Indexed OCR Text

Pages 21-40

٢٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
أخل به؟ فيه نظر، الذي يظهر أنها غيرها لما تبين من حديث عائشة الآتي أنها
شرعت بسبب عتق المفاصل، حيث قال في آخر هذا الحديث: ((فَإِنَّهُ يُمْسِي يَوْمَئِذٍ،
وَقَدْ زَحْزَحَ نَفْسَهُ عَنِ النَّارِ)) قاله الحافظ .
(فَلْيَعْمَلْ) كذا في جميع النسخ الحاضرة والذي في البخاري في الزكاة يعمل
وفي الأدب: ((فَيَعْمَلُ))، وفي مسلم: ((يَعْتَمِلُ)). (بِيَدَيْهِ) بالتثنية. (فَيَنْفَعُ نَفْسَهُ) بما
يكسبه من صناعة وتجارة ونحوهما بإنفاقه عليها، ومن تلزمه نفقته ويستغنى بذلك
عن ذلّ السؤال لغيره. (وَيَتَصَدَّقُ) فينفع غيره ويؤجر. قال القسطلاني: وقوله:
فـ(يَعْمَلُ)) (فَيَنْفَعُ)) ((وَيَتَصَدَّقُ))، بالرفع في الثلاثة خبر بمعنى الأمر؛ قاله ابن مالك،
قال ابن بطال: فيه: التنبيه على العمل والتكسب ليجد المرء ما ينفق على نفسه،
ويتصدق به، ويغنيه عن ذل السؤال، وفيه: الحث على فعل الخير مهما أمكن، وإن
من قصد شيئًا منها فتعسر، فلينتقل إلى غيره.
(فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ) أي: بأن عجز عن العمل. (أَوْ لَمْ يَفْعَلْ) ذلك عجزًا أو كسلًا
والشك من الراوي. (فَيُعِينُ) أي: بالفعل أو بالقول أو بهما. (ذَا الْحَاجَةِ
الْمَلْهُوفَ) بالنصب صفة لـ((ذا الحاجة)) المنصوب على المفعولية، والملهوف،
عند أهل اللغة يطلق على المتحسر وعلى المضطر وعلى المظلوم. يقال: لهف
بكسر الهاء يلهف بفتحها لهفًّا بإسكانها أي: حزن وتحسر، وكذلك التلهف؛ ذكره
النووي. وقال الحافظ: الملهوف: المستغيث وأعم من أن يكون مظلومًا أو
عاجزًا. وقيل: هو المكروب المحتاج. (فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْهُ؟) أي: عجزًا أو كسلًا، وفي
البخاري فإن لم يفعل. أي: يحذف الضمير المنصوب.
(فَيَأْمُرُ بِالْخَيْرِ) وهو يشمل الأمر بالمعروف، والنهى عن المنكر، والإفادة
العلمية والنصيحة العملية وفي البخاري في الأدب: «فَيَأْمُرُ بِالْخَيْرِ - أَوْ قَالَ:
بِالْمَعْرُوفِ))، وفي مسلم: (يَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ - أَوِ - الْخَيْرِ))، وهذا شك من
الراوي، وللبخاري في الزكاة: ((فَلْيَعْمَلْ بِالْمَعْرُوفِ))، وزاد أبو داود الطيالسي في
((مسنده): ((وَيَنْهَى عَنِ المُنْكَرِ)). (فَيُمْسِكُ عَنِ الشَّرِّ) وفي رواية: ((فَلْيُمْسِْك)) أي:
نفسه أو الناس. (فَإِنَّه) أي: الإمساك عن الشر. (لَهُ) أي: للممسك. (صَدَقَةٌ) أي:
على نفسه؛ لأنه إذا أمسك عن الشر لله تعالى؛ كان له أجر على ذلك كالتصدق

٢١
كِتَابُ الزّكاةِ
بَابُ فضْل الصَّدَقةِ
بالمال. وحاصل الحديث: أن الشفقة على خلق الله متأكدة وهي إما بمال حاصل،
وهو الشق الأول، أو بمقدور التحصيل وهو الثاني، أو بغير مال وهو إما فعل وهو
الإعانة والإغاثة، أو ترك وهو الإمساك عن الشر.
لكن قال الزين بن المنير: إن حصول ذلك للممسك، إنما يكون مع نية القربة به
بخلاف محض الترك، وقضية الحديث ترتيب الأمور الأربعة وليس مرادًا، وإنما
هو للتسهيل على من عجز عن واحد منها، وإلا فمن أمكنه فعل جميعها، أو عدد
منها معًا فليفعل. ومقصود الحديث: إن أعمال الخير تنزل منزل الصدقات في
الأجر، ولاسيما في حق من لا يقدر عليها ويفهم منه أن الصدقة في حق القادر عليها
أفضل من الأعمال القاصرة.
وقال ابن أبي جمرة: ترتيب هذا الحديث أنه ندب إلى الصدقة، وعند العجز
عنها ندب إلى ما يقرب منها، أو يقوم مقامها وهو العمل والانتفاع، وعند العجز
عن ذلك ندب إلى ما يقوم مقامه وهو الإغاثة، وعند عدم ذلك ندب إلى فعل
المعروف أي: من سوى ما تقدم كإماطة الأذى، وعند عدم ذلك ندب إلى الصلاة،
فإن لم يطق فترك الشر وذلك آخر المراتب. قال: ومعنى ((الشَّرِّ)) هنا ما منعه
الشرع، ففيه: تسلية للعاجز عن فعل المندوبات، إذا كان عجزه عن ذلك عن غير
اختيار. قال الحافظ: وأشار بالصلاة إلى ما وقع آخر حديث أبي ذر عند مسلم:
((وَيُجْزِئُ عَنْ ذَلِكَ كُلُّهِ رَكْعَتَا الضُّحَى))، وهو يؤيد ما قد مناه أن هذه الصدقة لا يكمل
منها ما يختل من الفرض؛ لأن الزكاة لا تكمل الصلاة ولا العكس. فدل على
افتراق الصدقتين، واستشكل الحديث مع ما تقدم ذكر الأمر بالمعروف وهو من
فروض الكفاية، فكيف تجزئ عنه صلاة الضحى وهي من التطوعات، والذي
يظهر في الجواب أن المراد: إن صلاة الضحى تقوم مقام الثلاثمائة وستين حسنة
التي يستحب للمرء أن يسعى في تحصيلها كل يوم ليعتق مفاصله التي هي بعددها،
لا أن المراد: أن صلاة الضحى تغني عن الأمر بالمعروف وما ذكر معه، وإنما كان
كذلك؛ لأن الصلاة عمل بجميع الجسد، فتتحرك المفاصل كلها فيها بالعبادة،
وكأن صلاة الضحى خصت بالذكر؛ لكونها أول تطوعات النهار بعد الفرض
وراتبته. وقد أشار في حديث أبي ذر، وكذا في حديثي أبي هريرة وعائشة الآتيين
إلى أن صدقة السلامى نهارية .

