Indexed OCR Text

Pages 501-520

٥٠٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
وليمة العرس، وندبًا في غيرها. قال بالأول: الظاهرية. وبالثاني: المالكية
والحنابلة والحنفية. وبالثالث: الشافعية.
(فَإِنْ كَانَ صَائِمًا فَلْيُصَلُّ) بضم المثناة التحتية وفتح الصاد المهملة وتشدید اللام
المكسورة، أي: فليدع لأهل الطعام بالبركة كما في حديث ابن مسعود. عند
الطبراني: ((وَإِنْ كَانَ صَائِمًا فَلْيَدْعُ بِالْبَرَكَةِ))، وقد روي أن أبي بن كعب لما حضر
الوليمة وهو صائم أثنى ودعا، وعند أبي عوانة عن نافع: كان ابن عمر إذا دُعي
أجاب فإن كان مفطرًا أكل، وإن كان صائمًا دعا لهم وبرك، ثمَّ انصرف. وحمله
الطيبي على ظاهره فقال: أي: ركعتين في ناحية البيت؛ ليحصل له فضلها،
وليتبرك أهل المنزل والحاضرون كما فعل النبي ◌ُّر في بيت أم سليم، انتهى.
قال القاري: ظاهر حديث أم سُلَيْمٍ: أن يجمع بين الصلاة والدعاء، انتهى.
والجمع بين هذه الرواية وبين الرواية الأولى أنه يعتذر المدعو أولًا فيقول: إني
صائمٌ فإن أبَى فليحضر وليدعُ له بالبركة، ويداوم على صومه إن لم يتأذَّ الدَّاعي
بترك أكله ولم يشق عليه صومه، وإلا فيفطر، ومما يدلّ على عدم لزوم الأكل
للصائم عند الإجابة ما ذكرنا من حديث جابر عند ابن ماجه بلفظ: ((مَنْ دُعِيَ إِلَی
طَعَامِ وَهُوَ صَائِمٌ فَلْيُجِبْ فَإِنْ شَاءَ طَعِمَ وَإِنَ شَاءَ تَرَكَ)).
(وَإِنْ كَانَ مُفْطِرًا فَلْيَطْعَمْ)، أي: فليأكل ندبًا. وقيل: وجوبًا إن خاف المعاداة.
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) الرواية الأولى أخرجها مسلم في الصوم من طريق ابن عيينة عن أبي
الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة وأخرجها من هذا الوجه أحمد (ج٢ ص٢٤٢)
والترمذي وأَبُو دَاوُدَ وابن ماجه والدارمي أيضًا، والرواية الثانية أخرجها مسلم في
النكاح من رواية هشام عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة وأخرجها أحمد
(ج ٢ ص٢٧٩) والترمذي وأَبُو دَاوُدَ، وهذا ظاهر في أنهما حديثان لا حديث واحد
له روايتان فكان الأولى للمصنف أن يصدر الحديث الثاني بلفظة: وعنه، والله
أعلم.

كِتّابُ الصَّوْم
بَابَ في الإفْطارِ مِنَ التَّطوعِ
٥٠١
الفصل الثاني
٢٠٩٩ - [٥] عَنْ أُمِّ هَانِي ◌َؤَُّا قَالَتْ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ الْفَتْحِ فَتْحِ مَكَّةَ
جَاءَتْ فَاطِمَةُ، فَجَلَسَتْ عَلَى يَسَّارِ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ وَأُمُّ هَانِيٍّ عَنْ يَّمِينِهِ،
فَجَاءَتِ الْوَلِيدَةُ بِإِنَاءٍ فِيهِ شَرَابٌ، فَنَاوَلَتْهُ فَشَرِبَ مِنْهُ، ثُمَّ نَاوَّلَهُ أَمَّ هَانِيٍ،
فَشَرِبَتْ مِنْهُ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَقَدْ أَفْطَرْتُ وَكُنْتُ صَائِمَةً، فَقَالَ لِهَاً:
((أَكُنَّتِ تَقْضِينَ شَيْئًا؟)). قَالَتْ: لَا ، قَالَ: (فَلاَ يَضُرُِّكِ إِنْ كَانَ تَطَوُّعًا)).
[رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالدَّارِمِيُّ وَفِي رِوَايَةٍ لِأَحْمَدَ وَالتِّرْمِذِيِّ نَحْوُهُ] (صحيح}
- وَفِيهِ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَمَا إِنِّي كُنْتُ صَائِمَةً، فَقَالَ: ((الصَّائِمُ
الْمُتَطَوِّعُ أَمِيرُ نَفْسِهِ إِنْ شَاءَ صَامَ، وَإِنْ شَاءَ أَفْطَرَ))(*) .
الشرح
٢٠٩٩ - قوله: (عَنْ أُمِّ هَانِيٍ) بهمزة بعد نون مكسورة بنت أبي طالب. (لَمَّا
كَانَ يَوْمُ الْفَتْحِ)، أي: زمن الفتحَّ أو عام الفتح. (فَتْح مَكَةَ) بالجر بدل أو بيان.
(جَاءَتْ فَاطِمَةٌ) بنت رسول اللَّه ◌ِله. (وَأُمُّ هَانِيٍ عَنْ يَمِينِهِ)، وفي رواية لأحمد:
وجاءت أم هانئ فقعدت عن يمينه. قال الطيبي: قوله: (وَأُمُّ هَانِيْ عَنْ يَمِينِهِ)، إمَّا
حال، أي: جاءت فاطمة وجلست على يساره، والحال: أنّ أم هانئ عن يمينه.
وإمَّا عطف على تقديره وجاءت أم هانئ فجلست عن يمينه، وعلى التقديرين الكلام
على خلاف مقتضى الظاهر؛ لأنَّ الظاهر أن يقال: وأنا جالسة عن يمينه أو جلست
عن يمينه، فأمّا أن يحمل على التجريد كأنها تحكي عن نفسها بذلك، أو أنَّ الرَّاوي
وضع كلامه مكان كلامها يعني به أنه نقله بالمعنى. (فَجَاءَتِ الْوَلِيدَةُ)، أي: الأمة
ولم أقف على تسميتها .
(٢٠٩٩) أَبُو دَاوُد (٢٤٥٦)، والتِّرْ مِذِي (٧٣٢)، والنَّسَائِي في ((الكُبرى)) (٣٣٠٤) عَنْهَا فِيهِ .
(*) التِّرْ مِذِي (٧٣٢) عَنْهَا فِيهِ.

