Indexed OCR Text
Pages 461-480
٤٦٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
*
بمهملتين مصغرًا. (عَنْ أَبِيهِ) قال الحافظُ في ((تهذيب التهذيب))، في حرف العين
المهملة: عبد الله بن ثعلبة بن صعير، ويقال: ابن أبي صعير، مسح رسول اللّه ◌َله
وجهه ورأسه زمن الفتح ودعا له، روى عن النبي ◌َّ وعن أبيه - أي: ثعلبة بن
صغير - وعمر وعلي وسعد وأبي هريرة وجابر، وروى عنه الزهري وأخوه عبد الله
ابن مسلم وسعد بن إبراهيم وغيرهم. قال ابن سعد: كان أبو ثعلبة بن صعير شاعرًا
وكان حليفًا لبني زهرة، وقال الحاكم أبو أحمد: أبو محمد عبد الله بن ثعلبة بن
صعير. قيل: إنه ولد قبل الهجرة. (بأربع سنين) وقيل: بعدها، وتوفي سنة سبع.
وقيل: سنة تسع وثمانين وهو ابن (٨٣) سنة. وقيل: ابن (٩٣) سنة. وقيل: غير
ذلك في تاريخ وفاته ومبلغ سنه. وقال ابن السكن: يقال له: صحبة، وحديثه في
صدقة الفطر مختلف فيه، وصوابه مرسل، وليس يذكر في شيء من الروايات
الصحيحة سماع عبد الله من النبي وَلّر ولا حضوره إياه. وقال أبو حاتم: قد رأى
النبي ◌َّ﴾ وهو صغير. وقال البخاري في ((التاريخ)): عبد الله بن ثعلبة بن صعير عن
النبي ◌ٍَّ﴾ مرسل، إلا أن يكون عن أبيه وهو أشبه، وزعم ابن حزم أن عبد الله بن
ثعلبة مجهول، انتهى مختصرًا. وقال في ((التقريب)): عبد الله بن ثعلبة بن صعير
بمهملتين مصغرًا، ويقال: ابن أبي صعير له رؤية، ولم يثبت له سماع، مات سنة
سبع أو تسع وثمانين، وقد قارب التسعين، وقال في حرف المثلثة من ((تهذيبه)):
ثعلبة بن صعير، ويقال: ابن عبد الله بن صعير، ويقال: ابن أبي صعير، ويقال:
عبد الله بن ثعلبة بن صعير العذري له حديث واحد عن النبي ◌َّر في صدقة الفطر.
وروى عنه ابنه عبد الله وفيه خلاف كثير، أخرجه أبو داود على الاختلاف فيه. قال
يحيى بن معين: ثعلبة بن عبد الله بن أبي صعير، وثعلبة بن أبي مالك - الْقُرَظِيُّ -
جميعًا قد رأيا النبي وَلّ. قلت - قائله الحافظ: وقال الدارقطني: الصواب فيه
عبد الله بن ثعلبة بن أبي صعير، لثعلبة صحبة ولعبد الله رؤية والله أعلم، انتهى.
وقال في ((التقريب)): ثعلبة بن صعير أو ابن أبي صعير العذري بضم المهملة
وسكون المعجمة. ويقال: ثعلبة بن عبد الله بن صعير، ويقال: عبد الله بن ثعلبة
ابن صعير مختلف في صحبته. (صَاعٌ مِنْ بُرٍّ) أي: صدقة الفطر صاع موصوف بأنه
من بر. (أَوْ قَمْح) أو للشكّ من راويه حماد بن زيد كما في ((مسند الإمام أحمد)»
(ج ٥ ص ٤٣٢)، (عَنْ كُلِّ اثْنَيْنِ) كذا في جميع النسخ، وكذا نقله الخطابي في
٤٦١
كِتّابُ الرَّكاةِ
بَابُ صَدقةِ الْفِطْر
((المعالم))، وفي نسخ أبي داود: ((عَلَى كُلِّ اثْنَيْنٍ)). وكذا نقله الزيلعي في ((نصب
الراية))، يعني: مجزئ عن كل اثنين، وفيه حجة لمذهب من أجاز نصف الصاع من
البر، لكن الحديث مضطرب، فقد وقع في بعض الروايات عند الدار قطني وغيره:
((صاع من قمح عن كل رأس))، وفي بعضها: ((عن كل إنسان)) وفي بعضها: ((نصف
صاع من قمح)) (صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ، حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ، ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى) زاد في رواية: غَنِيٍّ أَوْ
فَقِيرٍ)). (أَمَّا غَنِيُّكُمْ) تَفصيل لَعلة وجوب صدقةً الفطر. (فَيُزَكِّيهِ اللَّهُ) التزكية:
بمعنى التطهير أو التنمية فالمناسب لحال الغني التطهير من الإمساك، وبحال الفقير
التنمية فيما أبقاه من القوت وهذا على أن يكون الفقير ممن يملك قوته، قاله
الطيبي. (وَأَمَّا فَقِيرُكُمْ) المراد به من يملك صدقة الفطر زيادة على قوت نفسه
وعياله ليوم العيد وليلته. (فَيَرُدُّ) أي: الله. (عَلَيْهِ أَكْثَرَ مَا أَعْطَاهُ) أي: هو
المساكين. قال القاري: وفي نسخة بصيغة المجهول في ((فيرد)) وبرفع ((أكثر))
والأول أكثر، انتهى.
قلتُ: في ((سنن أبي داود)) فيرد اللَّه، وكذا وقع عند الدارقطني والبيهقي
وغيرهما، وكذا نقله الجزري والزيلعي. قال الخطابي في ((المعالم)) (ج٢ ص٥٢):
وفيه بيان أنها تلزم الفقير إذا وجد ما يؤديه؛ ألا تراه يقول: ((وَأَمَّا فَقِيرُكُمْ فَيَرُدُّ اللَّهُ
عَلَيْهِ أَكْثَرَ مِمَّا أَعْطَاهُ)) فقد أوجب عليه أن يؤديها عن نفسه مع إجازته له أن يأخذ
صدقة غيره، انتهى. وأجاب القاري عنه بأن المراد بالفقير الفقيرُ بالإضافة إلى
أكابر الأغنياء. وقال بعضهم: أو يقال: إن الفقير إذا أعطى متطوعًا من غير أن يجب
عليه يرد الله عليه أكثر مما أعطى، ولا يخفى ما فيه من التكلف.
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) وأخرجه أيضًا أحمد (ج٥ ص٤٣٢) والدار قطني (ص٢٢٣)
والطحاوي (ج١ ص ٣٢٠) والبيهقي (ج٤ ص١٦٣، ١٦٤) وسكت عنه أبو داود.
وقال المنذري: في إسناده النعمان بن راشد، ولا يحتج بحديثه، انتهى. قلتُ:
النعمان بن راشد هذا ضعفه يحيى بن القطان وابن معين وأبو داود والنسائي. وقال
أحمد: مضطرب الحديث روى أحاديث مناكير. وقال مهنا: ذكرت لأحمد حديث
ثعلبة بن أبي صعير: ((في صدقة الفطر نصف صاع من بر))، فقال: ليس بصحيح،
إنما هو مرسل يرويه معمر وابن جريج عن الزهري مرسلًا.
٤٦٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَضابِيحِ
قلت: من قِبَلٍ من هذا؟ قال: من قبل النعمان بن راشد وليس بالقوي في
الحديث، وضعف حديث ابن أبي صعير، انتهى.
وقال البخاري: وأبو حاتم في حديثه وهم كثير، وهو في الأصل صدوق. وقال
ابن أبي حاتم: أدخله البخاري في الضعفاء فسمعت أبي يقول: يُحَوَّلُ عَنْهُ، وذكره
ابن حبان في ((الثقات)). وقال النسائي: مرة صدوق فيه ضعف، وقال ابن معين:
ضعيف مضطرب الحديث. وقال: مرة ثقة. وقال العقيلي: ليس بالقوي يعرف فيه
الضعف. وقال ابن عدي: قد احتمله الناس، روى عنه الثقات، وله نسخة عن
الزهري لا بأس به. وقال الحافظ في ((التقريب)): صدوقٌ سيئ الحفظ، انتهى.
