Indexed OCR Text

Pages 501-520

٥٠٠
Rssa *sese
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
التحتية: كل ملاءة على طاقة واحدة ليست لفقتين، وقيل: كل ثوب رقيق. (كَانَتْ
عَلَيْهِ) أي: على بطنه عليه الصلاة والسلام. (عَلَى أَنْفِهِ) متعلَّق برد. قال الطيبي: ردٌّ
رسول اللَّه ◌َل﴾ الريطة على الأنف لما كوشف بروح الكافر وشم من نتن ريح
روحه، كما أنه غطى رأسه حين مرَّ بالحجرِ لما شاهد من عذاب أهلها، وقيل:
رد لّ الريطة على أنفهِ ليرى أصحابه كيف تتقي الملائكة نتن ريح تلك الروح
بوضع شيء على الأنف لئلا تتضرر بذلك. (هَكَذَا) أي: كفعلي هذا، وكان أبو
هريرة وضع ثوبه على أنفه بكيفية خاصة صدرت منه عليه الصلاة والسلام. (رَوَاهُ
مُسْلِمٌ) قبيل كتاب الفتن.
١٦٤٤ - [١٥] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَهِ: ((إِذَا حُضِرَ الْمُؤْمِنُ
أَنَتْ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ بِحَرِيرَةٍ بَيْضَاءَ فَيَقُولُونَ: اخْرُجِي رَاضِيَةً مَرْضِيًّا عَنْكِ
إِلَى رَوْحِ اللَّهِ وَرَيْحَانٍ وَرَبُّ غَيْرٍ غَضْبَانَ، فَتَخْرُجُ كَأَطْيَبٍ رِيحِ الْمِسْكِ حَتَّى
أَنَّهُ لَيُنَاوِلُهُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا حَتَّى يَأْتُوا بِهِ أَبْوَابَ السَّمَاءِ فَيَقُولُونَ: مَا أَطْيَبَ هَذِهِ
الرِّيحَ الَّتِي جَاءَتْكُمْ مِنَ الْأَرْضِ، فَيَأْتُونَ بِهِ أَرْوَاحَ الْمُؤْمِنِينَ، فَلَهُمْ أَشَدُّ فَرَحًا
بِهِ مِنْ أَحَدِكُمْ بِغَائِهِ يَقْدَمُ عَلَيْهِ، فَيَسْأَلُونَهُ: مَاذَا فَعَلَ فُلَانٌ؟ مَاذَا فَعَلَ فُلَانٌ؟
فَيَقُولُونَ: دَعُوهُ فَإِنَّهُ كَانَ فِي غَمِّ الدُّنْيَا، فَيَقُولُ: قَدْ مَاتَ أَمَا أَتَاكُمْ؟ فَيَقُولُونَ:
قَدْ ذُهِبَ بِهِ إِلَى أُمِّهِ الْهَاوِيَةِ. وَإِنَّ الْكَافِرَ إِذَا احْتُضِرَ أَتَتْهُ مَلَائِكَةُ الْعَذَابِ
بِمِسْحِ فَيَقُولُونَ: اخْرُجِي سَاخِطَةً مَسْخُوطًا عَلَيْكِ إِلَى عَذَابِ اللَّهِ رَ،
فَتَخْرُجُ كَأَنْتَنِ رِيحٍ جِيفَةٍ حَتَّى يَأْتُونَ بِهِ إِلَى بَابِ الْأَرْضِ فَيَقُولُونَ: مَا أَنْتَنَ
هَذِهِ الرِّيحَ، حَتَّى يَأْتُونَ بِهِ أَرْوَاحَ الْكُفَّارِ)).
[رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ] {صحيح}
الشَّرْحُ
١٦٤٤ - قوله: (إِذَا حُضِرَ الْمُؤْمِنُ) على بناء المفعول، أي: حضره الموت.
وفي رواية الحاكم: ((إِذَا اخْتُضِرَ)) وفي رواية ابن حبان: ((إِذَا قُبِضَ)). (أَتَتْ) وفي
النسائي: ((أَتَتْهُ)). (مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ بِحَرِيرَةٍ بَيْضَاءَ) ولعل روحه تلف فيها وترفع إلى
(١٦٤٤) رَوَاهُ أحمد، والنسائي في ((سننه)) (٢٥٩/١ -٢٦٠).

كِتَابُ الْجَنَائِزِ
بَابُ مَا يُقَالُ عِنْدَ مَنْ حَضَرَهُ الْمَوْتُ
٥٠١
السماء، والكفن الدنيوي يصحب الجسد الصوري، قاله القاري. وفي رواية أبي
حاتم: ((إِنَّ المُؤْمِنَ إِذَا حَضَرُهُ المَوْتُ حَضَرَتْهُ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ، فَإِذَا قُبِضَ جَعَلَتْ
رُوحَهُ فِي حَرِيرَةٍ بَيْضَاءَ فَيُنْطَلَقُ بِهَا إِلَى بَابِ السَّمَاءِ)). (اخْرُجِي) الخطاب للنفس
فيستقيم هذا الخطاب مع عموم المؤمن للذكر والأنثى. (رَاضِيَةً) عن اللَّه سابقًا
وبثواب الله لاحقًّا. (مَرْضِيًّا عَنْكِ) أي: أولا وآخرًا. وفي بعض النسخ: ((مَرْضِيَّةً
عَنْكِ))، كما في النسائي. (إِلَى رَوْحِ اللَّهِ) بفتح الراء أي: رحمته أو راحة منه.
