Indexed OCR Text

Pages 221-240

٢٢٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
وفرَّق قومٌ بين أن يكون رأس المال الحائل عليه الحول نصابًا أو لا يكون؟
فقالوا: إن كان نصابًا زكى الربح مع رأس ماله، وإن لم يك نصابًا لم يزك، وممن
قال بهذا القول الأوزاعي وأبو ثور وأبو حنيفة.
وسبب اختلافهم تردد الربح بين أن يكون حكمه حكم المال المستفاد، أو حكم
الأصل، فمن شبهه بالمال المستفاد ابتداء؛ قال: يستقبل به الحول. ومن شبهه
بالأصل وهو رأس المال؛ قال: حكمه حكم رأس المال. إلا أن من شروط هذا
التشبيه أن يكون رأس المال قد وجبت فيه الزكاة، وذلك لا يكون إلا إذا كان نصابًا
ولذلك يضعف قياس الربح على الأصل، في مذهب مالك. ويشبه أن يكون الذي
اعتمده مالك في ذلك هو تشبيه ربح المال بنسل الغنم، لكن نسل الغنم مختلف فيه
أيضًا، وقد روي عن مالك مثل قول الجمهور، انتهى.
قال الزرقاني: هذا مذهب مالك، إن حول الربح حول أصله، وإن لم يكن أصله
نصابًا قياسًا على نسل الماشية، ولم يتابعه غير أصحابه، وقاسه على ما لا يشبهه في
أصله ولا في فرعه، وهما أصلان، والأصول لا يرد بعضها إلى بعض، وإنما يرد
الفرع إلى أصله، انتهى.
قلتُ: والحنابلة موافقون للحنفية في مسألة الربح، كما قال الخرقي (ج٣
ص٣٧): إذا كان في ملكه نصاب للزكاة فاتجر فيه فنمى؛ أدى زكاة الأصل مع
النماء إذا حال الحول. وقال في ((الروض المربع)): حصول الربح حول أصله إذا كان
الأصل نصابًا فحول الجميع من كمال نصابه وإن لم يكن الأصل نصابًا، انتهى.
وفي مسلك الشافعية تفصيل خلافًا لما حكى شراح الحديث من مذهب
الشافعي، قال ابن قدامة (ج٣ ص٣٧): قال الشافعي: إن نضت الفائدة قبل الحول
لم يبين حولها على حول النصاب، واستأنف بها حولًا؛ لقوله تعالَّ: ((لَا زَكَاةَ فِي
مَالٍ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ)) ولأنها فائدة تامة لم تتولد مما عنده فلم يبين على
حوله، كما لو استفاد من غير الربح، وإن اشترى سلعة بنصاب فزادت قيمتها عند
رأس الحول، فإنه يضم الفائدة ويزكي عن الجميع، بخلاف ما إذا باع السلعة قبل
الحول بأكثر من نصاب، فإنه يزكي عند رأس الحول عن النصاب ويستأنف للزيادة
حولًا .

٢٢١
كِتَابُ الزَّكَاةِ
وقال في ((شرح الإقناع)): يضم ربح حاصل في أثناء الحول لأصل في الحول إن
لم ينض بما يقوم به، فلو اشترى عرضًا بمائتي درهم فصارت قيمته في الحول ثلاث
مائة زكاها، أما إذا نض دراهم أو دنانير بما يقوم به، وامسكه إلى آخر الحول فلا
يضم إلى الأصل، بل يزكي الأصل بحوله ويفرد الربح بحول، انتهى.
وقد استدلَّ ابنُ قدامة لمذهب الحنابلة، بأن الربح نماء جار في الحول، تابع
لأصله في الملك، فكان مضمومًا إليه في الحول كالنتاج، وكما لو لم ينض؛ ولأنه
ثمن عرض تجب زكاة بعضه، ويضم إلى ذلك البعض قبل البيع فيضم إليه بعده
كبعض النصاب، ولأنه لو بقي عرضًا زكى جميع القيمة فإذا نض كان أولى؛ لأنه
يصير متحققًّا، ولأن هذا الربح كان تابعًا للأصل في الحول، كما لو لم ينض فبنضه
لا يتغير حوله، والحديث فيه مقال، وهو مخصوص بالنتاج، وبما لم ينض فنقيس
عليه، انتهى .
وأما الفائدة: فقال ابن رشد (ج١ ص٢٤٤): أجمعوا على أن المال إذا كان أقل
من نصاب، وأستفيد إليه مال من غير ربحه يكمل من مجموعها نصاب، إنه يستقبل
به الحول من يوم كمل، واختلفوا إذا استفاد مالًا، وعنده نصاب مال آخر قد حال
عليه الحول. فقال مالك: يزكي المستفاد إن كان نصابًا لحوله، ولا يضم إلى المال
الذي وجبت فيه الزكاة. وبهذا القول في ((الفوائد)) قال الشافعي، وهو قول أحمد
أيضًا.
وقال أبو حنيفة وأصحابه والثوري: الفوائد كلها تزكي بحول الأصل، إذا كان
الأصل نصابًا، وكذلك الربح عنده، ذكر ابن رشد سبب اختلافهم في ذلك وهذا
الاختلاف في حكم فائدة العين.
وأما فائدة الماشية: فإن مذهب مالك فيها بخلاف مذهبه في فائدة العين، وذلك
أنه يبني فائدة الماشية على الأصل، إذا كان الأصل نصابًا، كما يفعل أبو حنيفة في
فائدة الدراهم وفي فائدة الماشية؛ فأبو حنيفة مذهبه في الفوائد حكم واحد،
أعني: أنها تبني على الأصل إذا كانت نصابًا كانت فائدة غنم، أو فائدة ناض،
والأرباح عنده والنسل كالفوائد. وأما مالك فالربح والنسل عنده حكمهما واحد،
ويفرق بين فوائد الناض - أي: العين - وفوائد الماشية. وأما الشافعي فالربح
وفائدة العين، وفائدة الماشية عنده حكمها مع واحد، باعتبار حولهما بأنفسها .

٢٢٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
ونسل الماشية: حكمه أن يعتبر حوله بالأصل، إذا كان نصابًا، وأما أحمد
فالأرباح والنسل عنده حكمهما واحد، باعتبار حولهما بالأصل إذا كان نصابًا
وفائدة العين وفائدة الماشية واحد أيضًا باعتبار حولهما بأنفسهما، وكأنه إنما فرق
مالك بين الماشية والعين اتباعًا لعمر، وإلا فالقياس فيهما واحد، أعني: أن الربح
شبيه بالنسل، والفائدة بالفائدة. وحديث عمر هذا هو أنه أمر أن يعد عليهم
بالسخال ولا يأخذ منهما شيئًا .
قال الزرقاني (ج٢ ص ١١٧): حاصل مذهب مالك في فائدة الماشية: أنهما إنما
تضم إلى نصاب، وإلا - أي: إن لم تكن عنده نصابها قبل ذلك - استؤنف بالجميع
حولًا. وإن كان له نصاب من نوع ما أفاد زكى الفائدة على حول النصاب ولو
استفادها قبل الحول بيوم. وبه قال أبو حنيفة. وقال الشافعي وأبو ثور: لا تضم
الفوائد، ويزكي كل على حوله إلا نتاج الماشية فتزكى مع أمهاتها إن كانت نصابًا،
انتھی .
وقال في ((شرح الكبير)): وضمت الفائدة من النعم للنصاب من جنسه، وإن
حصلت قبل تمام حول النصاب بلحظة لا لأقل من نصاب، بل تضم الأولى
للثانية، وهذا بخلاف فائدة العين؛ فإنها لا تضم لنصاب قبلها، بل يستقبل بها
ویبقی کل مال على حوله، انتهى.
وأما نسل الماشية - أي: نتاجها - فقال مالك: حول النسل هو حول الأمهات،
كانت الأمهات نصابًا، أو لم تكن. كما قال في ربح الناض. وقال الشافعي وأبو
حنيفة وأحمد وأبو ثور: لا يكون حول النسل حول الأمهات، إلا أن تكون الأمهات
نصابًا، وسبب اختلافهم هو بعينه سبب اختلافهم في ربح المال.
والراجح عندي: هو ما ذهب إليه أحمد: أن الربح والنسل حكمهما واحد،
باعتبار حولهما باعتبار حولهما بالأصل. وفائدة العين والماشية حكمهما أيضًا
واحد، باعتبار حولهما بأنفسهما والله تعالى أعلم.
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) وأخرجه أيضًا البيهقي (ج ٤ ص٩٥، ١٠٤) والدار قطني في
((السنن)) (ص١٩٨) كلهم من طريق عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن ابن
عمر وعبد الرحمن ضعيف. قال الترمذي: والصحيح عن ابن عمر موقوف، وكذا

