Indexed OCR Text

Pages 541-560

٥٤٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
فَتَمَوَّلْهُ)) فدل ذلك: على أنه ليس من الصدقات. (فَأَقُولُ: أَعْطِهِ) بقطع الهمزة
والضمير للعطاء أو للسكت. (أَفْقَرَ) أي: أحوج.
(إِلَيْهِ مِنِّي) قال الكرماني: جاز الفصل بين أفعل التفضيل وبين كلمة (مِنْ)؛ لأن
الفاصل ليس أجنبيًا بل هو ألصق به من الصلة؛ لأنه محتاج إليه بحسب جوهر
اللفظ، والصلة محتاج إليه بحسب الصيغة. (خُذْهُ) أي: بالشرط المذكور بعد.
(فَتَمَوَّلْهُ) بتشديد الواو أي: أقبله وأدخله في ملكك ومالك أي: اجعله مالًا لك
يعني: إن كنت محتاجًا. (وَتَصَدَّقْ بِهِ) أي: على أفقر منك إن كان فاضلًا عنك عما
لا بد لك منه قاله القاري. وفي رواية لمسلم: ((أَوْ تَصَدَّقْ بِهِ)» بلفظ ((أَوْ)» بدل الواو.
وقال السندي: أي: إذا أخذت فإن شئت أبقه عندك مالًا، وإن شئت تصدق به،
انتهى. وهو أمر إرشاد على الصحيح. قال ابن بطال: أشار ◌َّر على عمر
بالأفضل؛ لأنه وإن كان مأجورًا بإيثاره لعطائه عن نفسه من هو أفقر إليه منه، فإن
أخذه للعطاء ومباشرته للصدقة بنفسه أعظم لأجره، وهذا يدل على عظيم فضل
الصدقة بعد التمول لما في النفوس من الشح على المال.
(فَمَا جَاءَكَ مِنْ هَذَا الْمَالِ) إشارة إلى جنس المال أو المال الذي أعطاه، وفي
رواية: ((إِذَا جَاءََكَ مِنْ هَذَا الْمَالِ شَيْءٌ))، (وَأَنْتَ غَيْرُ مُشْرِفٍ) بضم الميم وسكون
المعجمة وبعدها راء مكسورة ففاء من الإشراف، وهو التعرض للشيء، والحرص
عليه والتطلع إليه، من قولهم: أشرف على كذا إذا تطاول له. وقيل: للمكان
المرتفع شرف لذلك أي: والحال إنك غير طامع ولا ناظر له.
قال أبو داود: سألت أحمد عن إشراف النفس فقال: بالقلب. وقال يعقوب بن
محمد: سألت أحمد عنه فقال: هو أن يقول مع نفسه يبعث إلي فلان بكذا. وقال
الأثرم: يضيق عليه أن يرده إذا كان كذلك. (وَلَا سَائِل) أي: ولا طالب له. (فَخُذْهُ)
ولا ترده. وأطلق الأخذ أولًا وعلقه ثانيًا بالشرط، فَحمل المطلق على المقيد وهو
مقيد أيضًا بكونه حلالاً، فلو شك فيه فالاحتياط الرد وهو الورع، نعم يجوز أخذه
عملًا بالأصل. (وَمَا لَا) يكون على هذه الصفة بأن لم يجئ إليك ومالت نفسك
إليه .

٥٤١
كِتَاب الرَّڪاةِ
بَابَ مَنْ لَا تَحِلّ لَهُ الْمُسْأَلَةٌ وَمَنْ تَحِلَّ لهُ
(فَلَا تُتْبِعْهُ نَفْسَكَ) في الطلب واتركه، وقوله: (لَا تُتْبِعْهُ) بضم الفوقية الأولى
وسكون الثانية وكسر الموحدة وسكون العين من الإتباع مخففًا، أي: فلا تجعل
نفسك تابعة له ناظرة إليه لأجل أن يحصل عندك، أشار إلى أن المدار على عدم
تعلق النفس بالمال، لا على عدم أخذه ورده على المعطي قاله السندي. واختلف
العلماء فيمن جاءه مال هل يجب قبوله، أم يندب؟ على ثلاثة مذاهب حكاها
الطبري بعد إجماعهم على أن قوله: ((خُذْهُ)) أمر ندب.
قال النووي: الصحيح المشهور الذي عليه الجمهور: أنه مستحب في غير عطية
السلطان، وأما عطية السلطان يعني: الجائر فحرمها قوم، وأباحها آخرون،
وكرهها قوم. والصحيح: أنه إن غلب الحرام فيما في يد السلطان حرمت، وكذا
إن أعطى من لا يستحق، وإن لم يغلب الحرام فمباح، إن لم يكن في القابض مانع
يمنعه من استحقاق الأخذ. وقالت طائفة: الأخذ واجب من السلطان وغيره.
وقال آخرون: هو مندوب في عطية السلطان دون غيره، ويرد هذا حديث خالد
ابن عدي عند أحمد وغيره مرفوعًا بلفظ: ((مَنْ بَلَغَهُ مَعْرُوفٌ عَنْ أَخِيهِ عَنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ
وَلَا إِشْرَافِ نَفْسٍ فَلْيَقْبَلْهُ، وَلَا يَرْدُّهُ ... )) الحديث. وقد بسط الكلام في ذلك العيني
(ج٩: ص ٥٥ - ٥٦) فليرجع إليه، وفي حديث الباب: أن للإمام أن يعطي بعض
رعيته إذا رأى لذلك وجهًا، وإن كان غيره أحوج إليه منه، وأن رد عطية الإمام ليس
من الأدب، ولا سيَّما من الرسول وَلّه لقوله تعالى: ﴿وَمَآ ءَانَنَكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾
[الحشر:٧] وفيه: منقبة لعمر، وبيان فضله وزهده وإيثاره.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) أخرجه البخاري في الزكاة وفي الأحكام، ومسلم في الزكاة واللفظ
للبخاري في الأحكام وأخرجه النسائي والبيهقي أيضًا.

٥٤٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الفصل الثاني
١٨٦١ - [١٠] عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ◌ِ:
((الْمَسَائِلُ كُدُوحٌ يَكْدَحُ بِهَا الرَّجُلُ وَجْهَهُ، فَمِّنْ شَاءَ أَبْقَى عَلَى وَجْهِهِ، وَمَنْ
شَاءَ تَرَكَهُ، إِلَّا أَنْ يَسْأَلَ الرَّجُلُ ذَا سُلْطَانٍ أَوْ فِي أَمْرٍ لَا يَجِدُ مِنْهُ بُدًّا)).
[رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ والتِّْمِذِيُّ والنَّسَائِيُّ]
W O
الْشَّرْجُ
١٨٦١- قوله: (الْمَسَائِلُ) جمع المسألة وجمعت لاختلاف أنواعها،
والمراد هنا: سؤال الرجل أموال الناس. (كُدُوحٌ) بضم الكاف جمع كدح، أي:
خدوش وجروح، يعني: آثار القشر. (يَكْدَحُ) بفتح الدال أي: يجرح ويخدش.
(بِهَا) أي: بالمسائل. (وَجْهَهُ) يوم القيامة. قيل: هي كناية عن الذلة والهون، وهذا
لفظ أبي داود والنسائي، ولفظ الترمذي والنسائي في رواية: ((الْمَسْأَلَةَ كَدٌّ يَكُدُّ بِهَا
الرَّجُلُ وَجْهَهُ)) قال الجزري: الكد: الإتعاب، يقال: كد يكد في عمله، إذا
استعجل وتعب. وأراد بالوجه: ماءه ورونقه، انتهى.
وقال السيوطي في ((قوت المغتذي)): كد بفتح الكاف وتشديد الدال المهملة،
وفي رواية أبي داود: ((كُدُوح)) بضم الكاف والدال وحاء مهملة. وقد ذكر اللفظين
معًا أبو موسى المديني في ذيله على الغريبين، وفسر الكدوح: بالخدوش في
الوجه، والكد بالتعب والنصب. قال العراقي: ويجوز أن يكون الكدح بمعنى الكد
من قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ كَادِحٌ﴾ [الانشقاق: ٦] وهو السعي والحرص، انتهى ما في ((قوت
المغتذي)). (فَمَنْ شَاءَ أَبْقَى) أي: الكدح. (عَلَى وَجْهِهِ) أي: بالسؤال.
(وَمَنْ شَاءَ تَرَكَهُ) أي: الكدح بترك السؤال. وقال القاري: ((فَمَنْ شَاءَ)) أي:
الإبقاء. (أَبْقَى عَلَى وَجْهِهِ)) أي: ماء وجهه من الحياء بترك السؤال والتعفف. (وَمَنْ
(١٨٦١) أبُو دَاوُد (١٦٣٩)، والتِّرْمِذِي (٦٨١)، والنَّسَائِي (١٠٠/٥) عَنْ سَمُرَةَ فِي الزَّكَاةِ.

