Indexed OCR Text
Pages 281-300
٢٨٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
والحارث الأعور عن علي عن النبي ◌َّ قال: ((إِذَا كَانَ لَكَ مِائَا دِرْهَمْ وَحَالَ عَلَيْهَا
الحَوْلُ فَفِيهَا خَمْسَةُ دَرَاهِمَ وَلَيْسَ عَلَيْكَ شَيْءٌ يعني: في الذهب - خَتَّى يَكُونَ لَكَ
عِشْرُونَ دِينَارًا، فَإِذَا كَانَتْ لَكَ عِشْرُونَ دِينَارًا وَحَالَ عَلَيْهَا الحَوْلُ فَفِيهَا نِصْفُ دِينَارٍ ،
فَمَا زَادَ فَبِحِسَابٍ ذَلِكَ)) قال: فلا أدري أعليٍّ يقول: ((فَبِحِسَابٍ ذَلِكَ)) أو رفعه إلَى
النبي وَّ، قال: وراه شعبة وسفيان وغيرهما عن أبي إسحاق عن عاصم عن علي
ولم يرفعوه، انتهى.
قال الزيلعي (ج٢ ص٣٢٨): وفيه عاصم والحارث، فعاصم وثقه المديني وابن
معين والنسائي، وتكلم فيه ابن حبان وابن عدي فالحديث حسن. قال النووي في
((الخلاصة)): وهو حديث صحيح أو حسن، انتهى. ولا يقدح فيه ضعف الحارث
لمتابعة عاصم له، انتهى كلام الزيلعي.
وضعفه ابن حزم أولًا (ج٦ ص٧٠)، ثم رجع عن ذلك حيث قال (ج ٦ ص٧٤):
ثم استدركنا فرأينا أن حديث جرير بن حازم مسند صحيح لا يجوز خلافه، وأن
الاعتلال فيه بأن عاصم بن ضمرة أو أن أبا إسحاق أو جريرًا أخلط إسناد الحارث
بإرسال عاصم هو الظن الباطل الذي لا يجوز وما علينا من مشاركة الحارث
لعاصم، ولا لإرسال من أرسله ولا لشك زهير فيه - شيءٌ، وجرير ثقة فالأخذ بما
أسنده لازم، انتهى.
وقال الحافظُ في ((بلوغ المرام)): وهو حسن وقد اختلف في رفعه، وقال في
((التلخيص)) (ص١٨٢): حديث علي هذا معلول، فإنه قال أبو داود: حدثنا سليمان
ابن داود المهري ثنا ابن وهب ثنا جرير بن حازم وَسَمَّى آخَرَ عن أبي إسحاق عن
عاصم بن ضمرة، والحارث عن علي، ونبه ابن المواق على علة خفية فيه وهي أن
جرير بن حازم لم يسمعه من أبي إسحاق، فقد رواه حفاظ أصحاب ابن وهب
سحنون وحر ملة ویونس وبحر بن نصر وغیرهم، عن ابن وهب عن جرير بن حازم
والحارث بن نبهان عن الحسن بن عمارة عن أبي إسحاق، فذكره، قال ابن
المواق: الحمل فيه على سليمان شيخ أبي داود فإنه وهم في إسقاط رجل، انتهى.
فلعلَّ من حَسَّنَ هذا الحديث إنما حسنه لشواهده والله تعالى أعلم.
ومنها: حديث ابن عمر وعائشة أخرجه ابن ماجه والدار قطني من طريق إبراهيم
ابن إسماعيل بن مجمع، عن عبد الله بن واقد عن ابن عمر وعائشة: أن النبي وَل
كِتَابُ الزَّكَاةِ
٢٨١
بَابُ مَا يجبُ فِيهِ الرَّكاةُ
****<<<<<<<<<<<<<<<<<***<<<<<<<<<<<*<<<<<<<<<<<<<<<< <<<< <**
كان يأخذ من كل عشرين دينارًا نصف دينار، انتهى. وابن مجمع قال فيه ابن
معين: لا شيء. وقال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به، فإنه كثير الوهم.
ومنها: حديث عبد الله بن عمرو بن العاص أخرجه الدار قطني (ص١٩٩) من
طريق ابن أبي ليلى عن عبد الكريم عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن
النبيِ وَّ. قال: ((لَيْسَ فِي أَقَلِّ مِنْ عِشْرِينَ مِثْقَالًا مِنَ الذَّهَبِ وَلَا فِي أَقَلِّ مِنْ مِائتَيْ
دِرْهَم صَدَقَةٌ))، وذكره أبو عبيد في ((الأموال)) (ص٤٠٩ - ٤٤٥) وابن حزم في
((المحلى)) (ج٦: ص٦٩) معلقًا. قال الحافظ في ((التلخيص)) (ص ١٨٢): إسناده
ضعيف. ورواه أبو أحمد بن زنجوية في ((الأموال)) كما في ((نصب الراية))
(ج ٢: ص٣٦٩) من طريق العرزمي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعًا
بلغط: «لَيْسَ فِيما دُونَ مِائَتَيْ دِرْهَم شَيءٌ، وَلَا فِيمَا دُونَ عِشْرِينَ مِثْقَالًا مِنَ الذَّهَبِ
شَيءٌ، وَفِي الْمِائَتَيْنِ خَمْسَةُ دَرَاهِمَّ وَفِي عِشْرِينَ مِثْقَالًا ذَهَبًا نِصْفُ مِثْقَالٍ)).
قال الحافظ في ((الدراية)) (ص١٦١): بإسناد ضعيف أي: لأن العرزمي متروك.
ومنها: حديث محمد بن عبد الرحمن الأنصاري، أخرجه أبو عبيد (ص٤٠٨) عن
يزيد بن هارون عن حبيب بن أبي حبيب عن عمرو بن هرم عن محمد بن
عبد الرحمن الأنصاري، إن في كتاب رسول اللَّه ◌َ لل وفي كتاب عمر في الصدقة:
((إِنَّ الذَّهَبَ لَا يُؤْخَذُ مِنْهُ شَيْءٌ حَتَّى يَبْلُغَ عِشْرِينَ دينَارًا، فَإِذَا بَلَغَ عِشْرِينَ دِينَارًا فَفِيهِ
نِصْفُ دِينَارٍ ... ))، الحديث. وذكره ابن حزم في ((المحلي)) (ج٦: ص٦٩) وقال: هو
حديث مرسل.
ومنها: حديث ابن مسعود، رواه الدار قطني (ص٢٠٦) من طريق يحيى بن أبي
أنيسة عن حماد عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله بن مسعود قال: قلتُ للنبي وَالَ:
إن لامرأتي حُليًّا من عشرين مثقالا، قال: ((فَأَدِّ زَكَاتَهُ نِصْفَ مِثْقَالٍ)). قال
الدار قطني: يحيى بن أبي أنيسة متروك وهذا وهم، والصواب مرسل موقوف،
انتھی .
وقد ظهر بما ذكرنا أن أحاديث تحديد نصاب الذهب ضعيفة إلا حديث علي،
واختلف فيه أيضًا فحسنه النووي والحافظ في ((البلوغ)) والزيلعي، وصححه ابن
٢٨٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
حزم وأعله الحافظ في ((التلخيص))، وقد تقدم إن المعول في ذلك إجماع المسلمين
على تحديده بعشرين مثقالًا فهو المعتمد، ومقداره من أوزان بلادنا سبع تولجات
ونصف تولجة كما تقدم، والله تعالى أعلم.
(وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسٍ ذَوْدٍ) بفتح المعجمة وسكون الواو بعدها دال مهملة
والرواية المشهورة بإضافة خمس إلی ذود وروی بتنوین (خمس)) علی أن ((ذود)) بدل
منه، وقوله: ((مِنَ الإِبلِ)) صفة مؤكدة ل((ذود))؛ لأنه اسم الإبل خاصة، والأكثر على
أن الذود من الثلاثة إلى العشرة، وإنه لا واحد له من لفظه. وإنما يقال في الواحد:
بعير، وقيل: بل ناقة، فإن الذود في الإناث دون الذكور، لكن حملوه في الحديث
على ما يعم الذكر والأنثى، فمن ملك خمسًا من الإبل ذكورًا يجب عليه فيها
الصدقة. وقيل: الذود ما بين الثنتين إلى التسع. وقيل: من الثلاثة إلى العشرة.
