Indexed OCR Text
Pages 41-60
٤٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
١٧٢٨ - [٢٢] وَعَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ لَ قَالَ: ((كَسْرُ عَظْم
[رَوَاهُ مَالِكٌ وَأَبُو دَاوُدَ وابْنُ مَاجَهْ] {حسن}
الْمَيِّتِ کَکَسْرِهِ حيًّا)».
الْشَّرْجُ
١٧٢٨ - قوله: (كَسْرُ عَظْم الْمَيِّتِ) قال السيوطي في ((حاشية أبي داود)» في
بيان سبب الحديث: عن جابرٍ قال: خرجنا مع رسول اللّه ◌َّ في جنازةٍ، فجلس
النبي ◌َّل على شفير القبر وجلسنا معه، فأخرج الحفار عظمًا ساقًّا أو عضدًا، فذهب
ليكسره فقال النبي وَلِّ((لَا تَكْسِرُهَا، فَإِنَّ كَسْرَكَ إِيَّاهَا مَيِّتًا كَكَسْرِكَ إِيَّاهَا حَيًّا، وَلَكِنْ
دُسَّهُ فِي جَانِبِ الْقَبْرِ)). (كَكَسْرِهِ) أي: العظم. (حيًّا) يعني في الإثم، كما في رواية
القضاعي، وكذا في حديث أم سلمة عند ابن ماجه. قال الطيبي: إشارة إلى أنه لا
يُهان ميتًا كما لا يهان حيًّا. وقال الباجي: يريد أن له من الحرمة في حال موته مثل
ما له منها حال حياته، وأن كسر عظامه في حال موته يحرم كما يحرم كسرها حال
حياته، قال: ولا يتساويان في القصاص وغيره، وإنما يتساويان في الإثم. قال
الزرقاني: الاتفاق على حرمة فعل ذلك به في الحياة والموت لا في القصاص
والدية، فمرفوعان عن كاسر عظم الميت إجماعًا، انتهى. وكذا قال الطحاوي في
« مشكله)) .
وحاصله: أن عظم الميت له حُرمة مثل ما لعظم الحي من الحرمة، فكان كاسره
في انتهاك الحرمة ككاسر عظم الحي لكن لا حياة فيه، فينتفى القصاص والأرش؛
لأنعدام المعنى الذي يوجبه وهو الحياة، انتهى.
ويحتمل أن الميت يتألم كما يتألم الحي، ويؤيده ما أخرجه ابنُ أبي شيبة عن ابنٍ
مسعودٍ قال: أذى المؤمن في موته كأذاه في حياته. قال ابن عبد البر: يستفاد منه أن
الميت يتألم بجميع ما يتألم به الحي، ومن لازمه أن يستلذ بما يستلذ به الحي.
(١٧٢٨) أَبُو دَاوُد (٣٢٠٧)، وَابن مَاجَهْ (١٦١٦) فِيهِ عَنْهَا.
٤١
كِتَابُ الْجَنَائِزِ
بَابَ دَفْنِ الْمَيثِ
(رَوَاهُ مَالِكٌ وَأَبُو دَاوُدَ وابْنُ مَاجَهْ) الحديث أخرجه مالك موقوفًا من قول
عائشة: أنه بلغه أنها كانت تقول: كسر عظم الميت ميتًا ككسره وهو حي. قال ابن
عبد البر: كذا الأكثر الرواة، ولبعضهم مالك عن أبي الرجال عن عائشة موقوفًا،
ولا أعلم أحدًا رفعه عن مالك. انتهى. وأخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجه وابن
حبان والبيهقي مرفوعًا، وسكت عنه أبو داود والمنذري، وحسَّنه ابن القطان. وقال
ابنُ دقيق العيد والحافظ في ((بلوغ المرام)»: إنه على شرط مسلم، ورواه القضاعي
من وجه آخر عنها، وزاد: في ((الإثم))، وأخرجه ابن ماجه من حديث أم سلمة،
وفيه هذه الزيادة، وفي سنده عبد الله بن زياد، وهو مجهول.
٤٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الفصل الثالث
١٧٢٩ - [٢٣] عَنْ أَنَس قَالَ: شَهِدْنَا بِنْتَ رَسُولِ اللّهِ وَ لَهِ تُدْفَنُ،
وَرَسُولُ اللَّهِ وَ جَالِسٌ عَلَى الْقَبَّرِ، فَرَأَيْتُ عَيْتَيْهِ تَدْمَعَانِ فَقَالَ: ((هَلْ فِيكُمْ مِنْ
أَحَدٍ لَمْ يُقَارِفِ اللَّيْلَةَ؟)) فَقَالَ أَبُوَ طَلْحَةَ: أَنَا. قَالَ: ((فَانْزِلْ فِي قَبْرِهَا)) فَنَزَلَ
فِي قَبْرِهَا.
[رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ] {صحيح}
الْشِّرْجُ
١٧٢٩ - قوله: (شَهِدْنَا) أي: حضرنا. (بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ وَ﴾﴾ أي: جنازتها،
وهي أم كلثوم زوج عثمان بن عفان رَوَّهُ ، بينه الواقدي في روايته عن فليح بن
سليمان عن هلال بن علي عن أنس، أخرجه ابنُ سعدٍ في ((الطبقات)) في ترجمة أم
كلثوم، وكذا الدولابي في ((الذرية الطاهرة))، وكذلك رواه الطبري والطحاوي،
وكانت وفاتها سنة تسع، ورواه حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس فسمَّاها رُقية،
أخرجه البخاري في ((تاريخه الأوسط))، والحاكم في ((المستدرك))، وقد رده
البخاري حيثُ قال: ما أدري ما هذا، فإن رقية ماتت والنبي ◌َّ ببدٍ لم يشهدها.
قال الحافظُ: وهم حماد في تسميتها فقط، ويؤيد الأول ما رواه ابن سعد أيضًا في
ترجمة أم كلثوم من طريق عمرة بنت عبد الرحمن قالت: نزل في حفرتها أبو
طلحة. (تُدْفَنَ) أي: في حال دفنها. (وَرَسُولُ اللَّهِ وَ جَالِسٌ) جملة حالية. (عَلَى
الْقَبْرِ) أي: على جانب القبر وشفيره وهو الظاهر. (تَدْمَعَانٍ) بفتح الميم أي:
تسيلان دمعًا. وفيه: جواز البكاء على الميت بعد موته حيث لا صياح ولا غيره مما
ينكر شرعًا، وأما قوله: ((فَإِذَا وَجَبَتْ، فَلا تَبْكِيَنَّ بَاكِيَةٌ)) فهو محمول على الصياح
ورفع الصوت، أو على الأولوية، أو أنه مخصوص بالنساء؛ لأنه قد يفضي بكاؤهن
إلى ما يحذر من النياحة؛ لقلة صبرهن، فيكون من باب سد الذريعة.
(١٧٢٩) البُخَارِي (١٢٨٥) فيه عنه.