٥٠٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
(بِإِنَاءٍ فِيهِ شِرَابٌ)، أي: من ماء فإنه المراد عند الإطلاق. (فَنَاوَلَتْهُ)، أي:
الجارية والضمير المنصوب له عليه الصلاة والسلام، والمفعول الثاني مقدر وهو
الإِناء. (ثُمَّ نَاوَلَهُ)، أي: الإناء. (أُمَّ هَانِئٍ)، إمّا لكونها عن اليمين أو لكبر سنها .
(لَقَدْ أَفْطَرْتُ وَكُنْتُ) الواو للحال. (صَائِمَّةً)، أي: فما الحكم في إفطاري؟ وإنما
لم تسأل قبل تناولها؛ إيثار لسؤره مَّله على صوم التطوع أو خوفًا عن فوت سؤره،
وفي رواية لأحمد (ج٦ ص٤٢٤): ثم قالت : - أي: بعد شربها فضله وَل يا
رسول الله لقد فعلت شيئًا ما أدري يوافقك أم لا؟ قال: ((وَمَا ذَاكَ يَا أُمَّ هَانِيٍ))،
قالت: كنت صائمةً فكرهتُ أن أردّ فضلك فشربته. (أَكُنْتِ تَقْضِينَ)، أي: بهذا
الصوم. (شَيْئًا)، أي: من الواجبات عليك. (فَلَا يُضُرَُّكَ)، أي: الإفطار، وفي
رواية لأحمد: (فَلَا بَأْسَ عَلَيْكَ)) .
(إِنْ كَانَ)، أي: صومك. (تَطَوُّعًا) وهو للتأكيد؛ لأنَّ المتطوع له أن يفطر ولو
بلا عذر. قال الخطابي: في هذا بيان أن القضاء غير واجب إذا أفطر في تطوع،
يعني؛ لأنه لم يذكر فيه القضاء، والأصل عدمه، ولو كان القضاء واجبًا لبينه لها مع
حاجتها إلى البيان كذا قيل. وقد تقدم أنه وقع في رواية أحمد والنسائي والدار قطني
والدارمي والطحاوي والبيهقي التصريح منه رّيّ بالتخيير في القضاء في صوم
التطوع. قال الترمذي بعد رواية حديث الباب: والعمل على هذا عند بعض أهل
العلم من أصحاب النبي ◌َّ وغيرهم أن الصائم المتطوع إذا أفطر فلا قضاء عليه،
إلا أن يحب أن يقضيه، وهو قول سفيان الثوري وأحمد وإسحاق والشافعي،
انتھی.
قلت: وهو مذهب مجاهد وطاوس وهو قول ابن عباس، وروي عن سلمان وأبي
الدرداء وغيرهم. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالدَّارِمِيُّ) أخرجهِ أَبُو دَاوُدَ والدارمي
من طريق جرير بن عبد الحميد عن يزيد بن أبي زياد عن عبد الله بن الحارث عن أم
هانئ، ومن طريق أبي داود أخرجه البيهقي (ج ٤ ص ٢٧٧) وأخرجه الترمذي من
طريق أبي الأحوص عن سماك بن حرب عن أم هانئ، والحديث أخرجه أيضًا أحمد
(ج ٦ ص٣٤٢ - ٣٤٣ - ٤٢٤) والنسائي في ((الكبرى)) والدار قطني (ص٢٣٥)
والطحاوي (ج١ ص٣٥٣ - ٣٥٤) والبيهقي (ج٤ ص٢٧٦، ٢٧٨، ٢٧٩)
والطبراني وسعيد بن منصور والأثرم وللحديث طرق وألفاظ عندهم. وقد
سكت عنه أَبُو دَاوُدَ.

كِتّابُ الصَّؤْمِ
بَابٌ في الإفْطَارِ مِنَ التَّطوعِ
٥٠٣
وقال المنذري: في إسناده مقال، ولا يثبت، وفي إسناده اختلاف كثير أشار إليه
النسائي. وقال الترمذي: في إسناده مقال، انتهى. وحاصل ما ذكروه من
الاضطراب في إسناده: أنَّه اختلف على سماك بن حرب فيه، فإنه رواه تارة عن أبي
صالح، وتارة عن جعدة، وتارة عن هارون. أمَّا أبو صالح فهو باذان، ويقال:
باذام، ضعفوه. قال البيهقي: ضعيف لا يحتج بخبره، وفي ((السنن الكبرى))
للنسائي هو ضعيف الحديث، وقال أبوأحمد الحاكم: ليس بالقوي عندهم. وقال
الحافظ في ((التقريب)): ضعيف مدلس. قلت: قد وثقه العجلي. وقال ابن أبي
خيثمة عن ابن معين: ليس به بأس. وقال ابن المديني عن القطان: لم أر أحدًا من
أصحابنا تركه وما سمعت أحدًا من الناس يقول فيه شيئًا، ولما قال عبد الحق في
((أحكامه)): إنَّ أبا صالح ضعيف جدًّا أنكر عليه ذلك ابن القطان في كتابه كذا في
((تهذيب التهذيب)) (ج١ ص٤١٦ - ٤١٧) قالوا: وأمَّا جعدة فمجهول، قال
البخاري في ((تاريخه)): لا يعرف إلا بحديث فيه نظر.
وقال النسائي: لم يسمعه جعدة من أم هانئ بل سمعه من أبي صالح مولى أم
هانئ وأهله عن أم هانئ. قلت: ذكر جعدة هذا ابن أبي حاتم في ((الجرح
والتعديل))، ونقل عن أبيه أنه قال: هو شيخ، وقال الحافظ في ((التقريب)): جعدة
المخزومي من ولد أم هانئ . قيل: هو ابن يحيى بن جعدة بن هبيرة وهو مقبول،
انتهى. قالوا: وأما هارون فمجهول الحال قاله ابن القطان، واختلف في نسبة
فقيل: ابن أم هانئ، وقيل: ابن ابن أم هانىء، وقيل: ابن ابنة أم هانئ، وقيل: هذا
وهم؛ لأنه لا يعرف لها بنت.
وقال النسائي: اختلف على سماك فيه وسماك لا يعتمد عليه إذا انفرد
بالحديث. قلت: سماك بن حرب هذا ضعفه الثوري وابن المبارك وشعبة. وقال
ابن حبان: في ((الثقات)) يخطئ كثيرًا. وقال يعقوب: روايته عن عكرمة خاصة
مضطربة، وهو في غير عكرمة صالح، وليس من المتثبتين ومن سمع منه قديمًا مثل
شعبة وسفيان فحديثهم عنه صحيح مستقيم، والذي قاله ابن المبارك، إنَّما نرى أنه
فيمن سمع منه بآخرة، أي: لأنه كان قد تغير قبل موته وعليه يحمل كلام النسائي
المتقدم وقد وثقه ابن معين وأبوحاتم.

٥٠٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
وقال العجلي: جائز الحديث. وقال النسائي: ليس به بأس، وفي حديثه شيء.
وقال ابن عدي: أحاديثه حسان وهو صدوق لا بأس به. وقال الحافظ في
((التقريب)): صدوق وروايته عن عكرمة خاصة مضطربة، وقد تغير بآخرة فكان
ربما يلقن، انتهى.
G تنبيه:
قال الحافظ في ((التلخيص)) (ص١٩٧): ومما يدل على غلط سماك فيه أنه قال
في الرواية المذكورة إن ذلك كان يوم الفتح، ويوم الفتح كان في رمضان فكيف
يتصور قضاء رمضان في رمضان؟ انتهى. وقال غيره: ومما يوهن هذا الخبر أنها
أسلمت يوم الفتح فلا يجوز لها أن تكون متطوعة؛ لأنها كانت في شهر رمضان
قطعًا .
وقال الذهبي: قد غلط سماك في هذا الحديث؛ لأن يوم الفتح کان في رمضان،
فكيف يتصور أن تكون صائمة قضاءً أو تطوعًا؟ كذا ذكره الشوكاني والعيني
(ج ١١ ص٧٩) وابن التركماني (ج٤ ص٢٧٨) وصاحب ((بذل المجهود)). ثم رد
عليه صاحِب ((البذل)) فقال: هذا الاستدلال في توهين الحديث فاسد، فإن
رسول اللَّه ◌َ ل خرج في فتح مكة من المدينة لعاشر رمضان، وكان الفتح لعشرين
من رمضان، وأقام بمكة خمس عشرة ليلة بعد الفتحٍ، ثم خرج إلى حنين العاشر
شوال صرح بهذا أهل التاريخ، فظهر بهذا أن رسول اللّه وَل أقام بمكة بعد رمضان
عدة أيَّام فعلى هذا ما وقع في الحديث من قولها: ((لما كان يوم فتح مكة)) يشمل
جميع الأيام التي أقام بمكة فيها زمن الفتح كما هو ظاهر، وليس المراد من يوم فتح
مکة اليوم الخاص الذي کان یوم الفتح، انتهى.
(وَفِي رِوَايَةٍ لِأَحْمَدَ وَالتِّرْمِذِيِّ نَحْوُهُ) بالرفع، أي: معناه. (وَفِيهِ)، أي: في
الحديث الذي نحوه. (أَمَا) بالتخفيف للتنبيه. (الصَّائِمٌ) أريد به الجنس.
(الْمُتَطَوِّعُ) احتراز من المفترض أداء ((وقضاءً)). (أَمِيرُ نَفْسِهِ). أي: أمير لنفسه بعد
دخوله في الصوم، وهذا لفظ أحمد (ج٦ ص ٣٤١، ٣٤٣) وكذا وقع في رواية
للبيهقي، ولفظ الترمذي: ((أَمِينُ نَفْسِهِ)) بالنون بدلًا من الراء. قال في ((المجمع)):
معناه: أنه إذا كان أمين نفسه فله أن يتصرف في أمانة نفسه على ما يشاء، وفي رواية
للترمذي: ((أَمِيرُ - أو - أَمِينُ نَفْسِهِ)) بالشك، وكذا وقع عند الدار قطني (ص ٢٣٥)

