Indexed OCR Text

Pages 61-80

٦٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
لأحمد: ((وَلَا تَحْقِرَنَّ مِنَ الْمَعْرُوفِ شَيْئًا وَلَوْ أَنْ تُكَلِّمَ أَخَاَ وَوَجَهُكَ إِلَيْهِ مُنْبَسطٌ)) .
(فَإِنْ أَبَيْتَ) رفع إزارك إلى نصف الساق. (فَإِلَى الْكَعْبَيْنِ) أي: فارفعه إليهما ولا
تتجاوز عنهما. (وَإِيَّاَكَ وَإِسْبَالَ الْإِزَارِ) أي: اجتنب، واحذر إرسال الإزار وإرخاءه؛
نازلاً عن الكعبين. (فَإِنَّهَا) أي: أي: هذه الفعلة، أو الخصلة التي هي تسبيل
الإزار. (مِنَ الْمَخِلَةِ) بفتح الميم وكسر الخاء وسكون الياء من الاختيال، وهو
الكبر واستحقار الناس .
(وَإِنِ امْرُؤْ شَتَمَكَ) أي: سبك. (وَعَيَّرَكَ) أي: وبخك عيبك. (بِمَا يَعْلَمُ فِيكَ)
أي: لامك وعذلك، لما يعلم فيك من عيبك. (فَلَا تُعَيِّرْهُ بِمَا تَعْلَمُ فِيهِ) أي: فضلًا
عما لا تعلم فيه. (فَإِنَّمَا وَبَالُ ذَلِكَ) أي: إثم ما ذكر من الشتم والتعيير. (عَلَيْهِ) أي:
على ذلك المرء، ولا يضرك شيء، وفي رواية لأحمد: ((فَإِنَّ أَجْرَ ذَلِكَ لَكَ وَوَبَالُهُ
عَلَيْهِ)). (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) في اللباس. (وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ) في الاستئذان. (مِنْهُ) أي: من
الحديث. (حَدِيثَ السَّلام) أي: صدر الحديث وهو ما يتعلق بالسلام. (وَفِي
رِوَايَةٍ: فَيَكُونُ لَكَ أَجْرُ ذَلِكَ وَوَبَالُهُ عَلَيْهِ) لم أقف على هذه الرواية وروى أحمد
بنحوها، والحديث أخرجه أحمد (ج٣ ص ٤٨٢ - ٤٨٣). (وج٥ ص٦٣ - ٦٤)
وابن حبان في (صحيحه))، وابن عبد البر في ((الاستيعاب)) مطولاً، والنسائي في
((الكبرى)) مختصرًا وسكت عنه أبو داود وصححه الترمذي والنووي، ونقل
المنذري تصحيح الترمذي وأقره.
١٩٣٦ - [٣٤] وَعَنْ عَائِشَةَ أَنَّهُمْ ذَبَحُوا شَاةً، فَقَالَ النَّبِيُّ وَّهِ: ((مَا بَقِيَ
مِنْهَا؟)) قَالَتْ: مَا بَقِيَ مِنْهَا إِلَّا كَتِفُهَا قَالَ: ((بَقِيَ كُلَّهَا غَيْرَ كَتِفِهَا)).
[رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ] {صحيح}
الشَّرْحُ
١٩٣٦- قوله: (أَنَّهُمْ ذَبَحُوا) أي: أصحاب النبي ◌َّر، أو أهل البيت
وهو الظاهر. (مَا بَقِيَ مِنْهَا؟) على الاستفهام أي: أي شيء بقي من الشاة؟ (قَالَتْ:
(١٩٣٦) صحيح.

كِتَابُ الرَّكاةِ
بَابُ فضْلِ الصَّدَقةِ
٦١
مَا بَقِيَ مِنْهَا إِلَّا كَتِفُهَا) أي: التي لم يتصدق بها .
(قال: بَقِيَ كُلَّهَا غَيْرَ كَتِفِهَا) بالنصب والرفع أي: ما تصدقت بِه، فهو باق، وما
بقي عندك؛ فهو غير باق؛ إشارة إلى قوله تعالى: ﴿مَا عِندَكُمْ يَنَفَدُ وَمَا عِندَ اللَّهِ بَانٍ﴾
[النحل: ٩٦] وقال المنذري: معناه أنهم تصدقوا بها إلا كتفها. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) في
الزهد. (وَصَحَّحَهُ) نقل المنذري في ((الترغيب)) تصحيح الترمذي وأقره، وفي
الباب عن أبي هريرة عند البزار ذكره الهيثمي (ج ٣ ص١٠٩) وقال: رجاله ثقات.
١٩٣٧ - [٣٥] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَلَهِ يَقُولُ:
((مَا مِنْ مُسْلِمٍ كَسَا مُسْلِمًا ثَوْبًا؛ إِلَّا كَانَ فِي حِفْظٍ مِنَ اللَّهِ مَادَامَ عَلَيْهِ مِنْهَ
خِرْقَةٌ)).
[رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ] {ضعيف}
الْشَرْحُ
١٩٣٧ - قوله: (إِلَّا كَانَ فِي حِفْظٍ) قال الطيبي: أي: في حفظ، أي: حفظ.
(مِنَ اللَّهِ) قال ابن الملك: وإنما لم يقل: في حفظ الله، ليدل التنكير على نوع
تفخيم وشيوع، وهذا في الدنيا، وأما في الآخرة، فلا حصر ولا عدل لثوابه.
انتهى. قلت: قوله: (فِي حِفْظٍ مِنَ اللَّهِ) هكذا في جميع النسخ، وكذا وقع في
((المصابيح)) والذي في ((جامع الترمذي)): ((فِي حِفْظِ اللهِ)) أي: بالإضافة، وهكذا
نقله المنذري في ((الترغيب)) والسيوطي في ((الجامع الصغير))، والجزري في
((جامع الأصول)) (ج ١٠ ص ٣١٩).
(مَا دَامَ عَلَيْهِ) أي: على من كساه. (مِنْهُ) أي: من الثوب. (خِرْقَةٌ) أي: قطعة .
قال المناوي: يعني: حتى يبلي. وقال: ومفهوم هذا الحديث: أنه لو كسا ذميًّا لا
يكون له هذا الوعد. (رَوَاهُ أَحْمَدُ) لم أجده في مسند عبد الله بن عباس ولعله ذكره
في أثناء مسند غيره من الصحابة، أو هذا سهو من المصنف ويقوي ذلك، أنه لم
ينسبه المنذري في ((الترغيب)) والسيوطي في ((الجامع الصغير)) لأحمد. والله
(١٩٣٧) التِّرْ مِذِي (٢٤٨٤) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي الرِّفَاقِ.