٤٣
كِتّابُ الْجَنَائِزِ
بَابُ دَفْنِ الْمَيثِ
(هَلْ فِيكُمْ مِنْ أَحَدٍ) ((من)) زائدة. (لَمْ يُقَارِفْ) من المقارفة بالقاف والفاء. قال
في ((النهاية)): قارف الذنب إذا أتاه ولاصقه، وقارف امرأته: إذا جامعها. وفي
((جامع الأصول)»: لم يقارف أي: لم يذنب ذنبا. ويجوز أن يراد الجماع فكنى عنه،
ذكره الطيبي. وبالثاني جزم ابن حزم، قال: ومعاذ الله أن يتزكى أبو طلحة بحضرةٍ
النبي وَّلير بأنه لم يقارف ذنبًا تلك الليلة. انتهى. ويقويه أن في رواية ثابت عن أنس
عند البخاري في ((التاريخ الأوسط)): ((لَا يَدْخُلِ الْقَبْرَ أَحَدٌ قَارَفَ أَهْلَهُ الْبَارِحَةَ))،
فتنحى عثمان. وحُكِيَ عن الطحاوي أنه قال: ((لَمْ يُقَارِفْ)) تصحيف، والصواب:
((لم يقاول))، أي: لم ينازع غيره الكلام؛ لأنهم كانوا يكرهون الحديث بعد
العشاء. وتُعُقِّب: بأنه تغليط للثقة لغير مستندٍ. قيل: سبب قوله ◌َّه إن عثمان كان
قد جامع بعض جواريه في تلك الليلة، فتلطّف وَلجيّ في منعه من النزول في قبرِ
زوجته بغير تصريح. واستبعد أن يكون عُثمان جامع في تلك الليلة التي حدث فيها
موت زوجته لحرصه على مراعاة الخاطر الشريف.
وأجيبَ: عنه باحتمال أن يكون مرض المرأة طال واحتاج عثمان إلى الوقاع،
ولم يكن يظن موتها تلك الليلة، وليس في الخبرِ ما يقتضي أنه واقع بعد موتها، بل
ولا حين احتضارها. (اللَّيْلَةَ) أي: البارحة بقرينة السؤال. (فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ) زيد بن
سهل الأنصاري. (أَنَا) لم أقارف الليلة. (قَالَ) عليه الصلاة والسلام: (فَانْزِلْ فِي
قَبْرِهَا) فيه: دليل على أنه لا ينزل في قبر الميت إلا الرجال متى وجدوا، وإن كان
الميت امرأة بخلاف النساء لضعفهن عن ذلك غالبًا؛ ولأنه معلوم أنه كان لبنت
النبي وٍَّ﴾ محارم من النساء كفاطمة وغيرها. وفيه: أنه يقدم الرجال الأجانب الذين
بعد عهدهم بالملاذ في مواراة الميت على الأقارب الذين قرب عهدهم بذلك
كالأب والزوج، وعلل بعضهم تقدم من لم يقارف بأنه حينئذٍ يأمن من أن يذكره
الشيطان بما كان منه تلك الليلة .
قال النووي: لا يشكل هذا الحديث على قولهم: إن المحارم والزوج أولى من
صالح الأجانب؛ لاحتمال أنه عليه الصلاة والسلام وعثمان كان لهما عذر منعهما
نزول القبر، نعم، يؤخذ من الخبر أنه لو كان ثمة صلحاء، وأحدهم بعيد العهد
بالجماع قدم. (فَنَزَلَ) أي: أبو طلحة. (فِي قَبْرِهَا) زاد في بعض الروايات:
((فقبرها)) أي: لحدَها. (رَوَاهُ البُخَارِيُّ) وأخرجه أيضًا أحمد والبيهقي والترمذي في
((الشمائل)).
٤٤
ERHIGH
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
١٧٣٠ - [٢٤] وَعَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ لِابْنِهِ وَهُوَ فِي سِيَاقٍ
الْمَوْتِ: إِذَا أَنَا مُتُّ فَلَا تَصْحَبْنِي نَائِحَةٌ وَلَا نَارٌ، فَإِذَا دَفَتْتُمُونِي فَشُنُّوا عَلَيَّ
التُّرَابَ شَنَّا، ثُمَّ أَقِيمُوا حَوْلَ قَبْرِي قَدْرَ مَا يُنْحَرُ جَزُورٌ وَيُقْسَمُ لَحْمُهَا، حَتَّى
أَسْتَأْنِسَ بِكُمْ وَأَعْلَمَ مَاذَا أُرَاجِعُ بِهِ رُسُلَ رَبِّي.
[رَوَاهُ مُشْلِمٌ] {صحيح}
الْشَّرْحُ
١٧٣٠- قوله: (قَالَ لِابْنِهِ) أي: عبد الله. (وَهُوَ) أي: عمرو. (فِي سِيَاقٍ
الْمَوْتِ) في مسلمٍ: سياقة الموت. قال النووي: بكسر السين أي: حال حضور
الموت، انتهى. يقال: ساق المريض نفسه وسيق؛ إذا شرع في نزع الروح. (إِذَا أَنَا
مُثُّ) بضمِّ الميم وكسرها. (فَلَا تَصْحَبْنِي) بفتح الحاء من باب سمع، أي: لا تترك
أن يكون مع جَنازتي. (نَائِحَةٌ) أي: صائحة بالبكاء ونادبة بالنداء. (وَلَّا نَارٌ) كان من
عادة الجاهلية إرسال النار مع الميت، وقد هدم النبي ◌َّ شعار الجاهلية وأبطله.
وقيل: لأنه سبب للتفاؤل القبيح. وقيل: المراد به البخور الذي يوضع في
المجمر .
(فَإِذَا دَفَتْتُمُونِي) أي: أردتم دفني. (فَشُنُّوا) بضم الشين، أمر من شن الماء؛ إذا
صبه متفرقًا. (عَلَيَّ) بتشديد الياء. (التُّرَابَ شَنَّا) قال النووي: سنوا علي التراب
سنًّا، ضبطناه بالسين المهملة وبالمعجمة، وكذا قال القاضي: إنه بالمعجمة
والمهملة، قال: وهو الصب. وقيل: بالمهملة الصب في سهولة ورفق،
وبالمعجمة التفريق.
(أَقِيمُوا حَوْلَ قَبْرِي) للدعاء بالتثبيت. (قَدْرَ مَا يُنْحَرُ جَزُورٌ) بفتح الجيم وهي من
الإبلِ، قاله النووي. وقال القاري: أي: بعير وهو مؤنث اللفظ، وإنَّ أريد به
المذكر، فيجوز تذكير ((يُنْحَرُ)) وتأنيثه. (حَتَّى أَسْتَأْنِسَ بِكُمْ) أي: بدعائكم
واستغفاركم وسؤالكم التثبيت. (وَأَعْلَمَ) أي: من غير وحشة. (مَاذَا أَرَاجِعُ) أي:
أجاوب به. (رُسُلَ رَبِّي) أي: سؤال الملكين.
(١٧٣٠) مُسْلِم (١٢١) فيه عنه.
٤٥
كِتَابُ الْجَنَائِزِ
بَابُ دَفْنِ الْمَيثِ
وفي الحديثِ فوائد: منها: إثبات فتنة القبر وسؤال الملكين، وهو مذهب أهلٍ
الحقِّ. ومنها: استحباب المكث عند القبر بعد دفن لحظة نحو ما ذكر لما ذكر.
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) في كتاب الإيمان في حديث طويل، وأخرجه أيضًا البيهقي
(ج٥ص٥٦).
١٧٣١ - [٢٥] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ وَ يَقُولُ:
((إِذَا مَاتَ أَحَدُكُمْ فَلَا تَحْبِسُوهُ وَأَسْرِعُواْ بِهِ إِلَى قَبْرِهِ، وَلْيَقْرَأْ عِنْدَ رَأْسِهِ فَاتِحَةَ
الْبَقَرَةِ، وَعِنْدَ رِجْلَيْهِ بِخَاتِمَةِ الْبَقَرَةِ».
[رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي (شُعَبِ اْإِيمَانِ))، وَقَالَ: وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ عَلَيْهِ] {ضعيف}
U C
الْشِّرْحُ
م
١٧٣١ - قوله: (فَلَا تَحْبِسُوهُ) أي: لا تؤخروا دفنه من غير عذر. قال ابن
الهمام: يستحب الإسراع بتجهيزه كله من حين يموت. (وَأَسْرِعُوا بِهِ إِلَى قَبْرِهِ) هو
تأكيد وإشارة إلى سنة الإسراع في الجنازة، وقد سبق الكلام فيه. (وَلْيَقْرَأ) بالتذكير
وبسكون اللام ويكسر. (عِنْدَ رَأْسِهِ) أي: بعد الدفن. (فَاتِحَةَ الْبَقَرَةِ) أي: إلى
[البقرة: ٥]. (وَعِنْدَ رِجْلَيْهِ بِخَاتِمَةٍ) وفي بعض النسخ: خاتمة.
﴿ اُلْمُفْلِحُونَ
(الْبَقَرَةِ) أي: من ﴿ءَامَنَ الرَّسُولُ﴾ [البقرة: ٢٨٥] ... إلخ قال الطيبي: لعل تخصيص
فاتحتها لاشتمالها على مدح كتاب الله، وأنه هدى للمتقين الموصوفين بالخلال
الحميدة من الإيمان بالغيب وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وخاتمتها؛ لاحتوائها
على الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله. وإظهار الاستكانة وطلب الغفران
والرحمة، والتولي إلى كنف اللّه تعالى وحمايته. انتهى.
وفيه: دليل على جواز قراءة أول البقرة وخاتمتها عند القبر بعد الدفن. ويدل
عليه أيضًا ما روى البيهقي (ج ٤ ص ٥٦) عن عبد الرحمن بن العلاء بن اللجلاج عن
أبيه أنه قال لبنيه: إذا أدخلتموني قبري فضعوني في اللحد، وقولوا: بسم الله
(١٧٣١) البَيْهَقِي (٩٢٩٤) في الشعب، وقالَ: الصحيح أنه موقوف.
٤٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصابِيحِ
وعلى سُنة رسول الله، وسُنُّوا علي الترابِ سَنَّا، واقرؤوا عند رأسي أول البقرة
وخاتمتها، فإني رأيتُ ابن عمر يستحب ذلك. وهذا موقوف على ابنٍ عُمر، كما
ترى، وليس بمرفوع، وكذا الحديث الذي نحنُ في شرحه، كما سيأتي.
ونقل الزيلعي حديث عبد الرحمن بن العلاء عن الطبراني بلفظ: عن
عبد الرحمن بن العلاء بن اللجلاج عن أبيه قال: قال لي أبي: اللجلاجِ أبو خالدٍ :
يا بُني، إذا أنا مت فالحد لي، فإذا وضعتني في اللحد، فقل: باسم الله وعلى مِلة
رسول الله، ثم شن التراب على شَنَّا، ثم اقرأ عند رأسي بفاتحةِ البقرة وخاتمتها،
فإني سمعت رسول اللّه وَليل يقول ذلك. وهذا كما ترى مرفوع، وقد سكت عنه
الزيلعي. وقال الهيثمي: رجاله موثقون.
وقد استدل بالحديثين على إهداء ثواب قراءة القرآن للميت. وفيه نظر، فإنه
ليس فيهما ذكر للإهداء وجعل ثواب القراءة للميتِ. والظاهر: أن قراءة أول البقرة
وخاتمتها عند القبر إنما كانت ليأنس بها الميت، فيختص ذلك بأن يكون عند القبر
عقب الدفنِ لا مطلقًا .
واختلف العلماء في وصول ثواب قراءة القرآن وغيرها من العبادات البدنية
للميت كالصلاة والصوم والذكر، بعد ما اتفقوا على أنه ينتفعُ الميت بما تسبب إليه
في حياته، وبدعاء المسلمين، واستغفارهم له، والصدقة والحج. فذهب أحمد
وأبو حنيفة إلى وصول ثواب القراءة وغيرها من العباداتِ البدنية. واستدل لهما
بأحاديث ذكرها القاري في ((المرقاة)) نقلًا عن ((شرح الصدور)) للسيوطي، وقد نقلها
شيخنا في ((شرح الترمذي)) (ج٢ ص٢٦) وفي كتاب ((الجنائز)) له (ص١٠٣ -
١٠٤)، وهي ضعيفة كلها لا تصلح للاستدلال والاحتجاج، وبالقياس على الدعاء
والصدقة والحج.
وذهب مالك والشافعي إلى أن ذلك لا يصل. واستدل لهما بدلائل ذكرها ابن
القيم في كتاب ((الروح)) (ص١٩٦ - ١٩٧) ثم بسط في الجواب عنها، ولبعض
شيوخنا رسالة لطيفة في الأردوية في هذه المسألة رتبها على مقدمة ومقصد
وخاتمة، وسماها ((إهداء ثواب)) وبسط الكلام في تحقيق المقام فأجاد، فعليك أن
تطالعها، وقد اختار هو القول بعدم وصول ثواب قراءة القرآن إلى الميت، وإليه
يميلُ قلبي، فإنه لم يقم على إهداء ثواب القراءة دليل شرعي لا من قرآن ولا من
٤٧
كِتَابِ الْجَنَائِزِ
بَابُ دَفْنِ الْمَيثِ
سنة صريحة صحيحة ولا من إجماع، ولا يكفي في مثل هذه المسألة حديث
ضعيف أو أثر صحابي فضلًا عن القياس أو أثر التابعي ومن دونه. وقد صرح ابن
القيم الذي هو قائل بوصول ثواب القراءة إلى الميت بأنه لم يصح عن السلف شيء
في ذلك، واعتذر عن هذا بأنهم كانوا يخفون أعمال البر، واعترض عليه بأنه لو
كان معروفًا لكان عن اعتقاد مشروعيته، وحينئذٍ يبلغونه ولا يكتمونه، بل لتوفرت
الدواعي على نقله عنهم بالتواتر؛ لأنه من رغائب جميع الناس .
هذا، وقد رد صاحب ((تفسير المنار)) (ج٨ ص٢٥٧ - ٢٥٨) على ابن القيم ردًّا
حسنًا فيما طول له الكلام من إثبات إهداء الثواب إِلى الأموات، فارجع إليه إن
شئت. قال ابن كثير في تفسير قوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى
٣٩٠
[النجم: ٣٩]: ومن هذه الآية الكريمة استنبط الشافعي ومن تبعه أن القراءة لا يصل
إهداء ثوابها إلى الموتى؛ لأنه ليس من عملهم ولا كسبهم، ولهذا لم يندب إليه
رسول اللَّهِوَ لَّه أمته، ولا حثهم عليه ولا أرشدهم إليه بنص ولا إيماء، ولم ينقل ذلك
عن أحد من الصحابة، ولو كان خيرًا لسبقونا إليه، وباب القربات يقتصر فيه على
النصوص، ولا يتصرف فيه بأنواع الأقيسة والآراء. فأما الدعاء والصدقة فذاك
مجمع على وصولهما ومنصوص من الشارع عليهما، انتهى.
وفي الاختيارات لشيخ الإسلام تقي الدين ابن تيمية: ولم يكن من عادة السلف
إذا صلوا تطوعًا أو صاموا تطوعًا أو حجوا تطوعًا أو قرؤوا القرآن، يهدون ثواب
ذلك إلى أموات المسلمين، فلا ينبغي العدول عن طريق السلف، فإنه أفضل
وأكمل. انتهى.
(رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي ((شُعَبِ الْإِيمَانِ))) ونقله الهيثمي عن الطبراني في ((الكبير))،
وقال: وفيه يحيى بن عبد الله البابلتي. وهو ضعيف. انتهى. قلت: هو يحيى بن
عبد الله بن الضحاك البابلتى أبو سعيد الحراني ضعفه أبو زرعة وغيره. وقال
أبو حاتم: لا يعتد به. وقال ابن عدي: له أحاديث صالحة تفرد ببعضها، وأثر
الضعفً على حديثه بين. وقال الحافظ في ((التقريب)): ضعيف. وقال الخليلي:
شيخ مشهور أكثر عن الأوزاعي، وطعنوا في سماعه عنه. قال ابن معين: لم يسمع
واللّه من الأوزاعي شيئًا. (وَقَالَ) البيهقي. (وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ عَلَيْهِ) أي: على
ابنِ عمر .
٤٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
١٧٣٢ - [٢٦] وَعَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ قَالَ: لَمَّا تُوُفِّيَ عَبْدُالرَّحْمَنِ بْنُ
أَبِي بَكْرِ بِالْحُبْشِيِّ - وَهُوَ مَوْضِعٌ - فَحُمِلَ إِلَى مَكَّةَ فَدُفِنَ بِهَا، فَلَمَّا قَدِمَتْ
عَائِشَةُ أَنْتْ قَبْرَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ فَقَالَتْ:
مِنَ الدَّهْرِ حَتَّى قِيلَ لَنْ يَتَصَدَّعَا
وَكُنَّا كَنَدْمَانَيْ جَذِيمَةً حِقْبَةً
لِطُولِ اجْتِمَاعِ لَمْ نَبِتْ لَيْلَةً مَعَا
فَلَمَّا تَفَرَّقْنَا كَأَنّي وَمَالِكًا
ثُمَّ قَالَتْ: وَاللَّهِ لَوْ حَضَرْتُكَ مَا دُفِنْتَ إِلَّا حَيْثُ مُتَّ، وَلَوْ شَهِدْتُكَ مَا
زُرْتُكَ.
[رَوَاهُ التّْمِذِيُّ] {صحيح}
الْشِّرْحُ
١٧٣٢ - قوله: (وَعَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ) هو عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة
بالتصغير تقدم ترجمته. (لَمَّا تُوُفِّيَ عَبْدُالرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ) أي: الصديق، أمه أم
رومان والدة عائشة، فهو شقيق عائشة، كان أسن ولد أبي بكرٍ ، أسلمَ قُبيل الفتح،
وكان اسمه في الجاهلية عبد الكعبة، أو عبد العزى، فغيَّرَه النبي ◌َّ وسماه
عبد الرحمن، وكان امرأ صالحًا لم يجرب عليه كذبةً قط، وكان أشجع رجال
قريش وأرماهم بسهم، وحضر اليمامة مع خالد بن الوليد فقَتَل سبعة من كبارهم،
وشهد الفتوح الأخرى، وشهد الجمل مع أخته عائشة، وكان أخوه محمد يومئذٍ مع
علي رضي الله عنهم أجمعين، وَأَبَى عبد الرحمن على معاويةَ البيعةَ ليزيد، وبعث
إليه معاوية بعد ذلك بمائة ألف درهم فردَّها عليه، وأبى أن يأخذها، وقال: لا أبيعُ
ديني بدنياي، فخرجَ إلى مكّة فمات بها قبل أن تتم البيعة ليزيدَ. وقيل: مات بطريق
مكّة فجأة سنة (٥٣) وقيل: بعد ذلك، وتُوفيت عائشة بعد ذلك بيسير سنة (٥٩).
(بِالْحُبْشِيِّ) بضم الحاء المهملة وسكون الباء الموحدة وكسر الشين المعجمة
وتشديد الياء آخر الحروف، موضع قريب بمكة على اثني عشر ميلاً من مكة.
(١٧٣٢) التِّرْمِذِي (١٠٥٥) فيه عن ابن المنكدر.
٤٩
كِتَابِ الْجَنَائِزِ
بَابُ دَفْنِ الْمَيتِ
وقيل: على نحو عشرة أميال منها. وقال الجوهري: جبل بأسفل مكة. (وَهُوَ
موْضِعٌ) تفسير مِن الراوي. (فَحَمِلَ) أي: نقل من الحبشى.
(فَلَمَّا قَدِمَتْ عَائِشَةُ) أي: إلى مكة حَاجَّةً. (فَقَالَتْ) أي: منشدة مشيرة إلى أن
طول الاجتماع في الدنيا بعد زواله يكون كأقصر زمن وأسرعه، كما هو شأن الفاني
جميعه. (وَكُنَّا كَنَدْمَانَيْ جَذِيمَةَ) قال الشمني في ((شرح المغني)): هذا البيتُ لتميم
ابن نويرة يرثي أخاه مالكًا الذي قتله خالد بن الوليد في خلافة أبي بكر الصديق.
وجذيمة بفتح الجيم وكسر الذال. قال الطيبي: جذيمة هذا كان ملكًا بالعراق
والجزيرة وضم إليه العرب وهو صاحب الزباء. انتهى. وفي ((القاموسٍ)): الزباء
ملكة الجزيرة وتعد من ملوك الطوائف، أي: كنا كندمانى جذيمة وجليسيه، وهما
مالك وعقيل، كانا منادميه، وجليسيه، وأنيسيه مدة أربعين سنة. (حِقْبَةً) بالكسرِ
أي: المدة طويلة. (حَتَّى قِيلَ لَنْ يَتَصَدَّعًا) أي: إلى أن قال الناس لن يتفرقا. (فَلَمَّا
تَفَرَّقْنَا) أي: بالموت. (كَأَنِّي وَمَالِكًا) هو أخو الشاعر الميت. (لِطُولِ اجْتِمَاع) قيل :
اللام بمعنى مع أو بعد، كما في قوله تعالى: ﴿أَقِ الصَّلَوَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨]
ومنه: ((صوموا لرؤيته))، أي: بعد رؤيته. (لَمْ نَبِتْ لَيْلَةً مَعًا) أي: مجتمعين.
(ثُمَّ قَالَتْ) أي: عائشة: (لَوْ حَضَرْتُكَ) أي: وقت الدفن. (مَا دُفِنْتَ) بصيغة
المجهول. (إِلَّا حَيْثُ مُتَّ) أي: منعتك أن تنقل من مكان إلى مكان، بل دُفنت
حيث مت، وقد سبق الكلام في نقل الميت فيما تقدم، وكأنها ذهبت إلى منع النقل
مطلقًا. (وَلَوْ شَهِدْتُكَ) أي: حضرت وفاتك. (مَا زُرْتُكَ) قال الطيبي: لأن النبي ◌َّ
لعن زوارات القبور. انتهى.
ويرد عليه: أن عائشة كيف زارت مع النهي وإن كانت لم تشهد وقت موته
ودفنه؟ ويمكن أن يجاب عنه بأن النهي محمول على تكثير الزيارة؛ لأنه صيغة
مبالغة، ولذا قالت: (لَوْ شَهِدْتُكَ مَا زُرْتُك))؛ لأن التكرار ينبئ عن الإكثار. وفيه:
أنه وردَ اللعن على مطلق الزيارة في بعض الروايات أي: بغير صيغة المبالغة. فقد
روى أحمد وأبو داود وغيرهما عن ابنِ عباس مرفوعًا: (لَعَنَ اللهُ زَائِرَاتِ الْقُبُورِ)).