٥٤٣
كِتَابُ الرَّكاةِ
بَابٍ مَنْ لَا تَجِلَّ لَهُ الْمُسْأَلَةَ وَمَنْ تَجِلَّ له
شَاءَ) أي: عدم الإبقاء. (تَرَكَهُ) أي: ذلك الإبقاء، انتهى. وقوله: (تَرَكَهُ)) هكذا في
جميع النسخ، وفي أبي داود: (تَرََكَ))، أي: بدون الضمير المنصوب. ولفظ
النسائي: ((فَمَنْ شَاءَ كَدَحَ وَجْهَهُ وَمَنْ شَاءَ تَرََكَ))، قال السندي: أي: الكدوح أو
السؤال، وهذا ليس بتخيير بل هو توبيخ مثل قوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَنْ شَآءَ
فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩) (إِلَّا أَنْ يَسْأَلَ الرَّجُلُ ذَا سُلْطَانٍ) أي: ذا حكم وسلطة بيده بيت
المال، فيسأل حقه أي: ولو منع الغناء؛ لأن السؤال مع الحاجة دخل في قوله: ((أو
في أمر لا بد منه)).
قال الخطابي في ((المعالم)) (ج٢: ص٦٦): قوله: ((إِلا أَنْ يَسْأَلَ الرَّجُلُ ذَا
سُلْطَانٍ))، هو أن يسأله حقه من بيت المال الذي في يده، وليس هذا على معنى
استباحة الأموال التي تحويها أيدي بعض السلاطين من غصب أملاك المسلمين،
انتهى. وقال الأمير اليماني في ((السبل)): أما سؤال الرجل من السلطان فإنه لا
مذمة فيه؛ لأنه إنما يسأل مما هو حق له في بيت المال، ولا منة للسلطان على
السائل؛ لأنه وكيل فهو كسؤال الإنسان وكيله أن يعطيه من حقه الذي لديه،
وظاهره: وإن سأل السلطان تكثرًا، فإنه لا بأس فيه ولا إثم؛ لأنه جعله قسيمًا للأمر
الذي لا بد منه. وقد فسر الأمر الذي لا بد منه حديث قبيصة وحديث أنس، وفيه :
((لَا يَحِلُّ السُّؤَالُ إِلَّ لِثَلَاثَةٍ: ذِي فَقْرِ مُدْقِعٍ، أَوْ دَم مُوجِعٍ، أَوْ غُرْم مُقْظِعٍ))، انتهى.
(أَوْ فِي أَمْرٍ) أي: أو يسأل في أمر. (لَا يَجِدُ مِنْهُ) أي: من أجله. (بُدَّا) أي:
علاجًا آخر غير السؤال. وفيه: دليل على جواز المسألة عند الضرورة، والحاجة
التي لابد عندها من السؤال كما في الحمالة والجائحة والفاقة، بل يجب حال
الاضطرار في العري والجوع. وهذا لفظ أبي داود، وعند الترمذي والنسائي في
رواية: ((أَوْ فِي أَمْرٍ لَابُدَّ مِنْهُ))، قال الأمير اليماني: أي: لا يتم له حصوله مع ضرورته
إلا بالسؤال وحديث قبيصة مبين ومفسر للأمر الذي لابد منه، انتهى. ولفظ
النسائي في رواية أخرى: ((أَوْشَيْئًا لَا يَجِدُ مِنْهُ بُدًّا)).
قال السندي: وظاهره: أنه عطف على (ذَا سُلْطَانٍ)، ولا يستقيم إذ السؤال
يتعدى إلى مفعولين الشخص والمطلوب المحتاج إليه، وذا سلطان هو الأول،
وترك الثاني للعموم، و((شيئًا)) هاهنا لا يصلح أن يكون الأول بل هو الثاني، إلا أن

٥٤٤
مِزْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
يراد بـ((شيئًا)) شخصا، ومعنى (لَا يَجِدُ مِنْهُ)) أي: من سؤاله بدًّا وهو تكلف بعيد.
فالأقرب أن يقال: تقديره: أو يسأل شيئًا ... إلخ. وحذف هاهنا المفعول الأول
لقصد العموم، أو يقدر: يسأل ذا سلطان أي شيء كان أو غيره ((شيئًا)) لا يحدث منه
بُدًّا، فهو من عطف شيئين على شيئين إلا أنه حذف من كل منهما ما ذكر مماثله في
الآخر من صنعة الاحتباك، انتهى.
قال العراقي في ((شرح الترمذي)): ورد التخصيص في السؤال في أربعة أماكن،
وهي: أن يسأل سلطانًا، أو في أمر لابد منه، أو ذا رحم في حاجة، أو الصالحين.
فأما السلطان فهو الذي بيده أموال المصالح، وأما الأمر الذي لابد منه فهو الحاجة
التي لابد منها، وأما ذو الرحم، فلما ورد في الصدقة على ذي الرحم من الفضل
ولذهاب بعض العلماء إلى وجوب النفقة عليه مع وصف الفقر والعجز، فرخص
في سؤاله. وأما سؤال الصالحين فهو في حديث ابن الفراسي - يعني: أول
أحاديث الفصل الثالث من هذا الباب - قال: ثم يحتمل أن يراد بالصالحين
الصالحون من أرباب الأموال الذين لا يمنعون ما عليهم من الحق، وقد لا يعلمون
المستحق من غيره، فإذا عرفوا بالسؤال المحتاج أعطوه مما عليهم من حقوق الله
تعالى، ويحتمل أن يراد بهم: من يتبرك بدعائه وترجى إجابته إذا دعا اللَّه له،
ويحتمل أن يراد: الساعون في مصالح الخلق بسؤالهم لمن علموا استحقاقه ممن
عليه حق، فيعطيهم أرباب الأموال بوثوقهم بصلاحهم كذا في ((شرح التقريب))
(ج ٤ : ص٧٩ - ٨٠).
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ) وأخرجه أيضًا أحمد (ج٥: ص ١٠ - ١٩)
وابن حبان والبيهقي (ج ٤ : ص١٩٧) وصححه الترمذي وسكت عنه أبو داود ونقل
المنذري تصحيح الترمذي وأقره.

