Indexed OCR Text

Pages 221-240

٢٢٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
**
إنه وَجّ سوى في علة النهى بين الوصال وبين تأخير الفطر، حيث قال في كل
منهما: أنه فعل أهل الكتاب، ولم يقل أحد بتحريم تأخير الفطر سوى بعض من لا
يعتد به من أهل الظاهر. انتهى.
قال الشوكاني: فلا أَقَّلَّ من أن تكون هذه الأدلة التي ذكروها صارفة للنهى عن
الوصال عن حقيقته. انتهى. قال الحافظ: ويدل: على أنه ليس بمحرم من حيث
المعنى، ما فيه من فطم النفس عن شهواتها وقمعها عن ملذاتها، فلهذا استمر على
القول بجوازه مطلقًا أو مقيدًا بمن لم يشق عليه من تقدم ذكره. انتهى. واحتج من
ذهب إلى تحريم الوصال بما ثبت من النهى عنه في حديث أبي هريرة وحديث أنس
وحديث ابن عمر وحديث عائشة متفق عليه، فإن النهى حقيقة في التحريم. وقد
تقدم الجواب عن هذا في كلام الشوكاني؛ فتفكر. واحتجوا أيضًا بقوله وَليّ في
حديث عمر المتقدم: ((إِذَا أَقْبَلَ اللَّيْلُ مِنْ هَاهُنَا وَأَدْبَرَ النَّهَارَ مِنْ هَاهُنَا فَقَدْ أَفْطَرَ
الصَّائِمُ)) إذ لم يجعل الليل محلًّا لسوى الفطر، فالصوم فيه مخالفة لوضعه كيوم
الفطر، وأجاب هؤلاء عن قول عائشة: ((رحمة لهم)) بأن هذا لا يمنع التحريم، فإن
من رحمته لهم أن حرمه عليهم، وأما مواصلته بأصحابه بعد نهيه، فلم يكن تقريرًا
بل تقريعًا وتنكيلًا، فاحتمل منهم ذلك لأجل مصلحة النهى في تأكيد زجرهم؛
لأنهم إذا باشروه ظهرت لهم حكمة النهى. وكان ذلك أدعى إلى قلوبهم؛ لما
يترتب عليهم من الملل في العبادة، والتقصير فيما هو أهم منه وأرجح من وظائف
الصلاة والقراءة وغير ذلك، والجوع الشديد ينافي ذلك، وقد صرح بأن الوصال
يختص به لقوله: ((لَسْتُ فِي ذَلِكَ مِثْلَكُمْ)) وقوله: ((لَسْتُ کَھَيْئَتِكُمْ)) هذا مع ما انضم
إلى ذلك من استحباب تعجيل الفطر كما تقدم، كذا في ((الفتح)) والأقرب من
الأقوال المذكورة عندي هو التفصيل. والله تعالى أعلم.
وأما الوصال إلى السحر، فاختلفوا فيه أيضًا: قال مالك: إنه مكروه؛ لعموم
النهى. وقال أحمد: لا يكره، بل يجوز لكن تعجيل الفطر أفضل، أي: ترك
الوصال إلى السحر أولى ولم يتعرض له فقهاء الحنفية، والذي يظهر من كلامهم
وكلام الشافعية أن الوصال إلى السحر ليس بشيء. قال الحافظ: ذهب أحمد
وإسحاق وابن المنذر وابن خزيمة وجماعة من المالكية والبخاري وطائفة من أهل
الحديث إلى جواز الوصال إلى السحر؛ لحديث أبي سعيد المذكور، وهذا

٢٢١
كِتّابُ الصَّوْمِ
بَابَ في مَسَائِلِ مُتَفَرِقَةٍ مِنْ كِتَابِ الضّؤْمِ
الوصال لا يترتب عليه شيء مما يترتب على غيره أي: الوصال بعدم الإفطار
مطلقًا؛ لأنه في الحقيقة بمنزلة عشائه إلا أنه يؤخره؛ لأن الصائم له في اليوم والليلة
أكلة، فإذا أكلها في السحر كان قد نقلها من أول الليل إلى آخره، وكان أخف
لجسمه في قيام الليل، ولا يخفى أن محل ذلك ما لم يشق على الصائم وإلا فلا
يكون قربة وانفصل أكثر الشافعية عن ذلك، بأن الإمساك إلى السحر ليس وصالا،
بل الوصال أن يمسك في الليل جميعه، كما يمسك في النهار، وإنما أطلق على
الإمساك إلى السحر وصالا؛ لمشابهته الوصال في الصورة. ويحتاج إلى ثبوت
الدعوى بأن الوصال، إنما هو حقيقة في إمساك جميع الليل. وقد ورد أن النبي وَئية
كان يواصل من سحر إلى سحر، أخرجه أحمد وعبد الرزاق من حديث علي،
والطبراني من حديث جابر، وأخرجه سعيد بن منصور مرسلاً. انتهى.
والقول الراجح عندي: هو ما ذهب إليه أحمد والله تعالى أعلم. (فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ)
كذا في هذه الرواية وفي أكثر الأحاديث قالوا بالجمع. قال الحافظ: وكأن القائل
واحد، ونسب القول إلى الجميع لرضاهم بِهِ، ولم أقف على تسمية القائل في شيء
من الطرق. (إِنَّكَ تُوَاصِلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ) أي: ووصلك دال على إباحته،
فأجابهم وَلَّ بأن ذلك من خصائصه حيث. (قَالَ: وَأَيُّكُمْ مِثْلِي) بكسر الميم، وفي
رواية لمسلم: (لَسْتُمْ فِي ذَلِكَ مِثْلِي))، وفي حديث أنس : ((لَسْتُ كَأَحَدٍ مِنْكُمْ))، وفي
حديث ابن عمر: ((لَسْتُ مِثْلَكُمْ))، وفي حديث أبي سعيد: ((لَسْتُ کَھَیْتَتِكُمْ)).
قال الحافظ: بعد ذكر رواية الكتاب وهذا الاستفهام يفيد التوبيخ المشعر
بالاستبعاد، وقوله: (مِثْلِي) أي: على صفتي، أو منزلتي من ربي. (إِنِّي) استيناف
مبين لنفي المساواة بعد نفيها بالاستفهام الإنكاري. (أَبِيتُ) وفي حديث أنس عند
البخاري في التمنى: ((إِنِّي أَظَلَّ))، وهو محمول على مطلق الكون لا على حقيقة
اللفظ؛ لأن المتحدث عنه هو الإمساك ليلًا لا نهارًا، وأكثر الروايات إنما هو
بلفظ: ((أَبِيْتُ)) فكأن بعض الرواة عبر عنها بلفظ: ((أَظَلَّ))؛ نظرًا إلى اشتراكهما في
مطلق الكون يقولون: كثيرًا أضحى فلان كذا مثلا، ولا يريدون تخصيص ذلك
بوقت الضحى، ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِذَا بُشْرَ أَحَدُهُم بِالْأَنَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًا﴾
[النحل: ٥٨]، فإن المراد به: مطلق الوقت ولا اختصاص لذلك بنهار دون ليل.

