Indexed OCR Text
Pages 501-520
٥٠٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
وقال في ((شرح الإحياء)): قال أبو حنيفة: هذا السهم مخصوص بجنس خاص
من الغزاة وهو الفقير المنقطع، وبه فسر في سبيل الله وبه قال أبو يوسف وهو
المفهوم من اللفظ عند الإطلاق، فلا يصرف إلى أغنياء الغزاة، انتهى.
وفيه أيضًا: تقييد المستثنى بالفقر مع كون المستثنى منه مطلقًا، وارتكاب
المجاز من غير دليل وهذا لا يجوز وأما حديث معاذ، فقد تقدم توجيهه. ومنها ما
ذكر ابن الهمام، قيل: لم يثبت هذا الحديث - يعني: الذي استدل به الشافعي ومن
وافقه، وهو حديث عطاء بن يسار - ولو ثبت لم يَقْوَ قوة حديث معاذ، فإنه رواه
أصحاب الكتب الستة مع قرينة حديث عبد الله بن عمرو، ولو قوي قوته ترجح
حديث معاذ بأنه مانع وما رواه مبيع، ذكره القاري.
قلت: حديث عطاء بن يسار هذا موصول صحيح ثابت قوي لا مطعن فيه كما
ستعرف، ولا مخالفة بينه وبين حديثي عبد الله بن عمرو ومعاذ حتى يصار إلى
الترجيح وقد تقدم بیان معناهما.
م فائدة:
اختلفوا في المراد من سبيل الله في آية المصارف، فقيل: المراد به الغزاة وعليه
الجمهور .
قال الباجي: هو الغزو والجهاد، قاله مالك وجمهور الفقهاء. وقال الخرقي:
وسهم في سبيل اللّه وهم الغزاة. قال ابن قدامة: هذا الصنف السابع من أهل
الزكاة ولا خلاف في استحقاقهم، ولا خلاف في أنهم الغزاة في سبيل اللَّه؛ لأن
سبيل الله عند الإطلاق هو الغزو، انتهى.
ثم اختلف أهل هذا القول، فقال الأكثر: إنهم يعطون ما ينفقون في غزوهم وإن
كانوا أغنياء. وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: لا يعطى الغازي إلا إذا كان فقيرًا منقطعًا
به. قال الحافظ: أما سبيل اللّه فالأكثر على أنه يختص بالغازي غنيًّا كان أو فقيرًا،
إلا أن أبا حنيفة قال: يختص بالغازي المحتاج. وقيل المراد منه: منقطع الحاج وبه
قال محمد، وروي عن أحمد وإسحاق: إن الحج أيضًا من سبيل الله - يعني: إن
الحج من جملة السبل - مع الغزو ولأنه طريق بر.
كِتَابُ الرَّكاةِ
بَابُ مَنْ لَا تَحِلّ لَهُ الصَّدَقةَ
٥٠١
قال ابن قدامة: وعن أحمد تَخَّهُ رواية أخرى: لا يصرف منها في الحج، وبه
قال مالك والليث وأبو حنيفة والثوري والشافعي وأبو ثور وابن المنذر. وقيل:
اللفظ عام فلا يجوز قصره على نوع خاص، ويدخل فيه جميع وجوه الخير من
تكفين الموتى وبناء الجسور والحصون وعمارة المساجد وغير ذلك، نقل ذلك
القفال عن بعض الفقهاء، من غير أن يسميه كما في حاشية ((تفسير البيضاوي)) لشيخ
زادة، وإليه مال الكاساني؛ إذ فسره بجميع القرب.
قال في ((البدائع)): سبيل اللّه عبارة عن جميع القرب، ويدخل فيه كل من سعى
في طاعة الله وسبيل الخيرات إذا كان محتاجًا. وقال النووي في ((شرح مسلم)) :
وحكى القاضي عياض عن بعض العلماء أنه يجوز صرف الزكاة في المصالح
العامة، وتأول عليه هذا الحديث، أي: ما روى البخاري في القسامة، أنه مَ لَهُ وَدَاهُ
الذي قتل بخيبر مائة من إبل الصدقة .
قلت: واحتج للقول الثاني بما روى أبو داود، عن ابن عباس: إن امرأة قالت
لزوجها: أحججني مع رسول اللَّه ◌َ ل﴾له على جملك فلان، قال: ذاك حبيس في سبيل
اللَّه ... الحديث. وفيه: أن رسول اللَّه ◌َ له قال: ((أَمَا إِنَّكَ لَوْ أَحْجَجْتَهَا عَلَيْهِ كَانَ
فِي سَبِيلِ اللَّهِ). وبما روي عن أمِّ معقل الأسدية: أن زوجها جعل بكرًا في سبيل الله
وأنها أرادت الحج ... الحديث.
وفيه: فأمر رسول اللَّهِبَ لَه أن يعطيها البكر، وقال رسول اللَّه ◌َّه (( إِنَّ الْحَجَّ مِنْ
سَبِيلِ اللّهِ) أخرجه أحمد وغيره، وبما روي عن أبي لاس، قال: حملنا النبي وَلِّ
على إبل من الصدقة للحج، ذكره البخاري تعليقًا بصيغة التمريض، ووصله أحمد
وابن خزيمة والحاكم.
قال الشوكاني: حديث أم معقل وحديث أبي لاس يدلان على أن الحج من سبيل
الله، وأن من جعل شيئًا من ماله في سبيل الله جاز له صرفه في تجهيز الحجاج،
وإذا كان شيئًا مركوبًا جاز حمل الحاج عليه، ويدلان أيضًا على أنه يجوز صرف
شيء من سهم سبيل الله من الزكاة إلى قاصدين الحج، انتهى.
٥٠٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
وبما روى ابن عبيدٍ في ((الأموالٍ)) عن أبي معاوية وابن أبي شيبة في ((مصنفه)) عن
أبي جعفر كلاهما، عن الأعمش، عن حسن إلى الأشرس، عن مجاهد، عن ابن
عباس: أنه كان لا يرى بأسًا أن يعطى الرجل من زكاة ماله في الحج وأن يعتق منها
الرقبة .
وبما روي عن ابن عمر، أنه سئل عن امرأة أوصت بثلاثين درهمًا في سبيل الله
فقيل له: أتجعلُ في الحجِّ؟ فقال: أما أنه من سُبل الله. أخرجه أبو عبيدٍ بإسنادٍ
صحيحٍ عنه، والقول الراجح عنديٍ: هو ما ذهب إليه الجمهور من أن المراد به
الغزو والجهاد خاصة؛ لأن سبيل اللّه إذا أطلق في عرف الشرع فهو في الغالب واقع
على الجهاد حتى كأنه مقصور عليه.
قال ابنُ العربي في ((أحكام القرآن)): قوله: ﴿فِى سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦٠]. قال
مالك: سبل اللَّه كثيرة، ولكني لا أعلم خلافًا في أن المراد بسبيل اللّه هاهنا الغزو،
ولحديث عطاء بن يسار الذي نحن في شرحه وهو حديث صحيح مفسر لقوله: ﴿فى
سَبِيلِ اللَّهِ﴾، في الآية فيجب حمله عليه، ولم أر عنه جوابًا شافيًا من أحد، وإليه
ذهب ابن حزم؛ إذ قال وأما سبيل اللّه فهو الجهاد بحق، ثم ذكر حديث عطاء بن
يسار عن أبي سعيد من طريق أبي داود وهو الذي رجحه ابن قدامة، حيث قال:
وهذا أصحُّ لأن سبيل اللَّه عند الإطلاق إنما ينصرف إلى الجهاد، فإن كل ما في
القرآن من ذكر سبيل اللَّه إنما أريد به الجهاد إلا اليسير، فيجب أن يحمل ما في هذه
الآية على ذلك؛ لأن الظاهر إرادته به، انتهى.