كِتّابُ الصَّوْم
بَابٌ في الإفْطارِ مِنَ التَّطوعِ
٥٠٥
والبيهقي (ج ٤ ص٢٧٦) وفي رواية لأحمد (ج٦ ص٤٢٤) والدار قطني والبيهقي:
((الْمُتَطَوِّعُ بِالْخِيارِ إِنْ شَاءَ صَامَ وَإِنْ شَاءَ أَفْطَرَ)) .
(إِنْ شَاءَ صَامَ)، أي: أتم صومه. (وَإِنْ شَاءَ أَفْطَرَ)، إمّا بعذر، أو بغيره، ويفهم
منه أنَّ الصائم غير المتطوع لا تخيير له؛ لأنه مأمور مجبور عليه، وهذه الرواية
أخرجها أحمد والترمذي وكذا الدار قطني والبيهقي من طريق شعبة عن جعدة عن أم
هانئ وأخرجها أيضًا الدار قطني والبيهقي من طريق سماك عن أبي صالح عن أم
هانئ.
٢١٠٠ - [٦] وَعَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كُنْتُ أَنَا
وَحَفْصَةُ صَائِمَتَيْنِ، فَعُرِضَ لَنَا طَعَامُ اشْتَهَيْنَاهُ، فَأَكَلْنَا مِنْهُ، فَقَالَتْ حَفْصَةُ: يَا
رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا كُنَّا صَائِمَتَيْنِ، فَعُرِضَ لَنَا طَعَامُ اشْتَهَيْنَاهُ، فَأَكَلْنَا مِنْهُ، قَالَ:
((اقْضِيَا يَوْمًا آخَرَ مَكَانَهُ)).
[رَوَاهُ النِِّمِدِيُّ]
- وَذَكَرَ جَمَاعَةً مِنَ الْحُفَّاظِ رَؤُوا عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَائِشَةَ مُرْسَلًا، وَلَمْ
يَذْكُرُوا فِيهِ عَنْ عُرْوَةَ، وَهَذَا أَصَحُّ، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوَدَ عَنْ زُمَيْلِ مَوْلَى عُرْوَةَ عَنْ
عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ(*).
الشرح
٢١٠٠ - قوله: (كُنْتُ أَنَا وَحَفْصَةٌ) بالرفع. (صَائِمَتَيْنٍ)، أي: متطوعتين كما
في رواية ((الموطأ)) والبيهقي وابن حبان. (فَعُرِضَ لَنَا طَعَامٌ) بصيغة المجهول، أي :
عرضه لنا أحد بطريق الهدية وفي رواية ((الموطأ)) والبيهقي: فأهدي لنا طعام.
(اقْضِيَا يَوْمًا آخَرَ مَكَانَهُ)، أي: بدله، وفي رواية أبي داود: ((لَا عَلَيْكُمَا صُومَا مَكَانَهُ
يَوْمًا آخَرَ)) ، وقد استدل به: على أن من أفطر في التطوع يلزمه القضاء مكانه، لكن
الحديث ضعيف كما ستعرف، وعلى تقدير الصحة فيحمل الأمر بالقضاء على
الندب للجمع بینه وبین حدیث أم هانئ.
(٢١٠٠) أَبُو دَاوُد (٢٤٥٧)، وَالنَّسَائِي في الكبرى (٣٢٩١) عَنْهَا فِيهِ .
( *) كَأَنَّهُ أَخَذَهُ مِن قَوْلِ البُخَارِي: لَا يُعْرَفُ سَمَاعُ بَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ!

٥٠٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
قال الخطابي في ((المعالم)) (ج ٢ ص١٣): لو ثبت الحديث أشبه أن يكون إنما
أمرهما بذلك استحبابًا؛ لأنَّ بدل الشيء في أكثر أحكام الأصول يحل محل أصله
وهو في الأصل مخير فكذلك في البدل، انتهى. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ)، وكذا أحمد
والنسائي والبيهقي (ج ٤ ص ٢٨٠) كلهم من رواية جعفر بن برقان عن الزهري عن
عروة عن عائشة متصلًا. (وَذَكَرَ)، أي: الترمذي. (جَمَاعَةً مِنَ الْحُفَّاظِ) أنهم.
(رَؤُوا عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَائِشَةَ مُرْسَلًا)، أي: منقطعًا؛ لأنَّ الزهري لم يدركها
فالمرسل في قول الترمذي، هذا بمعنى المنقطع وهذه الرواية المنقطعة عند
عبد الرزاق في مصنفه، ومالك في ((موطئه))، والطحاوي والبيهقي وغيرهم.
(وَلَمْ يَذْكُرُوا)، أي: جماعة الحفاظ. (فِيهِ)، أي: في إسناد الحديث. (عَنْ
عُرْوَةَ) بين الزهري وعائشة. (وَهَذَا)، أي: كونه مرسلاً. (أَصَحُ)، قلت: أعلَّ
الترمذي هذا الحديث بأنَّ الزهري لم يسمعه من عروة، فقال: ورواه محمد بن أبي
حفصة وصالح بن أبي الأخضرِ عن الزهري عن عروة عن عائشة مثل هذا. وروى
مالك بن أنس ومعمر وعبيد الله بن عمر وزياد بن سعد وغير واحد من الحفاظ -
کیونس بن یزید وابن جريج ويحيى بن سعيد وابن عيينة ومحمد بن الوليد الزبيدي
وبكر بن وائل - عن الزهري عن عائشة مرسلًا، ولم يذكروا فيه عن عروة، وهذا
أصحّ؛ لأنه روي عن ابن جريج قال: سألت الزهري، فقلت: أحدثك عروة عن
عائشة؟ قال: لم أسمع من عروة في هذا شيئًا، ولكن سمعت في خلافة سليمان بن
عبد الملك من ناس عن بعض من سأل عن عائشة عن هذا الحديث، ثم أسنده
كذلك .
وقال ابن عيينة: في روايته سئل الزهري عنه أهو عن عروة؟ فقال: لا، وقال
أبو بكر الحميدي: أخبرني غير واحد عن معمر، أنه قال في هذا الحديث: لو كان
من حديث عروة ما نسيته. قال البيهقي: فهذان ابن جريج وابن عيينة شهدا على
الزهري وهما شاهدا عدل، بأنه لم يسمعه من عروة، فكيف يصحُّ وصل من وصله؟
وقال الترمذي في ((العلل)): سألت البخاري عن هذا الحديث فقال: لا يصحُّ حديث
الزهري عن عروة عن عائشة في هذا قال: وجعفر بن برقان ثقة، وربما يخطئ في
الشيء، وكذا قال محمد بن يحيى الذهلي: لا يصح عن عروة، واحتج بحكاية ابن
جريج وابن عيينة وبإرسال من أرسل الحديث عن الزهري من الأئمة.