٢٢٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
(يُطْعِمُنِي رَبِّي) قال الطيبي: إما خبر وإما حال إن كان تامة، وفي التعبير بالرب
إشارة إلى خصيصة المقام بشأن الربوبية. (وَيَسْقِينٍ) بفتح الياء ويضم، واختلف
في معنى قوله: (يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينٍ) على قولين: الأول: أنه على ظاهره وحقيقته،
وأنه ◌َ ◌ّ كان يؤتى بطعام وشراب من عند الله كرامة له يتناولهما في ليالي صيامه،
وتعقبه ابن بطال والقرطبي وابن قدامة ومن تبعهم بأنه لو كان كذلك لم يكن
مواصلا؛ لأنه حينئذٍ يكون مفطرًا وقد أقرهم على قولهم: ((إنك تواصل))،
وأجيب: بأن ما يؤتى به الرسول على سبيل الكرامة من طعام الجنة وشرابها لا
تجري عليه أحكام المكلفين فيه، كما غسل صدره ◌َّل في طست الذهب، مع أن
استعمال أواني الذهب الدنيوية حرام.
وقال ابن المنير: الذي يفطر شرعًا إنما هو الطعام المعتاد، وأما الخارق للعادة
كالمحضر من الجنة، فعلى غير هذا المعنى وليس تعاطيه من جنس الأعمال، وإنما
هو من جنس الثواب كأكل أهل الجنة، والكرامة لا تبطل العبادة، وثانيهما: وهو
قول الجمهور: أنه مجاز واختلفوا في توجيهه على أقوال: أحدها: أنه مجاز عن
لازم الطعام والشراب وهو القوة، فكأنه قال: يعطيني قوة الآكل والشارب،
ويفيض علي ما يسد مسد الطعام والشراب ويقوي على أنواع الطاعات من غير
ضعف في القوة ولا كلال في الأعضاء. والثاني: أن الله يخلق فيه من الشبع والري
ما يغنيه عن الطعام والشراب، فلا يحس بجوع ولا عطش والفرق بينه وبين الأول
أنه على الأول يعطى القوة من غير شبع ولا ري مع الجوع والظمأ. وعلى الثاني
يعطى القوة مع الشبع والري، ورجح الأول بأن الثاني ينافي حال الصائم ويفوت
المقصود من الصيام والوصال؛ لأن الجوع هو روح هذه العبادة بخصوصها.
قال القرطبي: ويبعده أيضًا النظر إلى حاله وَّر، فإنه كان يجوع أكثر مما يشبع
ويربط على بطنه الحجارة من الجوع. والثالث: أن المراد أنه يشغلني بالتفكر في
عظمته والتملي بمشاهدته والتغذي بمعارفه وقرة العين بمحبته والاستغراق في
مناجاته، والإقبال عليه عن الطعام والشراب وإلى هذا جنح ابن القيم حيث قال:
المراد به: ما يغذيه الله به من المعارف، وما يفيض على قلبه من لذة مناجاته،
وقرة عينه بقربه، وتنعمه بحبه والشوق إليه وتوابع ذلك من الأحوال التي هي غذاء
القلوب، ونعيم الأرواح، وقرة العين وبهجة النفوس وللروح والقلب بها أعظم

كِتّابُ الصَّوْمِ
بَابٌ في مَسَائِلِ مُتَفَرِقَةٍ مِنْ كِتَابِ الضَّوْمِ
٢٢٣
غذاء وأجوده وأنفعه. وقد يقوي هذا الغذاء حتى يغني عن غذاء الأجسام مرة من
الزمان كما قيل :
عَنِ الشَّرَابِ وَتُلْهِيهَا عَنِ الزَّادِ
لَهَا أَحَادِيثٌ مِنْ ذِكْرَاكَ تَشْغَلُهَا
وَمِنْ حَدِيْثِكَ فِي أَعْقَابِهَا حَادِ
لَهَا بِوَجْهِكَ نُوْرٌ يُسْتَضَاءُ بِهِ
رُوحُ الْقُدُومِ فَتَحْيَا عِنْدَ مِيعَادِ
إِذَا اشْتَكَتْ مِنْ كِلَالِ السَّيْرِ أَوْعَدَهَا
ومن له أدنى تجربة وشوق يعلم استغناء الجسم بغذاء القلب والروح عن كثير من
الغذاء الحيواني، ولاسيما المسرور الفرحان الظافر بمطلوبه الذي قد قرت عينه
بمحبوبه، وتنعم بقربه والرضا عنه، وألطف محبوبه وهداياه، وتحفه تصل إلیه کل
وقت ومحبوبه حفي به معتز بأمره، مكرم له غاية الإكرام مع المحبة التامة له،
أفليس في هذا أعظم غذاء لهذا المحب؟ فكيف بالحبيب الذي لا شيء أجل منه،
ولا أعظم، ولا أجمل، ولا أكمل، ولا أعظم إحسانًا، إذا امتلأ قلب المحب
بحبه، وملك حبه جميع أجزاء قلبه وجوارحه، وتمكن منه حبه أعظم تمكن، وهذا
حاله مع حبيبه؟ أفليس هذا المحب عند حبيبه يطعمه ويسقيه ليلاً ونهارًا؟، انتهى.
وفي الحديث: دليل على أن الوصال من خصائصه، وعلى أن غيره ممنوع منه إلا ما
وقع فيه الترخيص من الإذن فيه إلى السحر. واختلف في المنع المذكور على أقوال
تقدم ذكرها، وبيان ما هو الراجح منها.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) أخرجه البخاري في الصيام، وفي التغرير من كتاب المحاربين،
وفي التمني والاعتصام، ومسلم في الصيام، وأخرجه أيضًا أحمد ومالك والدارمي
والبيهقي (ج٤ : ص٢٨٢).

٢٢٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الفصل الثاني
٢٠٠٧ - [٦] عَنْ حَفْصَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ بَهِ: ((مَنْ لَمْ يُجْمِعِ
الصِّيَامَ قَبْلَ الْفَجْرِ فَلَا صِيَامَ لَهُ)).
- وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَقَفَهُ عَلَى حَفْصَةَ مَعْمَرٌ وَالزُّبَيْدِيُّ وَابْنُ عُيَيْنَهِ وَيُوْنُسُ
الْأَيْلِيُّ كُلَّهُمْ عَنِ الزُّهْرِيِّ(*). [رَوَاهُ التَّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ والنَّسَائِيُّ وَالْدَّارِمِيُّ] (صحيح)
الشرح
٢٠٠٧- قوله: (مَنْ لَمْ يُجْمِعِ الصِّيَامَ) بضم الياء وسكون الجيم من
الإجماع. قال الخطابي والمنذري والجزري: الإجماع: إحكام النية والعزيمة.
يقال: أجمعت الرأي، وأزمعته وعزمت عليه بمعنى، انتهى. وهذا يدل على أن
الإجماع والإزماع والعزم بمعنى واحد وهو إحكام النية. قال القاري: وقيل:
الإجماع هو العزم التام وحقيقته جمع رأیه علیه، انتهى.
وقال الطيبي: يقال: أجمع الأمر وعلى الأمر وأزمع على الأمر وأزمعه أيضًا إذا
صمم عزمه، ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوْ أَمْرَهُمْ﴾ [يوسف: ١١٢] أي :
أحكموه بالعزيمة حتى اجتعمت أراؤهم عليه. والمعنى: من لم يصمم العزم على
الصوم. (قَبْلَ الْفَجْرِ) أي: قبل الصبح الصادق، وفي رواية: ((مَنْ لَمْ يُبَيِّتِ الصَّيَامَ
مِنَ اللَّيْلِ)) من التبييت وهو أن ينوي الصيام من الليل. (فَلَا صِيَامَ لَهُ) فيه: دليل على
عدم صحة صوم من لا يبيت النية؛ لأن الظاهر أن النفي متوجه إلى الصحة لأنها
أقرب المجازين إلى الذات أو متوجه إلى نفي الذات الشرعية.
قال الأمير اليماني: الحديث يدل على أنه لا يصح الصيام إلا بتبييت النية؛ وهو
(٢٠٠٧) أَبُو دَاوُد (٢٤٥٤)، والترمذي (٧٣٠)، والنَّسَائِي (١٩٦/٤)، وابن ماجه (١٧٠٠) عَنْهَا فِيهِ.
(*) ذَكَرَهُ أَبُو دَاوُد (٢٤٥٤)، وَالنَّسَائِي (١٩٦/٤ - ١٩٧) فِيهِ.