٦٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
أعلم. (وَالتِّرْ مِذِيُّ) في الزهد وأخرجه الحاكم (ج٤ ص١٩٦) بلفظ: ((مَنْ كَسَا
مُسْلِمًا ثَوْبًا لَمْ يَزَلْ فِي سِتْرِ اللهِ مَا دَامَ عَلَيْهِ مِنْهُ خَيْطٌ أَوْ سِلْك))، والحديث حسنه
الترمذي.
وقال الحاكم: صحيح الإسناد وتعقبه الذهبي. فقال خالد: ضعيف. انتهى.
قلت: في سند هذا الحديث خالد بن طهمان أبو العلاء الخفاف الكوفي. قال في
((تهذيب التهذيب)). قال ابن معين: ضعيف خلط قبل موته بعشر سنين، وكان قبل
ذلك ثقة وكان في تخليطه كل ما جاؤوا به يقر به. وقال أبو حاتم: هو من عتق
الشيعة محله الصدق، وذكره ابن حبان في ((الثقات)) وقال: يخطئ ويهم. وقال في
((التقريب)): صدوق رمى بالتشيع ثم اختلط .
١٩٣٨ - [٣٦] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ يَرْفَعُهُ قَالَ: ((ثَلَاثَةٌ يُحِبُّهُمُ
اللَّهُ: رَجُلٌ قَامَ مِنَ اللَّيْلِ يَتْلُو كِتَابَ اللَّهِ، وَرَجُلٌ يَتَصَدَّقُ بِصَدَقَةٍ بِيَمِينِهِ
يُخْفِيهَا - أُرَاهُ قَالَ: مِنْ شِمَالِهِ -، وَرَجُلٌ كَانَ فِي سَرِيَّةٍ، فَانْهَزَمَ أَصْحَابُهُ،
فَاسْتَقْبَلَ الْعَدُوَّ).
[ْرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَيْرُ مَحْفُوظٍ، أَحَدُ رُوَاتِهِ أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشِ كَثِيرُ الْغَلَطِ]
5 0
الْشَّرْجُ
١٩٣٨- قوله: (يَرْفَعُهُ) أي: يرفع الحديث إلى النبي وَّه ولو لم يقل هذا
لأوهم أن يكون الحديث موقوفًا على ابن مسعود لقوله بعده: (قَالَ: ثَلَاثَةٌ) ولم
ينسبه إلى النبي وَ لّ. (رَجُلٌ قَامَ مِنَ اللَّيْلِ) أي: للتهجد فيه. (يَتْلُو كِتَابَ اللَّهِ) أي:
القرآن في صلاته وخارجها. (بِيَمِينِهِ) فيه: إيماء إلى الأدب في العطاء بأن يكون
باليمين؛ رعاية للأدب، وتفاؤلًا باليمين والبركة. (يُخْفِيهَا) أي: يخفي تلك
الصدقة غاية الإخفاء؛ خوفًا من السمعة والرياء مبالغة في قصد المحبة والرضاء.
(أُرَاهُ) بضم الهمزة من الإراءة أي: أظنه. (مِنْ شِمَالِهِ) أي: يخفيها من شماله أريد
(١٩٣٨) التِّرْمِذِي (٢٥٦٧) فِي صِفَةِ أهْلِ الجَنَّةِ، وَقَالَ: غَيْرُ مَحْفُوظٍ.

٦٣
كِتَابُ الزَّكاةِ
*****<<<<<<<< > *<<<<< > <<<**
باب فضْل الصَّدَقةِ
به كمال المبالغة. (وَرَجُلْ كَانَ فِي سَرِيَّةٍ) أي: جيش صغير. (فَانْهَزَمَ أَصْحَابُهُ)
دونه .
(فَاسْتَقْبَلَ الْعَدُوَّ) وحده أي: وقاتلهم؛ لتكون كلمة الله هي العليا. (رَوَاهُ
التِّرْمِذِيُّ) في آخر صفة الجنة من حديث أبي بكر بن عياش عن منصور بن المعتمر
عن ربعي بن حراش عن عبد الله بن مسعود. (هَذَا حَدِيثٌ غَيْرُ مَحْفُوظٍ) في نسخ
الترمذي الموجودة عندنا، هذا حديث غريب غير محفوظ، وقال الترمذي بعد
هذا: والصحيح ما روى شعبة وغيره عن منصور عن ربعي بن حراش عن زيد بن
ظبيان عن أبي ذر، عن النبي ◌َّه. (وَأَبُو بَكْرٍ بْنُ عَيَّاشِ) بتحتانية مشددة وشين
معجمة. (كَثِيرُ الْغَلَطِ) أي: في الحديث مع كونه إمامًا في القراءة.
قال في ((التقريب)): أبو بكر بن عياش بن سالم الأسدي الكوفي المقري الحناط
بمهملة ونون مشهور بكنيته، والأصح أنها اسمه يعني: أنه مختلف في اسمه على
عشرة أقوال والصحيح: أنه لا اسم له إلا كنيته، ثقة عابد إلا أنه لما كبر ساء حفظه
وكتابه صحيح. وقال في مقدمة ((الفتح)): قال أحمد: ثقة وربما غلط. وقال أبو
نعيم: لم يكن في شيوخنا أكثر غلطًا منه، وسئل أبو حاتم عنه وعن شريك فقال:
هما في الحفظ سواء، غير أن أبا بكر بن عياش أصح كتابًا منه.
وقال ابن حبان: كان يحيى القطان وعلي بن المديني يسيئان الرأي فيه، وذلك
أنه لما كبر؛ ساء حفظه فكان يهم. وقال ابن سعد: كان ثقة صدوقًا عالمًا
بالحديث، إلا أنه كثير الغلط. وقال يعقوب بن شيبة: كان له علم وفقه ورواية.
وفي حديثه اضطراب. قلت: لم يرو له مسلم إلا في مقدمة ((صحیحه))، وروی له
البخاري أحاديث أكثرها بمتابعة غيره.
واعلم: أن مقصود الترمذي أن أبا بكر بن عياش غلط في شيخ منصور، واسم
الصحابي أيضًا. وأراد بحديث شعبة بإسناده عن أبي ذر، الحديث، الذي بعده.
وهو حديث صحيح. أخرجه الترمذي وغيره.

٦٤
MENDE X
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
١٩٣٩ - [٣٧] وَعَنْ أَبِي ذَرِّ رَِفْلَهُ عَنِ النَّبِيِّ نَّهِ قَالَ: ((ثَلَاثَةٌ يُحِبُّهُمُ
اللَّهُ، وَثَلَاثَةٌ يَبْغُضُهُمُ اللَّهُ، فَأَمَّا الَّذِينَ يُحِبُّهُمُ اللَّهُ: فَرَجُلٌ أَتَى قَوْمًّا فَسَأَلَهُمْ
بِاللَّهِ وَلَمْ يَسْأَلْهُمْ بِقَرَابَةٍ بَيْتَهُ وَبِيْتَهُمْ، فَمَنَعُوهُ، فَتَخَلَّفَ رَجُلٌ بَأَعْيَانِهِمْ فَأَعْطَاهُ
سِرَّا لَا يَعْلَمُ بِعَطِيَّتِهِ إِلَّ اللَّهُ وَالَّذِي أَعْطَاهُ، وَقَوْمٌ سَارُوا لَيْلَتَهُمْ حَتَّى إِذَا كَانَ
النَّوْمُ أَحَبَّ إِلَيْهِمْ مِمَّا يُعْدَلُ بِهِ، فَوَضَعُوا رُؤُوسَهُمْ فَقَامَ يَتَمَلَّقُنِي وَيَتْلُو آيَاتِي،
وَرَجُلٌ كَانَ فِي سَرِيَّةٍ فَلَقِيَ الْعَدُوَّ فَهُزِمُوا وَأَقْبَلَ بِصَدْرِهِ حَتَّى يُقْتَلَ أَوْ يُفْتَحَ لَهُ.
وَالثَّلاثَةُ الَّذِينَ يَبَّغُضُهُمُ اللَّهُ: الشَّيْخُ الزَّانِي، وَالْفَقِيرُ الْمُخْتَالُ، وَالْغَنِيُّ
الظَّلُومُ)).
[رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ والنَّسَائِيُّ] {ضعيف}
الْشَّرْحُ
١٩٣٩ - قوله: (ثَلَاثَةٌ يُحِبُّهُمُ اللَّهُ) أي: أكثر من غيرهم. (فَأَمَّا الَّذِينَ يُحِبُّهُمُ
اللَّهُ: فَرَجُلٌ) ظاهره: أن السائل أحد الثلاثة الذین یحبهم الله، ولیس کذلك بل
معطيه، فلا بد من تقدير مضاف أي: فأحدهم معطي رجلٍ، وكذا قوله: (وَقَوْمٌ)
بتقدير مضاف أي: والثاني عابد قوم. (أَتَّى قَوْمًّا فَسَأَلَهُمْ بِاللَّهِ) أي: مستعطفًا بالله
قائلا: أنشدكم بالله أعطوني. (وَلَمْ يَسْأَلْهُمْ لِقَرَابَةٍ) أي: ولم يقل: أسألكم، أو
أعطوني بحق قرابة بيني وبينكم، قال في ((المفاتيح)): يعنى: إذا سأل باللّه؛ وجب
إجابته؛ تعظيمًا لاسم اللّه تعالى فإذا منعوه، فقد اجترموا جرمًا عظيمًا، فإذا أعطاه
واحد سرًا، فله فضيلتان: إحداهما: أنه أعظم اسم اللَّه تعالى، والثانية: أنه تصدق
سرًّا وصدقة السر له فضيلة. (فَمَنَعُوهُ) أي: الرجل العطاء.
(فَتَخَلَّفَ رَجُلٌ بِأَعْيَانِهِمْ) قال القاري: الباء للتعدية أي: بأشخاصهم وتقدم.
وقيل: أي: تأخر رجل من بينهم إلى جانب حتى لا يروه بأعيانهم من أشخاصهم.
وقال الطيبي: أي: ترك القوم المسؤول عنهم خلفه، فتقدم فأعطاه سرًّا، والمراد
من الأعيان: الأشخاص. ويحتمل أن يكون المراد: أنه سبقهم بهذا الخير،
(١٩٣٩) التِّرْ مِذِي (٢٥٦٨) فِي صِفَةِ الجَنَّةِ، وَالنَّسَائِي (٨٤/٥) فِي الزَّكَاةِ عَنْ أَبِي ذَرٍّ، وَقَالَ التِّرْمِذِي:
صَحِيحٌ.

