Indexed OCR Text

Pages 141-160

SSINE
١٤٠
**
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الحسنات الشامل لأنواع الطاعات مضاف ومقابل. (بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا) لقوله تعالى:
﴿مَنْ جَآءَ بِالْحَسَنَةٍ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦١] وهذا أقل المضاعفة وإلا فقد يزاد. (إِلَى
سَبْعِمَائِةِ ضِعْفٍ) بكسر الضاد أي: مثل، بل إلى أضعاف كثيرة، كما في التنزيل :
﴿مَّن ذَا الَّذِى يُفْرِضُ اَللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَعِفَهُ لَهُو أَضْعَافًا﴾ [البقرة: ٢٤٥] وكما وقع في رواية
بعد ذلك زيادة قوله: ((إِلَى مَا شَاءَ اللهُ تعالى)). وقال بعضهم: التقدير حسنة واللام
عوض عن العائد إلى المبتدأ، وهو ((كل)) أو العائد محذوف أي: الحسنة منه،
وقال القاضي البيضاوي: أراد بـ((كل)) عمل الحسنات من الأعمال؛ فلذلك وضع
الحسنة في الخبر موضع الضمير الراجع إلى المبتدأ.
وقوله: (إِلَّا الصَّوْمَ) مستثنى من كلام غير محكى دل عليه ما قبله، والمعنى: إن
الحسنات يضاعف أجرها من عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلا الصوم، فلا
يضاعف إلى هذا القدر بل ثوابه لا يقدر قدره، ولا يحصيه إلا اللّه تعالى. ولذلك
یتولی الله جزاءه بنفسه، ولا یکله إلی غیره. انتهى.
وفيه: أنه يحتمل أن يكون أول الكلام حكاية إلا أنه لم يصرح بذلك في صدره
بل في وسطه. قال الحافظ: أما قول البيضاوي: إن الاستثناء من كلام غير محكي،
ففيه نظر. فقد يقال: هو مستثنى من كل عمل وهو مروي عن اللَّه؛ لقوله في أثناء
الحديث: (قَالَ اللهُ تعالى)، ولما لم يذكره في صدر الكلام أورده في أثنائه بیانًا،
وفائدته: تفخيم شأن الكلام، وأنه ◌َّ لا ينطق عن الهوى. انتهى.
(فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ) بفتح الهمزة وكسر الزاي يعني: أن الصوم سر بيني وبين
عبدي يفعله خالصًا لوجهي لا يطلع عليه العباد؛ لأن الصوم لا صورة له في الوجود
بخلاف سائر العبادات، وأنا العالم بجزائه أتولى بنفسي إعطاء جزائه لا أكله إلى
غيري، وفيه: إشارة إلى تفخيم العطاء، وتعظيم الجزاء، وأن مضاعفة جزاء الصوم
من غير عدد ولا حساب.
قال السندي: قد ذكروا لقوله: (فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ) معاني بلغها أبو الخير
الطالقاني في حظائر القدس له إلى خمسة وخمسين قولًا لكن الموافق للأحاديث
أنه كناية عن تعظيم جزائه وأنه لا حد له، وهذا هو الذي تفيده المقابلة بما قبله في

١٤١
كِتّابُ الصَّوْمِ
هذا الحديث؛ وهو الموافق لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَنَّ الصَِّرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾
[الزمر: ١٥) وذلك؛ لأن اختصاصه من بين سائر الأعمال بأنه مخصوص بعظيم لا نهاية
لعظمته ولا حد لها، وإن ذلك العظم هو المستولى لجزائه مما ينساق الذهن منه إلى
أن جزاءه مما لا حد له. ويمكن أن يقال على هذا معنى قوله: (لي) أي: أنا منفرد
بعلم مقدار ثوابه وتضعيفه، وبه تظهر المقابلة بينه وبين ما جاء في بعض الأحاديث
من قوله: ((كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلَّا الصِّيَامَ هُوَ لِي)) أي: كل عمله له بإعتبار أنه عالم
بجزائه ومقدار تضعيفه إجمالًا لما بين اللَّه تعالى فيه إلا الصوم، فإنه الصبر الذي ما
حد لجزائه حدًّا. بل قال: ﴿إِنَّمَا يُوَّ الصَّبِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠]. انتهى.
وقال الحافظ: قد اختلف العلماء في المراد بهذا مع أن الأعمال كلها للَّه تعالى
وهو الذي يجزي بها على أقوال، ثم ذكر الحافظ عشرة أقوال: أحدها: إن الصوم
لا يقع فيه الرياء كما يقع في غيره حكاه المازري، ونقله عياض عن أبي عبيد. قال
أبو عبيد في ((غريبه)): إن أعمال البر كلها لله وهو الذي يجزي بها فنرى والله أعلم،
أنه إنما خص الصيام؛ لأنه ليس يظهر من ابن آدم بفعله، وإنما هو شيء في القلب.
ويؤيد هذا التأويل قوله وَّر: (لَيْسَ فِي الصَّيَامِ رِيَاءٌ)) حدثنيه شبابة عن عقيل، عن
الزهري، فذكره - يعني: مرسلًا - قال: وذلك لأن الأعمال لا تكون إلا بالحركات
إلا الصوم، فإنما هو بالنية التي تخفي عن الناس هذا وجه الحديث عندي. انتھی.
قال الحافظ: وقد روى الحديث المذكور البيهقي في ((الشعب)) من وجه آخر
عن الزهري موصولًا، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، وإسناده ضعيف، ولفظه:
((الصِّيَامُ لَا رِيَاءَ فِيْهِ، قَالَ اللهُ رَ هُوَ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ))، قال الحافظ: وهذا لو صح؛
لكان قاطعًا للنزاع. وقال القرطبي: لما كانت الأعمال يدخلها الرياء والصوم لا
يطلع عليه بمجرد فعله إلا اللّه، فإضافة اللَّه إلى نفسه؛ ولهذا قال في الحديث :
(يَدَعُ شَهْوَتَهُ مِنْ أَجْلِي))، وقال ابن الجوزي: جميع العبادات تظهر بفعلها، وقل أن
يسلم ما يظهر من شوب بخلاف الصوم، وارتضى هذا الجواب المازري وقرره
القرطبي، بأن أعمال بني آدم لما كانت يمكن دخول الرياء فيها؛ أضيفت إليهم
بخلاف الصوم، فإن حال الممسك شبعًا مثل حال الممسك تقربًا، يعني: في
الصورة الظاهرة. قلت: قائله الحافظ، معنى النفي في قوله: لا رياء في الصوم:

