Indexed OCR Text

Pages 481-500

٤٨٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
**
(وَلَوْ أُهْدِيَ) بضم الهمزة وكسر الدال. (إِلَيَّ) بتشديد الياء. (ذِرَاعٌ) بكسر الذال
المعجمة وهو الساعد، وكان وَلّ يحب أكله لأنه مبادي الشاة وأبعد عن الأذى
ولسرعة نضجه. قال القسطلاني: ولأبي ذر ((كراع)) أي: بدل ((ذراع)). (لَقَبِلْتُ)
أي: ليحصل التحابب والتألف فإن الرد يحدث النفور والعداوة، فيندب قبول
الهدية ولو لشيء قليل. قال الحافظ: خص الذراع والكراع بالذكر ليجمع بين
الحقير والخطير؛ لأن الذراع كانت أحب إليه من غيرها، والكراع لا قيمة له. وفي
الحديث: دليل على حسن خلقه وَّه وتواضعه وجبره لقلوب الناس، وعلى قبول
الهدية وإجابة من يدعو الرجل إلى منزله، ولو علم أن الذي يدعوه إليه شيء قليل.
(رَوَاهُ البُخَارِيُّ) في الهبة وفي الوليمة من كتاب النكاح، وأخرجه الترمذي من
حديث أنس.
١٨٤٣ - [٨] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَِّهِ: (لَيْسَ الْمِسْكِينُ الَّذِي
يَطُوفُ عَلَى النَّاسِ تَرُدُّهُ اللُّقْمَةُ وَاللُّقْمَتَانِ وَالتَّمْرَةُ وَالثَّمْرَتَانِ، وَلَكِنِ الْمِسْكِينُ
الَّذِي لَا يَجِدُ غِنَّى يُغْنِهِ، وَلَا يُقْطَنُ بِهِ فَيُتَصَدَّقُ عَلَيْهِ، وَلَا يَقُومُ فَيَسْأَلُ النَّاسَ)).
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
الْشَّرْحُ
١٨٤٣- قوله: (لَيْسَ الْمِسْكِينُ) أي: المذكور في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا
الصَّدَقَتُ لِلْفُقَرَآءِ وَالْمَسَكِينِ﴾ [التوبة: ٦٠] والمسكين: مفعيل، بكسر الميم من
السكون، فكأنه من قلة المال سكنت حركاته. ولذا قال تعالى: ﴿أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ
١٦
[البلد: ١٦] أي: لاصق بالتراب، قاله القرطبي: (الَّذِي يَطُوفُ) أي: يدور
ويتردد. (عَلَى النَّاسِ) ليسألهم صدقة عليه. (تَرُدُّهُ اللَّقْمَةُ وَاللَّقْمَتَانِ وَالنَّمْرَةُ
وَالتَّمْرَتَانِ) جملة حالية أي: يَرِدُ هو على الأبواب لأجلِ اللقمة، أو إنه إذا أخذ لقمة
رجع إلى باب آخر، فكأن اللقمة ردته من باب إلى باب، والمراد: ليس المسكين
(١٨٤٣) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ البُخَارِي (٤٥٣٩) فِي التَّفْسِيرِ، ومُسْلِم (١٠٣٩/١٠١) فِي
الزَّكَاةِ، وَأَبُو دَاوُد (١٦٣٢)، والنَّسَائِي (٨٥/٥).

كِتَابُ الرَّڪاةِ
بَابُ مَنْ لَا تَحِلّ لَهُ الصَّدقةُ
**
٤٨١
الكامل الذي هو أحقُّ بالصدقة وأحوج إليها المردود على الأبواب لأجل اللقمة،
ولكن الكامل الذي لا يجد ... إلخ، فليس المراد نفي المسكنة عن الطواف بل
نفي كمالها؛ لأنهم أجمعوا على أن السائل الطواف المحتاج مسكين.
قال النووي: معناه المسكين الكامل المسكنة الذي هو أحق بالصدقة وأحوج
إليها ليس هو هذا الطواف، بل هو الذي لا يجد غنى ... إلخ، وليس معناه نفي
أصل المسكنة عن الطواف، بل معناهِ نفي كمال المسكنة؛ كقوله تعالى: ﴿لَّيْسَ
اُلْبِّ﴾ [البقرة: ١٧٧] الآية وكقوله ◌َِّ ((أَتَدْرُونَ مَنِ الْمُفْلِسُ ... )) الحديث. انتهى.
ويقرب منه ما قيل: ليس المراد نفي استحقاق الطوَّاف الزكاة، بل إثبات المسكنة
لغير هذا المتعارف بالمسكنة وإثبات استحقاقه أيضًا؛ لأن كلَّا منهما مصرف الزكاة
حيث لا غنى لهما لكن الثاني أفضل.
وقال السندي: المراد ليس المسكين المعدود في مصارف الزكاة هذا المسكين
بل هذا داخل في الفقير، وإنما المسكين المستور الحال الذي لا يعرفه أحد إلا
بالتفتيش، وبه يتبين الفرق بين الفقير والمسكين في المصارف. (وَلَكِنِ الْمِسْكِينُ)
أي: الكامل في المسكنة بتخفيف نون لكن فالمسكين مرفوع، وبتشديدها
فالمسكين منصوب. (الَّذِي لَا يَجِدُ غِنَّى) بكسر الغين مقصورًا أي: يسارًّا، وفي
رواية قالوا: فما المسكين يا رسول الله؟ قال: ((الَّذِي لَا يَجِدُ غِنَّي))، وفي رواية:
((إِنَّمَا المِسْكِينُ الَّذِي يَتَعَقَّفُ اقْرَؤُوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿لَا يَسَْلُونَ النَّاسَ إِلْحَافَاْ﴾)).
(يُغْنِيهِ) أي: عن غيره ويكفيه وهي صفة لقوله: ((غِنَىِّ)) وهو قدر زائد على اليسار؛ إذ
لا يلزم من حصول اليسار للمرء أن يغنى به بحيث لا يحتاج إلى شيء آخر، واللفظ
محتمل لأن يكون المراد نفي أصل اليسار، ولأنْ يكون المراد نفي اليسار المقيد
بأنه يغنيه مع وجود أصل اليسار، وعلى الاحتمال الثاني، ففيه: إن المسكين هو
الذي يقدر على مال أو كسب يقع موقعًا من حاجته ولا يكفيه؛ كثمانية من عشرة
وهو حينئذ أحسن حالًا من الفقير فإنه الذي لا مال له أصلًا، أو يملك ما لا يقع
موقعًا من حاجته كثلاثة من عشرة، واحتج لذلك بقوله تعالى: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ
لِمَسَكِينَ﴾ [الكهف: ٧٩] فسماهم مساكين مع أن لهم سفينة لكنها لا تقوم بجميع
حاجاتهم .