٦٥
كِتَابُ الرَّكاةِ
بَابُ فضْلِ الصَّدَقَةِ
فجعلهم خلفه، وفي رواية الطبراني: ((فَتَخَلَّفَ رَجُلٌ عَنْ أَعْيَانِهِمْ)) وهذا أشبه وأسد
من طريق المعنى، وإن كانت الرواية الأولى أوثق من طريق السند. والمعنى: أنه
تخلف، أي: تأخر عن أصحابه حتى خلا بالسائل فأعطاه سرًّا، وفي رواية
للنسائي: (فَتَخَلَّفَهُمْ رَجُلٌ بِأَعْقَابِهِمْ))، قال السندي: أي: فخرج من بينهم بحيث
صار خلفهم في ظهورهم فقوله: ((بِأَعْقَابِهِمْ)) بمعنى في ظهورهم بمنزلة التأكيد لما
يدل عليه تخلفهم. (لَا يَعْلَمُ بِعَطِيَّتِهِ إِلَّا اللَّهُ وَالَّذِي أَعْطَاهُ) تقرير لمعنى السر.
(وَقَوْمٌ) أي: الثاني قائم قوم أو قاري قوم. (أَحَبَّ إِلَيْهِمْ) أي: ألذ وأطيب. (مِمَّا
يُعْدَلُ بِهِ) على بناء المفعول أي: من كل شيء يقابل ويساوى بالنوم. وقيل: أي:
مما يجعل عديلًا له، ومثلًا ومساويًا في العادة. (فَوَضَعُوا رُؤُوسَهُمْ) أي: فناموا،
وفي رواية: (نَزَلُوا فَوَضَعُوا رُؤُوسَهُمْ)). (فَقَامَ) وفي بعض نسخ الترمذي: ((قَامَ
رَجُلٌ)) أي: منهم. (يَتَمَلَّقُنِي) هذا على حكاية كلام الله تعالى في شأن ذلك الرجل
لا على الالتفات، والملق بفتحتين: الزيادة في التودد والدعاء والتضرع أي:
يتواضع لدي ويتضرع إلي. (وَيَتْلُو آياتِي) أي: يقرأ ألفاظها، ويتبعها بالتأمل في
معانيها. (وَرَجُلٌ) أي: والثالث رجل. (فَهُزِمُوا) أي: أصحابه.
(فَأَقْبَلَ بِصَدْرِهِ) أي: خلاف من ولى دبره بتولية ظهره، وقوله: (بِصَدْرِهِ) تأكيد
الإقبال، فإنه لا يكون إلا بالصدر وقيل: هذا أبلغ في الإقبال والجرأة من أن يقابل
بو جهه .
(حَتَّى يُقْتَلَ أَوْ يُفْتَحَ لَهُ) على بناء المفعول فيهما أي: حتى يفوز بإحدى
الحسنيين، وفي رواية أحمد والنسائي: ((حَتَّى يُقْتَلَ أَوْ يَفْتَحَ اللهُ لَهُ)). (الشَّيْخُ
الزَّانِي) قال القاري: يحتمل أن يراد بالشيخ الشيبة ضد الشاب، وأن يراد به:
المحصن ضد البكر كما في الآية المنسوخة التلاوة: ((الشَّيْخُ وَالشَّيْخَةُ إِذَا زَنَيَا
فَارْ جُمُوهُمَا)). (وَالْفَقِيرُ الْمُخْتَالُ) أي: المتكبر.
(وَالْغَنِيُّ الظَّلُومُ) أي: كثير الظلمٍ في المطل وغيره، وفي رواية لأحمد:
(وَالْمُكْثِرَ الْبَخِيلَ))، بدل: ((وَالْغَنِيُّ الظَّلُومُ)) وإنما خص الشيخ وأخويه بالذكر؛ لأن
هذه الخصال فيهم أشد مذمة وأكثر نكرة.

