن معاوية، قال: ليلة القدر ليلة ثلاث وعشرين، ورواه إسحاق في ((مسنده)) من طريق أبي حازم عن رجل من بني بياضة له صحبة مرفوعًا، وروى عبد الرزاق عن معمر عن أيوب عن نافع عن ابن عمر مرفوعًا: ((مَنْ كَانَ مُتَحَرِّيَهَا فَلْيَتَحَرَّهَا لَيْلَةَ سَابِعَة))، قال: وكان أيوب يغتسل ليلة ثلاث وعشرين، ويمس الطيب، وعن ابن جريج عن عبيد الله بن أبي يزيد عن ٥٤٤ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ ابن عباس أنه كان يوقظ أهله ليلة ثلاث وعشرين، وروى عبد الرزاق من طريق يونس بن سيف سمع سعيد بن المسيب يقول: استقام قول القوم على أنها ليلة ثلاث وعشرين، ومن طريق إبراهيم عن الأسود عن عائشة ومن طريق مكحول أنه كان يراها ليلة ثلاث وعشرين، انتهى. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) وكذا البيهقي (ج ٤ ص٣٠٩، ٣١٠) كلاهما من طريق محمد بن إسحاق حدثني محمد بن إبراهيم عن ابن عبد الله بن أنيس الجهني عن أبيه. وقد صرح محمد بن إسحاق بالتحديث فحديثه هذا صحيح، ورواه أيضًا الطبراني في ((الكبير)) لكنه قال: عن عبد الله بن جحش عن أبيه. قال الحافظ في ((الإصابة)): (ج ١ ص ٢٦٧) هو خطأ سقط عن الإسناد ابن وأبدل جحش بأنيس، انتهى. ورواه البيهقي (ج٤ ص٣٠٩) أيضًا من طريق عبد الرحمن بن كعب بن مالك عن عبد الله ابن أنيس، وأصل هذا الحديث في مسلم من طريق بسر بن سعيد عن عبد الله بن أنيس كما تقدم في الفصل الأول، وأخرجه أبويعلى من حديث أنس كما في ((مجمع الزوائد)) (ج ٣ص١٧٦). كِتّاب الصَّوْم بَابُ ليْلَةِ الْقَدْرِ ٥٤٥ الفصل الثالث ٢١١٥ - [١٣] عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: خَرَجَ النَّبِيُّ ◌َّهُ لِيُخْبِرَنَا ◌ِلَيْلَةِ الْقَدْرِ، فَتَلَاحَى رَجُلَانٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ؛ فَقَالَ: ((خَرَجْتُ لِأُخْبِرَكُمْ بِلَيْلَةِ الْقَدْرِ ، فَتَلَاحَى فُلَانٌ وَفُلَانٌ، فَرُفِعَتْ وَعَسَى أَنْ يَكُونَ خَيْرًا لَكُمْ، فَالْتَمِسُوهَا فِي التَّاسِعَةِ، وَالسَّابِعَةِ، وَالْخَامِسَةِ)). [رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ] (صحيح} الشرح ٢١١٥ - قوله: (خَرَجَ النَّبِيُّ ◌َلَهَ)، أي: من حجرته. (لِيُخْبِرَنَا) بنصب الراء بأن مقدرة بعد لام التعليل. (بِلَيْلَةِ الْقَدْرِ)، أي: بتعيينها. (فَتَلَاحَى) بفتح الحاء المهملة، أي: تنازع وتخاصم، وفي حديث أبي سعيد عند مسلم: ((فجاء رجلان يختصمان معهما الشيطان))، ونحوه في حديث الفلتان عند ابن إسحاق، وزاد: أنه لقيهما عند سدة المسجد فحجز بينهما)) فاتفقت هذه الأحاديث على سبب النسيان، وروى مسلم أيضًا عن أبي هريرة أن رسول اللّه مح له قال: ((أُرِيتُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ ثُمَّ أَيْقَظَنِي بَعْضُ أَهْلِي فَنُسِّيْتُهَا))، وهذا سبب آخر. فأمَّا أن يحمل على التعدد؛ بأنْ تكون الرؤيا في حديث أبي هريرة منامًا فيكون سبب النسيان الإيقاظ، وأن تكون الرؤيا في حديث غيره في اليقظة فيكون سبب النسيان ما ذكر من المخاصمة، أو يحمل على اتحاد القصة، ويكون النسيان وقع مرتين عن سببين، ويحتمل أن يكون المعنى: أيقظني بعض أهلي فسمعت تلاحي الرجلين فقمت لأحجز بينهما فنسيتها للاشتغال بهما. وقد روى عبد الرزاق من مرسل سعيد بن المسيب أنه مج لّه قال: ((أَلَا أُخْبِرُ بِلَيْلَةِ الْقَدْرِ))، قالوا: بلى، فسكت ساعة ثم قال: (لَقَدْ قُلْتُ لَكُمْ وَأَنَا أَعْلَمُ ثُمَّ أُنْسِيتُهَا))، فلم يذكر سبب النسيان وهو مما يقوي الحمل على التعدد، انتهى كلام الحافظ. (رَجُلَانٍ)، قيل: هما عبد الله بن أبي حدرد، وكعب بن مالك، أي: وقعت بينهما منازعة ومخاصمة، والظاهر: أنَّها التي كانت في الدَّيْنِ الذي للأول (٢١١٥) رَوَاهُ الْبُخَارِي (٢٠٢٣) في الصيام عنه . ٥٤٦ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ على الثاني، فأمره عليه الصلاة والسلام بوضع شطر دينه عنه فوضعه، ذكره ابن حجر. وقال الحافظ: قيل: الرجلان هما: عبد الله بن أبي حدرد، وكعب بن مالك، ذكره ابن دحية ولم یذکر له مستندًا. (فَرُفِعَتْ) بصيغة المجهول، أي: رفع بيانها، أو علمها من قلبي فنسيت تعيينها للاشتغال بالمتخاصمين. وقيل: المعنى: رفعت بركتها في تلك السنة. وقيل: التاء في رفعت للملائكة لا لليلة. وقال الطيبي: قال بعضهم: رفعت، أي: معرفتها لتلاحي الناس، والحامل له على ذلك أن رفعها مسبوق بوقوعها وحصولها، فإذا حصلت لم يكن لرفعها معنى، قال: ويمكن أن يقال: المراد برفعها أنها شرعت أن تقع فلما تخاصما رفعت بعد، فنزل الشروع منزلة الوقوع، وإذا تقرر أن الذي ارتفع عِلْمٌ تعيينها تلك السنة، فهل أَعْلِم النبي وَّ بعد ذلك بتعيينها؟ فيه احتمال؟ وقد روي عن ابن عيينة أنه أعلم، وروى محمد بن نصر من طريق وهب المغافري أنه سأل زينب بنت أم سلمة: هل كان رسول اللّه وَلَه يعلم ليلة القدر؟ فقالت: لا، لو علمها لما أقام الناس غيرها. قال الحافظ: وهذا قالته احتمالًا وليس بلازم؛ لاحتمال أن يكون التعبد وقع بذلك أيضًا، فيحصل الاجتهاد في جميع العشر كما تقدم، وقال العيني: الذي قالته زينب إنما قالته احتمالاً، وهذا لا ينافي علمه بذلك، واستنبط السبكي الكبير من هذه القصة استحباب كتمان ليلة القدر لمن رآها؛ لأنَّ اللَّه قدر لنبيه أنه لم يخبر بها، والخير كله فيما قدره له، فيستحب اتباعه في ذلك، انتهى. قال الباجي: قد یذنب البعض فتتعدی عقوبته إلى غيره فيجزى به من لا سبب له في الدنيا، وأمَّا في الآخرة ﴿وَلَا نَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أَخْرَى﴾ [الإسراء: ١٥]، ج انتهى. وقد روي في هذا أحاديث كثيرةً لا تخفى على طالب الحديث. (وَعَسَى أَنْ يَكُونَ)، أي: رفع تعيينها . (خَيْرًا لَكُمْ)، حيث يحتكم على الاجتهاد في جميع ليالي العشر الأواخر. قال ابن بطال: يريد أن البحث عنها والطلب لها بكثير من العمل هو خير من هذه الجهة. وقال ابن التين: لعلَّه يريد أنه لو أخبرهم بعينها لأقلوا من العمل في غيرها وأكثروه فيها، وإذا غيبت عنهم أكثروا العمل في سائر الليالي رجاء موافقتها. وقال الحافظ: أي: وإن كان عدم الرفع أزيد خيرًا وأولى منه؛ لأنه متحقق فيه لكن في الرفع خير مرجو لاستلزامه مزيد الثواب؛ لكونه سببًّا لزيادة الاجتهاد في التماسها، وإنما حصل ذلك ببركة الرسول وَله. (فَالْتَمِسُوهَا)، أي: اطلبوا ليلة القدر. (فِي كِتّابُ الصَّوْمِ EXE X: بَابُ لَّيْلَةِ الْقَدْرِ ٥٤٧ التَّاسِعَةِ)، أي: الباقية وهي التاسعة والعشرون. وقال ابن حجر: أي: في التاسعة من آخر الشهر، وهي الليلة الحادية والعشرون. (وَالسَّابِعَةِ وَالْخَامِسَةِ) على ما تقدم . وقال الحافظ: يحتمل أن يريد بالتاسعة تاسع ليلة من العشر الأخير، فتكون ليلة تسع وعشرين، ويحتمل أن يريد بها تاسع ليلة تبقى من الشهر، فتكون ليلة إحدى أو اثنين بحسب تمام الشهر ونقصانه، ويرجح الأول قوله في الرواية الماضية في كتاب الإيمان. بلفظ: ((الْتَمِسُوهَا فِي التِّسْعِ وَالسَّبْعِ وَالْخَمْسِ))، أي: في تسع وعشرين وسبع وعشرين وخمس وعشرين، وفي روايةً لأحمد (ج٥ص٣١٩): ((فِي تَاسِعَةٍ تَبْقَى))، انتهى. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) في الصوم وفي الإيمان، وأخرجه أيضًا أحمد (ج٥ص٣١٣ - ٣١٩) والدارمي والبيهقي (ج ٤ ص٣١١) كلهم من رواية حميد عن أنس عن عبادة، ورواه مالك فقال: عن حميد عن أنس، قال: خرج علينا، ولم يقل: عن عبادة، فجعل الحديث من مسند أنس، قال ابن عبد البر: والصواب إثبات عبادة، وأنَّ الحديث من مسنده. ٢١١٦ - [١٤] وَعَنْ أَنَس قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((إِذَا كَانَ لَيْلَةُ الْقَدْرِ نَزَلَ جِيْرِيلُ عَّ فِي كُبْكُبَةٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ يُصَلُّونَ عَلَى كُلِّ عَبْدٍ قَائِمِ، أَوْ قَاعِدٍ يَذْكُرُ اللَّهَ رَنَ، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ عِيدِهِمْ - يَعْنِي : يَوْمَ فِطْرِهِمْ - بَاهَىَّ بِهِمْ مَلَائِكَتَهُ فَقَالَ: يَا مَلَائِكَتِي، مَا جَزَاءُ أَجِيرٍ وَفَّى عَمَلَهُ؟ قَالُوا: رَبَّنَا جَزَاؤُهُ أَنْ يُوفَّى أَجْرَهُ. قَالَ: مَلَائِكَتِي، عَبِيدِي وَإِمَائِيَّ قَضَوْا فَرِيضَتِي عَلَيْهِمْ، ثُمَّ خَرَجُوا يَعُجُّونَ إِلَى الدُّعَاءِ، وَعِزَّتِي وَجَلَالِي وَكَرَمِي، وَعَلُوُّي، وَارْتِفَاعِ مَكَانِي لَأَجِيبَّهُمْ. فَيَقُولُ: ارْجِعُوا قَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ وَبَدَّلْتُ سَيِّئَاتِكُمْ حَسَنَاتٍ. قَالَ: [رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ اْإِيمَانِ] ((فَيَرْجِعُونَ مَغْفُورًا لَهُمْ)). الشرح ٢١١٦ - قوله: (إِذَا كَانَ لَيْلَةُ الْقَدْرِ نَزَلَ جِبْرِيلُ عَلََّ فِي