وقد تقدم في باب المساجد مع الكلام عليه. وقيل: النهي محمول على زيارتهن
لمحرم كالنوح وغيره مما اعتدنه. واختلف العلماء في زيارة القبر للنساء، فذهب
٥٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الأكثر إلى الجوازٍ، ومحله ما إذا أمنت الفتنة، ويؤيد الجواز حديث أنس الآتي في
باب البكاء قال: مَرَّ النبي ◌َّ بامرأة تبكي عند قبرها، فقال: ((اتَّقِي اللَّهَ
وَاصْبِرِي ... )) إلخ. فإنه يَّ لم ينكر على المرأة قعودها عند القبر وتقريره حجة.
قال البيهقي: ليس في خبرِ أنس أنه نهاها إلى الخروج إلى المقبرة، ويؤيدُ
الجواز أيضًا ما رواه مسلم من حديث عائشة قالت: كيف أقولُ يا رسول الله،
تعني: إذا زرت القبور، قال: ((قُولِي: السَّلَامُ عَلَى أَهْلِ الدِّيَارِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ
وَالْمُسْلِمِينَ ... )) الحديث. سيأتي في باب زيارة القبور، وممن حمل الإذن في
زيارة القبور على عمومه للرجال والنساء عائشة، كما يدلّ عليه حديث الباب
وأصرح منه ما روى الحاكم (ج١: ص٣٧٦) والبيهقي (ج٤: ص٧٨)، والأثرم في
((سننه)) كلهم من طريق ابن أبي مليكة أنها أقبلت ذات يوم من المقابر، فقلت لها:
يا أم المؤمنين من أين أقبلت؟ قالت: من قبر أخي عبد الرحمن بن أبي بكر، فقلت
لها: أليس كان رسول اللَّه وَ له نهى عن زيارة القبور؟ قالت: نعم، كان نهى ثم أمر
بزيارتها، وسيأتي مزيد الكلام عليه في باب زيارة القبور.
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) ولم يحكم عليه بشيء من الصحة والضعف. قال شيخنا:
ورجاله ثقات إلا أن ابن جريح مدلس، ورواه عن عبد الله بن أبي مليكة بالعنعنة.
١٧٣٣ - [٢٧] وَعَنْ أَبِي رَافِع قَالَ: سَلَّ رَسُولُ اللَّهِ وَجِّ سَعْدًا وَرَشَّ
عَلَى قَبْرِهِ مَاءً.
[رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ] {ضعيف}
W O
الْشِّرْحُ
١٧٣٣ - قوله: (سَلَّ رَسُولُ اللَّهِ وَليهِ سَعْدًا) أي: ابن معاذ بأن وضع السرير
في مؤخر القبر ثم حمل سعدًا من قبل رأسه وأدخله في القبر، وهو الأفضل عند
الشافعي وأحمد، وقد سبق الكلام فيه مفصلاً. (وَرَشَّ عَلَى قَبْرِهِ مَاءً) فيه مشروعية
رش القبر بالماء ولا خلاف فيها .
(١٧٣٣) ابن مَاجَهْ (١٥٥١) فیه عنه.
٥١
كِتَابُ الْجَنَائِزِ
بَابُ دَفْنِ الْمَيثِ
(رواه ابْنُ مَاجَهْ) بإسناد ضعيف. قال في ((الزوائد)) في إسناده مندل بن علي
ضعيف، ومحمد بن عبيدالله بن أبي رافع متفق على ضعفه، انتهى. قلت: محمد
ابن عبيد اللّه هذا. قال البخاري فيه: منكر الحديث. وقال أبو حاتم: ضعيف
الحديث منكر الحديث جدًّا ذاهب. وقال الدارقطني: متروك، وله معضلات.
وقال ابن معين: ليس بشيء، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، كذا في ((تهذيب
الحافظ)). وقال الزيلعي في ((نصب الراية)) (ج٢: ص ٣٠٠) بعد ذكر الحديث:
ومندل بن علي ضعيف. انتهى. فالحديث ضعيف لا يصلح للاحتجاج بانفراده،
لكن قد تقدم في الرش والسل أحاديث أخرى، وهي تؤيد حديث أبي رافع هذا.
١٧٣٤ - [٢٨] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ بَّهِ صَلَّى عَلَى جَنَازَةٍ،
ثُمَّ أَتَى الْقَبْرَ فَحَثَا عَلَيْهِ مِنْ قِبَلِ رَأْسِهِ ثَلَاثًا.
[رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ]
الْشَّرْحُ
١٧٣٤ - قوله: (فَحَثَى عَلَيْهِ) أي: رمى على قبره بالتراب. (ثَلَاثًا) أي: ثلاث
حثيات. (رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ) قال الحافظ في ((التلخيص)) (ص ١٦٥) بعد نقل هذا
الحديث عن ابن ماجه: وقال أبو حاتم في ((العلل)): هذا حديث باطل، قلت قائله
الحافظ: إسناده ظاهره الصحة. قال ابنُ ماجه: حدثنا العباس بن الوليد الدمشقي
ثنا يحيى بن صالح ثنا سلمة بن كلثوم ثنا الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير عن أبي
سلمة عن أبي هريرة أن رسول اللَّه وَ له صلَّى على جنازة .. إلخ، ليس لسلمة بن
كلثوم في ((سنن ابن ماجه)) وغيرها إلا هذا الحديث الواحد. ورجاله ثقات، وقد
رواه ابن أبي داود في كتاب ((التفرد)) له من هذا الوجه، وزاد في المتن: ((أنه كبر
عليه أربعًا))، وقال بعده: ليس يروى في حديث صحيح أنه يَّ كبر على جنازة أربعًا
إلا هذا، فهذا حكم منه بالصحة على هذا الحديث، لكن أبو حاتم إمام لم يحكم
عليه بالبطلان إلا بعد أن تبين له، وأظن العلة فيه عنعنة الأوزاعي وعنعنة شيخه،
وهذا كله إن كان يحيى بن صالح هو الوحاظي شيخ البخاري - انتهى كلام
(١٧٣٤) ابن مَاجَهْ (١٥٦٥) عنهُ.
٥٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الحافظ. وقد نقل الشوكاني كلام الحافظ هذا في ((النيل)) وسكت عليه.
١٧٣٥ - [٢٩] وَعَنْ عَمْرِوِ بْنِ حَزْم قَالَ: رَآنِي النَّبِيُّ بَّهِ مُتَكِنًا عَلَى
قَبْرِ فَقَالَ: (لَا تُؤْذِ صَاحِبَ هَذَا الْقَبْرِ أَوْ لَا تُؤْذِه)).
[رَوَاهُ أَحْمَدُ] {ضعيف}
الْشَّرْحُ
١٧٣٥- قوله: (وَعَنْ عَمْرِو بْنِ حَزْم) بفتح الحاء وسكون الزاي. (تُؤْذِ
صَاحِبَ الْقَبْرِ) أي: لا تهنه فإن روح الميتً لا يرضى بالاتكاء على قبره لتضمنه
الإهانة. (أَوْلَا تُؤْذِهِ) أي: بالضمير موضع لفظ صاحب القبر وهو شك من الراوي،
ورواه النسائي بلفظ: ((لَا تَقْعُدُوا عَلَى الْقُبُورِ))، وكذا وقع في رواية لأحمد، كما
قال الحافظ في ((الفتح)). وفي الحديث: دليل لما ذهب إليه الجمهور من أن المراد
بالجلوس القعود على حقيقته لا الحدث، وفيه: بيان علة المنع من الجلوس وهو
التأذى. (رَوَاهُ أَحْمَدُ) وأخرجه أيضًا النسائي. قال الحافظُ في ((الفتح)): إسناده
صحيح، وفي الباب عن عمارة بن حزم أخي عمرو بن حزم قال: رآني رسول الله
جالسًا على قبر فقال: ((انزل من القبر لا تؤذ صاحب القبر)). أخرجه أحمد من طريق
نعيم بن زياد الحضرمي عن عمارة، ذكره الحافظ في ((الإصابة)) (ج ٢: ص٥١٤)
وعزاه الهيثمي للطبراني، وقال: وفيه ابن لهيعة، وفيه كلام، وقد وثق.