٤٨٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
(وَلَا يُفْطَنُ بِهِ) بصيغة المجهول مخففًا أي: لا يعلم باحتياجه، وفي رواية: (له))
أي: باللام بدل الباء الموحدة. (فَيُتَصَدَّقُ عَلَيْهِ) بضم الياء مجهولًا. (وَلَا يَقُومُ
فَيَسْأَلُ النَّاسَ) برفع المضارع الواقع بعد الفاء في الموضعين عطفًا على المنفي
المرفوع، فينسحبُ النفي عليه أي: لا يفطن له فلا يتصدق عليه ولا يقوم فلا يسأل
الناس، وبالنصب فيهما بأن مضمرة وجوبًا لوقوعه في جواب النفي بعد الفاء. وقد
يستدل بقوله: ((وَلَا يَقُومُ فَيَسْأَلُ النَّاسَ)) على أحد محملي قوله تعالى: ﴿لَا يَسْلُونَ
النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ [البقرة: ٢٧٣] إن معناه نفي السؤال أصلاً. وقد يقال: لفظة ((يَقُومُ))
تدل على التأكيد في السؤال فليس فيه نفي أصل السؤال. والتأكيد في السؤال هو
الإلحاف. وفي الحديث: إن المسكنة إنما تحمد مع العفة عن السؤال والصبر على
الحاجة. وفيه: حسن الإرشاد لوضع الصدقة، وأن يتحرى وضعها فيمن صفته
التعفف دون الإلحاح وفيه إن المسكين هو الجامع بين عدم الغنى وعدم تفطن
الناس له لما يظن به؛ لأجل تعففه وتظهره بصورة الغنى من عدم الحاجة، ومع هذا
فهو مستعفف عن السؤال، لكن قد تقدم أن معناه المسكين الكامل، وليس المراد
نفي أصل المسكنة.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) أخرجه البخاري في الزكاة والتفسير، ومسلم في الزكاة وأخرجه
أيضًا أحمد، ومالك في الجامع من ((الموطأ))، وأبو داود والنسائي في الزكاة
والبيهقي في قسم الصدقات.
وفائدة :
اختلف العلماء في الفرق بين الفقير والمسكين في آية المصارف. فقال
الشافعي: الفقير من لا شيء له، أي: لا مال له ولا حرفة تقع موقعًا. وقال
أبو حنيفة: هو من له مال دون النصاب أو قدر نصاب غير تام وهو مستغرق في
الحاجة، وأما المسكين فهو عند الشافعي من له شيء - أي: مال أو حرفة - لكن لا
يكفيه، وعند أبي حنيفة من لا شيء له فيحتاجُ إلى المسألة لِقُوتِهِ، فالفقير أسوأ حالاً
من المسكين عند الشافعي، وبه قال الأصمعي. قال الحافظ: وهو قول جمهور
أهل الحديث والفقه. وعند أبي حنيفة المسكين أسوأ حالاً من الفقير، وإليه ذهب
ابن السكيت ويونس بن حبيب من أهل اللغة. وقيل: هما سواء.

٤٨٣
كِتَابُ الرَّكاةِ
بَابٌ مَنْ لَا تَحِلَّ لَه الصَّدَقَةُ
قال الحافظ: وهذا قول ابن القاسم وأصحاب مالك. وقال ابن الهمام: الفقير
من له مال دون نصاب، أو قدر نصاب غير تام وهو مستغرق في الحاجة،
والمسكين من لا شيء له فيحتاج للمسألة لِقُوتِهِ، أو ما يواري بدنه، ويحل له ذلك
بخلاف الأول؛ فإنه لا يحل لمن يملك قوت يومه بعد سترة بدنه. وعند بعضهم لا
يحل لمن كان كسوبًا أو يملك خمسين درهمًا. ويجوز صرف الزكاة لمن لا تحل له
المسألة بعد كونه فقيرًا، ولا يخرجه عن الفقر ملك نصب كثيرة غير نامية إذا كانت
مستغرقة بالحاجة، ولذا قلنا: يجوز للعالم، وإن كانت له كتب تساوي نصبًا كثيرة
على تفصيل ما ذكرنا فيما إذا كان محتاجًا إليها للتدريس، أو الحفظ أو التصحيح،
ولو كانت ملك عامي وليس له نصاب تام لا يحل دفع الزكاة له؛ لأنها غير مستغرقة
في حاجته فلم تكن كثياب البذلة، وعلى هذا جميع آلات المحترفين إذا ملكها
صاحب تلك الحرفة.
والحاصل: إن النصب ثلاثة: نصاب يوجب الزكاة على مالكه، وهو النامي
خلقه أو إعداد، وهو سالم من الدين، ونصاب لا يوجبها: وهو ما ليس أحدهما فإن
كان مستغرقًّا لحاجة مالكه حل له أخذها، وإلا حرمت عليه كثياب تساوي نصابًا لا
يحتاج إلى ملكها، أو أثاث لا يحتاج إلى استعماله كله في بيته، وَعَبْدٍ وفرس لا
يحتاج إلى خدمته وركوبه، ودار لا يحتاج إلى سكناها، فإن كان محتاجًا إلى ما
ذكرنا حاجة أصلية فهو فقير يحل دفع الزكاة له وتحرم عليه المسألة، ونصاب يحرم
المسألة: وهو ملك قوت يومه أو لا يملك لكنه يقدر على الكسب، أو يملك
خمسين درهمًا على الخلاف في ذلك، انتهى. وإن شئت البسط للفرق بين الفقير
والمسكين فارجع إلى ((تفسير روح المعاني)) (ج١٠ ص١٠٧، ١٠٨) للعلامة
الآلوسي، و((معالم السنن)) (ج٦ ص ٦١، ٦٢) للخطابي، ((وإتحاف السادة المتقين
بشرح إحياء علوم الدين)) (ج ٤ ص ١٤٢، ١٤٣) للعلامة الزبيدي، و((المغني)) لابن
قدامة (ج٦: ص ٤٢٠، ٤٢١) و((تفسير المنار)) للعلامة السيد محمد رشيد رضا
تحت آية مصارف الزكاة.

٤٨٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصابِيحِ
الفصل الثانى
١٨٤٤ - [٩] عَنْ أَبِي رَافِعٍ: أَنَّ رَسُولَ اللّهِ وَّهِ بَعَثَ رَجُلًا مِنْ بَنِي
مَخْزُومٍ عَلَى الصَّدَقَةِ، فَقَالَ لِأَّبِي رَافِعٍ: اصْحَبْنِي كَيْمَا تُصِيبَ مِنْهَا، فَقَالَ:
لَا، حَتَّى آتِيَ رَسُولَ اللّهِ وَهِ فَأَسْأَلُهُ، فَانْطَلَقَ إِلَى النَّبِيِّ نَ فَسَأَلَهُ فَقَالَ: «إِنَّ
الصَّدَقَةَ لَا تَحِلُّ لَنَا، وَأَنَّ مَوَالِيَ الْقَوْمِ مِنْ أَنْفُسِهِمْ)).
[رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ]
الْشِّرْجُ
١٨٤٤ - قوله: (عَنْ أَبِي رَافِع) مولى النبي ◌َّ واسمه أسلم. (بَعَثَ رَجُلًا مِنْ
بَنِي مَخْزُومٍ عَلَى الصَّدَقَةِ) أي: أرَّسله ساعيًّا ليجمع الزكاة ويأتي بها إليه. قال
المنذري: وهذا الرجل هو الأرقم بن الأرقم القرشي المخزومي، بين ذلك
الخطيب والنسائي وكان من المهاجرين الأولين، وكنيته أبو عبد الله، وهو الذي
استخفى رسول اللّه ◌َ ل في داره بمكة في أسفل الصفا، حتى كملوا الأربعين
رجلًا، آخرهم عمر بن الخطاب، انتهى. وقيل: هذا الرجل المبعوث هو الأرقم
ابن أبي الأرقم الزهري؛ لما روى أحمد (ج٦: ص٨) من طريق الثوري عن ابن أبي
ليلى عن الحكم بن عتيبة، عن ابن أبي رافع عن أبي رافع. قال: مرَّ عليَّ الأرقم
الزهري أو ابن أبي الأرقم، واستعمل على الصدقات قال: فاستتبعني
... الحديث.
وروى أبو يعلى والطبراني في ((الكبير))، والبيهقي من طريق الثوري عن ابن أبي
ليلى عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس قال: استعمل النبي ◌َّ الأرقم بن أبي
الأرقم الزهري على السعاية، فاستتبع أبا رافع مولى النبي ◌َّ فأتى النبي ◌َّ فذكر
ذلك له. فقال: ((يَا أَبَا رَافِعٍ إِنَّ الصَّدَقَةَ حَرَامٌ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ، وَإِنَّ مَوْلَى الْقَوْم
(١٨٤٤) أَبُو دَاوُد (١٦٥٠)، والتِّرْمِذِي (٦٥٧)، والنَّسَائِي (١٠٧/٥) مِنْ حَدِيثٍ أَبِي رَافِعٍ فِي الزَّكَاةِ،
وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِي.