٦٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) في آخر صفة الجنة. وقال: هذا حديث صحيح، وهذا أصح من
حديث أبي بكر بن عياش عن منصور عن ربعي عن ابن مسعود. (وَالنَّسَائِيُّ) في
صلاة الليل، وفي الزكاة، وأخرجه أيضًا أحمد (ج٥ ص١٥٣) وابن خزيمة وابن
حبان في ((صحيحيهما)) والحاكم (ج١ ص٤١٦) وصححه ووافقه الذهبي.
١٩٤٠ - [٣٨] وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكَ عَنِ النَّبِيِّ وَ لَ قَالَ: ((لِمَا خَلَقَ اللَّهُ
الْأَرْضَ جَعَلَتْ تَمِيدُ، فَخَلَقَ الْجِبَالَ فَقَالَ بِهَا عَلَيْهَا، فَاسْتَقَرَّتْ، فَعَجِبَتِ
الْمَلَائِكَةُ مِنْ شِدَّةِ الْجِبَالِ، فَقَالُوا: يَا رَبِّ هَلْ مِنْ خَلْقِكَ شَيْءٌ أَشَدُّ مِنَ
الْجِبَالِ؟ قَالَ: نَعَمْ، الْحَدِيدُ. قَالَوا: يَا رَبِّ هَلْ مِنْ خَلْقِكَ شَيْءٌ أَشَدُّ مِنَ
الْحَدِيدِ؟ قَالَ: نَعَمْ، النَّارُ. فَقَالَوا: يَا رَبِّ هَلْ مِنْ خَلْقِكَ شَيْءٌ أَشَدُّ مِنَ
النَّارِ؟ قَالَ: نَعَمْ، الْمَاءُ. قَالَوا: يَا رَبِّ فَهَلْ مِنْ خَلْقِكَ شَيْءٌ أَشَدُّ مِنَ الْمَاءِ؟
قَالَ: نَعَمْ، الرِّيحُ. فَقَالُوا: يَا رَبِّ هَلْ مِنْ خَلْقِكَ شَيْءٌ أَشَدُّ مِنَ الرِّيحِ؟ قَالَ:
نَعَمْ، ابْنُ آدَمَ تَصَدَّقَ صَدَقَّةً بِيَمِينِهِ يُخْفِيهَا مِنْ شِمَالِهِ)).
[رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، وَذُكِرَ حَدِيثُ مُعَاذٍ: ((الصَّدَقَةُ تُطْفِئُّ الْخَطِيئَةَ)) في
كِتَابِ الْإِيمَانِ] {ضعيف}
الْشَرْجُ
١٩٤٠ - قوله: (لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ الْأَرْضَ) أي: أرض الكعبة، ودحيت وبسطت
من جوانبها، وبقيت كلوحة على وجه الماء. (جعَلَتْ تَمِيدُ) بالدال المهملة أي:
شرعت تميل وتتحرك، وتضطرب شديدة، ولا تستقر حتى قالت الملائكة: لا ينتفع
الإنس بها. (فَخَلَقَ الْجِبَالَ) قيل: أولها أبو قيس. (فَقَالَ بِهَا عَلَيْهَا) أي: امرو أشار
يكون الجبال واستقرارها على الأرض. (فَاسْتَقَرَّتْ) أي: الجبال عليها، أو فثبتت
الأرض في مكانها، أو ما مادت ولا مالت من حالها ومحلها .
قال الطيبي: قد مر مرارًا أن القول يعبر به عن كل فعل وقرينة اختصاصه اقتضاء
المقام، فالتقدير: ألقى بالجبال على الأرض. كما قال تعالى: ﴿وَأَلْقَى فِ اْأَرْضِ
(١٩٤٠) التِّرْمِذِي (٣٣٦٩) عَنْ أَنَسٍ، وَقَالَ: غَرِيبٌ، وَسُلَيْمَانٌ رَاوِيهِ عَنْ أَنَسٍ مَجْهُولٌ.

كِتَابُ الرَّكاةِ
<<<<**
بَابُ فَضْل الصَّدَقةِ
٦٧
22
رَوَسِىَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ [ النحل: ١٥]، فالباء زائدة على المفعول، كما في قوله تعالى:
﴿وَلَا تُلْقُواْ بِأَيَدِيَكُمْ إِلَى النَّهْلَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥] وإيثار القول على الإلقاء والإرسال؛ لبيان
العظمة والكبرياء، وإن مثل هذا الأمر العظيم يتأتى من عظيم قدرته بمجرد القول.
وقيل: ضمن القول معنى الأمر أي: أمر الجبال قائلًا: أرسي عليها. وقيل:
أي: ضرب بالجبال على الأرض حتى استقرت. (هَلْ مِنْ خَلْقِكَ) أي: من
مخلوقاتك .
(قَالَ: نَعَمْ الْحَدِيدُ) فإنه يكسر به الحجر، ويقلع به الجبال. (قَالَ: نَعَمْ النَّارُ)،
فإنها تلين الحديد وتذيبه. (قَالَ: نَعَمْ الْمَاءُ)؛ لأنه يطفئ النار. (قَالَ: نَعَمْ الرِّيحُ)
من أجل أنها تفرق الماء وتنشفه. وقال الطيبي: فإن الريح تسوق السحاب الحامل
للماء. (نَعَمْ، ابْنُ آدَمَ تَصَدَّقَ صَدَقَّةً ... ) إلخ. أي: التصدق من بني آدم أشد من
الريح ومن كل ما ذكر؛ وذلك لأن فيه مخالفة النفس، وقهر الطبيعة والشيطان،
ولا يحصل ذلك من شيء مما ذكر، أو لأن صدقته تطفئ غضب الرب وغضب الله
تعالى لا يقابله شيء في الصعوبة والشدة، وإذا فرض نزول عذاب الله بالريح على
أحد، وتصدق في السر على أحد تدفع العذاب المذكور. فكان أشد من الريح قاله
في ((اللمعات)). وقال الطيبي: فإن من جبلة ابن آدم القبض والبخل الذي هو من
طبيعة الأرض، ومن جبلته الاستعلاء وطلب انتشار الصيت، وهما من طبيعتي النار
والريح، فإذا راغم بالإِعطاء جبلته الأرضية وبالإخفاء جبلته النارية، والريحية كان
أشد من الكل، انتهى.
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) في آخر أبواب التفسير من طريق العوام بن حوشب عن سليمان
ابن أبي سليمان عن أنس وسليمان هذا قال الذهبي فيه: لا يكاد يعرف. وقال ابن
معين: لا أعرفه والحديث ذكره المنذري في باب: الترغيب في صدقة السر.
وقال: رواه الترمذي والبيهقي وغيرهما.
(وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ) وتمام كلامه: لا نعرفه مرفوعًا إلا من هذا الوجه.
(وَذُكِرَ) بصيغة المجهول. (حَدِيثُ مُعَاذٍ: ((الصَّدَقَةُ تُطْفِئُ الْخَطِيئَةَ))) أي: تزيل
الذنوب وتمحوها، كما قال: ﴿إِنَّ الْحَسَنَتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١٤].
(فِي كِتَابِ الِيْمَانِ) أي: في حديث طويل هناك فيكون من باب إسقاط المكرر.

٦٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الفصل الثالث
١٩٤١ - [٣٩] عَنْ أَبِي ذَرِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَهِ: ((مَا مِنْ عَبْدٍ
مُبْلِمٍ يُنْفِقُ مِنْ كُلِّ مَالٍ لَهُ زَوْجَيْنِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، إِلَّ اسْتَقْبَلَتْهُ حَجَبَةُ الْجَنَّةِ،
كُلَّهُمَّ يَدْعُوهُ إِلَى مَا عِنْدَهُ)). قلت: وَكَيْفَ ذَلِكَ؟ قَالَ: ((إِنْ كَانَتْ إِبلا
فَبَعِيرَيْنِ، وَإِنْ كَانَتْ بَقْرَةً فَبَقْرَتَيْنٍ)).
[رَوَاهُ النَّسَائِيُّ]
الشَّرْحُ
١٩٤١- قوله: (يُنْفِقُ) أي: يتصدق. (مِنْ كُلِّ مَالٍ لَهُ) أي: من أي مال له
كان. (زَوْجَيْنِ) أي: اثنين. (فِي سَبِيلِ اللَّهِ) أي: ابتغاء وجهه ومرضاة ربه. (حَجَبَةٌ
الْجَنَّةِ) بفتحتين: جمع حاجب أي: بوابو أبوابها. (كُلَّهُمْ يَدْعُوهُ) أي: كل واحد
منهم. وقال القاري: أفرد الضمير للفظ ((كل))، أو المعنى كل واحد منهم يدعوه.
(إِلَى مَا عِنْدَهُ) أي: من النعم العظام والمنح الفخام، أو إلى باب هو واقف عنده
بالاستدعاء والعرض، والغرض أن يتشرف بدخوله منه.
(وَكَيْفَ ذَلِكَ؟) أي: كيف ينفق زوجين مما يتملكه بالعدد المخصوص. (إِنْ
كَانَتْ إِيلًا) الضمير راجع إلى كل مال باعتبار الجماعة، أو باعتبار الخبر، فإن
الإِبل مؤنث. وزاد في رواية لأحمد قبله: ((إِنْ كَانَتْ رِحَالًا فَرَحْلَانٍ، وَإِنْ كَانَتْ
خَيْلَا فَفَرَسَانٍ)) .
(وَإِنْ كَانَتْ بَقَرَةً) كذا في النسخ الموجودة عندنا، والذي في النسائي: ((وَإِنْ
كَانَتْ بَقَرًا)). وهكذا نقله الجزري في ((جامع الأصول)) (ج١٠ ص٣٢٠) وهكذا
وقع عند أحمد (ج٥ ص١٥١) والحاكم (ج٢ ص٨٦). (فَبَقَرَتَیْنِ) زاد في روايةٍ:
((حَتَّى عَدَّ أَصْنَافَ الْمَالِ كُلُّهِ)). (رَوَاهُ النَّسَائِيُّ) في باب: فضل النفقة في سبيل الله
من كتاب الجهاد، وأخرجه أيضًا أحمد (ج٥ ص١٥١، ١٥٣، ١٥٩) وابن حبان
والحاكم (ج٢ ص٨٦) وصححه ووافقه الذهبي.
(١٩٤١) النَّسَائِي (٤٩/٦) في الزكاة عنه.