٢٢٥
كِتّابُ الصَّوْم
بَابٌ فِي مَسَائِلِ مُتَفَرِقَةٍ مِنْ كِتَابِ الصَّوْمِ
أن ينوي الصيام في أي جزء من الليل، وأول وقتها الغروب وذلك لأن الصوم عمل
والأعمال بالنيات وأجزاء النهار غير منفصلة من الليل بفاصل يتحقق، فلا يتحقق
إلا إذا كانت النية واقعة في جزء من الليل، انتهى. والحديث عام للفرض والنفل،
والقضاء والكفارة، والنذر معينًا ومطلقًا، وفيه خلاف وتفاصيل. قال القاري:
ظاهر الحديث أنه لا يصح الصوم بلا نية قبل الفجر فرضًا كان أو نفلاً، وإليه ذهب
ابن عمر وجابر بن زيد ومالك والمزني وداود. وذهب الباقون إلى جواز النفل بنية
من النهار، وخصصوا هذا الحديث بما روي عن عائشة، أنها قالت: كان النبي وَال
يأتيني فيقول: ((أَعِنْدَكِ غَدَاءٌ؟)) فأقول: لا، فيقول: ((إِنِّي صَائِمٌ))، وفي رواية: ((إِنِّي
إِذَنْ لَصَائِمٌ))، وإذن للاستقبال وهو جواب وجزاء، انتهى. والغداء: اسم لما يؤكل
قبل الزوال، ومن ثم لم تجز النية بعد الزوال ولا معه. والصحيح: أن توجد النية
في أكثر النهار الشرعي، فيكون قبل الضحوة الكبرى.
قال ابن حجر: وفي قول الشافعي وغيره، أن نية صوم النفل تصح قبل الغروب
لما صح عن فعل حذيفة، انتهى.
قلت: هذا أحد القولين للشافعي والذي نص عليه في معظم كتبه التفرقة بين أن
ينوي قبل منتصف النهار فيجزئه، وبين أن ينوي بعد الزوال فلا يجزئه، وهذا هو
الأصح عند الشافعية. قاله الحافظ، واتفقوا على اشتراط التبييت في فرض لم
يتعلق بزمان معين كالقضاء والكفارة والنذر المطلق، واختلفوا فيما له زمان معين
كرمضان والنذر المعين، فكذا عند الشافعي وأحمد، وعند أبي حنيفة: يجوز بنية
قبل نصف النهار الشرعي كذا في ((المرقاة)). وقال ابن رشد في ((البداية)) (ج١
ص٢٠١، ٢٠٢): أما اختلافهم في وقت النية؛ فإن مالكًا رأى أنه لا يجزي الصيام
إلا بنية قبل الفجر، وذلك في جميع أنواع الصوم، وقال الشافعي وأحمد: تجزي
النية بعد الفجر في النافلة، ولا تجزي في الفروض.
وقال أبو حنيفة: تجزي النية بعد الفجر في الصيام المتعلق وجوبه بوقت معين
كرمضان ونذر أيام محدودة، وكذلك في النافلة، ولا تجزي في الواجب من
الذمة. والسبب في اختلافهم تعارض الآثار. أحدها: ما روي عن حفصة أنه قال
عليه الصلاة والسلام: ((مَنْ لَمْ يُبَيِّتِ الصِّيَامَ مِنَ اللَّيْلِ فَلَا صِيَامَ لَهُ))، ورواه مالك
موقوفًا. قال أبوعمر بن عبد البر: حديث حفصة في إسناده اضطراب.

٢٢٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
والثاني: ما رواه مسلم عن عائشة قالت: قال لي رسول اللَّه ◌َ ليل ذات يوم: ((يَا
عَائِشَةُ، هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ؟)) قلت: يا رسول الله، ما عندنا شيء، قال: ((فَإِنِّي
صَائِمٌ))، فمن ذهب مذهب الترجيح أخذ بحديث حفصة، ومن ذهب مذهب الجمع
فرق بين الفرض والنفل، أعنى: حمل حديث حفصة على الفرض، وحديث عائشة
على النفل، وإنما فرق أبو حنيفة بين الواجب المعين والواجب في الذمة؛ لأن
الواجب المعين له وقت مخصوص يقوم مقام النية في التعيين، بخلاف ما ليس له
وقت مخصوص فوجب التعيين بالنية، انتهى. بتغيير يسير. قلت: احتج مالك
ومن وافقه بحديث حفصة، فإنه عام يشمل الفرض والنافلة ورجحه المالكية
بحديث: ((إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ))، وبالقياس على الصلاة؛ إذ فرضها ونفلها في
وقت النية سواء، واحتج الجمهور لعدم وجوب التثبيت في التطوع أي: لجواز
النافلة بنية من النهار بحديث عائشة المتقدم، وبما روي في ذلك من آثار الصحابة
والتابعين كعائشة وابن عمر وابن عباس وأنس وأبي طلحة وأبي أيوب ومعاذ بن
جبل وأبي الدرداء وابن مسعود وحذيفة وابن المسيب وعطاء بن أبي رباح ومجاهد
والشعبي والحسن البصري. قالوا: فحديث حفصة يحمل على الفرض ويخص
عموم ((فَلَا صِيَامَ لَهُ)) بحديث عائشة.
قال ابن قدامة (ج٣ ص٩٦): صوم التطوع يجوز بنية من النهار عند إمامنا -
الإمام أحمد - وأبي حنيفة والشافعي. وروي ذلك عن أبي الدرداء وأبي طلحة وابن
مسعود وحذيفة وسعيد بن المسيب وسعيد بن جبير وأصحاب الرأي. وقال مالك
وداود: لا يجوز إلا بنية من الليل لحديث حفصة؛ ولأن الصلاة يتفق وقت النية
لفرضها ونفلها، وكذلك الصوم ولنا حديث عائشة المتقدم ذكره في كلام القاري
وابن رشد وحديثهم نخصه بحديثنا على أن حديثنا أصح من حديثهم، والصلاة
يتفق وقت النية لنفلها وفرضها؛ لأن اشتراط النية في أول الصلاة لا يفضي إلى
تقليلها بخلاف الصوم، فإنه يعين له الصوم في النهار، فعفي عنه كما لو جوزنا
التنفل قاعدًا وعلى الراحلة لهذه العلة، انتهى مختصرًا.
وأجاب المالكية ومن وافقهم عن حديث عائشة: بأنه وَ لّ قد كان نوى الصوم
من الليل، وإنما أراد الفطر لما ضعف عن الصوم وهو محتمل لاسيما على رواية :
(فَلَقَدْ أَصْبَحْتُ صَائِمًا))، وقال الأمير اليماني: حديث عائشة أعم من أن يكون بَيَّتَ