٤٨٥
كِتّابُ الرَّڪاةِ
<-م
بَابَ مَنْ لَا تَحِلَّ لَهُ الصَّدَقةٌ
مِنْهُمْ - أَوْ - مِنْ أَنْفُسِهِمْ)). ففي الروايتين دليل على أن الرجل المبعوث على السعاية
في هذه القصة هو الأرقم الزهري. قلت: فيه نظر؛ لأنه قد صرح في رواية شعبة
عن الحكم عن ابن أبي رافع عن أبي رافع عند أحمد (ج٦ ص١٠) والترمذي
وأبي داود والنسائي والحاكم والبيهقي، إن الرجل المبعوث على الصدقة من بني
مخزوم، وهذا الطريق أصح من طريقي أحمد والطبراني المتقدمين.
قال البيهقي: رواية شعبة عن الحكم عن ابن أبي رافع عن أبي رافع أولى من
رواية ابن أبي ليلى، وابن أبي ليلى هذا كان سيئ الحفظ. وقال الحافظ في
((الإصابة)) بعد ذكر طريق الطبراني: لكن رواه شعبة عن الحكم عن مقسم، فقال:
استعمل رجلاً من بني مخزوم، وكذلك أخرجه أبو داود وغيره وإسناده أصح من
الأول، انتهى. وهذا لأن في طريق الطبراني وكذا طريق أحمد محمدٌ بنُ أبي ليلى
وفيه كلام. قال أحمد وشعبة وأبو حاتم وابن المديني والساجي: إنه سيئ الحفظ.
وقال الدارقطني: كان رديء الحفظ كثير الوهم. وقال ابن حبان: كان فاحش الخطأ
رديء الحفظ. (فَقَالَ) أي: الرجل المخزومي. (اصْحَبْنِي) بفتح الحاء المهملة أمر
من باب سمع أي: رافقني وصاحبني في هذا السفر. (كَيْمَا تُصِيبَ) نصب بكى
و((مَا)) زائدة أي: لتأخذ. (مِنْهَا) أي: من الصدقة. (فَقَالَ: لَا) أي: لا أصحبك.
(فَأَسْأَلُهُ) أي: أستأذنه أو أسأله هل يجوز لي أم لا. (فَانْطَلَقَ) أبو رافع. (إِلَى
النَّبِيِّ ◌ََّ فَسَأَلَهُ) عن ذلك. (إِنَّ الصَّدَقَةَ لَا تَحِلَّ لَنَا) تقدم الكلام عليه. (وَإِنَّ مَوَالِيَ
الْقَوْم) أي: عتقاءهم. (مِنْ أَنْفُسِهِمْ) بضم الفاء أي: فحكمهم كحكمهم، يعني :
فلا تَحل لك لكونك مولانا، وفيه دليل على تحريم الصدقة على موالي بني هاشم
ولو كان الأخذ على جهة العمالة.
قال الحافظُ في ((الفتح)): وبه قال أحمد وأبو حنيفة وبعض المالكية كابن
الماجشون وهو الصحيح عند الشافعية. وقال الجمهور: يجوز لهم لأنهم ليسوا
منهم حقيقة ولذلك لم يعوضوا بخمس الخمس، ومنشأ الخلاف قوله: ((منهم)) أو
((أنفسهم))، هل يتناول المساواة في حكم تحريم الصدقة أم لا، وحجة الجمهور أنه
لا يتناول جميع الأحكام فلا دليل فيه على تحريم الصدقة، لكنه ورد علی سبب
الصدقة وقد اتفقوا على أنه لا يخرج السبب، وان اختلفوا هل يخص به أم لا،
انتھی .

٤٨٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْخُ مِشْكَاةِ الْمَضَابِيحِ
وقال الأمير اليماني: الحديث دليل على أن حكم مولى آل محمد ◌َّ حكمهم
في تحريم الصدقة. قال: وذهبت جماعة إلى عدم تحريمها عليهم؛ لعدم المشاركة
في النسب ولأنه ليس لهم في الخمس سهم. وأجيب: بأن النص لا تقدم عليه هذه
العلل فهي مردودة فإنها ترفع النص. قال ابن عبد البر: هذا خلاف الثابت من
النص، ثم هذا الحديث نص على تحريم العمالة على الموالي، وبالأولى على آل
محمد ◌َّةٍ ؛ لأنه أراد الرجل الذي عرض على أبي رافع أن يوليه على بعض عمله
الذي ولاه النبي ◌َليّ فينال عمالة، لا أنه أراد أن يعطيه من أجرته جائز، فإنه جائز
لأبي رافع أخذه إذ هو داخل تحت الخمسة الذين تحل لهم؛ لأنه قد ملك ذلك
الرجل أجرته فيعطيه من ملكه فهو حلال لأبي رافع فهو نظير قوله عليه: «وَرَجُلٌ
تُصدِّقَ عَلَيْهِ مِنْهَا فَأَهْدَی مِنْهَا))، انتهى.
وقال الخطابي في ((المعالم)) (ج٢: ص٧١): أما موالي بني هاشم فإنه لا حظ
لهم في سهم ذي القربى فلا يجوز أن يحرموا الصدقة، ويشبه أن يكون إنما نهاه عن
ذلك تنزيهًا له. وقال: ((مَوْلَى القَوْم مِنْ أَنْفُسِهِمْ)) على سبيل التشبيه في الاستنان
بهم، والاقتداء بسيرتهم في اجتناب مال الصدقة التي هي أوساخ الناس، ويشبه أن
يكون مَاي قد كان يكفيه المؤنة ويزيح له العلة، إذ كان أبو رافع مولى له وكان
يتصرف له في الحاجة والخدمة، فقال له على هذا المعنى: إذا كنت تستغني بما
أعطيت فلا تطلب أوساخ الناس فإنك مولانا ومنا، انتهى. ولا يخفى ما فيه من
التكلف ومخالفة ظاهر الحديث. والحق عندنا ما ذهب إليه أحمد وأبو حنيفة ومن
وافقها، والله تعالى أعلم.
(رَوَاهُ التِّرْ مِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ) واللفظ للترمذي، وأخرجه أحمد وابن حبان
والحاكم والبيهقي، وسكت عنه أبو داود والمنذري، وصححه الترمذي وابن حبان
والحاكم. وروى البخاري من حديث أنس مرفوعًا: ((مَوْلَى الْقَوْم مِنْ أَنْفُسِهِمْ))،
وروى أحمد وابن أبي شيبة وغيرهما من حديث أم كلثوم بنت عليٍّ، قالت: حدثني
مولى لرسول اللَّه وَّل مرفوعًا: ((إِنَّا آَلَ مُحَمَّدٍ لا تَحِلَّ لَنَا الصَّدَقَةُ وَمَوْلَى الْقَوْم
مِنْھُمْ)).

كِتَابُ الرَّكَاةِ
بَابٌ مَنْ لَا تَحِلَّ لَه الصَّدَقَةَ
٤٨٧
١٨٤٥ - [١٠] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَالَ: ((لَا
[رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ والدَّارِمِيُّ]
تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيِّ، وَلَا لِذِي مِرَّةٍ سَوِيٌّ)).
W O
الْشَّرْحُ
١٨٤٥ - قوله: (لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيِّ) هذا مما لا خلاف فيه بين أهل العلم،
لكنهم اختلفوا في حد الغنى المانع من الصدقة، وفي ((المحيط)) من كتب الحنفية
الغنى على ثلاثة أنواع: غني يوجب الزكاة، وهو ملك نصاب حولي تام. وغني
يحرم الصدقة ويوجب صدقة الفطر والأضحية، وهو ملك ما يبلغ قيمة نصاب من
الأموال الفاضلة عن حاجته الأصلية. وغني يحرم السؤال، دون الصدقة، وهو أن
يكون له قوت يومه وما يستر عورته، انتهى. وبسط الكلام فيه ابن قدامة في
((المغني)) كما سيأتي.
(وَلَاَ لِذِى مِرَّةٍ) بكسر الميم وتشديد الراء أي: قوة. قال الخطابي: معنى المرة
القوة وأصلها من شدة فتل الحبل يقال: أمررت الحبل إذا أحكمت فتله، فمعنى
المرة في الحديث شدة أسر الخلق وصحة البدن التي يكون معها احتمال الكد
والتعب، انتهى. وقال الشوكاني: قال الجوهري: المرة القوة وشدة العقل،
ورجل مرير أي: قوي ذو مرة. وقال غيره: المرة: القوة على الكسب والعمل.
(سَوِيٌّ) أي: سليم الخلق تام الأعضاء. قال الجوهري: السوي: مستوى الخلق
والمراد استواء الأعضاء وسلامتها .
قال ابن الملك: أي: لا تحل الزكاة لمن أعضاؤه صحيحة، وهو قوي يقدر على
الاكتساب بقدر ما يكفيه وعياله، وبه قال الشافعي. قال الطيبي: وقيل: المعنى:
ولا لذى عقل وشدة، وهو كناية عن القادر على الكسب، وهو مذهب الشافعي،
والحنفية على أنَّه إن لم يكن له نصاب حلت الصدقة. قال القاري: في هذا الحديث
نفي كمال الحل لا نفس الحل أو لا تحل له بالسؤالٍ، انتهى.
(١٨٤٥) أَبُو دَاوُد (١٦٣٤) فِي الزَّكَاةِ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍ وَرََّهُ. وَهُوَ عِنْدَ التِّرْ مِذِي (٦٥٢) بِلَفْظِ:
((قَوِيٌّ)) - بدل: ((سَوِيٌّ)، وَرَجَّحَ بَعْضُهُمْ وَقْفَهُ.

