Indexed OCR Text
Pages 561-580
٥٦٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَضَابِيح
١٨٦٩ - [١٨] وَعَنِ ابْنِ السَّاعِدِيِّ قَالَ: اسْتَعْمَلَنِي عُمَرُ عَلَى
الصَّدَقَةِ، فَلَمَّا فَرَغْتُ مِنْهَا وَأَدَّيْتُهَا إِلَيْهِ، أَمَرَ لِي بِعُمَالَةٍ، فَقُلْتُ: إِنَّمَا عَمِلْتُ
لِلَّهِ وَأَجْرِي عَلَى اللَّهِ، قَالَ: خُذْ مَا أُعْطِيتَ؛ فَإِنِّي قَدْ عَمِلْتُ عَلَى عَهْدِ
رَسُولِ اللهِ نَّهِ فَعَمَّلَنِي فَقُلْتُ مِثْلَ قَوْلِكَ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ وَلَ: ((إِذَا
أُعْطِيتَ شَيْئًا مِنْ غَيْرِ أَنْ تَسْأَلَهُ فَكُلْ وَتَصَدَّقْ)).
[رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ] {صحيح}
الْشَّرْجُ
١٨٦٩ - قوله: (وَعنِ ابْنِ السَّاعِدِيِّ) بالألف بعد السين وبكسر العين وبياء
النسبة، وهو عبد الله بن السعدي، واسم السعدي: وقدان. وقيل: عمرو،
ووقدان جده، وقيل: اسمه قدامة بن عبد شمس بن عبد ود بن نصر بن مالك بن
حسل بن عامر بن لؤي بن غالب. وإنما قيل له: ابن السعدي؛ لأن أباه كان
مسترضعًا في بني سعد بن بكر بن هوازن، وفد عبد الله بن سعدي على النبي وَل
وصحبه قديمًا. وسكن الأردن، روى عن النبي و ◌ّل٣- وعن عمر بن الخطاب حديث
العمالة، وروى عنه حويطب بن عبد العزى وبسر بن سعيد وغيرهما.
قال الحافظ في ((الفتح)): ومات عبد الله بن السعدي بالمدينة سنة سبع
وخمسين، ويقال: بل مات في خلافة عمر والأول أقوى. قلت: الأول قول
الواقدي. والثاني قول ابن حبان. وقال ابن عساكر: لا أراه محفوظًا، وقوله: ((ابن
الساعدي)) هكذا وقع في رواية الليث بن سعد عن بكير بن الأشج عن بسر بن سعيد
عند أبي داود والنسائي ومسلم، وخالفه عمرو بن الحارث عن بكير عند مسلم.
فقال: ابن السعدي، قال الحافظ: وهو المحفوظ.
وقال عياض: الصواب ابن السعدي كما في الرواية الأخرى. وإنما قيل له:
السعدي؛ لأنه استرضع في بني سعد بن بكر. وأما الساعدي فلا يعرف له وجه.
وابنه عبد الله من الصحابة وهو قرشي عامري مالكي. وقال النووي: أما قوله:
(١٨٦٩) أبُو دَاوُد (١٦٤٧) عنه فيه. قلت: وأصلُه في الصحيح: البُخَارِي (٧١٦٣)، مُسْلم (١٠٤٥/
١١٢).
كِتَابُ الرَّڪاةِ
بَابٌ مَنْ لَا تَحِلَّ لَهَ المُسْأَلَةٌ وَمَنْ تَحِلّ له
٥٦١
الساعدي، فأنكروه قالوا: وصوابه السعدي كما رواه الجمهور منسوب إلى بني
سعد بن بكر كما سبق. قلت: وهكذا وقع في رواية السائب بن يزيد عن حويطب
ابن عبد العزى عن عبد الله بن السعدي عند البخاري والنسائي.
(اسْتَعْمَلَنِي عُمَرُ) أي: جعلني عاملًا. (عَلَى الصَّدَقَةِ) أي: على أخذها وجمعها.
(فَلَمَّا فَرَغْتُ مِنْهَا) أي: من أخذها وجبايتها. (وَأَدَّيْتُهَا إِلَيْهِ) أي: إلى عمر. (أَمَرَ لِي
بِعُمَالَةٍ) بضم العين المهملة وتخفيف الميم أي: أجرة العمل. قال الجوهري:
العمالة بالضم رزق العامل على عمله، وذكر الحافظ في ((الفتح)) رواية من ((فوائد
أبي بكر النيسابوري))، تدل على أن العمالة المذكورة كانت ألف دينار، والله تعالى
أعلم. (قَالَ) أي: عمر. (خُذْ مَا أُعْطِيتَ) على بناء المفعول، والأمر للاستحباب
عند الجمهور.
(فَعَمَّلَنِي) بتشديد الميم أي: أعطاني أجرة عملي، والمعنى: أراد إعطاءها وأمر
لي بالعطاء. (فَقُلْتُ مِثْلَ قَوْلِكَ) فيه منقبة لعمر، وبيان فضله وزهده وإيثاره، وكذا
لابن السعدي فقد وافق فعله فعل عمر سواء. (إِذَا أُعْطِيتَ) بصيغة المجهول.
(شَيْئًا مِنْ غَيْرِ أَنْ تَسْأَلَهُ فَكُلْ وَتَصَدَّقْ) أي: خذه ولا ترده، واصنع ما شئت من
الأكل والتصدق. وقيل: أي: كُلْ حال كونك فقيرًا، وتصدق حال كونك غنيًّا .
قال الشوكاني: في الحديث: دليل على أن عمل الساعي سبب لاستحقاقه الأجرة،
كما أن وصف الفقر والمسكنة هو السبب في ذلك، وإذا كان العمل هو السبب
اقتضى قياس قواعد الشرع أن المأخوذ في مقابلته أجرة، ولهذا قال أصحاب
الشافعي تبعًا له: إنه يستحق أجرة المثل. وفيه أيضًا: دليل على أن من نوى التبرع
يجوز له أخذ الأجر بعد ذلك، ولهذا قال المصنف - يعني: المجد ابن تيمية
صاحب ((المنتقى)): وفيه: دليل على أن نصيب العامل يطيب له، وإن نوى التبرع أو
لم يكن مشروطًا، انتهى.
وقال المنذري: في الحديث جواز أخذ الأجرة على إعمال المسلمين،
وولاياتهم الدينية والدنيوية، قيل: وليس معنى الحديث في الصدقات، وإنما هو
في الأموال التي يقسمها الإمام على أغنياء الناس وفقرائهم، واستشهد بقوله في
بعض طرقه: ((فَتَمَوَّلْهُ))، وقال: الفقير لا ينبغي أن يأخذ من الصدقة ما يتخذه مالا
٥٦٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
كان عن مسألة أو غير مسألة، انتهى.
قال ابن المنذر: حديث ابن السعدي حجة في جواز أرزاق القضاة عن
وجوهها. وقال الطبري: في حديث عمر الدليل الواضح على أن لمن شغل بشيء
من أعمال المسلمين أخذ الرزق على عمله ذلك، كالولاة والقضاة وجباة الفيء
وعمال الصدقة وشبههم؛ لإعطاء رسول اللَّه ◌َل عمر العمالة على عمله، وذكر ابن
المنذر أن زيد بن ثابت كان يأخذ الأجر على القضاء. واحتج أبوعبيد في ذلك بما
فرض اللَّه للعاملين على الصدقة. وجعل لهم منها حقًّا لقيامهم وسعيهم فيها.
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) فيه تساهل؛ فإن الحديث أخرجه مسلم والنسائي بهذا اللفظ،
والبخاري في الأحكام بنحوه، فكان على المصنف أن يقول: رواه مسلم وأبو داود
والنسائي، أو يقول: متفق عليه.