كُبْكُبَةٍ) بضمتين. (٢١١٦) البَيْهَقِي (٣٧١٧) في ((الشُّعَب)) عنه. ٥٤٨ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ وقيل: بفتحتين جماعة متضامة من الناس وغيرهم على ما في ((النهاية)). (مِنَ الْمَلَائِكَةِ)، فيه: إشارة إلى قوله تعالى: ﴿نَزَّلُ الْمَلَبِكَةُ وَالرُّوحُ﴾ [القدر: ٤] وإيماء إلى تفسير الروح بجبريل، فيكون من باب التخصيص المشعر بتعظيمه. (يُصَلَّونَ عَلَى كُلُّ عَبْدٍ)، أي: يدعون لكلِّ عبد بالمغفرة، أو يثنون على كلِّ عبد بالثناء الجميل. (قَائِم) كمصل وطائف وغيرهم. (أَوْ قَاعِدٍ يَذْكُرُ اللَّهَ وَاتْ) صفة لـ((كُلِّ). (يَعْنِي: يَوْمَ فِطْرِهِمْ)؛ احتراز من عيد الأضحى. (بَاهَى)، أي: اللَّه تعالى. (بِهِمْ مَلَائِكَتَهُ)، في (النهاية)): المباهاة المفاخرة. والسبب فيها اختصاص الإنسان بهذه العبادات التي هي الصوم، وقيام الليل وإحياؤه بالذكر وغيره من العبادات، وهي غبطة الملائكة، ثم الأظهر أنَّ هذه المباهاة مع الملائكة الذين طعنوا في بني آدم، فيكون بيانًا لإظهار قدرته وإحاطة علمه، قاله القاري. (يَا مَلَائِكَتِي)؛ إضافة تشريف. (وَقَّي) بالتشديد وتخفف. (رَبَّنَا) بالنصب على النداء. (جَزَاؤُهُ أَنْ يُوَفَّى) بصيغة المجهول مشددًا ومخففًا. (أَجْرَهُ)، أي: أجر عمله بالنصب، وقيل: بالرفع، قال: (مَلَائِكَتِي) بحذف حرف النداء. (عَبِيدِي وَإِمَائِي) بكسر الهمزة جمع أمة، بمعنى الجارية. (قَضَوْا)، أي: أدوا. (فَرِيضَتِي)، أي: المختصة المخصومه بي، وهي الصوم الشَّاق. (عَلَيْهِمْ ثُمَّ خَرَجُوا) من بيوتهم إلى مصلَّى عيدهم. (يَعُجُّونَ) يضم العين وتكسر وبالجيم المشددة من عَجَّ يَعُجُّ عَجًّا وعجيجًا، صاح ورفع صوته. (إِلَى الدُّعَاءِ)، أي: يرفعون أصواتهم بالذكر والثناء متوجهين، أو منتهين إلى الدعاء بالمغفرة لذنوبهم. وقيل: أي: يرفعون أصواتهم وأيديهم إلى الدعاء. (وَعِزَّتِي) ذاتًا. (وَجَلَالِي) صفة. (وَكَرَمِي) فعلًا. (وَعُلُّوِّي) في الجميع. (وَارْتِفَاعِ مَكَانِي)، أي: مكانتي ومرتبتي من قدرتي وإرادتي عن شوائب النقصان، وحوادث الزمان والمكان، فهو تسبيح بعد تحمید وتقدیس بعد تمجيد، قاله القاري. وقال الطيبي: ارتفاع المكان كناية عن عظمة شأنه وعلو سلطانه، وإلا فاللَّه تعالى منزَّه عن المكان وما ينسب إليه من العلو والسفل، انتهى. قلت: قد اتَّفق أهل السنة والجماعة على أن اللَّه تعالى مستوٍّ على عرشه وعرشه فوق السماوات السبع، والاستواء هو الارتفاع والعلو فالله تعالى عال على عرشه بائن من خلقه، وعلمه وقدرته في كلِّ مكان، وكيفية استوائه مجهولة، ليس كمثله شيء، وارجع إلى كتاب ((العلو)) للذهبي، وكتاب ((الأسماء والصفات)) كِتّابُ الصَّوْمِ بَابُ لَيْلَةِ الْقَدْرِ ٥٤٩ للبيهقي، وإلى ما كَتَبَ في مسألة الاستواء على العرش شيخ الإسلام تقي الدين ابن تيمية. (لَأَجِيْبَنَّهُمْ)، أي: لأقبلن دعوتهم. (فَيَقُولُ)، أي: اللَّه تعالى حينئذٍ. (ارْجِعُوا)، أي: من مصلاكم إلى مساكنكم. (قَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ)، أي: التقصيرات. (وَبَدَّلْتُ سَيِّئَاتِكُمْ حَسَنَاتٍ)، بأن يكتب بدل كل سيئة حسنة في صحائف الأعمال، فضلاً من اللَّه الملك المتعال، وهو يحتمل أن يعمَّ الصائمين، ويحتمل أنْ يكون الغفران للعاصين، والتبديل للمطيعين التائبين، وهو أظهر لقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَبِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ [الفرقان: ٧٠]. (قَالَ)، أي: النبي ◌َّ. (فَيَرْجِعُونَ)، أي: جميعهم حال كونهم. (مَغْفُورًا لَهُمْ رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيْمَانِ)، وأخرجه ابن حبان في الضعفاء مطولًا، وفيه أصرم بن حوشب قاضي همدان. قال يحيى: كذاب خبيث. وقال البخاري ومسلم والنسائي: متروك الحديث. وقال الدارقطني: منكر الحديث. وقال ابن حبان: كان يضع الحديث على الثقات. وقال الحاكم والنقاش: يروي الموضوعات، وأخرجه ابن شاهين في ((الترغيب))، والعقيلي في ((الضعفاء)) من طريق عباد بن عبد الصمد عن أنس وعباد هذا. قال الذهبي: إنه واه. وقال البخاري: منكر الحديث. وقال أبوحاتم: عباد ضعيف جدًّا. وقال العقيلي: يروي عن أنس نسخة عامتها مناكير. وقال الذهبي: بعد الاشارة إلى هذا الحديث من رواية العقيلي : هذا حديث طويل يشبه وضع القصاص، وأخرجه أيضًا الديلمي