(١٧٣٥) أَحْمَد عَنْهُ.
كِتَابَ الْجَنَائِزِ
بَابَ الْبُكَاءِ عَلَى الْمَيثِ
٥٣
٧ - بَابُ الْبُكَاءِ عَلَى الْمَيَّتِ
(بَابُ الْبُكَاءِ) بالمد على الأفصح أي: جوازه. (عَلَى المَيِّتِ) أي: بدون نياحة.
الفصل الأول
١٧٣٦ - [١] عَنْ أَنَس قَالَ: دَخَلْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ وَّهَ عَلَى أَبِي سَيْفٍ
الْقَيْنِ، وَكَانَ ظِتْرًا لِإِبْرَاهِيمَ فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ وَجَهَ إِبْرَاهِيمَ فَقَبَّلَهُ وَشَمَّهُ، ثُمَّ
دَخَلْنَا عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ وَإِبْرَاهِيمُ يَجُودُ بِنَفْسِهِ، فَجَعَلَتْ عَيْنَا رَسُولِ اللَّهِ وَهُ
تَذْرِفَانِ. فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ: وَأَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ: ((يَا ابْنَ
عَوْفٍ إِنَّهَا رَحْمَةٌ)) ثُمَّ أَتْبَعَهَا بِأُخْرَى فَقَالَ: ((إِنَّ الْعَيْنَ تَدْمَعُ، وَالْقَلْبَ يَحْزَنُ،
وَلَا نَقُولُ إِلَّا مَا يُرْضِي رَبَّنَا، وَإِنَّا بِفِرَاقِكَ يَا إِبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُونَ)).
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
الْشَّرْحُ
١٧٣٦ - قوله: (عَلَى أَبِي سَيْفٍ) بفتح السين، قال عياضٌ: اسمه البراء بن
أوس الأنصاري، وأم سيف زوجته هي أم بردة واسمها خولة بنت المنذر
الأنصارية. قال الحافظ في ((الفتح)): جمع بذلك بين ما وقع في هذا الحديث
الصحيح وبين قول الواقدي فيما رواه ابن سعد في ((الطبقات)) عنه عن يعقوب بن
أبي صعصعة عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة قال: لما ولد إبراهيم
تنافست فيه نساء الأنصار أيتهن ترضعه، فدفعه رسول الله واله إلى أم بردة بنت
المنذر بن زيد بن لبيد من بني عدي بن النجار، وزوجها البراء بن أوس بن خالد بن
(١٧٣٦) مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ: الْبُخَارِي (١٣٠٣)، ومُسْلِم (٦٢ / ٢٣١٥) عَنْهُ، البُخَارِي وَأَبُو دَاوُد (٣١٢٦) فِي
الجَنَائِزِ، ومُسْلِمٍ فِي الفَضَائِلِ.
٥٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الجعد من بني عدي بن النجار، فكانت ترضعه وكان رسول اللَّه وَ ليل يأتيه في بني
النجار. انتهى. وما جمع به غير مستبعد، إلا أنه لم يأت عن أحد من الأئمة
التصريح بأن البراء بن أوس يكنى أبا سيف، ولا أن أبا سيف يسمى البراء بن أوس،
وقال في ((الإصابة)) في ترجمة أبي سيف بعد ذكر رواية الواقدي ما لفظه: فإن كان
ثابتًا احتمل أن تكون أم بردة أرضعته ثم تحول إلى أم سيف وإلا فالذي في الصحيح
هو المعتمد. انتهى.
وقال في ترجمة أم بردة: اسمها خولة، قاله ابنُ سعدٍ، وهي التي أرضعت
إبراهيم ابن النبي ◌ُّ، دفعه إليها لما وضعته مارية، فلم تزل ترضعه حتى مات
عنها. وقال أبو موسى: المشهورُ أن التي أرضعته أم سيف، ولعلهما جميعًا
أرضعتاه. انتهى. (الْقَيْنِ) بفتح القاف وسكون الياء آخره نون صفة لأبي سيف أي:
الحداد، ويطلق على كل صانع، يقال: قان الشيء إذا أصلحه.
(وَكَانَ) أي: أبو سيف. (ظِتْرًا) بكسر الظاء المعجمة وسكون الهمزة أي:
مُرضعًا، وأطلق عليه ذلك؛ لأنه كان زوج المرضعة، وأصل الظئر من ظأرت
الناقة؛ إذا عطفت على غير ولدها، فقيل ذلك للتي ترضع ولد غيرها، وأطلق ذلك
على زوجها؛ لأنه يشاركها في تربيته غالبًا. قال ابنُ الجوزي: الظئر: المرضعة
ولما كان زوجها تكفله؛ سمي ظئرًا، وأصله عطف الناقة على غير ولدها ترضعه،
وفي (المحكم)): الظئر: العاطفة على ولد غيرها المرضعة من الناس والإبل الذكر
والأنثى في ذلك سواء. (لِإِبْرَاهِيمَ) أي: ابن رسول اللَّه ◌َل. وفي رواية لمسلم:
قال رسول اللَّه ◌َله(«وُلِدَ لِي اللَّيْلَةَ غُلَامٌ فَسَمَّيْتُهُ بِاسْم أَبِي إِبْرَاهِيمَ))، ثم دَفَعه إلى أمِّ
سيف امرأة قين بالمدينة يقال له: أبو سيف، فانطلقَ رسولُ اللَّه وَ لَه فاتبعته، فانتهى
إلى أبي سيف، وهو ينفخ بكيره وقد امتلأ البيت دخانًا، فأسرعت المشى بين يدي
رسول اللَّه ◌َ له، فقلت: يا أبا سيف! أمسك جاء رسول اللَّه ◌َل .
(فَقَبَّلَهُ وَشَمَّهُ) أي: وضع أنفه ووجهه على وجهه كمن يشم رائحة. فيه أن محبة
الأطفال والترحم بهم سنة. (ثُمَّ دَخَلْنَا عَلَيْهِ) أي: على أبي سيف. (بَعْدَ ذَلِكَ) أي:
بأيام. (وَإِبْرَاهِيمُ يَجُودُ بِنَفْسِهِ) أي: يخرجها ويدفعها، كما يدفع الإنسان ماله يجود
به. (تَذْرِفَانٍ) بالذال المعجمة وكسر الراء وبالفاء أي: يجرى دمعها. في ((النهاية)):
ذرفت العين؛ إذا جرى دمعها. (وَأَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَ لّهِ) فيه: معنى التعجب،
٥٥
كِتَابُ الْجَنَائِزِ
بَابُ الْبُكاءِ عَلى الْمَيثِ
والواو تستدعى معطوفًا عليه، أي: الناس لا يصبرون على المصائب ويتفجعون
وييكون، وأنت تفعل كفعلهم، أي: لا ينبغي لك أن تتفجع، كأنه استغرب ذلك
منه؛ لأنه يدلُّ على ضعف النفس والعجز عن مقاومه المصيبة بالصبر، ويخالف ما
عهده منه من الحث على الصبر والنهي عن الجزع، فأجاب بقوله: ((إِنَّهَا رَحْمَةٌ))،
أي: الحالة التي تشاهدها مني يا بن عوف هي رقة ورحمة وشفقة على المقبوض،
أي: الولد، لا ما توهمت من الجزع وقلة الصبر، ووقع في حديث جابر عند.