١٨٧٠ - [١٩] وَعَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ سَمِعَ يَوْمَ عَرَفَةَ رَجُلًا يَسْأَلُ النَّاسَ،
فَقَالَ: أَفِي هَذَا الْيَوْمِ، وَفِي هَذَا الْمَكَانِ، تَسْأَلُ مِنْ غَيْرِ اللَّهِ؟! فَخَفِقَهُ بِالدِّرَّةِ.
[رَوَاهُ رَزِينٌ]
الْشَّرْحُ
١٨٧٠ - قوله: (فَقَالَ) أي: علي. (أَفِي هَذَا الْيَوْمِ وَفِي هَذَا الْمَكَانِ) أي: أفي
زمان إجابة الدعاء، ومكان قبول الثناء، وحصول الرَجاء. (تَسْأَلُ مِنْ؟ غَيْرِ اللَّهِ)
أي: شيئًا حقيرًا مثل الغداء أو العشاء.
قال الطيبي: أي: هذا المكان وهذا اليوم ينافيان السؤال من غير الله، ويلحق
بذلك السؤال في المساجد إذ لم تبن إلا للعبادة، انتهى. قلت: قد روى أبو داود
والبيهقي في باب: المسألة في المساجد، والحاكم من حديث عبد الرحمن بن أبي
بكر قال: قال رسول اللّه وَ لَ ((هَلْ فِيْكُمْ أَحَدٌ أَطْعَمَ الْيَوْمَ مِسْكِينًا))، فقال أبو بكر:
دخلت المسجد، فإذا أنا بسائل يسأل، فوجدت كسرة خبز في يد عبد الرحمن
(١٨٧٠) ذَكَرَهُ رَزِین.
كِتّابُ الزّكاةِ
بَابٌ مَنْ لَا تَحِلَّ لَهُ الْمُسْأَلَةٌ وَمَنْ تَحِلَّ لَهُ
٥٦٣
فأخذتها منه فدفعتها إليه، انتهى. وهذا بظاهره يدل على جواز السؤال في المساجد
والإعطاء فيها، خلافًا لمن ذهب إلى تحريم السؤال فيها، وكراهة الإعطاء مطلقًا.
(فَخِفَقَهُ) أي: ضربه وهو من باب: ضرب ونصر يقال: خفقه بالسيف أي:
ضربه به ضربًا خفيفًا، والمخفق: السيف العريض، والمخفقة الدرة يضرب بها.
وقال الطيبي: الخفق الضرب بالشيء العريض. (بِالدِّرَّةِ) بكسر الدال وتشديد
الراء، في ((القاموس)): هي التي يضرب بها. (رَوَاهُ رَزِينٌ).
١٨٧١ - [٢٠] وَعَنْ عُمَرَ قَالَ: تَعْلَمُنَّ أَيُّهَا النَّاسُ، أَنَّ الطَّمَعَ فَقْرٌ،
وَأَنَّ الْإِيَاسَ غِنَّى، وَأَنَّ الْمَرْءَ إِذَا يَئِسَ عَنْ شَيْءٍ اسْتَغْنَى عَنْهُ. [رَوَاهُ رَزِينٌ]
5 0
الْشَّرْحُ
١٨٧١- قوله: (تَعْلَمُنَّ) بضم الميم. قال الطيبي: أي: لتعلمن، وفيه
شذوذان: إيراد اللام في أمر المخاطب وحذفها مع كونها مرادة. وقيل: يحتمل أن
يكون ((تعلمن)) جواب قسم مقدر، واللام المقدرة هي المفتوحة أي: والله
لتعلِمن، ذكره القاري، وفي بعض النسخ: ((تعلمون)). وهو خبر بمعنى الأمر. (أَنَّ
الطَّمَعَ) أي: في الخلق. (فَقْرٌ) أي: حاضر أو يجر إليه.
(وَأَنَّ الِإِيَاسَ) بكسر الهمزة بمعنى اليأس من الناس. (وَأَنَّ الْمَرْءَ) تفسير لما
تقدم. (إِذَا بَئِسَ) وفي نسخة صحيحة: ((إذا أيس)). (عَنْ شَيْءٍ اسْتَغْنَى عَنْهُ) ولذا
قيل: اليأس إحدى الراحتين. (رَوَاهُ رَزِينٌ) ذكر هذا الأثر والذي قبله رزين في
((تجريده) من غير سند، ولم أقف على من أخرج أثر علي، وأما أثر عمر فأخرجه
أبو نعيم في ((الحلية)) كما سيأتي. وقد ذكره أيضًا ابن رجب في ((شرح الأربعين))
(ص٢١٧) والغزالي في ((الإحياء)) (ج٤: ص ١٩٥) من غير أن يذكرا مخرجه،
وسكت العراقي أيضًا عن تخريجه في ((المغنى))، ولفظ الإحياء: (( ... أَنَّ الطَّمَعَ
فَقْرٌ، وَالْيَأْسَ غِنَّى، وَأَنَّهُ مَنْ يَيْسَ عَمَّا فِي أَيْدِي النَّاسِ وَقَنَعَ، اسْتَغْنَى عَنْهُمْ))، ورواه
(١٨٧١) ذَكَرَهُ رَزِین.
٥٦٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
أبو نعيم في ((الحلية)) (ج١: ص٥٠) قال: حدثنا أبو بكر بن همدان، ثنا عبد الله بن
أحمد بن حنبل، حدثني أبي، ثنا أبو معاوية ووكيع عن هشام بن عروة عن أبيه قال :
قال عمر في خطبة: ((تَعْلَمُونَ أَنَّ الطَّمَعَ فَقْرٌ، وَأَنَّ الْيَأْسَ غِنَّى، وَأَنَّ الرَّجُلَ إِذَا يَئِسَ
عَنْ شَيْءٍ اسْتَغْنَى عَنْهُ)). رواه ابن وهب عن الثوري عن هشام عن أبيه عن زييد -
بضم الزاي بعدها ياء معجمة باثنتين من تحتها مكررة - ابن الصلت - بمهملة
وبمثناة فوق في آخره - عن عمر: حدثنا أبي، ثنا إبراهيم بن محمد، ثنا أحمد بن
سعيد ثنا ابن وهب به، انتهى ما في ((الحلية)). قلت: عروة عن عمر منقطع؛ لأن
عروة ولد في آخر خلافة عمر - أي: لست سنين خلت من خلافة عمر - كما في
((تهذيب التهذيب)) للحافظ و((التذكرة)) للذهبي. وقيل: ولد في خلافة عثمان،
وأما زبيد بن الصلت عن عمر فهو متصل؛ لأن زبيدًا قد أدرك عمر، قال ابن أبي
حاتم في ((الجرح والتعديل)) (ج٢/١/ ص٦٢٢): زبيد بن الصلت المديني روى
عن أبي بكر رَوَّهُ مرسل، وعن عمر وقد أدركه، روى عنه عروة بن الزبير والزهري
وعبد الله بن إبراهيم بن قارظ، ثم ذكر عن يحيى بن معين أنه قال: زبيد بن الصلت
ثقة، انتهى. وأثر عمر من طريق هشام عن أبيه أخرجه أيضًا وكيع بن الجراح في
((الزهد)) (ج٢: ص٤٢٦) وأحمد في ((الزهد)) (١١٧) وأبو نعيم في ((الحلية))
(ج٦: ص٣٢٨) وابن المبارك في ((الزهد)) (٢٢٣) والمروزي في زيادات زهد ابن
المبارك (٣٥٤) وابن الجوزي في مناقب عمر في ((مختصره)) (١٨١) وروى أحمد
في ((الزهد)) والبيهقي والحاكم في ((المستدرك)) (ج ٤: ص٣٢٦) عن سعد بن أبي
وقاص قال: جاء رجل إلى النبي ◌َّ فقال: يا رسول الله، أوصني وأوجز، فقال
له: ((عَلَيْكَ بِالْإِيَاسَ مِمَّا فِي أَيْدِي النَّاسِ، وَإِيََّ وَالطَّمَعَ فَإِنَّهُ الْفَقْرُ الْحَاضِرُ ... ))
الحديث. قال الحاكم: حديث صحيح الإسناد. وقال الذهبي: صحيح. وأما ما
روى الطبراني من حديث ابن مسعود قال: سئل رسول اللّه وَّر. ما الغنى؟ قال:
((الْيَأْسُ مِمَّا فِي أَيْدِي النَّاسِ))، ففي إسناده إبراهيم بن زياد العجلي وهو متروك.