٢٢٣
كِتَابُ الرَّڪاةِ
قال البيهقي وابن الجوزي والدار قطني وغيرهم. وأخرجه الدار قطني أيضًا وابن
عبد البر في ((التمهيد)) مرفوعًا، من طريق بقية بن وليد عن إسماعيل بن عياش عن
عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر. وهذا أيضًا ضعيف؛ بقية مدلس، وقد
عنعن وإسماعيل ضعيف في روايته عن غير الشاميين. وأخرجه الدار قطني أيضًا،
في ((غرائب مالك)) عن إسحاق بن إبراهيم الحنيني عن مالك عن نافع عن ابن عمر
مرفوعًا نحوه. قال الدار قطني: الحنيني ضعيف، والصحيح عن مالك موقوف في
الباب عن أنس أخرجه الدار قطني في ((السنن)) (ص١٩٩) وابن عدي في ((الكامل))،
وأعله بحسان بن سياه، وعن عائشة، أخرجه ابن ماجه والبيهقي (ج٤ ص٩٥،
١٠٣) وأبو عبيد في ((الأموال)) (ص٤١٣) وهو ضعيف أيضًا.
وعن أم سعد الأنصارية، امرأة زيد بن ثابت بنحو حديث الباب، ذكره الهيثمي
(ج ٣ ص٧٩) وعزاه للطبراني، قال: وفيه عنبسة بن عبد الرحمن وهو ضعيف،
وروى البيهقي عن أبي بكر وعلي وعائشة موقوفًا عليهم، مثل ما روى عن ابن
عمر، قال: والاعتماد في ذلك على الآثار الصحيحة فيه عن أبي بكر وعثمان بن
عفان وعبد الله بن عمر وغيرهم.
وقال أبو عبيد (ص٤١٣) بعد ذكر حديث عائشة مرفوعًا: فإن كان لهذا أصل،
فهو السنة، وإلا ففي من سمينا من الصحابة قدوة ومتبع، انتهى. وقال الحافظ :
في ((التلخيص)) بعد ذكر قول البيهقي، قلت: حديث علي عند أبي داود وغيره لا
بأس بإسناده، والآثار تعضده فيصلح للحجة، انتهى.
(وَذَكَرَ) أي: وسمى الترمذي (جمَاعَةٌ) أي: بأسمائهم، منهم أيوب وعبيد الله.
(أَنَّهُمْ) بدل اشتمال، أي: ذكر أن جماعة عددهم. (وَقَفُوهُ) أي: هذا الحديث.
(عَلَى ابْنِ عُمَرَ) أي: جعلوه من ابن عمر، ولم يرفعوه إلى رسول اللّه وَلَ. قال
الترمذي: والموقوف أصح، وقال الحافظ في ((البلوغ)) بعد ذكر حديث ابن عمر
المرفوع ما لفظه: والراجح وقفه، قال الأمير اليماني: له حكم الرفع؛ لأنه لا
مسرح للاجتهاد فيه، انتهى. وقد بسط الزيلعي في ((نصب الراية)) (ج٢ ص٣٢٨،
٣٢٩، ٣٣٠) طرق هذا الحديث، من أحب الوقوف عليها رجع إليه.

٢٢٤
*
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
i*E
١٨٠٣ - [١٧] وَعَنْ عَلِيِّ رَِفَهُ: أَنَّ الْعَبَّاسَ سَأَلَ رَسُولَ اللّهِ وَلِّ فِي
تَعْجِيلِ صَدَقَةٍ قَبْلَ أَنْ تَحِلَّ، فَرَخَّصَ لَهُ فِي ذَلِكَ.
[ْرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ والِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ]
الْشِّرْحُ
١٨٠٣- قوله: (قَبْلَ أَنْ تَحِلَّ) بكسر الحاء، أي: قبل أن تجب، ومنه قوله
تعالى: ﴿أَمْ أَرَدَّتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ﴾ [طه: ٨٦] أي: يجبُ على قراءة الكسر، ومن
حلٍ الدين حلولًا، وأما الذي بمعنى النزول، فبضم الحاء، ومنه قوله تعالى: ﴿أَوَ
تَحُلُّ قَرِيبًا مِّن دَارِهِمْ﴾ [الرعد: ٣١] قاله السندي، وقيل: أي: قبل أن تسير حالًّا بمضيٍّ
الحول. وقيل: أي: قبل أن يجيء وقتها من حلول الأجل بمعنى مجيئه. وقال ابن
حجرٍ: أي: قبل أن يتمَّ حولها وهو حاصل المعنى. (فَرَخَّصَ لَهُ) أي: للعباس. (فِي
ذَلِكَ) أي: في تعجيل الصدقة. قال ابن الملك: هذا يدلُّ على جوازٍ تعجيل الزكاة
بعد حصول النصاب قبل تمام الحول، انتهى.
واختلف العلماء فيه، فذهب الشافعي وأحمد وأبو حنيفة وسعيد بن جبير
والأوزاعي وإسحاق وأبو عبيد إلى جواز ذلك، وقال ربيعة ومالك وداود: إنه لا
يجوز، واستدلَّ لذلك بما روي أنه لا زكاة حتى يحول الحول. وأجيب عنه: بأن
الوجوب متعلق بالحلول، فلا وجوب حتى يحول عليه الحول، وهذا لا ينفي جواز
التعجيل .
واحتج أيضًا لمالك ومن وافقه بأن الحول أحد شرطي الزكاة، فلم يجز تقديم
الزكاة عليه كالنصاب. وأجيب عن هذا: بأن تقديم الزكاة على النصاب تقديم لها
على سببها، فأشبه تقديم الكفارة على اليمين، وكفارة القتل على الجرح، فلم يجز
بخلاف تقديم الزكاة على الحول؛ فإنه تعجيل لمال وجد سبب وجوبه، فجاز
كتعجيل قضاء الدين قبل حلول أجله، وأداء كفارة اليمين بعد الحلف وقبل
الحنث، وقد سلم مالك تعجيل الكفارة، وبأنه إذا قدم على النصاب قدمها على
(١٨٠٣) أبُو دَاوُد (١٦٢٤)، وَالتِّرْمِذِي (٦٧٨)، وَابن مَاجَهْ (١٧٩٥) فِيهَا عَنْهُ.