٢٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَضَابِيحِ
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) أخرجه البخاري في الزكاة وفي الأدب، ومسلم في الزكاة وأخرجه
أيضًا أحمد (ج ٤: ص٣٩٥ - ٤١١) والنسائي في الزكاة والبيهقي فيه
(ج ٤ : ص١٨٨).
١٩١٢ - [١٠] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَوْتَهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِ: «كُلُّ
سُلَامَى مِنَ النَّاسِ عَلَيْهِ صَدَقَةٌ، كُلَّ يَوْمٍ تَطْلُعُ فِيهِ الشَّمْسُ يَعْدِلُ بَيْنَ الإِثْنَيْنِ
صَدَقَةٌ، وَيُعِينُ الرَّجُلَ عَلَى دَابَتِهِ فَيَحْمِّلُ عَلَيْهَا أَوْ يَرْفَعُ عَلَيْهَا مَتَاعَهُ صَدَقَةٌ،
وَالْكَلِمَةُ الطَّيَّةُ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ خُطْوَةٍ تَخْطُوهَا إِلَى الصَّلَاةِ صَدَقَةٌ، وَيُمِيطُ
الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ)).
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
G O
الشَّرْحُ
١٩١٢ - قوله: (كُلُّ سُلَامَى) بضم السين المهملة وتخفيف اللام وفتح الميم
مقصورًا، أي: أنملة من أنامل الأصابع، أو مفصل من المفاصل الثلاثمائة وستين
التي في كل أحد. وقيل: هي ما بين كل مفصلين من أصابع الإنسان. وقيل: كل
عظم مجوف من صغار العظام مثل عظام الأصابع وقيل: كل عظم في البدن واحده
وجمعه سواء. وقيل: جمعه سلاميات وقوله: (كُلِّ سُلَامَى) مبتدأ مضاف وقوله :
(مِنَ النَّاسِ) أي: من كل واحد منهم صفة لسلامى.
(عَلَيْهِ صَدَقَةٌ) جملة من المبتدأ والخبر خبر للمبتدأ الأول: وقوله: ((عليه))
مشكل. قال ابن مالك: المعهود في كل إذا أضيف إلى نكرة من خبر وتمييز
وغيرهما أن يجيء على وفق المضاف إليه، نحو قوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَابِقَةُ
الْمَوْتِ﴾ [الأنبياء: ٣٥] وهنا جاء على وفق ((كل سلامى عليه صدقة))، وكان القياس أن
يقول: عليها صدقة؛ لأن السلامى مؤنثة لكن دل مجيئها في هذا الحديث على
الجواز، أي: جواز مطابقة المضاف، ويحتمل أن يكون ضمن السلامى معنى
العظم، أو المفصل فأعاد الضمير عليه كذلك. والمعنى على كل مسلم مكلف
بعدد كل مفصل من عظامه صدقة لله تعالى على سبيل الشكر له، بأن جعل في
(١٩١٢) مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ البُخَارِي (٢٩٨٩) فِي الجِهَادِ، ومُسْلِم (١٠٠٩/٥٦) فِي الزَّكَاةِ.

٢٣
كِتَابُ الرَّكَاةِ
بَابُ فَضْل الصَّدَقةِ
عظامه مفاصل يتمكن بها من قبض أصابعه ويديه ورجليه وغير ذلك، وبسطها، فإن
هذه نعمة عظيمة؛ فإنه لو جعل أعضاءه بغير مفصل يكون كلوح أو خشب لا يقدر
على القبض، والبسط، والقيام، والقعود، والاضطجاع. وأوجب الصدقة على
السلامي مجازًا، وفي الحقيقة على صاحبها .
قال الطيبي: ولعل تخصيص السلامى وهي المفاصل من الأصابع بالذكر لما
في أعمالها من دقائق الصنائع التي تتحير الأوهام فيها؛ ولذلك قال تعالى: ﴿بَ
قَدِرِينَ عَلَى أَن نُّوِّىَ بَنَهُ
[القيامة: ٤] أي: نجعل أصابع يديه ورجليه مستوية شيئًا
واحدًا، كخف البعير وحافر الحمار، فلا يمكن أن يعمل بها شيئًا مما يعمل
بأصابعه المفرقة ذات المفاصل من فنون الأعمال دقتها وجلها، ولهذا السر غلب
الصغار من العظام على الكبار، انتهى. (كُلِّ يَوْم) بالنصب على الظرفية أي: في
كل يوم .
(تَطْلُعُ فِيهِ الشَّمْسُ) على صاحب السلامى وهي صفة تخصص اليوم عن مطلق
الوقت بمعنى النهار. وقال السندي: وصف اليوم بذلك؛ لإفادة التنصيص كما
قالوا في قوله تعالى: ﴿وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِ اُلْأَرْضِ وَلَا طَيِرٍ يَطِيُرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ [الأنعام: ٣٨]
والحاصل أن الشيء إذا وصف بوصف يعم جميع أفراده يصير نصًّا في التعميم. قال
المناوي: وليس المراد هنا بالصدقة المالية فقط، بل كنى بها عن نوافل الطاعة كما
يفيده قوله. (يَعْدِلُ) فأعله الشخص المسلم المكلف وهو في تأويل المصدر مبتدأ
خبره صدقة، تقديره: أن يعدل مثل قوله: ((تسمع بالمعيدي خير من أن تراه)). وقد
قال تعالى: ﴿وَمِنْ ءَايَنِهِ، يُرِيكُمُ الْبَّقَ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ [الروم:٢٤] (بَيْنَ الإِثْنَيْنِ)
متحاكمين، أو متخاصمين، أو متهاجرين.
وقيل: (يَعْدِلُ بَيْنَ الِثْنَيْنِ) أي: يصلح بينهما بالعدل (صَدَقَةٌ) أي: أجره كأجر
الصدقة. (وَيُعِينُ) المسلم المكلف. (الرَّجُلَ) أي: يساعده. (عَلَى دَابَّتِهِ) أي : دابة
الرجل أو المعين.
(فَيَحْمِلُ) بفتح التحتية وسكون المهملة وكسر الميم. (عَلَيْهَا) المتاع، أو نفس
الرجل بأن يعينه في الركوب، أو يحمله كما هو. (أَوْ يَرْفَعُ عَلَيْهَا مَتَاعَهُ) شك من
الراوي أو تنويع. (وَالْكَلِمَةُ الطََِّّةُ) أي: مطلقًا أو مع الناس. (وَكُلَّ خَطْوَةٍ) بفتح

٢٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الخاء المرة الواحدة وبالضم ما بين القدمين. (يَخْطُوهَا إِلَى الصَّلَاةِ) ذاهبًا وراجعًا.
(وَيُمِيطُ) بضم أوله أي: يزيل وينحي. (الأَذَى) أي: ما يؤذي المارة من نحو شوك
وعظم وحجر.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) رواه البخاري بهذا اللفظ في باب: من أخذ بالركاب من الجهاد،
وأخرج في باب: فضل من حمل متاع صاحبه في السفر بنحوه، وفي الصلح
مختصرًا وأخرجه مسلم في الزكاة وأخرجه أيضًا أحمد والبيهقي في الزكاة.
١٩١٣ - [١١] وَعَنْ عَائِشَةَ ﴿َّا قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَّهِ: ((خُلِقَ
كُلُّ إِنْسَانٍ مِنْ بَنِي آدَمَ عَلَى سِتِّينَ وَثَلَاثِمَائَةٍ مَفْصِل، فَمَنْ كَبَّرَ اللَّهَ، وَحَمِدَ
اللّهَ، وَهَلَّلَّ اللَّهَ، وَسَبَّحَ اللَّهَ، وَاسْتَغْفَرَ اللَّهَ، وَعَزَلَ حَجَرًا عَنْ طَرِيقِ النَّاسِ أَوْ
شَوْكَةً أَوْ عَظْمًا أَوْ أَمَرَ بِمَعْرُوفٍ أَوْ نَهَى عَنِ المُنْكَرِ عَدَدَ تِلْكَ السِّقِّينَ
وَالثَّلَاثِمَائَةِ، فَإِنَّهُ يَمْشِي يَوْمَئِذٍ وَقَدْ زَحْزَحَ نَفْسَةً عَنِ النَّارِ)).
[رَوَاهُ مُسْلِمٌ] {صحيح}
الشَّرْحُ
١٩١٣- قوله: (مِنْ بَنِي آدَمَ) بيان لإفادة التعميم. (عَلَى سِتِّينَ وَثَلَاثِمَائَةٍ
مَفْصِل) بالإضافة وهو بفتح الميم وكسر الصاد، ملتقى العظمين في البدن. (فَمَنْ
كَبَّرَ الَّلهَ) أي: عظمه، أو قال: الله أكبر، قاله القاري: (وَهَلَّلَ اللَّهَ) أي: وحده أو
قال: لا إله إلا الله. (وَسَبَّحَ اللَّهَ) أي: نزهه عما لا يليق به من الصفات، أو قال:
سبحان الله. (وَعَزَلَ) أي: بعد ونحى.
(أَوْ شَوْكَةً أَوْ عَظْمًا) ((أو)) للتنويع. (أَوْ أَمَرَ) وفي رواية: ((وَأَمَرَ )) بالواو مكان أو.
(عَدَدَ تِلْكَ السِّتِّينَ) أي: بعددها نصب بنزع الخافض متعلق بالأذكار، وما بعدها،
أو بفعل مقدر، يعني من فعل الخيرات المذكورة ونحوها عدد تلك الستين.
(الثَّلاثِمِائَةِ) بإضافة ثلاث إلى مائة مع تعريف الأول وتنكير الثاني، والمعروف
لأهل العربية عكسه، وهو تنكير الأول وتعريف الثاني. وأجيب: بأن الألف واللام
(١٩١٣) مُسْلِم (٥٤/ ١٠٠٧) فِي الزَّكَاةِ عَنْ عَائِشَةَ