وللحديث طرق أخرى عند أحمد وأبي داود والدار قطني وعبد الرزاق والطبراني
والحاكم والبيهقي ذكرها الزيلعي (ج٢ ص ٤٠٧) ومدار جميع طرق هذا الحديث
على الزهري عن عبد الله بن ثعلبة. وقد اختلف عليه في إسناده ومتنه، وقد أوضح
هذا الاختلاف الدار قطني في ((علله)). ونقله عنه في ((نصب الراية)). وقال ابن
التركماني في ((الجوهر النقي)): هو حديث اضطرب إسنادًا ومتنًا، وقد بين البيهقي
بعض ذلك، وقال ابن عبد البر: هذا حديث مضطرب لا يثبت وليس دون الزهري
في هذا الحديث من تقوم به حجة، واختلف عليه فيه أيضًا، انتهى. فإن قلتَ: روى
عبد الرزاق ومن طريقه الدارقطني (ص٢٢٤) والطبراني، عن ابن جريج عن
الزهري عن عبد الله بن ثعلبة، قال: خطب رسول اللّه ◌َلّل الناس قبل الفطرة بيوم أو
يومين، فقال: ((أَدُّوا صَاعًا مِنْ بُرٍّ أَوْ قَمْح بَيْنَ اثْنَيْنٍ)) الحديث. وهذا سند صحيح
قوي كما قال الزيلعي (ج٢ ص ٤٠٧). قَلَتُ: قد تقدم أن حديث عبد الله بن ثعلبة
عن النبي ◌َّر مرسل، وفيه أيضًا ابن جريج وهو مدلس وقد عنعن، وعارضه رواية
بكر بن وائل عن الزهري عند الدار قطني (ص٢٢٣) بلفظ: ((صَاعًا مِنْ تَمْرِ أَوْ صَاعًا
مِنْ شَعِيرٍ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ أَوْ عَنْ كُلِّ رَأْسٍ، أَوْ صَاعَ قَمْح)) ففي صحة طريق عبد الرزاق
نظر .
كِتَابُ الرَّكاةِ
******<<<<<**<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<< > *<<<<<<<<<<
بَابْ مَنْ لا تَحِلّ له الصَّدقة
٤٦٣
٣ - بَابُ مَنْ لَا تَحِلُّ لَهُ الصَّدَقَةُ
(بَابُ مَنْ لَا تَحِلُّ لَهُ الصَّدَقَةُ) قال في ((اللمعات)): الظاهر أن معناه من لا يحل له
أكل الصدقات، وقد يجعل العنوان: ((باب من لا يجوز دفع الزكاة إليه)) والمآل
واحد، لكنه يختلف المعنى في مادة الكافر؛ فإنه لا يجوز دفع الزكاة إليه، يعني :
لا يبرأ الذمة بأدائها إليه، ولا يبحث من عدم حلها له ويصدق المعنيان في مثل بني
هاشم، فافهم .
الفصل الأول
١٨٣٦ - [١] عَنْ أَنَسِ قَالَ: مَرَّ النَّبِيُّ ◌َّه بِتَمْرَةِ فِي الطَّرِيقِ فَقَالَ:
(لَوْلَا أَنِّي أَخَافُ أَنْ تَكُونَ مِنَّ الصَّدَقَةِ لَأَكَلْتُهَا)).
[مُتَّفَقٌ عَلَیْهِ]
الْشَّرْجُ
١٨٣٦ - قوله: (مَرَّ النَّبِيُّ ◌ِ لَهُ بِتَمْرَةٍ) أي: ملقاة فِي الطَّرِيقِ، فَقَالَ: ((لَوْلَا أَنِّي
أَخَافُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الصَّدَقَةِ)) أي: من تمرها. (لَأَكَلْتُهَا) فتركها؛ تنزها لأجل الشبهة
وهو احتمال كونها من الصدقة. والحديث: ظاهر في جواز أكل ما يوجد من
المحقرات ملقى في الطرقات؛ لأنه يُّلل ذكر أنه لم يمتنع من أكلها إلا تورعًا لخشية
أن تكون من الصدقة التي حرمت عليه، لا لكونها مرمية في الطريق فقط. وقد
أوضح ذلك ما روى البخاري عن أبي هريرة عن النبي ◌َ ◌ّه قال: ((إِنِّي لَأَنْقَلِبُ إِلَى
أَهُلِي فَأَجِدُ التَّمْرَةَ سَاقِطَةً عَلَى فِرَاشِي، فَأَرْفَعَهَا لِآَكُلَهَا ثُمَّ أَخْشَى أَنْ تَكُونَ صَدَقَةً
(١٨٣٦) مُتَفَقٌ عَلَيْهِ: الْبُخَارِي (٢٤٣١) رَوَاهُ في اللفظةِ، مُسْلِم (١٦٤ / ١٠٧١) عَنْهُ فِي الزَّكَاةِ،
وأَبُو دَاوُد (١٦٥٢).
٤٦٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
فَأَلْقِيهَا))، فإنه ظاهر في أنه ترك أخذها؛ تورعًا لخشية أن تكون صدقة فلو لم يخش
ذلك لأكلها، ولم يذكر تعريفًا. فدل على أن مثل ذلك يملك بالأخذ ولا يحتاج إلى
تعريف، وفيه تحريم قليل الصدقة على النبي ◌ٍَّ﴾ ويؤخذ منه تحريم كثيرها من باب
الأولى.
قال النووي: فيه تحريم الصدقة على النبي وَّر، وأنه لا فرق بين صدقة الفرض
والتطوع؛ لقوله وَله: ((الصَّدَقَةِ)) بالألف واللام وهي تعم النوعين ولم يقل:
((الزكاة)) وفيه استعمال الورع؛ لأن هذه التمرة لا تحرم بمجرد الاحتمال لكن للورع
تركها. قال الخطابي: هذا أصل في الورع وفي أن كل ما لا يستبينه الإنسان من
شيء طلقًا لنفسه فإنه يجتنبه ويتركه، وفيه: أن التمرة ونحوها من محقرات الأموال
لا يجب تعريفها بل يباح أكلها، والتصرف فيها في الحال؛ لأنه وَلَه إنما تركها؛
خشية أن تكون من الصدقة لا لكونها لقطة، وهذا الحكم متفق عليه. وعللوه: بأن
صاحبها في العادة لا يطلبها ولا يبقى له فيها مطمع، وقد استشكل بعضهم تركه وَجيله
التمرة في الطريق مع أن الإمام يأخذ المال الضائع للحفظ، وأجيب باحتمال أن
يكون أخذها كذلك؛ لأنه ليس في الحديث ما ينفيه لو تركها عمدًا لينتفع بها من
يجدها ممن تحل له الصدقة، وإنَّما يجبُ على الإمام حفظ المال الذي يعلم تطلع
صاحبه له، لا ما جرت به العادة بالإعراض عنه لحقارته.
هذا، وقد روى أحمد من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدِّهِ. قال: تضور
النبيِ وَّه ذات ليلة فقيل له: ما أسهرك؟ قال: ((أَنِّي وَجَدْتُ تَمْرَةَ سَاقِطَةً فَأَكَلْتُهَا ثُمَّ
ذَكَرْتُ تَمْرًا كَانَ عِنْدَنَا مِنْ تَمْرِ الصَّدَقَةِ، فَمَا أَدْرِي، أُمِنْ ذَلِكَ كَانَتِ التَّمْرَةُ أَوْ مِنْ تَمْرِ
أَهْلِي، فَذَلِكَ أَسْهَرَنِي)). قال الحافظ: هو محمول على التعدد، وأنه لما اتفق له أكل
التمرة كما في هذا الحديث وأقلقه ذلك صار بعد ذلك إذا وجد مثلها مما يدخل
التردد تركه احتياطًا، ويحتمل أن يكون في حالة أكله إياها كان في مقام التشريع،
وفي حال تركه كان في خاصة نفسه. وقال المهلب: إنما تركها وَّةٍ؛ تورعًا وليس
بواجب؛ لأن الأصل أن كل شيء في بيت الإنسان على الإباحة حتى يقوم دليل على
التحريم .
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) أخرجه البخاري في أوائل البيوع وفي اللَّقَطَةِ، ومسلم في الزكاة،
وأخرجه أيضًا أحمد وأبو داود في الزكاة والبيهقي في قسم الصدقات.