(وَرَيْحَانٍ) أي: رزق أو مشموم. (كَأَطْيَبِ رِيحِ الْمِسْكِ) حال، أي: حال كونه مثل
أطيب ريح المسك. وقيل: صفة مصدر محذوف أي: خروجًا كخروج أطيب ريح
المسك، يعني: تخرج خروجًا مثل ريح مسك بفتق فأرتها، وهو قد فاق سائر
أرواح المسك. (حَتَّى أَنَّهُ) أي: روح المؤمن. (لَيُنَاوِلُهُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا) أي:
يتداولونه ويصعدون به من يد إلى يد، تكريمًا وتعظيمًا وتبركًا وتشريفًا لا كسلًا
وتعبًّا. (حَتَّى يَأْتُوا بِهِ) وفي رواية الحاكم: ((يَشُمُّونَهُ حَتَّى يَأْتُوا بِهِ)). (أَبْوَابَ
السَّمَاءِ) أي: باب بعد باب. وفي النسائي والمستدرك: ((بَابُ السَّمَاءِ»، وهو
منصوب بنزع الخافض أي: إلى أن يأتوا به، وهو غاية للمناولة.
(فَيَقُولُونَ) أي: بعض الملائكة لبعض ملائكة السماء على جهة التعجب من
غاية عظمة طيبه. (فَيَأْتُونَ بِهِ) وفي رواية الحاكم: ((فَكُلَّمَا أَتَوْا سَمَاءً قَالُوا ذَلِكَ حَتَّى
يَأْتُوا بِهِ)). (أَرْوَاحَ الْمُؤْمِنِينَ) منصوب بنزع الخافض أي: إلى مقر أرواحهم في
عِلَّيِينَ. (فَلَهُمْ) الضمير للمؤمنين أو لأرواحهم. (أَشَدُّ فَرَحًا) قال الطيبي: اللام
المفتوحة لام الابتداء مؤكدة نحو قوله تعالى: ﴿لَهُوَ خَيْرٌ لِّلِصَّبِينَ﴾ [النحل: ١٢٦] وهم
مبتدأ وأشد خبره، ولا يبعد أن تكون اللام جارة، والتقدير: لَهُمْ فَرَحْ هو أشد
فرحًا، على توصيف الفرح بكونه فرحًا على المجاز، فيكون الفرح فرحًا على سبيل
المبالغة. قلت: ويؤيد الأول رواية الحاكم بلفظ: ((فَلَهُمْ أَفْرَحُ بِهِ)). (بِهِ) أي:
بقدومه. (مِنْ أَحَدِكُمْ) أي: من فرح أحدكم. (بِغَائِهِ يَقْدَمُ عَلَيْهِ) أي : حال قدومه.
(فَيَسْأَلُونَهُ) أي: بعض أرواح المؤمنين. (مَاذَا فَعَلَ فُلَانٌ) على بناء الفاعل، والمراد
ما شأنه وحاله. (مَاذَا فَعَلَ فُلَانٌ) تأكيد أو المراد شخص آخر، وهو الآظهر.
(فَيَقُولُونَ) أي: بعض أخر من الأرواح. (دَعُوهُ) أي: اتركوه، زاد في رواية
الحاكم: ((حَتَّى يَسْتَرِيحَ)). قال الطيبي: أي: يقول بعضهم لبعض: دعوا القادم فإنه

٥٠٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
حديث عهد بتعب الدنيا. (فَإِنَّهُ) أي: الشأن. (كَانَ) أي: القادم. (فِي غَمِّ الدُّنْيَا)
أي: إلى الآن ما استراح من همها. (فَيَقُولُ) أي: القادم في جواب السؤال. (قَدْ
مَاتَ) أي: فلان المسؤول. (أَمَا أَتَاكُمْ) أي: أما جاءكم. (فَيَقُولُونَ) وفي رواية
الحاكم: ((فَإِذَا قَالَ لَهُمْ أَمَا أَتَاكُمْ؛ فَإِنَّهُ قَدْ مَاتَ قَالَ: فَيَقُولُونَ)). أي: أرواح
المؤمنين. (قَدْ ذُهِبَ بِهِ) على بناء المفعول. (إِلَى أُمِّهِ الْهَاوِيَةِ) أي : أنه لم يلحق بنا
فقد ذهب به إلى النار، والهاوية من أسماء النار كأنها النار العميقة تهوي أهل النار
فيها مهوى بعيدًا، وهي بدل أو عطف بيان، وتسمية النار إما باعتبار أنها مأوى
صاحبها كالأم مأوى الولد ومفزعه، ومنه قوله تعالى: ﴿فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ
[القارعة: ٩] .