١٤٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
أنه لا يدخله الرياء بفعله، وإن كان قد يدخله الرياء بالقول كمن يصوم، ثم يخبر بأنه
صائم، فقد يدخله الرياء من هذه الحيثية فدخول الرياء في الصوم، إنما يقع من
جهة الإخبار بخلاف بقية الأعمال، فإن الرياء قد يدخلها بمجرد فعلها.
ثانيها: أن المراد بقوله: (وَأَنَا أَجْزِي بِهِ) أني أنفرد بعلم مقدار ثوابه وتضعيف
حسناته. وأما غيره من العبادات فقد اطلع عليها بعض الناس. قال القرطبي:
معناه: إن الأعمال قد كشفت مقادير ثوابها للناس، وأنها تضاعف من عشرة إلى
سبعمأة إلى ما شاء اللَّه إلا الصيام، فإن اللَّه يثيب عليه بغير تقدير، ويشهد لهذا
المعنى رواية ((الموطأ)) وكذلك رواية الأعمش عن أبي صالح عند ابن ماجه حيث
قال: ((كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ يُضَاعَفُ الْحَسَنَةُ بِعَشْرٍ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِمَاتَةٍ ضِعْفٍ إِلَى مَا
شَاءَ اللهُ قَالَ اللَّهُ: إِلَّ الصَّوْمَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ)) أي: أجازي عليه جزاء كثيرًا من
غير تعيين لمقداره، وهذا كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُؤَنَّ الصَّبِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾
[الزمر:١٠]. انتهى. والصابرون الصائمون في أكثر الأقوال. وسبق إلى هذا أبو عبيد في
((غريبه))، فقال: بلغني عن ابن عيينة، أنه قال ذلك، واستدل له بأن الصوم هو
الصبر؛ لأن الصائم يصبر نفسه عن الشهوات، وقد قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَّ الصَّبِرُونَ
أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠]، انتهى.
ثم أورد الحافظ روايات تشهد لهذا المعنى، ثم ذكر باقي الأقوال وقال: واتفقوا
على أن المراد بالصيام: صيام من سلم صيامه عن المعاصي قولاً وفعلاً، ونقل ابن
العربي عن بعض الزهاد، إنه مخصوص بصيام خواص الخواص، فقال: إن الصوم
على أربعة أنواع: صيام العوام: وهو الصوم عن الأكل والشرب والجماع. وصيام
خواص العوام: وهو هذا مع اجتناب المحرمات من قول وفعل. وصيام
الخواص: وهو الصوم عن غير ذكر الله وعبادته. وصيام خواص الخواص: وهو
الصوم عن غير الله فلا فطر لهم إلى يوم القيامة، يعني: لا يفطرون إلا برؤيته
ولقائه. قال الحافظ: وهذا مقام عال لكن في حصر المراد من الحديث في هذا
النوع نظر لا يخفى، وأقرب الأقوال التي ذكرتها إلى الصواب الأول والثاني.
انتھی .
(يَدَعُ شَهْوَتَهُ) أي: يترك ما اشتهته نفسه من محظورات الصوم، وهو تعليل

١٤٣
كِتّابُ الصَّوْم
لاختصاصه بعظم الجزاء. قال الطيبي: جملة مستأنفة وقعت موقع البيان لموجب
الحكم المذكور. (وَطَعَامَهُ) تخصيص بعد تعميم، أو الشهوة كناية عن الجماع،
والطعام عبارة عن سائر المفطرات، وفي رواية: ((قَدَّمَ الطَّعَامَ عَلَى الشَّهْوةِ)) ولابن
خزيمة: ((يَدَعُ الطَّعَامَ وَالشَّرَابَ مِنْ أَجْلِي وَيَدَعُ لَذَّتَهُ مِنْ أَجْلِي وَيَدَعُ زَوْجَتَهُ مِنْ
أَجْلِي))، وهذا صريح في أن المراد بالشهوة شهوة الجماع. وأصرح منه ما وقع عند
الحافظ سمويه: ((يترك شهوته من الطعام والشراب والجماع)). (مِنْ أَجْلِي) أي:
من جهة امتثال أمري وقصد رضائي وأجري. وفي ((الموطأ)): ((إِنَّمَا يَذَرُ شَهْوَتَهُ
وَطَعَامَهُ وَشَرَابَهُ مِنْ أَجْلِي))، قال الحافظ: قد يفهم من الإتيان بصيغة الحصر التنبيه
على الجهة التي بها يستحق الصائم ذلك، وهو الإخلاص الخاص به، حتى لو كان
ترك المذكورات لغرض آخر كالتخمة، لا يحصل الصائم الفضل المذكور.
(لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانٍ) أي: مرتان من الفرح عظيمان: إحداهما في الدنيا، والأخرى
في الأخرىَ. (فَرْحَةٌ عِنْدَ فِطْرِهِ) أي: إفطاره بالخروج عن عهدة المأمور أو بوجدان
التوفيق لإتمام الصوم، أو بخلوص الصوم وسلامته من المفسدات والرفث
واللغو، أو بما يرجوه من حصول الثواب، أو بالأكل والشرب بعد الجوع
والعطش. قال القرطبي: معناه: يفرح بزوال جوعه وعطشه، حيث أبيح له الفطر
وهذا الفرح طبيعي وهو السابق للفهم، وقيل: إن فرحه بفطره، إنما هو من حيث
إنه تمام صومه وخاتمة عبادته، وتخفيف من ربه، ومعونة على مستقبل صومه. قال
الحافظ: ولا مانع من الحمل على ما هو أعم مما ذكر، ففرح كل أحد بحسبه؛
لاختلاف مقامات الناس في ذلك، فمنهم: من يكون فرحه مباحًا وهو الطبيعي،
ومنهم: من يكون مستحبًّا وهو من يكون سببه شيئًا مما ذكر.
(وَفَرْحَةٌ عِنْدَ لِقَاءِ رَبِّهِ) أي: بنيل الجزاء، أو الفوز باللقاء. وقيل: هو السرور
بقبول صومه وترتب الجزاء الوافر عليه. (وَلَخُلُوفُ فَم الصَّائِم) بفتح لام الابتداء؛
تأكيدًا، وبضم الخاء المعجمة واللام وسكون الواو وبَعدها فاءَ، من خلف فمه؛ إذا
تغيرت رائحة فمه، يخلف خلوفًا بالضم لا غير. قال عياض: هذه الرواية
الصحيحة وبعض الشيوخ يقوله بفتح الخاء. قال الخطابي: وهو خطأ، وحكى
الفارسي الوجهين، وصوب الضم. وبالغ النووي في ((شرح المهذب)). فقال: لا
يجوز فتح الخاء. واحتج غيره لذلك بأن المصادر التي جاءت على فعول بفتح أوله

١٤٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
قليلة ذكرها سيبويه وغيره، وليس هذا منها. واتفقوا على أن المراد به: تغير رائحة
فم الصائم بسبب الصيام كذا في ((الفتح)).
قال الباجي: الخلوف: تغير رائحة فم الصائم، وإنما يحدث من خلو المعدة
بترك الأكل، ولا يذهب بالسواك؛ لأنها رائحة النفس الخارج من المعدة. وإنما
يذهب بالسواك ما كان في الأسنان من التغير. وقال البرقي: هو تغير طعم الفم
وريحه؛ لتأخر الطعام. وقال عياض: هو ما يخلف بعد الطعام في الفم من ريحة
كريهة؛ لخلاء المعدة من الطعام. (أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيح الْمِسْكِ) أي : صاحب
الخلوف عند الله أطيب، وأكثر قبولًا ووجاهة، وأزيد قربًا منه تعالى من صاحب
المسك بسبب ريحه عندكم، وهو تعالى أكثر إقبالًا عليه بسببه مِن إقبالكم على
صاحب المسك بسببه. وفي لفظ لمسلم والنسائي: ((أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)»،
وقد وقع خلاف بين ابن الصلاح وابن عبد السلام في أن طيب رائحة الخلوف هل
هو في الدنيا والآخرة أو في الآخرة فقط.
فذهب ابن عبد السلام: إلى أنه في الآخرة، كما في دم الشهيد. واستدل برواية
مسلم والنسائي هذه. وروى أبو الشيخ بإسناد فيه ضعف عن أنس مرفوعًا: ((يَخْرُجُ
الصَّائِمُونَ مِنْ قُبُورِهِمْ، يُعْرَفُونَ بِرِيحٍ أَفْوَاهِهِمْ، أَفْوَاهُهُمْ أَطْيَبُ عِنْدَاللهِ مِنْ رِيحِ
الْمِسْكِ)) وذهب ابن الصلاح إلى أن ذلك في الدنيا والآخرة جميعًا، واستدلَ
بحديث: ((وَلَخُلُوفُ فَم الصَّائِمِ حِينَ يَخْلُفُ مِنَ الطَّعَامِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللهِ مِنْ رِيح
الْمِسْكِ)). قال الولي العراقي: هذه الرواية ظاهرة في آن طيبه في تلك الحالة،
وحمله على أنه سبب للطيب في حالة مستقبلة تأويل مخالف للظاهر، ويؤيده ما
روى الحسن بن سفيان في ((مسنده)) والبيهقي في ((الشعب)) من حديث جابر في أثناء
حديث مرفوع في فضل هذه الأمة في رمضان. وأما الثانية: فإن خلوف أفواههم
حين يمسون أطيب عند الله من ريح المسك.
قال المنذري: إسناده مقارب، وحسنه أبو بكر السمعاني في ((أمالية))، قال:
وذهب جمهور العلماء إلى ذلك كالخطابي وابن عبد البر والبغوي في ((شرح السنة))
والقدوري من الحنفية، والداودي من قدماء المالكية وأبي عثمان الصابوني وأبي
بكر السمعاني وأبي حفص الصفار الشافعيين في ((أماليهم)) وأبي بكر بن العربي.