كِتَابَ الزَّكاةِ
<=
بَابَ مَنْ لَا تَحِلَّ له المُسْأَلةِ وَمَنْ تَحِلُّ لَهُ
٥٦٥
١٨٧٢ - [٢١] وَعَنْ ثَوْبَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَهِ : ((مَنْ يَكْفُلُ لِي
أَنْ لَا يَسْأَلَ النَّاسَ شَيْئًا فَأَتْكَفَّلُ لَهُ بِالْجَنَّةِ؟)) فَقَالَ ثَوْبَانُ: أَنَا، فَكَانَ لَا يَسْأَلُ
أَحَدًّا شَيْئًا.
[رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ] {صحيح }
الشَّرْجُ
١٨٧٢ - قوله: (مَنْ يَكْفُلُ) بفتح الياء وضم الفاء مرفوعًا وفي بعض النسخ
بصيغة الماضي من التكفل، وكذا وقع في ((سنن أبي داود)) ولفظ النسائي: ((مَنْ
يَضْمَنُ)) و((مَنْ)) استفهامية أي: أيكم يضمن ويلتزم ويتقبل. (لِي أَنْ لَا يَسْأَلَ النَّاسَ
شَيْئًا) أي: من مالهم وإلا فطلب ما له عليهم لا يضر، والمراد: من يديم على
ذلك.
(فَأَتَكَفَّلَ) بالنصب والرفع أي: أتضمن وأتقبل. (لَهُ بِالْجَنَّةِ) أي: أولًا من غير
سابقة عقوبة، وفيه: إشارة إلى بشارة حسن الخاتمة. (فَقَالَ ثَوْبَانُ: أَنَا) أي:
تضمنت أو أتضمن. (فَكَانَ) أي: ثوبان بعد ذلك. (لَا يَسْأَلُ أَحَدًا شَيْئًا) وفي رواية
عند أحمد وابن ماجه: ((فَكَانَ ثَوْبَانُ يَقَعُ سَوْطُهُ وَهُوَ رَاكِبٌ - أي: على بعيره - فَلَا
يَقُولُ لِأَحَدٍ نَاوِلْنِهِ حَتَّى يَنْزِلَ فَيَأْخُذَهُ)).
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ) واللفظ لأبي داود، ولفظ النسائي: ((مَنْ يَضْمَنُ لِي
وَاحِدَةً وَلَهُ الْجَنَّةُ))، قال يحيى - أَحَدُ رواته: هاهنا كلمة معناها: ((أَنْ لَا يَسْأَلَ النَّاسَ
شَيْئًا)). انتهى. والحديث أخرجه أحمد (ج٥: ص٢٧٥ - ٢٧٦ - ٢٧٧ - ٢٧٩ -
٢٨١) وابن ماجه والحاكم (ج١: ص٤١٢) والبيهقي (ج ٤: ص ١٩٧) وسكت عنه
أبو داود والمنذري في ((مختصر السنن)).
وقال في ((الترغيب)): إسناده صحيح وصححه الحاكم على شرط مسلم ووافقه
الذهبي .
(١٨٧٢) أَبُو دَاوُد (١٦٤٣)، والنَّسَائِي (٩٦/٥) عنه في الزكاة.
٥٦٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
١٨٧٣ - [٢٢] وَعَنْ أَبِي ذَرِّ قَالَ: دَعَانِي رَسُولُ اللّهِ بِهِ وَهُوَ يَشْتَرِطُ
عَلَيَّ: ((أَنْ لَا تَسْأَلَ النَّاسَ شَيْئًا)) قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: ((وَلَا سَوْطَكَ إِنْ سَقَطَ
مِنْكَ حَتَّى تَنْزِلَ إِلَيْهِ فَتَأْخُذَهُ)) .
[رَوَاهُ أَحْمَدُ]
W O
الشَّرْحُ
١٨٧٣ - قوله: (دَعَانِي رَسُولُ اللَّهِ وَل) أي: إلى المبايعة الخاصة كما يدل
عليه أو الحديث قال - أي: أبو ذر: بايعني رسول اللَّه وَلخمسًا، وأوثقني سبعًا
وأشهد اللَّه علي تسعًا: أن لا أخاف في الله لومة لائم.
قال أبو المثنى - أحد رواته: قال أبو ذر: فدعاني رسول اللّهِ وَ لّ، فقال: ((هَلْ لَكَ
إِلَى بَيْعَةٍ وَلَكَ الْجَنَّةُ))، قلت: نعم، وبسطت يدي فقال رسول اللّه وَل وهو يشترط
علي ... إلخ. (وَهُوَ يَشْتَرِطُ عَلَيَّ) أي: والحال أنه يقول لي على جهة الاشتراط:
أبايعك على. (أَنْ لَا تَسْأَلَ النَّاسَ شَيْئًا) بفتح اللام وكسرها وعلى الأول أكثر
النسخ. قال الطيبي: إن مفسرة داخلة على النهى لما في يشترط من معنى القول.
قيل: ويحتمل أن تكون مصدرية كذا في ((المرقاة)). (قُلْتُ: نَعَمْ) أي: بايعتك على
ذلك.
(قَالَ) أي: النبي ◌َّه للمبالغة. (وَلَا سَوْطَكَ) أي: ولا تسأل أحدًا أن يناوله لك.
(إِنْ سَقَطَ مِنْكَ حَتَّى تَنْزِلَ إِلَيْهِ، فَتَأْخُذَهُ) أي: بنفسك وهذا مبالغة في النهى عن
السؤال، وحسم لمادته، وإن لم يكن من السؤال المحرم.
(رَوَاهُ أَحْمَدُ) (ج ٥: ص ١٧٢) وفي رواية له (ج ٥: ص ١٨١): إن النبي ◌َّقال:
((سِتََّ أَيَّامٍ ثُمَّ اعْقِلْ يَا أَبَا ذَرِّ مَا أَقُولُ لَكَ بَعْدُ)) فلما كان اليوم السابع، قال: ((أُوصِيكَ
بِتَقْوَى اللَّهِ فِي سِرِّ أَمْرَِكَ وَعَلَانِيَتِهِ، وَإِذَا أَسَأْتَ فَأَحْسِنْ ، وَلَا تَسْأَلَنَّ أَحَدًا شَيْئًا وَإِنْ سَقَطَ
سَوْطُكَ، وَلَا تَقْبِضْ أَمَانَةً))، قال المنذري في ((الترغيب)) والهيثمي في ((مجمع
الزوائد» (ج٣: ص٩٣): رجاله ثقات.
(١٨٧٣) رَوَاهُ أَحْمَد (١٨١/٥).