كِتَابُ الرَّكاةِ
٥٤٥
بَابَ مَنْ لَا تَحِلَّ لَهُ الْمُسْأَلَةٌ وَمَنْ تَحِلَّ لهُ
١٨٦٢ - [١١] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّه:
((مَنْ سَأَلَ النَّاسَ وَلَهُ مَا يُغْنِهِ، جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمَسْأَلَتُهُ فِي وَجْهِهِ خُمُوشٌ، أَوْ
خُدُوشٌ، أَوْكُدُوحٌ)). قِيلَ: يَا رَسُولِ اللَّهِ وَمَا يُغْنِهِ؟ قَالَ: ((خَمْسُونَ دِرْهَمًا أَوْ
قِيمَتُهَا مِنَ الذَّهَبِ)). [رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ والتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وابْنُ مَاجَهْ والدَّارِمِيُّ] {صحيح}
الْشَّرْحُ
١٨٦٢ - قوله: (وَلَهُ مَا يُغْنِيهِ) أي: عن السؤال. (وَمَسْأَلَتُهُ) أي: أثرها. (فِي
وَجْهِهِ خُمُوشٌ، أَوْ خُدُوشٌ، أَوْ كُدُوحٌ) بضم أوائلها ألفاظ متقاربة المعاني جمع
خمش وخدش وكدح ـ((أَوْ)) هنا لشك الراوي، إذا الكل يعرب عن أثر ما يظهر على
الجلد واللحم من ملاقاة الجسد ما يقشر أو يجرح، ولعل المراد بها آثار مستنكرة
في وجهه حقيقة، أو أمارات ليعرف، ويشهر بذلك بين أهل الموقف. أو لتقسيم
منازل السائل، فإنه مقل، أو مكثر، أو مفرط في المسألة، فذكر الأقسام على
حسب ذلك. والخمش أبلغ في معناه من الخدش، وهو أبلغ من الكدح إذ الخمش
في الوجه، والخدش في الجلد، والكدح فوق الجلد، وقيل: الخدش: قشر
الجلد بعود والخمش: قشره بالأظفار. والكدح: العض وهي في أصلها مصادر
لكنها لما جعلت أسماء الآثار جمعت كذا في ((المرقاة)).
(وَمَا يُغْنِيهِ؟) أي: ما الغنى المانع عن السؤال؟ وليس المراد بيان الغنى الموجب
للزكاة، أو المحرم لأخذها من غير سؤال. (خَمْسُونَ دِرْهَمَّا أَوْ قِيمَتُهَا) أي: قيمة
الخمسين من الذهب. وفيه دليل على أن من ملك خمسين درهمًا، أو قيمتها من
الذهب يحرم عليه السؤال، وهذا فرد من أفراد الغنى المانع عن السؤال إذ لا عبرة
للمفهوم، فلا دليل فيه على إباحة السؤال لمن كان عنده أقل من خمسين درهمًا مما
بينه النبي وَّ في أحاديث أخر. وقيل: هذا الحديث منسوخ بحديث الأوقية، وهو
(١٨٦٢) أَبُو دَاوُد (١٦٢٦)، والتِّرْ مِذِي (٦٥٠)، والنَّسَائِي (٩٧/٥)، وابن مَاجَهْ (١٨٤٠) فِيهَا عَنِ ابْنِ
مَسْعُودٍ.

٥٤٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
منسوخ ما يغديه ويعشيه. وقيل: يجمع بين هذه الأحاديث، بأن القدر الذي يحرم
السؤال عنده هو أكثرها وهي الخمسون عملًا بالزيادة.
وقال في ((حجة اللَّه البالغة)) (ج٢: ص٣٤ - ٣٥): جاء في تقدير الغنية المانعة
من السؤال، إنها أوقية أو خمسون درهمًا، وجاء أيضًا إنها ما يغديه ويعشيه، وهذه
الأحاديث ليست متخالفة عندنا. لأن الناس على منازل شتى، ولكل واحد کسب،
لا يمكن أن يتحول عنه أعني الإمكان المأخوذ في العلوم الباحثة عن سياسة المدن،
لا المأخوذ في علم تهذيب النفس. فمن کان کاسبًا بالحرفة، فهو معذور حتی یجد
آلات الحرفة، ومن كان زارعًا حتى يجد الزرع، ومن كان تاجرًا حتى يجد
البضاعة، ومن كان على الجهاد مسترزقًا بما يروح ويغدو من الغنائم، كما كان
أصحاب رسول اللَّه وَ له، فالضابط فيه: أوقية أو خمسون درهمًا، ومن كان كاسبًا
بحمل الأثقال في الأسواق، أو احتطاب الحطب وبيعه وأمثال ذلك، فالضابط فيه :
ما يغديه ويعشيه، والله أعلم، انتهى. وقد استدل بهذا الحديث لأحمد وإسحاق
ومن وافقهما: على أن الغناء المانع من أخذ الصدقة، هو ملك خمسين درهمًا.
وتعقب: بأنه ليس في الحديث أن من ملك خمسين درهمًا لم تحل له الصدقة،
إنما فيه أنه كره المسألة فقط، فلا يحل له أخذ الزكاة بالسؤال. وأما الأخذ من غير
سؤال فلا دليل فيه على منعه، وقد تقدم بسط الكلام في ذلك فتذكر. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ
وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ) وأخرجه أيضًا أحمد (ج١: ص٣٨٨ -
٤٤١) وأبوعبيد (ص٥٥٠) والحاكم (ج١: ص٤٠٧) والدار قطني (ص ٢١٢)
والبيهقي (ج ٧: ص٢٤) كلهم من حديث حكيم بن جبير عن محمد بن عبد الرحمن
ابن يزيد عن أبيه عن ابن مسعود، وحكيم بن جبير ضعيف. قال الدارقطني :
متروك. وقال الجوزجاني: كذاب. وقال ابن معين وأبو داود: ليس بشيء. وقال
أحمد وأبو حاتم: ضعيف منكر الحديث. وقال النسائي: ليس بالقوى.
وقال البخاري في (التاریخ)): کان یحیی وعبد الرحمن لا يحدثان عنه، وتكلم
فيه شعبة وتركه من أجل هذا الحديث ببني؛ لأنه مخالف للأصول والروايات
المعتبرة في تحدید الغنی لکن لم ينفرد به حکیم بن جبير فقد تابعه علی ذلك زبید
ابن الحارث الأيامي عند الترمذي وأبي داود والنسائي وابن ماجه والحاكم

كِتَابُ الرَّكاةِ
بَابٍ مَنْ لَا تَحِلَّ لَه المُسْأَلَةٌ وَمَنْ تَحِلَّ له
٥٤٧
والبيهقي. فرواه الترمذي من طريق شريك عن حكيم بن جبير، ثم قال: حديث
حسن. وقد تكلم شعبة في حكيم بن جبير من أجل هذا الحديث، ثم روى من
طريق يحيى بن آدم، حدثنا سفيان عن حكيم بن جبير بهذا الحديث، فقال له
عبد الله بن عثمان صاحب شعبة لو غير حكيم حدث بهذا، فقال له سفيان: وما
لحکیم؟ لا يحدث عنه شعبة؟ قال: نعم، قال سفيان: سمعت زبیدًا يحدث بهذا عن
محمد بن عبد الرحمن بن يزيد، انتهى. ورواه أبو داود والنسائي وابن ماجه
والحاكم والبيهقي من طريق يحيى بن آدم عن سفيان الثوري عن حكيم بن جبيرٍ.
وزاد أبو داود والحاكم والبيهقي في آخره: قال يحيى: هو ابن آدم، فقال عبد الله
ابن عثمان لسفيان حفظي: أن شعبة لا يروي عن حكيم، فقال سفيان: فقد حدثناه
زبید عن محمد بن عبد الرحمن بن یزید، انتهى.
وعند النسائي: قال يحيى: قال سفيان: وسمعت زبيدًا يحدث عن محمد بن
عبد الرحمن، وعند ابن ماجه فقال رجل لسفيان: إن شعبة لا يحدث عن حكيم،
فقال سفيان: فقد حدثنا زبيد عن محمد بن عبد الرحمن بن يزيد. فقد ظهر من هذا
كله أن الحديث صحيح من جهة زبيد اليامي، لم ينفرد به حكيم بن جبير. وقد
تكلف بعضهم في تضعيفه مع هذا بما لا يطمئن به القلب.
فقال الحافظ في ((الفتح)): بعد ذكر رواية سفيان عن زبيد نقلًا عن الترمذي ما
لفظه: ونص أحمد في ((علل الخلال)) وغيرها على أن رواية زبيد موقوفة، انتهى.
وقال ابن معين: يرويه سفيان عن زبيد، ولا أعلم أحدًا يرويه عنه غير يحيى بن آدم
وهذا وهم. لو كان كذا لحدث به الناس عن سفيان ولكنه حديث منكر يعني، وإنما
المعروف بروايته حكيم ذكره الذهبي والمنذري. وذكر البيهقي - بعد حكاية متابعة
زبيد لحكيم بن جبير عن يعقوب بن سفيان - قال: هي حكاية بعيدة، لو كان حديث
حكيم بن جبير عند زبيد ما خفي على أهل العلم، انتهى. ولا يخفى ما فيه من
التكلف. والظاهر: أن الحديث صحيح من طريق زبيد الأيامي، ولا مخالفة بينه
وبين الأحاديث الأخرى كما أسلفنا. وسيأتي أيضًا والله تعالى أعلم.