٢٢٧
كِتّابُ الصَّوْم
بَابٌ فِي مَسَائِلِ مُتّفرقةٍ مِنْ كِتّاب الصَّؤْم
الصوم أولًا، فيحمل على التبييت؛ لأن المحتمل يرد إلى العام ونحوه على أن في
روايات حديثها: ((إِنِّي كُنْتُ قَدْ أَصْبَحْتُ صَائِمًا))، وقال ابن حزم (ج٦: ص١٧٢):
ليس في هذا الحديث أنه عليه الصلاة والسلام لم يكن نوى الصيام من الليل، وقد
صح عنه عليه الصلاة والسلام: ((لَا صِيَامَ لِمَنْ لَمْ يُبَيِّنْهُ مِنَ اللَّيْلِ)) فلم يجز أن نترك
هذا اليقين لظن كاذب، وأما ما روى الدار قطني (ص٢٣٦) عن عائشة قالت: ربما
دعا رسول اللَّه ◌َل بغدائه فلا يجده، فيفرض عليه صوم ذلك اليوم، وما روى
الجصاص في ((أحكام القرآن)) (ج١ ص١٩٩) عن ابن عباس: أن النبي ◌ِّر كان
يصبح ولم يجمع الصوم، ثم يبدو له فيصوم. ففيه: أن في حديث عائشة ليث بن
أبي سليم عن عبد الله وليث هذا اختلط بآخره، ولم يتميز حديثه، وعبد الله.
قال الدارقطني: ليس بمعروف، وفي حديث ابن عباس عمر بن هارون وهو
ضَعِيف جِدًّا. هذا وقال ابن قدامة: وأي وقت من النهار نوى أجزأه، سواء في ذلك
ما قبل الزوال وبعده، هذا ظاهر كلام أحمد والخرقي وهو ظاهر قول ابن مسعود.
وروي عن ابن عباس عند الطحاوي، وعن حذيفة عند عبد الرزاق وابن أبي شيبة
والطحاوي، واختار القاضي في ((المحرر)) أنه لا تجزئه النية بعد الزوال، وهذا
مذهب أبي حنيفة والمشهور من قولي الشافعي؛ لأن معظم النهار مضى من غير نية
بخلاف الناوي قبل الزوال؛ فإنه قد أدرك معظم العبادة ولهذا تأثير في الأصول.
ولنا أنه نوی في جزء من النهار، فأشبه ما لو نوی في أوله إذا ثبت هذا فإنه یحکم له
بالصوم الشرعي المثاب عليه من وقت النية في المنصوص عن أحمد، وهو قول
بعض أصحاب الشافعي.
وقال أبو الخطاب في ((الهداية)): يحكم له بذلك من أول النهار؛ لأن الصوم لا
يتبعض في اليوم، انتهى مختصرًا. واحتج الحنفية لما ذهبوا إليه من أن الصوم
الواجب المتعين يكفي فيه النية نهارًا بقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ
إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿ثُمَّ أَتِقُواْ الْصِيَامَ إِلَى الَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧) قال الكاساني: أباح
للمؤمنين الأكل والشرب والجماع في ليالي رمضان إلى طلوع الفجر وأمر بالصيام
عنها بعد طلوع الفجر متأخرًا عنه؛ لأن كلمة ((ثم)) للتعقيب مع التراخي، فكان هذا
أمرًا بالصوم متراخيًا عن أول النهار، والأمر بالصوم أمر بالنية؛ إذ لا قيمة للصوم

٢٢٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
شرعًا بدون النية، فكان هذا أمرًا بالصوم بنية متأخرة عن أول النهار، وقد أتى به
فقد أتى بالمأمور به فيخرج عن العهدة، انتهى.
وقال في ((التلويح)) (ص١٨٧) في بحث إشارة النص: ومن أمثلة الإشارة قوله
تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِقُواْ الْصِيَامَ إِلَى الَّيْلِ﴾ قالوا: فيه إشارة إلى جواز النية بالنهار؛ لأن كلمة
((ثُمَّ)) للتراخي فإذا ابتدئ الصوم بعد تبين الفجر حصلت النية بعد مضي جزء من
النهار؛ لأن الأصل اقتران النية بالعبادة، فكان موجب ذلك وجوب النية بالنهار إلا
أنه جاز بالليل إجماعًا عملًا بالسنة، وصار أفضل لما فيه من المسارعة والأخذ
بالاحتياط. قال الشيخ أبو المعين: إن أبا جعفر الخباز السمر قندي هو الذي استدل
بالآية على الوجه المذكور - أي: على جواز النية بالنهار - لكن للخصم أن يقول:
أمر الله تعالى بالصيام بعد الانفجار، وهو - أي: الصوم - اسم للركن لا للشرط -
وهو النية - فينبغي كون الركن بعد الانفجار، والشرط يكون متقدمًا على المشروط
وأيضًا ينبغي أن يوجد الإمساك الذي هو الصوم الشرعي عقيب آخر جزء من الليل
متصلًا؛ ليصير المأمور ممتثلًا، ولا يكون الإمساك صومًا شرعيًّا بدون النية، فلا
بد منها في أول جزء من أجزاء النهار حقيقة بأن تتصل به، أو حكمًا بأن تحصل في
الليل وتجعل باقية إلى الآن، واحتجوا أيضًا بحديث سلمة بن الأكوع والربيع عند
الشيخين: أن رسول اللَّه ◌ِ لّه أمر رجلاً من أسلم يوم عاشوراء: ((أَنْ أَذِّنْ فِي النَّاسِ
مَنْ أَكَلَ فَلْيُمْسِكِ أَوْ فَلْيَصُمْ بَقِيَةَ يَوْمِهِ، وَمَنْ لَمْ يَأْكُلْ فَلْيَصُمْ))، قالوا: فيه أنه مَلّ أُمر
بصوم عاشوراء في أثناء النهار، وكان فرضًا في يوم بعينه، فدل على أن النية لا
تشترط في الليل في الصوم المفروض في يوم معين، وإن من تعين عليه صوم يوم
ولم ينوه ليلاً أنه يجزيه نهارًا، ومن ذلك شهر رمضان فهو فرض في أيام معينة
كصوم عاشوراء؛ إذ كان فرضًا في يوم بعينه، ومن ذلك أيضًا صوم النذر في أيام
معينة. قالوا: ونسخ وجوب صوم عاشوراء لا يرفع سائر الأحكام، فبقي حكم
الإجزاء بنية من النهار غير منسوخ؛ لأن الحديث دل على شيئين:
أحدهما: وجوب صوم عاشوراء. والثاني: أن الصوم الواجب في يوم بعينه
يصح بنية من نهار، والمنسوخ هو الأول، ولا يلزم من نسخه نسخ الثاني، ولا دليل
على نسخه أيضًا. وأجيب عن هذا: بأنه إنما صحت النية في نهار عاشوراء؛ لكون
الرجوع إلى الليل غير مقدور، والنزاع فيما كان مقدورًا، فيخص الجواز بمثل هذه

٢٢٩
بَابٌ فِي مَسَائِلِ مُتَفَرِقَةٍ مِنْ كِتَابِ الصَّوْمِ
كِتّابُ الصَّوْم
yes <<<< > <<<<<< > <<<<<<<<< > <<<<<<< ><> <<<<<<< > <<<<<<<<< ><> <<<<<< > <<<<<<<- > <<<<<***
الصورة أعنى: من انكشف له في النهار أن ذلك اليوم من رمضان وكمن ظهر له
وجوب الصوم عليه من النهار كالمجنون يفيق، والصبي يحتلم، والكافر يسلم قاله
الشوكاني، وقال السندي: الحديث يقتضي أن وجوب الصوم عليهم ما كان معلومًا
من الليل، وإنما علم من النهار وحينئذٍ صار إعتبار النية من النهار في حقهم ضروريًّا
كما إذا شهد الشهود بالهلال يوم الشك، فلا يلزم جواز الصوم بنية من النهار بلا
ضرورة وهو المطلوب، انتهى.
قلت: وأصل هذا الجواب لابن حزم ذكره في ((المحلى)) (ج ٦ ص١٦٤، ١٦٦)
ولابن القيم ذكره في ((زاد المعاد)) (ج١ ص ١٧١) وقيل في الجواب أيضًا: إن إجزاء
صوم عاشوراء بنية من النهار كان قبل فرض رمضان، وقبل فرض التبييت من
الليل، ثم نسخ وجوب صومه برمضان وتجدد حكم وجوب التبييت. وأجاب
الحنفية عن حديث حفصة بوجوه :
أحدها: أنه اختلف في رفعه ووقفه واضطراب إسناده إضطرابًا شديدًا، وفيه:
أن الرفع زيادة، والزيادة من الثقة مقبولة ومجرد الاختلاف لا يوجب الاضطراب
القادح كما لا يخفي.
ثانيها: أنه مخصوص بالصوم الواجب الغير المتعين كقضاء رمضان والكفارة
والنذر المطلق؛ لحديث سلمة والربيع المتقدم؛ ولأنه لو لم يخص بذلك يلزم منه
النسخ لمطلق الكتاب بخبر الواحد، فلا يجوز ذلك وقد تقدم بيانه .
ثالثها: أنه محمول على نفي الكمال. قال الكاساني: أما حديث حفصة فهو من
الآحاد فلا يصلح ناسخًا للكتاب لكنه يصلح مكملاً له فيحمل على نفي الكمال
ليكون عملًا بالدليلين بقدر الإمكان، وفيه: أن حمله على نفي الكمال خلاف
الظاهر، فإن الظاهر أن النفي متوجه إلى نفي الصحة أو إلى نفي الذات الشرعية،
ولا دليل في قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ﴾ الآية [البقرة: ١٨٧]، على
إجزاء صوم رمضان بنية من النهار كما تقدم. وأما حديث سلمة والربيع في صوم
عاشوراء فهو وارد في صورة خاصة، أي: فيمن لم ينكشف له أن اليوم يوم صوم
واجب إلا في النهار فلا معارضة بين الحديثين، وقد اتضح بهذا أنه لا دليل في
حديث عاشوراء على كون حديث حفصة خاصًّا بالصوم الواجب الغير المتعين، ولا