(إِذَا اخْتُضِرَ) بصيغة المجهول. (بِمِسْح) بكسر الميم البلاس. وقال النووي:
هو ثوب من الشعر غليظ معروف. (اخْرُجِيَّ) أي: إلى غضب الله. (سَاخِطَةً) أي:
كارهة غير راضية عن اللَّه حيًّا وميتًا. (مَسْخُوطًا) أي: مغضوبًا. (إِلَى عَذَابِ اللَّهِ)
متعلق بـ((اخْرُچِي)). (حَتَّى يَأْتُونَ بِهِ) بإثبات النون ورفعه على حكاية الحال الماضية
على حد: ﴿وَزُلْزِلُواْ حَتَّى يَقُولُ الرَّسُولُ﴾ في قراءة نافع بالرفع، أي: حتى أتوا به.
(إلى بَابِ الأَرْضِ) فيرد إلى أسفل السافلين. (فَيَقُولُونَ) أي: ملائكة الأرض.
(حَتَّى يَأْتُونَ بِهِ) وفي رواية الحاكم: ((كُلَّمَا أَتَوْا عَلَى أَرْضٍ قَالُوا ذَلِكَ حَتَّى يَأْتُوا بِهِ))
فيتعين أن يكون حتى غاية لقولهم ذلك. (أَرْوَاحَ الْكُفَّارِ) ومحلها سجين، وهو
موضع في مقر جهنم .
(رَوَاهُ أَحْمَدُ) (ج ٤ ص ٢٨٧ - ٢٨٨). (وَالنَّسَائِيُّ) في الجنائز، وأخرجه أيضًا
البزار، وأبو حاتم، وابن حبان في ((صحيحيهما))، والحاكم (ج١ ص٣٥٢ - ٣٥٣)
وقال: صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي.

كِتَابُ الْجَنَائِزِ
DICKeax:
بَابُ مَا يُقَالُ عِنْدَ مَنْ حَضَرَهُ الْمَوْتُ
٥٠٣
١٦٤٥ - [١٦] وَعَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ وَّ فِي
جَنَازَةِ رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ فَانْتَهَيْنَا إِلَى الْقَبْرِ وَلَّمَّا يُلْحَدْ، فَجَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ وَه
وَجَلَسْنَا خَّوْلَهُ كَأَنَّ عَلَى رُؤُوسِنَا الطَّيْرَ، وَفِي يَدِهِ عُودٌ يَنْكُتُ بِهِ فِي الْأَرْضِ،
فَرَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ: ((اسْتَعِيذُوا بِاللَّهِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ)) مَرَّتَينٍ أَوْ ثَلَاثًا، ثُمَّ قَالَ:
(إِنَّ الْعَبْدَ الْمُؤْمِنَ إِذَا كَانَ فِي انْقِطَاعٍ مِنَ الدُّنْيَا وَإِقْبَالٍ مِنَ الْآخِرَةِ، نَزَلَ إِلَيْهِ
مَلَائِكَةٌ مِنَ السَّمَاءِ بِيضُ الْوُجُوهِ كُأَنَّ وُجُوهَهُمُ الشَّمْسُ، مَعَهُمْ كَفَنٌ مِنْ
أَكْفَانِ الْجَنَّةِ، وَحَنُوطٌ مِنْ حَنُوطِ الْجَنَّةِ، حَتَّى يَجْلِسُوا مِنْهُ مَدَّ الْبَصَرِ، ثُمَّ
يَجِي ءُ مَلَكَ الْمَوْتِ عَِّ حَتَّى يَجْلِسَ عِنْدَ رَأْسِهِ، فَيَقُولُ: أَيَّتُّهَا النَّفْسُ الطَّيِّبَةُ،
اخْرُجِي إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ)). قَالَ: ((فَتَخْرُجُ تَسِيلُ كَمَا تَسِيلُ الْقَطْرَةُ
مِنَ السِّقَاءِ فَيَأْخُذُهَا، فَإِذَا أَخَذَهَا لَمْ يَدَعُوهَا فِي يَدِهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ حَتَّى يَأْخُذُوهَا،
فَيَجْعَلُوهَا فِي ذَلِكَ الْكَفَنِ، وَفِي ذَلِكَ الْحَنُوطِ، وَيَخْرُجُ مِنْهَا كَأَطْيَبٍ نَفْحَةٍ
مِسْكِ وُجِدَتْ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ)). قَالَ: ((فَيَصْعَدُونَ بِهَا فَلَا يَمُرُّونَ - يَعْنِي بِهَا