كِتَابُ الرَّكاةِ
بَابُ الْإِنْفَاقِ وَكَرَاهِيةِ الْإِمْسَاك
٥٦٧
٥ - بَابُ الْإِنْفَاق وَكَرَاهِيةِ الْإِمْسَاك
(بَابُ الْإِنْفَاقِ وَكَرَاهِيةِ الْإِمْسَاكِ) الإنفاق: إخراج المال من اليد، يقال: أنفق
المال أي: صرفه وأنفده، وكل ما فاءه نون وعينه فاء، فهو دال على معنى الذهاب
والخروج نحو نفر ونفس ونفح ونفث ونفي ونفع وأمثالها والإمساك: البخل.
الفصل الأول
١٨٧٤ - [١] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ نَّهِ: ((لَوْ كَانَ لِي
مِثْلُ أُحُدٍ ذَهَبًا، لَسَرَّنِي أَنْ لَا يَمُرَّ عَلَيَّ ثَلَاثُ لَيَالٍ وَعِنْدِي مِنْهُ شَيْءٍ، إِلَّا شَيْءٌ
[رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ] {صحيح}
أُرْصِدُهُ لِدَیْنٍ)).
G O
الشَّرْحُ
١٨٧٤ - قوله: (لَوْ كَانَ لِي مِثْلُ أُحُدٍ) بضمتين جبل معروف بالمدينة. (ذَهَبًا)
تمييز لمثل. وفي رواية مسلم: ((مَا يَسُرُّنِي أَنَّ لِي أُحُدًا ذَهَبًا))، وفي رواية للبخاري:
فلما أبصر أحدًا؛ قال: ((مَا أُحِبُّ أَنَّهُ تَحَوَّلَ لِي ذَهَبًا يَمْكُثُ عِنْدِي مِنْهُ دِينَارٌ فَوْقَ
ثَلَاثٍ)).
قال الحافظ: ويمكن الجمع بين قوله: (مِثْلُ أُحُدٍ)، وبين قوله: (تَحَوَّلَ لِي))
أحد بحمل المثلية على شيء يكون وزنه من الذهب وزن أحد، والتحويل على أنه
إذا انقلب ذهبًا كان قدر وزنه أيضًا. (لَسَرَّنِي) باللام قبل السين جواب (لو)) أي:
أعجبني وجعلني في سرور. (أَنْ لَا يَمُرَّ عَلَيَّ) وفي رواية: ((أَنْ لَا تَمُرَّ بِي))، (ثَلاثُ
لَيَالٍ) قيل: قيد بالثلاث؛ لأنه لا يتهيأ تفريق قدر أحد من الذهب في أقل منها غالبًا،
(١٨٧٤) مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ البُخَارِي (٧٢٢٨) فِي التَّوْحِيدِ، ومُسْلِم (٣١/ ٩٩١) فِي الزَّكَاةِ.
٥٦٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
ويعكر عليه رواية: ((يَوْم وَلَيْلَةٍ))، فالأولى أن يقال: الثلاثة أقصى ما يحتاج إليه في
تفرقة مثل ذلك والواحدَّة أقل ما يمكن. (وَعِنْدِي مِنْهُ شَيْءٌ) قال ابن الملك: الواو
فيه للحال يعني: لسرني عدم مرور ثلاث ليال، والحال أن يكون فيها شيء منه
عندي، والنفي في الحقيقة راجع إلى الحال.
(إِلَّا شَيْءٌ) وفي رواية: ((إِلَّا شَيْئًا)) بالنصب، قال الطيبي: وجه الرفع إن قوله:
(شَيْءٌ) في حيز النفي أي: لسرني أن لا يبقى منه شيء إلا شيء. انتهى. ووجه
النصب أن المستثنى منه مطلق عام، والمستثنى مقيد خاص ووقع تفسير شيء في
رواية: ((بِدِيْنَارٍ)).
(أُرْصِدُهُ) بضم الهمزة وكسر الصاد أي: أعده وأحفظه. (لِدَيْنِ) بفتح الراء أي :
لأداء دين؛ لأن قضاء الدين واجب، فهو مقدم على الصدقةَ المندوبة، وهذا
الإرصاد أعم من أن يكون لصاحب دين غائب حتى يحضر فيأخذه أو لأجل وفاء دين
مؤجل حتى يحل فيوفى. قال القاري: قوله: (لِدَيْنِ) أي: لأداء دين كان علي؛ لأن
أداء الدين مقدم على الصدقة، وكثير من جهلة العوام، وظلمة الطغام يعملون
الخيرات والمبرات، وعليهم حقوق الخلق ولم يلتفتوا إليها، وكثير من المتصوفة
غير العارفة يجتهدون في الرياضات، وتكثير الطاعات والعبادات، وما يقومون بما
يجب عليهم من الديانات. انتهى.
وفي الحديث: الحث على الإنفاق في وجوه الخيرات، وأنه وَّ كان في أعلى
درجات الزهد في الدنيا، بحيث أنه لا يحب أن يبقى في يده شيء من الدنيا إلا
لإنفاقه فيمن يستحقه. وأما لإرصاده لمن له حق، وإما لتعذر من يقبل ذلك منه
لتقييده في رواية بقوله: ((أَجِدُ مَنْ يَقْبَلُهُ)) ويؤخذ منه: جواز تأخير الزكاة الواجبة عن
الإعطاء، إذا لم يوجد من يستحق أخذها، وينبغي لمن وقع له ذلك أن يعزل القدر
الواجب من ماله، ويجتهد في حصول من يأخذه، فإن لم يجد فلا حرج عليه، ولا
ينسب إلى تقصير في حبسه. وفيه: تقديم وفاء الدين على صدقة التطوع، وفيه:
جواز الاستقراض، وفيه: الحث على وفاء الديون، وأداء الأمانات.
(رَوَاهُ البُخَارِيُّ) في الرقاق بهذا اللفظ، وأخرجه أيضًا في الاستقراض وفي
التمني نحوه، وأخرجه أحمد (ج٢: ص٢٥٦ - ٣١٦) ومسلم أيضًا فكان على
المصنف أن يقول: متفق عليه .
كِتَابَ الزَّكاةِ
بَاب الْإِنْفَاقِ وَكَرَاهِيةِ الْإِمْسَاك
٥٦٩
١٨٧٥ - [٢] وَعَنْه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَله: ((مَا مِنْ يَوْم يُصْبِحُ
الْعِبَادُ فِيهِ إِلَّا مَلَكَانِ يَنْزِلَانِ فَيَقُولُ أَحَدُهُمَا: اللَّهُمَّ أَعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًّا، وَيَقُولُ
الْآخَرُ: اللَّهُمَّ أَعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًّا)).
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
الْشِّرْجُ
١٨٧٥ - قوله: (مَا مِنْ يَوْم). (مَا) نافية و(مِنْ) زائدة لتأكيد الاستغراق،
والمعنى: ليس يوم. (يُصْبِحُ الْعِبَادُ فِيهِ) صفة يوم. (إِلَّا مَلَكَانٍ) مبتدأ خبره.
(يَنْزِلَانِ) أي: فيه، وهذه الجملة مع ما يتعلق بها في محل الخبر، وهو مستثنى من
محذوف أي: على وجه إلا هذا الوجه كذا في ((المرقاة)).
وقال القسطلاني: (مَا) بمعنى ليس و(يَوْم) اسمه و(مِنْ) زائدة و(يُصْبِحُ الْعِبَادُ)
صفة (يَوْم) و(مَلَكَانٍ) مستثنى من محذوف وَّهو خبر ((ما)) أي: ليس يوم موصوف
بهذا الوصَّف ينزل فيه أحد إلا ملكان، فحذف المستثنى منه ودل عليه بوصف
الملكين ينزلان. (فَيَقُولُ أَحَدُهُمَا ... ) إلخ.