كِتَابُ الرَّڪاةِ
بَابُ مَنْ لَا تَحِلَّ لَهُ الصَّدَقَةُ
٤٦٥
١٨٣٧ - [٢] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: أَخَذَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ تَمْرَةً مِنْ تَمْرِ
الصَّدَقَةِ فَجَعَلَهَا فِي فِيهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َّهِ: ((كِخْ كِخْ)) لِيَطْرَحَهَا ثُمَّ قَالَ: ((أَمَا
شَعَرْتَ أَنَّا لَا نَأْكُلُ الصَّدَقَةَ؟)).
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
الشَّرْجُ
١٨٣٧ - قوله: (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: أَخَذَ الْحَسَنُ) وفي رواية لأحمد: قال
- أي: أبو هريرة: كنا عند رسول اللَّه وَل وهو يقسم تمرًا من الصدقة والحسن في
حجره. (فَجَعَلَهَا فِي فِيهِ) أي: فمه، زاد أبو مسلم الكجي: ((فلم يفطن له النبي ◌َّل
حتى قام ولعابه يسيل، فضرب النبي وَّل شدقه))، وفي رواية أحمد المتقدمة: ((فلما
فرغ حمله على عاتقه، فسال لعابه، فرفع رأسه فإذا تمرة في فيه)). (كِخْ كِخْ) بفتح
الكاف وكسرها وسكون الخاء المعجمة وبكسرها منونة وغير منونة فتصير ست
لغات، والثانية تأكيد للأولى، وهي كلمة تقالُ لردع الصبي وزجره عند تناوله ما
يستقذر، بمعنى اتركه وارم به. قال ابن مالك: إنها من أسماء الأفعال، وفي
((التحفة)): إنها من أسماء الأصوات، وبه قطع ابن هشام في ((حواشيه على
التسهيل)). قيل: هي عربية. وقيل: أعجمية. وزعم الداودي أنها معربة بمعنى
بئس. وقد أشار إلى هذا البخاري بقوله في ترجمة باب من تكلم بالفارسية
والرطانة.
(لِيَطْرَحَهَا) أي: التمرة من فيه. زاد مسلم: ((إِرْم بِها)). وفي رواية عند أحمد:
فنظر إليه فإذا هو يلوك تمرة فحرك خده. وقال: ((أَلقِهَا يَا بُنَيَّ)) ويجمع بين هذا وبين
قوله: (كِثْ كِخْ)) بأنه كلمه أولًا بهذا، فلما تمادى قاله له: كِخ كِخ؛ إشارة إلى
استقذار ذلك له، ويحتمل العكس بأن يكون كلمه أولًا بذلك، فلما تمادى نزعها
من فيه .
(ثُمَّ قَالَ: أَمَا شَعَرْتَ) أي: أما عَلِمْت، كما في رواية مسلم، وفي رواية
(١٨٣٧) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: البُخَارِي (١٤٩١)، ومُسْلِم (١٠٦٩/١٦١) عَنْهُ فِيهَا.
٤٦٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
للبخاري: ((أَمَا تَعْرِفُ))، وهذا يقال عند الأمر الواضح التحريم، وإن لم يكن
المخاطب بذلك عالمًا، أي: كيف خفي عليك هذا مع ظهور تحريمه وهو أبلغٍ في
الزجر من قوله لا تفعله. (أَنَّا لَا نَأْكُلُ الصَّدَقَةَ) في رواية لمسلم: ((إِنَّا لَا تَحِلَّ لَنَا
الصَّدَقَةُ))، وفي رواية لأحمد: ((إِنَّ الصَّدَقَةَ لا تَحِلَّ لآلِ مُحَمَّدٍ)) وكذا عند أحمد
والطحاوي من حديث الحسن بن علي نفسه، قال: كنتُ مع النبي ◌ََّ، فمَرَّ علي
جرين من تمرِ الصدقة فأخذتُ منه تمرة فألقيتها في فِيَّ فأخذها بلعابي فقال: ((إِنَّا
آلَ مُحَمَّدٍ لاَ تَحِلُّ لَنَا الصَّدَقَةُ)) قال الحافظُ: وإسناده قوي، والحديث يدل على أنَّ
الطفل يجنب الحرام كالكبير، ويعرف لأيِّ شيء نُهِيَ عنه لينشأ على العلم، فيأتي
عليه وقت التكليف وهو على علم من الشريعة، وفيه دليل على تحريم الصدقة على
النبيِ وَلّ وعلى آله.
واختلف في المراد بالآل هنا: فقال الشافعي وجماعة من العلماء: إنهم بنو
هاشم بن عبد مناف بن قصي وبنو المطلب بن عبد مناف. وقال أبو حنيفة ومالك:
هم بنو هاشم خاصة. وأما بنو المطلب فيجوز لهم الأخذ من الزكاة، وعن أحمد
روايتان كالمذهبين. وقيل: هم قريش كلها. وقال أصبغ المالكي: هم بنو قصي،
والمراد ببني هاشم: آل علي وعقيل وجعفر أولاد أبي طالب عم النبي ◌َّ- وآل
العباس والحارث ابني عبد المطلب جد النبي وَلّ، ولم يدخل في ذلك آل أبي
لهب؛ لأن حرمة الصدقة أولًا في الآباء؛ إكرامًا لهم حيث نصروه ◌َّ في جاهليتهم
وإسلامهم ثم سَرَت إلى الأولاد، ولا إكرام لأبي لهب.
واستدل الشافعي لمذهبه بأن النبي و ليل أشرك بني المطلب مع بني هاشم في سهم
ذوي القربى، ولم يعط أحدًا من قبائل قریش غيرهم، کما يدل عليه حديث جبير بن
مطعم الآتي، وتلك العطية عوض عوضوه بدلًا عما حرموه من الصدقة. وأجيب
عن ذلك بأنه إنما أعطاهم ذلك لموالاتهم لا عوضًا عن الصدقة.
قال الأمير اليماني: الأقرب في المراد بالآل ما فسرهم به زيد بن أرقم، عند
مسلمٍ في المناقب في قصة طويلة، بأنهم آل علي وآل العباس وآل جعفر
وآل عقيل، انتهى. قال: ويزيد آل الحارث بن عبد المطلب لحديث عبد المطلب
ابن ربيعة الذي يأتي بعد هذا، فهذا تفسير الراوي وهو مقدم على تفسير غيره
٤٦٧
كِتَابُ الزَّكاةِ
بَابُ مَنْ لا تَحِلِّ لَه الضَّدَقَةُ
فالرجوع إليه في تفسير آل محمد هنا هو الظاهر؛ لأن لفظ الآل مشترك، وتفسير
راويه دليل على المراد منه، وكذلك يدخل في تحريم الزكاة عليهم بنو المطلب بن
عبد مناف كما يدخلون معهم في قسمة الخمس، کما یفیده حديث جبير بن مطعم،
قال: مشيت أنا وعثمان بن عفان إلى النبي ◌َّ فقلنا: يا رسول الله، أعطيت بني
المطلب من خمس خيبر، وتركتنا ونحن وهم بمنزلة واحدة، فقال رسول الله وُاثنين:
((إِنَّمَا بَنُو الْمُطَّلِبٍ وَبَنُو هَاشِم شَيْءٌ وَاحِدٌ)) أخرجه البخاري.
قال الأمير: هذا الحديث دليل على أن بني المطلب يشاركون بني هاشم في سهم
ذوي القربى، وتحريم الزكاة أيضًا دون من عداهم، وإن كانوا في النسب سواء،
وعلَّلَهُ مَلّ باستمرارهم على الموالاة، كما في لفظ آخر تعليله: بأنه لم يفارقونا في
جاهلية ولا إسلام، فصاروا كالشيء الواحد في الأحكام، وهو دليل واضح في
ذلك، وإليه ذهب الشافعي وخالفه الجمهور: أبو حنيفة ومالك وأحمد في رواية،
وقالوا: إنه رَّ أعطى بني المطلب على جهة التفضل لا الاستحقاق وهو خلاف
الظاهر، بل قوله: ((شَيْءٌ وَاحِدٌ)) دليل على أنهم يشاركونهم في استحقاق الخمس
وتحريم الزكاة، انتهى.