- عَلَى مَلَأٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِلَّا قَالَّوا: مَا هَذَا الرَّوْحُ الطَّيِّبُ؟ فَيَقُولُونَ: فُلَانُ بْنُ
فُلَانٍ، بِأَحْسَنِ أَسْمَائِهِ الَّتِي كَانُوا يُسَمُّونَهُ بِهَا فِي الدُّنْيَا، حَتَّى يَنْتَهُوا بِهَا إِلَى
السَّمَاءِ الدُّنْيَا، فَيَسْتَفْتِحُونَ لَهُ، فَيُفْتَحُ لَهُمْ فَيُشَيِّعُهُ مِنْ كُلِّ سَمَاءٍ مُقَرَّبُوهَا إِلَى
السَّمَاءِ الَّتِي تَلِيهَا، حَتَّى يُنْتَهَى بِهِ إِلَى السَّمَاءِ السَّبِعَةِ، فَيَقُولُ اللَّهُ رَّت:
اكْتُبُوا كِتَابَ عَبْدِي فِي عِلِّيِّينَ، وَأَعِيدُوهُ إِلَى الْأَرْضِ؛ فَإِنِّي مِنْهَا خَلَقْتُهُمْ وَفِيهَا
أُعِيدُهُمْ، وَمِنْهَا أُخْرِجُهُمْ تَارَةً أُخْرَى)) قَالَ: ((فَتُعَادُ رُوحُهُ فِي جَسَدِهِ، فَيَأْتِيهِ
مَلَكَانٍ فَيُجْلِسَانِهِ فَيَقُولَانِ لَهُ: مَنْ رَبُّكَ؟ فَيَقُولُ: رَبِّيَ اللَّهُ، فَيَقُولَانِ لَهُ: مَا
دِينُكَ؟ فَيَقُولُ: دِينِيَ الْإِسْلَامُ، فَيَقُولَانِ لَهُ: مَا هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي بُعِثَ فِيكُمْ؟
فَيَقُولُ: هُوَ رَسُولُ اللهِ وَهِ، فَيَقُولَانِ لَهُ: وَمَا عِلْمُكَ؟ فَيَقُولُ: قَرَأْتُ كِتَابَ
اللَّهِ فَامَنْتُ بِهِ وَصَدَّقْتُ. فَيُنَادِي مُنَادٍ مِنَ السَّمَاءِ: إِنْ صَدَقَ عَبْدِي، فَأَفْرِشُوهُ
مِنَ الْجَنَّةِ وَأَلْبِسُوهُ مِنَ الْجَنَّةِ، وَانْتَحُوا لَهُ بَابًا إِلَى الْجَنَّةِ)).
(١٦٤٥) رَوَاهُ أَحْمَد (٢٨٧/٤ - ٢٨٨) من وجهين في أحدهما ما ليسَ في الآخرِ .

٥٠٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
قَالَ: (فَيَأْتِيهِ مِنْ رَوْحِهَا وَطِيِهَا وَيُفْسَحُ لَهُ فِي قَبْرِهِ مَذَّ بَصَرِهِ) قَالَ: ((وَيَأْتِيهِ
رَجُلٌ حَسَنُ الْوَجْهِ، حَسَنُ الثِّيَابِ طَيِّبُ الرِّيحِ، فَيَقُولُ: أَبْشِرْ بِالَّذِي يَسُرُّكَ،
هَذَا يَوْمُكَ الَّذِي كُنْتَ تُوعَدُ، فَيَقُولُ لَهُ: مَنَّ أَنْتَ؟ فَوَجْهُكَ الْوَجْهُ يَجِيءُ
بِالْخَيْرِ، فَيَقُولُ: أَنَا عَمَلُكَ الصَّالِحُ، فَيَقُولُ: رَبِّ أَقِمِ السَّاعَةَ رَبِّ أَقِم
السَّاعَةَ؛ حَتَّى أَرْجِعَ إِلَى أَهْلِي وَمَالِيٍ)). قَالَ: ((وَإِنَّ الْعَبْدَ الْكَافِرَ إِذَا كَانَ فِيَ
انْقِطَاعِ مِنَ الدُّنْيَا، وَإِقْبَالٍ مِنَ الْآخِرَةِ، نَزَلَ إِلَيْهِ مِنَ السَّمَاءِ مَلَائِكَةٌ سُودُ
الْوُجُوَّهِ، مَعَهُمُ الْمُسُوحُ، فَيَجْلِسُونَ مِنْهُ مَدَّ الْبَصَرِ، ثُمَّ يَجِيءُ مَلَكُ الْمَوْتِ
حَتَّى يَجْلِسَ عِنْدَ رَأْسِهِ فَيَقُولُ: أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْخَبِيثَةُ اخْرُجِي إِلَى سَخَطٍ مِنَ
الَّهِ). قَالَ: (فَتُفَرَّقُ فِي جَسَدِهِ، فَيَنْتَزِعُهَا كَمَا يُنْزَعُ السَّفُودُ مِنَ الصُّوفِ
الْمَبْلُولِ فَيَأْخُذُهَا، فَإِذَا أَخَذَهَا لَمْ يَدَعُوهَا فِي يَدِهِ طَرْفَةً عَيْنٍ حَتَّى يَجْعَلُوهَا فِي
تِلْكَ الْمُسُوحِ، وَيَخْرُجُ مِنْهَا كَأَنْتَنِ رِيح جِيفَةٍ وُجِدَتْ غَّلَى وَجْهِ الْأَرْضِ،