الترمذي والبيهقي، وفي حديث عبد الرحمن نفسه عند ابن سعد والطبراني:
فقلت: يا رسول الله! تبكي، أوَ لم تَنَّه عن البكاء؟ وزاد فيه: ((إِنَّمَا نَهَيْتُ عَنْ
صَوْتَيْنِ أَحْمَقَيْنِ فَاجِرَيْنِ: صَوْتٍ عِنْدَ نَغَمَةِ لَهْوِ وَلَعِبٍ وَمَزَامِيرِ الشَّيْطَانِ، وَصَوْتٍ
عِنْدَ مُصِيبَةٍ خَمْشٍ وُجُوهٍ وَشَقِّ جُيُوبٍ وَرَتَّةٍ شَيْطَانٍ))، قال: ((إِنَّمَا هَذَا رَحْمَةٌ، وَمَنْ لَا
يَرْحَمُ لَا يُرْحَمُ)). وفي رواية محمود بن لبيد عند ابنِ سعدٍ فقال: ((إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ)).
وعند عبد الرزاق من مرسل مكحول: ((إِنَّمَا أَنْهَى النَّاسَ عَنِ النِّيَاحَةِ، أَنْ يُنْدَبَ
الرَّجُلَ بِمَا لَيْسَ فِيهِ)) .
(إِنَّهَا) أي: هذه الدمعة التي تراها في العين أو الحالة التي تشاهدها. (رَحْمَةٌ)
أي: أثر رحمة جعلها الله في قلوب عباده. (ثُمَّ أَتْبَعَهَا بِأُخْرَى) أي: أتبع الدمعة
الأولى بدمعة أخرى، وقيل: أتبع الكلمة الأولى المجملة، وهي قوله: ((إِنَّهَا
رَحْمَةٌ)) بكلمة أخرى مفصلة، وهي قوله: ((إِنَّ الْعَيْنَ تَدْمَعُ، وَالْقَلْبَ يَحْزَنُ ... )» إلخ.
فكان هذه الكلمة الأخرى صارت مفسرة للكلمة الأولى. قال الحافظ: ويؤيد هذا
التأويل ما تقدم من طريق عبد الرحمن ومرسل مكحول. (وَالْقَلْبَ) بالنصبِ
ويرفع. (يَحْزَنُ) بفتح الزاي. (وَلَا نَقُولُ) أي: مع ذلك. (إِلَّا مَا يَرْضَى رَبُّنَا) قال
القاري: وفي نسخة بضم الياء وكسر الضاد ونصب ربنا. (وَإِنَّا بِفِرَاقِك) أي: بسبب
مفارقتك إيانا. (لَمَحْزُونُونَ) وفي حديث عبد الرحمن ومحمود بن لبيد: ((ولا نقول
ما يسخط الرب))، وزاد في حديث عبد الرحمن في آخره: ((لولا أنه أمر حق، ووعد
صدق، وسبيل تأتيه، وأن آخرنا سيلحق بأولنا لحزنا عليك حزنًا هو أشد من هذا))،
ونحوه في حديث أسماء بنت يزيد عند ابن ماجه ومرسل مكحول، وفي آخر
حديث محمود بن لبيد وقال: ((إن له مرضعًا في الجنة)). ومات وهو ابن ثمانية عشر
شهرًا .
٥٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
قال ابنُ بطال وغيره: هذا الحديث يفسر البكاء المباح والحزن الجائز، وهو ما
كان بدمع العين ورقة القلب من غير سخط لأمر الله، وهو أبين شيء وقع في هذا
المعنى. وفيه مشروعية تقبيل الولد وشمه. ومشروعية الرضاع، وعيادة الصغير،
والحضور عند المحتضر، ورحمة العيال، وجواز الإخبار عن الحزن وإن كان
الكتمان أولى.
وفيه: وقوع الخطابِ للغيرِ، وإرادة غيره بذلك، وكل منهما مأخوذ من مخاطبة
النبي ◌ّ ولده مع أنه في تلك الحالة لم يكن ممن يفهم الخطاب لوجهين:
أحدهما: صغره. والثاني: نزعه، وإنما أراد بالخطاب غيره من الحاضرين، إشارة
إلى أن ذلك لم يدخل في نهيه السابق. وفيه: جواز الاعتراض على من خالف فعله
ظاهر قوله ليظهر الفرق. ذكره الحافظ في ((الفتح)).
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وأخرجه أبو داود والبيهقي من وجه آخر بنحوه، وكذا مسلم، وقد
ذكرنا أوله.
١٧٣٧ - [٢] وَعَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: أَرْسَلَتِ ابْنَهُ النَّبِيِّ ◌َّهِ إِلَيْهِ: أَنَّ
ابْنًا لِي قُبِضَ، فَأَرْسَلَ يُقْرِئُ السَّلاَمَ وَيَقُولُ: ((إِنَّ لِلَّهِ مَا أَخَذَ، وَلَهُ مَا أَعْطَى،
وَكُلَّ عِنْدَهُ بِأَجَلِ مُسَمَّىَ، فَلْتَصْبِرْ وَلْتَحْتَسِبْ)). فَأَرْسَلْتُ إِلَيْهِ تُقْسِمُ عَلَيْهِ
لَيَأْتِيَنَّهَا فَقَامَ وَمَعَةً سَعْدُ بْنَ عُبَادَةَ وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ وَأَبُِّّ بْنُ كَعْبٍ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ
وَرِجَالٌ، فَرُفِعَ إِلَى رَسُولِ اللّهِ وَِّ الصَّبِيُّ وَنَفَّسُهُ تَتَقَّعْقَعُ فَفَاضُّتْ عَيْنَاهُ. فَقَالَّ
سَعْدٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا هَذَا؟ فَقَالَ: ((هَذِهِ رَحْمَةٌ، جَعَلَهَا اللَّهُ فِي قُلُوبٍ عِبَادِهِ،
فَإِنَّما يَرْحَمُ اللَّهُ مِنْ عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ)).
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
الْشَّرْجُ
١٧٣٧ - قوله: (أَرْسَلَتِ ابْنَةُ النَّبِيِّ ◌ََّ) هي زينب كما عند ابن أبي شيبة وابن
بشكوال. (أَنَّ ابْنًا لِي قُبِضَ) أي: قرب قبضه وموته. وقال القسطلاني: أي: في
(١٧٣٧) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: الْبُخَارِي (١٢٨٤)، ومُسْلِم (٩٢٣/١١) عَنْهُ فِي الجَنَائِزِ، والنَّسَائِي (٢١/٤).
٥٧
كِتَابَ الْجَنَائِزِ
بَابُ الْبُكَاءِ عَلَى الْمَيتِ
حالِ القبض ومعالجة الروح، فأطلق القبض مجازًا باعتبار أنه في حالة كحالة
النزع. وفي ((النهاية)): قُبض المريض إذا توفي وإذا أشرف على الموت. قيل:
الابن المذكور هو علي بن أبي العاص بن الربيع. واستشكل بأنه عاش حتى ناهز
الحلم، وأن النبي ◌ُّ أردفه على راحلته يوم الفتح فلا يقال فيه صبي عرفًا، وإن جاز
من حيث اللغة.
وقيل: هو عبد الله بن عثمان بن عفان من رُقية بنت النبي ◌ِّ؛ لما روى
البلاذري في (الأنساب)) أنه لما توفي وضعه النبي ◌ٍّ في حجرة وقال: ((إِنَّمَا
يَرْحَمُ اللَّهُ مِنْ عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ)) .
وقيل: هو محسن؛ لما روى البزار في ((مُسنده)) عن أبي هريرة قال: ثقل ابن
لفاطمة فبعثَتْ إلى النبي ◌َّر، فذكر نحو حديث الباب ولا ريب أنه مات صغيرًا.