٢٢٥
كِتَابُ الزَّكَاةِ
الشرطين، وإذا قدمها على الحول قدمها على أحدهما، ومن قواعدهم إن ما له
سببان، يقدم على أحدهما لا عليهما، فجاز تقديمها على الحول لا النصاب.
واستدل له أيضًا بأن للزكاة وقتًا، فلم يجز تقديمها عليه كالصلاة. وأجيب عنه: بأن
الوقت إذا دخل في الشيء رفقًا بالإنسان، كان له أن يعجله ويترك الإرفاق بنفسه
كالدين المؤجل، وأما الصلاة والصيام فتعبد محض، والتوقيت فيهما غير معلول،
فيجبُ إن يقتصر عليه، قاله ابن قدامة في ((المغنى)) (ج٢ ص ٦٣٠) وقال ابن
الهمام: فيه خلاف لمالك، وهو يقول الزكاة إسقاط الواجب، ولا إسقاط قبل
الوجوب، وصار كالصلاة قبل الوقت، بجامع أنه أداء قبل السبب؛ إذ السبب هو
النصاب الحولي، ولم يوجد.
قلنا: لا نسلم اعتبار الزائد على مجرد النصاب جزاء من السبب، بل هو النصاب
فقط، والحولُ تأجيل في الأداء بعد أصل الوجوب، فهو كالدين المؤجل وتعجيل
المؤجل صحيح، فالأداءُ بعد النصاب كالصلاة في أول الوقت لا قبله، وكصوم
المسافر رمضان؛ لأنه بعد السبب، ويدل على صحة هذا الاعتبار ما في أبي داود
والترمذي من حديث عليَّ، ((إن العباس سأل النبي ◌َّ في تعجيل زكاته ... ))
الحديث .
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ ... ) إلخ، وأخرجه أيضًا أحمد (ج١ ص١٠٤) والحاكم (ج٣
ص٣٣٢) والدار قطني (ص٢١٣) والبيهقي (ج ٤ ص١١١) وغيرهم، وفيه اختلاف
ذكره الدار قطني والبيهقي، من شاء الوقوف عليه رجع إليهما، وقد رجحا إرساله،
وكذا رجحه أبو داود، وفي الباب عن أبي رافع عند أبي داود الطيالسي والدار قطني
والطبراني وإسناده ضعيف، وعن ابن مسعود عند البزار والطبراني، وهو أيضًا
ضعيف، وعن طلحة بن عبيد الله عند أبي يعلى والبزار وابن عدي والدار قطني،
وفيه الحسن بن عمارة وهو متروك، وعن ابن عباس عند الدار قطني، وهو ضعيف
أيضًا. من أحب الاطلاع على ألفاظها رجع إلى ((مجمع الزوائد)) (ج٣ ص٧٩)
و((الفتح))، قال الحافظ بعد ذكر هذه الروايات: وليس ثبوت هذه القصة في تعجيل
صدقة العباس ببعيد في النظر بمجموع هذه الطرق، انتهى. وقال الأمير اليماني:
قد ورد هذا من طرق بألفاظ مجموعها يدل على أنه وَ لّ تقدَّم من العباس زكاة
عامين. واختلفت الروايات هل هو استلف ذلك أو تقدمه ولعلّهما واقعان معًا،
انتھی .

٢٢٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
١٨٠٤ - [١٨] وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ: أَنَّ النَّبِيَّ ◌َلـ
خَطَبَ النَّاسَ فَقَالَ: ((أَلَا مَنْ وَلِيَ يَتِيَمَا لَهُ مَالٌ فَلْيَتَّجِرْ فِيهِ، وَلَا يَتْرُكُهُ حَتَّى
تَأْكُلَهُ الصَّدَقَةُ)). [رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: فِي إِسْنَادِهِ مِقَالٌ؛ لِأَنَّ الْمُثَنَّى بْنَ الصَّبَّاحِ ضَعِيفٌ]
الْشَّرْحُ
١٨٠٤ - قوله: (أَلَا) للتنبيه. (مَنْ وَلَيَ يَتِيمًا) بفتح الواو وكسر اللام. قال
القاري: وفي نسخة بضم الواو وتشديد اللام المكسورة أي: صار ولى يتيم. (لَهُ
مَالٌ) صفة ل(يتيمًا))، أي: من صار وليًّا ليتيم ذي مال. (فَلْيَتَّجِرْ) بتشديد الفوقية
أي: بالبيع والشراء. (فِيهِ) أي: في مال اليتيم وفي رواية أبي عبيد: ((فليتجر له
فيه)). (وَلَا يَتْرُكُهُ) بالنهي، وقيل بالنفي. (حَتَّى تَأْكُلَهُ الصَّدَقَةُ) أي: تنقصه وتفنيه؛
لأن الأكل سبب الإفناء. قال ابن الملك: أي: بأخذ الزكاة منها فينقص شيئًا
فشيئا، وهذا يدلُّ على وجوب الزكاة في مال الصبي، وبه قال، الشافعي ومالك
وأحمد، وعند أبي حنيفة: لا زكاة فيه، انتهى.
وقال ابنُ قُدامة: الزكاة تجب في مال الصبي والمجنون لوجود الشرائط الثلاث
أي: الحرية والإسلام وتمام الملك فيهما، روي ذلك عن عمر وعلي وابن عمر
وعائشة والحسن بن علي وجابر ﴿. وبه قال جابر بن زيد، وابن سيرين وعطاء
ومجاهد وربيعة ومالك وابن أبي ليلى والشافعي وابن عيينة وإسحاق وأبو عبيدٍ
وأبو ثور. ويحكى عن ابن مسعود والثوري والأوزاعي، أنهم قالوا: تجبُ الزكاة
ولا تخرج، حتى يبلغ الصبي ويفيق المعتوه.
قال ابن مسعود: أحصي ما يجب في مال اليتيم من الزكاة، فإذا بلغ أَعْلِمه، فإن
شاء زكى وإن لم يشأ لم يزلّك. وروي نحو هذا عن إبراهيم.
وقال الحسن البصري وسعيد بن المسيب وسعيد بن جبير وأبو وائل النخعي وأبو
حنيفة: لا تجب الزكاة في أموالهما. وقال أبو حنيفة: يجبُ العشر في زروعهما
(١٨٠٤) التِّرْمِذِي (٦٤١) عَنْهُ، وَفِي سَنَدِهِ المُثَنَّى بْنُ الصَّبَّاحِ، وَهُوَ ضَعِيفٌ.