فَيَصْعَدُونَ بِهَاَ، فَلَ يَمُرُّونَ بِهَا عَلَى مَّلاَ مِنَّ الْمَلَائِكَةِ، إِلَّ قَالُوا: مَا هَذَا الرُّوحُ
الْخَبِيثُ؟ فَيَقُولُونَ: فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ - بِأَقْبَح أَسْمَائِهِ الَّتِي كَانَ يُسَمَّى بِهَا فِي
الدُّنْيَا - حَتَّى يُنْتَهَى بِهَا إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَاَ فَيُسْتَفْتَحُ لَهُ فَلَا يُفْتَحُ لَهُ)). ثُمَّ قَرَأَ
رَسُولُ اللّهِ وَّهِ: ﴿لَا نُفَنَّحُ لَهُمْ أَبْوَبُ اُلَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَّى يَلِجَ اُلْجَمَلُ فِ سَمِّ
الْخِيَاطِ﴾ [الأعراف: ٤٠]. ((فَيَقُولُ اللَّهُ رَ اكْتُبُوا كِتَابَهُ فِي سِجِّينِ، فِي الأَرْضِ
السُّقْلَى، فَتُطْرَحُ رُوحُهُ طَرْحًا)) ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَمَن يُثْرِكِ بِاللَّهِ فَكَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ
فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِى بِهِ الرِّيحُ فِ مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ [الحج: ٣١]، ((فَتُعَادُ رُوحُهُ فِي
جَسَدِهِ وَيَأْتِيهِ مَلَكَانٍ، فَيُجْلِسَانِهِ فَيَقُولَانِ لَهُ: مَنْ رَبُّلُكَ؟ فَيَقُولُ: هَاهْ هَاهْ لَا
أَدْرِي، فَيَقُولَانِ لَهُ: مَا دِينُكَ؟ فَيَقُولُ: هَاهْ هَاهْ لَا أَدْرِي، فَيَقُولَانٍ لَهُ: مَا هَذَا
الرَّجُلُ الَّذِي بُعِثَ فِيكُمْ؟ فَيَقُولُ: هَاهْ هَاهْ لَا أَدْرِي. فَيُنَادِي مُنَادٍ مِنَ السَّمَاءِ أَنْ
كَذَبَ فَأَفْرِشُوهُ مِنَ النَّارِ وَافْتَحُوا لَهُ بَابًا إِلَى النَّارِ، فَيَأْتِهِ مِنْ حَرِّهَا وسَمُومِهَا،
وَيُضَيَّقُ عَلَيْهِ قَبْرُهُ حَتَّى تَخْتَلِفَ فِيهِ أَضْلَاعُهُ، وَيَأْتِيهِ رَجُلٌ قَبِيحُ الْوَجْهِ قَبِحُ
الثِّيَابِ، مُنْتِنُ الرِّيحِ، فَيَقُولُ: أَبْشِرْ بِالَّذِي يَسُوءُلَ، هَذَا يَوْمُكَ الَّذِي كُنْتَ
تُوعَدُ، فَيَقُولُ: مَنْ أَنْتُ؟ فَوَجْهُكَ الْوَجْهُ يَجِيءُ بِالشَّرِّ، فَيَقُولُ: أَنَا عَمَلُكَ
الْخَبِيثُ، فَقُولُ: رَبِّ لَا تُقِمِ السَّاعَةَ.

كِتَابُ الْجَنَائِزِ
بَابُ مَا يُقَالُ عِنْدَ مَنْ حَضَرَهُ الْمَوْتُ
٥٠٥
وفِي رِوَايَةٍ نَحْوهُ وَزَادَ فِيهِ: ((إِذَا خَرَجَ رُوحُهُ صَلَّى عَلَيْهِ كُلُّ مَلَكِ بَيْنَ
السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، وَكُلُّ مَلَكِ فِي السَّمَاءِ، وَفُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ السَّمَاءِ، لَيْسَ مِنْ
أَهْلِ بَابٍ إِلَّا وَهُمْ يَدْعُونَ اللّهَ أَنْ يُعْرَجَ بِرُوحِهِ مِنْ قِبَلِهِمْ. وَتُنْزَعُ نَفْسُهُ -
يَعْنَى: أَلْكَافِرَ - مَعَ الْعُرُوقِ فَيَلْعَنُهُ كُلَّ مَلَكِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، وَكُلُّ
مَلَكِ فِي السَّمَاءِ، وَتُغْلَقُ أَبْوَابُ السَّمَاءِ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ بَابٍ إِلَّا وَهُمْ يَدْعُونَ
اللَّهَ أَنْ لَا يُعْرَجَ رُوحُهُ مِنْ قِبَلِهِمْ)).