وهو الذي صحَّحه الخازن في ((تفسيره)) حيث قال: والقول الأول هو الصحيح
لإجماع الجمهور عليه، ورجحه أيضًا العلامة القنوجي البوفالي في ((تفسيره))؛ إذ
قال: والأول أولى لإجماع الجمهور عليه، وبه فسر الشوكاني في ((فتح القدير))
(ج٢: ص ٣٥٦) ورجحه، واختاره أيضًا غيرهم من المفسرين.
وأما الأحاديث التي استدل بها أهل القول الثاني، فقد أجيب عنها بوجهين.
الأول: الكلام فيها إسنادًا، فإن حديث ابن عباس في إسناده عامر بن عبد الواحد
الأحول، وقد تكلم فيه أحمد والنسائي، وقال الحافظ: صدوق يخطئ. وقد روى
الشيخان عن ابن عباس نحو هذه القصة، وليس عندهما أنه جعل جملة: ((حبيسًا في
كِتَابُ الرَّكاةِ
بَابُ مَنْ لَا تَحِلَّ لَه الصَّدَقةُ
٥٠٣
سبيل الله))، ولا أن رسول اللَّهُ وٍَّ قال: ((لَوْ أَحْجَجْتَهَا عَلَيْهِ كَانَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ)).
وأما حديث أم معقل ففيه اضطراب كثير واختلاف شديد في سنده ومتنه، حتى
تعذر الجمع والترجيح مع ما في بعض طرقه من راو ضعيف ومجهول ومدلس قد
عنعن، وهذا مما يوجب التوقف فيه وذلك لا يشك فيه من ينظر في طرق هذا
الحديث في ((مسند الإمام أحمد)) وفي ((السنن)) مع حديث ابن عباس عند الشيخين
وأبي داود وابن أبي شيبة، ومع قصة أم طليق عند ابن السكن وابن منده
والدولابي. وقد حمل ذلك بعضهم على وقائع متعددة ولا يخفى بعده. وأما
حديث أبي لاس، فقال الحافظ في ((الفتح)): رجاله ثقات، إلا أن فيه عنعنة ابن
إسحاق، ولهذا توقف ابن المنذر في ثبوته، انتهى. ويشير بذلك إلى ما حكي عنه
أنه قال: إن ثبت حديث ابن لاس قلت بذلك، قال الحافظ: وتعقب بأنه يحتمل
أنهم كانوا فقراء وحملوا عليها خاصة ولم يتملكوها، انتهى، وأما أثر ابن عباس
فهو أيضًا مضطرب صرح به أحمد، كما في ((الفتح)) وقد بين اضطرابه الحافظ،
ولذلك كف أحمد عن القول بالإعتاق من الزكاة؛ تورعًا، وقيل: بل رجع عن هذا
القول. والثاني: أنه لا ينكر إن الحج من سبيل الله بل كل فعلٍ خير من سبيل الله،
لكن لا يلزم من هذا أن يكون السبيل المذكور في هذه الأحاديث هو المذكور في
الآية، فإن المراد في هذه الأحاديث المعنى الأعم وفي الآية نوع خاص منه، وهو
الغزو والجهاد؛ لحديث أبي سعيد. وإلا فجميع الأصناف من سبيل اللَّه بذلك
المعنى .
قال ابن حزم: فإن قيل: قد روي عن رسول اللّه وَ لَ﴾ (( إِنَّ الْحَجَّ مِنْ سَبِيلِ اللَّهِ .. ))،
وصح عن ابن عباس: أن يعطى منها في الحج؛ قلنا: نعم، وكل فعل خير فهو من
سبيل الله تعالى، إلا أنه لا خلاف في أنه تعالى لم يرد كل وجه من وجوه البر في
قسمة الصدقات، فلم يجز أن توضع إلا حيث بين النص وهو الذي ذكرنا، انتهى.
وقال ابن قدامة: هذا - أي: عدم صرف الزكاة في الحج - أصح؛ لأن الزكاة
إنما تصرف إلى أحد رجلين: محتاج إليها كالفقراء والمساكين، وفي الرقاب
والغارمين لقضاء ديونهم وابن السبيل، أو من يحتاج إليه المسلمون كالعامل
والغازي والمؤلف والغارم لإصلاح ذات البين والحج من الفقير لا نفع للمسلمين
فيه ولا حاجة بهم إليه ولا حاجة به أيضًا إليه؛ لأن الفقير لا فرض عليه فيسقطه ولا
٥٠٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
مصلحة له في إيجابه عليه وتكليفه مشقة قد رفهه اللَّه منها، وخفف عنه إيجابها .
وأما الخبر - يعني: حديث ((إِنَّ الحَجَّ فِي سَبِيلِ اللَّهِ)) - فلا يمنع أن يكون الحج من
سبيل الله، والمراد بالآية غيره لما ذكرنا، انتهى.
وقال ابن الهمام متعقبًا على الاستدلال المذكور: ثم فيه نظر؛ لأن المقصود ما
هو المراد بسبيل اللّه المذكور في الآية، والمذكور في الحديث لا يلزم كونه إياه
لجواز أنه أراد الأمر الأعم، وليس ذلك المراد في الآية بل نوع مخصوص، وإلا
فكل الأصناف في سبيل اللَّه بذلك المعنى، انتهى.
وقال صاحب ((تفسير المنار)): بعد الكلام في سند حديث أم معقل ما لفظه:
وأقول: من جهة المعنى، أولًا: إنَّ جَعْلَ أبي معقل جَمَلَة في سبيل اللّه أو وصيته به
صدقةٌ تطوع، وهي لا يشترط فيها أن تصرف في هذه الأصناف التي قصرتها عليها
الآية، وثانيًا: إن حج امرأته عليه ليس تمليكًا لها يُخْرِجُ الجَمَلَ عن إبقائه على ما
أوصى به أبو معقل، ويقال مثل هذا في حديث أَبِي لَاسٍ.
وثالثًا: إن الحج من سبيل اللَّه بالمعنى العام للفظ، والراجح المختار أنه غير
مراد في الآية، انتهى.
وأما القول الثالث فهو أبعد الأقوال؛ لأنه لا دليل عليه لا من كتاب ولا من سنة
صحيحة أو سقيمة ولا من إجماع، ولا من رأى صحابي ولا من قياس صحيح أو
فاسد، بل هو مخالف للحديث الصحيح الثابت، وهو حديث أبي سعيد. ولم
يذهب إلى هذا التعميم أحد من السلف إلا ما حكى القفال في ((تفسيره)) عن بعض
الفقهاء المجاهيل، والقاضي عياض عن بعض العلماء الغير المعروفين.