٥٤٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
١٨٦٣ - [١٢] وَعَنْ سَهْلِ ابْنِ الْحَنْظَلِيَّةِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَلِّهِ:
((مَنْ سَأَلَ وَعِنْدَهُ مَا يُغْنِهِ، فَإِنَّمَاَ يَسْتَكْثِرُ مِنَ النَّارِ)). قَالَ النُّغَيْلِيُّ. وَهُوَ أَحَدُ
رُوَاتِهِ في مَوْضِعٍ آخَرَ -: وَمَا الْغِنَى الَّذِي لَا يَنْبَغِي مَعَهُ الْمَسْأَلَةُ؟ قَالَ: ((قَدْرُ
مَا يُغَدِّيهِ وَيُعَشِّبَهِ)). وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ : ((أَنْ يَكُونَ لَهُ شِبْعُ يَوْمٍ أَوْ لَيْلَةٍ وَيَوْم))
[رَواهُ أَبَّ دَاوُدَ] {صحيحَ}
الْشِّرْجُ
١٨٦٣ - قوله: (وَعَنْ سَهْلِ بْنِ الْحَنْظَلِيَّةِ) صحابي أنصاري أوسي، كان ممن
بايع تحت الشجرة، وشهد أحدًا أو الخندق والمشاهد كلها ما خلا بدرًا، وكان
فاضلاً عالمًا معتزلًا عن الناس، كثير الصلاة والذكر لا يجالس أحدًا. سكن الشام
ومات بدمشق في أول خلافة معاوية ولا عقب له. قال سعيد بن عبد العزيز: كان لا
يولد له فكان يقول لي: لأن يكون لي سقط في الإسلام أحب إلي مما طلعت عليه
الشمس. والحنظلية أمه، وقيل: أم أبيه، وقيل: أم جده. واختلف في اسم أبيه
فقيل: الربيع، وقيل: عبيد، وقيل: عمرو، وقيل: عقيب بن عمرو بن عدي بن زيد
ابن جشم بن حارثة بن الحارث بن الخررج بن عمرو بن مالك بن الأوس. (مَنْ
سَأَلَ وَعِنْدَهُ) الواو للحال. (مَا يُغْنِيهِ) أي: عن السؤال.
(فَإِنَّمَا يَسْتَكْثِرُ مِنَ النَّارِ) يعني: من جمع أموال الناس بالسؤال من غير ضرورة.
فكأنه جمع لنفسه نار جهنم. (قَالَ التَّفَيْلِيُّ) بضم النون وفتح الفاء وهو عبد الله بن
محمد بن علي بن نفيل، بنونٍ وفاء مصغرًا أبو جعفر النفيلي الحراني ثقة حافظ،
وهو شيخ أبي داود السجستاني صاحب السنن. قال الحافظ: روى عنه أبو داود
فأكثر وروى له الباقون سوى مسلم بواسطة الذهلي مات سنة (٢٣٤). (وَهُوَ أَحَدُ
رُوَاتِهِ) أي: الحديث. (فِي مَوْضِعٍ آخَرَ) أي: في رواية أخرى يعني مرة أخرى.
(وَمَا الْغِنَى الَّذِي لَا يَنْبَغِي) أي: لا يحل. (مَعَهُ الْمَسْأَلَةُ) أي: مكان قوله: (وَمَا
(١٨٦٣) أَبُو دَاوُد (١٦٢٩) عَنْ سَهْلِ بْنِ الحَنْظَلِيَّةِ.

٥٤٩
بَاب مَنْ لَا تَحِلّ لهُ المَسْأَلَةٌ وَمَنْ تَحِلَّ لَهُ
كِتّابُ الرَّكاةِ
<-***<<<<<<<<***<< > <<<<<<<< > <<***<<< > << > <<<<<< > <***<<<< > <<<<<<< > ***<<<< > <<<<**
يَغْنِيهِ)، ففي أبي داود بعد قوله: (مِنَ النَّارِ))، وقال النفيلي في موضع آخر: من جمر
جهنم، فقالوا: يا رسول الله وما يغنيه؟ وقال النفيلي في موضع آخر: وما الغنى
... إلخ. (قَالَ) أي: رسول اللَّه ◌َ.
(قَدْرُ مَا يُغَدِّيهِ) بفتح الغين المعجمة وتشديد الدال المهملة. (وَيُعَشِّيهِ) بفتح
العين المهملة وتشديد الشين المعجمة أي: ما يكفي غداءه وعشاءه، وفي رواية ابن
حبان وأحمد: ((أَوْ يُعَشِّيهِ)) بحرف التخيير، والتغدية: إطعام طعام الغدوة.
والتعشية: إطعام طعام العشاء، يعني من كان له قوت هذين الوقتين لا يجوز له أن
يسأل في ذلك اليوم. قال الخطابي في ((المعالم)) (ج٢: ص٥٨): اختلف الناس في
تأويل قوله: ((مَا يُغَدِّيهِ وَيُعَشِّيِهِ))، فقال بعضهم: من وجد غداء يومه وعشاءه لم تحل
له المسألة على ظاهر الحديث. وقال بعضهم: إنما هو فيمن وجد غداء وعشاء على
دائم الأوقات، فإذا كان عنده ما يكفيه لقوته المدة الطويلة، فقد حرمت عليه
المسألة. وقال آخرون: هذا منسوخ بحديث الخمسين وحديث الأوقية، انتهى.
قال المنذري: ادعاء النسخ مشترك بينهما، ولا أعلم مرجحًا لأحدهما على
الآخر. وقال البيهقي (ج ٧: ص٢٨): وليس شيء من هذه الأحاديث، بمختلف،
فكأن النبي ◌َّ- علم ما يغني كل واحد منهم، فجعل غناه به، وذلك لأن الناس
يختلفون في قدر كفاياتهم، فمنهم من يغنيه خمسون درهمًا لا يغنيه أقل منها،
ومنهم من له کسب يدر عليه كل يوم ما يغديه ويعشيه ولا عيال له مستغن به،
انتهى. وهذا مما تقدم عن حجة الله. وحمل أبوعبيد حديث سهل هذا على من
سأل مسألة ليتكثر بها. (وَقَالَ) أي: النفيلي. (فِي مَوْضِع آخَرَ) أي: في الجواب
عما يغنيه .
(أَنْ يَكُونَ لَهُ شِبْعُ يَوْمٍ) بكسر الشين وسكون الموحدة وفتحها وهو الأكثر، أي:
ما يشبعه من الطعام أولً يومه وآخره. قال ابن الملك: بسكون الباء ما يشبع وبفتح
الباء المصدر. (أَوْ لَيْلَةِ وَيَوْم) شك من الراوي وقوله: ((شِبْعُ يَوْمٍ أَوْ لَيْلَةٍ وَيَوْم)) هكذا
في جميع النسخ الحاضرة.
ووقع في أبي داود: ((شِبْعُ يَوْمٍ أَوْ لَيْلَةٍ ، أَوْ لَيْلَةٍ وَيَوْم))، وهكذا في رواية البيهقي،