١٤٥
كِتّابُ الصَّوْم
قال: فهؤلاء أئمة المسلمين شرقًا وغربًا لم يذكروا سوى ما ذكرته، ولم يذكر أحد
وجهًا؛ تخصيصًا بالآخرة، بل جزموا بأنه عبارة عن الرضا والقبول ونحوهما مما
هو ثابت في الدنيا والآخرة. قال: وأما ذكر يوم القيامة في تلك الرواية؛ فلأنه يوم
الجزاء .
وفيه: يظهر رجحان الخلوف في الميزان على المسك المستعمل لدفع الرائحة
الكريهة؛ طلبًا لرضا الله تعالى حيث يؤمر باجتنابها، فقيده بيوم القيامة في رواية،
وأطلق في باقي الروايات؛ نظرًا إلى أن أصل أفضليته ثابت في الدارين وهو كقوله:
[العاديات: ١١] وهو خبير بهم في كل يوم. انتهى.
﴿إِنَّ رَّهُم بِهِمْ يَوْمَيِذٍ لَّخَبِيرٌ
واستشكل كون الخلوف أطيب عندالله من ريح المسك: من جهة أن الله تعالى
منزه عن استطابة الروائح الطيبة، واستقذار الروائح الخبيثة، فإن ذلك من صفات
الحيوان مع أن اللَّه يعلم الأشياء على ما هي عليه، وأجيب عن ذلك بوجوه: منها:
أنه مجاز واستعارة؛ لأنه جرت عادتنا بتقريب الروائح الطيبة منا، فاستعير ذلك في
الصوم؛ لتقريبه من الله.
قال المازري: فيكون المعنى: إن خلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح
المسك عندكم، أي: يقرب إليه أكثر من تقريب المسك إليكم، وذكر ابن عبد البر
نحوه، ومنها: أن المراد اللَّه تعالى يجزيه في الآخرة، فتكون نكهته أطيب من ريح
المسك، كما: ((يَأْتِي الْمَكْلُومُ وَرِيحُ جُرْحِهِ تَفُوحُ مِسْكًا)). ومنها: أن المراد: أن
صاحب الخلوف ينال من الثواب ما هو أفضل من ريح المسك عندنا، لاسيما
بالإضافة إلى الخلوف وهما ضدان؛ حكى القولين عياض. ومنها: أن ذلك في حق
الملائكة، وأنهم يستطيبون ريح الخلوف أكثر مما يستطيبون ريح المسك، فالمراد
بعند الله: عند ملائكته، ومنها: أنه يعتد برائحة الخلوف ويدخر على ما هي عليه
أكثر مما يعتد بريح المسك، وإن كانت عندنا نحن بخلافه حكاه عياض أيضًا.
ومنها: أن الخلوف أكثر ثوابًا من المسك المندوب إليه في الجمع والأعياد،
ومجالس الحديث والذكر وسائر مجامع الخير، قاله الداودي، وأبو بكر بن
العربي والقرطبي.
وقال النووي: هو الأصح، وحاصله: حمل معنى الطيب على القبول والرضا،

١٤٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
ومنها: إن الغرض نهي الناس عن تقذر مكالمة الصائمين بسبب الخلوف هذا،
وإنما كان أثر الصوم أطيب من أثر الجهاد حيث وصف خلوف فم الصائم بأنه أطيب
من ريح المسك، ودم الشهيد شبه ريحه بريح المسك مع ما فيه من المخاطرة
بالنفس وبذل الروح؛ لأن الصوم أحد أركان الإسلام بخلاف الجهاد، ولأن الجهاد
فرض كفاية، والصوم فرض عين، وفرض العين أفضل من فرض الكفاية، كما
نص عليه الشافعي؛ ذكره القسطلاني، واستدل به على كراهة السواك للصائم بعد
الزوال؛ لما فيه من إزالة الخلوف المشهود له، بأنه أطيب من ريح المسك،
وسيأتي الكلام فيه في شرح حديث عامر بن ربيعة، في باب تنزيه الصوم.
(وَالصِّيَامُ جُنَّةٌ) بضم الجيم وتشديد النون. وهي الوقاية والستر. قال المنذري:
هو ما يجنك، أي: يسترك ويقيك مما تخاف، ومعنى الحديث: إن الصوم يستر
صاحبه ويحفظه من الوقوع في المعاصي. انتهى. قلت: زاد الترمذي وسعيد بن
منصور: ((جُنَّةٌ مِنْ النَّارِ)) وللنسائي من حديث عثمان بن أبي العاص ((جُنَّةٌ مِنَ النَّارِ
كَجُنَّةٍ أَحَدِكُمْ مِنَ القِتَالِ))، ولأحمد من حديث أبي هريرة: ((جُنَّةٌ وَحِصْنٌ حَصِينٍ مِنَ
النَّارِ))، ولأحمد والنسائي والبيهقي من حديث أبي عبيدة بن الجراح: ((الصِّيَامُّ جُنَّة
مَا لَمْ يَخْرِقْهَا)) زاد الدارمي: ((بِالْغِيبَةِ))، قال الحافظ بعد ذكر هذه الروايات: قد تبين
بها متعلق هذا الستر، وإنه من النار. وبهذا جزم ابن عبد البر. وأما صاحب
(النهاية)): فقال: معنى كونه جنة، أي: يقي صاحبه ما يؤذيه من الشهوات. وقال
القرطبي : جُنة أي: سترة، بحسب مشروعيته، فينبغي للصائم أن يصونه مما يفسده
وينقص ثوابه، وإليه الإشارة بقوله: ((فَإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلَا يَرْفُتْ)) إلى
آخره، ويصح أن يراد أنه سترة بحسب فائدته وهو إضعافَ شهوات النفس. وإليه
الإشارة بقوله: (يَدَعُ شَهْوَتَهُ) إلى آخره، ويصح أن يراد: أنه سترة بحسب ما
يحصل من الثواب وتضعيف الحسنات.
وقال عياض في ((الإكمال)): معناه سترة من الآثام أو من النار من جميع ذلك
وبالأخير جزم النووي. وقال ابن العربي: إنما كان الصوم جنة من النار؛ لأنه
إمساك عن الشهوات، والنار محفوفة بالشهوات، فالحاصل: أنه إذا كف نفسه عن
الشهوات في الدنيا كان ذلك ساترًا له من النار في الآخرة. وقال الشاه ولي الله
الدهلوي: ((الصِّيَامُ جُنَّةٌ))؛ لأنه يقى شر الشيطان والنفس يباعد الإنسان من