قال صاحب ((تفسير المنار)): أما عموم مدلول هذا اللفظ فهو يشمل كل أمر
مشروع أريد به مرضاة الله تعالى بإعلاء كلمته وإقامة دينه وحسن عبادته ومنفعة
عباده، ولا يدخل فيه الجهاد بالمال والنفس إذا كان لأجل الرياء والسمعة، وهذا
العموم لم يقل به أحد من السلف ولا الخلف، ولا يمكن أن يكون مرادًا هنا؛ لأن
الإخلاص الذي يكون به العمل في سبيل الله أمر باطني، لا يعلمه إلا الله تعالى،
فلا يمكن أن تناط به حقوق مالية دولية. وإذا قيل: إن الأصل في كل طاعة من
المؤمن أن تكون لوجه الله تعالى، فيراعي هذا في الحقوق عملاً بالظاهر، اقتضى
كِتَابُ الرَّڪاةِ
بَابٌ مَنْ لَا تَحِلَّ له الصَّدقة
٥٠٥
هذا أن يكون كل مصل وصائم ومتصدق. وقارئ للقرآن، وذاكر لله تعالى،
ومميط للأذى عن الطريق مستحقًّا بعمله هذا للزكاة الشرعية، فيجب أن يعطى
منها. ويجوز له أن يأخذ منها وإن كان غنيًّا، وهذا ممنوع بالإجماع أيضًا وإرادته
تنافي حصر المستحقين في الأصناف المنصوصة؛ لأن هذا الصنف لأحد جماعاته
فضلًا عن أفراده، وإذا وكل أمره إلى السلاطين والأمراء تصرفوا فيه بأهوائهم
تصرفًا، تذهب حكمة فرضية الصدقة من أهلها، انتهى.
وأما ما يذكر للاحتجاج لذلك من رواية البخاري في دية الأنصاري الذي قتل
بخيبر مائة من إبل الصدقة، فهو مخالف لما روى البخاري أيضًا في قصته: ((إنه
وَدَاهُ مِنْ عِنْدِهِ)). وجمع بين الروايتين، بأنه اشتراه من أهل الصدقة بعد أن ملكوها
ثم دفعها تبرعًا إلى أهل القتيل، حكاه النووي عن الجمهور، وعلى هذا فلا حجة فيه
لمن ذهب إلى التعميم، وإذا تقرَّر هذا فلا يجوز صرف الزكاة في عمارة المساجد
والمعاهد الدينية وبناء الجسور، وإصلاح الطرق والشوارع وتكفين الموتى وقضاء
ديونهم وغير ذلك من أنواع البر؛ لأنه ليس هذا في شيء من المصارف
المنصوصة، وهو مذهب أحمد، كما يظهر من ((المغني)) (ج٢ ص ٦٦٧) ومالك
كما في ((المدونة)) (ج ٢ ص٥٩) وسفيان وأهل العراق وغيرهم من العلماء، كما في
((الأموال)) لأبي عبيد (ص٦١٠).
هذا وقد ألحق بعض العلماء بالغازي من كان قائمًا بمصلحة من مصالح
المسلمين؛ كالقضاء والإفتاء والتدريس وإن كان غنيًّا، وأدخله بعضهم في
العالمين، فأجاز له الأخذ من الزكاة فيما يقوم به مدة القيام بالمصلحة وإن كان
غنيًّا، ولا يخفى ما فيه.
وقال صاحب ((المنار)): إن سبيل اللّه هنا: مصالح المسلمين الشرعية التي بها
قوام أمر الدين والدولة دون الأفراد والأشخاص، وأن الحج ليس منها. وقال:
وأولها وأولاها بالتقديم الاستعداد للحرب بشراء السلاح، وأغذية الجند وأدوات
النقل وتجهيز الغزاة، قال: ويدخل في عمومه إنشاء المستشفيات العسكرية
والخيرية، وإشراع الطرق وتعبيدها ومد الخطوط الحديدية العسكرية لا التجارية.
ومنها: بناء البوارج المدرعة والمنطادات والطيارات الحربية والحصون
٥٠٦
ENDrES
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
والخنادق، قال: ويدخل فيه النفقة على المدارس للعلوم الشرعية وغيرها مما تقوم
به المصلحة العامة، وفي هذه الحالة يعطى منها معلمو هذه المدارس ماداموا
يؤدون وظائفهم المشروعة التي ينقطعون بها عن كسب آخر ولا يعطى عالم غني
لأجل علمه وإن كان يفيد الناس به، انتهى. قلت: حديث أبي سعيد ينافي هذا
التعميم لكونه كالنص في أن المراد بسبيل اللّه المطلق في الآية هم الغزاة
والمجاهدون خاصة، فيجب الوقوف عنده.
(أَوْ لِعَامِلِ عَلَيْهَا) أي: على الصدقة قال تعالى: ﴿وَالْعَمِلِينَ عَلَيْهَا﴾ [التوبة: ٢٠] أي :
الذين يوليهم الإمام أو نائبه العملَ على جمعها من الأغنياء وهم الجباة والسعاة
وعلى حفظها وهم الخزنة، وكذا الرعاة للأنعام منها والكتبة لديوانها. قال ابنُ
قدامة: هم السعاة الذين يبعثهم الإمام لأخذها من أربابها وجمعها وحفظها ونقلها
ومن يعينها ممن يسوقها ويرعاها ويحملها، وكذلك الحاسب والكاتب والكيال
والوزان والعداد وكل من يحتاج إليه فيها، انتهى.
وفي الحديث دليل على أنه تحل الصدقة للعامل وإن كان غنيًّا، والمراد بذلك ما
يعطى بطريق العمالة، بضم المهملة وخفة الميم، أي: رزقه على عمله. ولا
خلاف في هذا بين أهل العلم؛ لأن ما يستحقه العامل إنما يستحقه بطريق العمالة لا
بطريق الصدقة، فلا يشترط أن يكون فقيرًا. قال الخطابي: أما العامل فإنه يعطى
منها عمالة على قدر عمله وأجرة مثله، فسواء كان غنيًّا أو فقيرًا فإنه يستحق العمالة
إذا لم يفعله متطوعًا، انتهى.
فإن كان العامل عمالته على عمله لا على فقره، فإن لم تكْفِهِ كان له أن يأخذ
بفقره ما يأخذ أمثاله. ثم اختلف العلماء: هل يستحق العامل على عمله جزاء منها
معلومًا معينًا سبعًا أو ثمنًا، أو يعطى قدر عمله على حسب اجتهاد الإمام، فحكي
عن الشافعي: أنه يعطى الثمن، لكن في فروع الشافعية: أنه يعطى قدر أجرة عمله،
وهكذا عند المالكية الحنابلة والحنفية أنه يعطى بقدر أجره وعمله، روى أبو عبيد
عن مالك أنه قال: ليس للعامل على الصدقة فريضة مسماة، إنما ذلك إلى نظر
الإمام واجتهاده.
قال أبو عبيد: وكذلك قول سفيان وأهل العراق، وهذا عندنا هو المعمول به لا
كِتَاب الزَّكاةِ
٥٠٧
بَابُ مَنْ لَا تَجِلَّ لَهُ الصَّدقةُ
**************<<<<<<<<<****<<<<<< ea **
قول من يذهب إلى توقيت الثمن. ولو كان ذلك محدودًا لكانت حال الأصناف
الثمانية كلهم كحالهم، أي: كحال العاملين، لكنهم عندنا إنما هم ولاة من ولاة
المسلمين، كسائر العمال من الأمراء والحكام وجباة الفيء وغير ذلك، فإنما لهم
من المال بقدر سعیھم وعمالتهم، ولا يبخسون منه شيئًا ولا یزادون علیه، انتهى.