٥٥٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
والظاهر: أنه سقط لفظ: (لَيْلَةٍ)) في الموضع الأول في نسخ ((المشكاة)) من
الناسخ. وحاصل الاختلاف الذي وقع في رواية النفيلي: أنَّه حدَّث أبا داود بهذا
الحديث مرتين، فمرة قال: ((مَنْ سَأَلَ وَعِنْدَهُ مَا يُغْنِهِ، فَإِنَّمَا يَسْتَكْثِرُ مِنَ
النَّارِ))، فقالوا: يا رسول الله وما يغنيه؟ قال: ((قَدْرُ مَا يُغَدِّيهِ وَيُعَشِّيهِ))، ومرة قال : -
أي: النُّفَيْلِيُّ - ((مَنْ سَأَلَ وَعِنْدَهُ مَا يُغْنِهِ، فَإِنَّمَا يَسْتَكْثِرُ مِنْ جَمْرَةٍ جَهَنَّمَ)) فقالوا: يا
رسول الله وما الغنى الذي لا ينبغي معه المسألة؟ قال: ((قَدْرُ أَنْ يَكُونَ لَهُ شِبْعُ يَوْم
وَلَيْلَةٍ، أَوْ لَيْلَةٍ وَيَوْمٍ)).
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) وفيه قصة، وأخرجه، أيضًا أحمد (ج٤: ص ١٨٠ - ١٨١)
وأبو عبيد (ص ٥٥١ - ٥٥٢) والبيهقي (ج٧ : ص٢٥) وابن حبان وابن خزيمة
وسکت عنه أبو داود والمنذري.
١٨٦٤ - [١٣] وَعَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي أَسَدٍ قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللَّهِ بِّهِ: ((مَنْ سَأَلَ مِنْكُمْ وَلَّهُ أُوْقِيَّةٌ أَوْ عِدْلُمَّا فَقَدْ سَأَلَ إِلْحَافًا).
[رَوَاهُ مَالِكٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ]
الْشَّرْحُ
١٨٦٤ - قوله: (عَنْ رَجُل مِنْ بَنِي أَسَدٍ) له صحبة كما يدل عليه سياق الحديث
عند مخرجيه ولم يعرف اسمهً ولا يضر ذلك؛ لأن الصحابة كلهم عدول. (وَلَهُ
أُوقِيَّةٌ) بضم الهمزة وكسر القاف وتشديد التحتية أي: أربعون درهمًا من الفضة.
(أَوْ عِدْلُهَا) بكسر العين ويفتح أي: ما يساويها من ذهب عرض. وقال الخطابي:
قوله: (أَوْ عِدْلُهَا) يريد قيمتها، يقال: هذا عدل الشيء أي: ما يساويه في القيمة،
وهذا عدله بكسر العين أي: نظيره ومثله في الصورة والهيئة، انتهى.
قال السندي: هذا يدل على أن التحديد بخمسين درهمًا ليس مذكورًا على وجه
التحديد، بل هو مذكور على وجه التمثيل. (فَقَدْ سَأَلَ إِلْحَافًا) أي: ملحفًا أو سؤالًا
إلحافًّا، وهو أن يلازم المسئول حتى يعطيه. والمراد: أنه خالف ثناء الله تعالى
(١٨٦٤) أَبُو دَاوُد (١٦٢٧) عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي أسدٍ فِيهَا.

كِتَابَ الزَّكاةِ
بَابُ مَنْ لَا تَحِلَّ لَه الْمُسْأَلَةُ وَمَنْ تَجِلَّ له
٥٥١
بقوله تعالى: ﴿لَا يَسْعَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ [البقرة: ٢٧٣] وقال القاري: أي: سأل
إلحاحًا وإسرافًا من غير اضطرار.
وقال الباجي: يقال: ألحف في المسألة: أَلَحَّ فيها، وذلك يقتضي أنه ورد على
أمر قد تقرر فيه أن الإلحاف في المسألة ممنوع، فجعل من الإلحاف الممنوع سؤال
من له أوقية، انتهى. قلت: قد تقدم حديث معاوية لا تلحفوا في المسألة، وهو
صريح في النهي عن الإلحاح في السؤال. واستدل أبوعبيد بحديث الأسدي وما في
معناه على ما ذهب إليه من تحديد الغنى المحرم للصدقة بملك أربعين درهمًا، ولا
يخفی ما فيه.
(رَوَاهُ مَالِك) في أواخر ((الموطأ)) عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن رجل من
بني أسد. (وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ) كلاهما من طريق مالك، وأخرجه البيهقي
(ج ٧: ص٢٤) من طريق أبي داود وأحمد (ج٤، ٥ ص: ٣٦ - ٤٣٠) من حديث
سفيان عن زيد بن أسلم، وأبو عبيد (ص ٥٥٠) من حديث سفيان وهشام بن سعد عن
زید بن أسلم.
وفي الحديث قصة عند مالك وأبي داود والنسائي وأبي عبيد، وقد سكت عنه
أبو داود والمنذري، وله شاهد من حديث أبي سعيد عند أحمد وأبي داود والنسائي
وغيرهم بلفظ: ((مَنْ سَأَلَ وَلَهُ قِيمَةُ أُوْقِيَّةٍ فَقَدْ أَلْحَفَ)).