كِتَابُ الرَّكاةِ
بَابُ فضْلِ الصَّدَقةِ
٢٥
زائدتان، فلا اعتداد بدخولهما، قال الطيبي: ولو ذهب إلى أن التعريف بعد
الإضافة كما في الخمسة عشر بعد التركيب لكان وجهًا حسنًا. وقيل: مائة منصوب
على التمييز على قول بعض أهل العربية.
(فَإِنَّهُ يَمْشِي) بفتح الياء وبالشين المعجمة من المشي، وفي رواية: ((يُمْسِي))
بضمها وبالسين المهملة من الإمساء وكلاهما صحيح؛ قاله النووي: (يَؤْمَئِذٍ) أي :
وقت إذا فعل ذلك. (وَقَدْ زَحْزَحَ نَفْسَهُ) أي: بعدها ونحاها. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) في
الزكاة، وأخرجه أيضًا البيهقي (ج٤: ص١٨٨).
١٩١٤ - [١٢] وَعَنْ أَبِي ذَرِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهَ: «إِنَّ بِكُلِّ
تَسْبِيحَةٍ صَدَقَةً وَكُلِّ تَكْبِيرَةٍ صَدَقَةً، وَكُلِّ تَحْمِيدَةٍ صَدَقَةً، وَكُلِّ تَهْلِيلَةٍ صَدَقَةً،
وَأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ صَدَقَةٌ، وَنَهْىٍ عَنِ الْمُنْكَرِ صَدَقَةٌ، وَفِي بُضْعِ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ)
قَالَوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيَأْتِي أَحَّدُنَا شَهْوَتَهُ وَيَكُونُ لَهُ فِيهَا أَجْرٌ؟ قَالَ: ((أَرَأَيْتُمْ لَوْ
وَضَعَهَا فِي حَرَامٍ أَكَانَ عَلَيْهِ فِيهِ وِزْرٌ؟ فَكَذَلِكَ إِذَا وَضَعَهَا فِي الْحَلَاَلِ كَانَ لَهُ
أَجْرٌ)).
[رَوَاهُ مُسْلِمٌ] {صحيحٍ}
G O
الشَّرْجُ
١٩١٤- قوله: (وَكُلَّ تَكْبِيرَةٍ) بالرفع على المبتدأ والخبر (صَدَقَةٌ) قال
النووي: رويناه بوجهين رفع صدقة ونصبه، فالرفع على الاستيناف، والنصب
عطف على اسم ((إن)) وعلى النصب يكون كل تكبيرة مجرورًا فيكون من العطف
على عاملين مختلفين، فإن الواو قامت مقام الباء وكذا قوله. (وَكُلَّ تَحْمِيْدَةٍ صَدَقَةٌ،
وَكُلَّ تَهْلِيلَةٍ صَدَقَةٌ ... ) إلخ.
قال القاضي: يحتمل تسميتها صدقة أن لها أجرًا كما للصدقة أجر، وإن هذه
الطاعات تماثل الصدقات في الأجور وسماها صدقة على طريق المقابلة وتجنيس
الكلام. وقيل: معناه إنها صدقة على نفسه. (وَأَمْرٌ بِالْمَعْرُوفِ صَدَقَةٌ) أسقط
(١٩١٤) مُسْلِم (١٠٠٦/٥٣) عَنْ أَبِي ذَرِّ فِيهَا .

29
٢٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
المضاف هنا اعتمادًا على ما سبق، ذكره الطيبي. وقال النووي: فيه إشارة إلى
ثبوت حكم الصدقة في كل فرد من أفراد الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر أكثر
منه في التسبيح والتحميد والتهليل؛ لأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض
كفاية. وقد يتعين ولا يتصور وقوعه نفلًا، والتسبيح والتحميد والتهليل نوافل،
ومعلوم أن أجر الفرض أكثر من أجر النفل لقوله رَمَ: ((وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ
أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرِضْتُهُ عَلَيْهِ)) أخرجه البخاري.
(وَفِي بُضْعِ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ) بضم الموحدة يطلق على الجماع، ويطلق على الفرج
نفسه، وكلاهما تصح إرادته هنا قاله النووي: وإدخال ((في)) إشارة إلى أن ذاته
ليست صدقة، بل ما ضمنه من التحصين، وأداء حق الزوجة وطلب الولد الصالح
والأمور المذكورة ذواتها صدقة؛ لأنها أذكار وقربات كذا في ((اللمعات))، وقال
الطيبي: الباء في قوله: ((إِنَّ بِكُلِّ تَسْبِيحَةٍ صَدَقَةً)) بمعنى (فِي) وإنما أعيدت في
قوله: ((وَفِي بُضْعِ أَحَدِكُمْ))؛ لأن هذا النوع من الصدقة أغرب.
قال النووي: في هذا دليل على أن المباحات تصير طاعات بالنيات الصادقات،
فالجماع يكون عبادة إذا نوى به قضاء حق الزوجة ومعاشرتها بالمعروف الذي أمر
الله تعالى به، أو طلب ولد صالح أو إعفاف نفسه، أو إعفاف الزوجة ومنعهما
جميعًا من النظر إلى حرام، أو الفكر فيه أو الهم به أو غير ذلك من المقاصد
الصالحة. (أَيَأْتِي أَحَدُنَا شَهْوَتَهُ) أي: أيقضيها ويفعلها. (وَيَكُونُ لَهُ فِيهَا أَجْرٌ)
والأجر غير معروف في المباح. (أَرَأَيْتُمْ) أي: أخبروني. (لَوْ وَضَعَهَا) أي: شهوة
بضعه .
(أَكَانَ عَلَيْهِ فِيهِ) أي: في الوضع. (وِزْرٌ؟) قال الطيبي: أقحم همزة الاستفهام
على سبيل التقرير بين (لَوْ) وجوابها؛ تأكيدًا للاستخبار في (أَرَأَيْتُمْ). (فَكَذَلِكَ)
أي: فعلى القياس. (إِذَا وَضَعَهَا فِي الْحَلَالِ) وعدل عن الحرام مع أن النفس تميل
إليه، وتستلذ به أكثر من الحلال، فإن لكل جديد لذة، والنفس بالطبع إليها أميل،
والشيطان إلى مساعدتها أقبل، والمؤنة فيها عادة أقل. (كَانَ لَهُ أَجْرٌ) وفي بعض
النسخ: ((أَجْرًا)) بالنصب. قال النووي: ضبطنا ((أجرًا)) بالنصب والرفع وهما
ظاهران. قال القاري: فالأجر ليس في نفس قضاء الشهوة، بل في وضعها موضعها