وقيل: إلى خمس عشرة. وقيل: إلى عشرين. وقيل: إلى الثلاثين، قال
القسطلاني: القياس في تمييز ثلاثة إلى عشر أن يكون جمع تكسير جمع قلة،
فمجيئه اسم جمع كما في هذا الحديث قليل، والذود يقع على المذكر والمؤنث
والجمع والمفرد فلذا أضاف (خمس)» إلیه، انتهى.
قال القرطبي: أصله زاد يذود إذا دفع شيئًا فهو مصدر، و کأن من كان عنده دفع
عن نفسه معرة الفقر وشدة الفاقة والحاجة. (مِنَ الْإِبِل) بيان للذود، (صدَقَةٌ) أي:
إذا كان الإبل أقل من خمس فلا صدقة فيها، قال ابن قدامة: وجوب زكاة الإبل
مما أجمع عليه علماء الإسلام وصحت فيه السنة عن النبي ◌َّ قال: وأجمع
المسلمون على أن ما دون خمس من الإبل لا زكاة فيه؛ لحديث أبي سعيد هذا،
ولقوله ◌ٍِّ في حديث أنس الآتي: ((وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ إِلَّا أَرْبَعٌ مِنَ الِإِبِلِ فَلَيْسَ فِيهَا
صَدَقَةٌ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبُّهَا)).
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وأخرجه أحمد ومالك والشافعي والترمذي وأبو داود والنسائي
وابن ماجه وغيرهم.
كِتَابُ الزَّكَاةِ
بَابُ مَا يَجِبُ فِيهِ الزّكاةُ
٢٨٣
١٨١٠ - [٢] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((لَيْسَ عَلَى
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
الْمُسْلِمِ صَدَقَةٌ فِي عَبْدِهِ وَلَا فِي فَرَسِهِ)).
- وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: (لَيْسَ فِي عَبْدِهِ صَدَقَةٌ إِلَّا صَدَقَةُ الْفِطْرِ))(*).
الشَّرْجُ
١٨١٠ - قوله: (لَيْسَ عَلَى الْمُسْلِم) قال القسطلاني: خص المسلم وإن كان
الصحيح عند الأصوليين والفقهاء تكليفَ الكافر بالفروع؛ لأنه مادام كافرًا فلا
يجب عليه الإخراج حتى يسلم، فإذا أسلم سقطت؛ لأن الإسلام يَجُبُّ ما قبله.
وقال ابن حجر: يؤخذ منه أن شرط وجوب زكاة المال بأنواعها الإسلام، ويوافقه
قول الصديق في كتابه الآتي على المسلمين، قال القاري: هذا حجة على من
يقول: إن الكفار مخاطبون بالشرائع في الدنيا بخلاف من يقول: إن الكافر
مخاطب بفروع الشريعة بالنسبة للعقاب عليها في الآخرة كما أفهمه قوله تعالى:
﴿وَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ لَا يُؤْثُونَ الزَّكَوَةَ﴾ [فصلت: ٧] وقالوا ﴿وَلَّ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ
٤٤١
[المدثر: ٤٤] وعليه جمع من أصحابنا وهو الأصح عند الشافعية، انتهى. وقد
سبق الكلام على هذا من أوائل الزكاة.
(صَدَقَةٌ) أي: زكاة. (فِي عَبْدِهِ) أي: رقيقه ذكرًا كان أو أنثى ونفي الصدقة في
العبد مطلقًا، لكنه مقيد بما ثبت في «مسند الإمام أحمد)) و((صحيح مسلم)): ((لَيْسَِ
فِي العَبْدِ صَدَقَةٌ إِلَّا صَدَقَةُ الفِطْرِ))، ولأبي داود: ((لَيْسَ فِي الخَيْلِ وَالرَّقِيقِ زَكَاةٌ إِلَّا
زَكَّةُ الفِطْرِ)). (وَلَا فِي فَرَسِهِ) الشامل للذكر والأنثى وجمعه الخيل من غير لفظه،
وهذا إذا لم يكونًّا للتجارة فإنه إذا اشتراهما للتجارة تجب الزكاة في قيمتهما كسائر
أموال التجارة.
واستدلَّ بهذا الحديث مَن قال من أهل الظاهر بعدم وجوب الزكاة فيهما مطلقًا،
(١٨١٠) البُخَارِي (١٤٦٤)، ومُسْلِم (٨/ ٩٨٢)، وأَبُو دَاوُد (١٥٩٥)، والترمذي (٦٢٨)، والنَّسَائِي
(٣٥/٥)، وابن ماجه (١٨١٢) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِيهَا .
(*) مُسْلِم (١٠/ ٩٨٢) عَنْهُ فِيهَا .
٢٨٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
ولو كانا للتجارة، وأجيبوا: بأن زكاة التجارة ثابتة بالإجماع، كما نقله ابن المنذر
وغيره، فيخص به عموم هذا الحديث، وتعقب هذا: بأنه كيف الإجماع مع خلافٍ
الظاهرية، وأجيبوا أيضًا: بأن زكاة التجارة متعلقها القيمة لا العين، فالحديثُ يدلُّ
على عدم التعلق بالعين، فإنه لو تعلقت الزكاة بالعين من العبيد والخيل لثبتت ما
بقيت العين وليس كذلك، فإنه لو نوى القنية لسقطت الزكاة والعين باقية، وإنما
الزكاة متعلقة بالقيمة بشرط نية التجارة.
قال النووي: هذا الحديث أصل في أن أموال القنية لا زكاة فيها، وإنه لا زكاة
في الخيل والرقيق إذا لم تكن للتجارة، وبهذا قال العلماء كافة من السلف
والخلف، إلا أبا حنيفة وشيخه حماد بن أبي سليمان وَزُفَرَ أوجبوا في الخيل إذا
كانت إناثًا أو ذكورًا وإناثًّا في كل فرس دينارًا، وإن شاء قومها وأخرج عن كل
مائتي درهم خمسة دراهم وليس لهم حجة في ذلك. وهذا الحديث صريح في الرد
علیهم، انتهى.
قلت: مذهب أبي حنيفة كما في ((البدائع)) أنه إذا كانت الخيل تسام للدر
والنسل، وهي ذكور وإناث يجب فيها الزكاة، وفي الذكور المنفردة والإناث
المنفردة روايتان، وفي ((المحيطِ)): المشهور عدم الوجوب فيهما، أي: لعدم
تحقق النماء في الذكور والإناث منفردة بالتوالد والتناسل. وقال ابن الهمام في
((الفتح)): الراجح في الذكور عدمه وفي الإناث الوجوب، أي: لأنها تتناسل
بالفحل المستعار، واختلف متأخروا الحنفية في أن الفتوى على قول أبي حنيفة أو
صاحبيه أبي يوسف ومحمد الذين وافقا الجمهور، ففي ((فتاوى قاضي خان))
(ج١: ص١١٩) قالوا: الفتوى على قولهما وأجمعوا على أن الإمام لا يأخذ منه
صدقة الخيل جبرًا، انتهى.
وقال ابن عابدين (ج٢: ص٢٦): قال الطحاوي: هذا - أي: قول الصاحبين -
أحب القولين إلينا، ورجحه القاضي أبو زيد في ((الأسرار)) وفي ((الينابيع)) وعليه
الفتوى، وفي ((الجواهر)): والفتوى على قولهما. وفي ((الكافي)): هو المختار
للفتوى، وتبعه الزيلعي والبزازي تبعًا لـ((لخلاصة)). وفي ((الخانية)): قالوا: الفتوى
على قولهما تصحيح العلامة قاسم. قال ابن عابدين: وبه جزم في (الكنز))، لكن
٢٨٥
كِتَابُ الزّكاةِ
بَابُ مَا يَجِبُ فِيهِ الرَّكاةُ
رجَّح قول الإمام أبي حنيفة في (الفتح)) - أي: ((فتح القدير)). وفي ((التحفة)):
الصحيح قوله ورجحه الإمام السرخسي في ((المبسوط))، والقدوري في ((التجريد))
وصاحب ((البدائع)) وصاحب ((الهداية)). وهذا القول أقوى حجة على ما شهد به
((التجريد)) و((المبسوط)) وشرح شيخنا، انتهى كلام ابن عابدين.