قال السندي: لا فائدة في هذا القول على تقدير عدم سماع الناس ذلك؛ إذ لا
يحصل به ترغيب، ولا ترهيب بدون السماع، لأنا نقول: تبليغ الصادق يقوم مقام
السماع، فينبغي للعاقل أن يلاحظ كل يوم هذا الدعاء، بحيث كأنه يسمعه من
الملكين، فيفعل بسبب ذلك ما لو سمع من الملكين لفعل. وهذا هو فائدة إخبار
النبي ◌َّله بذلك على أن المقصود بالذات الدعاء لهذا، وعلى هذا سواء علموا به أم
لا ، والله تعالى أعلم.
(اللَّهُمَّ أَعْطِ) بقطع همزة أعط. (مُنْفِقًا) أي: منفق مال. وقيل: أي: من ينفق من
محله في محله. (خَلَفًا) بفتح اللام أي: عوضًا عظيمًا وهو العوض الصالح
أو عوضًا في الدنيا، وبدلًا في العقبى لقوله تعالى: ﴿وَمَآ أَنْفَقْتُم مِّن شَىْءٍ فَهُوَ
يُخْلِفُهُ﴾ [سبأ: ٣٩]، وقوله: ((ابْنَ آدَمَ أَنْفِقْ أَنْفِقْ عَلَيْك))، قيل: أبهم الخلف لتتناول
(١٨٧٥) مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ: الْبُخَارِي (١٤٤٢)، ومُسْلِم (١٠١٠/٥٧) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَوَّةٍ .
٥٧٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
المال والثواب وغيرهما، فكم من منفق مات قبل أن يقع له الخلف المالي، فيكون
خلفه الثواب المعد له في الآخرة، أو يدفع عنه من السوء ما يقابل ذلك.
(وَيَقُولُ) الملك. (الْآخَرُ: اللَّهُمَّ أَعْطِ مُمْسِكًا) أي: من يمسك عن خيره لغيره.
(تَلَفًّا) بفتح اللام أي: هلاكًا وضياعًا. زاد ابن أبي حاتم من حديث أبي الدرداء:
فأنزل الله تعالى في ذلك: ﴿فَأَمَا مَنْ أَعْطَى وَأَنَّقَى (@) إلى قوله: ﴿فَسَنُيَسِرُ لِلْعُسْرَى﴾
[الليل:٥ - ١٠] وقوله: (اللَّهُمَّ أَعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًّا) هو من قبيل المشاكلة؛ لأن التلف لیس
بعطية. قال الحافظ: تضمنت الآية الوعيد بالتيسير لمن ينفق في وجوه البر،
والوعيد بالتعسير لعكسه والتيسير المذكور أعم من أن يكون لأحوال الدنيا وأحوال
الآخرة، وكذا دعاء الملك بالخلف يحتمل الأمرين، وأما الدعاء بالتلف، فيحتمل
تلف ذلك المال بعينه، أو تلف نفس صاحب المال، أو المراد به: فوات أعمال البر
بالتشاغل بغيرها .
قال النووي: الإنفاق الممدوح ما كان في الطاعات، وعلى العيال والضيفان
والصدقات ونحو ذلك بحيث لا يذم، ولا يسمى سرفًا، والإمساك المذموم
الإمساك عن هذا. وقال القرطبي: هو يعم الواجبات والمندوبات لكن الممسك
عند المندوبات لا يستحق هذا الدعاء إلا أن يغلب عليه البخل المذموم، بحيث لا
تطيب نفسه بإخراج الحق الذي عليه ولو أخرجه.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وأخرجه ابن حبان والطبراني بنحوه كما في ((الترغيب)). وفي الباب
عن أبي الدرداء عند أحمد وابن حبان والحاكم والبيهقي.
كِتَابُ الرَّكاةِ
بَابُ الْإِنْفَاقِ وَكَرَاهِيةِ الْإِمْساك
٥٧١
١٨٧٦ - [٣] وَعَنْ أَسْمَاءَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ : ((أَنْفِقِي وَلَا
تُحْصِي؛ فَيُحْصِيَ اللَّهُ عَلَيْكَ، وَلَا تُوعِي؛ فَيُوعِيَ اللَّهُ عَلَيْكِ، ارْضَخِي مَا
[مُتَّفَقٌ عَلَیْهِ]
اسْتَطَعْتِ)).
الشَّرْحُ
١٨٧٦- قوله: (وَعَنْ أَسْمَاءَ) بنت الصديق الأكبر. (قَالَتْ: قَالَ) لي.
(رَسُولُ اللّهِ وَّةِ: ((أَنْفِقِي))) بهمزة قطع وكسر فاء. (وَلَا تُحْصِي) بضم أوله وكسر
الصاد صيغة نهى المؤنث من الإحصاء، أي: لا تعدي ما أنفقته فتستكثريه.
(فَيُحْصِيَ اللهُ عَلَيْكَ) بنصب ((فيحصِيَ)) مع كسر صاده جواب النهى أي: حتى
يعطيك الله أيضًا بحساب، ولا يرزقك من غير حساب. والمراد: التعليل، وقيل:
معناه: ولا تبقى شيئًا للادخار، فإن من أبقى شيئًا، أحصاه.
وقوله: (فَيُحِصيَ اللهُ عَلَيْكَ) أي: فيقل الرزق عليك بقطع البركة، ومنع
الزيادة، ويجعله كالشيء المعدود، أو فيحاسبك عليه في الآخرة. قال الطيبي:
أصل الْإِحْصَاءِ: الإحاطة بالشيء حصرًا وتعداد أي: معرفة قدره وزنًا أو عددًا،
والمراد به هاهنا: عد الشيء للتبقية والقنية، وإدخاره للاعتداد به، وترك الإنفاق
منه في سبيل الله، وإحصاء اللّه تعالى يحتمل وجهين: أحدهما: أنه يحبس عنك
مادة الرزق ويقلله بقطع البركة حتى يصير كالشيء المعدود، والآخر: أنه يحاسبك
ويناقشك عليه في الآخرة. وقال النووي: هذا من مقابلة اللفظ باللفظ للتجنيس،
كما قال تعالى: ﴿وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٥٤] ومعناه: يمنعك كما منعت
ويقتر عليك كما قترت، ويمسك فضله عنك كما أمسكته.
(وَلَا تُوعِي) بعين مهملة من أوعيت المتاع في الوعاء أوعيه؛ إذا جعلته فيه
ووعيت الشيء؛ حفظته، والمراد: لازم الإِيعاء وهو الإمساك. (فَيُوعِيَ اللَّهُ عَلَيْكِ)
بضم التحتية وكسر العين والنصب؛ لكونه جوابًا للنهى مقرونًا بالفاء، وإسناده
(١٨٧٦) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: الْبُخَارِي (١٤٣٤)، ومُسْلِم (١٠٢٩/٨٨) عَنْ أَسْمَاءِ فِي الزَّكَاةِ (٧٣/٥).
٥٧٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
إلى اللّه مجاز عن الإمساك أي: لا تجمعي في الوعاء وتبخلي بالنفقة فتجازي بمثل
ذلك. وقال الخطابي: لا توعي أي: لا تخبئي الشيء في الوعاء أي: لأن مادة
الرزق متصلة باتصال النفقة منقطعة بانقطاعها، فلا تمنعي فضلها؛ فتحرمي
مادتها .