كِتَابُ الرَّكَاةِ
بَابُ فَضْل الصَّدَقةِ
٢٧
كالمبادرة إلى الإفطار في العيد، وكأكل السحور وغيرهما من الشهوات النفسية
الموافقة للأمور الشرعية؛ ولذا قيل: الهوى إذا صادف الهدى، فهو كالزبد مع
العسل ويشير إليه قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتََّعَ هَوَئِهُ بِغَيْرِ هُدَّى مِّنَ اللَّهِ﴾
[القصص: ٥٠] انتهى .
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) في الزكاة في حديث أوله: أن ناسًا من أصحاب النبي وَّ قالوا
للنبي وَلّ: ذهب أهل الدثور بالأجور يصلون كما نصلي ويصومون كما نصوم،
ويتصدقون بفضول أموالهم. قال: ((أَوَ لَيْسَ قَدْ جَعَلَ اللهُ لَكُمْ مَا تَصَّدَّقُونَ بِهِ إِنَّ بِكُلِّ
تَسْبِيحَةٍ صَدَقَةً ... )) إلخ. وأخرجه في كتاب الصلاة بلفظ: ((يُصْبِحُ عَلَى كُلُّ سُلَامٍَ
مِنْ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ فَكُلّ تَسْبِيحَةٍ صَدَقَةٌ وَكُلُّ تَحْمِيدَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَهْلِيلَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ
تَكْبِيْرَةٍ صَدَقَةٌ، وَأَمْرٌ بِالْمَعْرُوفِ صَدَقَةٌ، وَنَهَيٌّ عَنِ الْمُنْكَرِ صَدَقَةٌ، وَيُجْزِئْ مِنْ ذَلِكَ
رَكْعَتَانِ يَرْكَعُهُمَا مِنَ الضُّحَى))، وقد تقدم في باب: صلاة الضحى، وحديث الباب
أخرجه أحمد والبيهقي أيضًا .
١٩١٥ - [١٣] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضْتَهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((نِعْمَ
الصَّدَقَةُ اللَّقْحَةُ الصَّفِيُّ مِنْحَةً، وَالشَّاةُ الصَّفِيُّ مِنْحَةً، تَغْدُو بِإِنَاءٍ، وَتَرُوحُ
بِآخَرَ)).
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
الشَّرْحُ
١٩١٥- قوله: (نِعْمَ الصَّدَقَةُ) بالرفع فاعل ((نعم)) وهذا لفظ البخاري في
الأشربة، ووقع في الهبة بلفظ: ((نِعْمَ الْمَنِيحَةُ)) بدل ((نعم الصدقة)). قال أهل
اللغة: المنيحة بكسر الميم، المنحية بفتحها مع زيادة الياء على وزن عظيمة هي
العطية، وتكون في الحيوان وفي الثمار وهي قد تكون عطية للرقبة بمنافعها،
فيملكها المعطى له وهي الهبة، وقد تكون عطية اللبن أو التمرة مدة، وتكون الرقبة
باقية على ملك صاحبها ويردها إذا انقضى اللبن أو التمر الماذون فيه. قال أبو
عبيدة: المنيحة عند العرب على وجهين:
(١٩١٥) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ البُخَارِي (٥٦٠٨) فِي الأَشْرِبَةِ، ومُسْلِم (٧٤/ ١٠٢٠) فِي الزَّكَاةِ.

٢٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
أحدهما: أن يعطي الرجل صاحبه صلة فتكون له. والآخر: أن يعطيه ناقة أو شاة
ينتفع بحلبها ووبرها زمنًا، ثم يردها. والمراد بها في هذا الحديث: عارية ذوات
الألبان ليؤخذ لبنها، ثم ترد هي لصاحبها. قال ابن التين: من روى نعم الصدقة
روى بالمعنى؛ لأن المنحة العطية، والصدقة أيضًا عطية.
قال الحافظ: لا تلازم بينهما فكل صدقة عطية وليس كل عطية صدقة، وإطلاق
الصدقة على المنيحة مجاز، ولو كانت المنيحة صدقة لما حلت للنبي وَّ، بل هي
من جنس الهبة والهدية. انتهى. (اللَّقْحَةُ) بكسر اللام وسكون القاف بمعنى
الملقوحة: وهي الناقة ذات اللبن القريبة العهد بالولادة. قال أهل اللغة: اللقحة
بكسر اللام وبفتحها، واللقوح الناقة الحلوب الغزيرة اللبن. قال العيني: اللقحة
مرفوع؛ لأنه صفة صدقة.
وقال أبوالبقاء: هي المخصوصة بالمدح. (الصَّفِيُّ) بفتح الصاد وكسر الفاء
وتشديد التحتية أي: الكريمة الغزيرة اللبن بمعنى مفعول أي: مصطفاة مختارة
وهي صفة ثانية للصدقة أو صفة للقحة، واستعملت بغير هاء على الأشهر في
الرواية؛ لأن الفعيل إذا كان بمعنى مفعول يستوي فيه المذكر والمؤنث. وقال
العيني: روي أيضًا ((الصفية)) بتاء التأنيث. (مِنْحَةً) منصوب على التميز. قال ابن
مالك في ((التوضيح)): فيه وقوع التمييز بعد فاعل نعم ظاهرًا، وقد منعه سيبويه إلا
مع إضمار الفاعل نحو بئس للظالمين بدلًا وجوزه المبرد وهو الصحيح. انتهى.
وقال في ((المصابيح)): يحتمل أن يقال: إن فاعل نعم في الحديث مضمر،
والمنيحة الموصوفة بما ذكر هي المخصوصة بالمدح ومنحة تمييز تأخر عن
المخصوص، فلا شاهد فيه على ما قال، ولا يرد على سيبويه حينئذٍ. قيل: هذا
صحيح لكن يؤيد قول المبرد قول الشاعر:
تَزَوَّدْ مِثْلَ أَبِيكَ زَادا
فَنِعْمَ الزَّادُ زَادُ أَبِيكَ زَادا
فذلك جائز وإن كان قليلاً. والشاة: الصفي صفة وموصوف عطف على ما قبله
أي: ونعم الصدقة الشاة الصفي. (تَغْدُو بِإِنَاءٍ) أي: من اللبن. (وَتَرُوحُ بِآخَرَ) بالمد
أي: يحلب من لبنها ملء إناء وقت الغدوة، وملء إناء آخر وقت الرواح وهو
المساء، والجملة صفة مادحة لمنحة، أو استئناف جواب عمن سأل عن سبب كونها
ممدوحة. وفيه: إشارة إلى أن المستعير لا يستأصل لبنها؛ قاله الحافظ.