٤٨٨
assout *e
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
وقال السندي: لا تحل الصدقة، أي: سؤالها، وإلا فهي تحل للفقير وإن كان
صحيحًا سوي الأعضاء إذا أعطاه أحد بلا سؤال، وقال الترمذيُّ: قد روي في غير
هذا الحديث عن النبيِ وَلِّ: (لَا تَحِلَّ المَسْأَلَةُ لِغَنِيٍّ وَلَا لِذِي مِرَّةٍ سَوِيٌّ))، وإذا كان
الرجل قويًّا محتاجًا، ولم يكن عنده شيء فتصدق عليه أجزأ عن المتصدق عند أهل
العلم، ووجه هذا الحديث عند بعض أهل العلم على المسألة، انتهى.
يعني: أن هذا الحديث محمول على المسألة، والمراد بقوله: ((لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ))
لا تحل المسألة، والدليل عليه حديث حبشي بن جنادة الآتي في الفصل الثاني من
الباب الذي يليه، قال الخطابي: اختلفَ الناسُ في جواز أخذ الصدقة لمن يجد قوة
يقدر بها على الكسب، فقال الشافعي: لا تحل له الصدقة. وكذلك قال إسحاق بن
راهوية وأبو عبيد، وقال أصحاب الرأي: يجوز له أخذ الصدقة إذا لم يملك مائتي
درهم فصاعدًا، انتهى.
وقال ابن قدامة (ج٢: ص١٦٦): اختلف العلماء في الغنى المانع من أخذها،
ونقل عن أحمد فيه روايتان أظهرهما: أنه ملك خمسين درهمًا أو قيمتها من
الذهب، أو وجود ما تحصل به الكفاية على الدوام من كسب أو تجارة أو عقار أو
نحو ذلك، ولو ملك من العروض، أو الحبوب أو السائمة أو العقار ما لا تحصل به
الكفاية لم يكن غنيًّا وإن ملك نصابًا، هذا هو الظاهر من مذهبه، وهو قول الثوري
والنخعي وابن المبارك وإسحاق. وروي عن علي وعبد الله أنهما قالا: لا تحل
الصدقة لمن له خمسون درهمًا أو عدلها أو قيمتها من الذهب، وذلك لما روى
عبد الله بن مسعود مرفوعًا: ((مَنْ سَأَلَ وَلَهُ مَا يُغْنِيهِ جَاءَتْ مَسْأَلَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ
خُمُوشًا، أَوْ خُدُوشًا، أَوْ كُدُوحًا فِي وَجْهِهِ)) فقيل: يا رسول الله! وما الغنى؟ قال:
((خَمْسُونَ دِرْهَمَّا أَوْ قِيمَتُهَا مِنَ الذَّهَبِ)) وسيجيء هذا الحديث في الباب الذي يليه.
والرواية الثانية: إن الغنى ما تحصل به الكفاية، فإذا لم يكن محتاجًا حرمت
عليه الصدقة وإن لم يملك شيئًا، وإن كان محتاجًا حلت له الصدقة وإن ملك
نصابًا، والأثمان وغيرها في هذا سواءٍ، وهذا اختيار أبي الخطاب، وقول مالك
والشافعي؛ لأن النبي ◌َّ قال: ((لَا تَحِلَّ الْمَسْأَلَةُ إِلَّا لِأَحَدِ ثَلَاثَةٍ: رَجُل أَصَابَتْهُ فَاقَةٌ
حَتَّى يَقُولَ ثَلَاثَةٌ مِنْ ذَوِي الْحِجَى مِنْ قَوْمِهِ ... )) الحديث. وسيجيء في أَلباب الآتي،

٤٨٩
كِتَابُ الرَّڪاةِ
بَابٍ مَنْ لَا تَحِلَّ لَهُ الصَّدَقَةُ
فمدَّ إباحة المسألة إلى وجود إصابة القوام أو السداد، ولأن الحاجة هي الفقر
والغنى ضدها، فمن كان محتاجًا فهو فقير يدخل في عموم النص، ومن استغنى
دخل في عموم النصوص المحرمة. والحديث الأول فيه ضعف، ثم يجوز أن تحرم
المسألة ولا يحرم أخذ الصدقة إذا جاءته عن غير المسألة، فإن المذكور فيه تحريم
المسألة فتقتصر عليه .
وقال الحسن وأبو عبيد: الغنى ملك أوقية وهي أربعون درهمًا؛ لما روى أبو
سعيد الخدري مرفوعًا: ((مَنْ سَأَلَ وَلَهُ قِيمَةُ أُوْقِيَّةٍ فَقَدْ أَلْحَفَ)) رواه أبو داود، وكانت
الأوقية على عهد رسول اللَّه وَ لَه أربعين درهمًا. وقال أصحاب الرأي: الغنى
الموجب للزكاة هو المانع من أخذها وهو ملك نصاب تجب فيه الزكاة من الأثمان
والعروض المعدةَ للتجارة أو السائمة أو غيرها لحديثٍ: ((تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ وَتُرَةُ
فِي فُقَرَائِهِمْ)) فجعلَ الأغنياء من تجبُ عليهم الزكاة، فيدلَّ ذلك على أن من تجب
عليه غني، ومن لا تجب عليه ليس بغنى فيكون فقيرًا، فتدفع الزكاة إليه لقوله : .
(وَتُرَدُّ فِي نُقَرائِهِمْ)) فيحصل الخلاف بيننا وبينهم في أمورٍ ثلاثة:
أحدها: إن الغنى المانع من الزكاة غير موجب لها عندنا، ودليل ذلك حديث
ابن مسعود وهو أخصٍ من حديثهم فيجبُ تقديمه؛ ولأن حديثهم دل على الغنى
الموجب، وحديثنا دلَّ على الغنى المانع ولا تعارض بينهما فيجب الجمع بينهما.
الثاني: إن من له ما يكفيه من مال غير زكائي أو من مكسبه أو أجرة عقارات أو
غيره ليس له الأخذ من الزكاة، وبهذا قال الشافعي وإسحاق وأبو عبيدة وابن
المنذر، وقال أبو يوسف: إن دفع الزكاة إليه فهو قبيح وأرجو أن يجزئه. وقال أبو
حنيفة وسائر أصحابه: يجوز دفع الزكاة إليه؛ لأنه ليس بغني لما ذكروه في
حجتهم، ولنا ما روى الإمام أحمد من حديثٍ عُبيد الله بن عدي بن الخيار، يعني :
الذي يأتي بعد هذا، ثم ذكر حديث عبد الله بن عمر والذي نحن في شرحه. ثم
قال: ولأنَّ له ما يغنيه عن الزكاة فلم يجز الدفع إليه كمالك النصاب.
الثالث: إن من ملك نصابًا زكائيًّا لا تتم به الكفاية من غير الأثمان، فله الأخذ
من الزكاة. قال الميموني: ذاكرت أبا عبد الله. فقلتُ: قد يكون للرجل الإبل
والغنم تجب فيها الزكاة، وهو فقيرٌ ويكون له أربعون شاة، وتكون له الضيعة لا

ECON:
٤٩٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
تكفيه، فيعطى من الصدقة؟ قال: نعم. وذكر قول عُمر: أعطوهم وإن راحت
عليهم من الإبل كذا وكذا، وقال في روايةٍ محمد بن الحكم: إذا كان له عقار يشغله
أو ضيعة تساوي عشرة آلاف أو أقل أو أكثر لا تُقِيمُهُ يأخذ من الزكاة، وهذا قول
الشافعي.
وقال أصحاب الرأي: ليس له أن يأخذ منها إذا ملك نصابًا زكويًّا؛ لأنه تجب
عليه الزكاة فلم تجز له للخبر، ولنا أنَّه لا يملك ما يغنيه ولا يقدر على كسب ما
يكفيه، فجاز له الأخذ من الزكاة؛ ولأن الفقر عبارة عن الحاجة؛ قال الله تعالى:
﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَآءُ إِلَى اللَّهِ﴾ [فاطر: ١٥] أي: المحتاجونَ إليه وهذا محتاج
فيكون فقيرًا غير غني، وقد بينا أن الغنى يختلف مسماه فيقع على ما يوجب الزكاة
وعلى ما يمنع منها، فلا يلزم من وجود أحدهما وجود الآخر، ولا من عدمه عدم
الآخر. فمن قال: إنَّ الغنى هو الكفاية سوَّى بين الأثمان وغيرها، وجوز الأخذ
لكلِّ مَن لا كفاية له، وإن ملك نصبًا من جميع الأموال. ومن قال بالرواية الأخرى
فرق بين الأثمان وغيرها لخبر ابن مسعود ... إلى آخر ما بسطه.
وقال الأمير اليماني في ((شرح بلوغ المرام)): قد اختلفت الأقوال في حد الغنى
الذي يحرم به قبض الصدقة على أقوال، وليس عليها ما تسكن له النفس من
الاستدلال؛ لأنَّ المبحث ليس لغويًّا حتى يرجعَ فيه إلى تفسير لغة، ولأنه في اللغة
أمر نسبي لا يتعين في قدر، ووردت أحاديث معينة لقدر الغنى الذي يحرم به
السؤال؛ كحديث أبي سعيد عند النسائي: ((مَنْ سَأَلَ وَلَهُ أَوْقِيَةٌ فَقَدْ أَلْحَفَ))، وعند
أبي داود: ((مَنْ سَأَلَ مِنْكُمْ وَلَهُ أُوقِيَّةٌ أَوْ عِدْلُهَا فَقَدْ سَأَلَ إِلْحَافًّا))، وأخرج أيضًا: (مَنْ
سَأَلَ وَلَهُ مَا يُغْنِهِ، فَإِنَّمَا يَسْتَكْثِرُ مِنَ النَّارِ)) قالوا: وما يغنيه؟ قال: ((قَدْرُ مَا يُعَشِّيهِ
وَيُغَدِّهِ)) صححه ابن حبان، فهذا قدر الغنى الذي يحرم معه السؤال.
وأما الغنى الذي يحرم معه قبض الزكاة، فالظاهر أنه من تجب عليه الزكاة،
وهو من يملك مائتي درهم؛ لقوله وَّله: ((أُمِرْتُ أَنْ آخُذَهَا مِنْ أَغْنِيَائِكُمْ وَأَرُدَّهَا فِي
فُقَرَائِكُمْ)) فَقَابَلَ بَيْنَ الغَنِيِّ وأفاد أنه من تجب عليه الصدقة، وبَيْنَ الفَقِيرِ وأخبر أنه
من ترد فيه الصدقة، هذا أقرب ما يقال فيه، انتهى. قلت: وبه قال الحنفية كما
تقدم وهو الراجح عندي، والله تعالى أعلم.

٤٩١
كِتَابُ الرَّكَاةِ
بَابُ مَنْ لَا تَحِلَّ لَهُ الصَّدَقَةُ
(رَوَاهُ التِّرْ مِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالدَّارِمِيُّ) وأخرجه أيضًا أحمد (ج ٢: ص ١٦٤ - ١٩٢)
وأبو عبيد (ص٥٤٩) والطيالسي وابن الجارود في ((المنتقى)) (ص١٨٦) والبخاري
في ((التاريخ الكبير)) (ج١، ٢: ص٣٠١) والدار قطني (ص٢١١) والحاكم
(ج١ : ص ٤٠٧) والطحاوي (ج ١: ص ٣٠٣) كلهم من حديث سعد بن إبراهيم عن
ريحان بن يزيد العامري، عن عبد الله بن عمرو، قال الترمذي: حديث حسن،
وذكر أن شعبة رواه عن سعد بن إبراهيم بهذا الإسناد ولم يرفعه. وقال أبو داود وقال
عطاء بن زهير إنه لقي عبد الله بن عمرو، فقال: إن الصدقة لا تحل لقوي، ولا لذى
مرة سوي. وقال الإمام أحمد: قال عبد الرحمن بن مهدي: ولم يرفعه سعد ولا
ابنه، يعني: إبراهيم بن سعد. وقال البخاري في ((التاريخ الكبير)): وروى إبراهيم
ابن سعد عن أبيه ولم يرفعه. وقال المنذري بعد ذكر كلام الترمذي: في إسناده
ريحان بن يزيد. قال ابن معين: ثقة. وقال أبو حاتم الرازي: شيخ مجهول. وقال
بعضهم: لم يصح إسناده، وإنما هو موقوف على عبد الله بن عمرو، انتهى.
قلتُ: ریحان بن یزید قد عرفه غیر أبي حاتم ووثقه، وقد تقدم أنه وثقه یحیی بن
معين. وقال حجاج عن شعبة عن سعد بن إبراهيم سمع ريحان بن يزيد وكان أعرابيًّا
صدوقًا، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وترجمه البخاري في ((التاريخ الكبير))،
فلم يذكر فيه جُرحًا، ومن عرف حجة على من لم يعرف. وأما التعليل بأن شعبة
وإبراهيم بن سعد روياه عن سعد فلم يرفعاه فليس بشيءٍ؛ فإنَّ الحديث رواه عن
سعد ثلاثة من الحفاظ الثقات: سفيان الثوري وشعبة وإبراهيم بن سعد، أما الثوري
فرواه عن سعد مرفوعًا عند أحمد في الموضعين، وعند الطيالسي وأبي عبيد
والبخاري في ((الكبير)) والدارمي والترمذي وابن الجارود والحاكم والدار قطني
والطحاوي لم تختلف الرواية عنه في رفعه. وأما شعبة فاختلف عليه، فروى عنه
الحجاج بن منهال عند الطحاوي (ص ٣٠٣) موقوفًا .
وروى عنه آدم بن أبي إياس عند الحاكم، وحجاج عند البخاري في ((الكبير))
مرفوعًا. وأما إبراهيم بن سعد فاختلف عليه أيضًا، فروى عنه عباد بن موسى
الختلي عند أبي داود وأبو بكر بن أبي العوام عند الحاكم مرفوعًا، ويشير كلام
الإمام أحمد المتقدم إلى أن عبد الرحمن بن مهدي الذي روى الحديث عن الثوري
قد سمعه من إبراهيم بن سعد عن أبيه موقوفًا، كما سمعه من الثوري عن سعد