١٤٧
كِتّابُ الصَّوْمِ
تأثيرهما، ويخالفه عليهما، فلذلك كان من حقه تكميل معنى الجنة بتنزيه لسانه عن
الأقوال والأفعال الشهوية - وإليه أشار بقوله: ((فَلَا يَرْفُثْ)) - والسبعية وإليه الإشارة
في قوله: ((وَلَا يَصْخَبْ)) وإلى الأقوال بقوله: ((سابه)) وإلى الأفعال بقوله: ((قاتله)).
انتهى. قال الحافظ: وفي زيادة أبي عبيدة إشارة إلى أن الغيبة تضر بالصوم، وقد
حُكِي عن عائشة وبه قال الأوزاعي : أن الغيبة تفطر الصائم وتوجب عليه قضاء ذلك
اليوم وأفرط ابن حزم فقال: يبطله كل معصية من متعمد لها، ذاكرًا لصومه، سواء
كانت فعلًا أو قولًا؛ لعموم قوله: ((فَلَا يَرْفُثْ وَلَا يَجْهَلْ)) ولقوله في الحديث الآتي
في باب تنزيه الصوم ((مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ ... )) إلخ. والجمهور وإن
حملوا النهي على التحريم إلا أنهم خصوا الفطر بالأكل والشرب والجماع. انتهى
كلام الحافظ .
(وَإِذَا) وفي بعض النسخ، ((فإذًّا)) كما في ((صحيح مسلم)) أي: إذا عرفت ما في
الصوم من الفضائل الكاملة والفوائد الشاملة. (كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ) برفع ((یوم)»
على أن ((كان)) تامة. وقيل بالنصب: فالتقدير: إذا كان الوقت يوم صوم أحدكم.
(فَلَا يَرْفُثْ) بالمثلثة وبتثليث الفاء، قاله الزركشي والقسطلاني، والعيني، وكذلك
في ((القاموس)). والرفث، بفتح الراء والفاء يطلق، ويراد به: الجماع ومقدماته،
ويطلق ويراد به: الفحش، ويطلق ويراد به: خطاب الرجل والمرأة فيما يتعلق
بالجماع. وقال كثير من العلماء: إن المراد به في هذا الحديث: الفحش ورديّ
الكلام وقبيحه. وقيل: يحتمل أن يكون النهي لما هو أعم من ذلك. (وَلَا يَصْخَبْ)
بالصاد المهملة والخاء المعجمة المفتوحة أي: لا يصيح ولا يخاصم.
وقيل: أي: لا يرفع صوته بالهذيان، وفي رواية للشيخين: ((وَلَا يَجْهَلْ)) مكان
قوله: (وَلَا يَصْخَبْ) أي: لا يفعل شيئًا من أفعال أهل الجهل كالصياح والسفه
والسخرية ونحو ذلك، وفي رواية سعيد بن منصور: ((وَلَا يُجَادِلْ)) وهذا كله ممنوع
على الإطلاق، لكنه يتأكد بالصوم؛ ولذا قال القرطبي: لا يفهم من هذا إن غير يوم
الصوم يباح فيه ما ذكر، وإنما المراد أن المنع من ذلك يتأكد بالصوم. (فَإِنْ سَابَّهُ
أَحَدٌ) وفي رواية للشيخين : (شَاتَمَهُ) أي: خاصمه باللسان.
(أَوْ قَاتَلَهُ) قال عياض: (قَاتَلَهُ) أي: دافعه ونازعه، ويكون بمعنى: شاتمة ولاعنه

١٤٨
SEEN **
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
وقد جاء القتل بمعنى اللعن، وفي رواية سعيد بن منصور أو مَارَاهُ أي: جادله ولأبي
قرة، وإن شتمه إنسان، فلا يكلمه، وقد استشكل ظاهر لفظ الكتاب؛ لأن المفاعلة
تقتضي وقوع الفعل من الجانبين والصائم مأمور بأن يكف نفسه عن ذلك، ولا
تصدر منه الأفعال التي رتب عليها الجواب خصوصًا المقاتلة، والجواب عن
ذلك: أن المراد بالمفاعلة التهيؤ لها أي: إن تهيأ أحد لمقاتلته، أو مشاتمته
((فَلْيَقُلْ : إِنِّ صَائِمٌ)) فإنه إذا قال ذلك أمكن أن یکف عنه، فإن أصر دفعه بالأخف،
فالأخف كالصائل هذا فيمن يروم مقاتلته حقيقة، فإن كان المراد بقوله: (قَاتَلَهُ)
لاعنه، فالمراد بالحديث: أنه لا يعامله بمثل عمله بل يقتصر على قوله: ((إِنِّي
صَائِمٌ)) كذا في ((الفتح)). وقال الباجي: يحتمل هذا ثلاثة أوجه يحتمل أنه يريد إن
أراد أن يشاتمه، أو يقاتله، فليمتنع من ذلك، وليقل: إني صائم. والثاني: إن لفظ
المفاعلة، وإن كانت أظهر في فعل الاثنين إلا أنها قد تستعمل في فعل الواحد،
فيقال: سافر الرجل، وعالج الطبيب المريض، وعافاه الله وبارك له. والثالث: أن
يريد إن وجدت المشاتمة منهما جميعًا، فليذكر الصائم نفسه بصومه، ولا يستديم
المشاتمة والمقاتلة، واستبعده الحافظ لما تقدم من رواية ((فإن شتمه)).
(فَلْيَقُلْ: إِنِّي امْرُؤُ صَائِمٌ) أي: فليعتذر عنده من عدم المقابلة، بأن حاله لا
يساعد المقابلة بمثله، أو فليذكر في نفسه أنه صائم ليمنعه ذلك عن المقابلة بمثله.
قال الحافظ: اتفقت الروايات كلها على أنه يقول: ((إني صائم))، فمنهم من ذكرها
مرتين، ومنهم من اقتصر على واحدة. واختلف في المراد بهذا القول، هل
يخاطب بها الذي يكلمه بذلك أو يقولها في نفسه؟ وبالثاني جزم المتولي، ونقله
الرافعي عن الأئمة، ورجح النووي الأول في ((الأذكار)). وقال في ((شرح
المهذب)): كل منهما حسن والقول باللسان أقوى، ولو جمعهما لكان حسنًا. وقال
الروياني: إن كان رمضان، فليقل بلسانه، وإن كان غيره فليقله في نفسه، وادَّعى
ابن العربي أن موضع الخلاف في التطوع. وأما في الفرض، فيقول بلسانه قطعًا.
وفائدة قوله: ((إِنِّي صَائِمٌ)) أنه یمکن أن یکف عنه بذلك، فإن أصر؛ دفعه بالأخف
فالأخف كالصائل، هذا فيمن يروم مقاتلته حقيقة، فإن كان المراد بـ((قاتله)):
لاعنه، فالمراد من الحديث أنه لا يعامله بمثل عمله، بل يقتصر على قوله: ((إني

١٤٩
كِتّابُ الصَّوْمِ
صائم)). وأما تكرير قوله: ((إِنِّي صَائِمٌ)) فليتأكد الانزجار منه أو ممن يخاطبه بذلك.
ونقل الزركشي: أن المراد بقوله: ((مرتين)) في بعض الروايات يقوله مرة بقلبه،
ومرة بلسانه، فیستفید بقوله بقلبه كف لسانه عن خصمه، وبقوله بلسانه كف خصمه
عنه. وتعقب: بأن القول حقيقة باللسان، وأجيب: بأنه لا يمنع المجاز. (مُتَّفَقٌ
عَلَيْهِ) والسياق المذكور لمسلم. والحديث أخرجه البخاري في الصيام واللباس
والتوحيد مختصرًا ومطولًا، ومسلم في الصوم. وأخرجه أيضًا أحمد ومالك
والترمذي والنسائي وابن ماجه والدارمي وابن خزيمة وابن حبان والبيهقي وغيرهم
بألفاظ متقاربة مختصرًا ومطولًا، قد ذكر الجزري في ((جامع الأصول)) والمنذري
في ((الترغيب)) شيئًا من اختلاف ألفاظه.