٢٢٧
كِتَابُ الرَّڪاةِ
*****<<<<<<<<*<<<<<<**<<<<<<<<<**<<<<<<<<<< <<<<<< > <<<<**
وثمرتهما، وتجب صدقة الفطر عليهما، واحتج في نفي الزكاة بقولهلثّا: ((رُفِعَ
القَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ: عَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَبْلُغَ، وَعَنِ المَجْنُونِ حَتَّى يَفِيقَ ... ))، وبأنها عبادة
محضة فلا تجب عليهما كالصلاة والحج، ولنا ما روي عن النبي ﴿ ﴿ أنه قال: ((مَنْ
وَلِيَ يَنِيمًا لَهُ مَالٌ فَلْيَتَّجِرْ لَهُ، وَلَا يَتْرُكُهُ حَتَّى تَأْكُلَهُ الصَّدَقَةُ)) أخرجه الدار قطني، وفي
رواية المثنى بن الصباح، وفيه مقال، وروي موقوفًا على عمرٍو، إنما تأكله الصدقة
بإخراجها، وإنما يجوزُ إخراجها إذا كانت واجبة؛ لأنه ليس له أن يتبرع بمال
اليتيم، ولأن مَن وجب العشر في زرعه وجب ربع العشر في ورقه كالبالغ العاقل،
ويخالف الصلاة والصوم؛ فإنها مختصة بالبدن وبنية الصبي ضعيفة عنها،
والمجنون لا يتحقق منه نيتها والزكاة حق يتعلق بالمال، فأشبه نفقة الأقارب
والزوجات وأروش الجنايات وقيم المتلفات. والحديثُ أريد به رفع الإثم
والعبادات البدنية، بدليل وجوب العشر وصدقة الفطر والحقوق المالية، ثم هو
مخصوص بما ذکرنا .
والزكاة في المال في معناه، فنقيسها عليه إذا تقرَّر هذا، فإن الولي يخرجها
عنهما من مالهما؛ لأنها زكاة واجبة فوجب إخراجها كزكاة العاقل البالغ، والولي
يقوم مقامه في أداء ما عليه، ولأنها حق واجب على الصبي والمجنون، فكان على
الولي أداؤه عنهما كنفقة أقاربه، وتعتبر نية الولي في الإخراج كما تعتبر النية من
رب المال، انتهى كلام ابن قدامة .
قلتُ: واستدلَّ للأئمة الثلاثة أيضًا بما روى الطبراني في ((الأوسط)) عن أنسٍ
مرفوعًا: ((اتَّجِرُوا فِي أَمْوَالِ الْيَتَامَى لَا تَأْكُلُهَا الزَّكَاةُ) ذكره الحافظ في ((التلخيص))
(ص١٧٦) وفي الدراية (ص١٥٤) والزيلعي في ((نصب الراية)) (ج٢ ص٣٣٢)
وسكتا عنه، والهيثمي في ((مجمع الزوائد)) (ج٣ ص٦٧) وقال: أخبرني سيدي
وشيخي - يعني: الحافظ العراقي - أن إسناده صحيح، والسيوطي في ((الجامع
الصغير))، قال المناوي: وسنده كما قال الحافظ العراقي صحيح، وبعموم
الأحاديث الصحيحة في إيجاب الزكاة مطلقًا، وبما روي في ذلك من آثار
الصحابة، عمر وعلي وابن عمر وعائشة وجابر، رواها أبو عبيد والبيهقي
والدار قطني وغيرهم وذكرها الزيلعي والحافظ في ((التلخيص)).

٢٢٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
*
وأجاب الحنفية عن حديث الباب بأن المراد بالصدقة النفقة على اليتيم نفسه؛
لأنَّ الزكاة لا تفني جميع المال فعلم أن المراد به النفقة التي تستغرق جميع المال،
قال السرخسي: ألا ترى أنه أضاف الأكل إلى جميع المال والنفقة هي التي تأتي
على جميع المال دون الزكاة؛ ولأن اسم الصدقة قد ينطلق على النفقة؛
لقوله تعَّ: ((إِنَّ الْمُسْلِمَ إِذَا أَنْفَقَ عَلَى أَهْلِهِ كَانَتْ لَهُ صَدَقَةً)) وتعقب هذا بأن اسم
الزكاة لا يطلق على النفقة لغة ولا شرعًا، ولا يقاس على لفظ صدقة؛ لأن اللغة لا
تؤخذ بالقياس، والقول بأن رواية من روى بلفظ الزكاة رواية بالمعنى باطل
مردود؛ لأنه مجرَّد دعوى لا دليل عليها، ويرده أيضًا أثر ابن مسعود المذكور في
كلام ابن قدامة وغير ذلك من الآثار.
وأجيب عن الأول: بأن المراد بالأكل النقص كما قال القاري وابن الملك،
وأجاب ابن الهمام عن آثار الصحابة التي تدلّ على وجوب الزكاة في مال الصبي،
بأنها لا تستلزم كونها عن سماع؛ إذ يمكن الرأي فيه فيجوز كونه بناء عليه، فحاصله
قول الصحابي عن اجتهاد عارضه رأى صحابي آخر.
قال محمد بن الحسن في كتاب ((الآثار)): أنا أبو حنيفة، حدثنا ليث بن أبي
سليم، عن مجاهد، عن ابن مسعود: ليس في مالِ اليتيم زكاة. وليث كان أحد
العلماء العباد، وقيل: اختلط في آخر عمره، ومعلوم أن أبا حنيفة لم يكن ليذهب
فيأخذ عنه حال اختلاطه، ويرويه وهو الذي شدَّد أمر الرواية ما لم يشدده غيره،
وروي مثل قول ابن مسعود عن ابن عباس تفرد به ابن لهيعة، انتهى.
وتعقبه شيخُنا في ((شرح الترمذي)): بأنه لم يثبت عن أحد من الصحابة بسندٍ
صحيح عدم القول بوجوب الزكاة في مال الصبي، وأما أثر ابن مسعود فهو ضعيف
من وجهين: الأول: أنه منقطع، والثاني: أن في إسناده ليث بن أبي سليم، قال
الحافظ: صدوق اختلط أخیرًا ولم یتمیز حديثه.
وقال البيهقي (ج٤ ص١٠٨): هذا أثر ضعيف؛ لأنه منقطع، فإن مجاهدًا لم
يدرك ابن مسعود، وليث بن أبي سليم ضعيف عند أهل الحديث، ذكره الزيلعي
(ج٢ ص ٣٣٤) وسكت عليه، وأجاب ابن الهمام عن الوجه الثاني ولم يجب عن
الوجه الأول، وفيما أجاب به عن الوجه الثاني كلام فتفكر، وأما أثر ابن عباس فقد

٢٢٩
كِتّابُ الزَّكَاةِ
تفرد به ابن لهيعة وهو ضعيف عند أهل الحديث، وأما حديث: ((رُفِعَ القَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ
... )) ففي الاستدلال به على عدم وجوب الزكاة في مال الصبي نظر، كيف وقد رواه
عائشة وعليّ وهما قائلان بوجوب الزكاة في مال الصبي، وقال الزيلعي: قال ابن
الجوزي: والجواب أن المراد قلم الإثم أو قلم الأذى، انتهى. وقد بسط في الرد
على من قاس الزكاة على الصلاة أبو عبيد في ((الأموال)) (ص ٤٥٤ - ٤٥٦) فارجع
إليه .
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) وأخرجه أيضًا أبو عبيد في ((الأموال)) (ص٤٤٨) والدار قطني
(ص٢٠٦) والبيهقي (ج ٤ ص ١٠٧). (وَقَالَ) أي: الترمذي. (فِي إِسْنَادِهِ مَقَالٌ؛ لِأَنَّ
الْمُثَنَّى) بضم الميم وفتح المثلثة وتشديد النون مقصورًا. (بْنَ الصَّبَّاحِ) بالمهملة
المفتوحة والموحدة المشددة اليماني الأبناوي نزيل مكة. (ضَعِيفٌ) أي: في
الحديث والذي في الترمذي ((يُضَعَّفُ فِي الْحَدِيثِ)» قلتُ: ضعفه أبو حاتم وابن
سعد وابن حبان وابن أبي عمار والساجي وسحنون الفقيه والدار قطني وغيرهم.
وقال ابن حبان: كان ممن اختلط في آخر عمره. وقال أحمد: لا يساوي حديثه شيئًا
مضطرب الحديث، وذكره العقيلي في الضعفاء، وأورد عن علي بن المديني:
سمعت یحیی القطان وذکر عنده المثنی، فقال: لم نتر که من أجل حديث عمرو بن
شعيب ولكن كان اختلاط منه، ذكره الحافظ في ((تهذيبه)) (ج ١٠ ص٣٦ - ٣٧)
وقال في ((التقریب)): ضعيف اختلط بآخره و کان عابدًا، انتهى.
وقال الترمذي: إنما روي هذا الحديث من هذا الوجه، ورواه بعضهم عن عمرو
ابن شعيب، عن عمر بن الخطاب موقوفًا عليه، انتهى. وقال: هاهنا سألت أحمد
عن هذا الحديث فقال: ليس بصحيح، ورواده الدار قطني من حديث أبي إسحاق
الشيباني أيضًا عن عمرو بن شعيب، لكن راويه عنه مندل بن علي وهو ضعيف،
ومن حديث العرزمي عن عمرو، والعرزمي ضعيف متروك، ورواه ابن عدي من
طريق عبد الله بن علي وهو الأفريقي وهو ضعيف. قال الحافظ في ((بلوغ المرام)):
ولحديث عمرو شاهد مرسل عند الشافعي، انتهى. يعني: ما رواه عن عبد المجيد
ابن رواد عن ابن جريج عن يوسف بن ماهك أن رسول اللَّه ◌َ له قال: ((ابْتَغُوا فِي
أَمْوَالِ الْيَتَامَى لاَ تَأْكُلُهَا الصَّدَقَةُ)).