وقيل: هي أمامة بنت زينب لأبي العاص بن الربيع، كما ثبتَ في ((مسندٍ
أحمد))، وصوَّبه الحافظ، وأجاب عما استشكل من قوله: ((قُبِضَ)) مع كون أمامة
عاشت بعد النبي ◌َّ حتى تزوَّجها علي بن أبي طالب وقُتِل عنها، بأن الظاهر أن الله
أكرم نبيه عليه الصلاة والسلام لما سلم الأمر ربه وصبر ابنته، ولم يملك مع ذلك
عينيه من الرحمة والشفقة، بأن عافى اللهُ ابنة ابنته في ذلك الوقت، فخلصت من
تلك الشدة، وعاشت تلك المدة.
وقال العيني: الصواب قول من قال: ((ابني)) أي: بالتذكير لا ((ابنتي)) بالتأنيث،
كما نص عليه في حديث الباب، وجمع البرماوي بين ذلك باحتمال تعدد الواقعة
في بنت واحد أو بنتين، أرسلت زينب في علي أو أمامة، أو رقية في عبد الله بن
عثمان، أو فاطمة في ابنها محسن بن علي. كذا ذكر القسطلاني.
(فَأَرْسَلَ) بَةِ. (يُقْرِئُ) بضم الياء أي: عليها. (السَّلَامَ، وَيَقُولُ) أي: تسلية لها .
(إِنَّ لِلَّهِ مَا أَخَذَ وَلَهُ مَا أَعْطَى) أي: فلا حيلة إلا الصبر، قدم ذكر الأخذ على الإعطاء
وإن كان متأخرًا في الواقع لما يقتضيه المقام، والمعنى: أن الذي أراد الله أن يأخذه
هو الذي كان أعطاه، فإن أخذه أخذ ما هو له، فلا ينبغي الجزع؛ لأن مستودع
الأمانة لا ينبغي له أن يجزع إذا استعيدت منه، وكلمة ((مَا)) في الموضعين موصولة،
帮宝级
٥٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
ومفعول أخذ وأعطى محذوف؛ لأن الموصول لا بد له من صلة وعائد، ونكتة
حذف المفعول فيهما الدلالة على العموم، فيدخل فيه أخذ الولد وإعطاؤه
وغيرهما، ويجوز أن تكون ((مَا)) في الموضعين مصدرية، والتقدير: إن لله الأخذ
والإعطاء، وهو أيضًا أعم من إعطاء الولد وأخذه. (وَكُلَّ) أي: وكل واحد من
الأخذ والإعطاء. (عِنْدَ اللَّهِ) أي: في علمه. (بِأَجَلِ مُسَمَّى) أي: مقدر بأجل
معلوم. (وَلْتَحْتَسِبْ) أي: تنوي بصبرها طلب الثواب من ربها ليحسب لها ذلك من
عملها الصالح.
(فَأَرْسَلَتْ) أي: ابنته. (إِلَيْهِ) وَِّ. (تُقْسِمُ) بضم التاء من الإقسام، وهي جملة
حالية، ووقع في حديث عبد الرحمن بن عوف عند الطبراني أنها راجعته مرتين،
وأنه إنما قام في ثالث مرة. أما ترك إجابته وَ ل﴾- أولًا، فيحتملُ أنه كان في شغل في
ذلك الوقت، أو كان امتناعه مبالغة في إظهار التسليم لربِّه، أو كان لبيان الجواز في
أن مَن دعي لمثل ذلك لم تجب عليه الإجابة، بخلاف الوليمة مثلًا. وأما إجابته وَلِيه
بعد إلحاحها عليه، فكانت دفعًا لما يظنه بعض الجهلة أنها ناقصة المكان عنده، أو
أنه لما رآها عزمت عليه بالقسم؛ حَنَّ عليها بإجابته. (لَيَأْتِيَنَّهَا) بالنون المؤكدة.
(فَقَامَ وَمَعَهُ) بإثبات واو الحال. (وَرِجَالٌ) أي: آخرون ذكر منهم في غير هذه
الرواية عبادة بن الصامت وأسامة راوي الحديث وعبد الرحمن بن عوف. (فَرُفِعَ)
بضمِّ الراء من الرفع، يعني: فمشوا إلى أن وصلوا إلى بيتها، فاستأذنوا فأذن لهم
فرفع. (إِلَى رَسُولِ اللَّهِ وَ ◌ّه الصَّبِيُّ) أو الصبية، أي: وضع في حجره عليه الصلاة
والسلام. (وَنَفْسُهُ) أي: روحه. (تَتَقَعْقَعُ) أي: تضطرب وتتحرك ولا تثبت على
حالة واحدة، كذا في ((النهاية))، والجملة اسمية حالية. (فَفَاضَتْ) أي: سالت.
(عَيْنَاهُ) أي: عينا النبي ◌َّ بالبكاء. (فَقَالَ سَعْدٌ:) هو ابن عبادة المذكور. (مَا هَذَا؟)
أي: البكاء منك. (فَقَالَ: هَذِهِ) أي: الدمعة التي تراها. (رَحْمَةٌ) أي: أثر رحمة
أي: أن الذي يفيض من الدمع من حزن القلب بغير تعمد من صاحبه ولا استدعاء،
لا مؤاخذة عليه، وإنما المنهي عنه الجزع وعدم الصبر.
قال النووي: ظن سعد أن جميع أنواع البكاء حرام، وأنه - عليه الصلاة والسلام
- نسي فأعلمه عليه الصلاة والسلام أن مجرد البكاء ودمع العين ليس بحرامٍ ولا
كِتَابُ الْجَنَائِزِ
بَابُ الْبُكَاءِ عَلَى الْمَيتِ
٥٩
مكروه، بل هو رحمة وفضيلة، وإنما المحرم النوح والندب والبكاء المقرون بهما
أو بأحدهما .
(فَإِنَّمَا) وفي بعض النسخ: (وَإِنَّمَا)) أي: بالواو.
(يَرْحَمُ اللَّهُ مِنْ عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ) جمع رحيم بمعنى الراحم، أي: وإنما يرحم الله
من عباده من اتصف بأخلاقه ويرحم عباده، و((مِنْ)) في ((عباده)) بيانية حال من
المفعول وهو ((الرحماء))، وقيل: الأظهر أن ((مِنْ)) تبعيضية أي: إنما يرحم من جملة
عباده الرحماء، فمن لا يرحم لا يُرحم.
وفي هذا الحديث من الفوائد: جواز استحضار ذوي الفضل للمحتضر لرجاء
بركتهم ودعائهم، وجواز القسم عليهم لذلك.
وفيه: استحباب إبرار المقسم، وأمر صاحب المصيبة بالصبر قبل وقوع الموت
ليقع وهو مستشعر بالرضى مقاومًا للحزن بالصبر.
وفيه: تقديمُ السلام على الكلام، وعيادة المريض ولو كان مفضولًا أو صبيًّا
صغیرًا .
وفيه: أن أهل الفضل لا ينبغي أن يقطعوا الناس عن فضلهم ولو ردوا أول مرة،
واستفهام التابع عما يشكل عليه مما يتعارض ظاهره.
وفيه: الترغيب في الشفقة على خلق الله تعالى والرحمة لهم، والترهيب من
قساوة القلب وجمود العين، وجواز البكاء من غير نوح ونحوه.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) أخرجه البخاري في الجنائز والطب والنذور والتوحيد، ومسلم في
الجنائز، وأخرجه أيضًا أبو داود والنسائي وابن ماجه والبيهقي.