من طريق أبان عن أنس. قال السيوطي: وأبان متروك، وله شاهد من حديث ابن عباس ذكره المنذري في ((الترغيب)). وقال: رواه أبو الشيخ ابن حبان في كتاب ((الثواب)) والبيهقي. قال المنذري: ولیس في إسناده من أجمع على ضعفه. ٥٥٠ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ ٩ - بَابُ الإعتِكَافِ (بَابُ الإِعْتِكَافِ) هو في اللغة: لزوم الشيء وحبس النفس عليه، والاقامة والإقبال عليه، واللبث والمكث مطلقًا، أي: في أي موضع كان. وفي الشرع: عبارة عن المكث في المسجد، ولزومه على وجه مخصوص، وهو افتعال من عكف على الأمر، أي: لزمه مواظبًا عليه وعكفه على الأمر، أي: حبسه عليه وألزمه به. قال الراغب: العكوف: الإقبال على الشيء وملازمته على سبيل التعظيم له، وفي الشرع هو: الاحتباس في المسجد على سبيل القربة، ويقال: عكفته على كذا، أي: حسبته عليه. وقال الجوهري: عكفه أي: حبسه يعكفه - بضم عينها وكسرها - عكفًا، وعكف على الشيء يعكف عكوفًا، أي: أقبل عليه مواظبًا، يستعمل لازمًا فمصدره عكوف، ومتعديًا فمصدره عكف. وقال ابن قدامة: الاعتكاف في اللغة: لزوم الشيء وحبس النفس عليه برًّا كان أو غيره، ومنه قوله تعالى: ﴿مَا هَذِهِ التَّمَاثِلُ الَّ أَنْتُمْ لَا عَاكِفُونَ﴾ [الأنبياء: ٥٢]، وقال: يعكفون على أصنام لهم. قال الخليل: عكف يعكف ويعكف وهو في الشرع الإقامة في المسجد على صفة يأتي ذكرها. وقال القسطلاني: هو لغة: اللبث والحبس والملازمة على الشيء خيرًا كان أو شرًّا؛ قال تعالى: ﴿وَلَا تُبَشِرُوهُنَ وَأَنْتُمْ عَلَكِفُونَ فِىِ الْمَسَجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧] وقال: ﴿فَأَتَوَّأْ عَلَى قَوْمٍ يَعَّكُفُونَ عَلَى أَصْنَاءٍ لَّهُمْ﴾ [الأعراف: ١٣٨]، وشرعًا: اللبث في المسجد من شخص مخصوص بنيته، انتهى. قال الحافظ: وليس بواجب إلا على من نذره، وكذا من شرع فيه فقطعه عامدًا عند قوم. وقال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أنَّ الاعتكاف سنة لا يجب على الناس فرضًا إلّا أن يوجب المرء على نفسه الاعتكاف نذرًا فيجب عليه . وقال ابن رشد: الاعتكاف مندوب إليه بالشرع واجبٌ بالنذر، ولا خلاف في ذلك إلا ما روي عن مالك أنه كره الدخول فيه مخافة أن لا يوفي شرطه، قلت: كِتّابُ الصَّؤْمِ بَابُ الإِعْتِكافِ EXDE " ٥٥١ حكى الحافظ في ((الفتح)) عن ابن نافع، عن مالك أنه قال: فكرت في الاعتكاف وترك الصَّحابة له مع شدة اتّباعهم للأثر، فوقع في نفسي أنه كالوصال وأراهم تركوه لشدته، ولم يبلغني عن أحد من السلف أنه اعتكف إلا عن أبي بكر بن عبد الرحمن، انتهى. ومن كلام مالك أخذ بعض أصحابه: أنَّ الاعتكاف جائز وأنكر ذلك عليهم ابن العربي، وقال: إنه سنة مؤكدة، وكذا قال ابن بطال: في مواظبة النبي ◌َّ ما يدل على تأكده. وقال أَبُو دَاوُدَ عن أحمد: لا أعلم عن أحد من العلماء خلافًا أنه مسنون. وقد تعقب الحافظ قول مالك: أنه لم يعتكف من السلف إلا أبوبكر بن عبد الرحمن، وقال: لعلَّه أراد صفة مخصوصة وإلا فقد حكى عن غير واحد من الصحابة أنه اعتکف، انتھی. وقال القدوري من الحنفية: الاعتكاف مستحب. وقال صاحب ((الهداية)): والصحيح أنه سنة مؤكدة؛ لأن النبي وَّر واظب عليه في العشر الأواخر من رمضان. قال ابن الهمام: والحق خلاف كل من الاطلاقين، وهو أن يقال: الاعتكاف ينقسم إلى واجب وهو المنذور؛ تنجيزًا أو تعليقًا وإلى سنة مؤكدة، أي: سنة كفاية؛ لاقترانها بعدم الإنكار على من لم يفعله من الصحابة، وهو اعتكاف العشر الأواخر من رمضان، وإلى مستحب وهو ما سواهما. ٥٥٢ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَضابِيحِ الفصل الأول ٢١١٧ - [١] وَعَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ النَّبِيِّ نَّهَ كَانَ يَعْتَكِفُ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ] مِنْ رَمَضَانَ، حَتَّى تَوَقَّهُ اللَّهُ، ثُمَّ اعْتَكَفَ أَزْوَاجُهُ مِنْ بَعْدِهِ. الشرح ٢١١٧ - قوله: (كَانَ يَعْتَكِفُ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ حَتَّى تَوَفَّاهُ اللهُ)، وفي رواية: ((حتَّى قبضه الله)). قال السندي: يمكن أن يكون ذلك بعد ما أُري ليلة القدر في العشر الأخير، وهو لا ينافي اعتكاف العشر الأوسط قبل ذلك، فلا ينافي ما سبق من حديث أبي سعيد، انتهى. ويؤيد هذا الجمع ما روي عن أم سلمة أن النبي ◌َّ اعتكف أول سنة العشر الأول، ثمَّ اعتكف العشر الوسطى، ثمَّ اعتكف العشر الأواخر، وقال: ((إِنِّي رَأَيْتُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِيْهَا فَأُنْسِيتُهَا))، فلم يزل رسول الله وَلِّ يعتكف فيهنَّ حتَّى توفي ◌َّ، ذكره الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) (ج٢ ص٧٣) وعزاه للطبراني في «الكبير»، وقال: إسناده حسن. وفي الحديث: دليلٌ على أنَّ الاعتكاف لم ينسخ، وأنه من السنن المؤكدة في العشر الأواخر من رمضان؛ لتخصيصه وي ثير ذلك الوقت بالمواظبة على اعتكافه. قال ابن الهمام: هذه المواظبة المقرونة بعدم الترك مرة لما اقترنت بعدم الإنكار على من لم يفعله من الصحابة كانت دليل السُّنيَّة وإلا كانت دليل الوجوب، أو نقول: اللفظ، وإن دل على عدم الترك ظاهرًا، لكن وجدنا صريحًا يدل على الترك وهو ما في ((الصحيحين)) وغيرهما: كان وَّ يعتكف في كلِّ رمضان، فإذا صلى الغداة حلَّ مكانه الذي اعتكف فيه، فاستأذنته عائشة أن تعتكف فأذن لها فضربت فيه قبة، فسمعت بها حفصة فضربت فيه قبة، فسمعت زينب فضربت فيه قبة أخرى، فلمَّا انصرف النبي ◌ََّ من الغداة أبصر أربع قباب، فقال: ((مَا هَذَا؟))، (٢١١٧) الْبُخَارِي (٢٠٢٦)، ومُسْلِم (١١٧٢/٥)، وأَبُو دَاوُد (٢٤٦٢)، والنَّسَائِي في ((الكُبرى)) (٣٣٣٦) فيها . ٥٥٣ كِتّاب الصَّوْم بَابُ الإِعْتِكافِ فأخبر خبرهن فقال: «مَا حَمَلَهُنَّ عَلَى هَذَا؟ الْبِرُّ؟ انْزِعُوهَا))، فنزعت فلم يعتكف في رمضان حتى اعتكف في آخر العشر من شوال، وفي رواية: حتى اعتكف العشر الأول من شوال. (ثُمَّ اعْتَكَفَ أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ)، أي: من بعد موته؛ إحياء لسنَّته وإبقاءً لطريقته. فيه: دليل على أنَّ الاعتكاف ليس من الخصائص، وأنَّ النساء كالرجال في الاعتكاف، وقد كان نَالِّلُ أذن لبعضهن كما تقدم. وأمَّا إنكاره عليهن الاعتكاف بعد الإذن فلمعنى آخر. فقيل: خوف أن يكن غير مخلصات في الاعتكاف، بل أردن القرب منه لغيرتهن عليه، أو ذهاب المقصود من الاعتكاف، بكونهن معه في المعتكف، أو لتضييقهن المسجد بأبنيتهن. قال النووي: في هذا الحديث دليل لصحة اعتكاف النساء؛ لأنه ◌َ له كان أذن لهن، ولكن عند أبي حنيفة إنما يصح اعتكاف المرأة في مسجد بيتها، وهو الموضع المهيأ في بيتها لصلاتها، قال: ولا يجوز للرجل في مسجد بيته. ومذهب أبي حنيفة قول قديم للشافعي، ضعيف عند أصحابه، انتهى. وقال العيني: قال أصحابنا: المرأة تعتكف في مسجد بيتها، وبه قال النخعي والثوري وابن علية، ولا تعتكف في مسجد جماعة ذكره في الأصل، وفي ((منية المفتى)) لو اعتكفت في المسجد جاز، وفي ((المحيط)): روى الحسن عن أبي حنيفة جوازه وكراهته في المسجد، وفي ((البدائع)): لها: أن تعتكف في مسجد الجماعة في رواية الحسن عن أبي حنيفة، ومسجد بيتها أفضل لها من مسجد حيِّها، ومسجد حيِّها أفضل لها من المسجد الأعظم، انتهى. وقال الحافظ: قد أطلق الشافعي كراهته لهنَّ في المسجد الذي تصلي فيه الجماعة، واحتجَّ بحديث الباب، يعني: حديث عائشة الذي تقدم في كلام ابن الهمام، فانَّه دالٌ على كراهة الاعتكاف للمرأة إلا في مسجد بيتها؛ لأنَّها تتعرض لكثرة من يراها، وشرط الحنفية لصحّة اعتكاف المرأة أنْ تكون في مسجد بيتها . وفي رواية لهم: إنَّ لها الاعتكاف في المسجد مع زوجها، وبه قال أحمد، انتهى. وقال ابن قدامة (ج٣ ص ١٩٠): وللمرأة أن تعتكف في كلِّ مسجد، ولا يشترط إقامة الجماعة فيه؛ لأنها غير واجبة عليها، وبهذا قال الشافعي: وليس لها ٥٥٤ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَضَابِيحِ الاعتكاف في بيتها. وقال أبو حنيفة والثوري: لها الاعتكاف في مسجد بيتها، واعتكافها فيه أفضل؛ لأنَّ صلاتها فيه أفضل، وحكي عن أبي حنيفة أنَّها لا يصح اعتكافها في مسجد الجماعة؛ لأنَّ النبي ◌َله ترك الاعتكاف في المسجد، لما رأى أبنية أزواجه فيه؛ ولأنَّ مسجد بيتها موضع فضيلة صلاتها، فكان موضع اعتكافها كالمسجد في حقِّ الرجل، ولنا قوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ عَلَكِّفُونَ فِى الْمَسَجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧]. والمراد به: المواضع التي بنيت للصلاة فيها وموضع صلاتها في بيتها ليس بمسجد؛ لأنَّه لم يبن للصلاة فيه وإن سمِّى مسجدًا كان مجازًا، فلا يثبت له أحكام المساجد الحقيقية؛ ولأنَّ أزواج النبي ◌َّله