قلتُ: والقول الراجح المعول عليه عندنا هو ما قال به جمهور أهل العلم؛
لحديث أبي هريرة هذا، ولحديث علي الآتي في الفصل الثاني، ولحديث عمرو
ابن حزم عند ابن حبان والحاكم والبيهقي والطبراني، ولحديث عمر وحذيفة عند
أحمد (ج ١: ص١١٨) وسنده ضعيف لانقطاعه؛ فإن راشد بن سعد لم يدرك عمر
ولأن أبا بكر بن عبد الله بن أبي مريم ضعيف لاختلاطه وسوء حفظه، ولحديث ابن
عباس عند الطبراني في ((الصغير والأوسط)) وفيه محمد بن عبد الرحمن بن أبي
لیلی، وفيه كلام.
قال أبو عبيدٍ في كتاب ((الأموال)) (ص ٤٦٥): إيجاب الصدقة في سائمة الخيل
التي يبتغي منها النسل ليس على اتباع السنة ولا على طريق النظر؛ لأنَّ رسول اللَّه
وَلّ قد عفا عن صدقتها ولم يستثن سائمة ولا غيرها، وبه عملت الأئمة والعلماء
بعده فهذه السنة. وأما في النظر فكان يلزمه إذا رأى فيها صدقة أن يجعلها كالماشية
تشبيهًا بها؛ لأنها سائمة مثلها ولم يصر إلى واحد من الأمرين على أن تسمية
سائمتها قد جاءت عن غير واحد من التابعين بإسقاط الزكاة منها. ثم روي ذلك عن
إبراهيم والحسن وعمر بن عبد العزيز.
قلت: وأجاب الحنفية عن حديث أبي هريرة بأنه محمول على فرس الركوب
والحمل والجهاد في سبيل الله، قال صاحب ((الهداية)): وتأويله فرس الغازي هو
المنقول عن زيد بن ثابت، انتهى.
قلتُ: نقله عنه زيد الدبوسي في كتاب ((الأسرار))، فقال: إن زيد بن ثابت لما
بلغه حديث أبي هريرة قال: صدق رسول اللَّه ◌َلّل، إنما أراد فرس الغازي، قال:
ومثل هذا لا يعرف بالرأي فثبت أنه مرفوع، انتهى. قال الحافظ في ((الدراية))
(ص١٥٨): تبع - أي: صاحب ((الهداية)) : - في ذلك أبا زيد الدبوسي فإنه نقله
عن زيد بن ثابت بلا إسنادٍ، انتهى. فما لم يعرف إسناده وأنه قوي صالح للاعتماد
٢٨٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
عليه لا يصح الاستناد إليه على أنه قول صحابي، وفيه: مسرح للاجتهاد، وحمل
الحديث على فرس الغازي مخالف لظاهره، وأما ما روى ابن أبي شيبة وأبو عبيد
فِي ((الأمْوَال)) (ص٤٦٤) وأبو أحمد بن زنجوية بإسناد صحيح عن طاوس قال:
سألتُ ابن عباس عن الخيلِ أفيها صدقة؟ فقال: ليس على فرس الغازي في
سبيل الله صدقة. فليس فيه أن ابن عباس فسر بذلك حديث أبي هريرة، وبين
المراد من الفرس المذكور فيه وغاية ما فيه أنه نفى الصدقة عن فرس الغازي وهذا
مما لا ينكره أحد، والمفهوم ليس بحجة عند الحنفية مع أن مفهومه يعارض عموم
حديث أبي هريرة فلا يلتفت إليه على أنه يقتضي أن يجب الصدقة في فرس غير
الغازي، وإن کان یعلف للر کوب والحمل ولم يقل به أحد.
قال ابن الهمام: لا شك أن هذه الإضافة للفرس المفرد لصاحبها في قولنا: فرسه
وفرس زيد كذا وكذا، يتبادر منه الفرس الملابس للإنسان ركوبًا ذهابًا ومجيئًا
عرفًا، وإن كان لغة أعم والعرف أملك، ويؤيد هذه القرينة قوله: ((فِي عَبْدِهِ)) ولا
شك أن العبد للتجارة تجب فيه الزكاة، فعلم أنه لم يرد النفي عن عموم العبد بل
عبد الخدمة. وقد روي ما يوجب حمله على هذا المحمل لو لم تكن هاتان
القرينتان العرفية واللفظية، وهو ما في ((الصحيحين)) من حديث مانعي الزكاة
وفيه: ((الخَيْلُ لِثَلَاثَةٍ ... )) الحديث، انتهى.
قلت: المراد بالفرس والعبد في الحديث: الجنس كما يدل عليه رواية أبي داود
الآتية، ولا نسلم أن المتبادر من الإضافة المذكورة الفرس الملابس للإنسان ركوبًا
عرفًا، ولو سلمنا فكلام النبي وَله يجب حمله على مقتضى صرف اللغة لا على
العرف؛ فإن العرف يختلف على أنه ورد هذا الحديث في رواية ضعيفة لأبي داود
بلفظ: ((لَيْسَ فِي الْخَيْلِ وَالرَّقِيقِ زَكَاةٌ، إِلَّا زَكَاةُ الْفِطْرِ فِي الرَّقِيقِ)) أي: بلفظ الجمع
وبغير الإِضافة، وفي لفظ في ((مسند عبد الله بن وهب)): ((لَا صَدَقَةَ عَلَى الرَّجُلِ فِي
خَيْلِهِ وَلَا فِي رَقِيقِهِ))، ولا يتمشى فيه تأويل ابن الهمام، ويرد تأويله أيضًا ما رواه
مالك في ((الموطأ)) عن الزهري عن سليمان بن يسار: أن أهل الشام قالوا لأبي عبيدة
ابن الجراح: خذ من خيلنا ورقيقنا صدقة، فأبى ثم كتب إلى عمر بن الخطاب فأبى
عمر ... الحديث. فافهم.
وأما ما ذكر لتأييد ذلك من القرينة اللفظية، ففيه: أن الأصل أن يبقى اللفظ
كِتَابُ الرَّكاةِ
بَابُ مَا يجبُ فِيهِ الرَّكاةُ
٢٨٧
المطلق على إطلاقه والعام على عمومه ولا يقيد ولا يخص إلا بدليل شرعي، وقد
قام الدليل من السنة والإجماع على وجوب الزكاة في عبد التجارة، فلم يكن بد من
حمل العبد في الحديث على عبد الخدمة بخلاف ((الفرس))، فإنه لم يقم دليل
شرعي على استثناء غير فرس التجارة ولم يرد في السنة ما يدل على وجوب الزكاة
في شيء من الفرس إلا ما كان للتجارة، فلا يصح حمل لفظ الفرس في الحديث
على فرس الركوب خاصة واستثناء السائمة منه، وأما ما أشار إليه من حديث مانعي
الزكاة في ((الصحيحين)) فليس فيه ما يوجب حمله على فرس الركوب كما
ستعرف .
وأجاب عن الحديث في ((المحيط البرهاني)): بأن المنفي ولاية أخذ الساعي،
فإن الفرس مطمع كل طامع، فالظاهر: أنه إذا علموا به لا يتركوه لصاحبه، انتهى.
وحاصله: أنه لم يرد نفي الزكاة عن الفرس رأسًا بل أراد عدم وجوب أدائها إلى بيت
المال على شاكلة الأموال الباطنة.
قلتُ: لا دليل على هذا الحمل وظاهر الحديث يرده؛ فإن النبي وَ ل قد نفى
الصدقة عن الفرس والعبد معًا بكلام واحد، فكما أن الزكاة معفوة ومنفية عن عبد
غير التجارة رأسًا، كذلك منفية وساقطة عن الفرس الذي لم يكن للتجارة، وفي
الفرق بين الأموال الظاهرة والباطنة عندي كلام.
قال ابن الهمام معتذرًا عن عدم أخذه ◌َّ الزكاة عن الفرس ما نصه: وعدم أخذه
النبي ◌َّ لأنه لم يكن في زمانه أصحاب الخيل السائمة من المسلمين، بل أهل
الإبل وما تقدم؛ إذ أصحاب هذه إنما هم أهل المدائن والدشت والتراكمة وإنما
فتحت بلادهم في زمن عمر وعثمان، انتهى.