ثم إنه يبدأ بإعطاء العامل عند المالكية والحنابلة؛ لأنه يأخذه على طريق
المعاوضة، فكان استحقاقه أقوى، ولذلك يعطى جميعها إن كانت قدر عمله، وإذا
عجزت عن أجره تمم له من بيت المال. ولا يزاد على نصف ما يجمعه عند
الحنفية، وعلى الثمن عند الشافعية. قال في ((الإحياء)): إن فضل شيء من الثمن
عن أجر مثله رد على بقية الأصناف، وإن نقص كمل من مال المصالح، انتهى.
ثم اختلفوا في أن استحقاق العامل بعمله هل على سبيل الكفاية له لأعوانه أو
على سبيل الأجرة، فقال الحنفية كما في ((البدائع)): على سبيل الكفاية لا على طريق
الأجرة؛ لأن الأجرة مجهولة؛ لأن قدر الكفاية له ولأعوانه غير معلوم؛ ولأن
الأجرة لا تكون إلا على عملٍ معلوم ومدة معينة. وقال غيرهم بطريق الأجرة، لكن
عند الشافعية يستحق أجرة المثل.
وقال ابن قدامة (ج٦: ص٤٢٦): الإمام مخير بين أن يستأجر العامل إجارة
صحيحة بأجر معلوم، إما على مدة معلومة، وإما على عمل معلوم، وبين أن
یجعل له جعاًا معلومًا على عمله فإذا عمله استحق المشروط، وإن شاء بعثه من غير
تسمية ثم أعطاه، فإن عمر رَو ◌َّّهُ قد عمله رسول اللّه ◌َ له بعد ما رجع من عمله، فقال
عمر: أعطه أحوج مني ... الحديث. فإن تلفت الصدقة بيده قبل وصولها إلى
أربابها من غير تفريط فلا ضمان عليه، ويستحق أجرة من بيت المال، وإن لم تتلف
أعطى أجر عمله منها، وإن كان أكثر من ثمنها أو أقل. ثم قسم الباقي على أربابها؛
لأن ذلك من مؤنتها، فجرى مجرى علفها ومداوامتها، وإن رأى الامام أعطاه أجرة
من بيت المال أو يجعل له رزقًا في بيت المال ولا يعطيه منها شيئًا فعل، انتهى.
قلت: الظاهر عندي: إن العامل يستحقه على سبيل الأجرة؛ لأن سبب
الاستحقاق إنما هو عمله، فيكون المأخوذ في مقابلته أجرة، فيعطى عمالة بقدر
عمله وأجرة مثله، فإن كانت زائدة على حاجته أو كان غير محتاج فله أن يأكل منها
٥٠٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
ويتصدق، كما يدلُّ عليه قوله {َّهِ: ((كُلْ وَتَصَدَّقْ))، وقد يجب عليه الزكاة فيما يأخذ
منها بشروطها من النصاب والحول، وقد يستغني عنه فيسقط سهمه، ثم هذا
مخصص بما تقدم من حديث المطلب بن ربيعة وحديث أبي رافع فلا يعطى العامل
الهاشمي ومولاه عمالته منها .
(أَوْ لِغَارِم) هو من غرم لا لنفسه بل لغيره، كإصلاح ذات البين بأن يخاف وقوع
فتنة بين شيخين أو قبيلتين، فيستدين من يطلب صلاح الحال بينهما مالًا لتسكين
الثائرة، فيجوز له أن يقضى ذلك من الزكاة وإن كان غنيًّا، هذا فسره الشافعي
والجمهور.
قال ابن تيمية في ((المنتقى)): يحمل هذا الغارم على من تحمل حمالة لإصلاح
ذات البين كما في حديث قبيصة الآتي، لا لمصلحة نفسه؛ لقوله في حديث أنس :
((أَوْ لِذِي غُرْم مُفْظِع))، انتهى.
وقال الخطابي: أما الغارم الغني فهو الرجل يتحمل الحمالة ويدان في المعروف
وإصلاح ذات البين، وله مال إن بيع فيها افتقر، فيوفر عليه ماله، ويعطى من
الصدقة ما يقضي به دينه. وأما الغارم الذي يدان نفسه وهو معسر فلا يدخل في هذا
المعنى؛ لأنه من جملة الفقراء، انتهى.
وقال أبو حنيفة: الغارم مديون استغرق دينه ماله، وفي ((الهداية)): الغارم من
لزمه دين ولا يملك نصابًا فاضلاً عن دينه. وَرُدَّ: بأنه من جملة الفقراء، والحاصل :
أن الغارم يحل له أخذ الزكاة لقضاء ما تحمل وإن كان غنيًّا فهو كالغازي المؤلف
عند الشافعي وأحمد والجمهور.
قال أبو حنيفة: لا تحل له إلا إذا كان فقيرًا؛ لعموم حديث عبد الله بن عمرو
المتقدم مع حديث معاذ.
قال الشوكاني: لا وجه لاشتراط الفقر فيه؛ فإن القرآن لم يشترط ذلك، والسنة
المطهرة مصرحة بعدم اشتراط الفقر فيه، كما في حديث أبي سعيد ... فذكره، ثم
قال: فهذا الحديث فيه التصريح بعدم اشتراط الفقر في الغارم ومن ذكر معه، بل
يعطى الغارم من الزكاة ما يقضي دينه، وإن كان أنصبًا كثيرة، وأجاب الكاساني عن
هذا الحديث بمثل ما أجاب به في مسألةِ الغازي، فقال: تسمية الغارم غنيًّا على
كِتَابُ الرَّكَاةِ
بَابٌ مَنْ لَا تَحِلَّ لَهُ الصَّدَقَةُ
٥٠٩
اعتبار ما كان قبل حلول الغرم به، وقد حدثت له الحاجة بسبب الغرم وقد تقدم
الجواب عن هذا.
(أَوْ لِرَجُل) أي: غني. (اشْتَرَاهَا) أي: الزكاة من الفقير. (بِمَالِهِ) وهذا بعمومه
يقتضي جوازً شراء المتصدق صدقته ممن دفعها إليه، وهو قول أبي حنيفة والشافعي
ومن وافقهما، وحمل هؤلاء قوله {ّ: ((لَا تَبْتَعُهُ وَلَا تَعُدْ فِي صَدَقَتِكَ)) على كراهة
التنزيه. وذهب قوم إلى عدم جواز شراء صدقة نفسه، وحملوا النهي على التحریم،
وقالوا: المراد بالرجل الغني في حديث أبي سعيد غير المتصدق، فيجوزُ له شراء
صدقة غيره.