واعلم: أن ظاهر قوله: ((لَا تَحِلُّ لَنَا الصَّدَقَةُ)) إنه يحرم على النبي ◌َّ صدقة
الفرض والتطوع وهو الحق، وقد نقل فيه غير واحد منهم الخطابي الإجماع، لكن
حكى غير واحد عن الشافعي في التطوع قولًا، وكذا في رواية عن أحمد، لكن قال
ابن قدامة: ليس ما نقل عنه من ذلك بواضح الدلالة. واختلف هل كان تحريم
الصدقة من خصائصه دون الأنبياء، أو كلهم سواء في ذلك، وأما آل النبي ◌َّ فقال
ابنُ قدامة: لا نعلم خلافًا في أن بني هاشم لا تحل لهم الصدقة المفروضة، وكذا
حكى الإجماع ابن رسلان، وروى أبو عصمة عن أبي حنيفة جواز دفعها إلى
الهاشمي في زمانه. قال الطحاوي: هذه الرواية عن أبي حنيفة ليست بالمشهورة،
وروي عنه وعن أبي يوسف: يحل من بعضهم لبعض لا من غيرهم.
قال الحافظ: وعند المالكية في ذلك أربعة أقوال مشهورة: الجواز، المنع،
جواز التطوع دون الفرض، عكسه. والأحاديث الدالة على التحريم على العموم
ترد على الجميع. وقد قيل: إنها متواترة تواترًا معنويًّا، ويؤيده قوله تعالى: ﴿قُلْ مَآ
EACH
٤٦٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾ [الفرقان: ٥٧] وقوله: ﴿قُل لَّ أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًّا إِلَّ الْمَوَدَّةَ فِىِ الْقُرْبِىُّ﴾.
[الشورى: ٢٣] ولو أحلها لآله؛ لأوشك أن يطعنوا فيه، ولقوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَلِهِمْ
صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِبِهِم بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣] وثبت عنه ◌َّ: ((الصدقة أوساخ الناس)) كما
سيأتي، ويؤخذ من هذا: جواز التطوع دون الفرض، وهو قول أكثر الحنفية
والمصحح عند الشافعية والحنابلة؛ لأن المحرم عليهم إنما هو أوساخ الناس وذلك
هو الزكاة لا صدقة التطوع. وقال أبو يوسف: أنها تحرم عليه كصدقة الفرض؛ لأن
الدليل لم يفصل .
وقال الطحاوي في ((شرح معاني الآثار)): والنظر أيضًا يدل على استواء حكم
الفرائض والتطوع في ذلك، أي: في التحريم، وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف
ومحمد، وقد اختلف في ذلك عن أبي حنيفة، فروي عنه أنه قال: لا بأس
بالصدقات كلها على بني هاشم، ثم بيَّن الطحاوي وجه هذه الرواية ثم قال: وقد
حدثني سلمان بن شعيب عن أبيه عن محمد عن أبي يوسف عن أبي حنيفة في ذلك
مثل قول أبي يوسف، فبهذا نأخذ، انتهى. وهذا صريح في أن الطحاوي ما اختار
رواية الحل عن أبي حنيفة، بل أخذ بالرواية التي وافقت قول أبي يوسف، وهي
ظاهر الرواية التي ذكرها أولًا من استواء حكم التحريم في الفريضة والتطوع.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وأخرجه أحمد والبيهقي أيضًا.
١٨٣٨ - [٣] وَعَنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ رَبِيعَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِهِ:
((إِنَّ هَذِهِ الصَّدَقَاتِ إِنَّمَا هِيَ أَوْسَاغُ النَّاسِ، وَإِنَّهَا لَا تَحِلُّ لِمُحَمَّدٍ، وَلَا لِآلِ
مُحَمَّدٍ)).
[رَوَاهُ مُسْلِمٌ] {صحيح}
الْشَّرْحُ
١٨٣٨ - قوله: (وَعَنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ) بضم الميم وفتح الطاء المهملة المشددة
وكسر اللام المخففة. (بْنِ رَبِيعَةَ) ابن الحارث بن عبد المطلب بن هاشم الهاشمي
صحابي. قال ابن عبد البر: كان على عهد رسول اللّه وَ ثّل رجلًا ولم يغيِّر رسول الله
(١٨٣٨) مُسْلِم (١٦٧ / ١٠٧٢) مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ المُطَّلِبِ بْنِ رَبِيعَةَ.
٤٦٩
كِتَابُ الرَّڪاةِ
*<<<<<<< > <<<<<< > ***<<<< > <<<<<<
بَابَ مَنْ لَا تَحِلَّ لَهُ الصَّدَقَةُ
وَثّر اسمه فيما علمت، سكن المدينة. ثم انتقل إلى الشام في خلافة عمر ومات في
إمرة يزيد بن معاوية بدمشق سنة (٦٢). قال الحافظ قال العسكري: هو المطلب
ابن ربيعة هكذا يقول أهل البيت، وأصحاب الحديث يختلفون فمنهم من يقول:
المطلب بن ربيعة، ومنهم من يقول: عبد المطلب، وقال البغوي: عبد المطلب.
ويقال: المطلب. وقال الطبراني: الصواب المطلب، وذكر أنه توفي سنة (٦١)،
انتھی .
(قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَ لِّ) أي: حينما أتى إليه عبد المطلب يطلب منه أن يجعله عاملًا
على بعض الزكاة. فقال: له رسول اللَّه ◌َله ... الحديث. وفيه قصة. (إِنَّ هَذِهِ
الصَّدَقَاتِ) أي: أنواع الزكاة وأصناف الصدقات. (إِنَّمَا هِيَ أَوْسَاغُ النَّاسِ) الجملة
خبر لقوله: ((هَذِهِ)) كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ إِنَّا لَا
[الكهف: ٣٠] قال النووي: هو تنبيهٌ على العلة في
تُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا
تحريمها على بني هاشم وبني المطلب، وأنه لكرامتهم وتنزيههم من الأوساخ،
ومعنى أوساخ الناس: إنها تطهير لأموالهم ونفوسهم، كما قال الله تعالى ﴿خُذْ مِنْ
أَمْوَلِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِم بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣] فهي كغسالة الأوساخ.
وقال الشاه ولي اللَّه الدهلوي: إنما كانت أوساخًا؛ لأنها تكفر الخطايا وتدفع
البلاء، وتقع فداء عن العبد في ذلك، فيتمثل في مدارك الملأ الأعلى أنها هي،
وهذا يسمى عندنا بالوجود التشبيهي، فتدرك بعض النفوس العالية أن فيها ظلمة،
وأيضًا فإن المال الذي يأخذه الإنسان من غير مبادلة عين أو نفع ولا يراد به احترام
وجهه فيه ذلة ومهانة، ويكون لصاحب المال عليه فضل ومنة، وهو قوله تع الى: ((اليد
العليا خير من اليد السفلى))، فلا جرم إن التكسب بهذا النوع شر وجوه المكاسب لا
يليق بالمطهرين والمنوه بهم في الملة، انتهى.
وقال السنوسي: لما كانت الصدقات أوساخ الناس، ولهذا حرمت عليه
وعلى آله فكيف أباحها لبعض أمته، ومن كمال إيمان المرء أن يحب لأخيه ما يحب
لنفسه؟! قلتُ: ما أباحها لهم عزيمة بل اضطرارًا، وكم أحاديث تراها ناهية
عن السؤال، فعلى الحازم أن يراها كالميتة: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاِخْ وَلَا عَادٍ فَلاَ إِثْمَ
عَلَيّْةٌ ﴾ [البقرة: ١٧٣].