قلت: هذا الاعتذار إنما يحتاج إليه لو ثبت وجوب الزكاة في الفرس السائمة
بحديث مرفوع صحيح صريح، فإنه حينئذٍ يسوغ أن يقال بأنه وَلّ إنما لم يأخذ
الزكاة عن الفرس مع الوجوب لعزة أصحاب الخيل السائمة من المسلمين في ذلك
الوقت، لكن لم يثبت الوجوب بحديث مرفوع صحيح أصلاً، وإنما لم يأخذ
النبي وَّ الزكاة عن الفرس كما لم يأخذ عن الرقيق؛ لأنه لا زكاة فيهما أصلًا، لا
لكون الخيل قليلة إذ ذاك ولا أنه ترك زكاتها إلى المالكين بأن يؤدوها فيما بينهم
٢٨٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
***
وبين اللَّه لمعنى يعلمه، على أن أهل اليمن قد كانت عندهم الخيل كما يدل عليه
رواية عبد الرزاق الآتية، وهم قد أسلموا في زمن النبي ◌َّ ولم ينقل أنه أخذ زكاتها
منهم، ولا أنه أمرهم بأدائها فيما بينهم وبين الله تعالى.
قلت: واحتج الحنفية على أصل الوجوب بما تقدم من حديث أبي هريرة وهو
أقوى ما احتجوا به، وفيه: ((الْخَيْلُ ثَلَاثَةٌ: هِيَ لِرَجُلٍ وِزْرٌ، وَهِي لِرَجُلٍ سِتْرٌ، وَهِيَ
لِرَجُلِ أَجْرٌ))، قال: ((وَأَمَّا الَّتِي هِيَ لَهُ سِتْرٌ فَرَجُلٌ رَبَطَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ) - وفي رواية:
((رَبَطَّهَا تَغَنِّيًا وَتَعَفُّفًّا ثُمَّ لَيْسَ يَنْسَ حَقَّ اللهِ فِي ظُهُورِهَا وَلَا رِقَابِهَا فَهِيَ لَّهُ سِتْرٌ ... ))
الحدیث .
قالوا: إن الحقَّ الثابت لله تعالى على رقاب الحيوانات ليس إلا الزكاة، فدل
ذلك على وجوبها؛ لأنه رتب على الخروج منه كونها له حينئذٍ سترًا يعني من النار.
وأجاب عنه الطحاوي في ((شرح معاني الآثار)): بأنه يجوز إن ذلك الحق سوى
الزكاة، فإنه قد روى لنا عن فاطمة بنت قيس عن النبي وَلَّ قال: ((فِي الْمَالِ حَقٌّ
سِوَى الزَّكَاةِ)). وحجة أخرى: إنا رأينا أن رسول اللّه وَ ل ذكر الإبل السائمة فقال:
((فِيهَا حَقٌ)) فسئل ما هو فقال: ((إِطْرَاقُ فَحْلِهَا، وَإِعَارَةُ دَلْوِهَا، وَمِنْحَةُ سَمْنِهَا» فاحتمل
أن يكون هو في الخيل، انتهى ملخصًا.
وقال ابن الجوزي في ((التحقيق)) بعد ذكر الدليل هنا للحنفية: وجوابه من
وجهين: أحدهما: إن حقها إعارتها وحمل المنقطعين عليها فيكون ذلك على وجه
الندب. والثاني: أن يكون واجبًا ثم نسخ بدليلٍ قوله: ((قَدْ عَفَوْتُ لَكُمْ عَنْ صَدَقَةٍ
الْخَيْلِ)) إذ العفو لا يكون إلا عن شيء لازم، انتهى.
وأجاب العيني عن الوجه الأول: بأن الذي يكون على وجه الندب لا يطلق عليه
حق، وعن الثاني بأن النسخ لو كان اشتهر زمن الصحابة لما قرر عمر الصدقة في
الخيل وأن عثمان ما كان يصدقها، انتهى. وتعقب: بأن الحق لغة بمعنى الشيء
الثابت سواء كان لازمًا أو غير لازم.
وأيضًا قد روى البخاري مرفوعًا: ((وَمِنْ حَقِّهَا - أي: حق الإبل - أَنْ تُحْلَبَ عَلَى
الْمَاءِ». وفي رواية أبي داود: قلنا: يا رسول اللَّه وَّ وما حَقُّها؟ قال: ((إِطْرَاقُ
كِتّابُ الزَّكَاةِ
بَابُ مَا يجبُ فِيهِ الزَّکاةُ
٢٨٩
فَحْلِهَا وَإِعَارَةُ دَلْوِهَا وَمِنْحَتُهَا وَحَلَبُهَا عَلَى الْمَاءِ وَحَمْلٌ عَلَيْهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ))، انتهى.
ومن المعلوم أن هذه الأمور من الحقوق المندوبة لا الواجبة، وأما ما ذكر من أن
عمر وعثمان أخذا الصدقة عن الخيل، ففيه: أنه كان ذلك على سبيلِ الندب
والاختيار لا الإيجاب كما سيأتي.
وقال الشيخ عبد العلي الحنفي المعروف ببحرِ العلوم اللكنوي صاحب ((فواتح
الرحموت شرح مسلم الثبوت))، في رسائل ((الأركان الأربعة)) (ص ١٧٢) بعد ذكر
استدلال الحنفية بحديث أبي هريرة ما لفظه: هذا، إنما يتم لو أريد بحقِّ اللَّه الحق
الواجب وإن عمم، كما يدلّ عليه عطف: ((وَلَا ظُهُورِهَا)) لأنه ليس في الظهور حق
واجب. وقد حمل ابن الهمام الحق في الظهور على حمل منقطعي الجاج، ففيه :
أن هذا ليس حقًّا واجبًا بل الغاية الاستحباب، ثم الحديث إن دلّ على وجوب
الزكاة فهو غير فارق بين الذكور والإناث والسائمة وغير السائمة وهو خلاف
المذهب، انتهى.
واحتجَّ الحنفية لكمية الواجب في الفرس بما روى الدارقطني (ص٢١٤)
والبيهقي (ج ٤: ص١١٩) والطبراني من طريق الليث بن حماد الأصطخري عن أبي
يوسف، عن غورك بن الخضرم أبي عبد الله السعدي عن جعفر بن محمد عن أبيه
عن جابر قال: قال رسول اللّه وَّلهُ: ((فِى الْخَيْلِ السَّائِمَةِ فِى كُلِّ فَرَسِ دِینَارٌ)). وَرُدَّ
هذا بوجهين: أحدهما: أن سنده ضَعِيف جِدًّا، قال الدار قطني: تفرَّد به غورك وهو
ضَعِيف جِدًّا ومن دونه ضعفاء، وقال الهيثمي: فيه ليث بن حماد وغورك وكلاهما
ضعيف. قال البيهقي: لو كان هذا الحديث صحيحًا عند أبي يوسف لم يخالفه
ذكره الزيلعي. والثاني: أنه ليس في هذا الحديث ذكر للفرق بين الذكور المنفردة
والإناث المنفردة والمختلط منهما، ولا للتخيير بين الدينار والقيمة، الذي قال به
أبو حنيفةً، وأجابَ ابن الهمام عن الوجه الأول بما يقضي منه العجب حيث قال :
ولعلَّ ملحظهم في تقدير الواجب ما روي عن جابر من قوله عليّها: ((فِي كُلِّ فَرْسٍ
دِينَارٍ)) بناء على أنه صحيح في نفس الأمر، ولو لم يكن صحيحًا على طريقة
المحدثين؛ إذ لا يلزم من عدم الصحة على طريقتهم إلا عدمها ظاهرًا دون نفس
الأمر على أن الفحص عن مأخذهم لا يلزمنا، إذ يكفي العلم بما اتفقوا عليه من
ذلك، انتھی.
٢٩٠
B
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
وفي ذكر هذا غنى عن الردِّ ولعله حمله على ذلك غلوه في حماية مذهبه وشدة
التعصب عليه، وقد يحمل الإنسان عصبيته العمياء على أقبح من ذلك، واحتجَّ
الحنفيةُ أيضًا بما روى الدارقطني في ((غرائبٍ مالك)) بإسناد صحيح عنه عن
الزهري: أن السائب بن يزيد أخبره قال: رأيتُ أبي يقيم الخيل ثم يدفع صدقتها
إلى عمر. وأخرجه عبد الرزاق عن ابنٍ جريج أخبرني ابن أبي حسين أن ابن شهابٍ
أخبره أن عثمان كان يصدق الخيل، وأن سائب بن يزيد أخبره أنه كان يأتي عُمر
بصدقةِ الخيل. قال ابنُ عبد البر: الخبر في صدقة الخيل عن عمر صحيح من
حديث الزهري عن السائب بن يزيد.