كِتَابُ الزّكاةِ
بَابُ فضْل الصَّدقةِ
٦٩
١٩٤٢ - [٤٠] وَعَنْ مَرْثَدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنِي بَعْضُ أَصْحَابٍ
رَسُولِ اللّهِ بِ لَ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ بَلَهِ يَقُولُ: ((إِنَّ ظِلَّ الْمُؤْمِنِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ
صَدَقَتُهُ)).
[رَوَاهُ أَحْمَدُ] {صحيحٍ}
الْشَّرْجُ
١٩٤٢ - قوله: (بَعْضُ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ وَلَ) لعله عقبة بن عامر رَضَِّهُ، فإن
الحديث روى أحمد وغيره نحوه من رواية مرثد بن عبد الله عن عقبة بن عامر
أيضًا. (إِنَّ ظِلَّ الْمُؤْمِنِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ صَدَقَتُهُ). قال الطيبي: هذا من التشبيه المقلوب
المحذوف الأداة؛ لأن الأصل إن الصدقة كالظل في أنها تحميه عن أذى الحر يوم
القيامة، فجعل المشبه مشبهًا به مبالغة كقول الشاعر:
وَبَدَا الصَّبَاحُ كَأَنَّ غُرَّتَهُ
وَجْهُ الْخَلِيفَةِ حِينَ يُمْتَدَخُ
قال القاري: والأظهر أن معناه: ظل المؤمن يوم القيامة صدقته، الكائنة في
الدنيا أي: إحسانه إلى الناس، وهو إما بأن تجسد صدقته، أو يجسم ثوابها. وقد
تخص الصدقة بمالها ظل حقيقي كثوب وخيمة كما ورد في بعض الأخبار. انتهى .
قلت: ويؤيد هذا المعنى ما روي عن عقبة بن عامر عند أحمد (ج ٤ ص ١٤٧) وابن
خزيمة وابن حبان والحاكم (ج١ ص٤١٦): ((كُلَّ امْرِئٍ فِي ظِلِّ صَدَقَتِهِ حَتَّى يُقْضَی
بَيْنَ النَّاسِ)) أو قال: ((يُحْكَمَ بَيْنَ النَّاسِ)) .
قال الأمير اليماني: كون الرجل في ظل صدقته يحتمل الحقيقة، وأنها تأتي
أعيان الصدقة فتدفع عنه حر الشمس، أو المراد: في كنفها وحمايتها. انتهى.
قلت: الحمل على الحقيقة هو المعتمد.
(رَوَاهُ أَحْمَدُ) وأخرجه أيضًا ابن خزيمة كما في ((الترغيب)).
(١٩٤٢) أَحْمَد (٢٣٣/٤) من رواية أبي الخير: حدثني بعض الصحابة.

٧٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
١٩٤٣ - [٤١] وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَلَ: «مَنْ وَسَّعَ
عَلَى عِيَالِهِ فِي النَّفَقَةِ يَوْمَ عَاشُورَاءَ؛ وَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْهِ سَائِرَ سَنَتِهِ)). قَالَ سُفْيَانُ:
إِنَّا قَدْ جَرَّبْنَاه، فَوَجَدْنَاهُ كَذَلِكَ.
[رَوَاهُ رَزِينٌ] {ضعيف}
الْشِّرْجُ
١٩٤٣ - قوله: (مَنْ وَسَّعَ) بتشديد السين. (عَلَى عِيَالِهِ) أي: أهل بيته الذين
تجب نفقتهم عليه. (يَوْمَ عَاشُورَاءَ) بالمد عاشر المحرم. (وَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْهِ) دعاء أو
خبر. (سَائِرَ سَنَتِهِ) أي: باقيها أو جميعها. وفي روايةٍ جابر عند البيهقي: ((طُولَ
سَنَِّهِ))، وفي حديث أبي سعيد عند الطبراني: ((سَنَتِهِ كُلُّهَا))، وفي حديث ابن عمر
عند الخطيب إلى رأس السنة المقبلة. (قَالَ سُفْيَانُ) أي: الثوري، فإنه المراد عند
الإطلاق في اصطلاح المحدثين. (إِنَّا) أي: نحن وأصحابنا. (قَدْ جَرَّبْنَاهُ) أي:
الحديث لنعلم صحته، أو جربنا الوسع. (فَوَجَدْنَاهُ) أي: جزاءه. (كَذَلِكَ) أي:
على توسيع الطعام. والحديث رواه ابن عبد البر في ((الاستذكار)) من طريق شعبة
عن أبي الزبير عن جابر وزاد في آخره. قال جابر: جربناه فوجدناه كذلك. وقال أبو
الزبير: مثله، وقال شعبة: مثله. (رَوَاهُ رَزِينٌ) أي: عن ابن مسعود وحده قال في
((التنقيح)): الحديث ذكره رزين في ((جامعه)) وليس في شيء من أصوله.
(١٩٤٣) ذكَرَهُ رَزين. قلتُ: أخرجَهُ الطبرانيُّ (١٠/ ٧٧)، والدَّارَقُطْني في ((الأفراد)).

كِتَابَ الزَّكاةِ
بَابُ فضْلِ الصَّدَقةِ
٧١
١٩٤٤، ١٩٤٥، ١٩٤٦ - [٤٢، ٤٣، ٤٤] وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ
*
في ((شُعَبِ الْإِيمَانِ)) عَنْهُ، وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَبِي سَعِيدٍ، وَجَابِرٍ، وَضَعَّفَهُ.
{ضعيف}
الْشَّرْحُ
١٩٤٤، ١٩٤٥، ١٩٤٦ - قوله: (وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ فِي ((شُعَبِ
الإِيمَانِ)) عَنْهُ) أي: عن ابن مسعود، وأخرجه أيضًا الطبراني في الكبير، كلاهما من
حديث الهيصم بن شداخ عن الأعمش عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله بن
مسعود .
قال البيهقي في ((الشعب)): تفرد به الهيصم عن الأعمش. وقال العقيلي:
الهيصم مجهول، والحديث غير محفوظ. وقال ابن حبان: الهيصم يروي الطامات
لا يجوز أن يحتج به. وقال الهيثمي: هو ضَعِيف جِدًّا.
وقال الحافظ ابن حجر في ((أماليه)): اتفقوا على ضعف الهيصم وعلى تفرده به .
(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) وأخرجه أيضًا ابن عدي وفي سنده عندهما سليمان بن أبي
عبد الله التابعي الراوي عن أبي هريرة.
قال العقيلي: سليمان مجهول. والحديث غير محفوظ، قال السيوطي في
((التعقبات)) و((اللّآلِئٍ)) بعد ذكر كلام العقيلي: قال الحافظ أبو الفضل العراقي في
((أماليه)): حديث أبي هريرة قد ورد من طرق صحح بعضها الحافظ أبو الفضل بن
ناصر وسليمان المذكور ذكره ابن حبان في ((الثقات))، فالحديث حسن على رأيه.
انتھی .
قلت: سليمان هذا من رجال أبي داود روى له هو حديثًا في حرم المدينة.
قال أبو حاتم: ليس بالمشهور، فيعتبر بحديثه. وقال البخاري وأبو حاتم: أدرك
(١٩٤٤)، (١٩٤٥)، (١٩٤٦) ورواه البَيْهَقِي في الشُّعَب (٣٧٩٢، ٣٧٩٤، ٣٧٩٥، ٣٧٩١) عنهُ،
وعن أبي سعيد، وأبي هريرة، وجابر؛ وضعَّفَها.