كِتّاب الضّؤْمِ
بَابٌ في الإفْطارِ مِنَ التَّطوعِ
٥٠٧
وقال النسائي في ((سننه الكبرى)) بعد أن رواه موصولًا: هذا خطأ. وقال الخلال:
اتفق الثقات على إرساله وشذ من وصله وتوارد الحفاظ على الحكم بضعف حديث
عائشة هذا، وقد رواه من لا يوثق به عن مالك موصولًا ذكره الدارقطني في
(غرائب مالك)). قلت: رواه ابن عبد البر من طريق عبد العزيز بن يحيى عن مالك
موصولًا. وقال: لا يصح عن مالك إلّا المرسل، انتهى. ورواه أيضًا متصلًا عن
الزهري سفيان بن حسين وصالح بن كيسان وحجاج بن أرطاة وإسماعيل بن إبراهيم
ابن عقبة وعبيد الله بن عمر ويحيى بن سعيد كلهم عن الزهري عن عروة عن
عائشة .
أمَّا حديث صالح بن أبي الأخضر فأخرجه البيهقي (ج٤ ص ٢٨٠) من رواية ابن
عيينة عنه عن الزهري، ثم حكى البيهقي عن ابن عيينة أنه قال: فسألوا الزهري وأنا
شاهد فقالوا: هو عن عروة؟ قال: لا. وقال ابن عبد البر: صالح بن أبي الأخضر
في حديثه خطأ كثير. وقال في ((التقريب)): ضعيف يعتبر به. وقال ابن حبان: يروي
عن الزهري أشياء مقلوبة. وأمَّا حديث ابن أرطاة وعبيد الله بن عمر ويحيى بن
سعيد فأخرجه ابن عبد البر من طريق أبي خالد الأحمر عنهم، وأبو خالد هذا هو
سليمان بن حيان الأزدي صدوق يغلط ويخطئ لسوء حفظه، وحجاج بن أرطاة
صدوق كثير الخطأ والتدليس وجعفر بن برقان وسفيان بن حسين ليسا في حديث
الزهري بشيء، ومحمد بن أبي حفصة صدوق، لكنه يخطئ، ومدار حديث صالح
ابن كيسان على يحيى بن أيوب وهو صدوق، وربما أخطأ. وقد ظهر بهذا كله أنّ
رواية من رواه عن الزهري موصولًا لا توازي رواية الثقات الحفاظ الذين رووه
منقطعًا، ولذلك توارد الأئمة الحفاظ على الحكم بضعف حديث عائشة هذا كما
تقدم عن الخلال.
فإن قلت: رواه النسائي وابن حبان في ((صحيحه)) والطحاوي (ج١ ص ٣٥٥)
وابن حزم في المحلى (ج٦ ص ٢٧٠) من حديث جرير بن حازم عن يحيى بن سعيد
عن عمرة عن عائشة كذلك، وهذا سند جيد وهو يقوي رواية من رواه عن الزهري
متصلاً. قلت: قال البيهقي: جرير بن حازم وإن كان من الثقات فهو واهم فيه، وقد
خطأه في ذلك أحمد بن حنبل وعلي بن المديني. والمحفوظ عن يحيى بن سعيد
عن الزهري عن عائشة مرسلًا، ثم أسنده كذلك عن أحمد وابن المديني.

SBONE
٥٠٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
وللحديث شواهد من حديث ابن عباس عند النسائي والطبراني، وفيه خصيف وهو
صدوق سيئ الحفظ خلط بآخرة رواه عن عكرمة عنه. قال النسائي وابن عبد البر:
هذا الحديث منكر، وقد أخرجه ابن أبي شيبة من طريق خصيف عن سعيد بن جبير
مرسلًا. ومن حديث ابن عمر عند البزار والطبراني، وفيه حماد بن الوليد وهو لین
الحديث. ومن حديث أبي هريرة عند الطبراني والعقيلي في ((الضعفاء)) وفيه محمد
ابن أبي سلمة المكي. قال الهيثمي: وقد ضعف بهذا الحديث.
(وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) و کذا النسائي والبيهقي (ج٤ص٢٨١) کلهم من حدیث یزید بن
الهاد. (عَنْ زُمَيْلٍ) بالتصغير ابن عباس المدني الأسدي، قال مهنأ عن أحمد: لا
أدري من هو. وقال الخطابي والحافظ في ((التقريب)): مجهول. وقال النسائي:
ليس بالمشهور. وذكره ابن حبان في ((الثقات)) وهذا على ما اصطلح من ذكر
المستورين في ((ثقاته)) .
(مَوْلَى عُرْوَةَ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ)، قال ابن عدي: هذا الحديث يعرف بزميل
هذا وإسناده لا بأس به. وقال الحافظ في ((الفتح)): ضعفه أحمد والبخاري والنسائي
بجهالة حال زميل. وقال الخطابي: إسناده ضعيف وزميل مجهول، ولو ثبت
الحديث أشبه أن يكون إنما أمرهما بالقضاء استحبابًا، انتهى. وبهذا يجمع بين
الأحاديث الواردة في هذا الباب.
٢١٠١ - [٧] وَعَنْ أُمّ عُمَارَةَ بِنْتِ كَعْبٍ: أَنَّ النَّبِيَّ وَلِّ دَخَلَ عَلَيْهَا
فَدَعَتْ لَهُ بِطَعَامِ، فَقَالَ لَهَا: ((كُلِي)). فَقَالَتْ: إِنِّي صَائِمَةٌ، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َّ :
((إِنَّ الصَّائِمَ إِذَاً أُكِلَ عِنْدَهُ صَلَّتْ عَلَيْهِ الْمَلاَئِكَةُ، حَتَّى يَفْرُغُوا)).
[رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ]
الشرح
٢١٠١- قوله: (وَعَنْ أُمِّ عُمَارَةَ) بضم العين المهملة وتخفيف الميم واسمها
(٢١٠١) التِّرْمِذِي (٧٨٥) مِنْ رِوَايَةٍ حَبِيبٍ بْنِ زَيْدٍ عَنْ مَوْلَاةٍ لَهُمْ . يُقَالَ لَهَا: لَيْلَى. عَنْ أُمِّ عِمَارَةَ.
وَالنَّسَائِي في الكبرى (٣٢٦٧) بِدُونَ ذَكْرٍ أُمِّ عِمَارَةً.