قال ابن قدامة (ج٢ ص٦٥١): وليس لمخرج الزكاة شراؤها ممن صارت إليه،
وروى ذلك عن الحسن، وهو قول قتادة ومالك. قال أصحاب مالك: فإن اشتراها
لِمِ ينقض البيع. وقال الشافعي وغيره: يجوز لقول النبي ◌َّ: ((لَا تَحِلَّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيِّ
إِلَّا لِخَمْسَةٍ رَجُلِ إِبْتَاعَهَا بِمَالِهِ ... )). وروى سعيد في ((سننه)): أن رجلًا تصدق على
أمِّه بصدقة ثم ماتت، فسأل النبي ◌َّ فقال: ((قَدْ قَبِلَ اللَّهُ صَدَقَتَكَ، وَرَدَّهَا إِلَيْكَ
الْمِيرَاثُ)) وهذا في معنى شرائها؛ ولأن ما صح أن يملك إرثًا صح أن يملك ابتياعًا
كسائر الأموال، ولنا ما روى عمر أنه قال: حملت على فرس في سبيل الله فأضاعه
الذي كان عنده، وظننت أنه بائعه برخص، فأردت أن أشتريه، فسألت رسول الله
وَه فقال: ((لَا تَبْتَعْهُ وَلَا تَعُدْ فِي صَدَقَتِكَ، وَلَوْ أَعْطَاكَهُ بِدِرْهَم ... )) الحديث، متفق
عليه. فإن قيل: يحتمل إنها كانت حبسًا في سبيل الله فمنعهً لذلك، قلنا: لو كان
حبسًا لما باعها الذي هي في يده، ولا هَمَّ عمر بشرائها؛ ولأن النبي وَّ ما أنكر
بيعها إنما أنكر على عمر الشراء معللًا بكونه عائدًا في الصدقة، الثاني: إننا نحتج
بعموم اللفظ من غير نظر إلى خصوص السبب، فإن النبي رَِّ قال: ((لَا تَعُدْ فِي
صَدَقَتِكَ)) أي: بالشراء، والأخذ بعموم اللفظ أولى من التمسك بخصوص السبب،
فإن قيل: إن اللفظ لا يتناول الشراء، فإن العود في الصدقة استرجاعها بغير عوض
وفسخ للعقد كالعود في الهبة، ولو وهب إنسانًا شيئًا ثم اشتراه منه جاز. قلنا:
النبي ◌َّ ذكر ذلك جوابًا لعمر حين سأله عن شراء الفرس، فلو لم يكن اللفظ
متناولًا للشراء المسئول عنه لم يكن مجيبًا له، ولا يجوز إخراج خصوص السبب
من عموم اللفظ، لئلا يخلو السؤال عن الجواب.
٥١٠
***=
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
وقد روي عن جابر وابن عمر النهي عن اشتراء المتصدق صدقته؛ ولأن في
شرائه لها وسيلة إلى استرجاع شيء منها؛ لأن الفقير يستحيي منه، فلا يماكسه في
ثمنها، وربما رخصها له طمعًا في أن يدفع إليه صدقة أخرى، أما حديثهم، فنقول به
وإنها ترجع إليه بالميراث وليس هذا محل النزاع.
قال ابن عبد البر: كل العلماء يقولون إذا رجعت إليه بالميراث طابت له، إلا ابن
عمر والحسن بن حي، وليس البيع في معنى الميراث؛ لأن الملك ثبت بالميراث
حكمًا بغير اختياره، وحديث أبي سعيد عام وحديثنا خاص فالعمل به أولى، انتهى.
وقال الشوكاني: لا معارضة بين الحديثين؛ لأن حديث عمر في صدقة التطوع
وحديث أبي سعيد في صدقة الفريضة، فيكون الشراء جائزًا في صدقة الفريضة
... إلى آخر ما قال.
(أَوْ لِرَجُلٍ) أي: غني. (كَانَ لَهُ جَارٌ) ذكره تمثيلاً لا احترازًا فلا مفهوم له.
(مِسْكِينٌ) المراد به ما يعم الفقير أيضًا. (فَتُصُدِّق) بصيغة المجهول. (عَلَى
الْمِسْكِينِ) بشيء. (فَأَهْدَى) أي: ذلك الشيء. (الْمِسْكِينُ) بالرفع. (لِلْغَنِيِّ) أي:
فيحل له، كما تقدم في قصة بريرة، وفي هذا والذي قبله دليل على أن الزكاة
والصدقة إذا بلغت محلها ملكها الآخذ، فيجوز له التصرف فيها بالبيع والصدقة
والهدية، وتغيّرت صفتُها وزال عنها اسم الزكاة، وتغيرت الأحكام المتعلقة بها،
والحكم المذكور في الحديث إنما هو صدقة الفريضة. وأما التطوع فيحل للغني
والفقير مطلقًا .
(رَوَاهُ مَالِك) أي: عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار مرسلًا. (وَأَبُو دَاوُدَ)
وأخرجه أيضًا الحاكم (ج١: ص٤٠٨) كلاهما من طريق مالك، ورواه البيهقي من
طريق أبي داود (ج ٧: ص ١٥) قال أبو داود: ورواه ابن عيينة عن زيد بن أسلم كما
قال مالك، أي: مرسلًا، ورواه الثوري عن زيد فقال: حدثني الثبت، عن النبي وَّه
انتهى. وأخرجها أبو عبيد في ((الأموال)) (ص٥٤٩ - ٦١٠) قال: حدثنا يحيى بن
سعيد، عن سفيان، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار مرسلاً. قال ابنُ عبد البر:
قد وصل هذا الحديث جماعة من رواية زيد بن أسلم، انتهى.
٥١١
كِتَابُ الرَّكاةِ
***<<<<<**<<<<<<<******<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<< <<<<<<<
بَابُ مَنْ لَا تَحِلَّ لَهُ الصَّدَقَةُ
قلت: اختلف في هذا الحديث على زيد بن أسلم عن عطاء. فقال مالك وابن
عيينة وغيرهما من أصحابه عنه، هكذا مرسلًا. ورواه الثوري. فقيل عنه هكذا،
وقيل عن عطاء: حدثني الثبت، كما أشار إليه أبو داود. وقيل عن عطاء عن أبي
سعيد الخدري أخرجه الدار قطني (ص٢١١) والبيهقي (ج ٧: ص ١٥) من طريق
عبد الرزاق عن معمر والثوري، كلاهما عن زيد بن أسلم، عن عطاء عن أبي
سعيد .
ورواه معمر عن زيد بن أسلم، عن عطاء عن أبي سعيد من غير خلاف فيه،
أخرجه أبو داود وابن ماجه وأحمد (ج٣: ص٥٦) والبزار والحاكم (ج ١: ص ٤٠٧)
والبيهقي (ج ٧: ص١٥ - ٢٢) والوصل زيادة من الثقة العدل لا يحل تركها، فلا
يلتفت إلى قول من أعله بإرسال من أرسله كائنًا من كان، وقد صححه جماعة كما
قال الحافظ في ((التلخيص))، ومنهم الحاكم حيث قال: حديث صحيح على شرط
الشيخين، ووافقه الذهبي، قال الحاكم: ولم يخرجه الشيخان لإرسال مالك إياه
عن زيد بن أسلم، ثم رواه من طريقه مرسلًا، وقال: هذا من شرط في خطبة
الكتاب إنه صحيح فقد يرسل مالك في الحديث ويصله ويسنده ثقة، والقول قول
الثقة الذي يصله ويسنده .
١٨٤٩ - [١٤] وَفِي رِوَايَةٍ لِأَبِي دَاوُدَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ: ((أَوِ ابْنِ
السَّبِيلِ)).
{ضعیف}
الْشِّرْحُ
١٨٤٩ - قوله: (وَفِي رِوَايَةٍ لِأَبِي دَاوُدَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ) هذه الرواية من رواية
عطية بن سعد العوفي عن أبي سعيد، وقد أخرجها البيهقي (ج٧: ص٢٢، ٢٣)
والطحاوي (ج١: ص٢٠٦) أيضًا. قال المنذري: وعطية هو ابن سعد أبو الحسن
العوفي الكوفي ولا يحتج بحديثه. (أَوِ ابْنِ السَّبِيلِ) هو الغريب المنقطع عن ماله،
(١٨٤٩) وَأَبُو دَاوُد (١٦٣٧) عَنْ أَبِي سَعِيدٍ .
٥١٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
وإن كان غنيًّا في وطنه.