٤٩٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
مرفوعًا، فيكون إبراهيم رواه مرة مرفوعًا، ومرة موقوفًا، ولا يضر هذا
الاختلاف؛ فإن الراوي قد يرفع الحديث مرة، ويقفه أخرى، والرفع زيادة من
الثقة فهي مقبولة، بل هاهنا الرفع أرجح؛ لأن سفيان أحفظ من شعبة وإبراهيم بن
سعد، ولأنه إذا خالف شعبة سفيان فالقول قول سفيان؛ ولأن سفيان لم تختلف
الرواية عنه في رفعه بخلاف شعبة وإبراهيم؛ فإنه قد روى عنهما مرفوعًا موافقًا
لسفيان كما عرفت. وأما ما قال أبو داود: أن عطاء بن زهير قال: إنه لقي عبد الله بن
عمرو ... إلخ. فهو خطأ من جهة الإسناد والمتن جميعًا كما بينه العلامة الشيخ
أحمد شاكر في ((شرحه للمسند)) (ج١٠: ص٥١، ٥٢، ٥٣، ٥٤): قلتُ: ويدلَّ
على وقوع الخطأ في رواية أبي داود المعلقة هذه ما رواه البيهقي (ج ٧: ص ١٣) من
طريق عبيد الله بن الشميط ثنا أبي والأخضر بن عجلان عن عطاء بن زهير العامري
عن أبيه قال: قلتُ لعبد الله بن عمرو بن العاص. أخبرني عن الصدقة أيُّ مال هي؟
قال: هي شر مال للعميان والعرجان والكسحان واليتامى وكل منقطع به. فقلت:
إن للعاملين عليها حقًّا وللمجاهدين. فقال: للعاملين عليها بقدر عمالتهم
وللمجاهدين في سبيل الله قدر حاجتهم - أو قال: حالهم - قال رسولُ اللَّهِوَ (( إِنَّ
الصَّدَقَةَ لَا تَحِلَّ لِغَنِيٍّ، وَلَا لِذِي مِرَّةٍ سَوِيٌّ))، انتهى. هذا وقد بسط العلامة الشيخ
أحمد شاكر القول في تصحيح حديث عبد الله بن عمرو المرفوع، فعليك أن
تراجعه .
١٨٤٦ - [١١] وَرَوَاهُ أَحْمَدُ والنَّسَائِيُّ وابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.
الْشَّرْجُ
١٨٤٦ - قوله: (وَرَوَاهُ أَحْمَدُ) (ج٢: ص ٣٧٧ - ٣٨٩). (والنَّسَائِيُّ وابْنُ
مَاجَهْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) وأخرجه عنه ابن حبان والبزار والطحاوي والطبراني والحاكم
أيضًا، واختلفوا في تسمية الراوي عن أبي هريرة، فعند أحمد والنسائي وابن ماجه
(١٨٤٦) أَحْمَد (ج٢: ص ٣٧٧ ٣٨٩) النَّسَائِي (٢٥٩٧) ابْنُ مَاجَه (١٨٣٩).

كِتَابِ الزَّكاةِ
بَابُ مَنْ لَا تَحِلَّ لهُ الصَّدقةُ
٤٩٣
وابن حبان والطحاوي والبزار والبيهقي، عن سالم بن أبي الجعد عن أبي هريرة.
قال صاحب ((التنقيح)): رواته ثقات، إلا أن أحمد بن حنبل قال: سالم بن أبي
الجعد لم يسمع من أبي هريرة، انتهى.
ورواه الطحاوي من حديث أبي صالح عن أبي هريرة والحاكم والبيهقي من
حديث أبي حازم عنه قال الحاكم: حديث صحيح على شرط الشيخين، وشاهده
حديث عبد الله بن عمرو. ثم رواه بسندِ السنن وسكت عنه. وحديث أبي هريرة
عزاه الهيثمي للطبراني، وقال: رجاله رجال الصحيح، وفي الباب عن رجل من
بني هلال عند أحمد والطحاوي. قال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح، وعن حبشي
ابن جنازة وسيأتي، وعن جابر عند الدار قطني بسند ضعيف، وعن طلحة عند أبي
يعلى وابن عدي بسند فيه ضعف، وعن عبد الرحمن بن أبي بكر عند الطبراني في
((الكبير))، وفيه ابن لهيعة، وعن ابن عمر عند ابن عدي بسند ضعيف.
G تنبيه:
كلام المصنف يدل على أن الإمام أحمد لم يرو هذا الحديث عن عبد الله بن
عمرو، وهو ذهول منه فإن أحمد رواه عن أبي هريرة، وعبد الله بن عمرو وكليهما
كما عرفت.
١٨٤٧ - [١٢] وَعَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ الْخِيَارِ، قَالَ: أَخْبَرَنِي
رَجُلَانِ أَنَّهُمَا أَنْيَا النَّبِيَّ نَّهِ وَهُوَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ وَهُوَ يَقْسِمُ الصَّدَقَةَ، فَسَأَلَاهُ
مِنْهَا، فَرَفَعَ فِينَا النَّظَرَ وَخَفَضَهُ، فَرَأَنَا جَلْدَينٍ فَقَالَ: ((إِنْ شِئْتُمَا أَعْطَيْتُكُمَا، وَلَا
[رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ والنَّسَائِيُّ ] {صحيح}
حَظَّ فِيهَا لِغَنِيٍّ، وَلَا لِقَوٌِّ مُكْتَسِبٍ)).
الْشَّرْحُ
١٨٤٧ - قوله: (وَعَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَدِيٌّ بْنِ الْخِيَارِ) بكسر الخاء المعجمة
(١٨٤٧) أَبُو دَاوُد (١٦٣٣)، وَالنَّسَائِي (٥/ ٩٩ - ١٠٠) مِنْ طَرِيقٍ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عُدَيِّ بْنِ الخِيَارِ أَخْبَرَنِي
رَجُلَانِ: أَنَّهُمَا أَيَا النَّبِيَّ بِّهِ وَهُوَ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ وَهُوَ يُقَسِّمُ الصَّدَقَةَ، فَسَأَلَاهُ منها، فَقَالَ مَ: ((إِنْ
شِئْتُمَا أَعْطَيْكُمَا، وَلَا حَظَّ .. )) فَذَكَرَهُ.

٤٩٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
فمثناة تحتية آخره راء. (أَخْبَرَنِي رَجُلَانِ) زاد الطحاوي في ((شرح الآثار)) (ص٣٠٣)
((من قومي)) ولم أقف على تسميتهما. (وَهُوَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ) بفتح الواو. (وَهُوَ
يَقْسِمُ) بفتح الياء وكسر السين. (الصَّدَقَةَ) أي: أموالها. (فَسَأَلَاهُ مِنْهَا) أي: طالباه
أن يعطيهما شيئًا من تلك الصدقة. (فَرَفَعَ فِيْنَا النَّظَرَ) في نسختي ((العون)) و((البذل))
من نسخ السنن لأبي داود: ((البصر)) بدل ((النظر)). وكذا وقع عند أبي عبيد
والطحاوي والدار قطني والبيهقي من طريق أبي داود. وكذا نقله الزيلعي والحافظ
في تخريجهما. ووقع في نسخة ((معالم السنن)): ((النظر)) كما في الكتاب، وكذا
نقله الجزري في ((جامع الأصول)). ولفظ أحمد والنسائي: ((فقلب فيهما البصر))،
وفي رواية لأحمد ((فصعد فيهما البصر))، وللبيهقي في رواية: ((فصعد فينا النظر
وصوب)). وفي رواية فصعد البصر (جَلْدَيْنِ) بفتح الجيم وسكون اللام أي:
قویین .
(إِنَّ شِئْتُمَا أَعْطَيْتُكُمَا) أي: منها ووكلت الأمر إلى أمانتكما لكن تكونان في خطر
الأخذ بغير حق إن كنتما قويين كما دل عليه حالكما، أو غنيين. (وَلَا حَظَّ) أي:
نصيب. (فِيهَا لِغَنِيٍّ وَلَا لِقَوِيٌّ مُكْتَسِبٍ) بصيغة الفاعِل أي: قادر على الكسبِ. قال
الطيبي: أي: لا أعطيكما؛ لأن في الصدقة ذلًا وهَوَانًا، فإنْ رضيتما بذلك
أعطيتكما. أو: لا أعطيكما؛ لأنها حرام على القوي المكتسب، فإن ضيتما بأكل
الحرام أعطيكما، قاله توبيخًا وتغليظًا، أي: كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ شَآءَ فَلْيَكْفُرْ﴾.
[الكهف: ٢٩]. وقال السندي: قوله: ((إِنْ شِئْتُمَا ... )) إلخ، يدلَّ على أنه لو أدى أحد
إليهما يحل لهما أخذه ويجزئ عنه، وإلا لم يصح له أن يؤدي إليهما بمشيئتهما،
فقوله: ((وَلَا حَظَّ فِيهَا)) الضمير للصدقة على تقدير المضاف، أي: في سؤالها أو
للمسألة المعلومة من المقام، انتهى، وقال ابن الهمام: الحديث دلَّ على أن المراد
حرمة سؤالهما لقوله: ((وَإِنْ شِئْتُمَا أَعْطَيْتُكُمَا)) فلو كان الأخذ محرمًا غير مسقط عن
صاحب المال لم يفعله، انتهى. والحديث من أدلة تحريم الصدقة على الغني،
وهو تصريح بمفهوم الآية وإن اختلف في تحقيق الغني بما سلف وعلى القوي
المكتسب؛ لأن حرفته صيرتة في حكم الغني، ومن أجاز له تأول بما تقدم في أول
كلام الطيبي وفي كلام السندي وابن الهمام.