٢٣٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
وجه لتخصيص القضاء والنذر المطلق والكفارات بوجوب التبييت، بل هو واجب
في كل صوم إلا في تلك الصورة التي ذكرناها، أعني: فيمن لم ينكشف له أن اليوم
من رمضان إلا في النهار، وفي صوم التطوع لحديث عائشة المتقدم وهذا هو القول
الراجح عندنا .
ورابعها: أن معناه لا صيام لمن لم ينو أنه صائم من الليل يعني: أنه نفي لصوم
من نوى أنه صائم نصف اليوم مثلًا. قال صاحب ((الهداية)): ما رواه محمول على
نفي الفضيلة والكمال أو معناه لم ينو أنه صوم من الليل، انتهى. وهذا تأويل فاسد
وتكلف بعيد يرده ألفاظ الحديث. واعلم أنه في أي جزء من الليل نوى أجزأه
وسواء فعل بعد النية ما ينافي الصوم من الأكل والشرب والجماع أم لم يفعل؛
لعموم حديث حفصة وإطلاقه. واشترط بعض أصحاب الشافعي أن لا يأتي بعد
النية بمناف للصوم، واشترط بعضهم وجود النية في النصف الأخير من الليل،
وهذا كله تحكم من غير دليل، وإن نوى من النهار صوم الغد لم تجزئه تلك النية إلا
أن يستصحبها إلى جزء من الليل لظاهر حديث حفصة، ولا بد من التبييت لكل يوم
لظاهر حديثها أيضًا؛ ولأن صوم كل يوم عبادة مستقلة مسقطة لفرض يومها،
ويتخلل بين يومين ما ينافي الصوم ويناقضه، وبه قال أحمد والشافعي وأبو حنيفة .
وقال مالك وإسحاق: تجزئه نية واحدة في أول ليلة من رمضان لجميع الشهر في
حق الحاضر الصحيح، ولا بدمن كون النية جازمة معينة في كل صوم واجب، وهو
أن يعتقد أنه يصوم غدًا من رمضان أو من قضائه، أو من كفارة أو نذر، وإليه ذهب
أحمد ومالك والشافعي.
وقال الحنفية: لا يشترط التعيين. (رَوَاهُ التِّرْ مِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَالدَّارِمِيُّ)
واللفظ للترمذي وأبي داود ولفظ النسائي والدارمي: ((مَنْ لَمْ يُبَيِّتِ الصِّيَامَ قَبْلَ
الْفَجْرِ فَلَا صِيَامَ لَهُ))، وفي رواية للنسائي: ((مَنْ لَمْ يَجْمَعِ الصِّيَامَ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ
فَلَا يُصُومُ))، والحديث أخرجِه أيضا أحمد (ج ٦ ص٢٨٧) وابن ماجه، ولفَظّه: (لَا
صِيَامَ لِمَنْ لَمْ يَفْرِضْهُ مِنَ اللَّيْلِ))، وابن خزيمة وابن حبان والدار قطني (ص٢٣٤)
والبخاري في ((التاريخ الصغير)) (ص٦٧) والطبراني والحاكم في ((الأربعين)) وابن
حزم (ج٦ ص١٦٢) والبيهقي (ج٤ ص٢٠٢) والحاوي (ج١ ص ٣٢٥).

٢٣١
بَابٌ فِي مَسَائِلِ مُتَفَرِقَةٍ مِنْ كِتَابِ الصّؤْمِ
كِتّابُ الصَّوْم
<<<<<**<<<<<<<<<<*<<**<<<<<<<**<<<< > <<<<<<<< > <<<<<<<<<<<<<**
(وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ) أي: بعد ما رواه من طريق ابن وهب عن ابن لهيعة ويحيى بن
أيوب، عن عبد الله بن أبي بكر بن حزم عن الزهري، عن سالم عن أبيه عن حفصة
مرفوعًا، وبعد ما قال: رواه الليث وإسحاق بن حازم أيضًا جميعًا، عن عبد الله بن
أبي بكر مثله - يعني مرفوعًا - كما رواه عنه ابن لهيعة ويحيى بن أيوب. (وَقَّفَهُ عَلَى
حَفْصَةَ مَعْمَرٌ) بسكون العين، فتحتي الميمين وهو معمر بن راشد يكنى أبا عروة
البصري الأزدي مولاهم - نزيل اليمن - شهد جنازة الحسن البصري، روى عن
الزهري وقتادة وهمام بن منبه وغيرهم، وروى عنه الثوري وابن عيينة وشعبة
وغيرهم. قال الحافظ في ((التقريب)): ثقة ثبت فاضل إلا أن في روايته عن ثابت
البناني والأعمش وهشام بن عروة شيئًا وكذا فيما حدث به بالبصرة. مات سنة
(١٥٤) وهو ابن ثمان وخمسين سنة، وبسط في ترجمته في ((تهذيب التهذيب)).
(وَالزُّبَيْدِيُّ) بالزاي والموحدة مصغرًا، وهو محمد بن الوليد بن عامر الزبيدي
أبو الهذيل الحمصي القاضي، ثقة، ثبت، من كبار أصحاب الزهري، أقام معه
عشر سنين حتى احتوى على علمه، وهو من الطبقة الأولى من أصحاب الزهري،
وكان الأوزاعي يفضله على جميع من سمع من الزهري، مات سنة ست أو سبع أو
تسع وأربعين ومائة. (وَابْنُ عُيَيْنَةَ) بضم العين مصغرًا، وهو سفيان بن عيينة وقد
تقدم ترجمته. (وَيُوْنُسُ الأَيْلِيُّ) بفتح الهمزة وسكون التحتانية بعدها لام منسوب
إلى ((أيلة)) بلد من الشام، وهو يونس بن يزيد بن أبي النجاد يكنى أبا يزيد مولى آل
أبي سفيان من رواة الستة. قال في ((التقريب)): ثقة إلا أن في روايته عن الزهري
وهمًّا قليلًا، وفي غير الزهري خطأ مات سنة (١٥٩) على الصحيح وقيل: سنة
(١٦٠) وبسط في ترجمته في ((تهذيب التهذيب)). وقال في مقدمة ((الفتح)): بعد ذكر
كلمات القوم فيه .
قلت: وثقه الجمهور مطلقًا، وإنما ضعفوا بعض روايته حيث يخالف أقرانه
ويحدث من حفظه، فإذا حدث من كتابه فهو حجة. قال ابن البرقي: سمعت ابن
المديني يقول: أثبت الناس في الزهري مالك وابن عيينة ومعمر وزياد بن سعد
ويونس من كتابه، وقد وثقه أحمد مطلقًا وابن معين والعجلي والنسائي ويعقوب
ابن شيبة والجمهور، واحتج به الجماعة، انتهى.