٧٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
المهاجرين والأنصار.
وقال في ((التقريب)): هو مقبول. قلت: وفي سنده أيضًا عند ابن عدي حجاج بن
نصير عن محمد بن ذكوان الأزدي الجهضمي وهما ضعيفان.
قال البخاري وأبو حاتم والنسائي: محمد بن ذكوان منكر الحديث. ولأبي
هريرة حديث آخر نحوه ذكره السيوطي في ((اللّآلِئٍ)) (ج٢ ص٦٢ - ٦٣) روى من
وجه آخر ضمن حديث طويل.
قال السيوطي بعد ذكره: موضوع ورجاله ثقات. والظاهر: أن بعض المتأخرين
وضعه وركبه على هذا الإسناد. (وَأَبِي سَعِيدٍ) وأخرجه أيضًا إسحاق بن راهويه في
((مسنده)) كلاهما من طريق عبد الله بن نافع عن أيوب بن سليمان بن ميناء عن رجل
عن أبي سعيد الخدري.
قال الحافظ ابن حجر في ((أماليه)): لولا الرجل المبهم لكان إسنادًا جيدًا لكنه
يقوى بما أخرجه الطبراني في ((الأوسط))، من طريق محمد بن إسماعيل الجعفري
عن عبد الله بن سلمة الربعي عن محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن أبي صعصعة
عن أبيه عن أبي سعيد.
قال الحافظ ابن حجر: الجعفري ضعفه أبو حاتم، وشيخه ضعفه أبو زرعة
ورجال الإسناد کلهم مدنیون معروفون، انتھی.
قلت: محمد بن إسماعيل الجعفري قال أبو حاتم: إنه منكر الحديث، يتكلمون
فيه. وقال أبو نعيم الأصبهاني: متروك. وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وشيخه
عبد الله بن سلمة الربعي. قال العقيلي وأبو زرعة: منكر الحديث. وقال أبو زرعة
مرة: متروك. (وَجَابِرٍ) أخرجه من طريق محمد بن يونس عن عبد الله بن إبراهيم
الغفاري عن عبد الله بن أبي بكر بن أخي محمد بن المنكدر عن محمد بن المنكدر
عن جابر. قال البيهقي: هذا إسناد ضعيف. وقال العراقي: ولحديث جابر طريق
آخر على شرط مسلم أخرجها ابن عبد البر في ((الاستذكار))، من رواية محمد بن
معاوية عن الفضل بن الحباب عن هشام بن عبد الملك الطيالسي، عن شعبة عن أبي
الزبير عن جابر.

٧٣
بَابُ فضْل الصَّدقةِ
كِتَابُ الرَّكَاةِ
****<<<<<< > <****<< > <<<<<<<< > <**<<<<<< > <<<<<< > <***<<<<<<<<<<<<<**<<<*********
قال العراقي: هذا أصح طرق الحديث. وقال الحافظ في (لسان الميزان)) (ج٤
ص٤٣٩ - ٤٤٠): هذا الحديث منكر جدًّا ما أدري من الآفة فيه. وشيوخ ابن عبد
البر الثلاثة موثوقون، وشيخهم محمد بن معاوية هو ابن الأحمر راوي السنن عن
النسائي وثقه ابن حزم وغيره، والظاهر أن الغلط فيه من أبي خليفة الفضل بن
الحباب فلعل ابن الأحمر سمعه منه بعد احتراق كتبه. انتهى. وقد روي أيضًا هذا
من حديث ابن عمر عند الدار قطني في ((الأفراد)). وقد ورد أيضًا موقوفًا على عمر
أخرجه ابن عبد البر بسند رجاله ثقات، لكنه من رواية ابن المسيب عنه. وقد
اختلف في سماعه منه، ورواه البيهقي في ((الشعب)) من رواية إبراهيم بن محمد بن
المنتشر. قال: كان يقال: ((من وسع على عياله ... )) الحديث.
(وَضَعَّفَهُ) أي: البيهقي هذا الحديث. قلت: اختلفت العلماء في حديث التوسعة
على العيال يوم عاشوراء، فحكم جمع بالوضع، ومنهم: ابن الجوزي وابن تيمية
والعقيلي والزركشي، وحسنه بعضهم بكثرة طرقه مع القول بضعف أفرادها.
ومنهم: البيهقي ومن حذا حذوه. قال البيهقي في ((الشعب)) بعد ذكر الحديث من
رواية ابن مسعود وأبي هريرة وأبي سعيد وجابر: فهذه الأسانيد وإن كانت ضعيفة،
فهي إذا ضم بعضها إلى بعض أحدثت قوة. انتهى.
قد تقدم أن العراقي قد حسن حديث أبي هريرة من طريق سليمان بن أبي
عبد الله، وصحح بعض طرقه أبو الفضل بن ناصر وسبق أيضًا أن العراقي قال في
حديث جابر عند ابن عبد البر: إنه على شرط مسلم. وإنه أصح طرقه، وحكم
الحافظ ابن حجر بكونه منكرًا. ومال السخاوي في ((المقاصد الحسنة)) إلى تحسين
هذا الحديث. والسيوطي إلى أنه ثابت صحيح، كما صرح به القاري في
((موضوعاته الكبير)). والمعتمد عندي: هو ما ذهب إليه البيهقي أن له طرقًا يقوي
بعضها بعضًا، وأن أسانيده الضعيفة أحدثت قوة بالتضام. والله تعالى أعلم.