وأجاب عنه الطحاوي: بأنه لم يأخذه عمر على أنه حقٌّ واجب عليهم بل بسبب
آخر، ثم أخرجَ بسنده عن حارثة قال: حججتُ مع عمر فأتاه أشراف الشام قالوا:
إنا أصبنا خيلاً وأموالًا، فخذ من أموالنا صدقة، فقال: هذا شيء لم يفعله اللذان
كانا قبلي، لكن انتظروا حتى أسألَ المسلمين، فسأل أصحاب رسول اللّه ◌َ ل فيهم
عليٌّ فقالوا: حسن، وعليّ ساكت، فقال عمر: مالك يا أبا الحسن؟ فقال: قد
أشاروا عليك ولا بأس بما قالوا، إن لم يكن واجبًا وجزية راتبة يؤخذون بها بعدك.
فدلَّ ذلك على أنه إنما أخذ على سبيل التطوع بعد ابتغائهم ذلك لا على سبيل أنه
شيء واجب، وقد أخبر أنه لم يأخذه رسول اللَّه وَ لٍّ ولا أبو بكر، انتهى.
وقال ابن قدامة في ((المغني)) (ج٢: ص٦٢١): وأما عمر فإنما أخذ منهم شيئًا
تبرعوا به وسألوه أخذه وعوضهم عنه برزق عبيدهم، ثم ذكر هذا الحديث من رواية
أحمد وقال: فصار حديث عمر حجة عليهم من وجوهٍ، أحدها: قوله: ما فعله
صاحباي قبلي - يعني: النبي وَّ وأبا بكر - ولو كان واجبًا لما تركا فعله.
الثاني: إنَّ عمرَ امتنع من أخذها ولا يجوز أن يمتنع من الواجب.
الثالث: قول علي: حسن إن لم يكن جزية يؤخذون بها بعدك، فسمي جزية إن
أخذوا بها وجعل مشروطًا بعدم أخذهم به فيدل على أن أخذهم بذلك غير جائز.
الرابع: استشارة عمر أصحابه في أخذه ولو كان واجبًا لما احتاج إلى
الاستشارة .
الخامس: إن عمر عوضهم عنه رزق عبيدهم.
كِتَابُ الرَّكَاةِ
بَابُ مَا يَجبُ فِيهِ الَّكاةُ
٢٩١
****<<<<< > <<<********<<<<*****<<< ><> <<<<<< > <<**<<<< > <<<<<<<<< > <<<<<<<<<******
وكذا رزق فرسهم كما في رواية الدار قطني (ص٢١٤) والزكاة لا يؤخذ عنها
عوض، انتھی .
وأجاب الحنفية عن هذا الجواب: بأن رواية الدار قطني (ص٢١٩): فوضع
على فرس دينارًا. في قصة أهل الشام المذكورة ورواية عبد الرزاق من طريق يعلى
ابن أمية: أن عمر قال له: إن الخيل لتبلغ في بلادكم هذا، وقد كان اشترى من
رجل من أهل اليمن فرسًا بمائة قلوص، قال: فنأخذ من كل أربعين شاة شاة ولا
نأخذ من الخيلِ شيئًا خُذْ مِن كلِّ فرسٍ دينارًا، فقرَّر على الخيلِ دينارًا، وفي رواية
ابن حزم والبيهقي فضرب على الخيل دينارًا دينارًا توجب خلاف ما قلتم من أن
أخذه كان على سبيل إنه تطوع وتبرع لا للإيجاب.
قلتُ: رواية الطحاوي في قصة أهل الشام صريحة في نفي الوجوب، ورواها
مالك بلفظ: إن أهل الشام قالوا لأبي عبيدةً: خُذ من خيلنا ورقيقنا صدقة، فأبى،
ثم كتب إلى عمر بن الخطاب فأبى عمر، ثم كلموه أيضًا فكتب إلى عمر، فكتب
إليه عمر: إنْ أحبُّوا فَخُذْهَا مِنْهُم - يعني: إنهم إذا تطوعوا بذلك فيقبل عنهم تطوعًا
- وَأَرْدُدْهَا عَلَيْهِمْ - أي: على فقرائهم - وَارْزُقْ رَقِيقَهُمْ. انتهى.
وهذه الرواية ظاهرة في أن عمر لم يقلْ بإيجاب الزكاة في الخيل؛ لأنه إنما أمر
بذلك حين أحبه أربابها وتبرعوا وتطوعوا بها، وأما ما ذكروه من رواية الدار قطني
وعبد الرزاق وما شاكلها فهو محمول على هذه لتتفق الروايات ولا تختلف، قال
بعض من كتب علي ((الموطأ)) من أهل عصرنا من الحنفية: والظاهر إن ذلك - أي:
عدم الإيجاب - كان عن عمر أولًا ثم قال بالزكاة فيها، أي: إن الآخر من أمري
عمر أخذ الزكاة من الخيل كما يدل عليه رواية الدار قطني ورواية عبد الرزاق.
قلتُ: ليسَ في شيءٍ من روايات قصة أهل الشام ما يدلَّ أن ذاك كان أولًا وهذا
كان آخرًا، والجمع بما قلنا واضح فالقول به متعين، ولو سلمنا فهو اجتهاد من عُمر
ومن وافقه كما اعترف به ابن الهمام، وحديث أبي هريرة الذي نحن في شرحه
يخالفه ويقطع بنفي الصدقة عنها فلا يلتفت إلى ما سواه؛ لأنه لا حجة في قول أحد
دون رسول اللَّهُ وَّله والله تعالى أعلم.
٢٩٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
هذا وقد استدل ابن الهمام برواية الدار قطني في قصة أهل الشام على وجوب
الزكاة في الفرس، وادعى وقوع إجماع الصحابة على ذلك، وقد ردَّ عليه بحر
العلوم اللكنوي الحنفي في ((رسائل الأركان الأربعة)) (ص١٧٣) ردًّا حسنا فعليك
أن تراجعه .
(وفي رِوَايَةٍ قَالَ) أي: النبي ◌َِّ. (لَيْسَ فِي عَبْدِهِ) في مسلم ليس في العبد (صَدَقَّةٌ
إِلَّا صَدَقَةُ الْفِطْرِ) بالرفع على البدلية وبالنصب على الاستثنائية، قال النووي: هذا
صريح في وجوب صدقة الفطر على السيد عن عبده سواء كان للقنية أم للتجارة وهو
مذهب مالك والشافعي والجمهور، وقال أهل الكوفة: لا تجب في عبيد التجارة
وحكي عن داود قال: لا تجبُ على السيد بل تجب على العبد، ويلزم السيد تمكينه
من الكسب ليؤديها، انتهى. وقال ابنُ حبان: فيه دليل على أن العبد لا يملك إذ لو
ملك لوجب عليه صدقة الفطر.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) إلا قوله: ((إِلَّ صَدَقَةُ الْفِطْرِ)) فإنه من أفراد مسلم وهذه الزيادة عند
ابن حبان أيضًا، ورواه الدار قطني بلفظ: ((لَا صَدَقَةَ عَلَى الرَّجُلِ فِي فَرَسِهِ وَلَا فِي
عَبْدِهِ إِلَّا زَكَاةُ الْفِطْرِ)) وفي لفظ لأبي داود: ((لَيْسَ فِي الْخَيْلِ وَالزَّقِيقِ زَكَاةٌ إِلَّا زَكَاةٌ
الْفِطْرِ فِي الرَّقِيقِ))، والرواية الأولى أخرجها أيضًا أحمد ومالك والترمذي وأبو
داود والنسائي وابن ماجه والدار قطني والبيهقي وغيرهم.