出版
١٥٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الفصل الثاني
١٩٨٠ - [٥] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَو ◌َُّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وََّ: ((إِذَا كَانَ
أَوَّلُ لَيْلَةٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ؛ صُفِّدَتِ الشَّيَاطِينُ وَمَرَدَةُ الْجِنِّ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ
الثَّارِ، فَلَمْ يُفْتَحْ مِنْهَا بَابٌ، وَفُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ، فَلَمْ يُغْلَقْ مِنْهَا بَابٌ،
وَيُنَادِي مُنَادٍ: يَا بَاغِيَ الْخَيْرِ أَقْبِلْ، وَيَا بَاغِيَ الشَّرِّ أَقْصِرْ، وَلِلَّهِ عُتَقَاءُ مِنَ النَّارِ،
وَذَلكَ كُلُّ لَيْلَةٍ)).
[رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وابْنُ مَاجَهْ] {صحيح}
الشرح
١٩٨٠- قوله: (إِذَا كَانَ) أي: وجد وتحقق على أن الكون تام، وإذا كان
الزمان أول ليلة على أن الكون ناقص (صفِّدَتِ) بضم الصاد المهملة وكسر الفاء
المشددة أي: شدت وأوثقت بالأصفاد، وهي الأغلال وهو بمعنى: ((سلسلت)).
(الشَّيَاطِينُ) وفي الحديث الذي يليه: ((وتَغُلَّ فِيهِ مَرَدَةُ الشَّيَاطِينٍ))، وفي حديث
رجل من أصحاب النبي وَ ل﴿عند أحمد والنسائي: ((وَيُصَفَّدُ فِيهِ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ)).
(وَمَرَدَةُ الْجِنِّ) جمع مارد، كطلبة وجهلة: وهو العاتي الشديد، وقال القاري: هو
المتجرد للشر ومنه الأمرد لتجرده عن الشعر وهو تخصيص بعد تعميم، أو عطف
تفسير وبيان كالتتميم. وقال المنذري في ((الترغيب)): ولابن خزيمة: ((صُفِّدَتِ
الشَّيَاطِينُ مَرَدَةُ الْجِنِّ» بغير واو.
(فَلَمْ يُفْتَحْ مِنْهَا بَابٌ) هو كالتأكيد لما قبله. (وَيُنَادِي مُنَادٍ) قيل: يحتمل أنه ملك،
أو المراد: أنه يُلقى في قلوب من يريد اللَّه إقباله على الخير، كذا في ((قوت
المغتذي)). قال السندي: إن قلت أي فائدة في هذا النداء مع أنه غير مسموع
للناس، قلت: قد علم الناس به بإخبار الصادق، وبه يحصل المطلوب بأن يتذكر
الإنسان كل ليلة بأنها ليلة المناداة فيتعظ بها. (يَا بَاغِيَ الْخَيْرِ) أي: طالب الخير.
(١٩٨٠) التِّرْ مِذِي (٦٨٢) فِي الزَّكَاةِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ.

١٥١
كِتّابُ الصَّوْمِ
(أَقْبِلْ) أي: على فعل الخير، فهذا أوانك فإنك تعطى جزيلاً بعمل قليل، وذلك
لشرف الشهر.
قال القاري: أي: طالب العمل والثواب أقبل إلى اللَّه تعالى وطاعته بزيادة
الاجتهاد في عبادته، وهو أمر من الإقبال، أي: تعال، فإن هذا أوانك فإنك تعطى
الثواب الجزيل بالعمل القليل، أو معناه: يا طالب الخير المعرض عنا، وعن طاعتنا
أقبل إلينا وعلى عبادتنا، فإن الخير كله تحت قدرتنا وإرادتنا. قال العراقي: ظن ابن
العربي أن قوله: في الشقين: ((يَا بَاغِيَ)) من البغي، فنقل عن أهل العربية أن أصل
البغي في الشر، وأقله ما جاء في طلب الخير، ثم ذكر قوله تعالى: ﴿غَيْرَ بَاغِ وَلَا
عَادٍ﴾ [البقرة: ١٧٣]، وقوله: ﴿يَبْغُونَ فِ اُلْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [يونس: ٢٣] والذي وقع في الآيتين
هو بمعنى التعدي، وأما في هذا الحديث فمعناه الطلب، والمصدر منه بغي وبغاية
بضم الباء فيهما. قال الجوهري: بغيته أي: طلبته. انتهى.
قال شيخنا في ((شرح الترمذي)): بعد ذكره، قلت: الأمر كما قال العراقي،
وكذلك في قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغْ﴾ [الكهف: ٦٤] معناه الطلب. (وَيَا بَاغِيَ الشَّرِّ
أَقْصِرْ) بفتح الهمزة وكسر الصاد من الإقصار، وهو الكف عن الشيء مع القدرة
عليه، فإن عجز عنه يقول: قصرت عنه بلا ألف أي: يا من يسرع ويسعى في
المعاصي. وقال القاري: أي: يا مريد المعصية أمسك عن المعاصي، وارجع إلى
اللَّه تعالى فهذا أوان قبول التوبة وزمان الاستعداد للمغفرة، ولعل طاعة المطيعين
وتوبة المذنبين، ورجوع المقصرين في رمضان من أثر النداءين، ونتيجة إقبال الله
تعالى على الطالبين؛ ولهذا ترى أكثر المسلمين صائمين حتى الصغار والجواري،
بل غالبهم الذين يتركون الصلاة يكونون حينئذٍ مصلين، مع أن الصوم أصعب من
الصلاة، وهو يوجب ضعف البدن الذي يقتضي الكسل عن العبادة، وكثرة النوم
عادة ومع ذلك ترى المساجد معمورة، وبإحياء الليل مغمورة، والحمد لله، ولا
حول ولا قوة إلا بالله. انتهى.
(وَلِلَّهِ عُتَقَاءُ مِنَ النَّارِ) أي: ولله عتقاء كثيرون من النار، فلعلك تكون من
زمرتهم. (وَذَلِكَ) أي: المذكور من النداء والعتق. وقال الطيبي: الإشارة إما
للنداء لبعده أو للعتق وهو القريب. وقال السيوطي: قلت: الثاني أرجح بدليل