كِتَابُ الرَّكاةِ
الوجـ
بَابُ فضْلِ الصَّدَقةِ
٢٩
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) واللفظ للبخاري في باب: شرب اللبن من الأشربة، ورواه مسلم
في الزكاة بلفظ: ((أَلَا رَجُلٌ يَمْنَحُ أَهْلَ بَيْتٍ نَاقَةً تَغْدُو بِعُسٍّ وَتَرُوحُ بِعُسٍّ إِنَّ أَجْرَهَا
لَعَظِيمٌ))، وأخرجه أيضًا أحمد والبيهقي (ج٤ ص ١٨٤).
١٩١٦ - [١٤] وَعَنْ أَنَس قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَهِ: ((مَا مِنْ مُسْلِم
يَغْرِسُ غَرْسًا أَوْ يَزْرَعُ زَرْعًا فَيَأْكُلُّ مِنْهُ إِنْسَانٌ أَوْ طَيْرٌ أَوْ بَهِيمَةٌ، إِلَّا كَانَتْ لَهِ
صَدَقَةٌ)).
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
الشَّرْحُ
١٩١٦- قوله: (مَا مِنْ مُسْلِم) أخرج الكافر؛ لأنه رتب على ذلك، كون ما
أكل منه يكون له صدقة، والمرادً بالصدقة: الثواب في الآخرة، وذلك يختص
بالمسلم دون الكافر؛ لأن القرب إنما تصح من المسلم، فإن تصدق الكافر أو فعل
شيئًا من وجوه البر لم يكن له أجر في الآخرة، نعم ما أكل من زرع الكافر يثاب عليه
في الدنيا كما ثبت دليله. وأما من قال: يخفف عنه بذلك من عذاب الآخرة فيحتاج
إلى دليل. ونقل عياض الإجماع على أن الكفار لا تنفعهم أعمالهم، ولا يثابون
عليها بنعيم، ولا تخفيف عذاب، لكن بعضهم أشد عذابًا من بعضهم بحسب
جرائمهم. وأما حديث أبي أيوب عند أحمد مرفوعًا: ((مَا مِنْ رَجُلِ يَغْرِسُ ... )»،
وحديث: ((مَا مِنْ عَبْدٍ)) فظاهرهما يتناول المسلم والكافر لكن يحملّ المطلق على
المقيد، والمراد بالمسلم: الجنس فتدخل المرأة المسلمة. (يَغْرِسُ) بكسر الراء.
(غَرْسًا) يقال: غَرس الشجر يغرسه غَرسًا وغِراسة وَغرسه أي: أثبته في الأرض
والغرس، بفتح المعجمة وسكون الراء مصدر وبمعنى المغروس. (أَوْ يَزْرَعُ) ((أو))
للتنويع؛ لأن الزرع غيرِ الغرس. (زَرْعًا) نصبه، كذا نصب غرسًا على المصدرية،
أو على المفعولية. (فَيَأْكُلُ مِنْهُ) أي: مما ذكر من المغروسِ أو المزروع. (إِنْسَانٌ)
ولو بالتعدي. (أَوْ طَيْرٌ أَوْ بَهِيمَةٌ) أي: ولو باختياره. (إِلَّا كَانَتْ لَهُ صَدَقَةٌ) قال
الطيبي: الرواية برفع الصدقة على أن ((كانت)) تامة. انتهى.
(١٩١٦) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: عنْ أَنَسٍ؛ البُخَارِي (٦٠١٢) فِي المُزَارَعَةِ، ومُسْلِم (١٢/ ١٥٥٣) فِي الْبُيُوعِ.

٣٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
قال القاري: وفي نسخة بالنصب على أن الضمير راجع إلى المأكول وأنث
التأنيث الخبر. انتهى. ولفظ ((الصحيحين)): ((إِلَّا كَانَ لَهُ بِهِ صَدَقَةٌ))، قال
القسطلاني: بالرفع اسم كان، وفي الحديث فضل الغرس والزرع، والحض على
عمارة الأرض ويستنبط منه اتخاذ الضيعة والقيام عليها، ويحمل ما ورد من التنفير
عن ذلك على ما إذا شغل عن أمر الدين، ويحمل حديث الباب على اتخاذها
للكفاف أو نفع المسلمين بها، وتحصيل ثوابها، وفي رواية لمسلم: ((إِلَّا كَانَ لَهُ
صَدَقَةٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيامَةِ))، ومقتضاه أن أجر ذلك يستمر ما دام الغرس أو الزرع
مأكولًا منه، ولو مات زارعه أو غارسه ولو انتقل ملكه إلى غيره. وظاهر الحديث:
أن الأجر يحصل لمتعاطي الزرع أو الغرس، ولو كان ملكه لغيره؛ لأنه أضاف إلى
أم مبشر كما في رواية مسلم: ثم سألها عمن غرسه.
قال الطيبي: نكر مسلمًا وأوقعه في سياق النفي، وزاد ((من)) الاستغراقية وعم
الحيوان ليدل على سبيل الكناية على أن أي مسلم كان حرًّا أو عبدًا، مطيعًا، أو
عاصيًا يعمل أي عمل من المباح ينتفع بما عمله أي حيوان كان يرجع نفعه إليه،
ويثاب عليه، وفيه: جواز نسبة الزرع إلى الآدمي، وما ورد في المنع منه حدیث غیر
قوى أخرجه ابن أبي حاتم من حديث أبي هريرة مرفوعًا: (لَا يَقُلْ أَحَدُكُمْ
زَرَعْتُ، وَلَكِنْ لِيَقُلْ: حَرَثْتُ أَلَمْ تَسْمَعُ لِقَوْلِ اللهِ تعالى: ﴿َأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ، أَمْ نَحْنُ
[الواقعة: ٦٤])) ورجاله ثقات إلا أن مسلم بن أبي مسلم الجرمي.
التَّرِعُونَ
قال فيه ابن حبان: ربما أخطأ وروى عبد بن حميد من طريق أبي عبد الرحمن
السلمي بمثله من قوله غير مرفوع كذا في ((الفتح))، واستدل به على أن الزراعة
أفضل المكاسب، وقال به كثيرون وقيل: الكسب باليد. وقيل: التجارة. وقد
يقال: كسب اليد أفضل من حيث الحل والزرع من حيث عموم الانتفاع، وحينئذٍ
فينبغي أن يختلف ذلك باختلاف الحال، فحيث احتيج إلى الأقوات أكثر تكون
الزراعة أفضل للتوسعة على الناس، وحيث احتيج إلى المتجر لانقطاع الطرق
تكون التجارة أفضل، وحيث احتيج إلى الصنائع تكون أفضل؛ قاله القسطلاني.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) أخرجه البخاري في المزارعة وفي الأدب، ومسلم في المزارعة.
وأخرجه أيضًا أحمد، والترمذي في الأحكام. وفي الباب أحاديث أخر عن جماعة

كِتَابُ الرَّكَاةِ
بَابُ فَضْلِ الصَّدَقةِ
٣١
من الصحابة ذكرها المنذري، في باب الترغيب في الزرع وغرس الأشجار للثمرة،
والهيثمي في أواخر الزكاة، وفي أوائل البيوع.
١٩١٧ - [١٥] وَفِي رِوَايَةٍ لْمُسْلِم عَنْ جَابِرِ: ((وَمَا سُرِقَ مِنْهُ لَهُ
صَدَقَةٌ)).
{صحیح}
الْشَّرْحُ
١٩١٧ - قوله: (وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِم عَنْ جَابِرِ: ((وَمَا سُرِقَ مِنْهُ لَهُ صَدَقَةٌ))) أي :
يحصل له مثل ثواب تصدق المسروقَّ، والحاصل: أنه بأي سبب يؤكل مال
المسلم له الثواب، وفيه: تسلية له بالصبر على نقصان المال.
١٩١٨ - [١٦] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَوْنَهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَ: ((غُفِرَ
لِمْرَأَةٍ مُومِسَةٍ مَرَّتْ بِكَلْبٍ عَلَى رَأْسِ رَكِيٍّ، يَلْهَثُ كَادَ يَقْتُلُهُ الْعَطَشرُ، فَتَزَعَتْ
خُفَّهَا فَأَوْثَقَتْهُ بِخِمَارِهَا، فَنَزَعَتْ لَهُ مِّنَ الْمَاءِ، فَغُفِرَ لَهَا بِذَلِكَ)). قِيلَ: إِنَّ لَنَا
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
فِي الْبَهَائِمِ أَجْرًا؟ قَالَ: ((فِي كُلِّ ذَاتِ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أَجْرٌ)).
الْشَّرْجُ
١٩١٨- قوله: (غُفِرَ) بضم أوله مبنيًّا للمفعول أي: غفر الله. (لِامْرَأَةٍ) لم
تسم وفي رواية للبخاري ومسلم: ((إِنَّ الَّذِي سَقَى الْكَلْبَ رَجُلٌ))، وهذا يقتضي
تعدد القصة. (مُومِسَةٍ) أي: مومسات بني إسرائيل، وهي بميم مضمومة فواو
ساكنة، فميم مكسورة فسين مهملة، أي: زانية من الومس، وهو الاحتكاك.
والمومسة المرأة الفاجرة المجاهرة بالفجور. (مَرَّتْ بِكَلْبٍ) أي: على كلب
(١٩١٧) مُسْلِم (٧/ ١٥٥٢) عَنْ جَابِرٍ فِيهَا .
(١٩١٨) مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ البُخَارِي (٣٣٢١) فِي بِدْءِ الخَلْقِ، ومُسْلِم (٢٢٤٥/١٥٤) فِي
الحَيَوَانِ .