٥٥٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
١٨٦٥ - [١٤] وَعَنْ حُبْشِيِّ بْنِ جُنَادَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَهِ: ((إِنَّ
الْمَسْأَلَةَ لَا تَحِلُّ لِغَنِيِّ، وَلَا لِذِي مِرَّةٍ سَوِيٍّ، إِلَّا لِذِي فَقْرٍ مُدْقِعٍ، أَوْ غُرْم مُفْظِعٍ،
وَمَنْ سَأَلَ النَّاسَ لِيَغْرَىَ بِهِ مَالُهُ كَانَ خُمُوشًا فِي وَجْهِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ،ً وَرَضْفًّا
يَأْكُلُهُ مِنْ جَهَنَّمَ، فَمَنْ شَاءَ فَلْيُقِلَّ، وَمَنْ شَاءَ فَلْيُكْثِرْ)).
[رَوَاهُ التِّْمِذِيُّ]
الْشِّرْحُ
١٨٦٥ - قوله: (وَعَنْ حُبْشِيِّ) بضم الحاء المهملة وسكون الموحدة بعدها
معجمة ثم تحتية ثقيلة، وهو اسم بلفظ النسب. (بْنِ جُنَادَةَ) بضم الجيم ابن نصر
السلولي صحابي، شهد حجة الوداع، ثم نزل الكوفة يكنى أبا الجنوب بفتح
الجيم. قال العسكري: شهد مع علي مشاهده، وروي في فضله أحاديث. (وَلاَ
لِذِي مِرَّةٍ) بكسر الميم وتشديد الراء هي الشدة والقوة أي: لذي قوة وقدرة على
الكسب. (سَوِيٌّ) بفتح السين المهملة وتشديد الياء هو التام الخلق السالم من
موانع الاكتساب.
(إِلَّا لِذِي فَقْرٍ مُدْقِع) بضم الميم وسكون المهملة وكسر القاف، وهو الفقر
الشديد الملصق صاحبه بالدقعاء، وهي الأرض التي لا نبات بها يقال: أدقع الرجل
أي: لصق بالدقعاء أي: الأرض والتراب، وجوع مدقع أي: شديد. (أَوْ غُرْم) بضم
الغين المعجمة وسكون الراء، هو ما يلزم أداؤه تكلفًا، لا في مقابلة عَّوض.
(مُفْظِع) بضم الميم وسكون الفاء وكسر الظاء المعجمة هو الشديد الشنيع قاله
المنذرِّي. وقال القاري: (غُرْمِ مُفْظِعٍ) أي: دين شنيع مثقل.
قال الطيبي: والمراد: ما استدان لنفسه وعياله في مباح، قال: ويمكن أن
المراد به: ما لزمه من الغرامة بنحو دية وكفارة. (لِيَثْرَى) أي: يكثر ويزيد. (بِهِ)
أي: بسبب السؤال أو بالمأخوذ. (مَالُّهُ) برفع اللام و ((يَثْرَى)) بفتح الياء وسكون الثاء
المثلثة وفتح الراء من ثري كرضي، أو بضم الياء وسكون الثاء وكسر الراء من
(١٨٦٥) التِّرْ مِذِي (٦٥٣) عَنْ حُبْشِيِّ بْنِ جُنَادَةَ، وَأَصْلُهُ فِي الصَّحِيحِ كَمَا تَقَدَّمَ.

كِتَابِ الرَّكاةِ
بَابٌ مَنْ لَا تَحِلَّ له المُسْأَلَةُ وَمَنْ تَجِلَّ لَه
٥٥٣
الأثراء. قال في ((القاموس)): الثروة كثرة العدد من الناس والمال، وثرى القوم
كثروا ونموا. والمال كذلك، وثرى كرضى كثر ماله كـ((ثرى))، انتهى. وفي
((النهاية)): الثرى المال، وأثرى القوم كثروا وكثرت أموالهم، انتهى. (كَانَ) أي :
السؤال أو المال. (خُمُوشًا) أي: عبسًا.
(وَرَضْفًا) بفتح الراء وسكون الضاد المعجمة بعدها فاء هو الحجارة المحماة.
(يَأْكُلُّهُ مِنْ جَهَنَّمَ) أي: فيها. (فَمَنْ شَاءَ فَلْيُقِلَّ) بكسر القاف وتشديد اللام المفتوحة
من الإقلال أي: ليقلل هذا السؤال، أو ما يترتب عليه من النكال. (وَمَنْ شَاءَ
فَلْيُكْثِرْ) من الإكثار وهما أمر تهديد، ونظيره قوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَنْ شَآءَ
فَلْيَكْفُنَّ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلَِّلِمِينَ نَارًا﴾ [الكهف: ٢٩]
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) من حديث مجالد بن سعيد عن عامر الشعبي عن حبشي، وقال:
حديث غريب من هذا الوجه، قال شيخنا: لم يحكم الترمذي على هذا الحديث
بشيء من الصحة أو الضعف، والحديث ضعيف؛ لأن في سنده مجالدًا وهو
ضعیف، انتهى.
قلت: مجالد هذا ضعفه يحيى بن سعيد، وابن معين والدار قطني وابن سعد،
وقال أحمد: ليس بشيء. وقال ابن حبان: لا يجوز الاحتجاج به وكان ابن مهدي لا
يروي عنه. وقال أبو حاتم والنسائي: ليس بالقوي. ووثقه النسائي مرة. وقال ابن
عدي: له عن الشعبي عن جابر أحاديث صالحة وعن غير جابر، وعامة ما يرويه غير
محفوظة .
وقال العجلي: جائز الحديث. وقال البخاري: صدوق. وقال محمد بن
المثنى: يحتمل حديثه للصدق كذا في ((تهذيب التهذيب)). وقال في ((التقريب)):
ليس بالقوي، وقد تغير في آخر عمره، انتهى.
والحديث أخرجه أحمد (ج٤: ص١٦٥) وأبو عبيد (ص٥٥٣) من طريق إسرائيل
عن أبي إسحاق عن حبشي مختصرًا بلفظ: ((مَنْ سَأَلَ مِنْ غَيْرِ فَقْرٍ فَكَأَنَّمَا يَأَكُلُ
الْجَمْرَةَ))، وعزاه المنذري في ((الترغيب)) للطبراني في ((الكبير)) وابن خزيمة،
وقال: رجال الطبراني رجال الصحيح، ورواه البيهقي بلفظ: ((الَّذِي يَسْأَلُ مِنْ غَيْرِ
حَاجَةٍ كَمَثَلِ الَّذِي يَلْتَقِطُ الْجَمْرَ)).

٥٥٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
١٨٦٦ - [١٥] وَعَنْ أَنَسِ: أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ أَتَى النَّبِيَّ وَّهِ يَسْأَلُهُ
فَقَالَ: ((أَمَا فِي بَيْتِكَ شَيْءٌ؟)) فَقَالَ: بَلَى، حِلْسٌ فَلْبَسُ بَعْضَهُ وَنَبْسُطُ بَعْضَهُ،
وَقَعْبٌ نَشْرَبُ فِيهِ مِنَ الْمَاءِ. قَالَ: ((اثْتِنِي بِهِمَا)) قَالَ: فَأَتَاهُ بِهِمَا، فَأَخَذَهُمَا
رَسُولُ اللّهِ بَّهِ بِيَدِهِ وَقَالَ: (مَنْ يَشْتَرِي هَذَيْنٍ؟)) قَالَ رَجُلٌ: أَنَا آخُذُهُمَا
بِدِرْهَم، قَالَ: (مَنْ يَزِيدُ عَلَى دِرْهَم؟)) مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَّلَانًا، قَالَ رَجُلٌ: أَنَا آخُذُهُمَا
بِدِرْهَمَّيْنِ فَأَعْطَاهُمَا إِيَّاهُ، وَأَخَذََّ الدِّرْهَمَيْنِ فَأَعْطَاهُمَا الْأَنْصَارِيَّ، وقَالَ:
((اشْتَرٍ بِأَحَدِهِمَا طَعَامًا فَانْبِذْهُ إِلَى أَهْلِكِ، وَاشْتَرِ بِالْآخَرِ قَدُومًا فَأْتِي بِهِ)) فَأَتَاهُ بِهِ
فَشَدَّ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ وَيِّ عُودًّا بِيَدِهِ، ثُمَّ قَالَ لَّهُ: ((اذْهَبْ فَاخْتَطِبْ وَبِعْ، وَلَّا
أَرَيَنَّكَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا)). فَذَهَبَ الرَّجُلُ يَحْتَطِبُ وَيَبِيعُ، فَجَاءَ وَقَدْ أَصَابَ
عَشْرَةَ دَرَاهِمَ، فَاشْتَرَى بِبَعْضِهَا ثَوْبًا وَبِبَعْضِهَا طَعَامًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ إِ :
((هَذَا خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ تَجِيءَ الْمَسْأَلَةُ نُكْتَّةً فِي وَجْهِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، إِنَّ الْمَسْأَلَةَ
لَا تَصْلُحُ إِلَّا لِئَلَاثَةٍ: لِذِي فَقْرٍ مُدْقِعٍ، أَوْ لِذِي غُرْمِ مُفْظِعٍ، أَوْ لِذِي دَم مُوجِع)).
[رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَّرَوَى ابْنُ مَاجَهْ إِلَّ قَوْلِهِ: ((يَوْمَ الْقِيَامَةِ)أَ {ضعيفٌ}
الْشَّرْحُ
١٨٦٦- قوله: (أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ) لم يعرف اسمه. (يَسْأَلُهُ) حال أو
استئناف بيان. (أَمَا فِي بَيْتِكَ شَيْءٌ) بهمزة استفهام تقرير و(مَا) نافية. (بَلَى، حِلْسٌ)
أي: في حلس بكسر الحاء المهملة وسكون اللام، بعدها سين مهملة كساء يلي
ظهر البعير يفرش تحت القتب. قال المنذري: وسمي به غيره مما يداس، ويمتهن
من الأكسية ونحوها. (نَلْبَسُ) بفتح الباء. (بَعْضَهُ) أي: بالتغطية لدفع البرد
و(نَبْسُطُ) بضم السين. (بَعْضَهُ) أي: بالفرش.
(وَقَعْبٌ) بفتح القاف وسكون العين المهملة قدح من خشب. (نَشْرَبُ فِيهِ مِنَ
الْمَاءِ) من تبعيضية أو زائدة على مذهب الأخفش، وفي رواية ابن ماجه: ((وَقَدَحُ
نَشْرَبُ فِيْهِ الْمَاءَ)) أي: بحذف ((من)). (اثْتِنِي بِهِمَا) أي: بالحلس والقعب. (أَنَا
(١٨٦٦) أبُو دَاوُد (١٦٤١)، وَالتِّرْ مِذِي (١٢١٨) فِيهَا عَنْ أَنَسٍ، وَعِنْدَ ابنِ مَاجَهْ (٢١٩٨) بَعْضُهُ.