٤٧٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
(وَإِنَّهَا لَا تَحِلُّ لِمُحَمَّدٍ وَلَا لِآلِ مُحَمَّدٍ) فيه أيضًا دليل على تحريم الزكاة على
النبي وَل﴾ وعلى آله، وأنها كانت محرمة عليهم، سواء كانت بسبب العمل أو بسبب
الفقر والمسكنة وغيرها من الأسباب الثمانية، وهذا هو الصحيح عندنا، وإليه ذهب
الجمهور، وجوز بعض الشافعية لبني هاشم ولبني المطلب العمل عليها بسهم
العامل؛ لأنه إجازة. قال النووي: وهذا ضعيف أو باطل وهذا الحديث صريح في
رده. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) في الزكاة في قصة طويلة، وأخرجه أيضًا أحمد (ج٤: ص١٦٦)
وأبو داود في ((الخراج)) والنسائي في الزكاة مطولًا ومختصرًا، ورواه الطبراني في
((الكبير)) بسند فيه كلام عن ابن عباس، فذكر القصة مختصرة، وفي آخره: فقال
النبيِوَّ: ((إِنَّهُ لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ مِنَ الصَّدَقَاتِ شَيْءٌ، إِنَّمَا هِيَ غُسَالَةُ الأَيْدِي،
إِنَّ لَكُمْ فِ خُمْسِ الْخُمُسِ لِمَا يُغْنِكُمْ))، انتهى.
١٨٣٩ - [٤] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللّهِ بِ لّهَإِذَا أَتِيَ بِطَعَام
سَأَلَ عَنْهُ: ((أَهَدِيَّةٌ أَمْ صَدَقَةٌ؟)) فَإِنْ قِيلَ: صَدَقَةٌ: قَالَ لِأَصْحَابِهِ: ((كُلُّوا)) وَلَمَّ
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
يَأْكُلْ، وَإِنْ قِيلَ: هَدِيَّةٌ، ضَرَبَ بِيَدِهِ فَأَكَلَ مَعَهَمْ.
الْشِّرْحُ
١٨٣٩ - قوله: (إِذَا أُنِيَ بِطَعَام) أي: جيء به، زاد أحمد وابن حبان، ((من
غير أهله)). (سَأَلَ عَنْهُ) أي: عن الطعام. (أَهَدِيَّةٌ أَمْ صَدَقَةٌ؟) بالرفع فيهما على خبر
مبتدأ محذوف، أي هذا، ويجوز النصب بتقدير أجئتم به هدية أم صدقة (فَإِنْ قِيلَ :
صَدَقَةٌ) بالرفع أي: هو صدقة. (قَالَ لِأَصْحَابِهِ) أي: من غير آله. (كُلُوا، وَلَمْ يَأْكُلْ)
لأنها حرام عليه. (وَإِنْ قِيلَ: هَدِيَّةٌ) بالرفع. (ضَرَبَ بِيَدِهِ) أي: شرع في الأكل
مسرعًا، ومثله ضرب في الأرض إذا أسرع فيها، قاله الحافظ: وقيل: أي: مد يده
إليه من غير تحام عنه؛ تشبيهًا للمد بالذهاب سريعًا في الأرض، فعداه بالباء، كما
يقال: ذهب به. (فَأَكَلَ مَعَهُمْ) فارقت الصدقة الهدية حيث حرمت عليه تلك،
وحلت له هذه؛ بأن الصدقة ما ينفق على الفقراء، ويراد به ثواب الآخرة ولا يكافأ
(١٨٣٩) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: البُخَارِي (١٥٧٦)، ومُسْلِم (١٧٥ / ١٠٧٧) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.
كِتَابُ الزَّكاةِ
بَابُ مَنْ لَا تَحِلَّ لَهُ الصَّدقةُ
٤٧١
في الدنيا فيبقي المنة عليه، وفيه عز للمعطي وذل للمعطى له، والهدية يراد بها
إكرام المهدي إليه والتقرب إليه، وتنفق على الأغنياء، وفيها غاية العزة والرفعة،
ويثاب عليها في الدنيا، فيزول المنة البتة. وأيضًا لما كان وَّ آمرًا بالصدقات
ومرغبًا في المبرات، فتنزه عن الأخذ منها؛ براءة لساحته عن الطمع فيها، وعن
التهمة بالحث عليها، ولذا قال: تؤخذ من أغينائهم وترد على فقرائهم إيماء إلى أن
المصلحة راجعة إليهم، وأنه سفير محض مشفق عليهم، وفي الحديث استعمال
الورع والفحص عن أصل المآكل والمشارب.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) أخرجه البخاري في الهبة ومسلم في الزكاة، واللفظ للبخاري،
وأخرجه أحمد وابن حبان والبيهقي أيضًا وأخرجه الترمذي والنسائي والبيهقي أيضًا
من حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده.
١٨٤٠ - [٥] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ فِي بَرِيرَةٍ ثَلَاثُ سُنَنِ؛ إِحْدَى
السُّنَنِ: أَنَّهَا عَتَقَتْ فَخُيِّرَتْ فِ زَوْجِهَا، وَقَالَ رَسُولُ اللّهِ وَهِ: ((الَّوَلَاءُ لِمَنْ
أَعْتَقَ)). وَدَخَلَ رَسُولُ اللّهِ وَلِهِ وَالْبُرْمَةُ تَفُورُ بِلَحْمٍ، فَقُرِّبَ إِلَيْهِ خُبْزٌ وَأُدُمٌ مِنْ
أُدُمِ الْبَيْتِ فَقَالَ: ((أَلَمْ أَرَ بُرْمَةً فِيهَا لَحْمٌ؟)) قَالَوًّا: بَلَى، وَلَكِنْ ذَلِكَ لَحْمٌ
تُصَّدِّقَ بِهِ عَلَى بَرِيرَةَ، وَأَنْتَ لَا تَأْكُلُ الصَّدَقَةَ، قَالَ: ((هُوَ عَلَيْهَا صَدَقَةٌ، وَلَنَا
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
هَدِيَّةٌ)).
G O
الْشَّرْحُ
١٨٤٠ - قوله: (كَانَ فِي بَرِيرَةَ) أي: حصل بسببها وهي مولاة عائشة أم
المؤمنين، صحابية مشهورة، وبَرِيرة بفتح الموحدة وكسر الراء الأولى بوزن
كريمة، مشتقة من البرير، وهو ثمر الأراك. وقيل: إنها فعيلة من البر بمعنى:
مفعولة كمبرورة، أو بمعنى: فاعلة كرحيمة هكذا وجهه القرطبي. والأول أولى؛
لأَنه ◌َّ غير اسم جويرية، وكان اسمها برة. وقال: ((لَا تُزَكَّوا أَنْفُسَكُمْ)) فلو كانت
(١٨٤٠) مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ: عَنْهَا فِيهَا؛ البُخَارِي (٥٠٩٧) فِي النِّكَاحِ، وَفِي الطَّلَاقِ (٥٢٧٩) ومُسْلِم (١٤/
١٥٠٤) فِي العِثْقِ.
٤٧٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
بريرة من البر لشاركتها في ذلك، وكانت بريرة لقوم من الأنصار. وقيل لناس: من
بني هلال فكاتبوها ثم باعوها فاشترتها عائشة ثم أعتقتها، وكانت تخدم عائشة قبل
أن تشتريها، وكانت حال عتقها متزوجة عبدًا اسمه: مغيث كما في البخاري،
عاشت إلى زمن يزيد بن معاوية وتفرست في عبد الملك بن مروان، أنه يلي
الخلافة فبشرته بذلك، وروی هو ذلك عنها .
(ثَلَاثُ سُنَنٍ) بضم السين وفتح النون الأولى أي: علم بسببها ثلاثة أحكام من
الشريعة. وهذا لفظ البخاري، ولمسلم: ((ثَلَاثُ قَضِيَّاتٍ)). وفي حديث ابن عباس
عند أحمد وأبي داود: ((قَضَى فِيهَا النَّبِيُّ وَ أَرْبَعَ قَضِيَّاتٍ)). فذكر نحو حديث
عائشة، وزاد، وأمرها أن تعتد عدة الحرة أخرجه الدار قطني وهذه الزيادة لم تقع
في حديث عائشة فلذلك اقتصرت على ثلاث، لكن أخرج ابن ماجه بسند على
شرط الشيخين عن عائشة قالت: أُمِرَتْ بريرة أن تعتد بثلاث حِيَضٍ. وهذا مثل
حديث ابن عباس في قوله: تعتد عدة الحرة. ولا يخالف قول عائشة: ثلاث سنن،
ما قاله ابن بطال: أنه أكثر الناس في تخريج الوجوه في حديث بريرة حتى بلغوها
نحو مائة، وما قال النووي: أنه صنف فيه ابن خزيمة وابن جرير تصنيفين كبيرين
أكثرا فيهما من استنباطٍ لفوائد منها، وما قال الحافظ: إن بعض المتأخرين أوصل
فوائد حديث بريرة إلى أربع مائة؛ لأن مراد عائشة، ما وقع من الأحكام فيها
مقصودًا خاصة، لكن لما كان كل حكم منها يشتمل على تقعيد قاعدة يستنبط العالم
الفطن منها فوائد جمة، وقع التكثر من هذه الحيثية، وانضم إلى ذلك ما وقع في
سياق القصة غير مقصود، فإن في ذلك أيضًا فوائد تؤخذ بطريق التنصيص أو
الاستنباط، أو اقتصر على الثلاث أو الأربع؛ لكونها أظهر ما فيها، وما عداها إنما
يؤخذ بطريق الاستنباط، أو لأنها أهم، والحاجة إليها أمس.