٢٣٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
قال البيهقي بعد روايته من طريق الشافعي: وهذا مرسل، إلا أن الشافعي أكده
بالاستدلال بالخبر الأول، أي: حديث أبي سعيد عند الشيخين: ((لَيْسَ فِيمَا دُونَ
خَمْسٍ أَوْاقٍ مِنَ الوَرِقِ صَدَقَةٌ ... )) الحديث. يعني: لأنه يدل بعمومه على إيجاب
الزكاة في مال كل حرِّ مسلمٍ، وبما روي عن الصحابة في ذلك.
وقال الحافظ في ((التلخيص)) بعد ذكر هذا المرسل: ولكن أكده الشافعي بعموم
الأحاديث الصحيحة في إيجاب الزكاة مطلقًا .

كِتّابُ الرَّڪاةِ
٢٣١
الفصل الثالث
١٨٠٥ - [١٩] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: لَمَّا تُوُفِّيَ النَّبِيُّ ◌َهِ وَاسْتُخْلِفَ أَبُو
بَكْر بَعْدَهُ وَكَفَرَ مَنْ كَفَرَ مِنَ الْعَرَبِ قَالَ عُمَرُ: يَا أَبَا بَكْرٍ، كَيْفَ تُقَاتِلُ النَّاسَ
وَقَدَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّةِ: ((أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا
اللَّهُ، فَمَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّ اللَّهُ عَصَمَ مِنِّي مَالَهُ وَنَفْسَهُ إِلَّا بِحَقِّهِ وَحِسَابُهُ عَلَى
اللَّهِ))؟ قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَاللَّهِ لَأَقَاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ؛ فَإِنَّ الزَّكَاةَ
حَقُّ الْمَالِ، وَاللَّهِ لَّوْ مَنَعُونِي عَنَاقًا كَانُوا يُؤَدُّونَهَا إِلَى رَسُولِ اللّهِ وَ لَقَاتَلْتُهُمْ
عَلَى مَنْعِهَا. قَالَ عَمَرُ: فَوَ اللَّهِ مَا هُوَ إِلَّا رَأَيْتُ أَنْ اللَّهَ شَرَحَ صَدْرَ أَبِي بَكْرٍ
لِلْقِتَالِ، فَعَرَفْتُ أَنَّهُ الْحَقُّ .
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
G O
الشَّرْحُ
١٨٠٥ - قوله: (لَمَّا تُوُفِّيَ) بصيغة المجهول. (وَاسْتُخْلِفَ) بصيغة المجهول
أيضًا أي: جعل خليفة. (بَعْدَهُ) أي: بعد وفاته بَّ. (وَكَفَرَ مَنَ كَفَرَ مِنَ الْعَرَبِ)
بعض بعبادة الأوثان، وبعض بالرجوع إلى اتباع مسيلمة، وهم أهل اليمامة
وغيرهم. واستمرَّ بعض على الإيمان إلا أنه منع الزكاة، وتأوَّل أنها خاصة بالزمن
النبوي .
قال الحافظ في ((الفتح)): قال القاضي عياض وغيره: كان أهل الردة ثلاثة
أصناف: صَنف عادوا إلى عبادة الأوثان. وصنف تبعوا مسيلمة والأسود العنسي،
وكان كل منهما ادعى النبوة قبل موت النبي وقّ، فصدق مسيلمة أهل اليمامة
وجماعة غيرهم، وصدق الأسود أهل صنعاء وجماعة غيرهم، فقُتِل الأسود قبل
موت النبي ◌َّ بقليل، وبقي بعض من آمن به، فقاتلهم عمال النبي ◌َّ في خلافة
أبي بكر، وأما مسيلمة فجهز إليه أبو بكر الجيش، وعليهم خالد بن الوليد فقتلوه.
والصنف الثالث استمروا على الإسلام، لكنهم جحدوا الزكاة وتأولوا بأنها خاصة
(١٨٠٥) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: الْبُخَارِي (١٣٩٩)، ومُسْلِم (٢٠) عنه فيها .

٢٣٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْخُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
بزمن النبي ◌َّ، وهم الذين ناظر عمر أبا بكرٍ في قتالهم، كما وقع في حديث
الباب.
قال الخطابي في ((المعالم)) (ج٢ ص٤): وهؤلاء - أي: الصنف الثالث - في
الحقيقة أهل بغي، وإنما لم يدعوا بهذا الاسم في ذلك الزمان خصوصًا لدخولهم
في غمار أهل الردة، فأضيف الاسم في الجملة إلى الردة إذ كانت أعظم الأمرين
وأهمهما، وَأَرَّخَ مبدأ قتال أهل البغي بأيام علي بن أبي طالب؛ إذ كانوا متفردين في
زمانه لم يختلطوا بأهل شرك. وقد كان في ضمن هؤلاء المانعين للزكاة من كان
يسمح بالزكاة ولا يمنعها، إلا أن رؤساءهم صدوهم عن ذلك الرأي، وقبضوا على
أيديهم في ذلك كبني يربوع، فإنهم قد جمعوا صدقاتهم وأرادوا أن يبعثوا بها إلى
أبي بكر، فمنعهم مالك بن نويرة عن ذلك وفرَّقها فيهم، انتهى.
وقال أبو محمد بن حزم في ((الملل والنحل)) (ج٢ ص٧٩ - ٨٠): انقسمت
العربُ بعد موت النبي ◌َّله أربعة أقسام: طائفة ثبتت على ما كانت عليه في حياته من
الإسلام ولم تبدل شيئًا ولزمت طاعة أبي بكر، وهم الجمهور والأكثر.
وطائفة بقيت على الإسلام أيضًا إلا أنهم قالوا: نقيم الصلاة وشرائع الإسلام إلا
أنا لا نؤدي الزكاة إلى أبي بكرٍ ولا نعطي طاعة لأحدٍ بعدَ رسول اللّه ◌َلّل، وكان
هؤلاء كثيرًا إلا أنهم دون مَن ثبت على الطاعة، أي: قليل بالنسبة إلى الطائفة
الأولى.
وطائفة ثالثة: أعلنت بالكفر والردة، کأصحاب طلیحة وسجاح وسائر من ارتدَّ،
وهم قليل بالإضافة إلى من قبلهم، إلا أنه كان في كلِّ قبيلةٍ من المؤمنين من يقاوم
المرتدين .
وطائفة رابعة: توقفت فلم تدخل في أحدٍ من الطوائف المذكورة ولم تطعهم
وبقوا يتربصون لمن تكون الغلبة، فأخرج إليهم أبو بكر البعوثَ، وكان فيروز ومن
معه غلبوا على بلاد الأسود وقتلوه، وقتل مسيلمة باليمامة وعاد طليحة إلى الإسلام
وكذا سجاح، ورجع غالب من كان ارتدَّ إلى الإسلام، فلم يمض عام واحد حتى
راجع الجميعُ الإِسلامَ أولهم عن آخرهم، وإنما كانت نزغة من الشيطان كنار
اشتعلت فأطفأ اللَّه للوقت، انتهى.