٧٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
١٩٤٧ - [٤٥] وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: قَالَ أَبُو ذَرٍّ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَرَأَيْتَ
الصَّدَقَةَ مَاذَا هِيَ؟ قَالَ: ((أَضْعَافٌ مُضَاعَفَةٌ، وَعِنْدَ اللَّهِ الْمَزِيدُ)). [رَوَاهُ أَحْمَدُ]
الشَّرْحُ
١٩٤٧- قوله: (أَرَأَيْتَ) أي: أخبرني. (الصَّدَقَةَ) بالرفع مبتدأ والخبر
جملة. (مَاذَا هِيَ؟) أي: أي شيء ثوابها. (أَضْعَافٌ) أي: هِي يعني ثوابها أضعاف
أي: من عشرة. (مُضَاعَفَةٌ) أي: إلى سبعمائة. (وَعِنْدَ اللَّهِ الْمَزِيدُ) أي: الزيادة
تفضلًا، كما قال تعالى: ﴿لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦] ونظيره قوله تعالى:
﴿وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَعِفْهَا وَيُؤْتٍ مِنْ لَُّنَّهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٤٠] فقوله: ﴿مِن لَّدُنْهُ﴾
أي: من عنده تفضلًا على تفضل.
قال الطيبي: الجملة الاستفهامية خبر بالتأويل، أيُّ الصدقة أقول فيها: ماذا
هي؟ والسؤال عن حقيقة الصدقة لا يطابق الجواب بقوله: (أَضْعَافٌ)، لكنه وارد
على أسلوب الحكيم أي: لا تسأل عن حقيقتها، فإنها معلومة، واسأل عن ثوابها
ليرغبك فيها. انتهى.
(رَوَاهُ أَحْمَدُ) (ج٥ ص٢٦٥) في حديث طويل وأخرجه أيضًا الطبراني في
((الكبير))، وفي إسناده عندهما علي بن يزيد الألهاني. وفيه كلام وثقه أحمد وابن
حبان .
قال البخاري: منكر الحديث. وقال الدارقطني: متروك. وقال أبو زرعة: ليس
بقوى. ورواه أحمد أيضًا عن أبي ذر نفسه (ج٥ ص١٧٨ - ١٧٩) وفيه أبو عمر
الدمشقي وهو متروك. قاله الهيثمي.
(١٩٤٧) أَحْمَد (١٧٨/٥) عنه.

كِتَابُ الرَّڪاةِ
بَابُ أَفْضَلِ الصَّدَقةِ
٧٥
٧ - بَابُ أَفْضَلِ الصَّدَقَةِ
الفصل الأول
١٩٤٨، ١٩٤٩ - [١، ٢] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَحَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ قَالَا:
قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَهِ: ((خَيْرُ الصَّدَقَةِ مَا كَانَ عَنْ ظَهْرِ غِنَّى، وَابْدَأْ بِمَنْ تَّعُولُ)).
[رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمْ عَنْ حَكِيمٍ وَحْدَهُ] {صحيح}
الْشِّرْجُ
(بَابُ أَفْضَلِ الصَّدَقَةِ).
١٩٤٨، ١٩٤٩ - قوله: (خَيْرُ الصَّدَقَةِ مَا كَانَ عَنْ ظَهْرِ غِنَّى) أي: ما
كان عفوًا قد فضل عن غني، والظهر قد يزاد في مثل هذا؛ تمكينًا وإشباعًا للكلام،
كأن صدقته مستندة إلى ظهر قوي من المال. والمعنى: أفضل الصدقة ما أبقت
بعدها غني يعتمده صاحبها، ويستظهر به على مصالحه ونوائبه التي تنوبه، لقوله في
رواية أخرى: ((أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ، مَا تَرَكَ غِنَّى))، وفي أخرى: ((خَيْرُ الصَّدَقَةِ مَا أَبْقَتْ
غِنَّى))، ونحوه قولهم: ركب متن السلامة، والتنكير في قوله: ((غِنَّى)) للتعظيم.
وقيل: المعنى: أفضل الصدقة ما أخرجه الإنسان من ماله بعد أن يستبقي منه قدر
الكفاية؛ ولذلك قال بعده: ((وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ))، والمقصود: أن خير الصدقة ما وقع
من غير محتاج إلى ما يتصدق به لنفسه، أو لمن تلزمه نفقته.
وقال القرطبي في ((المفهم)): المختار أن معنى الحديث أفضل الصدقة ما وقع
بعد القيام بحقوق النفس والعيال، بحيث لا يصير المتصدق محتاجًا بعد صدقته إلى
(١٩٤٨)، (١٩٤٩) البُخَارِي (١٤٢٦، ١٤٢٧)، وَالنَّسَائِي (٦٢/٥) فِي الزَّكَاةِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَخْرَجَ
مُسْلِم (٩٥/ ١٠٣٤) عَنْهُ آخِرَهُ.

ECON
٧٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
*19
أحد. فمعنى الغنى في هذا الحديث: حصول ما تدفع به الحاجة الضرورية كالأكل
عند الجوع المشوش الذي لا صبر عليه، وستر العورة والحاجة إلى ما يدفع به عن
نفسه الأذى، وما هذا سبيله، فلا يجوز الإيثار به، بل يحرم وذلك أنه إذا آثر غيره
به؛ أدى إلى إهلاك نفسه أو الإضرار بها، أو كشف عورته، فمراعاة حقه أولى على
كل حال، فإذا سقطت هذه الواجبات؛ صح الإيثار، وكانت صدقته هي الأفضل
لأجل ما يتحمله من مضض الفقر، وشدة مشقته، فهذا تندفع به التعارض بين
الأدلة. انتهى .
وقيل: ((ظهر غنى)) عبارة عن تمكن المتصدق عن غنى ما مثل قولهم: هو على
ظهر سير أي: متمكن منه، وتنكير ((غنى)) ليفيد أن لا بد للمتصدق من غنى ما، إما
غنى النفس وهو الاستغناء عما بذل بسخاوة النفس ثقة بالله تعالى كما كان من
أبي بكر رَوَّهُ . وإما غنى المال الحاصل في يده، والأول أفضل اليسارين؛ لقوله
عليه الصلاة والسلام: ((لَيْسَ الْغِنَى عَنْ كَثْرَةِ الْعَرَضِ إِنَّمَا الْغِنَى غِنَى النَّفْسِ»، وإلا
لا يستحب له أن يتصدق بجميع ماله، ويترك نفسه وعياله في الجوع والشدة.
وقيل: ((عن)) للسببية والظهر زائد أي: خير الصدقة ما كان سببها غنى في
المتصدق. وقيل: المراد خير الصدقة: ما أغنيت به من أعطيته عن المسألة أي:
أفضل الصدقة ما ترك غنى في المتصدق عليه بأن تجزل له العطية. واعلم: أنه
اختلف العلماء في الصدقة بجميع المال.
قال النووي: مذهبنا أنه مستحب لمن لا دين عليه ولا له عيال، لا يصبرون بشرط
أن يكون ممن يصبر على الإضافة والفقر، فإن لم يجتمع هذه الشروط؛ فهو
مكروه. قال الطبري وغيره: قال الجمهور: من تصدق بماله كله في صحة بدنه
وعقله حيث لا دين عليه، وكان صبورًا على الإضاقة ولا عیال له، أو له عيال
يصبرون أيضًا؛ فهو جائز، فإن فقد شيء من هذه الشروط؛ كره. وقال بعضهم: هو
مردود، وروي عن عمر حيث رد على غيلان الثقفي قسمة ماله، ويمكن أن يحتج له
بقصة المدبر، فإنه ◌ّ باعه وأرسل ثمنه إلى الذي دبره؛ لكونه كان محتاجًا، وقال
آخرون: يجوز من الثلث، ويرد عليه الثلثان، وهو قول الأوزاعي ومكحول. وعن
مكحول أيضًا يرد ما زاد على النصف.