وفي رواية: ((لَا تُوكِي فَيُوكِيَ اللهُ عَلَيْك)) بالکاف بدل العين فيهما، والإیکاء:
شد رأس الوعاء بالوكاء، وهو الرباط الذي يربط به، يقال: أوكى ما في سقائه، إذا
شده بالوكاء، وهو الخيط الذي يشد به رأس القربة، وأوكى علينا أي: بخل أي: لا
توكي مالك عن الصدقة خشية نفاده ولا تمنعي ما في يدك، وتدخري فتنقطع مادة
الرزق عنك. وفيه: أن السخاء يفتح أبواب الرزق والبخل بخلافه. قال النووي:
معنى الحديث: الحث على النفقة في الطاعة والنهى عن الإمساك والبخل.
(ارْضَخِي) من باب فتح، والرضخ براء وضاد معجمة وخاء كذلك: العطية
القليلة أي: أعطى وأنفقي من غير إجحاف. وقيل أي: أعطي شيئًا، وإن كان
يسيرًا، يقال: رضخه أعطاه عطاء غير كثير أو قليلًا من كثير. (مَا اسْتَطَعْتِ) أي: ما
دمت مستطيعة قادرة على الرضخ فـ((ما)) ظرفية أي: مدة استطاعتك، أو موصولة
أي: الذي استطعته، أو نكرة موصوفة أي: شيئًا استطعته. قال النووي: معناه:
مما يرضى به الزبير، وتقديره: إن لك في الرضخ مراتب مباحة بعضها فوق بعض
وكلها يرضاها الزبير، فافعلي أعلاها، أو يكون معناه: ما استطعت مما هو ملك
لك.
وقال ابن الملك: وإنما أمرها وَله بالرضخ لما عرف من حالها، إنها لا تقدر
تتصرف في مالها، ولا في مال زوجها بغير إذنه إلا في الشيء اليسير الذي جرت
العادة فيها بالتسامح من قبل الأزواج كالكسرة والتمرة والطعام، الذي يفضل في
البيت، ولا يصلح للادخار لتسارع الفساد إليه، أو فيما سبق إليها من نفقتها
وحصتها؛ ولهذا كانت تستفتيه فيما أدخل عليها الزبير، وفي (صحيح مسلم)): إن
أسماء جاءت النبي وّ فقالت: يا نبي الله! ليس لي شيء إلا ما أدخل عليَّ الزبير
فهل علي جناح أن أرضخ مما يدخل علي؟ فقال: ((ارْضَخِي مَا اسْتَطَعْتِ، وَلَا تُوعِي
فَيُوعِيَ اللهُ عَلَيْكَ))، قال النووي: هذا محمول على ما أعطاها الزبير لنفسها بسبب
نفقة وغيرها، أو مما هو ملك الزبير ولا يكره الصدقة منه، بل يرضى بها على عادة
كِتَابَ الزّكاةِ
بَابَ الْإِنْفَاقِ وَكَرَاهِيةِ الْإِمْسَاك
٥٧٢
غالب الناس .
(مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ) أخرجه البخاري في الزكاة والهبة، ومسلم في الزكاة واللفظ
للبخاري، وأخرجه أيضًا أحمد والترمذي وأبو داود والنسائي والبيهقي.
١٨٧٧ - [٤] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَهِ: ((قَالَ اللَّهُ
تَعَالَى: أَنْفِقْ يَا بْنَ آدَمَ؛ أُنْفِقْ عَلَيْكَ)).
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
G O
الشَرْحُ
١٨٧٧ - قوله: (أَنْفِقْ) بفتح الهمزة وكسر الفاء مجزوم على الأمر أي: على
عباد الله، وفي ترك تقييد النفقة بشيء معين ما يرشد إلى أن الحث على الإنفاق
يشمل جميع أنواع الخير. (أَنْفِقْ عَلَيْك) بضم الهمزة وكسر الفاء مجزوم جوابًا
بصيغة المضارع أي: أعطك خلفه بل أكثر منه أضعافًا مضاعفة، وهو معنى قوله
تعالى: ﴿وَمَآ أَنْفَقْتُم مِّن شَىْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ [سبأ:٣٩]، فيتضمن الحث على الإنفاق
يعني: في وجوه الخير والتبشير بالخلف من فضل الله تعالى.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) هذا طرف من حديث طويل أخرجه البخاري في تفسير سورة هود،
ومسلم في الزكاة وأخرجه البخاري أيضًا مقتصرًا على هذا القدر، في باب:
﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوْ كَلَمَ اللَّهِ﴾ [الفتح: ١٥] من كتاب التوحيد، وهو من الأحاديث
القدسية وقد أخرجه أحمد (ج٢: ص٣١٤) والبيهقي أيضًا.
(١٨٧٧) مُتََّقٌ عَلَيْهِ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ البُخَارِي (٥٣٥٢) فِي الرِّفَاقِ، ومُسْلِم (٣٦/ ٩٩٣) فِي الزَّكَاةِ.
٥٧٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
١٨٧٨ - [٥] وَعَنْ أَبِى أُمَامَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَِّ: ((يَا بْنَ آدَمَ!
أَنْ تَبْذُلَ الْفَضْلَ خَيْرٌ لَكَ، وَأَنْ تُمْسِكَهُ شَرٌّ لَكَ، وَلَا تُلَامُ عَلَى كَفَافٍ، وَابْدَأْ
بِمَنْ تَعُولُ)).
[رَوَاهُ مُسْلِمٌ] {صحيح}
الْشِّرْحُ
١٨٧٨ - قوله: (يَا بْنَ آدَمَ! إِنْ تَبْذُلَ) بضم الذال المعجمة. وفي مسلم: ((يَا
ابْنَ آدَمَ ! إِنَّكَ إِنْ تَبْذُلَ)). (الْفَضْلَ) هو ما زاد على قدر الحاجة. (وَإِنْ) مصدرية مع
مدخولها مبتدأ خبره. (خَيْرٌ لَكَ) أي: بذل الزيادة على قدر الحاجة خير لك في
الدنيا والآخرة.
(وَأَنْ تُمْسِكَهُ) أي: إمساك ذلك الفضل ومنعه. (شَرِّ لَكَ) أي: عند اللَّه وعند
الناس. قال النووي: قوله: ((أَنَّكَ إِنْ تَبْذُلَ الْفَضْلَ ... )) إلخ. هو بفتح همزة أن
ومعناه: إن بذلك الفاضل عن حاجتك، وحاجة عيالك، فهو خير لك لبقاء ثوابه،
وإن أمسكته، فهو شرلك؛ لأنه إن أمسك عن الواجب؛ استحق العقاب عليه، وإن
أمسك عن المندوب؛ فقد نقص ثوابه، وفوت مصلحة نفسه في آخرته، وهذا كله
شر.
(وَلَا تُلَامُ عَلَى كَفَافٍ) بفتح الكاف وهو من الرزق القوت وهو ما كف عن الناس
وأغنى عنهم. وقيل: الكفاف. ما كف عن الحاجة إلى الناس مع القناعة، لا يزيد
على قدر الحاجة أي: لا تذم على إمساك كفاف، وحفظه يعني: إن حفظت من
مالك قدر حاجتك؛ لا لوم عليك، وإن حفظت ما فضل على قدر حاجتك؛ فأنت
بخيل، والبخيل ملوم.
قال النووي: معنى قوله: ((لَا تُلَامُ عَلَى كَفَافٍ)) إن قدر الحاجة لا لوم على صاحبه
في حفظه وإمساكه، وهذا إذا لم يتوجه في الكفاف حق شرعي کمن كان له نصاب
زكوي، ووجبت الزكاة بشروطها، وهو محتاج إلى ذلك النصاب لكفافه؛ وجب
(١٨٧٨) مُسْلِمٍ (٩٧/ ١٠٣٦) عَنْ أَبِي أُمَامَةَ فِيهَا.