١٥٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الحديث وأما ونادى هكذا وقع بلفظ الماضي عند ابن ماجه والحاكم والبيهقي في
هذا الحديث فإنه معطوف على ((صفدت)) الذي هو جواب ((إِذَا كَانَ أَوَّلُ لَيْلَةٍ)).
انتهى. يريد أن النداء يكون ليلة واحدة لا في كل ليلة، وحديث الرجل عند أحمد
والنسائي فيه تصريح بوقوع النداء في كل ليلة كما سيأتي. (كُلَّ لَيْلَةٍ) أي: في كل
ليلة من ليالي رمضان.
(رَوَاهُ التِّرْ مِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ) وأخرجه أيضًا ابن خزيمة والحاكم (ج١ ص٤٢١)
والبيهقي (ج ٤ ص٣٠٣) كلهم من رواية أبي بكر بن عياش، عن الأعمش، عن أبي
صالح، عن أبي هريرة، والحديث صحه الحاكم عن شرط الشيخين، وسكت عليه
الذهبي في ((تلخيصه)). وقال الجزري: هذا إسناد صحيح. قال مَيْرَك بعد نقل كلام
الجزري: وهذا لا يخلو عن تأمل، فإن أبا بكر بن عياش مختلف فيه، والأكثر على
أنه كثير الغلط وهو ضعيف عن الأعمش؛ ولذا قال الترمذي: غريب لا نعرفه إلا من
رواية أبي بكر وسألت محمد بن إسماعيل - يعني البخاري - عن هذا الحديث،
فقال: نا الحسن بن الربيع، نا أبو الأحوص، عن الأعمش عن مجاهد قوله: قال:
((إِذَا كَانَ أَوَّلُ لَيْلَةٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ)) فذكر الحديث.
قال محمد: وهذا أصح عندي من حديث أبي بكر بن عياش - يعني: كونه
موقوفًا عن مجاهد - انتهى كلام الترمذي. لكن يفهم من كلام الشيخ ابن حجر
العسقلاني أن الحديث المرفوع أخرجه ابن خزيمة والترمذي والنسائي - لعله في
((الكبرى)) - وابن ماجه والحاكم. قال: ونحوه للبيهقي من حديث ابن مسعود،
وقال فيه: ((فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ فَلَمْ يُغْلَقْ بَابٌ مِنْهَا الشَّهْرَ كُلِّه)). انتهى كلامه. قال
مَيْرَك: ويُقَوِّي رفع الحديث إن مثل هذا لا يقال بالرأي، فهو مرفوع حكمًا، والله
أعلم - تم كلام مَيْرَك - كذا نقل القاري كلام الجزري وكلام مَيْرَك. ثم تعقب على
مَيْرَك بوجوه لا يخلو بعضها عن كلام.
وقال العيني بعد ذكر ما حكى الترمذي عن البخاري، وقال شيخنا: يعني الحافظ
العراقي لم يحكم الترمذي على حديث أبي هريرة المذكور بصحة، ولا حسن مع
کون رجاله رجال الصحيح، وكأن ذلك لتفرد أبي بكر بن عياش به، وإن كان احتج.
به البخاري، فإنه ربما غلط، كما قال أحمد؛ ولمخالفة أبي الأحوص له في روايته

١٥٣
كِتَابَ الصَّوْم
عن الأعمش، فإنه جعله مقطوعًا من قول مجاهد، ولذلك أدخله الترمذي في
كتاب ((العلل)) وذكر أنه سأل البخاري عنه، وذكر أن كونه عن مجاهد أصح عنده.
وأما الحاكم فأخرجه في ((المستدرك)) وصححه و کذلك صححه ابن حبان، انتهى.
١٩٨١ - [٦] ورَوَاهُ أَحْمَدُ عَنْ رَجُلٍ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ
غَرِيبٌ.
{صحیح}
الشرح
١٩٨١ - قوله: (وَرَوَاهُ أَحْمَدُ) (ج٤ ص٣١١ - ٣١٢). (عَنْ رَجُلٍ) أي: من
أصحاب النبي ◌َّه لم يُسَمَّ، ورواه النسائي أيضًا، كلاهما من رواية عطاء بن
السائب عن عرفجة. قال: كنت في بيت فيه عتبة بن فرقد، فأردت أن أحدث
بحديث، قال: فكان رجل من أصحاب رسول اللّه مَّله، كأنه أولى بالحديث،
فحدث الرجل عن النبي ◌َّ أنه قال: ((فِي رَمَضَانَ تُفَتَّحُ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَتُغَلَّقُ أَبْوَابُ
النَّارِ ، وَيُصَفَّدُ فِيْهِ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ، وَيُنَادِي مُنَادٍ كُلَّ لَيْلَةٍ: يَا طَالِبَ الْخَيْرِ هَلُمَّ ، وَيَا
طَالِبَ الشَّرِّ أَمْسِْك)). (وقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ) أي: إسنادًا كما تقدم.
(١٩٨١) أحْمَد (١٨٧٩٤).

ase
١٥٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصابِيحِ
الفصل الثالث
١٩٨٢ - [٧] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضْتَهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَ: ((أَتَاكُمْ
رَمَضَانُ، شَهْرٌ مُبَارَكْ، فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ صِيَامَهُ، تُفَتَّحُ فِيهِ أَبْوَابُ السَّمَاءِ،
وَتُغَلَّقُ فِيهِ أَبْوَابُ الْجَحِيمِ، وَتُغَلَّ فِيهِ مَرَدَّةُ الشَّيَاطِينِ، لِلَّهِ فِيهِ لَيْلَةٌ خَيْرٌ مِنْ
أَلْفِ شَهْرٍ، مَنْ حُرِمَ خَيْرَهًا فَقَدْ حُرِمَ)).
[رَوَاهُ أَحْمَدُ والنَّسَائِيُّ]
الشرح
١٩٨٢- قوله: (أَتَاكُمْ) أي: جاءِكم. (رَمَضَانُ) أي: زمانه، وفي رواية
أحمد: لما حضر رمضان، قال رسول اللَّه وَلَ﴾((قَدْ جَاءَكُمْ رَمَضَانُ)). (شَهْرٌ مُبَارَكْ)
بدل أو بيان، والتقدير: هو شهر مبارك وظاهره الإخبار أي: كثر خيره الحسي
والمعنوي، كما هو مشاهد فيه. (تُفَتَّحُ فِيهِ) استئناف بيان وهو بصيغة المجهول
وبالتأنيث في الأفعال الثلاثة، وبتخفيف الفعلين ويشددان. (أَبْوَابُ السَّمَاءِ) وفي
رواية أحمد المذكورة: ((أَبْوَابُ الْجَنَّةِ)). (وَتُغَلُّ) بتشديد اللام من الإغلال. قال
في ((القاموس)): أغل فلانًا: أدخل في عنقه أو يده الغُلَّ وهو مفرد جمعه أغلال.
(فِيهِ مَرَدَةُ الشَّيَاطِينِ) يفهم من هذا الحديث إن المقيدين هم المردة فقط، فيكون
عطف المردة على الشياطين في الحديث المتقدم عطف تفسير وبيان، ويحتمل أن
يكون تقييد عامة الشياطين بغير الأغلال، والله أعلم. (لِلَّهِ فِيهِ) أي: في ليالي
رمضان على حذف مضاف، أو في العشر الأخير منه. (لَيْلَةٌ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ)
أي: العمل فيها أفضل من العمل في ألف شهر، ليس فيها ليلة القدر.
(مَنْ حُرِمَ) بتخفيف الراء على بناء المفعول. (خَيْرَهَا) بالنصب وهو يتعدى إلى
مفعولين، يقال: حرمة الشيء كضربه وعمله حرمانًا أي: منعه إياه والمحروم
الممنوع أي: من منع خيرها بأن لم يوفق لإحياء العبادة فيها. (فَقَدْ حُرِمَ) أي: منع
(١٩٨٢) رَوَاهُ أَحْمَد (٢٣٠/٢)، والنَّسَائِي (١٢٩/٤) في الصوم عنه.