كِتَابُ الرَّكاةِ
بَابٍ مَنْ لَا تَحِلَّ لَه الصَّدقةَ
٤٩٥
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ) وأخرجه أيضًا الشافعي وأحمد (ج٤ ص٢٢٤) وأبو
عبيد (ص٥٤٩) والدار قطني (ص٢١١) والطحاوي (ص ٣٠٣) والطبراني والبيهقي
(ج ١ ص ١٤) كلهم من حديث هشام بن عروة عن أبي عبيد الله بن عدي بن الخيار،
وقد سكت عنه أبو داود والمنذري. وقال الحافظ في ((بلوغ المرام)»: قواه أبو داود.
وقال أحمد: ما أجوده من حديث، وقال: هو أحسنها إسنادًا. وقال صاحب
((التنقيح)): حديث صحيح ورواته ثقات. وقال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح.
١٨٤٨ - [١٣] وَعَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ مُرْسَلًا، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ◌ِ :
((لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيِّ إِلَّا لِخَمْسَةٍ: لِغَازٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أَوْ لِعَامِلِ عَلَيْهَا، أَوْ
لِغَارِمِ، أَوْ لِرَجُلِ اشْتَرَاهَا بِمَالِهِ، أَوْ لِرَجُلِ كَانَ لَهُ جَارٌ مِسْكِينٌ فَتَّصُدِّقَ عَلَى
[رَوَاهُ مَالِكٌ وَأَبُو دَاوُدَ]
الْمِشَّكِينِ فَأَهْدَى الْمِسْكِينُ لِلْغَنِيِّ)).
الشَّرْحُ
١٨٤٨ - قوله: (وَعَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ) بفتح الياء تابعي جليل. (مُرْسَلًا) أي:
بحذف الصحابي، وهو أبو سعيد الخدري كما سيأتي. (لَا تَحِلَّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ إِلَّا
لِخَمْسَةٍ) فتحلُّ لهم وهم أغنياء؛ لأنهم أخذوها بوصف آخر، قاله الزرقاني.
وقال ابن رشد: الجمهور على أنه لا تجوز الصدقة للأغنياء بأجمعهم، إلا
للخمس الذي نص عليهم النبي ◌ّ﴾ في هذا الحديث، روي عن ابن القاسم: أنه لا
يجوز أخذ الصدقة لغني أصلاً، مجاهدًا كان أو عاملًا. قال: وسبب اختلافهم هو
هل العلَّة في إيجاب الصدقة للأصناف المذكورين هو الحاجة فقط أو الحاجة
والمنفعة العامة؟ إلى آخر ما قال. وعند الحنفية: سبب استحقاق الزكاة في الكلِّ
واحدٍ، وهو الفقر والحاجة إلا العاملين عليها والمؤلفة، واختلاف الأسماء إنما هو
لبيان أسباب الحاجة.
(١٨٤٨) أَبُو دَاوُد (١٦٣٥)، وَابن مَاجَهْ (١٨٤١) عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلَهُ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ .

٤٩٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
قال أبو بكر الجصاص الرازي في ((أحكام القرآن)): وجميع من يأخذ الصدقة من
هذه الأصناف، فإنما يأخذها صدقة بالفقر، والمؤلفة قلوبهم والعاملون عليها لا
يأخذونها صدقة، وإنما تحصل الصدقة في يد الإمام للفقراء ثم يعطي الإمام
المؤلفة؛ لدفع أذيتهم عن الفقراء وسائر المسلمين، ويعطيها العاملين عوضًا من
أعمالهم لا على أنها صدقة عليهم. وإنما قلنا ذلك؛ لقول النبي ◌َّ: ((أُمِرْتُ أَنْ آخُذَ
الصَّدَقَةَ مِنْ أَغْنِيَائِكُمْ وَأَرُدّهَا فِي فُقَرَائِكُمْ)) فبين أن الصدقة مصروفة إلى الفقراء،
فدلَّ ذلك على أن أحدًا لا يأخذها صدقة إلا بالفقر، وأن الأصناف المذكورين إنما
ذكروا بيانًا لأسباب الفقر، انتهى.
قلت: اعتبار الفقر في جميع الأصناف غير العامل والمؤلف وجعله مناطًا
للاستحقاق ليس بصحيح، فإن الله تعالى قد فرق بين هذه الأصناف بالتسمية
وعطف بعضها على بعض، وجعل العامل وما بعده صنفًا غير الفقراء والمساكين،
فلا يشترط وجودها معناهما فيما ذكر بعدهما، كما لا يشترط معناه فيهما، ولا
يجب وجود صفة هذين الصنفين في بقية الأصناف كما لا يلزم وجود صفة تلك
الأصناف فيهما. وأما حديث معاذ ففيه بيان صنف واحد فقط؛ ولذا احتج به من
ذهب إلى جواز صرف الزكاة إلى صنف واحد. قال القاري: ظاهر حديث معاذ أن
دفع المال إلى صنف واحد جائز كما هو مذهبنا، انتهى.
وهكذا استدل به لذلك ابن الجوزي وأبو عبيد والكاساني في ((البدائع))،
والقرطبي المالكي في ((المفهم))، وابن قدامة في ((المغني))، وغيرهم من الشراح.
وخص هذا الصنف بالذكر مع كون المقام مقام إرسال البيان لأهل اليمن وتعليمهم
المقابلة الأغنياء، ويحتملُ أن يكون ذلك لكون الفقراء هم الأغلب، أو لبيان أنهم
الأحق والأهم، وكانت آية مصارف الزكاة معلومة معروفة، فلم تكن حاجة إلى
تعديد جميع مصارفها، وحديث الباب نص في الرد على الحنفية وعلى ابن
القاسم، وقد تكلف ابن الهمام وغيره للجواب عنه كما سيأتي مع الرد عليه.
وقال الشوكاني في ((السيل الجرار)): لا ينافي ما صرحت به الآية من المصارف
الثمانية ما ورد من أن الزكاة تؤخذ من الأغنياء وترد في الفقراء، فإن ذلك محمول
على أنه لم يوجد في المحل الذي أخذت منه إلا الفقراء. أما إذا وجد غيرهم فله