٢٣٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
(كُلُّهُمْ عَنِ الزُّهْرِيِّ) بضم الزاي هو محمد بن مسلم بن شهاب، وتقدم ترجمته .
قلت: رواية الليث عند الطبراني، ورواية إسحاق بن حازم عند ابن ماجه
والدار قطني وروايات معمر وابن عيينة ويونس عند النسائي، وروى الدار قطني
أيضًا من طريق ابن عيينة، ولم أقف على من أخرجه من رواية الزبيدي. وقد بسط
- في ذكر الاختلاف في رفعه ووقفه وفي ذكر الاختلاف في إسناده - الدار قطني في
(سننه)) والنسائي في ((الكبرى)) و((المجتبى)) والبيهقي في ((سننه)). وقد نقله الزيلعي
في ((نصب الراية)) عن ((السنن الكبرى)) للنسائي.
قال الحافظ في ((الفتح)): اختلف في رفعه ووقفه، ورجح الترمذي والنسائي
الموقوف بعد أن أطنب النسائي في تخريجه وحكى الترمذي في ((العلل)) عن
البخاري ترجيح وقفه وعمل بظاهر الإسناد جماعة من الأئمة، فصححوا الحديث
المذكور أي: مرفوعًا، منهم: ابن خزيمة وابن حبان والحاكم وابن حزم، انتهى.
وقال في ((الدراية)) (ص١٧١): إسناده صحيح إلا أنه اختلف في رفعه ووقفه
وصوب النسائي وقفه ومنهم من لم يذكر فيه حفصة، وقد أخرجه مالك عن نافع
عن ابن عمر موقوفًا، وعن الزهري عن حفصة وَعَائِشَة موقوفًا. وقال أبو حاتم:
روي عن حفصة قولها: وهو عندي أشبه، انتهى.
وقال في ((التلخيص)) (ص١٨٨): اختلف الأئمة في رفعه ووقفه، فقال ابنٍ أبي
حاتم عن أبيه: لا أدري أيهما أصح - يعني: رواية يحيى بن أيوب عن عبد الله بن
أبي بكر عن الزهري عن سالم، أو رواية إسحاق بن حازم عن عبد الله بن أبي بكر
عن الزهري بغير وساطة الزهري - لكن الوقف أشبه. وقال أبو داود: لا يصح
رفعه. وقال الترمذي: الموقوف أصح ونقل في ((العلل)) عن البخاري أنه قال: هو
خطأ وهو حديث فيه اضطراب والصحيح عن ابن عمر موقوف. وقال النسائي في
((الكبرى)): الصواب عندي موقوف، ولم يصح رفعه. وقال أحمد: ماله عندي
ذلك الإسناد .
وقال الحاكم في ((الأربعين)): صحيح على شرط الشيخين. وقال في
((المستدرك)): صحيح على شرط البخاري: وقال البيهقي: رواته ثقات إلا أنه روي
موقوفًا. وقال الخطابي في ((المعالم)) (ج٢ ص١٣٣): أسنده عبد الله بن أبي بكر

٢٣٣
كِتّابَ الصَّؤْم
بَابٌ فِي مَسائِلَ مُتَفَرِقَةٍ مِنْ كِتَابِ الصَّوْمِ
وزيادة الثقة مقبولة. وقال ابن حزم: الاختلاف فيه يزيد الخبر قوة. وقال
الدارقطني: كلهم ثقات، انتهى. قلت: قال الدار قطني (ص٢٣٤): رفعه عبد لله
ابن أبي بكر وهو من الثقات الرفعاء. وقال البيهقي (ج٤ ص٢٠٢): اختلف على
الزهري في إسناده وفي رفعه إلى النبي ◌َّ وعبد الله بن أبي بكر أقام إسناده ورفعه
وهو من الثقات الأثبات، انتهى.
وقال ابن حزم (ج٦ ص١٦) بعد روايته من طريق النسائي عن أحمد بن الأزهر (*)
عبد الرزاق عن ابن جريج عن الزهري عن سالم عن أبيه عن حفصة مرفوعًا ما
لفظه: وهذا إسناد صحيح ولا يضر إسناد ابن جريج له، إن أوقفه معمر ومالك
وعبيدالله ويونس وابن عيينة، فابن جريج لا يتأخر عن أحد من هؤلاء في الثقة
والحفظ والزهري واسع الرواية، فمرة يرويه عن سالم عن أبيه، ومرة عن حمزة
عن أبيه وكلاهما ثقة، وابن عمر كذلك مرة رواه مسندًا ومرة روى أن حفصة أفتت
به، ومرة أفتى هو به وكل هذا قوة للخبر، انتهى. وقال النووي: الحديث صحيح
قال: ورواه أصحاب السنن وغيرهم بأسانيد كثيرة رفعًا ووقفًا وصحة وضعفًا، لكن
كثير منها صحيح معتمد عليه؛ لأن معها زيادة علم برفعه فوجب قبوله. وقد قال
الدارقطني: في بعض طرقه الموصولة رجال إسناده كلهم أجلة ثقات كذا في
((المرقاة)).
وقال الشوكاني في ((السيل الجرار)): بعد حكاية تصحيح ابن خزيمة وابن حبان
والحاكم ليس فيه علة قادحة إلا ما قيل من الاختلاف في الرفع والوقف، والرفع
زيادة. وقد صحح المرفوع هؤلاء الأئمة الثلاثة.
وقال في ((النيل)) بعد ذكر كلام الحافظ السابق عن ((التلخيص)): وقد تقرر في
الأصول إن الرفع من الثقة زيادة مقبولة. وفي الباب عن عائشة عند الدار قطني وفيه
عبد الله بن عباد، وهو مجهول وذكره ابن حبان في ((الضعفاء))، وعن ميمونة بنت
سعد عند الدار قطني أيضًا، وفيه الواقدي كذا في ((التلخيص)).
(*) هكذا في الأصل والصواب: أحمد بن الأزهر قال: حدثنا عبد الرزاق. انظر: ((السنن الكبرى))
للنسائي (١٠٠/٣).

٢٣٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
٢٠٠٨ - [٧] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضْتَهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِيَ: ((إِذَا
سَمِعَ النِّدَاءَ أَحَدُكُمْ وَالِإِنَاءُ فِي يَدِهِ فَلَا يَضَعْهُ حَتَّى يَقْضِيَ حَاجَتَهُ مِنْهُ)).
[رَوَاهُ أَبُو دَاودَ] {صحيح}
الشرح
٢٠٠٨- قوله: (إِذَا سَمِعَ النِّدَاءَ) أي: أذان الفجر. (أَحَدُكُمْ) كذا في جميع
النسخ الحاضرة وكذا وقع في ((المصابيح))، وفي أبي داود: ((إِذَا سَمِعَ أَحَدُكُمُ
النِّدَاءَ))، وهكذا وقع عند الدار قطني والحاكم والبيهقي، وكذا نقله الخطابي في
((المعالم)) والجزري في ((جامع الأصول)) (ج ٧ ص٢٤٤) والسيوطي في ((الجامع
الصغير)). (وَالْإِنَاءُ) أي: الذي يأكل منه أو يشرب منه - يعني: إناء الطعام أو
الشراب - وهو مبتدأ وخبره قوله: (فِي يَدِهِ) كذا في بعض النسخ من ((سنن أبي
داود))، وفي بعضها: ((عَلَى يَدِهِ))، وهكذا عند الدار قطني والحاكم والبيهقي، وكذا
نقله الخطابي والسيوطي والجزري والجملة حالية.
(فَلَا يَضَعْهُ) أي: الإِناء، قيل: هو بالجزم نهي. (حَتَّى يَقْضِيَ حَاجَتَهُ مِنْهُ) أي:
بالأكل والشرب، وفيه إباحة الأكل والشرب من الإناء الذي في يده عند سماع
الأذان الفجر، وأن لا يضعه حتى يقضي حاجته، قيل: المراد بالنداء: الأذان الأول
أي: أذان بلال قبل الفجر؛ لقوله بَ له: ((إِنَّ بِلَالًا يُؤَذِّنُ بِلَيْلِ فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى
يُؤَذِّنَ ابْنُ أُمّ مَكْتُوم)). قال البيهقي (ج٤ ص٢١٨): هذا الحديث إن صح فهو
محمول عند عوام أهل العلم على أنه وَّر علم أن المنادي كان ينادي قبل طلوع
الفجر، بحيث يقع شربه قبيل طلوع الفجر، وقوله هذا خبر عن النداء الأول. وقال
الخطابي (ج٢ ص١٠٦): هذا على قوله: ((إِنَّ بِلَالًا يُؤَذِّنُ بِلَيْلِ، فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى
يُؤَذِّنَ ابْنُ أُمِّ مَگتُوم))، انتهى.
وفيه: أنه لا يظهر حينئذٍ فائدة التقييد بقوله: ((وَالِإِنَاءُ فِي يَدِهِ))، وقيل: هو
محمول على من سمع الأذان وهو يشك في طلوع الفجر وبقاء الليل، ويتردد
(٢٠٠٨) أَبُو دَاوُد (٢٣٥٠) عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَوَاقْتَهُ، فِيهِ.