قال ابن قدامة (ج٦: ص٤٣٨): هو المسافر الذي ليس له ما يرجع به إلى بلده
وله اليسار في بلده فيعطى ما يرجع به، وهذا قول قتادة، ونحوه قال مالك
وأصحاب الرأي.
وقال الشافعي: هو المجتاز ومن يريد إنشاء السفر إلى بلد أيضًا، فيدفع إليهما ما
يحتاجان إليه لذهابهما وعودهما؛ لأنه يريد السفر لغير معصية، فأشبه المجتاز.
ولنا أن ابن السبيل هو الملازم للطريق الكائن فيها كما يقال: ولد الليل، للذي يكثر
الخروج فيه، والقاطن في بلده ليس في طريق، ولا يثبت له حكم الكائن فيها ولهذا
لا يثبت له حكم السفر بِهَمِّهِ به دون فعله؛ ولأنه لا يفهم من ابن السبيل إلا الغريب
دون من هو في وطنه ومنزله، وإن انتهت به الحاجة منتهاها فوجب أن يحمل
المذكور في الآية - وكذا في الحديث - على الغريب دون غيره ... إلى آخر ما
بسطه .
قال البيهقي: (ج ٧: ص٢٣) هذا الحديث إن صح قائمًا، أراد - والله أعلم -
ابن سبيل غني في بلده، محتاج في سفره، وحديث عطاء بن يسار عن أبي سعيد
أصح طريقًا، وليس فيه ذكر ابن السبيل، انتهى. قلتُ: مدار هذه الرواية على عطية
العوفي، وقد تقدم كلام المنذري فيه. وقال أبو داود: ليس بالذي يعتمد عليه،
وضعفه أحمد وأبو حاتم والنسائي، وذكره ابن حبان في ((الضعفاء)).
وقال أبو زرعة: لین.
وقال الحافظ: صدوق يخطئ كثيرًا، كان شيعيًّا، مدلسًا.
كِتَابُ الرَّكاةِ
بَابٌ مَنْ لَا تَحِلَّ له الصَّدَقةَ
٥١٣
١٨٥٠ - [١٥] وَعَنْ زِيَادِ بْنِ الْحَارِثِ الصُّدَائِيّ قَالَ: أَتَيْتُ النَِّيَّ وَلَّه
فَبَايَعْتُهُ، فَذَكَرَ حَدِيثًا طَوِيلًا، فَأَتَاهُ رَجُلٌ فَقَالَ: أَعْطِنِي مِنَ الصَّدَقَةِ، فَقَالَ لَهُ
رَسُولُ اللَّهِ وَلّهِ: ((إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَرْضَ بِحُكْمِ نَبِيٍّ وَلَا غَيْرِهِ فِي الصَّدَقَاتِ، حَتَّى
حَكَمَ فِيهَا هُوَ ، فَجَزَّأَهَا ثَمَانِيَةَ أَجْزَاءٍ، فَإِنَّ كُنْتَ مِنْ تِلْكَ الْأَجْزَاءِ أَعْطَيْتُكَ)).
[رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ]
G O
الشَّرْحُ
١٨٥٠ - قوله: (الصُّدَائِيِّ) بضم صاد وخفة دال مهملة فألف فهمزة نسبة إلى
صداء. (فَذَكَرَ) أي: زياد بن الحارث. (حَدِيثًا طَوِيلًا) رواه المزي في (تهذيبه))
بسنده عن زياد بن نعيم الحضرمي عن زياد بن الحارث، ونقله عنه في حاشية
((تهذيب التهذيب)) تحت ترجمة زياد بن الحارث.
(فَأَتَاهُ) أي: أتى النبي ◌َّهُ. (رَجُلٌ) لم يعرف اسمه. (فَقَالَ) أي: الرجل
لرسول اللّهِ وَله. (إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَرْضَ بِحُكْمِ نَبِيٍّ وَلَا غَيْرِهِ فِي الصَّدَقَاتِ) أي: في
مصارفها. (حَتَّى حَكَمَ فِيهَا هُوَ) بنفسه .
قال الخطابي: فيه دليل على أن بيان الشريعة قد يقع من وجهين: أحدهما: ما
تولى الله بيانه في الكتاب، وأحكم فرضه، فليس به حاجة إلى زيادة من بيان
النبي وَّل، وبيان شهادات الأصول، والوجه الآخر: ما ورد ذكره في الكتاب
مجملًا، ووكل بيانه إلى النبي وَالر فهو يفسره قولًا وفعلًا، أو يتركه على إجماله؛
ليتنبه فقهاء الأمة ويستدركوه استنباطًا واعتبارًا بدلائل الأصول، وكل ذلك بيان
مصدره عن اللَّه تعالى ورسوله وَله .
(فَجَزَّأَهَا) بتشديد الزاي فهمز من التجزئة أي: قسم أصحابها. (ثَمَانِيَةَ أَجْزَاءٍ)
أي: أصناف أو قسم مصارفها ثمانية أنواع.
(١٨٥٠) أَبُو دَاوُد (١٦٣٠) عَنْهُ فِيهَا .
٥١٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
(فَإِنْ كُنْتَ مِنْ تِلْكَ الْأَجْزَاءِ) أي: من أصحاب تلك الأجزاء. (أَعْطَيْتُكَ) كذا في
جميع النسخ، وكذا نقله المجد بن تيمية في ((المنتقى))، ووقع في ((سنن أبي داود)):
((أَعْطَيْتُكَ حَقَّكَ))، وكذا نقله الجزري في ((جامع الأصول))، والبغوي في
((المصابيح))، والخطابي في ((المعالم))، وكذا وقع عند البيهقي، والظاهر: أنه
سقط لفظ ((حَقَّكَ)) من نسخ ((المشكاة)) من النساخ، أو قلد المصنف في ذلك
صاحب ((المنتقى)).
قال الخطابي (ج٢: ص٥٦): في قوله: ((فَإِنْ كُنْتَ مِنْ تِلْكَ الْأَجْزَاءِ أَعْطَيْتُكَ
حَقَّكَ)) دليل على أنه لا يجوز جمع الصدقة كلها في صنف واحد، وأن الواجب
تفرقتها على أهل السهمان بحصصهم، ولو كان معنى الآية بيان المحل دون
الحصص لم يكن للتجزئة معنى، ويدل على صحة ذلك قوله: ((أَعْطَيْتُكَ حَقَّكَ))
فبين أن لأهل كل جزء على حدة حقًّا، وإلى هذا ذهب عكرمة وهو قول الشافعي.
قلت: اختلف الأئمة في أنه هل يجوز أن تصرف جميع الصدقة إلى صنف واحد
من الأصناف المنصوصة مع وجود جميعها، أم هم شركاء في الصدقة لا يجوز أن
يخص بها صنف دون صنف؟ فذهب مالك وأبو حنيفة وأصحابه وأحمد إلى أنه
يجوز للإمام أن يصرفها في صنف واحد، ويجوز أن يعطيها شخصًا واحدًا، وهو
قول حذيفة وابن عباس وعمر. وبه قال سعيد بن جبير، والحسن والنخعي وعطاء .
واليه ذهب الثوري وأبو عبيد والشعبي.