٥٥٥
كِتَاب الزَّكاةِ
بَابٍ مَنْ لَا تَجِلَّ لهُ الْمُسْأَلَةٌ وَمَنْ تَجِلَّ له
آخُذُهُمَا) بضم الخاء ويحتمل كسرها. (قَالَ: مَنْ يَزِيدُ عَلَى دِرْهَم مَرَّتَيْنٍ؟ ظرف
[((قَالَ)). (أَوْ ثَلَاثًا) شك من الراوي. (قَالَ رَجُلٌ) أي: آخر. (فَأَعْطَّاهُمَا إِيَّهُ) أي:
فأعطى النبي ◌ُّ الحلس، والقعب الرجل الآخر.
(فَأَخَذَ الدِّرْهَمَيْنِ) كذا في جميع النسخ الحاضرة والذي في ((سنن أبي داود)»:
((وأخذ))، أي: بالواو بدل الفاء، وكذا وقع في رواية ابن ماجه، وكذا نقله الخطابي
والمنذري. (فَأَعْطَاهُمَا) أي: الدرهمين. (اشْتَرٍ) بكسر الراء. (بِأَحَدِهِمَا) أي: أحد
الدرهمين. (فَانْبِذْهُ) بكسر الباء أي: اطرحه وألقه. (قَدُومًا) بفتح القاف وتخفيف
الدال المهملة المضمومة وجوز تشديدها آلة النجر والنحت أي: فأسًا. (فَأَتَاهُ بِهِ)
أي: بالقدوم بعدما اشتراه. (فَشَدَّ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ إِ لَ عُودًا) أي: أدخل في ذلك
القدوم عودًا وأحكمه. (بِيَدِهِ) الكريمة تفضلا، وإمتنانًا عليه. (احْتَطِبَ) أي:
اطلب الحطب واجمع .
(وَلَا أَرَبَنَّكَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا) أي: لا تكن هنا هذه المدة حتى لا أراك، وهذا مما
أقيم فيه المسبب مقام السبب، والمراد: نهي الرجل عن ترك الاكتساب في هذه
المدة، لا نهي نفسه عن الرؤية. (نُكْتَةً) بضم النون وسكون الكاف أثر كالنقطة
أي: حال كونها علامة قبيحة، أو أثرًا من العيب. (فِي وَجْهِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) أي :
على رؤوس الأشهاد. (إِنَّ الْمَسْأَلَةَ لَا تَصْلُحُ) أي: لا تحل ولا تجوز. (لِذِي فَقْرٍ
مُذْقِع) أي: شديد يفضي بصاحبه إلى التراب لا يكون عنده ما يقي به من التراب.
(أَوْ لِذِي غُرْم مُفْظِعٍ) أي: فظيع شنيع ثقيل. (أَوْ لِذِي دَم مُوجِع) بكسر الجيم أي:
مؤلم وهو أن يتَّحمل ◌ّدية فيسعى فيها حتى يؤديها إلى أولياء المقتول، فإن لم يؤدها
قتل المحتمل عنه فيوجعه قتله. قال المنذري: ذو الدم الموجع هو الذي يتحمل دية
عن قريبه، أو حميمه أو نسيبه القاتل يدفعها إلى أولياء المقتول، ولو لم يفعل قتل
قريبه أو حميمه الذي يتوجع لقتله، انتهى. وفي الحديث من الفقة: جواز بيع
المزايدة، وهذا ليس بالسوم على سوم أخيه؛ لأن السوم، هو أن يقف الراغب
والبائع على البيع ولم يعقداه، فيقول الآخر للبائع: أنا أشتريه وهذا حرام بعد
استقرار الثمن، وأما السوم بالسلعة التي تباع لمن يزيد فليس بحرام. وفيه: الأكل
من عمل يده، والأمر بالاكتساب بالمباحات كالحطب والحشيش النابتين في

٥٥٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصابِيحِ
موات. وفيه: جواز المسألة لهؤلاء الثلاثة. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) في الزكاة. وأخرجه
أيضًا أحمد والبيهقي (ج ٧: ص ٢٥). (وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ) أي: في باب: المزايدة من
أبواب التجارات.
(إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ) هذا سهو من المصنف، فإن ابن ماجه روى الحديث بطوله
إلى قوله: ((دَم مُوْجِع))، وأخرج الترمذي والنسائي في البيوع من هذا الحديث قصة
بيع القدح فقطً. والَّحديث سكت عنه أبو داود وحسنه الترمذي، وقال: لا نعرفه
إلا من حديث الأخضر بن عجلان عن أبي بكر عبد الله الحنفي عن أنس، وأعله ابن
القطان بجهل حال أبي بكر الحنفي ونقل عن البخاري أنه قال: لا یصح حديثه، کذا
في ((التلخيص)) (ص٢٣٧).
١٨٦٧ - [١٦] وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((مَنْ
أَصَابَتْهُ فَاقَةٌ فَأَنْزَلَهَا بِالنَّاسِ لَمْ تُسَدَّ فَاقَتُهُ، وَمَنْ أَنْزَلَهَا بِاللَّهِ أَوْشَكَ اللَّهُ لَهُ
[رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ والتَّرْمِذِيُّ] {حسن}
بِالْغِنَى، إِمَّا بِمَوْتٍ عَاجِلٍ، أَوْ غِنَّى آجِلٍ)).
الْشَرْحُ
١٨٦٧ - قوله: (مَنْ أَصَابَتْهُ فَاقَةٌ) أي: حاجة شديدة وأكثر استعمالها في الفقر
وضيق المعيشة. (فَأَنْزَلَهَا بِالنَّاسِ) أي: عرضها عليهم، وأظهرها بطريق الشكاية
لهم، وطلب إزالة فاقته منهم. قال الطيبي: نزل بالمكان ونزل من علو، ومن
المجاز: نزل به مكروه، وأنزلتُ حاجتي على كريم، وخلاصته: إن من اعتمد في
سدها على سؤالهم (لَمْ تُسَدَّ) بصيغة المجهول (فَاقَتُهُ) أي: لم تقض حاجته ولم تزل
فاقته، وكلما تسد حاجة أصابته أخرى أشد منها .
(وَمَنْ أَنْزَلَهَا بِاللَّهِ) بأن اعتمد في إزالتها على مولاه. (أَوْشَكَ اللَّهُ لَهُ) أي: أسرع
له وعجل. (بِالْغِنَى) بكسر الغين مقصورًا.
(١٨٦٧) أَبُو دَاوُد (١٦٤٥)، وَالتِّرْ مِذِي (٢٣٢٦) عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ فِيهَا .