كِتَابُ الرَّڪاةِ
<<<<<< > **<<<<< ><82 *****
بَابُ مَا يَجبُ فِيهِ الرَّكاةُ
٢٩٣
١٨١١ - [٣] وَعَنْ أَنَس: أَنَّ أَبَا بَكْرِ رَِْتَهُ كَتَبَ لَهُ هَذَا الْكِتَابَ لَمَّا
وَجَّهَهُ إِلَى الْبَحْرَيْنِ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم، هَذِهِ فَرِيضَةُ الصَّدَقَةِ الَّتِي
فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ وَ عَلَّىَ الْمُسْلِمِينَ، وَالَّتِي أَمَرَّ اللَّهُ بِهَا رَسُولَهُ، فَمَنْ سُئِلَهَا
مِنَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى وَجْهِهَا فَلْيُعْطِهَا، وَمَنْ سُئِلَ فَوْقَهَا فَلَا يُعْطِ، فِي أَرْبَعِ
وَعِشْرِينَ مِنَ الْإِبِلِ فَمَا دُونَهَا مِنَ الْغَنَم مِنْ كُلِّ خَمْسِ شَاةٌ، فَإِذَا بَلَغَتْ خَمْسَّاً
وَعِشْرِينَ إِلَى خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ فَفِيهَا بِنْتُ مَخَاضٍ أَنْثَى، فَإِذَا بَلَغَتْ سِتًّا وَثَلَاثِينَ
إِلَى خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَّ فَفِيهَا بِنْتُ لَبُوٍ أَنْثَى، فَإِذَا بَلَغَتْ سِتَّا وَأَرْبَعِينَ إِلَى سِتِّينَ
فَفِيهَا حِقَّةً طَرُوقَةُ الْجَمَلِ، فَإِذَا بَلَّغَتْ وَاحِدَةً وَسِتِّينَ إِلَى خَمْسٍ وَسَبْعِينَ
فَفِيهَا جَذَعَةٌ، فَإِذَا بَلَغَتْ سِتَّ وَسَبْعِينَ إِلَى تِسْعِينَ فَفِيهَا بِنْتَا لَبُونٍ، فَّإِذَا بَلَغَتْ
إِحْدَى وَتِسْعِينَ إِلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ فَفِيهَا حِقَّتَانِ طَرُوقَتَا الْجَمَلِ، فَإِذَا زَادَتْ
عَلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ فَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ، وَفِي كُلِّ خَمْسِيَنَ حِقَّةٌ، وَمَنْ
لَمْ يَكُنْ مَعَهُ إِلَّا أَرْبَعُ مِنَ الْإِبِلِ فَلَيْسَ فِيهَا صَدَقَةٌ، إِلَّ أَنْ يَشَاءَ رَبُّهَا، فَإِذَا
بَلَغَتْ خَمْسًا فَفِيهَا شَاةٌ، وَمِنْ بَلَّغَتْ عِنْدَهُ مِنَ الْإِبِلِ صَدَقَةَ الْجَذَعَةِ، وَلَيْسَتْ
عِنْدَهُ جَذَعَةٌ وَعِنْدَهُ حِقَّةٌ، فَإِنَّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ الْحِقَّةُ، وَيَجْعَلُ مَعَهَا شَاتَيْنِ إِنِ
اسْتَيْسَرَتَا لَهُ، أَوْ عِشْرِينَ دِرْهَمَّا، وَمَنْ بَلَغَتْ عِنْدَهُ صَدَقَةُ الْحِقَّةِ وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ
الْحِقَّةُ وَعِنْدَهُ الْجَذَعَةُ، فَإِنَّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ الْجَذَعَةَ، وَيُعْطِيهِ الْمُصَدِّقُ عِشْرِينَ
دِرْهَمًّا أَوْ شَاتَيْنٍ، وَمَنْ بَلَغَتْ عِنْدَهُ صَدَقَةُ الْحِقَّةِ وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ إِلَّا بِنْتُ لَبُونٍ،
فَإِنَّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ بِنَّتُ لَبُونٍ، وَيُعْطِي شَاتَيْنٍ أَوْ عِشْرِينَ دِرْهَمَّا، وَمَنْ بَلَغَتْ صَدَقَتَّهُ
بِنْتَ لَبُونٍ وَعِنْدَهُ حِقَّةٌ، فَإِنَّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ الْحِقَّةُ، وَيُعْطِيهِ الْمُصَدِّقُ عِشْرِينَ دِرْهَمًّا
أَوْ شَاتَيْنِ، وَمَنْ بَلَغَتْ صَدَقَتُهُ بِنْتَ لَبُوٍ وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ وَعِنْدَهُ بِنْتُ مَخَاضٍ،
فَإِنَّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ بِنْتُ مَخَاضٍ، وَيُعْطِي مَعَهَا عِشْرِينَ دِرْهَمَّا أَوْ شَاتَيْنٍ. وَمَّنْ
بَلَّغَتْ صَدَقَتُهُ بِنْتَ مَخَاضٍ وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ وَعِنْدَهُ بِنْتُ لَبُوٍ، فَإِنَّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ،
وَيُعْطِيهِ الْمُصَدِّقُ عِشْرِينَّدِرْهَمَا أَوْ شَاتَيْنِ.
(١٨١١) البُخَارِي (١٤٥٤)، وَأَبُو دَاوُد (١٥٦٧)، وَالنَّسَائِي (١٨/٥) عَنْهُ فِيهَا.
٢٩٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
*
فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ بِنْتُ مَخَاضٍ عَلَى وَجْهِهَا وَعِنْدَهُ ابْنُ لَبُونٍ ، فَإِنَّهُ يُقْبَلَ مِنْهُ
وَلَيْسَ مَعَهُ شَيْءٌ، وَفِي صَدَقَةِ الْغَّنَّم فِي سَائِمَتِهَا إِذَا كَانَتْ أَرْبَعِينَ إِلَى عِشْرِينَ
وَمِائَةٍ شَاةٌ، فَإِنْ زَادَتْ عِشْرِينَ وَمِاتَّةٍ إِلَى مِائَتَيْنِ فَفِيهَا شَاتَانٍ، فَإِذَا زَادَتْ عَلَى
مِائَتَيْنِ إِلَى ثَلَاثِمِائَةٍ فَفِيهَا ثَّلَاثُ شِيَاهِ، فَإِذَا زَادَتْ عَلَى ثَلاثِمِائَةٍ فَفِي كُلِّ مِائَةٍ
شَاةٌ، فَإِذَا كَانَتْ سَائِمَةُ الرَّجُلِ نَاقِصَةً مِنْ أَرْبَعِينَ شَاةً وَاحِدَةً، فَلَيْسَ فِيهَا
صَدَقَةٌ إِلَّ أَنْ يَشَاءَ رَبُّهَا، وَلَا تُخْرَجُ فِي الصَّدَقَةِ هَرِمَةٌ وَلَا ذَاتُ عَوَارٍ، وَلَا
تَيْسٌ، إِلَّا مَا شَاءَ الْمُصَدِّقُ، وَلَا يُجْمَعُ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ، وَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِع
خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ، وَمَا كَانَ مِنْ خَلِيطَيْنِ فَإِنَّهُمَا يَتَرَاجَعَانِ بَيْتَهُمَا بِالسَّوِيَّةِ، وَفِيَّ
الرِّقَةِ رُبْعُ الْعُشْرِ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ إِلَّا تِسْعِينَ وَمِائَةً، فَلَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ، إِلَّا أَنْ يَشَاءَ
رَبُّهَا.
[رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ] {صحيح}
W O
الْشَّرْجُ
١٨١١ - قوله: (أَنَّ أَبَا بَكْرِ) الصديق. (كَتَبَ لَهُ) أي: لأنس، لما استخلف.
(هَذَا الْكِتَابَ) أي: المكتوب الأَّتي. (لَمَّا وَجَّهَهُ) أي: حين أرسله أبو بكر. (إِلَی
الْبَحْرَيْنِ) أي: عاملًا عليها وهو تثنية ((بحر)) خلاف البر موضع معروف بين بحري
فارس والهند مقارب جزيرة العرب، ويقال: هو اسم لإقليم مشهور يشتمل على
مدن معروفة قاعدتها هجر وهكذا ينطق به بلفظ التثنية، والنسبة إليه بحراني.
(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم) بدل من الكتاب بمعنى اسم المفعول وهو واضح؛
لأن المَرَاد كتب له هذه النقوشَ التي هي بسم الله ... إلخ. قال الماوردي: يستدل
به على إثبات البسملة في ابتداء الكتب، وعلى أن الابتداء بالحمد ليس بشرطٍ .