[رَوَاهُ أَحْمَدُ] {صحيح}
الْشَّرْجُ
١٦٤٥ - قوله: (خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ نَّهِ فِي جَنَازَةِ رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ) أي: إلى
البقيع. (فَانْتَهَيْنَا إِلَى الْقَبْرِ) أي: وصلنا إليه. (وَلَمَّا يُلْحَدْ) من أَلْحِد أو لَحَد كمَنَعَ
على بناء المفعول أو الفاعل أي: الحفار، يقالُ: ألحد الميت ولحده أي: دفنه،
وألحد اللحد ولحده أي: حفره، وألحد للميت ولحد له: حفر له لحدًا، و((لما))
بمعنى لم، وفيه توقع، فدل على نفي اللحد فيما مضى وعلى توقعه فيما يستقبل،
والجملة حال أي: وصلنا إلى القبر حال كون الميت لم يحفر اللحد له بعد.
(فَجَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ وََّ) في انتظار أن يحفر اللحد. (وَجَلَسْنَا حَوْلَهُ كَأَنَّ) بتشديد
النون. وفي رواية: و((كأن)). (عَلَى رُؤُوسِنَا الطَّيْرَ) بالنصبِ على أنه اسم كأن،
وهذا كناية عن غاية السكون أي: لا يتحرَّك منا أحد ولا يتكلم توقيرًا لمجلسه وَله،
والمعنى: جلسنا ساكنين متأدبين في حضرتهِ متواضعين، بحيث يكاد يقعد الطير
على رؤوسنا، والطير لا يكاد يقعد إلا على شيء لا تحرك له، وكانوا تظنه يراعون
أوقاته، فأحيانًا يتكلمون عنده ويضحكون، وأحيانًا يتأدبون ولا يتحركون.
قال الجزري: وصفهم بالسكون والوقار وأنهم لم يكن فيهم طيش ولا خفة؛ لأن
الطير لا تكاد تقع إلا على شيء ساكن.
(وَفِي يَدِهِ عُودٌ يَنْكُتُ) بضم الكاف. (بِهِ فِي الأَرْضِ) أي: يؤثر بطرف العود
الأرض فعل المتفكر المهموم، ذكره الطيبي. يقالُ: نكت الأرض بقضيب أي:
ضربها به حال التفكر فأثر فيها، ويسمى المعنى الدقيق الذي أخرج بدقة نظر

٥٠٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
وإمعان فكر نكتة؛ لأن من عادة المتفكر أن ينكت. (مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا) ظرف لـ((قال))
و((أو)) للشك من الراوي. (فِي انْقِطَاعٍ مِنَ الدُّنْيَا) أي: إدبار منها. (وَإِقْبَالٍ مِنَ
الآخِرَةِ) أي: اتصال بها. (كَأَنَّ وُجُوَهُهُمُ الشَّمْسُ) أي: وجه كل واحد منهم
كالشمس. (وَحَنُوطٌ) بفتح الحاء. قال الطيبي: الحنوط ما يخلط من الطيب لأكفان
الموتى وأجسادهم. (حَتَّى يَجْلِسُوا مِنْهُ مَدَّ الْبَصَرِ) أي: قريبا منه. (الطَّيَِّةُ) وفي
رواية الحاكم وابن منده: ((الْمُطْمَئِنَّةُ)). (اخْرُجِي إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ) أي :
ليس أمامك إلا المغفرة والرضوان، وفيه بشارة دفع العذاب وكمال الثواب.
(قَالَ) أي: النبي ◌َّ. (فَتَخْرُجُ) أي: روحه. (تَسِيلُ) حال. (كَمَا تَسِيلُ الْقَطْرَةُ)
أي: كسيلان القطرة في السهولة. (مِنَ السِّقَاءِ) بكسر السين أي: القربة. وفي
((المسند)): ((مِنْ فِي السِّقَاءِ))، والمقصود: بيان أن الروح تخرج من البدن بسهولة.
قال القاري: لا منافاة بين اضطراب الجسد وسهولة خروج الروح، بل قد يكون
الأول سببًا للثاني، كما أن رياضة النفس وتضعيف البدن عند الصوفية موجب لقوة
الروح على العبادة والمعرفة. وقال ابن حجر: ولا ينافي ذلك ما مر أن المؤمن
يشدد عليه عند النزع دون غيره؛ لأن محله فيما قبل خروج الروح، واعترض عليه
القاري بأن حالة النزع هو وقت خروج الروح فبين كلاميه تناقض، انتهى. فتأمل.
(فَيَأْخُذُهَا) أي: ملك الموت. (لَمْ يَدَعُوهَا) بفتح الدال أي: لم يتركوها. (فِي يَدِهِ
طَرْفَةَ عَيْنٍ) أدبًّا معه أو اشتياقًّا إليها .
قال الطيبي: فيه إشارة إلى أن ملك الموت إذا قبض روح العبد سلمها إلى أعوانه
الذين معهم كفن من أكفان الجنة، انتهى. والطّرفة: بفتح الطاء وسكون الراء
المرة من طرف، أي: يك بلك زدن، يقال: طَرَفَ بصره أو طرف بعينه يَطْرِف طرفًا
أي: أطبق أحد جفنيه على الآخر. (وَيَخْرُجُ مِنْهَا) أي: من الروح ريح أو شيء.