٢٣٥
كِتّابُ الصَّوْم
بَابٌ فِي مَسَائِلِ مُتَفَرِقَةٍ مِنْ كِتَابِ الصَّوْمِ
فيهما، فيجوز له الأكل والشرب؛ لأن الأصل بقاء الليل حتى يتبين له طلوع الفجر
الصادق باليقين، أو بالظن الغالب، وهذا عند الشافعية. قال الخطابي: أو يكون
معناه: أن يسمع الأذان وهو يشك في الصبح مثل أن تكون السماء متغيمة، فلا يقع
له العلم بأذانه أن الفجر قد طلع، لعلمه أن دلائل الفجر معدومة ولو ظهرت للمؤذن
لظهرت له أيضًا، فأمَّا إذا علم انفجار الصبح فلا حاجة به إلى أذان الصارخ؛ لأنه
مأمور بأن يمسك عن الطعام والشراب، إذا تبين له الخيط الأبيض من الخيط
الأسود من الفجر، انتهى.
وقيل: المقصود من الحديث: أن تحريم الأكل والشرب إنما يتعلق بالفجر لا
بالأذان، فإن المؤذن قد يبادر بالأذان قبل الفجر لضعف في بصره أو لشيء آخر،
فلا عبرة بالأذان إذا لم يعلم بطلوع الفجر، وإنما العبرة في تحريم الأكل بالفجر،
لكن هذا الحكم للخواص الذين يعرفون الفجر، وأمَّا العوام الذين لا يعرفونه
فعليهم الاحتياط، وقيل: الحديث وارد على وفق من يقول من العلماء: إن المعتبر
في تحريم الأكل والشرب في الصوم هو تبين الفجر لا طلوعه، فالأذان مشروع في
أول طلوع الفجر وهو ليس بمانع من الأكل والشرب، وإنما المانع تبين الفجر
خلافًا لجمهور العلماء، فإن المعتبر عندهم أول طلوع الفجر، ولا شك أن القول
الأول أرفق والحديث مبني على الرفق.
قال في ((فتح الودود)): من يتأمل في هذا الحديث، وكذا حديث: ((وَكُلُوا
وَاشْرَبُوا حَتَّى يُؤَذِّنَ ابْنُ أَمِّ مَكْتُوم))، وكذا ظاهر قوله تعالى: ﴿حَّ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ
اَلْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ اُلْفَجْرِ﴾ [البقرة:١٨٧] يرى أن المدار هو تبين الفجر وهو يتأخر
عن أوائل الفجر بشيء، والمؤذن لانتظاره يصادف أوائل الفجر، أي: فيؤذن،
فيجوز الشرب حينئذٍ إلى أن يتبين، لكن هذا خلاف المشهور بين العلماء، فلا
اعتماد علیه عندهم، انتھی.
وقيل: المراد بالنداء: أذان المغرب، والمقصود من الحديث: طلب تعجيل
الفطر، أي: إذا سمع أحدكم نداء المغرب، وصادف ذلك أن الإناء في يده لحاجة
أخرى، فليبادر بالفطر منه ولا يؤخر إلى وضعه، وبهذا يندفع قول الطيبي: يشعر
دليل الخطاب، بأنه لا يفطر إذا لم يكن الإناء في يده، وقد سبق أن تعجيل الفطر

٢٣٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
مسنون لكن هذا من مفهوم اللقب، فلا يعمل به، ووجه اندفاعه أن قوله: ((وَالْإِنَاءُ
فِي يَدِهِ)) ليس للتقييد بل للمبالغة في السرعة، كذا نقله القاري عن ابن حجر ثم
تعقبه. وقال: فالصواب أنَّه قيد احترازي في وقت الصبح إلى آخر ما قال، وأبعد
من قال: إن الحديث محمول على غير حالة الصوم، ولا تعلق له بالفجر، ولا
بالمغرب خاصة، بل هو وارد في أمر الصلاة مطلقًا، كقوله وَّ: ((إِذَا حَضَرَ الْعَشَاءُ
وَأُقِيْمَتِ الصَّلَاةُ فَابْدَؤُوا بِالْعَشَاءِ))، فقد وردا على نمط واحد والمرعي فيهما قطع
الشغل بغير أمر الصلاة عن بال المصلي، ودفع التشويش المفضي إلى ترك
الخشوع. والراجح عندي: هو المعنى الثالث، ثم الرابع، ثم الثاني، والله تعالى
أعلم.
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) وأخرجه أيضًا أحمد والدار قطني (ص٢٣١) والحاكم (ج١
ص٤٢٦) والبيهقي (ج٤ ص٢١٨) وسكت عنه أبو داود والمنذري، وصححه
الحاكم على شرط مسلم ووافقه الذهبي. وفي الباب عن أبي الزبير قال: سألت
جابرًا عن الرجل يريد الصيام، والإناء في يده يشرب منه فيسمع النداء، فقال جابر:
كنا نتحدث أن النبيِ وَّ قال: ((يَشْرَبُ))، رواه أحمد. قال الهيثمي: إسناده حسن.
٢٠٠٩ - [٨] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَِّهِ: ((قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: أَحَبُّ
عِبَادِي إِلَيَّ أَعْجَلُهُمْ فِطْرًا».
[رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ] {ضعيف}
الشرح
٢٠٠٩- قوله: (أَحَبُّ عِبَادِي إِلَيَّ أَعْجَلُهُمْ فِطْرًا) أي: أكثرهم تعجيلًا في
الإفطار، وأسرعهم مبادرة إلى الفطر بعد تحقق غروب الشمس بالرؤية، أو بإخبار
من يجوز العمل بقوله. قال الطيبي: لعل السبب في هذه الأحبية المتابعة للسنة
والمباعدة عن البدعة والمخالفة لأهل الكتاب، انتهى.
قال القاري: وفيه إيماء إلى أن أفضلية هذه الأمة؛ لأن متابعة الحديث توجب
(٢٠٠٩) التِّرْ مِذِي (٧٠٠) (٧٠١) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِيهِ.