٢٣٣
كِتَابُ الزّكاةِ
قال الحافظ: وإنما أطلق الكفر ليشمل الصنفين، فهو في حقِّ مَن جحد الزكاة
حقيقة وفي حقِّ الآخرين - أي: الذين منعوا الزكاة مع الاعتراف - مجازٌ تغليبًا،
وإنما قاتلهم الصديق ولم يعذرهم بالجهل؛ لأنهم نصبوا القتال فجهز إليهم من
دعاهم إلى الرجوع فلما أصروا قاتلهم، انتهى.
قال الخطابي في ((المعالم)) (ج٢ ص٥): زعم زاعمون من الروافض أن أبا بكرٍ
أول من سمى المسلمين كفارًا، وأن القوم كانوا متأولين في منع الصدقة، وكانوا
يزعمون أنَّ الخطابَ في قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَلِهِمْ صَدَقَّةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِهِم بِهَا وَصَلِّ
عَلَيْهِمَّ إِنَّ صَلَوَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ [التوبة: ١٠٣] خطاب خاص في مواجهة النبي ◌َّ دون غيره،
وأنه مقيد بشرائط لا توجد فيمن سواه، وذلك أنه ليس لأحد من التطهير والتزكية
والصلاة على المتصدق ما للنبي ◌َّر، ومثل هذه الشبهة إذا وجد كان مما يعذر فيه
أمثالهم ويرفع به السيف عنهم، فكان ما جرى من أبي بكر عليهم عسفًا وسوء
سيرة .
قلت - قائله الخطابي -: وهؤلاء قوم لا خلاق لهم في الدين، وإنما رأس مالهم
الْبُهْت والتكذيب والوقيعة في السلف، وقد بينا أن الذين نسبوا إلى الردة كانوا
أصنافًا، منهم مَنِ ارتدَّ عن الملةِ، ودعا إلى نبوة مسليمة وغيره، ومنهم من ترك
الصلاة والزكاة وأنكر الشرائع كلها، وهؤلاء الذين سماهم الصحابة كُفَّارًا،
ولذلك رأى أبو بكر سبي ذراريهم وساعده على ذلك أكثر الصحابة، واستولد علي
ابن أبي طالب جارية من سبي بني حنيفة، فولدت له محمد بن علي الذي يدعى ابن
الحنفية، ثم لم يَنْقَضِ عصر الصحابة حتى أجمعوا على أن المرتد لا يسبى، فأما
مانعوا الزكاة منهم المقيمون على أصل الدين، فإنهم أهل بغي ولم يسموا على
الانفراد عنهم كُفارًا، وإن كانت الردة قد أضيفت إليهم لمشاركتهم المرتدين في
منع بعض ما منعوه من حقوق الدين، وذلك أنَّ الردة اسم لغوي وكل مَنِ انصرف
عن أمر كان مقبلاً إليه فقد ارتدَّ عنه، وقد وجد من هؤلاء القوم الانصراف عن
الطاعة ومنع الحق، فانقطع عنهم اسم الثناء والمدح بالدين، وعَلَق بهم الاسم
القبيح؛ لمشاركتهم القوم الذين كان ارتدادهم حقًّا، وفي أمر هؤلاء المانعين
للزكاة عرض الخلاف، ووقعت الشبهة لعمر لا في الصنفين الأولين، أي: الذين
ارتدوا حقيقة.

٢٣٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
قال الخطابي: وأما قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمَوَلِهِمْ صَدَقَّةً تُطَهِّرُهُمْ﴾ [التوبة: ١٠٣] وما
ادعوا من وقوع الخطاب فيه خاصًّا لرسول اللَّه وَله، فإن خطاب كتاب الله
تعالى على ثلاثةِ أوجهٍ: خطاب عام، كقوله: ﴿يََّأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْاْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى
الضَّلَوَةِ﴾ الآية [المائدة: ٦]. وكقوله: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾
[البقرة: ١٨٣] وخطاب خاص للنبي وّ لا يشركه في ذلك غيرِه، وهو ما أَبْيِنَ عن غيره
بسمة التخصيص وقطع التشريك؛ كقوله تعالى: ﴿وَمِنَ الَتْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ، نَافِلَةٌ لَّكَ﴾
[الإسراء: ٧٩] وكقوله: ﴿خَالِصَةً لَّكَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب: ٥٠]، وخطاب مواجهة
للنبي وُّل وهو وجميع أمته في المراد به سواء كقوله تعالى: ﴿أَقِ الصَّلَوَةَ لِدُلُوكِ
الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ الَّلِ﴾ [الإسراء: ٧٨] وقوله: ﴿فَإِذَا فَرَأْتَ الْقُرَّانَ فَاسْتَعِدْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَنِ
الرَّجِيمِ ﴾﴾ [النحل: ٩٨] وكقوله: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَوَةَ﴾ [النساء: ١٠٢]
ونحو ذلك من خطاب المواجهة، فكله عام للنبي وَله ولأمته غير مختص به وَل،
بل تشركه الأمة في جميع ذلك، ومن هذا النوع قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمَوَهِمْ
صَدَفَّةً﴾ [التوبة: ١٠٣] وإنما الفائدة في مواجهة النبي ◌َّ أنه هو الداعي إلى اللّه سبحانه
والمبين عنه معنى ما أراده، فقدم اسمه في الخطاب؛ ليكون سلوك الأمة في شرائع
الدین علی حسب ما ینهجه ویبینه لهم.
قال: وأما التطهير والتزكية والدعاء من الإمام لصاحب الصدقة، فإن الفاعل لها
قد ينال ذلك كله بطاعة الله وطاعة رسوله وَليل فيها، وكل ثواب موعود على عمل
من الطاعات كان في زمان حياته ◌َّر، فإنه باق غير منقطع بوفاته، وقد يستحبُّ
للإمام ولعامل الصدقة أن يدعو للمتصدق بالنماء والبركة في ماله، ويرجى أن الله
يستجيب له ذلك ولا يخيب مسألته فيه.
قال الخطابي: ومن أنكر فرض الزكاة في هذا الزمان وامتنع من أدائها إلى
الإمام لم يكن حكمه حكم أهل البغي، بل كان كافرًا بإجماع المسلمين؛ لأنه قد
شاع اليوم دين الإسلام واستفاض علم وجوب الزكاة حتى عرفه الخاص والعام،
واشترك فيه العالم والجاهل فلا يعذر أحد بتأويل يتأوله في إنكارها، وكذلك الأمر
في كل مَن أنكر شيئًا مما أجمعت عليه الأمة من أمور الدين إذا كان علمه منتشرًا؛
كالصلوات الخمس وصيام شهر رمضان والاغتسال من الجنابة وتحريم الخمر،
والزنا ونكاح ذوات المحارم، ونحوها من الأحكام، إلا أن یکون رجل حديث عهد