وقال الشافعي وأصحابه: لا يجوز ترك صنف منهم مع وجوده بل يجب التعميم
في القسمة، واستيعاب الأصناف والتسوية بينها، وروي عن النخعي أنه قال: إن
كان المال كثيرًا يحتمل الأصناف قسمه عليهم، وإن كان قليلاً جاز وضعه في صنف
واحد. وقال مالك: يتحرى موضع الحاجة منهم، ويقدم الأولى فالأولى. وقال
أحمد: تفريقها وتعميمها أولى ويجزئه أن يضعه في صنف واحد. وقال الحنفية:
صاحب المال مخير إن شاء أعطى جميعهم، وإن شاء اقتصر على صنف واحد،
وكذا يجوز أن يقتصر على شخص واحد من أي صنف شاء.
قال ابنُ رشد: وسبب اختلافهم معارضة اللفظ للمعنى، فإن اللفظ يقتضي
القسمة بين جميعها، والمعنى يقتضي أن يؤثر بها أهل الحاجة؛ إذ كان المقصود بها
كِتَابُ الرَّكاةِ
بَابٍ مَنْ لَا تَحِلَّ لهُ الصَّدَقَةُ
٥١۵
*****<<<<<<<<<<<*<<<<<<<<<<<<<<<<< > <<<<<<<< > <<<<<<<<<<<<<<< > <<<<<<<< > <<<<<***
سد الخلة، فكان تعديدهم في الآية عند هؤلاء إنما ورد لتمييز الجنس - أعنى: أهل
الصدقات - لا تشريكهم في الصدقة، فالأول أظهر من جهة اللفظ، وهذا أظهر من
المعنى، ومن الحجة للشافعي ما رواه أبو داود عن الصدائي، انتهى.
قلتُ: المشهور: إن اللام في الآية للصيرورة عند المالكية وللملك عند
الشافعية وهو الذي يقتضيه مذهبهم، وعند الحنفية للاختصاص لا للملك، يعني:
إنهم مختصون بالزكاة، ولا تكون لغيرهم، كقولهم: ((الخلافة لقريش، والسقاية
لبني هاشم))، أي: لا يوجد ذلك في غيرهم، فتكون اللام لبيان محل صرفها أي:
المقصود من الآية بيان الأصناف التي يجوز الدفع إليهم لا تعيين الدفع لهم.
قال الطيبي: إنما سمي اللَّه تعالى الأصناف الثمانية في آية الصدقات؛ إعلامًا
منه أن الصدقة لا تخرج عن هذه الأصناف، لا إيجاب التقسيم فيما بينهم جميعًا،
يدل عليه إيراد الآية بأداة الحصر، أي: إنما الصدقات لهؤلاء الأصناف، لا
لغيرهم، انتهى. والتمليك ركن من أركان الزكاة عند الحنفية، واستدلوا لذلك
بوجوه بسطها ابن الهمام وغيره. منها: أن الله تعالى سمّاها صدقة وحقيقة الصدقة
تمليك المال من الفقير.
ومنها: قوله تعالى: ﴿وَءَاتُواْ الزَّكَوَةَ﴾ [البقرة: ٤٣] والإِيتاء هو التمليك. ومنها: قوله
تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَتُ لِلْفُقَرَآءِ﴾ الآية [التوبة: ٦٠]. وقوله تعالى: ﴿وَفِّ أَنَوَلِهِمْ حَقٌ
[الذاريات: ١٩] قال في ((البدائع)): والإضافة بحرف اللام تقتضي
١٩
لِلِسَّابِلِ وَاْحْرُومِ
الاختصاص بجهة الملك إذا كان المضاف إليه من أهل الملك.
وقال بعضهم: اللام في الآية للعاقبة.
قال في ((العناية)): معناه: إن المقبوض يصير ملكًا لهم في العاقبة، فهم
مصاريف ابتداء لا مستحقون ثم يحصل لهم الملك في العاقبة بدلالة اللام،
واعترض عليه بأنه لا يدل لام العاقبة على التمليك، كما في قوله تعالى: ﴿فَلْنَقَطَهُ:
ءَالُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص: ٨] وكما قال الشاعر:
لِدُوا للمَوْتِ وابْنُوا للخَرَابِ
ومنها: قوله {ََّ في حديث معاذ: (تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ وَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ)).
قالوا: الرد على الفقراء لا يكون إلا بتمليكهم إياها، وأجاب الحنفية عن حديث
ECtE
٥١٦
teeserxy
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الصدائي بأنه ضعيف، وعلى تسليم صحته ليس فيه دلالة إلا على أن الزكاة لا
تصرف إلا إلى هذه الأجزاء الثمانية، لا إنها تصرف إلى جميع هذه الأجزاء، وإنما
جزأ اللَّه ثمانية لئلا تخرج الصدقة عن تلك الأجزاء.
وقال الشوكاني في و((بل الغمام)): بعد الإشارة إلى تضعيف هذا الحديث ما
نصه: وعلى فرض صلاحيته للاحتجاج، فالمراد بتجزئة الصدقة تجزئة مصارفها،
كما هو ظاهر الآية التي قصدها وَّر، ولو كان المراد تجزئة الصدقة نفسها، وإن كُل
جزء لا يجوز صرفه في غير الصنف المقابل له، لما جاز صرف نصيب ما هو معدوم
من الأصناف إلى غيره وهو خلاف الإجماع، وأيضًا لو سلم ذلك لكان باعتبار
مجموع الصدقات التي تجتمع عند الإمام لا باعتبار صدقة كل فرد، فلم يبق ما يدلُّ
على وجوب التقسيط بل يجوز إعطاء بعض المستحقين بعض الصدقات، وإعطاء
بعضهم بعضًا، نعم، إذا جمع الإمام جميع صدقات أهل قُطْرٍ من الأقطارِ وحضر
عنده جميع الأصناف الثمانية، كان لكل صنف حق في مطالبته بما فرضه الله تعالى
له، وليس عليه تقسيط ذلك بينهم بالسوية ولا تعميمهم بالعطاء، بل له أن يعطي
بعض الأصناف أكثر من البعض الآخر، وله أن يعطي بعضهم دون بعض، إذا رأى
في ذلك صلاحًا عائدًا على الإسلام وأهله، مثلًا إذا جمعت لديه الصدقات وحضر
الجهاد وحقت المدافعة على حوزة الإسلام من الكفار أو البغاة، فإن له تأثير صنف
المجاهدين بالصرف إليهم، وإن استغرق جميع الحاصل من الصدقات، وهكذا إذا
اقتضت المصلحة تأثير غير المجاهدين، انتهى.
قلت: واستدلَّ للأئمة الثلاثة بقوله تعالى: ﴿إِن تُبْدُواْ الصَّدَقَتِ فَنِعِمَا هِىِّ وَإِن
تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا اُلْفُقَرَآءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمَّ وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ
خَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٧١] وقد تناول جنس الصدقات، والضمير عائد إلى الصدقات وهو
عاِمِ يتناول جميع الصدقات، وبقوله ◌َّ لمعاذ حين بعثه إلى اليمن: ((فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ
اللَّهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ، فَتُرَدُّ فِي نُقَرَائِهِمْ)) فلم يذكر في الآية
ولا في الحديث إلا صنفًّا واحدًا، وبقوله بَّ لقبيصة حين تحمل حمالة: ((أَقِمْ يَا
قَبِيصَةُ حَتَّى تَأْتِيَنَا الصَّدَقَةُ فَتَأْمُرَ لَكَ بِهَا))، فذكر دفعها إلى صنف واحد وهو من
الغارمين، وأمر بني زريق بدفع صدقتهم إلى سلمة بن صخر، وهو شخص واحد،
كِتَابُ الرَّڪاةِ
بَاب مَنْ لَا تَحِلَّ لَهُ الصَّدقةُ
٥١٧
وقسم الذهبية التي بعث بها إليه عَليٌّ من اليمن بين المؤلفة قلوبهم، وهم صنف
واحد. وإنما يؤخذ من أهل اليمن الصدقة، وبما روى في ذلك من آثار الصحابة
کحذيفة وابن عباس وعمر وعلي رپھا.