وقال الحافظ: لم تجر العادة الشرعية ولا العرفية بابتداء المراسلات بالحمد، وقد
جمعت كتبه ◌ّله إلى الملوك وغيرهم، فلم يقع في واحدٍ منها البداءة بالحمد بل
بالبسملة. (هَذِهِ) أي: المعاني الذهنية الدالة عليها النقوش اللفظية الآتية. (فَرِيضَةُ
الصَّدَقَةِ) أي: نسخة فريضة الصدقة، فحذف المضاف للعلم به، والفريضة:
بمعنى المفروضة. (الَّتَ فَرَضَ رَسُولَ اللهِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ﴾ هذا ظاهر في رفع الخبر
٢٩٥
كِتَابُ الرَّڪاةِ
بَابُ مَا يَجِبُ فِيهِ الرَّكاةُ
إلى النبي ◌ُّ، وأنه ليس موقوفًا على أبي بكر، وقد صرح برفعه في رواية إسحاق
ابن راهويه في ((مسنده)) ومعنى ((فَرْضَ)) هنا: أوجب يعني بأمر الله تعالى قال
الخطابي: معنى الفرض: الإيجاب وذلك أن يكون الله تعالى قد أوجبها، وأحكم
فرضها في كتابه، ثم أمر رسوله بالتبليغ، فأضيف الفرض إليه بمعنى الدعاء إليه
وحمل الناس عليه، وقد فرضَ اللهُ طاعته على الخلق، فجاز أن يسمى أمره وتبليغه
عن اللَّه ◌َل فرضًا على هذا المعنى.
وقيل: معناه قد رأى وبيَّن وفصَّل؛ لأن إيجابها ثابت بنص القرآن على سبيل
الإجمال وبين ◌َله مجملة بتقدير الأنواع والأجناس، ففرض النبي موحّ لها بيانه
للمجمل من الكتاب، ومن هذا فرض نفقة الأزواج وفرض أرزاق الجند. وقيل:
معنى الفرض هنا: السنة، ومنه ما روي أنه وَ ل# فرض كذا أي: سُنة يعني شرعه بأمر
اللَّه تعالى. (وَالَّتِي) عطف على ((الَّتِي)). عطف تفسير أي: الصدقة التي. ولأحمد
وأبي داود والنسائي وابن ماجه ((الَّتِي)) بدون العطف على أنها صفة بعد صفة أو بدل
من الجملة الأولى. (أَمَرَ اللَّهُ بِهَا) أي: بتلك الصدقة أي: أمر بتبليغها أو بتقدير
أنواعها وأجناسها والقدر المخرج منها.
(فَمَنْ سُئِلَهَا) بضم السين على بناء المفعول أي: من سُئِلَ الزكاة. (مِنَ
الْمُسْلِمِينَ) بيان [((من)). (عَلَى وَجْهِهَا) حال من المفعول الثاني في ((سئلها)) أي:
حال كونها على حسب ما بين رسول اللّه وَّله من فرض مقاديرها يعني على هذه
الكيفية المبينة في هذا الكتاب. (فَلْيُعْطِهَا) أي: على الكيفية المذكورة في هذا
الحديث. وفيه دلالة على دفع صدقة الأموال الظاهرة إلى الإمام. (وَمَنْ سُئِلَ
فَوْقَهَا) أي: فوق حقها يعني زائدًا على الفريضة المعينة في السن أو العدد، وقال
الطيبي: أي: أزيد من واجبها كمية أو كيفية، وتكون المسألة إجماعية إجمالًا، لا
اجتهادية فإنها حينئذٍ يقدم الساعي. (فَلَا يُعْطِ) أي: فله المنع يعني لا يعطي الزائد
على الواجب. وقيل: لا يعطي شيئًا من الزكاة لهذا الساعي؛ لأنه يصير خائنًا بطلبه
فوق الواجب، فتسقط طاعته بظهور خيانته؛ لأن شرطه أن يكون أمينًا وحينئذٍ يتولى
هو إخراجه بنفسه أو يعطيه لساع آخر. قال الحافظ: لكن محل هذه إذا طلب الزيادة
بغير تأويل. انتهى.
٢٩٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
وكأنه يشير بهذا إلى الجمع بين هذا الحديث وحديثي جرير وجابر بن عتيك
المتقدمين في أوائل الزكاة، فيكون هذان الحديثان محمولين على أن للعامل
تأويلاً في طلب الزائد على الواجب. قال القاري: هذا أي: حديث أبي بكر يدل
على أن المصدق إذا أراد أن يظلم المزكي، فله أن يأباه ولا يتحرى رضاه، ودل
حديث جرير وهو قوله: ((أَرْضُوا مُصَدِّقِيكُمْ وَإِنْ ظُلِّمْتُمْ)) على خلاف ذلك.
وأجاب الطيبي: بأن أولئك المصدقين من الصحابة وهم لم يكونوا ظالمين،
وكان نسبة الظلم إليهم على زعم المزكي أو جريان على سبيل المبالغة وهذا عام فلا
منافاة بينهما، انتهى. وقد يجابُ: بأن الأول محمول على الاستحباب وهذا على
الرخصة والجواز، أو الأول إذا كان يخشى التهمة والفتنة وهذا عند عدمهما. قال
في ((شرح السنة)): فيه دليل على إباحة الدفع عن ماله إذا طولب بغير حقه. انتهى.
(فِي أَرْبَعْ وَعِشْرِينَ) قال الطيبي: استئناف بيان لقوله: (هَذِهِ فَرِيضَةُ الصَّدَقَةِ))
وكأنّهُ أشارً (هذه)) إلى ما في الذهن ثم أتى به بيانًا له. قال ابن الملك: ((فِي أَرْبَع))
خبر مبتدأ محذوف أي: الواجب أو المفروض أو المعطى في أربع وعشرين. (مِّنَ
الْإِبِل) كلمة ((مِنْ)) بيانية وبدأ بزكاة الإبل؛ لأنها كانت جل أموالهم وأنفسها. (فَمَا
دُونَهَا) أي: فما دون أربع وعشرينٍ إلى الخمس. (مِنَ الْغَنَم) بيان للأم الواجب
المقدر، لأنه بمعنى الذي. (مِنْ كُلِّ خَمْسِ شَاةٌ) أي: الواجبَ من الغنم في أربع
وعشرين إبلًا من كل خمس إبل شاة.
وقال الطيبي: ((مِنَ)) الأولى ظرف مستقر؛ لأنه بيان لشاةٍ توكيدًا كما في قوله:
((خَمْسٍ ذَوْدٍ مِنَ الْإِبِلِ)) والثانية: لغو ابتدائية متصلة بالفعل المحذوف، أي: ليعط
في أربع وعشرين من الإبل شأة كائنة من الغنم لأجل كل خمس من الإبل. وقيل:
((مِنَ الْغَنَم)) خبر لمبتدأ محذوف أي: الصدقة في أربع وعشرين من الإبل من
الغنم. وَقَوله: ((مِنْ كُلِّ خَمْسِ شَاةٌ)) مبتدأ وخبر بيان للجملة المتقدمة. وقال
الحافظ: قوله: ((مِنَ الْغَنَم)) كَذا للأكثر، وفي رواية ابن السكن بإسقاط (مِنْ))
وصوبها بعضهم. وقال عياض: كل صواب فمن أثبتها، فمعناها زكاتها أي: الإبل
من الغنم و(مِنْ)) للبيان لا للتبعيض، ومن حذفها فالغنم مبتدأ والخبر مضمر في
قوله: ((فِي أَرْبَعْ وَعِشْرِينَ)). وإنما قدم الخبر لأن الغرض بيان المقادير التي تجب
فيها الزكاة، وألزكاة إنما تجب بعد وجود النصاب، فحسن تقديمه.
كِتَابُ الرَّڪاةِ
بَابُ مَا يَجبُ فِيهِ الزَّكاةُ
٢٩٧
وهاهنا مسألتان خلافيتان، الأولى: أنه ذهب الشافعي في قوله الجديد أي: في
غير البويطي، ومالك في رواية، وأحمد، وأبو حنيفة، وأبو يوسف إلى: أن الزكاة
في النصاب فقط دون العفو والوقص، بفتح الواو والقاف ويجوز إسكانها وبالصاد
المهملة وهو ما بين الفرضين عند الجمهور. وقال الشافعي: في القديم أي: في
البويطي ومالك في رواية ومحمد وزفر، إلى: أنها في النصاب والعفو جميعًا.
قال الحافظ: ويظهر أثر الخلاف فيمن له مثلًا تسع من الإبل فتلف منها أربعة
بعد الحول وقبل التمكن من الأداء، حيث قلنا: إنه شرط في الوجوب وجبت عليه
شاة بلا خلاف. وكذا إن قلنا: التمكن شرط في الضمان وقلنا: الوقص عفو، وإن
قلنا: يتعلق به الفرض وجب خمسة أتساع شاة. انتهى.