كِتَابَ الزّكاةِ
بَابُ الْإِنْفَاقِ وَكَرَاهِيةِ الْإِمْسَاك
٥٧٥
عليه إخراج الزكاة ويحصل كفايته من جهة مباحة. (وَابْدَأ) أي: ابتدئ في إعطاء
الزائد على الكفاف.
(بِمَنْ تَعُولُ) أي: بمن تمونه ويلزمك نفقته. يقال: عال الرجل عياله يعولهم؛
إذا قام بما يحتاجون إليه من قوت كسوة أي: ابدأ في إنفاق الفضل - أي: ما يزيد
على ما يحصل منه الكفاف - بعيالك ووسع عليهم أولًا: زيادة على نفقتهم
الواجبة، والمقصود: إن العيال والقرابة أحق من غيرهم. وفيه: الإبتداء بالأهم
فالأهم. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) في الزكاة وأخرجه أيضًا أحمد والترمذي في الزهد والبيهقي
(ج ٤ : ص ١٨٢).
١٨٧٩ - [٦] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَالَ: «مَثَلُ الْبَخِيل
وَالْمُتَصَدِّقِ كَمَثَلِ رَجُلَيْنِ عَلَيْهِمَا جُنَتَانِ مِنْ حَدِيدٍ، قَدِ اضْطَرَّتْ أَيْدِيِهُمَا إِلَى
ثُدِيِّهِمَا وَتَرَاقِيهِمَا، فَجَعَلَّ الْمُتَصَدِّقُ كُلَّمَا تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ؛ انْبَسَطَتْ عَنْهُ،
وَجَعَلَ الْبَخِيلُ كُلَّمَا هَمَّ بِصَدَقَةٍ؛ قَلَصَتْ، وَأَخَذَتْ كُلُّ حَلْقَةٍ بِمَكَانِهَا)).
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
الشَّرْحُ
١٨٧٩- قوله: (مَثَلُ الْبَخِيلِ وَالْمُتَصَدِّقِ) وفي رواية: ((الْمُنْفِقِ)) أي:
صفتهما. (جُنَتَانِ) بضم الجيم وتشديد النون تثنية جنة وهو كل ما وقى الإنسان
وأَجنه وأحصنه، والمراد به هنا: الدرع. وقيل: الجنة في الأصل: الحصن،
وسميت بها الدرع؛ لأنها تجن صاحبها أي: تحصنه.
وقوله: (جُنَّتَانِ) هكذا وقع في جميع النسخ الحاضرة بالنون، وكذا في
((المصابيح))، وكذا في ((جامع الأصول))، وكذا نقله المنذري في ((الترغيب))،
وهكذا في ((صحيح مسلم))، وهي رواية إبراهيم بن نافع، عن الحسن بن مسلم،
عن طاوس، عن أبي هريرة. ووقع عند البخاري في هذه الرواية: ((جُبَّتَانٍ)) بالباء
(١٨٧٩) مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ: الْبُخَارِي (١٤٤٣)، ومُسْلِم (١٠٢١/٧٥) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِيهَا .
٥٧٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
المؤحدة تثنية جبة، وهو اللباس المعروف. ويظهر من كلام الحافظ في الزكاة،
أن المحفوظ في هذه الرواية بالموحدة، ومن رواه فيها بالنون؛ فقد صحف.
ورجحت رواية النون لقوله: (مِنْ حَدِيدٍ) ولقوله: (قَلَصَتْ وَأَخَذَتْ كُلُّ حَلْقَةٍ
بِمَكَانِهَا)، قال الحافظ: ولا مانع من إطلاق الجبة بالباء على الدرع.
وقال السندي: إطلاق الجبة بالباء على الجنة بالنون مجازًا غير بعيد، فينبغي أن
يكون الجنة بالنون هو المراد في الروايتين. (قَدِ اضْطَرَّتْ أَيْدِيَهُمَا) قال القسطلاني :
بفتح الطاء ونصب التحتية الثانية من ((أيديهما)) عند أبي ذر على المفعولية ولغيره
بضم الطاء وسكون التحتية مرفوع نائب عن الفاعل. وقال القاري: بضم الطاء أي :
شدت وضمت وألصقت، وفي نسخة بفتح الطاء ونصب (أَيْدِيَهُمَا) على أن ضمير
الفعل إلى جنس الجُنة المفهوم من التثنية.
(إِلَى ثُدِيِّهِمَا) بضم المثلثة وكسر الدال المهملة وتشديد المثناة التحتية جمع
تدى بفتح فسكون. (وَتَرَاقِيهِمَا) بفتح مثناة فوق وكسر قاف جمع ترقوة بفتح التاء
المثناة وسكون الراء وضم القاف وفتح الواو، وهما العظمان المشرفان في أعلى
الصدر من رأس المنكبين إلى طرف ثغرة النحر. (فَجَعَلَ) أي: طفق. (الْمُتَصَدِّقُ
كُلَّمَا تَصَدَّقَ) أي: هم يتصدق بصدقة.
(انْبَسَطَتْ) أي: انتشرت الجنة واتسعت وسبغت. (عَنْهُ) أي: عن المتصدق زاد
في رواية: ((حَتَّى تَغْشَى أَنَامِلَهُ)) - بفتح الشين المعجمة أي: تسترها - ((وَتَعْفُوَ أَثَرَهُ))،
بنصب الراء أي: تستر أثره، ويقال: عفا الشيء وعفوته أنا، لازم ومتعد، ويقال:
عفت الدار؛ إذا غطاها التراب، والمعنى: أن الصدقة تستر خطاياه كما يغطي
الثوب، الذي يجر على الأرض أثر صاحبه، إذا مشى بمرور الذيل عليه. (هَمَّ
بِصَدَقَةٍ) أي: قصد إليها. (قَلَصَتْ) بالقاف واللام المخففة والصاد المهملة
المفتوحات أي: انضمت وانجمعت، وانقبضت جنته عليه. (وَأَخَذَتْ كُلُّ حَلْقَةٍ)
بسكون اللام من الجنة. (بِمَكَانِهَا) يعني: اشتدت والتصقت الحلق بعضها ببعض،
والباء زائدة.
قال التوربشتي: معنى الحديث أن الجواد الموفق إذا همَّ بالصدقة؛ اتسع لذلك
صدره وطاوعته نفسه؛ انبسطت بالبذل والعطاء يداه، كالذي لبس درعًا،
٥٧٧
بابَ الْإِنْفَاقِ وَكَرَاهِيةِ الْإِمْساك
كِتَابُ الزَّكَاةِ
<<<<<*********<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<< <<<<<<<<<<<<
فاسترسلت عليه، وأخرج منها يديه فانبسطت، حتى خلصت إلى ظهور قدميه
فأجنته وحصنته، وإن البخيل إذا أراد الإنفاق؛ حرج به صدره، واشمأزت عنه
نفسه، وانقبضت عنه يداه، کالذي أراد أن یستجن بالدرع وقد غلت يداه إلى عنقه،
فحال ما ابتلي به بينه وبين ما يبتغيه؛ فلا يزيده لبسها إلا ثقلًا ووبالا والتزامًا في
العنق والتواء وأخذًا بالترقوة. انتهى.