٢٣٥
كِتَابُ الرَّكَاةِ
بالإِسلام لا يعرف حدوده فإذا أنكر شيئًا منه جهلاً به لم يكفر وكان سبيله سبيل
أولئك القوم في تبقية اسم الدين عليه، فإما ما كان الإجماع فيه معلومًا من طريق
علم الخاصة؛ كتحريم نكاح المرأة على عمتها وخالتها، وأن قاتل العمد لا يرث،
وأن للجدة السدس، وما أشبه ذلك من الأحكام، فإنَّ مَن أنكرها لا يكفر بل يعذر
فيها؛ لعدم استفاضة علمها في العامة وتفرد الخاصة بها .
قال الخطابي: وإنما عرض الوهم في تأويل هذا الحديث من رواية أبي هريرة،
ووقعت الشبهة فيه لمن تأوله على الوجه الذي حكيناه عنهم لكثرة ما دخله من
الحذف والاختصار وذلك؛ لأن القصد لم يكن به سياق الحديث على وجهه، وذکر
القصة في كيفية الردة منهم، وإنما قصد به حكاية ما جرى بين أبي بكر وعمر وما
تنازعاه من الحجاج في استباحة قتالهم، ويشبه أن يكون أبو هريرة إنما لم يعن بذكر
القصة وسوقها على وجهها كلها؛ اعتمادًا على معرفة المخاطبين بها؛ إذ كانوا قد
علموا وجه الأمر، وكيفية القصة في ذلك فلم يضر ترك إشباع البيان مع حصول
العلم عندهم به، انتهى كلام الخطابي.
وحاصله: أن عمر إنما أراد بقوله الآتي: تقاتل الناس، الصنف الأخير فقط.
أي: الذين منعوا الزكاة، وتأولوا قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَلِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: ١٠٣]
لأنه لا يتردد في جواز قتال الذين رجعوا إلى عبادة الأوثان، كما أنه لا يتردد في قتال
غيرهم من المرتدين، وكأنه لم يستحضر من الحديث إلا القدر الذي ذكره، وقد
حفظ غيرهم؛ كابن عمر عند الشيخين وأنس عند أبي داود والنسائي في الصلاة
والزكاة معًا، وقد رواه عبد الرحمن بن يعقوب، عن أبي هريرة عند مسلم بلفظ :
يعم الشريعة حيث قال فيها: ((وَيُؤْمِنُوا بِي وَبِمَا جِئْتُ بِهِ))، فإن مقتضى ذلك أن مَن
جحد شيئًا مما جاءَ به وَّر، ودعي إليه فامتنع ونصب القتال أنه يجب قتاله وقتله إذا
أصر، وإنما عرضت الشبهة لما دخله من الاختصار، وكأن راويه لم يقصد سياق
الحديث على وجهه، وإنما أراد سياق مناظرة أبي بكر وعمر واعتمد على معرفة
السامعين بأصلٍ الحديث.
قال الحافظُ: وفي هذا الجواب نظر؛ لأنه لو كان عند عمر في الحديث: ((حَتَّى
يُقِيمُوا الصَّلاَةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ)) ما استشكل قتالهم للتسوية في كون غاية القتال كل

٢٣٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
من التلفظ بالشهادتين وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة. قال عياضٌ: حديث ابن عمر
نص في قتال من لم يُصَلِّ ولم يزك كمن لم يقر بالشهادتين، واحتجاج عمر على أبي
بكرٍ وجواب أبي بكر دلّ على أنهما لم يسمعا في الحديثِ الصلاة الزكاة؛ إذ لو
سمعه عمر لم يحتج على أبي بكر، ولو سمعه أبو بكر لردّ به على عمر، ولم يحتج
إلى الاحتجاج بعموم قوله: ((إلا بحقه))، انتهى. قلت: في كلام عياض الأخير
نظر، وسيأتي التنبيه عليه. (كَيْفَ تُقَاتِلُ النَّاسَ) أي: الذين منعوا الزكاة مع الإقامة
على أصل الدين. (أُمِرْتُ) بضمِّ الهمزة مبنيًّا للمفعولِ أي: أمرني الله. (حَتَّى
يَقُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ) كِناية عن الإسلام. قال الخطابي وغيره: المراد بقوله: ((حتى
يقولوا: لا إله إلا الله))، إنما همْ أهل الأوثان دون أهل الكتاب؛ لأنهم يقولون: لا
إله إلا الله، ثم إنهم يقاتلون ولا يرفع عنهم السيف حتى يقروا بنبوة محمد أو يعطوا
الجزية. (فَمَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ) يعني كلمة الإيمان، وهي لا إله إلا الله محمد
رسول اللَّه؛ للإجماع على أنه لا يعتد في الإسلام بتلك وحدها. (عَصَمَ) بفتح
الصاد أي: منع وحفظ. (مِنِّي) أي: من تعرضي أنا ومن اتبعني. (مَالَهُ وَنَفْسَهُ) فلا
يجوز هدر دمه واستباحة ماله بسبب من الأسباب. (إِلَّا بِحَقِّهِ) أي: بحق الإسلام
من نحو قصاص أو حد أو غرامة متلف ونحو ذلك.
قال الطيبي: أي: لا يحل لأحد أن يتعرض لماله ونفسه بوجه من الوجوه إلا
بحقه، أي: بحق هذا القول، أو بحق أحد المذكورين. وقال الحافظ: إن كان
الضمير في قوله: ((بحقه)) للإسلام فمهما ثبت أنه من حق الإسلام تناوله، ولذلك
اتفق الصحابة على قتال من جحد الزكاة، انتهى. قلت: ورد حديث ابن عمر
المتقدم في كتاب الإيمان بلفظ: إلا بحق الإسلام فالظاهر أن ضمير ((بحقه)) في
حديث الباب للقول المذكور الذي هو كناية عن الإسلام. (وَحِسَابُهُ عَلَى اللَّهِ) أي:
فيما يستسر به دون ما يخل به من الأحكام الواجبة عليه في الظاهر. قال الطيبي:
يعني من قال: لا إله إلا الله، وأظهر الإسلام نترك مقاتلته ولا نفتش باطنه هو
مخلص أم لا؟ فإن ذلك إلى الله تعالى وحسابه عليه.
قال الخطابي: فيه دليل على أن الكافر المستسر بكفره لا يُتَعرّضُ له إذا كان
ظاهره الإسلام ويقبل توبته إذا أظهر الإنابة من كفر علم بإقراره أنه كان يستسر به
وهو قول أكثر العلماء، وذهب مالك إلى أن توبة الزنديق لا تُقبل، ويحكى ذلك

٢٣٧
كِتّابُ الزَّكَاةِ
أيضًا عن أحمد بن حنبل، انتهى. وقال العيني: في هذا الحديث قبول توبة
الزنديق، ولأصحاب الشافعي في الزنديق الذي يظهر الإسلام ويبطن الكفر ويعلم
ذلك بأن يطلع الشهود على كفر كان يخفيه أو علم بإقراره خمسة أوجه:
أحدها: قبول توبته مطلقًا وهو الصحيح المنصوص عن الشافعي، والدليل عليه
قوله مَّ: ((أَفَلَا شَقَقْتَ عَنْ قَلْبِهِ)).
والثاني: وبه قال مالك لا تقبل توبته ويتحتم قتله، لكنه إن كان صادقًا في توبته
نفعه ذلك عنداللَّه تعالى، وعن أبي حنيفة روايتان كالوجهين.
والثالث: إن كان من الدُّعاةِ إلى الضلال لم تقبل توبتهم وتقبل توبة عوامهم.
والرابع. إن أخذ ليقتل فتاب لم تقبل، وإن جاء تائبًا ابتداء وظهرت مخايل
الصدق عليه قبلت، وحكي هذا القول عن مالك.
والخامس: إن تاب مرة قبلت منه وإن تكررت منه التوبة لم تقبل، وقال صاحبُ
((التقريب)): روى بشر بن الوليد عن أبي يوسف عن أبي حنيفة في الزنديق الذي
يظهر الإسلام، قال: استيتب كالمرتد، وقال أبو يوسف: مثل ذلك زمانًا، فلما
رأى ما يصنعُ الزنادقة من إظهار الإسلام ثم يعودون قال: إن أتيت بزنديق أمرت
بقتله ولم أستتب، فإن تاب قبل أن أقتله خليته، وروى سليمان بن شعيب عن أبيه
عن يوسف عن أبي حنيفة في نوادر له قال: قال أبو حنيفة: اقتلوا الزنديق المستتر،
فإن توبته لا تعرف، انتهى.
(وَاللَّهِ لَأُقَاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ) بتشديد الراء وقد تخفف. (بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ) بأن أقرَّ
بالصلاة وأنكر الزكاة جاحدًا أو مانعًا مع الاعتراف، وإنما أطلق في أول القصة
الكفر ليشمل الصنفين فهو في حقِّ من جحد حقيقة، وفي حقِّ الآخرين مجاز
تغليبًا، وإنما قاتلهم الصديق ولم يعذرهم بالجهل؛ لأنهم نصبوا القتال، فجهز
إليهم من دعاهم إلى الرجوع، فلما أصروا قاتلهم، قال المازري: ظاهرُ السياق إن
عمر كان موافقًا على قتال من جحد الصلاة، فألزمه الصديق بمثله في الزكاة
لورودهما في الكتاب والسنة موردًا واحدًا، كذا في ((الفتح)) .
(فَإِنَّ الزَّكَاةَ حَقُّ الْمَالِ) قال القسطلاني: احتجَّ عمر في هذه القصة بظاهر ما
استحضره مما رواه من قبل أن ينظر إلى قوله: ((إلا بحقه)) ويتأمل شرائطه، فقال له