Derx
٣٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
***
کائن. (عَلَى رَأْسِ رَکِيٍّ) بفتح الراء وكسر الكاف وتشديد التحتية أي: بئر. وقيل:
بئر لم تطو.
وقال الحافظ: ((الركي)) البئر مطوية أو غير مطوية، وغير المطوية يقال لها:
جب وقليب ولا يقال لها: بئر حتى تطوى. وقيل: الركي البئر قبل أن تطوي، فإذا
طويت فهي الطوى. انتهى. (يَلْهَثُ) بفتح الهاء وبالمثلثة أي: يخرج لسانه عطشًا.
يقال: لهث بفتح الهاء وكسرها يلهث بفتح الهاء لا غير لهثًّا بإسكانها؛ إذا أخرج
لسانه من شدة العطش والحر والتعب، وكذلك الطائر ولهث الرجل إذا أعيا.
ويقال إذا بحث بيده ورجليه. وقيل: اللهث ارتفاع النفس من الإعياء.
(كَادَ يَقْتُلُهُ الْعَطَشُ) أي: قارب أن يهلكه. (فَنَزَعَتْ خُفَّهَا) أي: خلعته من
رجلها. (فَأَوْثَقَتْهُ) أي: شدته. (بِخِمَارِهَا) بكسر الخاء المعجمة أي: بنصفيها بدلا
من الحبل. (فَزَعَتْ) بهما. (لَهُ) أي: للكلب. (مِنَ الْمَاءِ) أي: من ماء البئر،
يعني: استقت للكلب بخفها من الركية. (فَغُفِرَ لَهَا بِذَلِكَ) أي: بسبب سقيها
للكلب، وهذا تأكيد للخبر، وفيه: أن الله تعالى قد يتجاوز عن الكبيرة بالفعل
اليسير من غير توبة؛ تفضلًا منه. (قِيلَ: إِنَّ) أي: أئن.
(لَنَا فِي الْبَهَائِم) أي: في سقيها أو الإحسان إليها. (أَجْرًا) أتى بالاستفهام المؤكد
للتعجب. (فِي كُلَّ ذَاتٍ كَبِدٍ) بفتح الكاف وكسر الموحدة، ويجوز سكون الكاف
وسكون الموحدة يذكر ويؤنث. (رَطْبَةٍ) أي: حية. والمراد: رطوبة الحياة، أو
لأن الرطوبة لازمة للحياة فهو كناية. وقيل: هو من باب وصف الشيء بما يؤول
إليه أي: كبد يرطبها السقي ويصيرها رطبة. والمعنى: في كل كبد حري لمن سقاها
حتى تصير رطبة. (أَجْرٌ) بالرفع مبتدأ قدم خبره. والتقدير: أجر حاصل، أو كائن
أو ثابت في إرواء كل ذات كبد حية من جميع الحيوانات. وقيل: يحتمل أن تكون
((في)) سببية كقولك في النفس الدية.
قال الداودي: المعنى في كل كبد حي أجر وهو عام في جميع الحيوانات. وقال
أبو عبد الملك: قوله: ((فِي كُلَّ كَبٍِ» مخصوص ببعض البهائم مما لا ضرر فيه؛ لأن
المأمور بقتله كالخنزير لا يجوز أن يقوى ليزداد ضرره. وكذا قال النووي: إن

كِتَابُ الرَّكاةِ
بَابُ فضْل الصَّدَقةِ
**
٣٣
عمومه مخصوص بالحيوان المحترم وهو ما لم يؤمر بقتله، فيحصل الثواب
بسقيه، ويلتحق به إطعامه وغير ذلك من وجوه الإحسان إليه.
وقال ابن التين: لا يمتنع إجراؤه على عمومه يعني: فيسقي ثم يقتل؛ لأنا أمرنا
بأن نحسن القتلة ونهينا عن المثلة، وفي الحديث: الحث على الإحسان إلى
الناس؛ لأنه إذا حصلت المغفرة بسبب سقي الكلب فسقي المسلم، أعظم أجرًا
وأستدل به: على جواز صدقة التطوع للمشركين، وينبغي أن يكون محله ما إذا لم
يوجد هناك مسلم، فالمسلم أحق وكذا إذا دار الأمر بين البهيمة والآدمي المحترم
واستويا في الحاجة، فالآدمي أحق كذا في ((الفتح)).
(مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ) واللفظ للبخاري في آخر بدء الخلق قبل كتاب الأنبياء إلا أن قوله:
قيل: ((إِنَّ لَنَا فِي الْبَهَائِم ... )) إلخ. ليس في هذه الرواية بل هو في قصة الرجل الذي
سقى الكلب. والحديث أخرجه البخاري في ذكر بني إسرائيل بلفظ: ((بَيْتَمَا كَلْبٌ
يُطِيفُ بِرَكِيَّةٍ كَادَ يَقْتُلُهُ الْعَطَشرُ؛ إِذْ رَأَتْهُ بَغِيٌّ مِنْ بَغَايَا بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَزَعَتْ مُوقَهَا
فَسَقَتْهُ فَغُفِرَ لَهَا بِهِ))، وأخرجه مسلم في كتاب قتل الحيات.
١٩١٩، ١٩٢٠ - [١٧، ١٨] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ قَالَا:
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((عُذِّبَتِ امْرَأَةٌ فِي هِرَّةٍ، أَمْسَكَتْهَا حَتَّى مَاتَتْ مِنَ الْجُوعِ،
فَلَمْ تَكُنْ تُطْعِمُهَا وَلَا تُرْسِلُهَا، فَتَأْكُلَ مِنْ خَشَاشِ الْأَرْضِ».
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
الشَّرْحُ
١٩١٩، ١٩٢٠ - قوله: (عُذِّبَتْ) بضم العين وكسر المعجمة مبنيًّا
للمفعول. (امْرَأَةٌ) قال الحافظ: لم أقف على اسمها، ووقع في رواية أنها:
((حِمْيَرِيَّةً))، وفي أخرى أنها: ((مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ))، ولا تضاد بينهما؛ لأن طائفة من
حمير كانوا قد دخلوا في اليهودية، فيكون نسبتها إلى بني إسرائيل. لأنهم أهل
(١٩١٩)، (١٩٢٠) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ البُخَارِي (٣٣١٨)، ومُسْلِم (٢٢٤٢/١٥١) فِي
الحَيَوَانِ .