كِتّاب الصَّؤْم
بَابٌ فِي مَسائِلِ مَتَفَرِقَةٍ مِنْ كِتَابِ الضَّوْمِ
٢٣٧
محبة الله تعالى: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِ يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١، وإليه الإشارة
بالحديث الآتي: ((لَا يَزَالُ الدِّينُ ظَاهِرًا مَا عَجَّلَ النَّاسُ الْفِطْرَ ... )» إلخ. وقال ابن
الملك: ولأنه إذا أفطر قبل الصلاة يؤديها عن حضور القلب، وطمأنينة النفس،
ومن كان بهذه الصفة فهو أحب إلى الله ممن لم یکن کذلك، انتهى.
قال الأمير اليماني: الحديث دال على أن تعجيل الإفطار أحب إلى الله من
تأخيره، وأن إباحة المواصلة إلى السحر لا تكون أفضل من تعجيل الإفطار، أو
يراد بعبادي الذين يفطرون، ولا يواصلون إلى السحر، وأما رسول اللَّه ◌ُقّ، فإنه
خارج عن عموم هذا الحديث؛ لتصريحه ◌ِ لّه بأنه ليس مثلهم كما تقدم، فهو أحب
الصائمين إلى الله تعالى وإن لم يكن أعجلهم فطرًا؛ لأنه قد أذن له في الوصال ولو
أيامًا متصلة كما سبق.
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) وحسنه، وأخرجه أيضًا أحمد، وابن خزيمة وابن حبان في
((صحيحيهما)) والبيهقي (ج ٤ ص ٢٣٧).
٢٠١٠ - [٩] وَعَنْ سَلْمَانَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهَ: ((إِذَا
أَفْطَرَ أَحَدُكُمْ، فَلْيُفْطِرْ عَلَى تَمْرٍ، فَإِنَّهُ بَرَكَةٌ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَلْيُقْطِرْ عَلَى مَاءٍ، فَإِنَّهُ
طَهُوٌ)).
[رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدُ وَابْنُ مَاجَهْ وِالدَّارِمِيُّ وَلَمْ يَذْكُرْ:
((فَإِنَّهُ بَرَكَةٌ)) غَنْرَ التِّمِذِيِّ فی ڕِوایةٍ أُخْرَى] (صحيح)
الشرح
٢٠١٠ - قوله: (إِذَا أَفْطَرَ أَحَدُكُمْ، فَلْيُفْطِرْ عَلَى تَمْرٍ) أي: على تمرة؛ اكتفاءً
بأصل السنة، وإلا فأدنى كمالها ثلاث كما روى أبو يعلى عن أنس قال: كان
النبي ◌َّي يحب أن يفطر على ثلاث تمرات، أو شيء لم تصبه النار، وفيه عبد
الواحد بن ثابت وهو ضعيف. وقيل: المراد: جنس التمر، فيصدق بالواحدة،
وهذا عند فقد الرطب، فإن وجد فهو أفضل، كما يدل عليه حديث أنس التالي.
(٢٠١٠) أَبُو دَاوُد (٢٣٥٥)، والترمذي (٦٥٨)، والنَّسَائِي في ((الكبرى)) (٣٣٢١)، وابن مَاجَهْ (١٦٩٩)
عَنْ سَلْمَانَ فِیهِ .

٢٣٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
قال الشوكاني: حديثا أنس وسلمان يدلان على مشروعية الإفطار بالتمر، فإن
عدم فبالماء، ولكن حديث أنس فيه دليل على أن الرطب من التمر أولى من اليابس
فيقدم عليه إن وجد، انتهى. والأمر للندب.
قال البخاري في (صحيحه)): باب يفطر بما يتسير من الماء وغيره، ثم ذكر
حديث عبد الله بن أبي أوفى، قال: سرنا مع رسول الله وَّل وهو صائم، فلما
غربت الشمس قال: ((انْزِلْ فَاجْدَحْ لَنَا ... )) إلخ. قال الحافظ: لعل البخاري أشار إلى
أن الأمر في قوله: ((مَنْ وَجَدَ تَمْرًا فَلْيُفْطِرْ عَلَيْهِ وَمَنْ لَا فَلْيُفْطِرْ عَلَى الْمَاءِ))، ليس
على الوجوب وقد شذ ابن حزم فأوجب الفطر على التمر وإلا فعلى الماء، انتهى.
وإنما شرع الإفطار بالتمر؛ لأنه حلو وقوت، والنفس قد تعبت بمرارة الجوع
والبصر قد ضعف بالصوم، والحلاء يسرع النفوذ إلى القوى لا سيما قوة الباصرة،
فأمر بإزالة هذا التعب والضعف بما هو قوت وحلو. قال الشوكاني: وإذا كانت
العلة كونه حلوًا والحلو له ذلك التأثير فيلحق به الحلويات كلها، أما ما كان أشد
منه في الحلاوة فبفحوى الخطاب، وما کان مساويًا له فبلحنه.
(فَإِنَّهُ بَرَكَةٌ) أي: فإن التمر ذو بركة وخير كثير، أو أريد به المبالغة، قاله القاري
وقال الطيبي: أي: فإن الإفطار على التمر فيه ثواب كثير وبركة. (فَإِنْ لَمْ يَجِدْ) أي:
التمر ونحوه من الحلويات. (فَلْيُفْطِرْ عَلَى مَاءٍ) قراح. (فَإِنَّهُ طَهُورٌ) بفتح الطاء أي :
مطهر محصل للمقصود. وقال القاري: أي: بالغ في الطهارة، فيبتدئ به تفاؤلاً
بطهارة الظاهر والباطن.
وقال الطيبي: أي: لأنه مزيل المانع من أداء العبادة؛ ولذا منَّ اللَّه تعالى على
عباده ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَآءَ طَهُورًا﴾ [الفرقان:٤٨٠] قال ابن القيم: هذا - أي: الأمر
بالإفطار بالتمر والماء - من كمال شفقته وَّل على أمته ونصحهم، فإن إعطاء الطبيعة
الشيء الحلو مع خلو المعدة أدعى إلى قبوله، وانتفاع القوى به لا سيما قوة
الباصرة فإنها تقوى به، وأما الماء فإن الكبد يحصل لها بالصوم نوع يبس، فإن
رطبت بالماء كمل انتفاعها بالغذاء بعده، هذا مع ما في التمر والماء من الخاصية
التي لها تأثير في صلاح القلب لا يعلمها إلا أطباء القلوب.

كِتّابُ الضّؤْم
بَابٌ فِي مَسَائِلِ مُتّفرقةٍ مِنْ كِتّاب الصَّؤْم
٢٣٩
(رَوَاهُ أَحْمَدُ) (ج٤ ص١٧، ١٨، ٢١٣، ٢١٤). (وَالتِّرْمِذِيُّ) في الزكاة لزيادة
في آخره وهي قوله، وقال: ((الصَّدَقَةُ عَلَى الْمِسْكِينِ صَدَقَةٌ وَهِيَ عَلَى ذِي الرَّحِمِ
ثِنْتَانِ صَدَقَةٌ وَصِلَةٌ))، وقد تقدم هذا في باب أفضل الصدقة، والجزء الأول أخرجهَ
أيضًا الترمذي في الصيام بدون قوله: ((فَإِنَّهُ بَرَكَةٌ)). (وَأَبُو دَاوُدَ ... ) إلخ. وأخرجه
أيضًا ابن خزيمة وابن حبان في (صحيحيهما)) والحاكم (ج١ ص ٤٣١، ٤٣٢)
وابن حزم (ج٧ ص٣١) والبيهقي (ج٤ ص٢٣٨، ٢٣٩) وحسنه الترمذي في
الزكاة وصححه في الصيام، وصححه أيضًا ابن خزيمة وابن حبان، وأبو حاتم
الرازي، والحاكم على شرط البخاري ووافقه الذهبي وسكت عنه أبو داود. ونقل
المنذري تصحيح الترمذي وأقره، وروى ابن عدي عن عمران بن حصين بمعناه
وإسناده ضعيف، وروى الترمذي والحاكم وابن خزيمة والبيهقي عن أنس مثل
حديث سلمان وتكلم فيه الترمذي والبيهقي .
قال الترمذي: هو حديث غير محفوظ، والصحيح حديث حفصة بنت سيرين
عن الرباب عن سلمان بن عامر، انتهى. وصححه الحاكم على شرط الشيخين
ووافقه الذهبي.
(وَلَمْ يَذْكُرْ) أي: أحد قوله: (فَإِنَّهُ بَرَكَةٌ غَيْرَ التِّرْمِذِيِّ) قال القاري: وفي نسخة
((ولم يذكروا)) بصيغة الجمع فـ(غير)) منصوب على الاستثناء.
(فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى) يعني : في كتاب الزكاة. وأما في الصيام، فأخرجه بدون هذه
الزيادة مثل الآخرين.
قال القاري: وهذا أي: قوله: ((فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى)) غير موجود في أكثر النسخ.