كِتّابُ الصَّوْم
بَابٌ في الإفْطارِ مِنَ التَّطوعِ
٥٠٩
نسيبة بفتح النون. (بِنْتِ كَعْبٍ) ابن عمرو الأنصارية النجارية غلبت عليها كنيتها،
وهي والدة عبد الله بن زيد بن عاصم المازني صحابية مشهورة شهدت أحدًا هي
وابنها وزوجها زيد بن عاصم، وشهدت بيعة الرضوان واليمامة وقطعت يدها فيها .
قال ابن عبد البر: شهدت بيعة العقبة وشهدت أحدًا مع زوجها زيد بن عاصم
وولدها منه في قول ابن إسحاق، وشهدت بيعة الرضوان ثم شهدت قتال مسيلمة
باليمامة وجرحت يومئذ اثنتي عشرة جراحة من بين طعنة وضربة وقطعت يدها.
وذكر ابن هشام من طريق أم سعد بنت سعد بن الربيع قالت: دخلت على أم
عمارة، فقلت: حدثيني خبرك يوم أحد، فقالت: خرجت أول النهار ومعي سقاء فيه
ماء فانتهيت إلى رسول اللَّه ◌َلّ وهو في أصحابه والريح والدولة للمسلمين، فلما
انهزم المسلمون انحزت إلى رسول اللَّه ◌َ له، فجعلت أباشر القتال وأذب عن
رسول اللّه ◌َليه بالسيف وأرمي بالقوس حتى خلصت إلى الجراحة، قالت: فرأيت
على عاتقها جرحًا له غور أجوف، فقلت: من أصابك بهذا؟ قالت: ابن قمئة،
وأخرج الواقدي عن عمر قال: سمعت رسول اللّه وَّلَه يقول: ((مَا الْتَفَتُّ يَوْمَ أُحُدٍ
يَمِيْنَا وَشِمَالًا إِلَّا وَأَرَاهَا تُقَاتِلُ دُوْنِي))، وروي أنها قتلت يومئذ فارسًا من المشركين.
(فَدَعَتْ)، أي: طلبت. (لَهُ بِطَعَام)، وفي رواية لأحمد: فقربت إليه
طعامًا، وللترمذيٍّ: فقدمت. (إِنَّ الصَّائِمَ إِذَا أُكِلَ) بالبناء المفعول. (عِنْدَهُ)،
أي: نهارًا بحضرته. وفي رواية للترمذي: ((إِذَا أُكِلَ عِنْدَهُ الْمَفَاطِيرُ)) بفتح الميم
جمع المفطر، أي: المفطرون. (صَلَّتْ عَلَيْهِ الْمَلَائِكَةُ)، أي: استغفرت ودعتْ له
الملائكة بما صبر مع وجود المرغب. (حَتَّى يَفْرُغُوا)، أي: الآكلون من أكل
الطعام عنده؛ لأنَّ حضور الطعام عنده یھیج شهوته للأكل، فلمّا کف شهوته وحبس
نفسه امتثالا لأمر الشارع استغفرت له الملائكة وعظم له الأجر. وفي الحديث:
ترغيب الصائمين في أكل المفطرين عنده. (رَوَاهُ أَحْمَدُ) (ج ٦ ص٣٦٥) (وَالتِّرْمِذِيُّ)
وصححه. (وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ) واللفظ لأحمد والدارمي، ولفظ الترمذي: ((إِنَّ
الصَّائِمَ تُصَلِّي عَلَيْهِ الْمَلَائِكَةُ إِذَا أُكِلَ عِنْدَهُ حَتَّى يَفْرُغُوا - وربما قال : - حَتَّى
يَشْبَعُوا))، والحديث أخرجه أيضًا ابن خزيمة وابن حبان في (صحيحيهما)) والنسائي
في ((الكبرى)) والبيهقي في ((شعب الإيمان)).

٥١٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الفصل الثالث
٢١٠٢ - [٨] عَنْ بُرَيْدَةَ قَالَ: دَخَلَ بِلَالٌ عَلَى رَسُولُ اللَّهِ بِ وَهُوَ
يَتَغَدَّى فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ بِّهِ: ((الْغَدَاءَ يَا بِلَالُ)). قَالَ: إِنِّي صَائِمٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَِّهِ: ((فَأْكُلُ رِزْقَنَا وَفَضْلُ رِزْقٍ بِلَالٍ فِي الْجَنَّةِ أَشَعَرْتَ يَا
بِلَالُ أَنَّ الصَّائِمَ يُسَبِّحُ عِظَامُهُ وَتَسْتَغْفِرُ لَهُ الْمَلَائِكَةُ مَا أُكِلَ عِنْدَهُ؟».
[رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ]
الشرح
٢١٠٢ - قوله: (عَنْ بُرَيْدَةَ) بالتصغير. (وَهُوَ يَتَغَدَّى)، أي: يأكل الغداء وهو
طعام أول النهار. (الْغَدَاءَ) بالنصب لفعل مقدر، أي: أحضر الغداء أوائته، أو
بالرفع على الابتداء، أي: حاضر. (نَأْكُلُ رِزْقَنَا)، أي: رزق اللَّه الذي أعطانا الآن
هكذا في جميع النسخ من ((المشكاة)): (رِزْقَنَا)، وفي ابن ماجه: ((أَرْزَاقَنَا))، وكذا
نقله المنذري في ((الترغيب)) وعزاه لابن ماجه والبيهقي. (وَفَضْلُ رِزْقِ بِلَالٍ) مبتدأ،
أي: الرزق الفاضل على ما نأكل. (فِي الْجَنَّةِ)، أي: جزاء له على صومه المانع من
أكله. قال الطيبي: الظاهر: أن يقال: ورزق بلال في الجنة إلا أنه ذكر لفظ فضل
تنبيهًا على أن رزقه الذي هو بدل من هذا الرزق زائد عليه، ودل آخر كلامه على أن
أمره الأول لم يكن للوجوب، انتهى. ثم زاد عليه الصلاة والسلام في ترغيب بلال
في الصوم بقوله: (أَشَعَرْتَ)، أي: أما علمت. (عِظَامُهُ) لا مانع من حمله على
حقيقته، وإن الله تعالى بفضله يكتب له ثواب ذلك التسبيح. (وَيَسْتَغْفِرُ لَهُ الْمَلَائِكَةُ)
وفي بعض النسخ بتأنيث الفعلين كما في ابن ماجه و ((الترغيب)) للمنذري. (مَا أَكَلَ)
ظرف لـ(يُسَبِّحُ)، (وَيَسْتَغْفِرُ)، (عِنْدَهُ)، أي: ما دام يؤكل عند الصائم جزاء على
صبره حال جوعه. (رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيْمَانِ)، وكذا ابن ماجه كلاهما من
رواية بقية حدثنا محمد بن عبد الرحمن عن سليمان بن بريدة عن أبيه. قال
(٢١٠٢) البَيْهَقِي (٣٥٨٦) في الشُّعَب عنه .

٥١١
كِتّابُ الصَّوْم
بَابٌ في الإفْطارِ مِنَ التَّطوعِ
المنذري: ومحمد بن عبد الرحمن هذا مجهول، وبقية مدلس، وتصريحه
بالتحديث لا يفيد مع الجهالة، انتهى. وقال البوصيري في ((الزوائد)) على ما نقله
السندي في ((حاشية ابن ماجه)): في إسناده محمد بن عبد الرحمن متفق على
تضعيفه، وكذبه أبوحاتم والأزدي، انتهى. قلت: الذي كذبه أبوحاتم والأزدي هو
محمد بن عبد الرحمن المقدسي الذي سكن بيت المقدس. وأمَّا شيخ بقية فقال
أبوحاتم والأزدي: مجهول، وزاد الأزدي منكر الحديث، وفرق بينه وبين الشيخ
المقدسي. وقال الذهبي في ((الميزان)) (ج٣ص٨٩): محمد بن عبد الرحمن
البيروتي عن سليمان بن بريدة وعنه بقية لا يدرى من هو، انتهى. والحديث يؤيده
حديث أم عمارة السابق وحديث ابن عباس مرفوعًا بلفظ: ((إِنَّ الرَّجُلَ الصَّائِمَ إِذَا
جَالَسَ الْقَوْمَ وَهُمْ يُطْعَمُونَ صَلَّتْ عَلَيْهِ الْمَلَائِكَةُ حَتَّى يُفْطِرَ الصَّائِمُ))، رواه الطبراني
في ((الأوسط)) وفيه أبان بن أبي عياش وهو متروك كذا في ((مجمع الزوائد))
(ج ٣ص ٢٠١).