قلت: أقرب أقوال الأئمة في هذه المسألة وأرجحها عندي قول مالك وإبراهيم
النخعي وهو مختار الشوكاني، كما يدل عليه كلامه الذي نقلنا من ((وبل الغمام)).
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) وأخرجه أيضًا الدار قطني (ص٢١٨) والطحاوي (ج ١: ص ٣٠٤)
والبيهقي (ج ٧: ص٦) وسكت عنه أبو داود والبيهقي.
وقال المنذري: في إسناده عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الإفريقي، وقد تكلّم فيه
غیر واحد، انتهى.
قلت: تفرَّد به عبد الرحمن، وقد ضعفه القطان وابن مهدي وابن معين
وابن حنبل وغيرهم وضعفه أيضًا البيهقي.
وقال الترمذي: رأيتُ البخاري يقوي أمره، وقال: هو مقارب الحديث.
وقال الحافظ في ((التقريب)): ضعيف في الحفظ وكان رجلاً صالحًا.
٥١٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الفصل الثالث
١٨٥١ - [١٦] عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ قَالَ: شَرِبَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رِ الْلَةُ
لَبَّا فَأَعْجَبَهُ، فَسَأَلَ الَّذِي سَقَاهُ: مِنَّ أَيْنَ هَذَا اللَّبَنُ؟ فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ وَرَدَ عَلَى مَاءٍ -
قَدْ سَمَّاهُ - فَإِذَا نَعَمٌ مِنْ نَعَمِ الصَّدَقَةِ وَهُمْ يَسْقُونَ، فَحَلَبُوا مِنْ أَلْبَانِهَا،
فَجَعَلْتُهُ فِي سِقَائِي، فَهُوَ هَذَا، فَأَدْخَلَ عُمَرُ يَدَهُ فَاسْتَقَاءَهُ.
[رَوَاهُ مَالِكٌ وَالْبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الْإِيمَانِ] {ضعيف}
الْشَّرْجُ
١٨٥١- قوله: (فَأَعْجَبَهُ) قال القاري: أي: وافق هوى نفسه، فأنكره
بالاستدلال القلبي أو الالهمام الغيبي. (فَسَأَلَ الَّذِي سَقَاهُ: مِنْ أَيْنَ) حصل لك.
(هَذَا اللَّبَنُ؟) قال الغزالي: سأل عمر رَّهُ إذ رابه فإنه أعجبه طعمه ولم يكن على
ما كان يألفه كل ليلة، وهذا من أسباب الريبة وحمله على الورع ذكره القاري.
(وَرَدَ) أي: مَرَّ. (عَلَى مَاءٍ قَدْ سَمَّاهُ) أي: عينه باسمه. (فَإِذَا) المفاجأة. (نَعَمُ)
بفتحتين. (مِنْ نَعَم الصَّدَقَةِ) وردت هذا الماء. (وَهُمْ) أي: الرعاة. (يَسْقُونَ) أي:
النعم من ذلك الماء. (فَحَلَبُوا) وفي نسخ ((الموطأ)) الموجودة عندنا: ((فحلبوا
لي))، أي: بزيادة لفظة ((لي)) بعد ((حلبوا))، وكذا وقع عند البيهقي من رواية مالك
لكن رقم عليها في نسخ ((الموطأ)) علامة النسخة، ونقله في ((جامع الأصول)) كما
في ((المشكاة)). (فَجَعَلْتُهُ) أي: اللبن. (فِي سِقَائِي) بكسر السين.
(فَأَدْخَلَ عُمَرُ يَدَهُ) أي: في فمه أو حلقه، (فَاسْتَقَاءَهُ) أي : فتقیأه حتى أخرجه من
جو فه .
قال الطيبي: هذا غاية الورع والتنزه من الشبه.
(١٨٥١) مَالِك (٣١/٢٦٩/١) عن زيدٍ ... بِه.
٥١٩
كِتَابُ الرَّڪاةِ
بَابُ مَنْ لَا تَحِلّ له الضَّدقةَ
<<<<<<<<<<<< > <<* 88
وقال ابن عبد البر: محمله عند أهل العلم: أن الذي سقاه ليس ممن تحل له
الصدقة، إذ لعله غني أو مملوك فاستقاءه لئلا ينتفع به، وأصله محظور وإن لم يأته
قصدًا، وهذا نهاية الورع، ولعله أعطى مثل ذلك أو قيمته للمساكين، ولو كان
الذي حلب له هذا اللبن مستحقًّا للصدقة لما حرم على عُمر قصد شربه، كما لم
يحرم على النبي ومي أكل اللحم الذي تصدق به على بريرة، وقال: ((هُوَ عَلَيْهَا
صَدَقَةٌ، وَلَنَا هَدِيَّةٌ))، وما فعله عمر ليس بواجب؛ لأنه استهلكه بالشرب ولا فائدة
في قذفه إلا المبالغة في الورع.
قلت: وجاء مثل هذا عن أبي بكر أيضًا. قال سعيد بن منصور: حدثنا سفيان،
عن ابن المنكدر، أن أبا بكر شرب لبنًا، فقيل له: إنه من الصدقة، فتقيأه. وروى
البخاري في باب أيام الجاهلية من حديث عائشة قالت: كان لأبي بكرٍ غلام يخرجُ
له الخراج، وكان أبو بكر يأكل من خراجه، فجاءه يومًا بشيء فأكل منه أبو بكر،
فقال له الغلام: تَدْرِي ما هذا؟ فقال أبو بكرٍ: وما هو؟ قال: كنت تكهنت لإنسانٍ
في الجاهلية، وما أحسن الكهانة ألا إني خدعته، فلقيني فأعطاني بذلك، فهذا
الذي أكلت منه، فأدخل أبو بكر يده، فقاء كل شيء في بطنه، وذكر الحافظ في
((الفتح)) له عدة قصص نحو هذا، وهو من كمال ورعه رضي الله.
(رَوَاهُ مَالِك) أي: عن زيد بن أسلم، إنه قال: شرب عمر بن الخطاب لبنًا
... إلخ. وهذا منقطع. ورواه الشافعي عن مالك عن زيد بن أسلم.
(وَالْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ) وأخرجه أيضًا في ((السنن الكبرى)) (ج ٧: ص١٤)
من طريق مالك، وترجم له باب الخليفة ووالي الإقليم العظيم الذي لا يلي قبض
الصدقة ليس لهما في سهم العاملين عليها حق، وذكر فيه أيضًا ما روى هو وسعيد
ابن منصور وأبو عبيد (ص ٦٠٥) من طريق سليمان بن يسار أن ابن أبي ربيعة قدم
بصدقات سعى عليها، فلما قدم الحرة خرج عمر بن الخطاب، فقرب إليه تمرًا ولبنًا
وزبدًا، فأكلوا وأبى عمر أن يأكلَ. فقال ابنُ أبي ربيعة: واللَّه أصلحك الله إنا
نشرب ألبانها ونصيب منها، فقال: يا بن أبي ربيعة، لست كهيئتك إنك تتبع
أذنابها، انتهى.