كِتَابَ الزّكاةِ
بَاب مَنْ لَا تَحِلَّ لَهَ المُسْأَلَةِ وَمَنْ تَجِلَّ لهُ
٥٥٧
قال في ((القاموس)): الغنى كإلى ضد الفقر وإذا فتح مد. (إِمَّا بِمَوْتٍ عَاجِلٍ)
قيل: يموت قريب له فيرثه. وقيل: معناه: أن يميته اللَّه فيستغنى عن المال. (أَوْ
غِنَّى) بكسر وقصر. (آجِلٍ) كذا وقع في جميع النسخ الحاضرة: ((بِمَوْتٍ عَاجِلِ ، أَوْ
غِنَّى آجِلٍ)) بالعين في الأول، وبالهمزة في الثاني، وفي نسخ ((السنن)) لأبي داود
بالعين في الموضعين، وكذا وقع في نسخ ((مختصر السنن)) للمنذري كما في
((العون)). ولفظ الترمذي: ((بِرِزْقٍ عَاجِلٍ أَوْ آجِلٍ)).
وقال الطيبي: هو هكذا أي: بالعين في الموضعين في أكثر نسخ ((المصابيح))
و((جامع الأصول))، وفي ((سنن أبي داود)) والترمذي: ((أَوْ غِنَّى آجِل)) بهمزة ممدودة
وهو أصح دراية لقوله تعالى: ﴿إِن يَكُونُواْ فُقَرَآءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ [النور: ٣٢] انتهى.
قلت: في نسخ أبي داود الحاضرة عندنا: ((غِنَّى عَاجِلٍ)) بالعين كما تقدم. (رَوَاهُ
أَبُو دَاوُدَ) في الزكاة. (والتِّرْ مِذِيُّ) في الزهد. وأخرجه أحمد (ج١: ص٣٨٩ -
٤٤٢) بلفظ: ((بِرِزْقٍ عَاجِلٍ أَوْ مَوْتٍ آجِلٍ)) (ج١: ص ٤٠٧) وبلفظ: ((أَجَلٌ عَاجِلٌ أَوْ
غِنَّى عَاجِلٌ)) والحاكم (ج ١: ص ٤٠٨) والبيهقي من طريق الحاكم (ج ٤: ص١٩٦)
وصححه الترمذي والحاكم والذهبي، وسكت عنه أبو داود. ونقل المنذري
تصحيح الترمذي وأقره.

CONNE
٥٥٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الفصل الثالث
١٨٦٨ - [١٧] عَنِ ابْنِ الْفِرَاسِيِّ: أَنَّ الفِرَاسِيَّ قَالَ: قُلْتُ
لِرَسُولِ اللّهِ وَّهِ: أَسْأَلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َهُ: (لاَ، وَإِنْ كُنْتَ لاَ
بُدَّ فَسَلِ الصَّالِحِينَ)).
[رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ والنَّسَائِيّ ]
G O
الْشَّرْحُ
١٨٦٨ - قوله: (عَنِ ابْنِ الْفِرَاسِيّ) بكسر الفاء وخفة الراء بعدها ألف ثم سين
مهملة ثم ياء مشددة. قال في ((التقريب)): ابن الفراسي عن النبي ◌َّر. وقيل: عن
أبيه عن النبي ◌َّ لا يعرف اسمه. (أَنَّ الْفِرَاسِيَّ) قال ابن عبد البر، ويقال: فراس،
أي: بغير ياء النسبة، وهو من بني فراس بن مالك بن كنانة، حديثه عند أهل مصر
فذكر هذا الحديث. قال: وله حديث آخر مثل حديث أبي هريرة في البحر: ((هُوَ
الطَّهُورُ مَاؤُهُ وَالحِلَّ مَيْتَتُهُ))، كلاهما يرويه الليث بن سعد عن جعفر بن ربيعة عن بکر
ابن سوادة عن مسلم بن مخشى عن الفراسي. ومنهم من يقول عن مسلم بن
مخشى عن ابن الفراسي عن أبيه عن النبي وَّ يعد في أهل مصر وحديثه عنهم،
انتھی .
وقال الحافظ في ((الإصابة)): فراس - بغير ياء في آخره - له صحبة، قاله
البخاري. ثم ذكر هذا الحديث من روايته، ثم قال: هكذا رأيتُ في نسخة قديمة
من ((تاريخ البخاري)) في حرف الفاء، وكذا ذكر ابن السكن إن البخاري سماه
فراسًا. قال: وقال غيره: الفراسي من بني فراس بن مالك بن كنانة ولا يوقف على
اسمه، ومخرج حديثه عن أهل مصر، وذكره البغوي وابن حبان بلفظ النسب كما
هو المشهور، لكن صنيعه يقتضي إنه اسم بلفظ النسب. والمعروف إنه نسبه، وإن
اسمه لا يعرف، والمعروف في الحديث: عن ابن الفراسي عن أبيه. وقيل: عن
ابن الفراسي فقط، وهو مرسل، انتهى.
(١٨٦٨) أَبُو دَاوُد (١٦٤٦)، والنَّسَائِي (٩٥/٥) عنه فيها.

كِتَابُ الرَّكاةِ
بَابٌ مَنْ لَا تَجِلَّ له الْمُسْأَلَةَ وَمَنْ تَحِلَّ له
٥٥٩
(قَالَ: قُلْتُ لِرَسُولِ اللَّهِ وَل﴾) وفي بعض النسخ: ((قال لرسول الله))، أي:
بحذف، ((قُلْتُ)) وهكذا وقع في ((السنن)) لأبي داود والنسائي والبيهقي، و(مسند
الإمام أحمد)). (أَسْأَلُ) على تقدير حرف الإستفهام، والمراد: أسأل المال من
غير اللَّه المتعال، وإلا فلا منع للسؤال من اللَّه تعالى بل هو المطلوب. (فَقَالَ
النَّبِيُّ ◌َّهِ: لَا) أي: لا تسأل من غير اللَّه شيئًا فإن السؤال ذل. (وَإِنْ كُنْتَ لَا بُدَّ) كذا
في جميع النسخ الحاضرة وفي أبي داود والنسائي والبيهقي و((مسند الإمام أحمد))،
((وَإِنْ كُنْتَ سَائِلًا لَا بُدَّ) أي: لا بد لك منه ولا غنى لك عنه.
(فَسَلِ الصَّالِحِينَ) أي: القادرين على قضاء الحاجة، أو أخيار الناس؛ لأنهم لا
يحرمون السائلين، ويعطون ما يعطون عن طيب نفس، ولأنهم لا يعطون إلا من
الحلال، ولا يكونون إلا كرماء رحماء، ولا يهتكون العرض، ولأنهم يدعون لك
فيستجاب، وقد سلف شيء من الكلام في معناه في شرح حديث سمرة بن جندب.
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ) وأخرجه أحمد (ج٤: ص٣٣٤) والبيهقي
(ج ٤: ص ١٩٧) والبخاري في ((تاريخه)) (ج ٤: ص١٣٧، ١٣٨) وسكت عنه أبو
داود .