وقال الحافظ في ((الفتح)): قال الخطابي وغيره: وهذا مثل ضرب النبي وَال
للبخيل والمتصدق فشبهما برجلين أراد كل واحد منهما، أن يلبس درعًا يستتر به من
سلاح عدوه، فصبها على رأسه ليلبسها، والدروع أول ما تقع على الصدر والثديين
إلى أن يدخل الإنسان يديه في كميها، فجعل المنفق كمن لبس درعًا سابغة،
فاسترسلت عليه حتى سترت جميع بدنه، وهو معنى قوله: ((حَتَّى تَعْفُوَ أَثَرَهُ)) أي:
تستر جميع بدنه. وجعل البخيل كمثل رجل غلت يداه إلى عنقه، كلما أراد لبسها؛
اجتمعت في عنقه، فلزمت ترقوته، وهو معنى قوله: (قَلَصَتْ) أي: تضامت
واجتمعت. والمراد: إن الجواد إذا هم بالصدقة؛ انفسحُ لها صدره وطابت نفسه،
فتوسعت في الإنفاق أي: وطاوعت يداه بالإنفاق فامتدتا بالعطاء، والبخيل إذا
حدث نفسه بالصدقة؛ شحت نفسه، فضاق صدره وانقبضت يداه: ﴿وَمَن يُوقَ شُحَّ
نَفْسِهِ، فَأُوْلَكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: ٩]. انتهى.
وقال الطيبي: أوقع المتصدق مقابل البخيل، والمقابل الحقيقي السخي؛ إيذانًا
بأن السخاء ما أمر به الشرع وندب إليه من الإنفاق لا ما يتعافاه المبذرون، وخص
المشبه بهما بلبس الجبتين من الحديد؛ إعلامًا بأن الشح والقبض من جبلة الإنسان
وخلقته، وإن السخاء من عطاء الله، وتوفيقه يمنحه من يشاء من عباده المفلحين.
وخص اليد بالذكر ؛ لأن السخي والبخيل يوصفان ببسط اليد وقبضها، فإذا أريد
المبالغة في البخل قيل: مغلولة يده إلى عنقه وثديه وتراقيه. وإنما عدل عن الغل
إلى الدرع؛ لتصور معنى الانبساط والتقلص والأسلوب من التشبيه المفرق شبه
السخي الموفق، إذا قصد التصدق يسهل عليه، ويطاوعه قلبه بمن عليه الدرع،
ويده تحت الدرع. فإذا أراد أن يخرجها منها وينزعها؛ يسهل عليه والبخيل على
عكسه. انتھی.
٥٧٨
مِزْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
وقال المنذري: شبه نعم الله تعالى ورزقه بالجنة، وفي رواية: بالجبة، فالمنفق
كلما أنفق؛ اتسعت عليه النعم وسبغت ووفرت، حتى تستره سترًا كاملًا شاملًا.
والبخيل كلما أراد أن ينفق منعه الشح والحرص وخوف النقص، فهو بمنعه يطلب
أن يزيد ما عنده، وإن تتسع عليه النعم فلا تتسع ولا تستر منه ما يروم ستره، والله
سبحانه أعلم. انتهى.
وزاد في رواية بعد قوله: (كُلَّ حَلْقَةٍ بِمَكَانِهَا) قال - أي - أبو هريرة: فأنا رأيت
رسول اللَّه ◌َل يقول بأصبعه في جيبه، فلو رأيته يوسعها ولا تتوسع. قال النووي:
وفي هذا: دليل على لباس القميص، وكذا ترجم عليه البخاري باب جيب القميص
من عند الصدر؛ لأنه المفهوم من لباس النبي ◌َّ في هذه القصة مع أحاديث أخرى
صحيحة وردت في ذلك. قال الحافظ نقلًا عن ابن بطال: وموضع الدلالة منه: إن
البخيل إذا أراد إخراج يده أمسكت في الموضع الذي ضاق عليها وهو الثدي
والتراقى وذلك في الصدر، قال: فبان أن جيبه كان في صدره؛ لأنه لو كان في يده
لم تضطر یداه إلى ثدييه وتراقيه.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) أخرجه البخاري بهذا اللفظ في باب: جيب القميص من عند الصدر
وغيره من كتاب اللباس، ومسلم في الزكاة وأخرجه البخاري أيضًا في الزكاة وفي
الجهاد وفي الطلاق، وأحمد في مواضع منها في (ج ٢: ص٢٤٥ - ٢٤٦) والنسائي
والبيهقي في الزكاة.
١٨٨٠ - [٧] وَعَنْ جَابِرِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَثَ: ((اتَّقُوا الظُّلْمَ؛
فَإِنَّ الظَّلْمَ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَاتَّقُوا الِشُّحَّ فَإِنَّ الشُّحَّ أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ،
حَمَلَهُمْ عَلَى أَنْ سَفَكُوا دِمَاءَهُمْ وَاسْتَحَلّوا مَحَارِمَهُمْ)). [رَوَاهُ مُسْلِمْ] {صحيح}
W O
الْشِّرْحُ
١٨٨٠ - قوله: (اتَّقُوا الظَّلْمَ) الذي هو مجاوزة الحد والتعدي على الخلق.
(فَإِنَّ الظَّلْمَ) في الدنيا. (ظُلُمَاتٌ) على صاحبه. (يَوْمَ الْقِيَامَةِ) فلا يهتدي بسببها يوم
(١٨٨٠) مُسْلِم (٢٥٧٨/٥٦) عَنْ جَابِرٍ .
كِتّاب الرَّكاةِ
بَاب الْإِنْفَاقِ وَكَرَاهِيةِ الْإِمْساك
٥٧٩
يسعى نور المؤمنين بين أيديهم وبأيمانهم، فالظلمة حسية محمولة على ظاهرها.
وقيل: معنوية، يعني: إن المراد بالظلمات: الشدائد، وبه فسروا قوله تعالى:
﴿قُلْ مَن يُنَجِّيَكُم مِّن ظُلُمَتِ الْبَرِّ وَاَلْبَحْرِ﴾ [الأنعام: ٦٣] أي: شدائدهما، ويحتمل أنها عبارة
عن الأنكال والعقوبات.
(وَاتَّقُوا الشُّحَّ) مثلث الشين قيل: الشح أشد البخل وأبلغ في المنع من البخل.
وقيل: هو البخل مع الحرص؛ لكنز المال وإدخاره. الشح بخل الرجل بما في يد
غيره كأن رأى إنسانًا يتصدق، فقال له: لا تفعل ذلك، فإنه يذهب مالك فتصير
فقيرًا، احرص على حفظ مالك ينفعك، والبخل: هو المنع من مال نفسه. وقيل:
البخل يكون في المال والشح يكون فيه وفي غيره من معروف أو طاعة. وقيل:
الشح: الحرص على ما ليس عنده، والبخل بما عنده.
(فَإِنَّ الشُّحَّ أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ) من الأمم فداؤه قديم وبلاؤه عظيم. قال
القاضي: يحتمل أن هذا الهلاك، هو الهلاك الذي أخبر عنهم به في الدنيا بأنهم
سفكوا دماءهم، ويحتمل أنه هلاك الآخرة، وهذا الثاني أظهر، ويحتمل أنه
أهلكهم في الدنيا والآخرة. (حَمَلَهُمْ عَلَى أَنْ سَفَكُوا دِمَاءَهُمْ) أي: أسألوها بقتل
بعضهم بعضًا؛ حرصًا على استئثار المال.
(وَاسْتَحَلُّوا مَحَارِمَهُمْ) أي: ما حرم الله من أموالهم وغيرها. وقال الطيبي: إنما
كان الشح سببًا لذلك؛ لأن في بذل المال ومؤاساة الإخوان التحاب والتواصل،
وفي الإمساك والشح التهاجر والتقاطع، وذلك يؤدي إلى التشاجر والتعادي من
سفك الدماء، واستباحة المحارم من الفروج والأعراض والأموال وغيرها.
انتهى. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) في البر والصلة وأخرجه أيضًا أحمد والبخاري في ((الأدب
المفرد)).