قال القاضي عياض: حديث بريرة كثيرة السنن والعلم والآداب، ومعنى ثلاث
- أو أربع إنها شرعت في قصتها وعند وقوع قضيتها وما يظهر فيها مما سوى ذلك،
فكان قد علم قبل ذلك من غير قصتها، وهذا أولى من قول من قال: ليس في كلام
عائشة حصر، ومفهوم العدد ليس بحجة، وما أشبه ذلك من الاعتذارات التي لا
تدفع سؤال ما الحكمة في الاقتصار على ذلك، قاله الحافظ.
٤٧٣
كِتَابُ الرَّڪاةِ
بَابُ مَنْ لَا تَحِلَّ لهُ الصَّدَقَةُ
(إِحْدَى السُّنَنِ) الثلاث. (أَنَّهَا عَتَقَتْ) بفتح العين والتاء، وفي رواية: ((أعتقت))
بضم الهمزة وكسر التاء من الإعتاق وأعتقتها عائشة. (فَخُيِّرَتْ) بضم الخاء
المعجمة مبنيًّا للمفعول. (فِي زَوْجِهَا) مغيث، أي: صارت مخيرة بين أن تفارق
زوجها وأن تدوم وتبق تحت نكاحه، وكان عبدًا يوم أعتقت فاختارت نفسها، وفي
رواية للبخاري: ((فدعاها النبي ◌ُّ فخيرها من زوجها فاختارت نفسها)). وفي رواية
للدار قطني: إن النبيِّ قال لبريرة: ((اذْهَبِي فَقَدَ عُتِقَ مَعَكِ بُضْعُك))، زاد ابن سعد
من طريق الشعبي مرسلاً: ((فَاخْتَارِيٍ)) .
فالمرأة إذا كانت أمة وزوجها عبد فعتقت تكون مخيرة: إن شاءت فسخت، وإن
شاءت لا، وهذا أمر مجمع عليه. وأما إذا كانت الأمة تحت حر فعتقت، ففيه
خلاف بين العلماء. فقال الجمهور: لا يكون لها خيار إلا إذا كان زوجها عبدًا عندما
عتقت؛ لتضررها بالمقام تحته من جهة أنها توقير به، وإن لسيده منعه عنها وإنه لا
ولاية له على ولده وغير ذلك، بخلاف ما إذا أعتقت تحت حر؛ لأن الكمال
الحادث لها حاصل له، فأشبه ما إذا أسلمت كتابية تحت مسلم.
وذهب الحنفية: إلى أن الأمة إذا أعتقت لها الخيار في نفسها، سواء كانت تحت
حُرٍّ أو عبد؛ لأن اعتبار عدد الطلاق عندهم بالنساء. فالأمة تَبِينُ بطلقتين سواء كان
زوجها حرًّا أو عبدًا، والحرة تبين بثلاث تطليقات، حرًّا كان زوجها أو عبدًا، فبعد
ما عتقت الأمة تخير في الصورتين حذرًا عن ثبوت الملك الزائد عليها. وعند
الجمهور: الاعتبار في الطلاق بالرجال؛ فزوجة الحر تبين عندهم بثلاث، وإن
كانت أمة وزوجة العبد باثنين، وإن كانت حرة، فإذا عتقت تحت الحرِّ لم توجد
علة الفسخ وهو العار أو زيادة الملك، والأصل في ذلك قصة بريرة.
واختلفت الروايات في أن زوجها حرًّا كان أو عبدًا عندما عتقت؛ فرجحت
الحنفية رواية كونه حرًّا. وقالوا: لم يخيرها وَّل﴾ لكونه عبدًا ولا لأنه كان حرًّا،
وإنما خيرها للعتق ورجَّح الجمهور كونه عبدًا. قال الشوكاني: قد ثبت من طريق
ابن عباس عند البخاري والترمذي. وابن عمر عند الدار قطني والبيهقي وصفية بنت
أبي عبيد عند النسائي والبيهقي: أنه كان عبدًا ولم يُرْوَ عنهم ما يخالف ذلك، وثبت
عن عائشة من طريق القاسم وعروة: أنه كان عبدًا، ومن طريق الأسود أنه: كان
٤٧٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
حرًّا، ورواية اثنين أرجح من رواية واحد على فرض صحة الجميع، فكيف إذا
كانت رواية الواحد - يعني: رواية الأسود - معلولة بالانقطاع، كما قال البخاري.
وقال الحافظ: وعلى تقدير أن رواية الأسود موصولة فيرجح رواية من قال:
((عبدًا))، بالكثرة، وأيضًا فآل: المرء أعرف بحديثه؛ فإن القاسم ابن أخي عائشة،
وعروة ابن أختها وتابعهما غيرهما، فروايتهما أولى من رواية الأسود، فإنهما أقعد
بعائشة وأُعلم بحديثها، والله أعلم.
ويترجح أيضًا بأن عائشة كانت تذهب إلى أن الأمة إذا عتقت تحت الحرِّ لا خيارَ
لها، وهذا بخلاف ما روى العراقيون عنها، فكان يلزم على أصل مذهبهم أن
يأخذوا بقولها ويدعوا ما روي عنها لا سيما، وقد اختلف عنها فيه، وأدى بعضهم
إنه يمكن الجمع بين الروايتين بحمل قول من قال: كان عبدًا، على اعتبار ما كان
عليه ثم أعتق، فلذلك قال من قال: كان حرًّا، يعني كان حرًّا في الوقت الذي
خيرت فيه، وعبدًا قبل ذلك، ويرد هذا الجمع قول عروة: كان عبدًا، ولو كان حرًّا
لم تخير.
وأخرج الترمذي عن ابن عباس: أن زوج بريرة كان عبدًا أسود يوم عُتِقَتْ، فهذا
يعارض رواية الأسود أنه كان حرًّا، ويعارض الاحتمال المذكور احتمال أن يكون
من قال: كان حرًّا أراد ما آل إليه أمره، وإذا تعارضا إسنادًا واحتمالًا احتيج إلى
الترجيح، ورواية الأكثر يرجح بها وكذلك الأحفظ وكذلك الألزم، وكل ذلك
موجود في جانب من قال: كان عبدًا، انتهى كلام الحافظ. ويأتي مزيد الكلام في
هذه المسألة في كتاب النكاح إن شاء الله تعالى.
(وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ) أي: في شأن بريرة لما أرادت عائشة أن تشتريها وتعتقها،
وشرط مواليها الولاء لهم أن يكون. (الْوَلَاءَ لِمَنْ أَعْتَقَ) أي: لمن باع ولو شرط أن
الولاء له فمن أعتق عبدًا أو أمة كان ولاؤه له، وهذه هي المسألة الثانية، والولاء
بفتح الواو مع المد: مأخوذ من الوَلْي بفتح الواو وسكون اللام، وهو القرب،
والمراد به هنا: وصف حكمي ينشأ عنه ثبوت حق الإرث من العتيق الذي لا وارث
له من جهة نسب أو زوجية أو الفاضل عن ذلك، وحق العقل عنه إذا جَنَی.