٣٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
دينها وإلى حمير؛ لأنهم قبيلتها، يعني: نسبت إلى دينها تارة، وإلى قبيلتها أخرى.
(فِي هِرَّةٍ) أي: في شأنها وبسببها ولأجلها، فـ((في)) تعليلية سببية، والهرة أنثى
السنور والهر الذكر.
(أَمْسَكَتْهَا) أي: ربطتها المرأة، وحبستها، ومنعتها من الصيد. (حَتَّى مَاتَتْ)
أي: الهرة. (مِنَ الْجُوعِ) فيه: دليل على تحريم قتل الهرة، وتحريم حبسها بغير
طعام وشراب. (فَلَمْ تَكُنْ تُطْعِمُهَا) من الإطعام. (فَتَأْكُلَ) بالنصب على جواب
النفي. (مِنْ خَشَاشِ الأَرْضِ) بفتح الخاء المعجمة، ويجوز ضمها، وكسرها
وبمعجمتين بينهما ألف الأولى خفيفة.
والمراد: حشرات الأرض وهوامها من فارة ونحوها. قال الطيبي: وذكر
الأرض هنا، كذكرها في قوله تعالى: ﴿وَمَا مِن دَآبَةٍ فِ اُلْأَرْضِ﴾ [الأنعام - ٣٨] للإحاطة
والشمول، ثم ظاهر هذا الحديث أن المرأة عُذِّبَتْ بسبب قتل هذه الهرة بالحبس،
واختلف في أنها مؤمنة كانت أو كافرة. قال القرطبي وعياض: يحتمل أن تكون
المرأة كافرة فعذبت بكفرها وزيدت عذابًا بسبب ظلمها على الهرة، واستحقت
ذلك؛ لكونها ليست مؤمنة تغفر صغائرها باجتناب الكبائر، ويحتمل أن تكون
مسلمة وعذبت بسبب الهرة. وقال النووي: الصواب أنها كانت مسلمة، وأنها
دخلت النار بسببها، كما هو ظاهر الحديث، وهذه المعصية ليست صغيرة، بل
صارت بإصرارها كبيرة. وليس في الحديث أن تخلد في النار. انتهى. وهذا يدل
على أنهم لم يطلعوا على نقل في ذلك.
قال الحافظ: ويؤيد كونها كافرة ما أخرجه البيهقي في ((البعث والنشور)) وأبو
نعيم في ((تاريخ أصبهان)) من حديث عائشة. وفيه قصة لها مع أبي هريرة وهو
بتمامه عند أحمد. انتهى. وقال الدميري: كانت هذه المرأة كافرة، كما رواه البزار
في ((مسنده))، وأبو نعيم في ((تاريخ أصبهان))، والبيهقي في ((البعث والنشور)) عن
عائشة، فاستحقت التعذيب بكفرها وظلمها. وقال القاري: ليس في الحديث دلالة
على إصرار هذه المرأة، ويجوز التعذيب على الصغيرة كما في ((العقائد))، سواء
اجتنب مرتكبها الكبيرة أم لا؛ لدخولها تحت قوله تعالى: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن
يَشَآءُ﴾ [النساء - ٤٨] خلافًا لبعض المعتزلة فيما إذا اجتنب الكبائر؛ لظاهر قوله تعالى:

كِتَابُ الرَّڪاةِ
بَابُ فضْل الصَّدَقةِ
٣٥
﴿إِن تَحْتَنِبُواْ كَبَابِرَ مَا نُنْهَوَّنَ عَنْهُ تُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلًا كَرِيمًا
[النساء - ٣١] وعنه أجوبة عند أهل السنة ليس هذا محلها. انتهى.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) رواه البخاري عن ابن عمر بمعناه في باب: فضل السقي من كتاب
الشرب، وفي أواخر بدء الخلق، وفي ذكر بني إسرائيل. ورواه من طريق سعيد
المقبري عن أبي هريرة في بدء الخلق نحوه، ولم يذكر لفظه بل أحال على حديث
ابن عمر قبله بمعناه. وأما مسلم فرواه في كتاب قتل الحيات وغيرها، وفي الأدب
عنهما من طرق بألفاظ مختلفة متقاربة، ليس اللفظ المذكور هنا واحدًا منها كما لا
يخفى على من نظر في طرق هذا الحديث، وألفاظها، فالمذكور هنا هو معنى ما
رواه الشيخان، وقد أخرجه أحمد من حديث أبي هريرة من ثمانية أوجه، منها في
(ج٢ ص ٢٦١، ٢٦٩، ٢٨٦) ونسبه الشيخ أحمد شاكر في ((شرح المسند)) لابن
ماجه أيضًا، وقال: حديث عبد الله بن عمر في هذا ليس في ((المسند)) فيما رأيت
مع أنه في ((الصحیحین)).
١٩٢١ - [١٩] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَِثَةُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَِّ: ((مَرَّ
رَجُلٌ بِغُصْنِ شَجَرَةٍ عَلَى ظَهْرِ طَرِيقٍ فَقَالَ: لَأَنَخِّيَنَّ هَذَا عَنْ طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
لَا يُؤْذِيهِمْ، فَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ)).
الشَّرْجُ
١٩٢١ - قوله: (مَرَّ رَجُلٌ بِغُصْنِ شَجَرَةٍ) وفي رواية البخاري: ((غُصْنُ شَوْكٍ))
والغصن بضم المعجمة مفرد الأغصان، والغصون وهي أطراف الشجرة ما دامت
فيها ثابتة؛ قاله ابن الأثير. (عَلَى ظَهْرٍ طَرِيقٍ) أي: ظاهره لا في جنبيه. (لَأَنَخِّيَنَّ)
بتشديد الحاء أي: لأبعدن.
(لَا يُؤْذِيهِمْ) بالرفع على أنه استئناف فيه معنى التعليل أي: لكيلا يؤذيهم.
(فَأُدْخِلَ) ماض مجهول. (الْجَنَّةَ) بالنصب على أنه مفعول ثان أي: فنحاه، فأدخل
الجنة بهذا الخير.
(١٩٢١) مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ: عَنْهُ؛ البُخَارِي (٦٥٢) فِي الصَّلَاةِ، ومُسْلِم (١٢٧ / ١٩١٤) فِي البِرِّ وَالصِّلَةِ.

٣٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
وقال الطيبي: يمكن أن إدخاله الجنة بمجرد النية الصالحة، وإن لم ينحه، وأن
يكون قد نحاه. انتهى. وفي الحديث: فضل إماطة ما يؤذي الناس عن طريقهم.
وفيه: أن قليل الخير يحصل به كثير الأجر. وفيه: التنبيه على فضيلة كل ما نفع
المسلمين، وأزال عنهم ضررًا.
(مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ) واللفظ لمسلم وقد أخرجه في الأدب وأخرجه البخاري في المظالم
في باب: من أخذ الغصن، وما يؤذي الناس في الطريق، فرمى به بلفظ: ((بَيْتَمَا
رَجُلٌ يَمْشِي بِطَرِيقٍ وَجَدَ غُصْنَ شَوْكٍ عَلَى الطَّرِيقِ، فَأَخَّرَهُ فَشَكَرَ اللهَ لَهُ فَغَفَرَ لَهُ)).
قال ابن المنير: وإنما ترجم به؛ لئلا يتخيل أن الرمي بالغصن وغيره مما يؤذي
تصرف في ملك الغير بغير إذنه فيمتنع، فأراد أن يبين أن ذلك لا يمتنع لما فيه من
الندب إليه. ثم ذكر حديث أبي برزة الآتي، والحديث أخرجه أيضًا أحمد في ستة
مواضع، والترمذي في البر والصلة، وأبو داود وابن ماجه في الأدب، ورواه مالك
بمعناه ضمن حديث مطول.
١٩٢٢ - [٢٠] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَّةِ: ((لَقَدْ رَأَيْتُ رَجُلًا
يَتَقَلَّبُ فِي الْجَنَّةِ؛ فِي شَجَرَةٍ قَطَعَهَا مِنْ ظَهْرِ الطَّرِيقِ؛ كَانَتْ تُؤْذِي النَّاسَ)).
[رَوَاهُ مُسْلِمٌ] {صحيح}
G O
الشَّرْحُ
١٩٢٢ - قوله: (لَقَدْ رَأَيْتُ رَجُلًا يَتَقَلَّبُ) أي: يتردد ويتنعم في الجنة. (فِي
شَجَرَةٍ) أي: لأجلها وبسببها. (قَطَعَهَا مِنْ ظَهْرِ الطّرِيقِ) قال النووي: أي: يتنعم في
الجنة بملاذها بسبب قطعة الشجرة من الطريق وإبعادها عنه.
(كَانَتْ تُؤْذِي النَّاسَ) أي: كانوا يتأذون بها. قال القاري: وفيه: مبالغة على قتل
المؤذي وإزالته بأي وجه يكون. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) في الأدب.
(١٩٢٢) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: عَنْهُ؛ البُخَارِي (٢٤٧٢) فِي المَظَالِمِ، ومُسْلِم (١٩١٤/١٢٩) فِي البِّ وَالصَّلَّةِ.