٥١٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
٨ - بَابُ لَيْلَةِ الْقَذْرِ
(بَابُ لَيْلَةِ الْقَدْرِ) بفتح القاف وإسكان الدال، أي: باب فضلها وبيان أرجى
أوقاتها، واختلف في وجه تسميتها بذلك. فقيل: لعظم قدرها وشرفها، فالقدر
بمعنى التعظيم كقوله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُواْ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِةٍ﴾ [الأنعام: ٩١] والمعنى: أنها ذات
قدر عظيم؛ لنزول القرآن فيها ووصفها بأنها خير من ألف شهر، أو لما يقع فيها من
تنزل الملائكة، أو لما ينزل فيها من البركة والرحمة والمغفرة، أو لما يحصل
لمحييها بالعبادة من القدر الجسيم أو لأنَّ الطاعات لها قدر زائد فيها. وقيل: القدر
هنا بمعنى: التضييق كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾ [الطلاق: ٧] ومعنى التضييق
فيها: إخفاؤها عن العلم بتعيينها أو؛ لأن الأرض تضيق فيها عن الملائكة.
وقيل القدر هنا بمعنى القدر بفتح الدال الذي هو مؤاخي القضاء، والمعنى: أنه
[الدخان: ٤] و به
يقدر فيها أحكام تلك السَّنَة لقوله تعالى: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ
صدر النووي كلامه فقال: قال العلماء: سميت ليلة القدر؛ لما يكتب فيها الملائكة
من الأقدارِ التي تكون في تلك السَّنَةِ لقوله تعالى: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ ﴾
وتقدير اللّه تعالى سابق فهي ليلة إظهار اللّه تعالى ذلك التقدير للملائكة. وقال
التوربشتي: إنما جاء القدر بتسكين الدال، وإن كان الشائع في القدر الذي هو
مؤاخى القضاء وقرينه فتح الدال؛ ليعلم أنه لم يرد به ذلك، فإن القضاء سبق
الزمان. وإنما أريد به تفصيل ما جرى به القضاء وتبيينه، وتحديده في المدة التي
بعدها إلى مثلها من القابل ليحصل ما يلقى إليهم فيها مقدار بمقدار. ثمَّ الجمهور
على أنها مختصة بهذه الأمة ولم تكن لمن قبلهم.
قال الحافظ: وجزم به ابن حبيب وغيره من المالكية کالباجي وابن عبد البر،
ونقله عن الجمهور صاحب ((العدة)) من الشَّافعية ورجحه. وقال النووي: إنه
الصَّحيح المشهور الذي قطع به أصحابنا كلهم وجماهير العلماء. قال الحافظ: وهو
معترض بحديث أبي ذر عند النسائي حيث قال فيه: قلت: يا رسول اللَّه أتكون مع
الأنبياء، فإذا ماتوا رفعت؟قال: ((لا، بَلْ هِيَ بَاقِيَةٌ))، وعمدتهم قول مالك في

كِتّابُ الصَّوْم
بَابٌ لَّيْلَةِ الْقَدْرِ
٥١٣
((الموطأ))، بلغني أن رسول اللَّه تقاصر أعمار أمته من أعمار الأمم الماضية فأعطاه
اللَّه ليلة القدر، وهذا يحتمل التَّأويل فلا يدفع الصريح في حديث أبي ذر، انتهى.
قلت: حديث أبي ذر ذكره ابن قدامة (ج٣ص١٧٩) من غير أن يعزوه لأحد
بلفظ: قال: قلت: يا رسول الله ليلة القدر رفعت مع الأنبياء، أو هي باقية إلى يوم
القيامة؟ قال: ((باقية إلى يوم القيامة ... )) الحديث. وأخرجه البزار بنحوه كما في
((مجمع الزوائد» (ج ٣ ص١٧٧) ورواه البيهقي (ج ٤ ص ٣٠٧) بلفظ: قلت: يا نبي
الله! أتكون مع الأنبياء ما كانوا، فإذا قبضت الأنبياء ورفعوا رفعت معهم، أو هي
إلى يوم القيامة؟ قال: (لَا، بَلْ هِيَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ))، وأمَّا أثر ((الموطأ)) فقال مالك
فيه: إنه سمع من يثق به من أهل العلم يقول: إنَّ رسول الله أري أعمار الناس قبله
أو ما شاء الله من ذلك فكأنه تقاصر أعمار أمته أنْ لا يبلغوا من العمل مثل الذي بلغ
غيرهم في طول العمر فأعطاه اللَّه ليلة القدر خير من ألف شهر.
قال ابن عبد البر: هذا أحد الأحاديث التي أنفرد بها مالك لا يوجد مسندًا ولا
مرسلًا فيما علمت إلا من ((الموطأ))، وهذا أحد الأحاديث الأربعة التي لا توجد
مسندة ولا مرسلة من إرسال تابعي ثقة، قال: وليس منها حديث منكر ولا ما يدفعه
أصل، انتهى. قلت: وأثر ((الموطأ)) المذكور يدل على أنَّ إعطاء ليلة القدر كان
تسلية لهذه الأمة القصيرة الأعمار ويشهد لذلك روايات أخرى مرسلة ذكرها العيني
في ((العمدة)) (ج١١ ص١٢٩، ١٣٠) والسيوطي في ((الدر)) والقسطلاني
(ج ٥ ص٧، ٨). وقد اختلف العلماء في تعيينها على أقوال كثيرة بلغها الحافظ
في ((الفتح)) إلى أكثر من أربعين قولًا، وأكثرها يتداخل وفي الحقيقة يقرب من
خمسة وعشرين نقتصر منها على ذكر الأقوال المشهورة سيما ما نسب إلى الأئمة
الأربعة .
فقيل: إنها ممكنة في جميع السَّنة. قال الحافظ: وهو قول مشهور عن الحنفية
حكاه قاضي خان وأبوبكر الرازي منهم، وروي مثله عن ابن مسعود وابن عباس
وعكرمة وغيرهم وزيف المهلب هذا القول. قال الحافظ: ومأخذ ابن مسعود كما
ثبت في صحيح مسلم عن أبي بن كعب أنه أراد أنْ لا يتكل الناس، انتهى. وقال
الزرقاني: كونها في جميع السنة قول مشهور للمالكية والحنفية، وجزم ابن
الحاجب كونها مختصة برمضان رواية عن مالك، انتهى.