١٥٥
كِتّابُ الصَّوْم
الخير كله، كما سيجيء صريحًا؛ ففيه مبالغة عظيمة. والمراد: حرمان الثواب
الكامل أو الغفران الشامل الذي يفوز به القائم في إحياء ليلها .
قال الطيبي: اتحد الشرط والجزاء دلالة على فخامة الجزاء أي: فقد حرم خيرًا
لا يقادر قدره. (رَوَاهُ أَحْمَدُ) (ج٢ ص ٢٣٠). (وَالنَّسَائِيُّ) كلاهما من طريق أبي
قلابة، عن أبي هريرة. قال الشيخ أحمد شاكر في ((شرح المسند)) (ج ١٢ ص ١٣٤):
إسناده صحيح. وقال المنذري في ((الترغيب)): ولم يسمع أبو قلابة منه فيما أعلم،
وفي (تهذيب التهذيب)) يقال: إنه لم يسمع من أبي هريرة، وتعقب هذا الشيخ أحمد
شاكر فقال: لم أجد ما يؤيد هذا أي: القول بعدم سماعه منه، وأبوقلابة لم يعرف
بتدليس، والمعاصرة كافية في الحكم بوصل الإسناد. انتهى.
١٩٨٣ - [٨] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ قَالَ:
((الصِّيَامُ وَالْقُرْآنُ يَشْفَعَانِ لِلْعَبْدِ؛ يَقُولُ الصِّيَّامُ: أَهْ رَبِّ إِنِّ مَنَعْتُهُ الطَّعَامَ
وَالشَّهَوَاتِ بِالنَّهَارِ ، فَشَفِّعْنِي فِيهِ، وَيَقُولُ الْقُرْآنُ: مَنَعْتُهُ النَّوْمَ بِاللَّيْلِ، فَشَفِّعْنِي
فِيهِ؛ فَيَشْفَعَانِ)).
[رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ] {صحيح}
الشرح
١٩٨٣- قوله: (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو) بالواو ◌َّ. (الصِّيَامُ) أي: صيام
رمضان. وقيل: مطلقًا. (وَالْقُرْآنُ) أي: قراءة القرآن. قال الطيبي: القرآن هاهنا
عبارة عن التهجد والقيام بالليل كما عبر به عن الصلاة في قوله تعالى: ﴿وَقُرْءَانَ
اُلْفَجْرِّ إِنَّ قُرْءَانَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء:٧٨] وإليه الإشارة بقوله: ((وَيَقُولُ الْقُرْآنُ:
مَتَعْتُهُ النَّوْمَ بِاللَّيْلِ)). انتهى.
(يَشْفَعَانِ) بفتح الياء وسكون المعجمة وفتح الفاء. قيل: يحتمل تجسيدهما
وخلق النطق فيهما، فإن المعاني والأعمال تتجسم يوم القيامة، ويحتمل إرسال
ملك ينطق على لسانهما، ويحتمل المجاز والتمثيل، أي: يشفعان بلسان الحال.
(١٩٨٣) البَيْهَقِي (١٩٩٤) في الشُّعَب فيه عنه.

١٥٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
قال الطيبي: الشفاعة والقول من الصيام والقرآن، إما أن يؤول أو يجري على ما
عليه النص، وهذا هو المنهج القويم والصراط المستقيم، فإن العقول البشرية
تتلاشى وتضمحل عن إدراك العوالم الإلهية، ولا سبيل لنا إلا الإذعان له والإيمان
به، ومن تأول ذهب إلى أنه استعيرت الشفاعة والقول للصيام والقرآن لإطفاء
غضب الله، وإعطاء الكرامة، ورفع الدرجات والزلفى عند الله. انتهى.
قلت: من تأول الحديث وحمله على المجاز والاستعارة والتمثيل، إنما ذهب
إلى ذلك لما زعم أن الأعمال أعراض، والعرض لا يكون قائمًا بالذات بل بالغير
وهو أمر آني لا يبقى بل يفنى، فلا يمكن أن يوذن أو يكال، وهذا شيء قد أبطله
الفلسفة الحديثة اليوم، وحققت أن الأعمال والأصوات والأنوار تبقى، ويمكن أن
تحفظ وتخزن وتوزن وتكال، فالحق والصواب: أن يحمل الحديث ظاهره.
ويقال: إن الصيام والقرآن يشفعان بالقول حقيقة. (أَيْ رَبِّ) أي: يا رب.
(وَالشَّهَوَاتِ) من عطف الأعم. (بِالنَّهَارِ) كله. (فَشَفِّعْنِي) بالتشديد أي: اقبل
شفاعتي. (فِیهِ) أي: في حقه .
(وَيَقُولُ الْقُرْآنُ) لما كان القرآن كلامه تعالى غير مخلوق، لم يقل: أي: رب.
(فَيَشْفَعَانِ) بضم أوله وشدة الفاء المفتوحة مجهولًا؛ أي: يشفعهما الله فيه، أي:
يقبل شفاعتهما ويدخله الجنة. وقال القاري: ولعل شفاعة رمضان في محو
السيئات وشفاعة القرآن في علو الدرجات رواه البيهقي في ((شعب الإيمان))
وأخرجه أحمد (ج٢ ص١٧٤) وفي سنده ابن لهيعة والحاكم (ج١ ص ٥٥٤) وقال:
صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي والطبراني في ((الكبير)).
قال الهيثمي (ج٣ ص١٨١): رجاله رجال الصحيح، وقال المنذري: رجاله
محتج بهم في ((الصحيح)) وأبو نعيم في ((الحلية)) (ج٨ ص١٦١) وفيه: رشدين بن
سعد وابن أبي الدنيا في كتاب ((الجوع)) وغيره بإسناد حسن، كما في ((الترغيب)).

١٥٧
كِتّابُ الصَّوْم
١٩٨٤ - [٩] وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ قَالَ: دَخَلَ رَمَضَانُ، فَقَالَ
رَسُولُ اللَّهِ وَّةِ: ((إِنَّ هَذَا الشَّهْرَ قَدْ حَضَرَكُمْ، وَفِيهِ لَيْلَةٌ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرِ،
مَنْ حُرِمَهَا؛ فَقَدْ حُرِمَ الْخَيْرَ كُلَّهُ، وَلَا يُحْرَمُ خَيْرَهَا إِلَّا كُلَّ مَحْرُومٍ)).
[رَوَاهُ ابْنُ مَاجَةً] {حسن}
الشرح
١٩٨٤- قوله: (إِنَّ هَذَا الشَّهْرَ) الإشارة للتعظيم. (قَدْ حَضَرَكُمْ) أي:
فاغتنموا حضوره بالصيام في نهاره والقيام في ليله. (وَفِيهِ لَيْلَةٌ) أي: واحدة مبهمة
من لياليه العشر الأواخر. (خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ) أي: فالتمسوه في كل ليلة؛ رجاء أن
تدر کوها .
(مَنْ حُرِمَهَا) على بناء المفعول، وكذا الأفعال الباقية. قيل: المراد: إنه حرم
لطف الله وتوفيقه ومنع من الطاعة فيها. والقيام بها، ولعل هذا هو الذي فاته
العشاء تلك الليلة أيضًا، قاله السندي. وقال القاري: أي: حرم خيرها وتوفيق
العبادة فيها، ومنع عن القيام ببعضها (وَلَا يُحْرَمُ خَيْرَهَا إِلَّا كُلَّ مَحْرُوم) قال القاري:
برفع كل على البدلية ويجوز نصبه على الاستثناء أي: كلٍ ممنوع منَّ الخير لا حظ
من السعادة ولا ذوق له من العبادة. قلت: قوله: ((إِلَّا كُلَّ مَحْرُوم)) هكذا وقع في
جميع وفي ((السنن)) لابن ماجه: ((إِلَّا مَحْرُومٌ)) أي: بإسقاط لفظ ((كَّل))، وكذا نقله
المنذري في ((الترغيب)).
قال السندي: وهو الذي لا حظ له في السعادة. (رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ) قال في
((الزوائد)): في إسناده عمران بن داور أبو العوام القطان مختلف فيه ومشاه الإمام
أحمد، ووثقه عفان والعجلي، وذكره ابن حبان في ((الثقات)). وقال ابن عدي:
أرجو أنه لا بأس به وباقي رجال الإسناد ثقات. انتهى.
قلت: عمران هذا، قال البخاري: صدوق يهم. وقال المنذري: في
((الترغيب)): إسناده حسن إن شاء الله تعالى، وروى الطبراني في ((الأوسط)) عنه،
(١٩٨٤) ابن مَاجَهْ (١٦٤٤) فيه عنه.