٢٣٨
مِزْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
أبو بكر: إن الزكاة حق المال، كما أن الصلاة حق البدن، أي: فدخلت في قوله:
((إلا بحقه)) فقد تضمنت القضية عصمة دم ومال معلقة باستيفاء شرائطها والحكم
المعلق بشرطين لا يحصل بأحدهما والآخر معدوم، فكما لا تتناول العصمة من لم
يؤد حق البدن - أي: الصلاة - كذلك لا تتناول العصمة من لم يؤد حقٍ المال أي:
الزكاة. وإذا لم تتناولهم العصمة بقوا في عموم قوله: ((أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ))
فوجب قتالهم حينئذٍ، وهذا من لطيف النظر أن يقلَّب المعترض على المستدل دليله
فيكون أحق به، وكذلك فعل أبو بكر فسلَّم له عمر ثم قاسه على الممتنع من
الصلاة؛ لأنها كانت بالإجماع من رأي الصحابة، فردَّ المختلف فيه إلى المتفق
عليه، وفيه دلالة على أن العمرين لم يسمعا من الحديث الصلاة والزكاة كما سمعه
غيرهما، أو لم يستحضراه إذ لو كان ذلك لم يحتج عمر على أبي بكرٍ، ولو سمعه
أبو بكر لردَّ به على عمر، ولم يحتج إلى الاحتجاج بعموم قوله: ((إِلَّا بِحَقِّه)) لكن
يحتمل أنه سمعه واستظهر بهذا الدليل النظري. وقال الطيبي: كأن عمر حمل
قوله: ((بحقه) على غير الزكاة فلذلك صح استدلالة بالحديث، فأجاب أبو بكر بأنه
شامل للزكاة أيضًا، أو ظن عمر أن القتال إنما كان لكفرهم لا لمنعهم الزكاة
فاستشهد بالحديث، فأجابه الصديق بأني ما أقاتلهم لكفرهم بل لمنعهم الزكاة،
انتھی .
وقال الحافظُ: قوله: ((فإن الزكاة حق المال)) يشير إلى دليل منع التفرقة التي
ذكرها أن حق النفس الصلاة، وحق المال الزكاة، فمن صلی عصم نفسه ومن زکی
عصم ماله، فإن لم يصل قوتل على ترك الصلاة ومن لم يزك أخذت الزكاة من ماله
قهرًا وإن نصب الحرب لذلك قوتل، وهذا يوضح أنه لو كان سمع في الحديث:
((ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة)) لما احتاج إلى هذا الاستنباط، لكنه يحتمل أن يكون
سمعه واستظهر بهذا الدليل النظري، انتهى.
قلت: هذا الاحتمال الأخير هو الراجح عندي؛ لما روى النسائي والحاكم
والبيهقي من حديث أنسٍ قال: لما توفي رسول اللَّه وَالوارتدت العرب، فقال عمر:
يا أبا بكر، كيف تقاتل العرب؟ فقال أبو بكر: إنما قال رسول اللّهُ وَّ («أُمِرْتُ أَنْ
أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ، وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا
الزَّكَاةَ .. )) الحديث. ورجاله رجال الصحيح، إلا عمران أبو العوام وهو صدوق

٢٣٩
كِتَابُ الرَّكاةِ
يهم، كما في ((التقريب))، وقال النسائي: عمران القطان ليس بالقوي في الحديث،
وهذا الحديث خطأ والذي قبله الصواب - حديث الزهري عن عبيد الله بن عبد الله
ابن عتبة عن أبي هريرة - وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد غير أن الشيخين
لم يخرجا عن عمران القطان، وليس لهما حجة في تركه؛ فإنه مستقيم الحديث،
وكذا قال الذهبي في ((تلخيصه)). وقد ظهر بهذا وبما تقدم قبله أن أبا بكر الصديق
احتج على عمر بالنص الصريح وبعموم قوله وَ لـ: ((إِلَّا بِحَقِّهِ)) وبمقايسة الزكاة
بالصلاة وبكونهما قرينتين في كتاب الله تعالى.
(وَاللَّهِ لَوْ مَنَعُونِي عَنَاقًا) بفتح العين وتخفيف النون وهي الأنثى من ولاد المعز
دون السنة. (كَانُوا يُؤَدُّونَهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ وَلّ) قال الخطابي: فیه دلیل علی وجوب
الصدقة في السخال والفصلان والعجاجيل، وإن واحدة منها تجزئ عن الواجب
في الأربعين، ومنها إذا كانت كلها صغارًا ولا يكلف صاحبها مسنة، وفيه دليل على
أن حول النتاج حول الأمهات، ولو كان يستأنف بها الحول لم يوجد السبيل إلى
أخذ العناق. وقال عياض: احتجَّ بذلك مَن يجيز أخذ العناق في زكاة الغنم إذا
كانت كلها سخالًا، وهو أحد الأقوال. قال النووي: هو محمول على ما إذا كانت
الغنم صغارًا كلها بأن ماتت أمهاتها في بعض الحول، فإذا حال حول الأَمَّات زكى
السخال الصغار بحول الأمهات سواء بقي من الأمهات شيء أم لا، هذا هو
الصحيح المشهور، ويتصور ذلك أيضًا فيما إذا مات معظم الكبار وحدثت صغار
فحال حول الكبار على بقيتها وعلى الصغار، انتهى.
قلت: اختلف العلماء فيما إذا كانت الغنم سخالا كلها أو كانت الإبل فصلانًا
والبقر عجاجيل. فقال مالك: عليه في الغنم جذعة أو ثنية، وعليه في الإبل والبقر
ما في الكبار منها، وهو قول زفر وأبي ثور وأبي عبيد. وقال أبو يوسف والأوزاعي
والشافعي: يؤخذ منها إذا كانت صغارًا من كل صنف واحد منها، وهو مذهب
البخاري في الغنم، حيث ترجم لحديث الباب بقوله: باب أخذ العناق في
الصدقة .
وقال أبو حنيفة ومحمد: لا شيء في الفصلان ولا في العجاجيل ولا في صغار
الغنم لا منها ولا من غيرها، وهذا آخر أقوال أبي حنيفة، وكان يقول أولًا بما ذهب
إليه مالك، ثم رجع وقال بما ذهب إليه أبو يوسف والشافعي، ثم رجع وقال: ليس