كِتَابُ الزَّڪاةِ
بَابُ فَضْل الصَّدَقةِ
٣٧
١٩٢٣ - [٢١] وَعَنْ أَبِي بَرْزَةَ قَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ عَلَّمْنِي شَيْئًا أَنْتَفِعُ بِهِ،
قَالَ: ((اعْزِلِ الْأَذَى عَنْ طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ)).
[رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَسَنَذْكُرُ حَدِيثَ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمِ: ((اتَّقُوا النَّارَ) فِي بَابِ عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ. إِنْ شَاءَ اللهُ
تَعَالَى] {صحيح }
الشَّرْحُ
١٩٢٣ - قوله: (عَلِّمْنِي شَيْئًا) وفي رواية ابن ماجه: دُلِّنِي على عمل. (أَنْتَفِعُ
بِهِ) قال القاري: روى مجزومًا جوابًا للأمر، ومرفوعًا صفة لشيء أي: أنتفع
بعمله. (اعْزِلِ) بكسر الهمزة والزاي المعجمة بينهما عين مهملة ساكنة أي: أبعد
ونح.
(الْأَذَى عَنْ طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ) أي: إذا رأيت في ممرهم ما يؤذيهم كشوك وحجر
فنحه عنهم، فإن فذلك من شعب الإيمان. قيل: أبوبرزة من كبار الصحابة، فنبه
بأدنى شعب الإيمان على أعلاها، أي: لا تترك بابًا من الخير. وروى مسلم هذا
الحديث من وجه آخر. قال أبوبرزة: قلت لرسول اللَّه ◌َله: يا رسول الله! إني لا
أدري لعسى أن تمضي وأبقى بعدك، فزودني شيئًا ينفعني الله به. فقال رسول الله
وَالر: ((افعل كذا افعل كذا - أبو بكر بن شعيب راوي الحديث نسيه - وأمر الأذى
عن الطريق)). (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) في الأدب، كذا ابن ماجه ونسبه في ((التنقيح)) إلى
البخاري في ((الأدب المفرد)) وابن سعد والطبراني في ((الكبير)). (وَسَنَذْكُرُ حَدِيثَ
عَدِيِّ بْنِ حَاتِم) هو عدي بن حاتم بن عبد الله بن سعد بن الحشرج الطائي أبوطريف
ولد الجواد المشهور صحابي شهير، أسلم في سنة تسع. وقيل: سنة عشر. وكان
نصرانيًّا قبل ذلك. وثبت على إسلامه في الردة وأحضر صدقة قومه إلى أبي بكر،
وحضر فتوح العراق وشهد مع علي الجمل رفقئت عينه يومئذ، ثم شهد أيضًا مع
علي صفين والنهروان، ثم سكن الكوفة ومات بها سنة (٦٨) وهو ابن مائة وعشرين
سنة .
(١٩٢٣) مُسْلِم (٢٦١٨/١٣١) عَنْهُ فِي البِرِّ وَالصِّلَةِ.

٣٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
*
وقيل: مات وهو ابن مائة وثمانين سنة، وكان سيدًا شريفًا في قومه خطيبًا،
حاضر الجواب فاضلًا كريمًا. روي عنه أنه قال: ما أقيمت الصلاة منذ أسلمت إلا
وأنا على وضوء، وما دخل وقت صلاة قط إلا وأنا أشتاق إليها. روى عن النبي بَِّل
وعن عمر، وروى عنه جماعة من البصريين والكوفيين.
(اتَّقُو النَّارَ) تمامه «وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ)) بكسر المعجمة أي: بنصفها أو جانبها.
والمعنى: ادفعوها عن أنفسكم بالخيرات. ولو كان الاتقاء بالتصدق ببعض تمرة
يعني لا تستقلوا شيئًا من الصدقة فإن لم تجدوا فبكلمة طيبة أي: يطيب بها قلب
المسلم، أو بكلمة من كلمات الأذكار، فإنها بمنزلة صدقة الفقير.
(فِي بَابٍ عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ) أي: ضمن حديث طويل لعدي مذكور في الباب،
وكان صاحب ((المصابيح)) أتى ببعض الحديث، أو بحديث مستقل هنا مناسبة لهذا
الباب، فعده المؤلف من باب التكرار فأسقطه واكتفى بذكره في ذلك الباب. والله
أعلم بالصواب.

كِتَابُ الرَّڪاةِ
بَابُ فَضْلِ الصَّدَقةِ
٣٩
الفصل الثاني
١٩٢٤ - [٢٢] عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ قَالَ: لَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ ◌َّهِ الْمَدِينَةَ،
جِئْتُ فَلَمَّا تَبَيَّنْتُ وَجْهَهُ عَرَفْتُ أَنَّ وَجْهَهُ لَيْسُّ بِوَجْهِ كَذَّابٍ، فَكَانَ أَوَّلُ مَا قَالَ:
(يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَفْشُوا السَّلَامَ، وَأَطْعِمُوا الطَّعَامَ، وَصِلُّوا الْأَرْحَامَ، وَصَلُّوا
بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ، تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ بِسَلَامٍ)). [رَوَاهُ التَّمِذِيُّ وابْنُ مَاجَهْ والدَّارِمِيُّ]
5 0
الشَّرْحُ
١٩٢٤ - قوله: (لَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ ◌َ لّهِ الْمَدِينَةَ جِئْتُ) في الناس لأنظر إليه. (فَلَمَّا
تَبَيَّنْتُ وَجْهَهُ) أي: عرفته. قال في ((الصراح)): استبنته أنا عرفته وتبينته أنا كذلك.
انتهى. وقيل: أي: تأملته وتفرست بأمارات لائحة في سيماه. وهذا لفظ ابن ماجه
في الأطعمة، وللدارمي: ((فلما رأيت وجهه))، ولفظ الترمذي: في صلاة الليل،
فلما (استبنت وجه رسول اللّه وَلَ)).
(عَرَفْتُ أَنَّ وَجْهَهُ لَيْسَ بِوَجْهِ كَذَّابٍ) بالإضافة وينون أي: بوجه ذي كذب لما
لاح عليه من سواطع أنوار النبوة. (فَكَّانَ أَوَّلُ مَا قَالَ) بالرفع وينصب؛ قاله القاري.
ولفظ الترمذي وابن ماجه: ((فكان أول شيء تكلم به أن قال ... قال السندي:
((أول شيء)) بالنصب على أنه خبر كان واسمها أن قال ... إلخ. وللدارمي، فكان
أول ما سمعته يقول.
(يا أيها النَّاسُ) خطاب العام بكلمات جامعة للمعاملة مع الخلق والحق.
(أَفْشُوا) من الإفشاء. (السَّلَامَ) أي: أكثروه وبينوه فيما بينكم، وقيل: أي: أظهروه
وعموا به الناس، ولا تخصوا المعارف. (وَأَطْعِمُوا) من الإطعام. (الطَّعَامَ) أراد به
قدرًا زائدًا على الواجب في الزكاة، سواء فيه الصدقة والهدية والضيافة. (وَصِلُوا)
بکسر المهملة من وصل يصل وصلًا وصلة. (الأرْحَامَ) جمع رحم بفتح أوله و کسر
(١٩٢٤) التِّرْمِذِي (٢٤٨٥) فِي الزُّهْدِ، وَابن مَاجَهْ (١٣٣٤) فِي الأَطْعِمَةِ، عَنْهُ.