قال الحافظ: الولاء بالفتح والمد، حق ميراث المعْتق من المعتَق بالفتح، ووقع
٤٧٥
كِتَابُ الرَّكَاةِ
بَابٌ مَنْ لَا تَحِلَّ لهُ الصَّدَقَةُ
في كثير من الروايات ((إِنَّمَا الوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ)) وكلمة ((إنما)) هنا للحصر؛ لأنها لو لم
تكن للحصر لما لزم من إثبات الولاء لمن أعتق نفيه عمن لم يعتق العبد وهو الذي
أريد من الخبر، ويأتي مزيد الكلام في ذلك في بابٍ قبل باب السَّلَمِ من كتاب
البيوع، واستدل بمفهومه على أنه لا ولاء لمن أسلم على يديه رجل أو وقع بينه وبينه
مخالفة خلافًا للحنفية ولا للملتقط خلافًا لإسحاق، وسيأتي البسط لذلك في
الفرائض، إن شاء الله تعالى.
(وَدَخَلَ رَسُولُ اللّهِ وَ﴾ أي: بيت عائشة. (وَالْبُرْمَةُ) بضم الموحدة وسكون
الراء: القدر من الحجر، ويستعمل بمعنى القدر مطلقًا، والواو للحال. قال ابنُ
الأثير: البُرمة: هي القدر مطلقًا، وجمعها: برام، وهي في الأصل المتخذة من
الحجر المعروف بالحجاز. (تَفُورُ) بالفاء أي: تغلي متلبسة. (بِلَحْم فَقُرِّبَ) بضم
القاف وتشديد الراء على صيغة المجهول. (إِلَيْهِ خُبْزٌ) مفعول نابً عن الفاعل.
(وَأُدْمٌ) بضم الهمزة وسكون الدال، ويضم بمعنى: الأدام، وهو ما يؤتدم به الخبز
أي: يطيب أكله به، ويتلذذ الأكل بسببه. (مِنْ أُدُم الْبَيْتِ) بضمتين جمع أدام،
والمراد بأدم البيت الأدم التي توجد في البيوت غالبًا كالخل والعسل والتمر. ((وفي
رواية: فدعا بالغداء فأَتِيَ بخبزٍ وأدم)). (فَقَالَ) بَّ. (أَلَمْ أَرَ بُرْمَةً فِيهَا لَحْمٌ؟)
الاستفهام للتقرير. (قَالُوا: بَلَى، وَلَكِنْ ذَلِكَ لَحْمٌ تُصُدِّقَ) بضم التاء والصاد وكسر
الدال المشددة مبنيا لما لم يسم فاعله جملة في محل رفع صفة للحم. (بِهِ عَلَى
بَرِيرَةَ وَأَنْتَ لَا تَأْكُلُ الصَّدَقَةَ) وفي رواية للبخاري: ((أَتِي النبي ◌ِّر بلحمٍ فقالوا: هذا
مَا تُصُدِّقَ به على بريرة))، وكذا في حديث أنس عند البخاري، ويجمعَ بينهما: بأنه
لما سأل عنه أُتي به. وقيل: له ذلك، وفي رواية لعائشة عند أحمد وابن ماجه:
(دخل رسول اللّه وَ له والمرجل يفورُ بلحمٍ)). فقال: ((مِنْ أَيْنَ لَكِ هَذَا؟)) قلتُ:
أهدته لنا بريرة وتصدق به عليها، وعند أحمد ومسلم: ((وكان الناس يتصدقون
عليها فتهدي لنا منه)) .
(قَالَ) ◌َِّهِ. (هُوَ) أي: اللحم. (عَلَيْهَا) أي: بريرة (صَدَقَةٌ وَلَنَا هَدِيَّةٌ) أي: حيث
أهدته بريره لنا؛ لأن الفقير يملك ما تُصِدق به عليه، فيسوغ له التصرف فيه بالبيع
وغيره كتصرف سائر الملاك في أملاكهم، وهذه هي المسألة الثالثة.
٤٧٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
وفي الحديث: دليل على أن الصدقة إذا أهداها مَن تُصُدِّق عليه بها إلى مَنِ لا
تحل له الصدقة ابتداءً من هاشميٍّ أو غنيٍّ صُرِفَ عنها حكم الصدقة، وجاز للمهدَى
إليه استعمالها، وحل له أكلها، فيؤخذ منه أن التحريم إنما هو على الصفة لا على
العين، وأن العين الواحدة يختلف حكمها باختلاف جهات الملك. قال الأُّبِّي: لا
يقال: كون الصدقة أوساخ الناس وإنها مطهرة للمال هو وصف لا يزيله عنها الهدية
بها؛ لأنا نقول: كونها وسخًّا ليس وصفًّا ذاتيًّا لها حتى يقال: أنه لا يزول، وإنما هو
وصف حكميٌّ جعل بالشرع، والشرع قد حكم بزواله عنها، انتهى.
واستنبط منه بعضهم جواز استرجاع صاحب الدين عين ما دفعه إلى الفقير بنية
الزكاة في دين له عليه، وفيه دليل على أن الصدقة لا تحل لرسول اللَّه وَله؛ إذ لو
حلت له لما كان لعائشة مانع من إحضار لحم بريرة بين يدي رسول اللّه وَال، وفيه:
دليل على أنَّ الصدقة لم تحرم على موالي أزواج النبي ◌َّ، وبه ترجم البخاري في
(صحيحه) فقال: باب الصدقة على موالي أزواج النبي ◌َّ، وأورد فيه حديث بريرة
وحديث ابن عباس: وجد النبي ◌ّل# شاة أعطيتها مولاة لميمونة من الصدقةِ فقال:
((هَلََّ انْتَفَعْتُمْ بِجِلْدِهَا؟)) قالوا: إنها ميتة، قال. (إِنَّمَا حَرُمَ أَكْلُهَا)). وأما أزواج
النبي ◌َّ فنقل ابنُ بطال: إنهن لا يدخلن في ذلك، أي: لا يحرم عليهن الصدقة
باتفاق الفقهاء. قال الحافظ: وفيه نظر فقد ذكر ابن قدامة إن الخلال أخرج من
طريق ابن أبي مليكة عن عائشة قالت: إنا آل محمد لا تحل لنا الصدقة، قال: وهذا
يدل على تحريمها. قال الحافظ: وإسناده إلى عائشة حسن. وأخرجه ابن أبي شيبة
وهذا لا يقدح فيما نقله ابن بطال يعني: لأنه لما رأى إن الفقهاء لم يذهبوا إلى هذا
نقل اتفاقهم على ذلك. ولم يتعرض للدليل في ذلك. وفي قصة بريرة فوائد كثيرة
غير ما تقدم. ذكرها الحافظ في كتاب العتق وفي كتاب الطلاق والنووي في العتق.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) أخرجه البخاري مطولًا أي: بذكر السنن الثلاث في باب: الحرة
تحت العبد، من كتاب النكاح، وفي باب: لا يكون بيع الأمة طلاقًا، من كتاب
الطلاق، وفي باب: الأدم، من كتاب الأطعمة، وأخرجه مفرَّفًا ومقطعًا في
المساجد والزكاة والبيوع والعتق والمكاتب والهبة والشروط والطلاق والنذور
والفرائض. وأخرجه مسلم مطولًا في الزكاة والعتق، واللفظ المذكور في الكتاب
للبخاري في باب: لا يكون بيع الأمة طلاقًا، وأخرجه هكذا مالك في الطلاق
كِتَابُ الرَّكاةِ
بَابُ مَنْ لَا تَحِلّ لهُ الصَّدَقَةُ
٤٧٧
والنسائي في آخر الزكاة، وفي الطلاق، وأخرجه الترمذي في أبواب الولاء
والهبة، وأبو داود في الطلاق والفرائض والعتق كلاهما مختصرًا، وأخرجه ابن
ماجه في الطلاق مطولًا وفي العتق مختصرًا.
١٨٤١ - [٦] وَعَنْهَا قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ يَقْبَلُ الْهَدِيَّةَ وَيُثِيبُ
عَلَيْهَا.
[رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ] {صحيح}
G O
الْشَّرْحُ
١٨٤١ - قوله: (يَقْبَلُ الْهَدِيَّةَ) قال الخطابي في ((المعالم)) (ج ٣ ص١٦٨):
قبول النبي وَلّ الهدية نوع من الكرم، وباب من حسن الخلق يتألف به القلوب.