٥١٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
وقال في ((الشرح الكبير)) للدردير: وفي كونها دائرة بالعام كله أو برمضان خاصة
خلاف، وانتقلت على كل من القولين فلا تختص بليلة معينة في العام على الأول
ولا في رمضان على الثاني، وقيل: تختص بالعشر الأواخر من رمضان وتنتقل
أيضًا. قال الدسوقي: قوله: في كونها دائرة بالعام، هو ما صححه في المقدمات
حيث قال: وإلى هذا ذهب مالك وأكثر أهل العلم وهو أولى الأقاويل، وقوله: أو
دائرة في رمضان هو الذي شهره ابن غلاب، انتهى.
وقال ابن عابدين: ذكر في ((البحر)) عن الخانية أن المشهور عن الإمام أبي
حنيفة: أنها تدور في السَّنة كلها قد تكون في رمضان، وقد تكون في غيره، و کونها
في رمضان خاصة هو قول له، انتهى. قال الشوكاني: القول بأنها ممكنة في جميع
السنة مردود بكثير من الأحاديث المصرحة باختصاصها برمضان. وقيل: إنها
مختصة برمضان ممكنة في جمیع لياليه.
قال الحافظ: وهو قول ابن عمر رواه ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عنه وروي
مرفوعًا عنه أخرجه أَبُو دَاوُدَ، وفي ((شرح الهداية)) الجزم به عن أبي حنيفة. وقال به
ابن المنذر والمحاملي وبعض الشافعية، ورجحه السبكي في ((شرح المنهاج))
وحكاه ابن الحاجب رواية، انتهى. قلت: وهو مقتضى كلام الحنابلة. قال ابن
قدامة (ج٣ص١٧٩): يستحب طلبها في جميع ليالي رمضان، وفي العشر الأواخر
آكد وفي ليالي الوتر منه آكد، وقال أحمد: هي في العشر الأواخر، وفي وتر من
الليالي لا يخطئ إن شاء الله، انتهى. ومقتضاه الاختصاص بالعشر الأواخر.
وقيل: إنها مختصة برمضان في ليلة معينة منه مبهمة ذهب إليه صاحبا أبي
حنيفة. قال السروجي في ((شرح الهداية)): قول أبي حنيفة أنها تنتقل في جميع
رمضان، وقال صاحباه: إنها في ليلة معينة منه مبهمة، وكذا قال النسفي في
المنظومة :
وَغَيْنَاهَا فَاذْرِ
دَائِرَة
وَلَيْلَةُ الْقَدْرِ بِكُلِّ الشَّهْرِ
قال في ((الدر المختار)): ليلة القدر دائرة في رمضان اتفاقًّا إلا أنَّها تتقدم وتتأخر
خلافًا لهما وثمرته فيمنْ قال: بعد ليلة منه أنت حر أو أنت طالق ليلة القدر، فعنده

كِتّابُ الضَّؤْمِ
بَابُ لِيْلَةِ الْقَدْرِ
جريمة
٥١۵
لا يقع حتَّى ينسلخ شهر رمضان الآتي؛ لجواز كونها في الأول في الأولى. وفي
الآتي في الأخيرة، وقالا: يقع إذا مضى مثل تلك الليلة في الآتي ولا خلاف أنَّه لو
قال: قبل دخول رمضان وقع بمضیه .
وقيل: إنها منحصرة في العشر الأخير من رمضان. واختلف القائلون به: فمنهم
من قال: إنَّها في ليلة معينة منه، ومنهم من قال: إنَّها تنتقل في العشر الأواخر كلها
قاله أبو قلابة ونص عليه مالك والثوري وأحمد وإسحاق، وزعم الماوردي أنه مُتَّفَقٌ
عَلَيْهِ وكأنه أخذه من حديث ابن عباس أن الصحابة اتفقوا على أنها في العشر
الأخير، ويؤيد كونها في العشر الأخير حديث أبي سعيد أنَّ جبريل قال للنبي وَّ لما
اعتكف العشر الأوسط: ((إنَّ الذي تطلب أمامك)). واختلف أصحاب القول الأول
في تعيينها: فقيل: إنها أول ليلة من العشر الأخير.
قال الحافظ: وإليه مال الشافعي وجزم به جماعة من الشافعية، ولكن قال
السبكي: إنه ليس مجزومًا به عندهم؛ لاتفاقهم على عدم حنث من علق يوم
العشرين عتق عبده في ليلة القدر أنه لا يعتق تلك الليلة، بل بانقضاء الشهر على
الصحيح بناء على أنها في العشر الأخير. وقيل: بانقضاء السنة بناء على أنها لا
تختص بالعشر الأخير، بل هي في رمضان وفي ((شرح الإقناع)): من فروع الشافعية
هي منحصرة في العشر الأخير كما نص عليه الإمام الشافعي وعليه الجمهور، وإنها
تلزم ليلة بعينها .
وقال المزني وابن خزيمة: إنها منتقلة في ليالي العشر جمعًا بين الأحاديث،
واختاره في ((المجموع)) والمذهب الأول، وميل الشافعي إلى أنها ليلة الحادي
والعشرين أو الثالث والعشرين، انتهى. وقال ابن حزم (ج٧ص٣٣): ليلة القدر في
العشر الأواخر من رمضان خاصة في ليلة واحدة بعينها لا تنتقل أبدًا إِلا أنها في وتر
منه ولا بد، فإن كان الشهر تسعًا وعشرين فأول العشر الأواخر بلا شك ليلة عشرين
منه، فهي إمَّا ليلة عشرين، وإمّا ليلة اثنين وعشرين، وإمّا ليلة أربع وعشرين، وإمَّا
ليلة ست وعشرين، وإمّا ليلة ثمان وعشرين؛ لأنَّ هذه هي الأوتار من العشر
الأواخر، وإن كان الشهر ثلاثين فأول العشر الأواخر بلا شك ليلة إحدى وعشرين
فهي إمَّا ليلة إحدى وعشرين، وإمَّا ليلة ثلاث وعشرين، وإمّا ليلة خمس وعشرين،
وإمّا ليلة سبع وعشرين، وإمَّا ليلة تسع وعشرين؛ لأنَّ هذه هي الأوتار العشر بلا

٥١٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَضَابِيحِ
شك، انتھی.
وقيل: إنها ليلة اثنين وعشرين، وقيل: إنها ليلة ثلاث وعشرين ودليله حديث
عبد الله بن أنيس الآتي. وقد ذهب إلى هذا جماعة من الصحابة والتابعين. وقيل:
إنها ليلة أربع وعشرين ودليله ما رواه الطيالسي عن أبي سعيد مرفوعًا: ((لَيْلَةُ الْقَدْرِ
◌َيْلَةُ أَرْبَع وَعِشْرِینَ»، وما رواه أحمد من حديث بلال نحوه وفيه ابن لهيعة وروي
ذلك عنَّ ابن مسعود والشعبي والحسن وقتادة. وقيل: ليلة خمس وعشرين.
وقيل: ليلة ست وعشرين. وقيل: إنها ليلة سبع وعشرين.
قال الحافظ: وهو الجادة من مذهب أحمد ورواية عن أبي حنيفة وبه جزم أبي
ابن كعب وحلف عليه كما أخرجه مسلم، وروى مسلم أيضًا من طريق أبي حازم
عن أبي هريرة قال: تذاكرنا ليلة القدر فقال رسول اللّه وَله: «أَيُّكُمْ يَذْكُرُ حِيْنَ طَلَعَ
الْقَمَرُ كَأَنَّهُ شِقُّ جَفْنَةٍ)) ، قال أبو الحسن الفارسي: أي: ليلة سبع وعشرين، فإن القمر
يطلع فيها بتلك الصفة، وروى الطبراني من حديث ابن مسعود: سئل رسول الله
وَّر عن ليلة القدر، فقال: ((أَيُّكُمْ يَذْكُرُ لَيْلَةَ الصَّهْبَاوَاتِ))، قلت: أنا، وذلك ليلة
سبع وعشرين، ورواه ابن أبي شيبة عن عمر وحذيفة وناس من الصحابة. وفي
الباب عن ابن عمر عند مسلم وأحمد، وعن جابر بن سمرة عند الطبراني وعن
معاوية عند أبي داود وحكاه صاحب ((الحلية)) عن أكثر العلماء. وقيل: إنها ليلة
ثمان وعشرين. وقيل: ليلة تسع وعشرين. وقيل: ليلة ثلاثين، واختلف أهل القول
الثاني أيضًا وهم الذين ذهبوا إلى أنها تنتقل في العشر الأخير كله، فمنهم من قال:
هي فيه محتملة على حد سواء نقله الرافعي عن مالك، وضعفه ابن الحاجب.
ومنهم من قال: بعض لياليه أرجى من بعض، فقال الشافعي: أرجاه ليلة إحدى
وعشرين. وقيل: أرجاه ليلة ثلاث وعشرين وقيل أرجاه ليلة سبع وعشرين. وقال
أبو ثور المزني وابن خزيمة وجماعة من علماء المذهب: إنها في أوتار العشر
الأخير وإنها تنتقل، وعليه يدل حديث عائشة الآتي وغيرها وهو أرجح الأقوال.
قال الحافظ بعد ذكر الأقوال: وأرجحها كلها أنَّها في وتر من العشر الأخير، وأنَّها
تنتقل كما يفهم من أحاديث هذا الباب، وأرجاها أوتار العشر وأرجى أوتار العشر
عند الشافعية ليلة إحدى وعشرين أو ثلاث وعشرين، وأرجاها عند الجمهور ليلة
سبع وعشرين، انتهى. وقد ترجم البخاري لحديث عائشة وغيرها باب تحري ليلة