واستدل القول الأول: بقوله ◌َله: ((فِي الْإِبِلِ فِي خَمْسِ شَاةٌ وَفِي عَشْرِ شَاتَانٍ وَفِي
الْغَنَمِ إِذَا زَادَتْ عَلَى ثَلَائِمِائَةٍ فَفِي كُلِّ مِائَةٍ شَاةٌ))، قال القاري في ((النقاية)): هذا ظاهر
في أن الزكاة في النصاب فقط. انتهى.
وبقوله بَّ في حديث عمرو بن حزم: ((فِي خَمْسٍ مِنَ الْإِبِلِ شَاةٌ))، وليس في
الزيادة شيءٌ حتى تبلغ عشرًا، قال في ((البدائع)): هذا نص على أن الواجب في
النصاب دون الوقص. انتهى. لكن قد تكلم العيني في ((البناية)) في هذه الرواية.
وقال الحافظ في ((الدراية)) (ص١٥٩): لم أجده وذكره أبو إسحاق الشيرازي في
((المهذب)) وأبو يعلى الفراء في كتابة وقد يستأنس له بحديث محمد بن عبد
الرحمن الأنصاري أن في كتاب النبي وَّ في الصدقات: ((إِنَّ الْإِبِلَ إِذَا زَادَتْ عَلَى
عِشْرِينَ وَمِائَةٍ، فَلَيْسَ فِيمَا دُونَ الْعُشْرِ شَيْءٌ)) أخرجه أبو عبيدٍ (ص٣٦٣). انتهى.
واستدل للقول الثاني بقول النبي وّ: ((فِي خَمْسٍ مِنْ الإِبِلِ شَاةٌ)) إلى تسع ذكره
في ((البدائع)). وروى البيهقي (ج٤ ص ٨٧) معناه من كتاب عمر، قال الكاساني :
وأخبر أي: النبي ◌َّ إن الواجبَ يتعلَّق بالكلِّ. انتهى.
وقد يستدلُّ لهذا القول أيضًا بظاهر قوله في كتاب أبي بكر: ((في أربع وعشرين
من الإبل فما دونها الغنم من کل خمس شاة، فإذا بلغت خمسًا وعشرين إلى خمس
وثلاثين ففيها بنت مخاض ... )) الحديث. (وفي صدقة الغنم في سائمتها إذا كانت
أربعين إلى عشرين ومائة شاة)، قال الزيلعي (ج٢ ص ٣٦٢): وجه الدليل أنه غير
٢٩٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الوجوب إلى النصاب الآخر، فدل على أن الوجوب الأول منسحب إلى الوجوب
الثاني وما بينهما هو العفو. انتهى.
وقد رجح ابن الهمام هذا القول الثاني؛ إذ قال: ولا يخفى إن هذا الحديث -
أي: حديث عمرو بن حزم الذي استدل به للقولِ الأول، وفيه ليس في الزيادة حتى
تبلغ عشرًا - لا يقوي قوة حديثهما - أي: الحديثين اللذين استدل بهما لمحمد
وزفر - في الثبوت إن ثبت، والله أعلم. وإنما نسبة ابن الجوزي في ((التحقيق))،
إلى رواية أبي يعلى القاضي وأبي إسحاق الشيرازي في كتابيهما، فقول محمد أظهر
من جهة الدليل. انتهى.
قال صاحبُ ((بذل المجهود»: فمدار الحنفية في الاستدلال في استيناف الصدقة
أيضًا على حديث عمرو بن حزم، فلو كان الحديث عندهم ضعيفًا لا يصح
الاستدلال به على الاستیناف، ومع هذا فقد ورد في حديث أبي داود في كتاب عمر
في الصدقة، وليس فيها شيء حتى تبلغ المائة فثبت بطريقين: أن الأوقاص لا يجب
فيها الزكاة. انتهى.
المسألة الثانية: قال الحافظ: استدل بقوله: ((في أربع وعشرين من الإبل فما
دونها من الغنم)) على تعين إخراج الغنم في مثل ذلك، وهو قول مالك وأحمد فلو
أخرج بعيرًا عن الأربع والعشرين لم يجزه، وقال الشافعي والجمهور: يجزئه؛ لأنه
يجزئ عن خمس وعشرين فما دونها أولى؛ ولأن الأصل أن يجب من جنس المال.
وإنما عدل عنه رفقًا بالمالك فإذا رجع باختياره إلى الأصل أجزأه. قال الزرقاني :
ورد بأنه قياس في معرض النص، فإن كانت قيمة البعير مثلًا دون قيمة أربع شياه،
ففيه خلاف عند الشافعية وغيرهم. قال الحافظ: والأقيس أنه لا يجزئ، انتهى.
ويجوز عند الحنفية إذا ساوى قيمة المؤدى قيمة الواجب كما بسط في فروعهم.
وقوله: ((من كل خمس شاة)) يقتضي إن الشاة هي الواجبة فيها، فلو أخرج عن
خمس من الإبل واحدًا منها لم يجزه وإنما يجزئه أن يخرج ما وجب عليه وهي
شاة، وإليه ذهبت الحنابلة كما في ((المغنى)) (ج ٤ ص٥٧٨) وبه قال ابن العربي
والباجي من المالكية. وذهبت الشافعية والمالكية إلى الجواز، وبه قالت الحنفية،
لكن باعتبار القيمة .
٢٩٩
كِتَابُ الزَّكَاةِ
بَابُ مَا يَجِبْ فِيهِ الزّكاةُ
(فَإِذَا بَلَغَتْ) أي: الإِبل (خَمْسًا وَعِشْرِينَ) قال الحافظ: فيه أن في هذا القدر بنت
مخاض وهو قول الجمهور إلا ما جاء عن علي: ((إن في خمس وعشرين خمس
شياه))، فإذا صارت ستًّا وعشرين كان فيها بنت مخاض. أخرجه ابن أبي شيبة وغيره
عنه موقوفًا ومرفوعًا وإسناد المرفوع ضعيف. انتهى. قال الأمير اليماني:
والموقوف ليس بحجة؛ فلذا لم يقل به الجمهور.
(إِلَى خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ فَفِيهَا) أي: ففي الإبل التي بلغت خمسًا وعشرين. (بِنْتَ
مَخَاضٍ) بفتح الميم وبالخاء المعجمة الخفيفة وفي آخره ضاد معجمة. قال
الجزري في ((جامع الأصول)) (ج٥ ص٤٧٢): بنت المخاض من الإبل وابن
المخاض: ما استكمل السنة الأولى ودخل في الثانية ثم هو ابن مخاض وبنت
مخاض إلى آخر الثانية سمي بذلك لأن أمه من المخاض أي: الحوامل والمخاض
الحوامل لا واحد له من لفظه. انتهى. وقال الحافظ: هي التي أتى عليها حول
ودخلت في الثانية وحملت أمها، والماخض: الحامل أي: دخل وقت حملها وإن
لم تحمل. انتهى.
وقال ابن قدامة: سميت بذلك؛ لأن أمها قد حملت غيرها والماخض: الحامل
وليس كون أمها ماخضًا شرطًا فيها، وإنما ذكر تعريفًا لها بغالب حالها، وقال في
((المجمع)) (ج٢ ص ٢٨٥): المخاض: اسم للنوق الحوامل واحدتها خلفة وابن
مخاض وبنته: ما دخل في السنة الثانية؛ لأن أمه لحقت بالمخاض أي: الحوامل،
وإن لم تكن حاملًا، وقيل: هو الذي حملت أمه أو حملت الإبل التي فيها أمه، وإن
لم تحمل هي، وهذا معنى ((ابن مخاض)) لأن الواحد لا يكون ابن نوق وإنما يكون
ابن ناقة واحدة. والمراد أن يكون وضعتها أمها في وقت ما وقد حملت النوق التي
وضعت مع أمها، وإن لم تكن أمها حاملة، فنسبتها إلى الجماعة بحكم مجاورتها
أمها، وسمي ابن مخاض في السنة الثانية؛ لأن العرب إنما كانت تحمل الفحول
على الإناث بعد وضعها لسنة ليشتد ولدها فهي تحمل في السنة الثانية وتمخض.
انتھی .
(أُنْثَى) قيد بالأنثى للتأكيد كما يقال: رأيت بعيني وسمعت بأذني، وقال الطيبي :
ذكره تأكيدًا، كما قال تعالى: ﴿نَفْخَةٌ وَحِدَةٌ﴾ [الحاقة: ١٣] ولئلا يتوهم أن البنت هاهنا