استأذنه في الاعتكاف في المسجد فأذن لهن، ولو لم يكن موضعًا لاعتكافهنَّ لما أذن فيه، ولو كان الاعتكاف في غيره أفضل؛ لدلهنَّ عليه ونبهنَّ عليه؛ ولأنَّ الاعتكاف قربة يشترط لها المسجد في حقِّ الرجل، فيشترط في حق المرأة كالطواف. وحديث عائشة حجَّة لنا لما ذكرنا، وإنما كره اعتكافهنَّ في تلك الحال، حیث کثرن أبنيتهن لما رأى من منافستهن، فكرهه منهن؛ خشية عليهن من فساد نيتهن؛ ولذلك ترك الاعتكاف لظنه إنهنَّ يتنافسن في الكون معه، ولو كان للمعنى الذي ذكروه لأمرهن بالاعتكاف في بيوتهنَّ، ولم يأذن لهنَّ في المسجد. وأمّا الصلاة فلا يصح اعتبار الاعتكاف بها، فإنَّ صلاة الرجل في بيته أفضل ولا يصح اعتكافه فيه، انتهى. وقال ابن رشد: أمَّا سبب اختلافهم في اعتكاف المرأة فمعارضة القياس للأثر، وذلك أنه ثبت أنه ◌َ ل ◌ّ أذن لبعض أزواجه في الاعتكاف في المسجد، فكان هذا دليلًا على جواز اعتكاف المرأة في المسجد، وأمَّا القياس المعارض لهذا، فهو قياس الاعتكاف على الصلاة، وذلك أنه لما كانت صلاة المرأة في بيتها أفضل منها في المسجد على ما جاء الخبر وجب أن يكون الاعتكاف في بيتها أفضل، قالوا: وإنما يجوز للمرأة أن تعتكف في المسجد مع زوجها فقط على نحو ما جاء في الأثر من إذنه وَّ لعائشة في الاعتكاف معه، وكأنه نحو من الجمع بين القياس والأثر، انتھی بتغییر یسیر . (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وأخرجه أيضًا أحمد والترمذي وأَبُو دَاوُدَ والنسائي في الكبرى والدار قطني (ص٢٤٧) والبيهقي (ج٤ ص٣١٥). كِتّابُ الصَّؤْم بَابُ الإِعْتِكافِ ٠۵۵ ٢١١٨ - [٢] وعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِ أَجْوَدَ النَّاسِ بِالْخَيْرِ، وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَّمَضَانَ، كَانَ جِبْرِيلُ يَلْقَاهُ كُلَّ لَيْلَةٍ فِي رَمَضَانَ، يَعْرِضُ عَلَيْهِ النَّبِيُّ وَّهِ الْقُرْآنَ، فَإِذَا لَقِيَهُ جِبْرِيلُ كَانَ أَجْوَدَ بِالْخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ. [مُتَّفَقٌ عَلَیْهِ] الشرح ٢١١٨- قوله: (أَجْوَدَ النَّاسِ) بنصب أجود؛ لأنه خبر كان، وقدم ابن عباس هذه الجملة على ما بعدها وإن كانت لا تتعلق بالقرآن على سبيل الاحتراس من مفهوم ما بعدها، أي: لئلا يتخيل من قوله: و((أَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ»، أن الأجودية منه خاصة برمضان. و((أجود)) مشتق من الجود، وهو الكرم والسخاء وهو من الصفات المحمودة، أي: كان أسخاهم على الإطلاق، وقد أخرج الترمذي من حديث سعد رفعه: ((إِنَّ اللهَ جَوَادٌ يُحِبُّ الْجُودَ ... )) الحديث. وله في حديث أنس رفعه: ((أَنَا أَجْوَدُ وَلَدِ آدَمَ وَأَجْوَدُهُمْ بَعْدِي رَجُلٌ عَلَّمَ عِلْمًا فَنَشَرَ عِلْمَهُ، وَرَجُلٌ جَادَ بِنَفْسِهِ فِي سَبْلِ اللهِ)) وَفِي سَنَدِهِ مَقَال، وفي ((الصحيح)) من وجه آخر، عن أنس: ((كان النبي ◌َّلل أشجع الناس وأجود الناس ... )) الحديث. (بِالْخَيْرِ) اسم جامع لكلِّ ما ينتفع به، أي: كان رسول اللَّه ◌َله في حدٍّ ذاته بقطع النظر عن أوقاته الكريمة وأحواله الكريمة أشد الناس جودًا بكل خير من خيري الدنيا والآخرة لله وفي الله من بذل العلم والمال وبذل نفسه؛ لإظهار الدين، وهداية العباد وإيصال النفع إليهم بكلِّ طريق، وقضاء حوائجهم، وتحمل أثقالهم. (وَكَانَ أَجْودُ مَا يَكُونُ)، ((مَا)) مصدرية، وهو جمع؛ لأن أفعل التفضيل إنما يضاف إلى جمع، والتقدير: كان أجود أكوانه، ويجوز في ((أجود)) الرفع والنصب، أمَّا الرفع فهو أكثر الروايات وأشهرها ووجهه أن يكون اسم كان وخبره محذوف وقوله: فِي رَمَضَانَ في محل نصب على الحال، قائم مقام الخبر المحذوف الذي هو حاصل أو واقع على ما تقرر في باب أخطب ما يكون الأمير قائمًا، والتقدير: (٢١١٨) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: الْبُخَارِي (١٩٠٢)، ومُسْلِم (٢٣٠٨/٥٠) عَنْهُ فِيهِ. ٥٥٦ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ كان أجود أكوانه وَ لال حاصلًا حال كونه في رمضان، وإن شئت جعلت ((في رمضان)) هو الخبر كقولهم: ((ضربي في الدار))؛ لأنَّ المعنى كان أجود أكوانه، أي: الكون الذي هو أجود الأكوان حاصلًا في هذا الوقت، فلا يتعين أن يكون من باب أخطب ما يكون الأمير قائمًا. ووجه آخر: أن يكون في ((كان)) ضمير الشأن و((أجود ما يكون)) مبتدأ، وخبره ((في رمضان)) والتقدير: كان الشأن أجود أكوان الرسول وَال في رمضان، أي: حاصل في رمضان. ووجه آخر: في ((كان)) ضمير يعود إلى النبيِ وََّ ويجعل ((أجود ما يكون)) إمَّا مبتدأ خبره قوله: فِي رَمَضَانَ من باب قولهم: أكثر شربي السويق في يوم الجمعة، والجملة بكمالها خبر، كان كقولك : كان زيد أحسن ما يكون في يوم الجمعة، وإمَّا بدلًا من الضمير في كان، فيكون من بدل الاشتمال، كما تقول: كان زيد علمه حسنًا. ووجه آخر: أن يكون ((أجود)) اسم كان ويكون الوقت مقدرًا كما في مقدم الحاج، والتقدير: كان أجود أوقات كونه في رمضان وإسناد الجود إلى أوقاته عليه الصلاة والسلام على سبيل المبالغة كإسناد الصوم إلى النهار والقيام إلى الليل، في قولهم: نهاره صائم وليله قائم، وأمّا النصب فهو رواية الأصيلي ووجهه أن يجعل اسم ((كان)) ضميرِ النبي : صَلَىاللّهِ وَسِلمُ و ((أجود)) خبرها و((مَا)) حينئذٍ مصدرية ظرفية، والتقدير: كان رسول اللَّهِ وَلّ مدة كونه في رمضان أجود منه في غيره. وقال البدر الدماميني في ((المصابيح)): ولك مع نصب ((أجود)) أن تجعل. (مَا)) نكرة موصوفة، فيكون ((في رمضان)) متعلقًا بـ(كَانَ)) مع أنها ناقصة؛ بناء على القول بدلالتها على الحدث، وهو صحيح عند جماعة واسم كَانَ ضمير عائد إلى النبيِ وَل أو إلى جوده المفهوم مما سبق، أي: وكان ◌َّر في رمضان أجود شيء يكون، أو وكان جوده في رمضان أجود شيء يكون، فجعل الجود متصفًا بالأجودية مجازًا كقولهم: شعر شاعر، انتهى. قلت: ويؤيد الرفع ويرجحه وروده بدون ((كان)) عند البخاري في المناقب في باب صفة النبي وَّ وفي فضائل القرآن؛ وإنما كان ◌َلّ أجود ما يكون في رمضان؛ لأنّه موسم الخيرات وتزايد الخيرات، فإن الله تعالى يتفضل على عباده في هذا الشهر ما لا يتفضل عليهم في غيره، فأراد ◌َّ متابعة سنة اللَّه رَ. (كَانَ جِبْرِيلُ يَلْقَاهُ)، أي: ينزل عليه، وفي رواية مسلم: ((إنَّ جبريل كان يلقاه)). وللبخاري: كِتّابُ الصَّوْمِ بَابُ الإِعْتِكافِ ٥٥٧ ((وَكَانَ جِبْرِيلُ يَلْقَاهُ))، وفي رواية له أيضًا: ((لَأَنَّ جِبْرِيلَ كَانَ يَلْقَاهُ)). (كُلَّ لَيْلَةٍ) وفي رواية: ((فِي كُلِّ لَيْلَةٍ)). (فِي رَمَضَانَ)، زاد في رواية: ((حتَّى ينسلخ))، أي: رمضان، وهذا ظاهر في أنه كان يلقاه في كل رمضان منذ أنزل عليه القرآن إلى رمضان الذي توفي بعده، وليس بمقيد برمضانات الهجرة، وإن كان صيام شهر رمضان إنما فرض بعد الهجرة؛ إذ أنه كان يسمى به قبل فرض صومه، نعم يحتمل أنه لم يعارضه في رمضان من السنة الأولى لوقوع ابتداء النزول فيها، ثم فتر الوحي ثم تتابع. (يَعْرِضُ) بفتح الياء وكسر الراء أي: يقرأ، (عَلَيْهِ النَّبيُّ وَهِ الْقُرْآنَ)، أي: بعضه أو معظمه. قال ابن حجر: يعني: على جهة المدارسة كما في رواية للبخاري: ((فيدارسه القرآن)»، وهي أنْ تقرأ على غيرك مقدارًا معلومًا، ثمَّ يقرأ عليك أو يقره قدره مما بعده وهكذا، انتهى. قيل: الحكمة فيه: أنَّ مدارسة القرآن تجدد له العهد بمزيد غنى النفس؛ والغنى سبب الجود والجود في الشرع إعطاء ما ينبغي لمن ينبغي، وهو أعم من الصدقة، وأيضًا فرمضان موسم الخيرات؛ لأنَّ نعم الله على عباده فيه زائدة على غيره، فكان النبي وَّ يؤثر متابعة سنة الله في عباده، فبمجموع ما ذكر من الوقت والمنزول به والنازل والمذاكرة، حصل المزيد في الجود، والعلم عند الله. وفي الحديث إطلاق القرآن على بعضه وعلى معظمه؛ لأنَّ أول رمضان من البعثة لم یکن نزل من القرآن إلا بعضه، ثم کذلك كل رمضان بعده إلى رمضان الأخير، فكان قد نزل كله إلا ما تأخر نزوله بعد رمضان المذكور، وكان في سنة عشر إلى أن توفي وَّل في ربيع الأول سنة إحدى عشرة، ومما نزل في تلك المدة: ﴿اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣] فإنها نزلت يوم عرفة بالاتفاق، ولما كان ما نزل في تلك الأيام قليلًا اغتفروا أمر معارضته فاستفيد منه إطلاق القرآن على بعضه مجازًا، ومن ثمَّ لا يحنث من حلف ليقرأ القرآن فقرأ بعضه إلا أن قصد الجميع، كذا في ((الفتح)). وإنما خصَّ الليل المذكور بمعارضة القرآن؛ لأن المقصود من التلاوة الحضور والفهم، والليل مظنة ذلك بخلاف النهار، فإنَّ فيه الشواغل والعوارض على ما لا يخفى، ولعلَّه ◌َللس كان يقسم ما نزل من القرآن في كل سنة على ليالي رمضان أجزاء، فيقرأ كل ليلة جزأ في جزءًا من الليلة، وبقية ليلته لما سوى ذلك من