(كَأَطْيَبِ نَفْحَةٍ مِسْكِ) أي: مثل أطيبها فالكاف مثليه. قال الطيبي : صفة موصوف
محذوف هو فاعل يخرج منها رائحة كأطيب نفحة مسك، انتهى. والنفحة المرة
من نفح الطيب أي: انتشرت رائحته ونفحة الطيب رائحته. (فَيَصْعَدُونَ) أي:
أعوان ملك الموت أو ملائكة الرحمة منهم أو من غيرهم. (يَعْنِي : بِهَا) هذا كلام
الصحابي أو الراويِ على ملأ أي: جمع عظيم. (مِنَ الْمَلَائِكَةِ) أي: الذين بين
السماء والأرض. (إِلَّا قَالُوا) أي: الملأ. (مَا هَذَا الرَّوْحُ) بفتح الراء - أي: الريح -

كِتَابُ الْجَنَائِزِ
بَابُ مَا يُقَالُ عِنْدَ مَنْ حَضَرَهُ الْمَوْتُ
٥٠٧
وضمها. (فَيَقُولُونَ) أي: ملائكة الرحمة. (فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ) أي: رَوْحُهُ أو رُوحُهُ.
(بِأَحْسَنِ أَسْمَائِهِ) أي: ألقابه وأوصافه. (الَّتِي كَانُوا) أي: أهل الدنيا. (يُسَمُّونَهُ)
أي: يذكرونه. (بِهَا) أي: بتلك الأسماء. (حَتَّى) أي: لا يزال الملائكة يسألون
ويجابون كذلك. (حَتَّى يَنْتَهُوا بِهَا) أي: بتلك الروح. (فَيَسْتَفْتِحُونَ لَهُ) الضمير
للروح فإنه يذكر ويؤنث. (فَيُفْتَحُ) بالتذكير والجار نائب الفاعل. (لَهُمْ) قال ابن
حجر: أفرد الضمير؛ لأنه المقصود بالاستفتاح، ثم جمع إشارة إلى أنهم لا
يفارقونه بل يستمرون معه. (فَيُشَيِّعُهُ) من التشييع، وهو الخروج مع أحد لتوديعه أو
لتبليغه منزله يعني: يستقبله ويصحبه بعد دخوله في السماء. (حَتَّى يُنْتَهَى بِهِ) بصيغة
المجهول والجار نائب الفاعل. (اكْتُبُوا) أي: أثبتوا. (كِتَابَ عَبْدِي) الإضافة
للتشريف، ولذا قال في الكافر: ((اكْتُبُوا كِتَابَهُ)) أي: اجعلوا كتابة عبدي بكتابة
اسمه. (فِي عِلَِّّينَ) أي: في دفتر المؤمنين وديوان المقربين، والظاهر: أنه اسم
موضع في السماء السابعة، فيه كتاب الأبرار فالمراد بكتاب العبد صحيفة أعماله.
وقال الأبهري: أي: في كتاب عبدي، يعني أنه في عليين أو في عوال أو غرف من
الجنة مالًا. قال ابن حجر في ((فتاواه)): أرواح المؤمنين في عليين، وأرواح الكفار
في السجين، ولكل روح بجسدها اتصال معنوي لا يشبه الاتصال في الحياة الدنيا،
بل أشبه شيء به حال النائم، وإن كان هو أشد من حال النائم اتصالًا، قال: وإذا
نقل الميت من قبر إلى قبر فالاتصال المذكور مستمر، وكذا لو تفرقت الأجزاء.
انتھی مختصرًا.
(وَأَعِيدُوهُ) الآن. (إِلَى الْأَرْضِ) أي: إلى جسده الذي دفن في الأرض. (فَإِنِّي
مِنْهَا خَلَقْتُهُمْ) أي: أجساد بني آدم. (وَفِيهَا أُعِيدُهُمْ) أي: أجسادهم وأرواحهم.
(فَتُعَادُ رُوحُهُ فِي جَسَدِهِ) ظاهر الحديث أن عود الروح إلى جميع أجزاء بدنه فلا
التفات إلى ما قيل: إن العَوْدَ إنما يكون إلى البعض أو إلى النصف فإنه محتاج إلى
النقل الصحيح. (فَيَأْتِيهِ مَلَكَانٍ) أي: المنكر والنكير لكن في صورة مبشر وبشير.
وفي بعض الأحاديث جاء سؤال ملك، ولا تعارض في ذلك بل الكلٍ صحيح
المعنى، فإن هذا الاختلاف بالنسبة إلى الأشخاص. (مَا هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي بُعِثَّ
فِيكُمْ) أي: أرسل إليكم يعنون محمدًا وَّ وعبر بذلك امتحانًا؛ لئلا يتلقن تعظيمه
من عبارة القائل والإشارة لما في الذهن، فإنه لم يرد حديث صحيح ولا ضعيف في

٥٠٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
أنه يكشف للميت حتى يرى النبي وَّه، فلا التفات إلى قول القبوريين ومن شاكلهم
بأن رسول اللّه وَ ل يشهد بذاته في الخارج في قبر كل ميت عند سؤال الملكين.