وقد روي عنه بَّ أنه قال: (تَهَادُوْا تَحَابُّوا)) وكان أكل الهدية شعارًا له، وأمارة من
أماراته، وَوُصِفَ في الكتب المتقدمة بأنه يقبل الهدية، ولا يأكل الصدقة؛ لأنها
أوساخ الناس، وكان إذا قبل الهدية أثاب عليها لئلا يكون لأحد عليه يد، ولا يلزمه
لأحد مِنَّةٌ، انتهى. وقال البيجوري: فيسنُّ قبول الهدية حيث لا شبهة في مال
المهدي وإلا فلا يقبلها، وكذلك إذا ظن المهدى إليه أن المهدي أهداه حياءً. قال
الغزالي: مثال من يهدي حياء من يقدم من سفره ويفرق الهدايا خوفًا من العار، فلا
يجوز قبول هديته إجماعًا؛ لأنه لا يحل مال امرىء مسلم إلا عن طيب نفس، وإذا
ظن المهدى إليه إن المهدي إنما أهدى له هديته لطلب المقابل فلا يجوز له قبولها،
إلا إذا أعطاه ما في ظنه بالقرائن، انتهى.
(وَيُثِبُ عَلَيْهَا) من أثاب يثيبُ إذا أعطى الثواب وهو العوض أي: يجازي
ويكافئ عليها بأن يعطي الذي يهدي له بدلها، والمراد بالثواب المجازاة وأقله ما
يساوي قيمة الهدية، ولفظ ابن أبي شيبة: ((ويثيب ما هو خير منها)). وقد استدلَّ
بعضُ المالكية بهذا الحديث على وجوب المكافأة على الهدية إذا أطلق المهدي
وكان ممن مثله يطلب الثواب كالفقير للغني بخلاف ما يهبه الأعلى للأدنى، ووجه
(١٨٤١) البُخَارِي (٢٥٨٥) عَنْهَا فِي الهِبَةِ.
EECE
٤٧٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الدلالة منه مواظبته وّليّ وبه قال الشافعي في القديم، قال الشوكاني: ويجاب بأن
مجرد الفعل لا يدل على الوجوب ولو وقعت المواظبة كما تقرر في الأصول.
قال الحافظ: وقال الشافعي في الجديد كالحنفية: الهبة للثواب باطلة لا تنعقد؛
لأنها بيع بثمن مجهول؛ لأن موضوع الهبة، التبرع، فلو أبطلناه لكان في معنى
المعاوضة. وقد فرق الشرع والعرف بين البيع والهبة فما استحق العوض أطلق عليه
لفظ البيع بخلاف الهبة. وأجاب بعض المالكية بأن الهبة لو لم تقتض الثواب أصلًا
لكانت بمعنى الصدقة وليس كذلك، فإن الأغلب من حال الذي يهدي أنه يطلب
الثواب ولاسیما إذا كان فقيرًا، انتهى.
وقال القسطلاني: ومذهب الشافعية: لا يجب الثواب بمطلق الهبة والهدية؛ إذ
لا يقتضيه اللفظ ولا العادة، ولو وقع ذلك من الأدنى إلى الأعلى كما في إعارته له
إلحاقًا للأعيان بالمنافع، فإن أثابه المتهب على ذلك فهبة مبتدأ، وإذا قيدها
المتعاقدان بثواب معلوم لا مجهول صح العقد بيعًا نظرًا للمعنى؛ فإنه معاوضة مال
بمال معلوم كالبيع، بخلاف ما إذا قيداها بمجهول لا يصح لتعذره بيعًا وهبة، نعم
المكافأة على الهبة والهدية مستحبة؛ اقتداء به وق له. انتهى.
قلت: ما ذكره القسطلاني من مذهب الشافعية هو مذهب الحنابلة أيضًا، كما
بسط ذلك ابن قدامة في ((المغني)) (ج ٥ ص٦٢٢) وهو القول الراجح عندنا، والله
تعالى أعلم.
(رَوَاهُ البُخَارِيُّ) في الهبة وأخرجه أيضًا أحمد وأبو داود في أواخر البيوع،
والترمذي في البر والصلة من ((الجامع)) وفي ((الشمائل))، كلهم من طريق عيسى بن
يونس عن هشام بن عروة عن عائشة، وذكر البخاري إن وكيعًا ومحاضرًا أرسلاه،
حيث قال: لم يذكر وكيع ومحاضر عن هشام عن أبيه عن عائشة، قال الحافظ: فيه
إشارة إلى أن عيسى بن يونس تفرد بوصله عن هشام، وقد قال الترمذي والبزار: لا
نعرفه موصولًا إلا من حديث عيسى بن يونس. وقال الآجري: سألت أبا داود عنه
فقال: تفرد بوصله عيسى بن يونس وهو عند الناس مرسل، ورواية وكيع وصلها
ابن أبي شيبة عنه بلفظ: ((وُيُثيبُ مَا هُوَ خَيْرٌ مِنْهَا)). ورواية محاضر لم أقف عليها
بعد، انتهى .
كِتَابَ الزَّكاةِ
بَابُ مَنْ لَا تَحِلّ لَه الصَّدَقةٌ
٤٧٩
١٨٤٢ - [٧] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِّهِ: (لَوْ دُعِيتُ
[رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ] {صحيح}
إِلَى كُرَاعٍ لَأَجَبْتُ، وَلَوْ أُهْدِيَ إِلَيَّ ذِرَاعٌ لَقَبِلْتُ)).
G O
الشَّرْحُ
١٨٤٢- قوله: (لَوْ دُعِيتُ) بضم الدال وكسر العين. (إِلَى كُرَاع) بضم
الكاف وتخفيف الراء، بعدها ألف ثم عين مهملة وهو من الدواب ما دون الَّكعب.
وقيل: مستدق الساق من البقر والغنم بمنزلة الوظيف من الفرس، يذكر ويؤنث
والكراع من الإنسان ما دون الركبة من مقدم الساق، والجمع أكرع وأكارع. وقال
ابن فارس: كراع كل شيء: طرفه، وقال في ((الصراح)): كراع بالضم بارجه
كوسفند وكاؤو جزآن، وفي المثل: ((أُعْطِيَ العَبْدُ كُرَاعًا فَطَلَبَ ذِرَاعًا»؛ لأن الذراع
في اليد، والكراع في الرجل، والأول خير من الثاني، ويقال أيضًا: كان كراعًا
فصار ذراعًا؛ إذا صار الضعيف الذليل قويًّا عزيزًا. (لأَجَبْتُ) أي: لتأليف الداعي
وزيادة المحبة؛ فإن عدم الإجابة يقتضي النفرة وعدم المحبة، فيندب إجابة الدعوة
ولو شيء قليل.
قال الحافظ: قد زعم بعض الشراح وكذا وقع للغزالي، أن المراد بالكراع في
هذا الحديث المكان المعروف بكراع الغميم بفتح المعجمة، وهو موضع بين مكة
والمدينة، وزعم أنه أطلق ذلك على سبيل المبالغة في الإجابة ولو بَعُدَ المكان،
لكن المبالغة في الإجابة مع حقارة الشيء أوضح في المراد، ولذا ذهب الجمهور
إلى أن المراد بالكراع هنا كراع الشاة. وأغرب الغزالي في ((الإحياء)) فذكر الحديث
بلفظ: ((ولو دعيت إلى كراع الغميم)). ولا أصل لهذه الزيادة. وقد أخرج الترمذي
في الأحكام من (الجامع)) وفي ((الشمائل))، من حديث أنس وصححه مرفوعًا: ((لَوْ
أُهْدِيَ إِلَيَّ كُرَاعٌ لَقَبِلْتُ، وَلَوْ دُعِيتُ عَلَيْهِ لَأَجَبْتُ))، وأخرج الطبراني من حديثٍ أمّ
حكيم بنت وادع الخزاعية إنها قالت: يا رسول الله، تكره رد الظلف قال: ((مَا
أُقَبِّحَهُ، وَلَوْ أُهْدِيَ إِلَيَّ كُرَاعٌ، لَقَبِلْتُ ... )) الحديث، ويستفاد سببه من هذه الرواية.
(١٨٤٢) الْبُخَارِي (٢٥٦٨) فِي الهِبَةِ، وَالنَّسَائِي في ((الكُبرى)) (٦٦٠٩) فِي الوَلِيمَةِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.