كِتَابُ الرَّكاةِ
بَابٌ أَفْضَلِ الصَّدَقةِ
٧٧
قال الطبري: والصواب عندنا الأول من حيث الجواز، والمختار من حيث
الاستحباب: أن يجعل ذلك من الثلث؛ جمعًا بين قصة أبي بكر حيث تصدق بماله
كله. وحديث كعب بن مالك حيث قال له رسول اللّه وَله: ((أَمْسِْك عَلَيْكَ بَعْضَ
مَالِكَ؛ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ)). (وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ) أي: ابتدئ في الإنفاق والإعطاء بمن
يلزمك نفقته من العيال، فإن فضل شيء فليكن للأجانب. يقال: عال الرجل أهله؛
إذا مانهم أي: قام بما يحتاجون إليه من قوت وكسوة، وهو أمر بتقديم ما يجب
على ما لا يجب. قال الحافظ: فيه تقديم نفقة نفسه وعياله؛ لأنها منحصرة فيه
بخلاف نفقة غيرهم، وفيه الابتداء بالأهم فالأهم في الأمور الشرعية. وقال ابن
المنذر: اختلف في نفقة من بلغ من الأولاد، ولا مال له ولا كسب، فأوجبت
طائفة النفقة لجميع الأولاد، أطفالًا كانوا أو بالغين، إناثًا وذكرانًا؛ إذا لم يكن لهم
أموال يستغنون بها .
وذهب الجمهور: إلى أن الواجب أن ينفق عليهم حتى يبلغ الذكر أو تتزوج
الأنثى ثم لا نفقة على الأب إلا إن كانوا زمنى. فإن كانت لهم أموال، فلا وجوب
على الأب. وألحق الشافعي ولد الولد، وإن سفل بالولد في ذلك. انتهى. (رَوَاهُ
البُخَارِيُّ) أي: عنهما في الزكاة وروي عن أبي هريرة أيضًا في النفقات، وأخرجه
عنه أيضًا أحمد وأبو داود، والنسائي والدارمي. (وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ) في الزكاة. (عَنْ
حَكِيمٍ وَحْدَهُ) وأخرجه أيضًا أحمد (ج ٣ ص٤٠٢ - ٤٣٤) والنسائي والدارمي.
١٩٥٠ - [٣] وَعَنْ أَبِي مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَالَ: ((إِذَا أَنْفَقَ
الْمُسْلِمُ نَفَقَّةً عَلَى أَهْلِهِ وَهُوَ يَحْتَسِبُهَا؛ كَانَتْ لَهُ صَدَقَةٌ)).
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
الشَّرْخُ
١٩٥٠ - قوله: (إِذَا أَنْفَقَ الْمُسْلِمُ نَفَقَةً) حذف المقدار ليفيد التعميم أي : أُّ
نفقة كانت كبيرة أو صغيرة. (عَلَى أَهْلِهِ) أي: زوجته وولده، وأقاربه أو زوجته
فقط .
(١٩٥٠) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ: البُخَارِي (٥٥) فِي الإِيمَانِ، ومُسْلِم (١٠٠٢/٤٨) فِي الزَّكَاةِ.

٧٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
قال الحافظ: قوله: ((عَلَى أَهْلِهِ)) يحتمل أن يشمل الزوجة والأقارب، ويحتمل
أن يختص بالزوجة، ويلحق به من عداها بطريق الأولى؛ لأن الثواب إذا ثبت فيما
هو واجب؛ فثبوته فيما ليس بواجب أولى. (وَهُوَ) أي: والحال أنه. (يَحْتَسِبُهَا)
أي: يريد بها وجه الله تعالى بأن يتذكر أنه يجب عليه الإنفاق، فينفق بنية أداء ما أمر
به .
قال الحافظ: المراد بالاحتساب: القصد إلى طلب الأجر.
وقال القرطبي: قوله: (يَحْتَسِبُهَا) أفاد بمنطوقه أن الأجر في الإنفاق، إنما
يحصل بقصد القربة، سواء كانت واجبة، أو مباحة. وأفاد بمفهومه: أن من لم
يقصد القربة لم يؤجر لكن تبرأ ذمته من النفقة الواجبة؛ لأنها معقولة المعنى.
(كَانَتْ) أي: النفقة. (لَهُ صَدَقَةٌ) أي: كالصدقة في الثواب لا حقيقة. قال الحافظ :
المراد بالصدقة: الثواب، وإطلاقها على النفقة مجاز، وقرينته الإجماع على جواز
الإنفاق على الزوجة الهاشمية مثلًا، وهو من مجاز التشبيه. والمراد به: أصل
الثواب لا في كميته ولا كيفيته، ويستفاد منه: أن الأجر لا يحصل بالعمل إلا مقرونًا
بالنية .
وقال الطبري: ما ملخصه الإنفاق على الأهل واجب، والذي يعطيه يؤجر على
ذلك بحسب قصده، ولا منافاة بين كونها واجبة، وبين تسميتها صدقة، بل هي
أفضل من صدقة التطوع.
وقال المهلب: النفقة على الأهل واجبة بالإجماع، وإنما سماها الشارع صدقة
خشية أن يظنوا أن قيامهم بالواجب لا أجر لهم فيه، وقد عرفوا ما في الصدقة من
الأجر، فعرفهم أنها لهم صدقة، حتى لا يخرجوها إلى غير الأهل إلا بعد أن
يكفرهم المؤنة؛ ترغيبًا لهم في تقديم الصدقة الواجبة قبل صدقة التطوع.
وقال ابن المنير: تسمية النفقة صدقة من جنس تسمية الصداق نحلة، فلما كان
احتياج المرأة إلى الرجل كاحتياجه إليها في اللذة والتأنيس والتحصن، وطلب
الولد؛ كان الأصل أن لا يجب لها عليه شيء إلا أن الله تعالى خص الرجل بالفضل
على المرأة، وبالقيام عليها ورفعه عليها بذلك درجة، فمن ثم؛ جاز إطلاق النحلة
على الصداق، والصدقة على النفقة.

كِتَابُ الرَّكاةِ
بَابُ أَفْضَلِ الصَّدَقَةِ
٧٩
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) أخرجه البخاري في الإيمان والمغازي والنفقات، ومسلم في
الزكاة، واللفظ للبخاري في النفقات، وأخرجه أيضًا أحمد (ج ٤ ص ١٢٠، ١٢٢،
وج ٥ ص٢٧٣) والترمذي في البر، والنسائي في الزكاة، والدارمي في الاستئذان.
١٩٥١ - [٤] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَِقْتَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((دِينَارٌ
أَنْفَقْتَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَدِينَارٌ أَنْفَقْتَهُ فِي رَقَبَةٍ ، وَدِينَارٌ تَصَدَّقْتَ بِهِ عَلَى مِسْكِينٍ،
وَدِينَارٌ أَنْفَقْتَهُ عَلَى أَهْلِكَ؛ أَعْظَمُهَا أَجْرًا الَّذِي أَنْفَقْتَهُ عَلَى أَهْلِكَ)).
[رَوَاهُ مُسْلِمٌ] {صحيح}
الشَّرْخُ
١٩٥١ - قوله: (دِينَارٌ) مبتدأ صفته. (أَنْفَقْتَهُ) بصيغة الخطاب.
(فِي سَبِيلِ اللَّهِ) أي: في الغزو، أو المراد به: العموم، يعني: في سبيل الخير.
(فِي رَقَبَةٍ) أي: في فكها أو إعتاقها. قال الطيبي: ((دينار)) وما عطف عليه مبتدأ،
وخبره الجملة التي هي: (أَعْظَمُهَا أَجْرًا الَّذِي أَنْفَقْتَهُ عَلَى أَهْلِك) فيه: دليل على أن
إنفاق الرجل على أهله أفضل من الإنفاق في سبيل الله، ومن الإنفاق في الرقاب،
ومن التصدق على المساكين. وإنما كان الإنفاق على الأهل أفضل؛ لأنه فرض،
والفرض أفضل من النفل؛ أو لأنه صدقة وصلة. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) في الزكاة وأخرجه
أيضًا أحمد.
(١٩٥١) مُسْلِم (٩٩٥/٣٩) فِي الزَّكَاةِ عَنْ أَبِي هريرة رَوَّهُ.