٤٩٧
كِتَابُ الرَّكاةِ
بَابٌ مَنْ لَا تَحِلَّ لَهُ الضَّدقةَ
حق فيها كحق الفقراء، فيجمع بين الأدلة بهذا، وأما من اشترط الفقر في جميع
الأصناف فلا يحتاج إلى الجمع بهذا، ولكن هذا الاشتراط خلاف ظاهر القرآن،
وخلاف ما ثبت في السنة، كقوله ◌ِ له: ((لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيّ إلَّا لِغَازٍ فِي سَبِيلِ
اللهِ .. )) الحديث. (لِغَازِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) أي: يجوز له أخذ الزكاة والاستعانة بها في
غزوه، وإن كان غنيًّا، وإليه ذهب الأئمة الثلاثة وإسحاق بن راهويه وأبو ثور وأبو
عبيد وابن المنذر، وقال أبو حنيفة: لا يحل للغازي إلا أن يكون منقطعًا به أو فقيرًا،
ورُدَّ بأن الأول داخل في الآية في ابن السبيل، والثاني في الفقراء وقد فرق الله
تعالى بين سهم السبيل وابن السبيل والفقراء بالواو، والقول بأن منقطع الغزاة
فقيرًا، لا أنه زاد بالانقطاع في عبادة اللَّه، فكان مغايرًا للفقير المطلق الخالي عن
هذا القيد لا يجدي شيئًا؛ فإنه بقيد الفقر يبطل كون سبيل اللّه صنفًا مستقلًا؛ إذ
يرجع حينئذ إلى الصنف الأول وهو الفقراء والمساكين، والحديث تفسير لقوله
تعالى: ﴿فِى سَبِيلِ اللّهِ﴾ [التوبة: ٦٠] إن المراد به الغزاة، وعليه الجمهور.
قال أبو عبيدٍ (ص٦١٠) بعد ذكر هذا الحديث: فأرخص وَ لّ للغازي أن يأخذ
من الصدقة وإن كان غنيًّا، ونراها تأويل هذه الآية قوله: ((وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ) وقال
الخطابي: في الحديث بيان إن للغازي وإن كان غنيًّا أن يأخذ الصدقة، ويستعين بها
في غزوة وهو من سهم سبيل اللَّه، وإليه ذهب مالك والشافعي وأحمد وإسحاق.
وقال أصحاب الرأي: لا يجوز أن يعطى الغازي من الصدقة إلا أن يكون منقطعًا
به. قلتُ قائله الخطابي: سهم السبيل غير سهم ابن السبيل، وقد فرَّق اللَّه بينهما
بالتسمية وعطف أحدهما على الآخر بالواو والذي هو حرف الفرق بين المذكورين
المنسوق أحدهما على الآخر، فقال: وفي سبيل اللّه وابن السبيل والمنقطع به هو
ابن السبيل، فأما سهم السبيل فهو على عمومه وظاهره في الكتاب. وقد جاء في
هذا الحديث ما بينه ووكد أمره، فلا وجه للذهاب عنه، انتهى.
وقال الباجي: لا بأس أن يعطى من الزكاة للغازي وإن كان معه ما يغنيه وإن لم
يأخذ فهو أفضل، هذا قول مالك وبه قال الشافعي، وقال أبو حنيفة: لا يعطى
الغازي الغني شيء من الصدقة ولا يحل له أخذها. وقال ابن المنذر: وأما قول أبي
حنيفة: لا يعطى الغازي من الزكاة إلا أن يكون محتاجًا، فهو خلاف ظاهر الكتاب
والسنة، فأما الكتاب فقوله تعالى: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦٠] وأما السنة

٤٩٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
فحديث أبي سعيد، يعني: الذي نحن في شرحه.
وقال الشوكاني في ((السيل الجرار)) تحت قول صاحب ((حدائق الأزهار)):
وسبيل اللّه هو المجاهد الفقير ما لفظه: أقول: قد عرفناك إن حديث أبي سعيد فيه
التصريح بعدم اشتراط الفقر فيمن اشتمل عليه ومن جملتهم الغازي، فالسنة قد
دلت على أنه يصرف إلى هذا الصنف مع الغنى، والقرآن لم يشترط فيه الفقر، فلم
يبق ما يوجب هذا الاشتراط، بل هو مجرد رأي بحت، فيصرف إليه ما يحتاجه في
الجهاد من سلاحٍ ونفقة وراحلة وإن بلغ أنصبًا كثيرة، قلت: واستدل لأبي حنيفة
بحديث معاذ: (أُمِرْتُ أَنْ أَخُذَ الصَّدَقَةَ مِنْ أَغْنِيَائِكُمْ وَأَرُدَّهَا فِي نُقَرَائِكُمْ)).
قال الكاساني: جعل الناس قسمين. قسم: يؤخذ منهم، وقسم: يصرف إليهم.
فلو جاز صرف الصدقة إلى الغني، لبطلت القسمة وهذا لا يجوز، وبحديث
عبد الله بن عمرو المتقدم بلفظ: ((لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيِّ))، قال ابن الهمام:
حديث: (لَا تَحِلَّ الصَّدَقَةُ لَغَنِيٍّ)) مع حديث معاذ يفيد منع غنى الغزاة والغارمين
عنها، فهو حجة على الشافعي في تجويزه لغني الغزاة إذا لم يكن له شيء في
الديوان ولم يأخذ من الفيء، وأجيب عن ذلك: بأنه لو صح ما قال الكاساني للزم
اشتراط الفقر في العامل والمؤلف أيضًا، ولما جاز دفع الزكاة إلى غني العاملين
والمؤلفة قلوبهم وإلا لبطلت القسمة، وأيضًا لزم تقييد إطلاق القرآن بخبر الواحد،
وهذا لا يجوز عند الحنيفة.
وقدمنا أن حديث معاذ فيه بيان للصنف الواحد فقط من الأصناف الثمانية وهم
الفقراء، وذلك لمقابلة الأغنياء، أو لكونهم إذ ذاك هم الأغلب، لا لأن هذا الصنف
هو المصرف فقط، ولا لأن الفقر شرط في الأصناف الأخر، والمفهوم من الآية أن
المعتبر في المصارف المذكورة إما حاجتهم إلى الصدقة وهذا في الفقير والمسكين
والرقبة والغارم لقضاء دينه وابن السبيل، أو حاجة المسلمين إليهم والمنفعة
العامة، وهذا في العامل والمؤلف والغازي والغارم لإصلاح ذات البين.
قال ابن العربي في ((أحكام القرآن)): قال أبو حنيفة: لا يعطي الغازي إلا إذا كان
فقيرًا وهذه زيادة على النص، وعنده أن الزيادة على النص نسخ ولا نسخ في القرآن

٤٩٩
كِتَاب الزَّكاةِ
بَابُ مَنْ لَا تَحِلَّ لهُ الصَّدَقَةُ
إلا بقرآن مثله أو بخبر متواتر، انتهى.
وأما حديث عبد الله بن عمرو فهو مجمل يفسره حديث عطاء بن يسار هذا وهو
حديث موصول صحيح كما ستعرف، قال ابن عبد البر: هذا الحديث مفسر
لمجمل قوله وَ له: ((لَا تَحِلَّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيِّ وَلَا لِذِي مِرَّةٍ سَوِيٌّ)» وإنه ليس على
عمومه، وأجمعوا على أن الصدقة المفروضة لا تحل لغير الخمسة المذكورين،
انتهى. وأجاب الحنفية عن هذا الحديث بوجوه، منها: ما قال العيني: المراد من
قوله: ((لِغَازٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ)) هو الغازي الغني بقوة البدن والقدرة على الكسب، لا
الغني بالنصاب الشرعي بدليل حديث معاذ وفي ذكر هذا غنى عن الردِّ، ويدلُّ على
بطلانه أيضًا حديث عبد الله بن عمرو وحديث عبيد الله بن عدي بن الخيار
المتقدمين، كما لا يخفى.
ومنها ما قيل: إن المستثنى مقيد بالفقر وإطلاق الغني عليه مجاز باعتبار ما كان.
قال الكاساني في ((البدائع)): وأما استثناء الغازي فمحمول على حال حدوث
الحاجة وسماه غنيًّا على اعتبار ما كان قبل حدوث الحاجة وهو أن يكون غنيًّا، ثم
تحدث له الحاجة بأن كان له دار يسكنها، ومتاع يمتهنه، وثياب يلبسها، وله مع
ذلك فضل مائتي درهم حتى لا تحل له الصدقة، ثم يعزم على الخروج في سفر
غزو، فيحتاج إلى آلات السفر والسلاح والمركب، فيجوز أن يعطى من الصدقة ما
يستعين به في حاجته التي تحدث له في سفره، وهوٍ في مقامه غني بما يملكه؛ لأنه
غير محتاجٍ في حال الإقامة، فيحمل قوله: ((لَا تَحِلَّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيِّ إِلَّ لِخَمْسَةٍ لِغَازٍ
فِي سَبِيلِ اللَّهِ ... )) على من كان غنيًّا في حال مقامه، فيعطى بعض ما يحتاج لسفره
لما أحدث له السفر من الحاجة إلا أنه يعطى حين يعطى وهو غني، انتهى ملخصًا.
وفيه: أن هذا يدل على أن المراد من الغازي هو الغني الذي تحدث له الحاجة
إلى جهاز الجهاد عند إرادة الغزو وإنشاء سفره، وهذا مخالف لما صرح به الحنفية
في كتب فروعهم من أن المراد من سبيل اللّه في الآية منقطع الغزاة. ثم فسروه
بالذي عجز عن اللحوق بجيش الإسلام لفقره بهلاك النفقة والدابة أو غيرها وإن
كان في بيته مال وافر، فتحل له الصدقة وإن کان کاسبًا، انتهى.