٥١٧
كِتّابُ الصَّوْم
بَابُ ليْلةِ الْقَدْرِ
القدر في الوتر من العشر الأواخر. قال الحافظ: في هذه الترجمة إشارة إلى
رجحان كون ليلة القدر منحصرة في رمضان ثم في العشر الأخير منه، ثمَّ في أوتاره
لا في ليلة منه بعينها، وهذا هو الذي يدل عليه مجموع الأخبار الواردة فيها،
انتهى. والحكمة في إخفائها على ما قال العلماء؛ ليحصل الاجتهاد في التماسك
بخلاف ما لو عينت لها ليلة لاقتصر عليها كما تقدم نحوه في ساعة الجمعة، وهذه
الحكمة مطردة عند من يقول: إنها في جميع السنة أو في جميع رمضان، أو في
جميع العشر الأخير، أو في أوتاره خاصة إلّا أن الأول ثم الثاني أليق به قاله
الحافظ .
وقال الرازي: إنه تعالى أخفى هذه الليلة لوجوه: أحدها: أنه تعالى أخفاها كما
أخفى سائر الأشياء فإنه أخفى رضاه في الطاعات حتى يرغبوا في الكل، ويجتهدوا
في الجميع، وأخفى سخطه في المعاصي؛ ليحترزوا عن الكل، وأخفى الإجابة في
الدعاء ليبالغوا في كل الدعوات، وأخفى الاسم الأعظم ليعظموا كل الأسماء،
وأخفى قبول التوبة؛ ليواظب المكلف على جميع أقسام التوبة، وأخفى وقت
الموت؛ ليخاف المكلف فكذا أخفى هذه الليلة؛ ليعظموا جميع ليالي رمضان.
وثانيها: كأنه تعالى يقول: لو عينت هذه الليلة وأنا أعلم بتجاسركم على
المعصية فربما دعتك الشهوة في تلك الليالي إلى المعصية فوقعت في الذنب
فكانت معصيتك مع علمك أشد من معصيتك لا مع علمك، يعني: كأنه تعالى
يقول: إذا علمت ليلة القدر فإن أطعت فيها اكتسبت ثواب ألف شهر، وإن عصيت
فيها اكتسبت عقاب ألف شهر، ورفع العقاب أولى من جلب الثواب.
وثالثها: أخفيت هذه الليلة حتى يجتهد المكلف في طلبها فيكتسب ثواب
الاجتهاد .
ورابعها: إن العبد إذا لم يتيقن فإنه يجتهد في الطاعة في جميع ليالي رمضان
على رجاء أنه ربما كانت هذه الليلة هي ليلة القدر فيباهي اللّه تعالى بهم ملائكته
ويقول: كنتم تقولون فيهم: يفسدون ويسفكون، فهذا جده واجتهاده في الليلة
المظنونة فكيف لو جعلتها معلومة؟ انتهى.
واختلفوا هل يحصل الثواب المرتب عليها لمن اتفق له أنه قامها، وإن لم يظهر

٥١٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
له شيء، أو يتوقف ذلك على كشفها له؟ وإلى الأول ذهب الطبري والمهلب وابن
العربي وجماعة، وإلى الثاني ذهب الأكثر قيل: ويدل له ما وقع عند مسلم من
حديث أبي هريرة بلفظ: ((مَنْ يَقُمْ لَيْلَةَ الْقَدْرِ فَيُوَافِقُهَا))، وفي حديث عبادة عند
أحمد والطبراني: ((مَنْ قَامَهَا إِيْمَانًا وَاحْتِسَابًا ثُمَّ وُفِّقَتْ لَهُ)).
قال النووي: معنى يوافقها، أي: يعلم أنها ليلة القدر فيوافقها. وقال في ((شرح
التقريب)): معنى توفيقها له، أو موافقته لها: أن يكون الواقع أن تلك الليلة التي
قامها بقصد ليلة القدر هي ليلة القدر في نفس الأمر، وإن لم يعلم هو ذلك، وما
ذكر النووي من أن معنى الموافقة: العلم بأنها ليلة القدر مردود، وليس في اللفظ
ما يقتضي هذا ولا المعنى يساعده، انتهى.
وقال الحافظ: الذي يترجح في نظري ما قاله النووي، ولا أنكر حصول الثواب
الجزيل لمن قام لابتغاء ليلة القدر، وإن لم يعلم بها ولم توفق له، وإنما الكلام على
حصول الثواب المعين الموعود به فليتأمل، وقد فرعوا على القول باشتراط العلم
بها أنه يختص بها شخص دون شخص فتکشف لواحد ولا تکشف لآخر ولو كانا
معًا في بيت واحد كذا ذكره القسطلاني، واختلفوا أيضًا: هل لها علامة تظهر لمن
وفقت له، أم لا؟ وسيأتي بسط القول في ذلك في شرح حديث زِرِّ بن حبيش.

كِتّابُ الصَّؤْم
*
بَابٍ لَيْلَةِ الْقَدْرِ
٥١٩
الفصل الأول
٢١٠٣ - [١] عَنْ عَائِشَةَ ﴿يَا قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَه: «تَحَرَّوْا
لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي الْوِتْرِ مِنَ الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ)). [رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ] {صحيح}
الشرح
٢١٠٣- قوله: (تَحَرَّوْا) بفتح التاء والحاء والراء المهملتين أمر من التحري،
وفي رواية: ((الْتَمِسُوا))، وكل منهما بمعنى الطلب والقصد لكن معنى التحري
أبلغ؛ لكونه يقتضي الطلب بالجد والاجتهاد. (لَيْلَةَ الْقَدْرِ) قال في ((النهاية)): أي:
تعمدوا طلبها فيها والتحري: القصد والاجتهاد في الطلب، والعزم على تخصيص
الشيء بالفعل والقول، انتهى.
(فِي الْوِتْرِ)، أي: في ليالي الوتر. (مِنَ الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ)، فيه: دليل
على أن ليلة القدر منحصرة في رمضان، ثم في العشر الأخير منه، ثم في أوتاره لا
في ليلة منه بعينها. وقد تقدم أنه القول الراجح. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) أخرجه أيضًا مسلم
لكن ليس عنده لفظ الوتر، وهكذا أخرجه أحمد والترمذي، وأخرجه مالك في
((الموطأ)) مرسلا فكان حق المصنف أن يقول: مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، واللفظ للبخاري فإن
قوله: ((فِي الْوِتْرِ)) لم يخرجه مسلم، بل انفرد به البخاري، وأخرج البيهقي
الروايتين (ج٤ ص٣٠٧ - ٣٠٨).
(٢١٠٣) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: الْبُخَارِي (٢٠١٧)، ومُسْلِم (٢١٩/ ١١٦٩) عَنْهَا، وَلَيْسَ عِنْدَ مُسْلِمٍ فِي الوِتْرِ.