١٥٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
أي: عن أنس قال: سمعت رسول اللّهِ وَلّهِ يقول: ((هَذَا رَمَضَانُ قَدْ جَاءَ تُفْتَّحُ فِيْهِ
أَبْوَابُ الْجَنَّةِ وَتُغَلَّقُ فِيْهِ أَبْوَابُ النَّارِ وَتُغَلُّ فِيْهِ الشَّيَاطِينُ، بُعْدًا لِمَنْ أَدْرََكَ رَمَضَانَ فَلَمْ
يُغْفَرْ لَهُ، إِذَا لَمْ يُغْفَرْ لَهُ فَمَتَى؟))، انتهى. قال الهيثمي: فيه الفضل بن عيسى
الرقاشي. وهو ضعيف.
١٩٨٥ - [١٠] وَعَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ قَالَ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ ێ؛ فِي
آخِرِ يَوْمٍ مِنْ شَعْبَانَ فَقَالَ: ((يا أيها النَّاسُ قَدْ أَظَلَّكُمْ شَهْرٌ عَظِيمٌ شَهْرٌ مُبَارَك،
شَهْرٌ فِيهِ لَيْلَةٌ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرِ، جَعَلَ اللَّهُ صِيَامَهُ فَرِيضَةً، وَقِيَامَ لَيْلِهِ تَطَوُّعًا،
مَنْ تَقَرَّبَ فِيهِ بِخَصْلَةٍ مِنَ الْخَيْرِ؛ كَانَ كَمَنْ أَدَّى فَرِيضَةً فِيمَا سِوَاهُ، وَمَنْ أَدَّى
فَرِيضَةً فِيهِ؛ كَانَ كَمَنْ أَدَّى سَبْعِينَ فَرِيضَةً فِيمَا سِوَاهُ، وَهُوَ شَهْرُ الصَّبْرِ،
وَالصَّبْرُ ثَوَابُهُ الْجَنَّةُ، وَشَهْرُ الْمُوَاسَاةِ، وَشَهْرٌ يُزَادُ فِيهِ رِزْقُ الْمُؤْمِنِ، مَنْ فَطَّرَ
فِيهِ صَائِمًا؛ كَانَ لَهُ مَغْفِرَةً لِذُنُوبِهِ، وَعِثْقَ رَقَبَتِهِ مِنَ النَّارِ، وَكَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ مِنْ
غَيْرِ أَنْ يَنْتَقِصَ مِنْ أَجْرِهِ شَيْءٌ)) قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَيْسَ كُلُّنَا يَجِدُ مَا نُفَطِّرُ بِهِ
الصَّائِمَ. فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ وَلِهِ: ((يُعْطِي اللَّهُ هَذَا الثَّوَابَ مَنْ فَطَّرَ صَائِمًا عَلَى
مَذْقَةٍ لَبَنِ أَوْ تَمْرَةٍ، أَوْ شَرْبَةٍ مِنْ مَاءٍ، وَمَنْ أَشْبَعَ صَائِمًا؛ سَقَاهُ اللَّهِ مِنْ حَوْضِي
شَرْبَةً لَاَّ يَظْمَأُ حَتَّى يَدْخُلَ الْجَنَّةَ، وَهُوَ شَهْرٌ أَوَّلُهُ رَحْمَةٌ، وَأَوْسَطُهُ مَغْفِرَةٌ،
وَآخِرُهُ عِثْقٌ مِنَ النَّارِ، وَمَنْ خَفَّفَ عَنْ مَمْلُوكِهِ فِيهِ؛ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ، وَأَعْتَقَهُ مِنَ
النَّارِ)).
[رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ ] {ضعيف}
الشرح
١٩٨٥ - قوله: (الْفَارِسِيِّ) بكسر الراء. (خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ وَلآ) يحتمل خطبة
الجمعة وخطبة الموعظة. (فَقَالَ) أي: بعد أن حمد الله وأثنى عليه كما هو المعهود
من حاله في خُطَبِهِ، وكأن سلمان حذف ذلك؛ اختصارًا. قلت: ما اختصره بل
اقتصره وبينه وأظهره بقوله : (خَطَبَنَا) فإن الخطبة هي الحمد والثناء، كما هو مشهور
(١٩٨٥) البَيْهَقِي (٣٦٠٨) في الشُّعَب عنه فيه.

١٥٩
كِتّابُ الصَّوْم
عند العلماء كذا في ((المرقاة)).
(يا أيها النَّاسُ) وفي بعض النسخ: ((أَيُّهَا النَّاسُ)). (قَدْ أَظَلَّكُمْ) بالظاء المشالة
أي: أشرف عليكم وقرب منكم. قال في ((النهاية)): أظلكم رمضان بالمعجمة أي:
أقبل عليكم، ودنا منكم كأنه ألقى عليكم ظله. (شَهْرٌ عَظِيمٌ) أي: قدره؛ لأنه سيد
الشهور. (صِيَامَهُ) أي: صيام نهاره. (فَرِيضَةً) أي: فرضًا قطعيًّا. (وَقِيَامَ لَيْلِهِ) أي:
إحياءه بالتراويح ونحوها. (تَطَوُّعًا) أي: سنة مؤكدة فمن فعله؛ فاز بعظيم ثوابه،
ومن تركه؛ حرم الخير وعوقب بعتابه، قاله القاري: (مَنْ تَقَرَّبَ) أي: إلى الله.
(فِيهِ) أي: في نهاره أو ليلة. (بِخَصْلَةٍ مِنَ الْخَيْرِ) أي: من أنواع النفل. (كَانَ كَمَنْ)
أي: ثوابه کثواب من.
(أَدَّى فَرِيضَةً فِيِمَا سِوَاهُ) أي: من الأشهر. (وَهُوَ شَهْرُ الصَّبْرِ)؛ لأن صيامه
بالصبر عن المأكول والمشروب ونحوهما، وقيامه بالصبر على محنة السهر؛ ولذا
أطلق الصبر على الصوم في قوله تعالى: ﴿وَأَسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلَوَةِ﴾ [البقرة: ١٥٣]
(الصَّبْرُ) أي: كماله المتضمن للشكر، كما حرره الغزالي من أن وجوهما على وجه
الكمال متلازمان، وبكل طاعة وخصلة حميدة متعلقان، فإن الإيمان نصفان:
نصفه صبر، ونصفه شكر؛ فترك المعصية صبر، وامتثال الطاعة شكر.
(ثَوَابُهُ الْجَنَّةِ) أو يقال: الصبر على الطاعة وعن المعصية جزاؤه الجنة لمن قام به
مع الناجين: وقال ابن حجر: أي: من غير مقاساة لشدائد الموقف. (وَشَهْرُ
الْمُوَاسَاةِ) أي: المساهمة والمشاركة في المعاش والرزق، وأصله الهمزة، فقلبت
واوًا تخفيفًا، يقال: آسى الرجل في ماله، أي: جعله أسوته فيه، وفيه: تنبيه على
الجود والإحسان على جميع أفراد الإنسان، لاسيما على الفقراء والجيران.
(وَشَهْرٌ يُزَادُ فِيْهِ رِزْقُ الْمُؤْمِنِ) وفي بعض النسخ: ((يُزَادُ فِي رِزْقِ الْمُؤَمِنِ فِيْهِ)»
أي: سواء كان غنيًا أو فقيرًا، وهذا أمر مشاهد فيه، ويحتمل تعميم الرزق بالحسي
والمعنوي. (مَنْ فَطَّرَ) بتشديد الطاء. (فيه صَائِمًا) أي: أطعمه، أو سقاه عند إفطاره
من كسب حلال كما سيجيء. (كَانَ) أي: التفطير. (لَهُ) أي: للمفطر. (مَغْفِرَةً
لِذِنُوبِهِ وَعِثْقَ رَقَبَتِهِ) أي: المفطر. (مِنَ النَّارِ) أي: سبًا لحصولهما، وفي نسخة
برفع: المغفرة والعتق، فالمعنى: حصل له مغفرة وعتق. (وَكَانَ لَهُ مِثْلَ أَجْرِهِ) أي :