تهجد وراحة وتعهد أهله، ويحتمل أنه كان ٥٥٨ مِزْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَضَابِيحِ يعيد ذلك الجزء مرارًا بحسب تعدد الحروف المنزل بها القرآن. (فَإِذَا لَقِيَهُ جِبْرِيلُ كَانَ)، أي: النبي ◌ََّ. (أَجْودَ بِالْخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ) بفتح السين، أي: المطلقة يعني: أنه في الإسراع بالجود أسرع من الريح، وعبر بالمرسلة؛ إشارة إلى دوام هبوبها بالرحمة، وإلى عموم النفح بجوده كما تعم الريح المرسلة جميع ما تهب عليه. قال ابن المنير: وجه التشبيه بين أجوديته وَله بالخير، وبين أجودية الريح المرسلة: أنَّ المراد بالريح ريح الرحمة التي يرسلها اللَّه تعالى لإنزال الغيث العام الذي يكون سببًا لإصابة الأرض الميتة وغير الميتة، أي: فيعم خيره وبره من هو بصفة الفقر والحاجة، ومن هو بصفة الغنى والكفاية أكثر مما يعم الغيث الناشئة عن الريح المرسلة ◌َّلة. وقال الطيبي: يحتمل أنه أراد بها التي أرسلت بالبشرى بين يدي رحمة الله تعالى، وذلك لشمول روحها وعموم ﴾ [المرسلات - ١] فأحد الوجوه في الآية أنه أراد ﴿ وَالْمُرْسَلَتِ عُرْفًا نفعها، قال تعالى : بها الرياح المرسلات للإحسان والمعروف، ويكون انتصاب «عرفًّا)» بالمفعول له، يعني: هو أجود من تلك الريح في عموم النفع والإسراع فيه، ولفظ الخير شامل لجميع أنواعه بحسب اختلاف ما جاءت الناس به، وكان عليه الصلاة والسلام يجود على كلِّ منهم بما يسد خلته ويشفي علته. قال الحافظ: في الحديث جواز المبالغة في التشبيه، وجواز تشبيه المعنوي بالمحسوس؛ ليقرب لفهم سامعه وذلك أنه أثبت له أولًا: وصف الأجودية، ثمَّ أراد أن يصفه بأزيد من ذلك، فشبه جوده بالريح المرسلة، بل جعله أبلغ في ذلك، منها؛ لأن الريح قد تسكن. وفيه: الاحتراس؛ لأنَّ الريح منها العقيم الضار، ومنها: المبشر بالخير، فوصفها بالمرسلة ليُعَيِّنِ الثانين قال تعالى: ﴿وَهُوَ اُلَّذِى يُرْسِلُ الْرِّيَحَ بُشْرًا﴾ [الأعراف:٥٧] فالريح المرسلة تستمر مدة إرسالها، وكذا كان عمله وَجّل في رمضان ديمة لا تنقطع، وفيه: استعمال أفعل التفضيل في الإسناد الحقيقي والمجازي؛ لأنَّ الجود منه وَلّ حقيقة ومن الريح مجاز، انتهى. وقيل: وتعبيره بأفضل نص في كونه أعظم جودًا منها؛ لأن الغالب عليها أن تأتي بالمطر، وربما خلت عنه، وهو لا ينفك عن العطاء والجود. قال الطيبي: شبه نشر جوده بالخير في العباد بنشر الريح القطر في البلاد، وشتان ما بين الأثرين، فإنَّ كِتّابُ الصَّوْم بَابُ الإِعْتِكافِ ٥٥٩ أحدهما يحيي القلوب بعد موتها، والأخر يحيي الأرض بعد موتها. وقال بعضهم: فضل جوده على جود الناس، ثم فضل جوده في رمضان على جوده في غيره، ثم فضل جوده في ليالي رمضان وعند لقاء جبريل على جوده في سائر أوقات رمضان، ثم شبهه بالريح المرسلة في التعميم والسرعة. قال ابن الملك: لأن الوقت إذا كان أشرف يكون الجود فيه أفضل، انتهى. وفي الحديث فوائد: منها: الحث على الجود في كلِّ وقت، ومنها: الزيادة في رمضان، وعند الاجتماع بأهل الصلاح، وفيه: زيارة الصلحاء وأهل الخير وتكرار ذلك إذا كان المزور لا يكرهه، واستحباب الإكثار من القراءة في رمضان، و کونها أفضل من سائر الأذكار؛ إذ لو كان الذكر أفضل أو مساويًا لفعلاه. فإن قيل: المقصود تجويده الحفظ. قلنا: الحفظ كان حاصلًا والزيادة فیه تحصل ببعض هذه المجالس. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) أخرجه البخاري في بدء الوحي والصوم وصفة النبي ◌َّ، وبدء الخلق، وفضائل القرآن، ومسلم في فضائل النبي وقَلّه، وأخرجه أيضًا أحمد (ج١: ص٢٣١ - ٢٨٨ - ٣٢٦ - ٣٦٣ - ٣٦٦ - ٣٧٣) وزاد في رواية: «لا يُسألُ عن شيء إلا أعطاه))، وأخرجه الترمذي في ((الشمائل)) والبيهقي (ج٤: ص ٣٠٥). قال ابن حجر: فإن قلت: ما وجه مناسبة ذكر هذا الحديث لهذا الباب؛ لأنَّ غاية الأجودية فيه إنما حصلت في حال الاعتكاف؛ لأن أفضل أوقات مدارسة جبريل له العشر الأخير، وهو فيه معتكف، كما مر في الحديث الأول، فكأن المصنف وأصله يقولان بتأكد الاعتكاف في العشر الأخير؛ لأن له غايات عَلِيَّةً؛ أَلَا ترى أنَّ غاية جوده عليه الصلاة والسلام إنَّما كانت تحصل وهو معتكف، وأبدى شارح لذلك مناسبة بعيدة جدًّا، فقال: قلت: من حيث إتيان أفضل الملائكة إلى أفضل خليقة بأفضل كلام من أفضل متكلم في أفضل أوقات، فالمناسب أن يكون في أفضل بقاع، انتهى.