(وَمَا عِلْمُكَ) أي: ما سبب علمك برسالته ومن أين علمت ذلك وما حجتك على
رسالته. (فَآمَنْتُ بِهِ) أي: بالكتاب أو بالرسول أو بما فيه وعلمت جميع ما ذكرت
من معانيه. (وَصَدَّقْتُ) أي: تصديقا قلبيًّا وما اكتفيت بالإِيمان اللساني أو هو
تأکید.
(أَنْ صَدَقَ عَبْدِي) ((أن)) تفسيرية؛ لأن في النداء معنى القول وقيل: مصدرية.
(فَأَفْرِشُوهُ) بقطع الهمزة أي: أعطوه فراشًا أو أفرشوا له فراشًا، فالهمزة لتأكيد
التعدية، ففي ((القاموس)): أفرش فلانًا بساطًا بسطه له كفرشه فرشًا وفرشه تفريشًا.
(مِنَ الْجَنَّةِ) أي: من فرشها. (وَأَلْبِسُوهُ) بقطع الهمزة أي: أكسوه. (مِنَ الْجَنَّةِ)
أي: من ثيابها. (وَافْتَحُوا لَهُ) أي: لأجله. (بَابًا) أي: من القبر. (إِلَى الْجَنَّةِ) أي:
جهتها. (مِنْ رَوْحِهَا) بفتح الراء أي: من نسيمها. (وَطِيبِهَا) أي: رائحتها.
(وَيُفْسَحُ) بالتخفيف أي: يوسعٍ له. (فِي قَبْرِهِ مَدَّ بَصَرِهِ) أي: منتهى بصره، وهو
مختلف باختلاف البصر. (وَيَأْتِيهِ) أي: المؤمن. (رَجُلٌ) وفي رواية الحاكم:
((وَيَتَمَّثَّلُ لَهُ رَجُلٌ)). (أَبْشِرْ بِالَّذِي يَسُرَُّكَ) أي: بما يجعلك مسرورًا.
(فَيَقُولُ) أي: المؤمن. (لَهُ مَنْ أَنْتَ) قال الطيبي: لما سره بالبشارة قال له: إني
لا أعرفك من أنت حتى أجازيك بالثناء والمدح، ثم قال: وقوله: ((من أنت))
متضمن معنى المدح مجملًا أي: بمعونة المقام وقرينه الحال، ثم قال: والفاء في
(فَوَجْهُكَ) لتعقيب البيان بالمجمل على عكس قول الشقي للملك: ((مَنْ أَنْتَ)).
(الْوَجْهُ) أي: وجهك هو الكامل في الحسن والجمال والنهاية في الكمال، وَحُقَّ
لمثل هذا الوجه أن يجيء بالخير ويبشر بمثل هذه البشارة وقوله. (يَجِي ءُ بِالْخَيْرِ)
جملة استئنافية، وقيل: الموصول مقدر أي: وجهك الوجه الذي يجيء بالخير.
(فَيَقُولُ) أي: المصور بصورة الرجل. (فَيَقُولُ رَبِّ أَقِمِ السَّاعَةَ رَبِّ أَقِم السَّاعَةَ)
التكرار للإلحاح في الدعاء. (حَتَّى أَرْجِعَ إِلَى أَهْلِي) أي: مَن الحور العين والخدم.
(وَمَالِي) من القصور والبساتين وغيرهما مما يطلق عليه اسم المال، وقيل: المراد
بالأهل أقاربه من المؤمنين وبمالي ما يشمل الحور والقصور.

كِتَابُ الْجَنَائِزِ
بَابُ مَا يُقَالُ عِنْدَ مَنْ حَضَرَهُ الْمَوْتُ
٥٠٩
Beer
قال مَيْرَك: طلب إقامة القيامة لكي يصل إلى ما أُعِدَّ له من الثواب والدرجات،
ويؤيده ما ذكر في الكافر حكاية عنه: ((رَبِّ لَا تُقِم السَّاعَةَ)) لكي يهرب به عما يعد له
من العقاب. وقال الطيبي: لعله عبارة عنٍ طلب إحيائه لكي يرجع إلى الدنيا ويزيد
في العمل الصالح والإنفاق في سبيل اللّه، حتى يزيد ثوابًا ويرفع في درجاته،
يعني: لكنه لما علم أن ليس الإحياء بعد الموت إلا بالبعث يوم القيامة طلب قيام
الساعة كناية عن الإحياء، وقيل: يحتمل أن يكون قول المؤمن في القبر: ((حَتَّى
أَرْجِعَ إِلَى أَهْلِي وَمَالِي)» لفرط سروره وغاية فرحه ويكون تمنيه الرجوع إلى أهله
ليخبرهم بذلك، كما يقول ويتمنى المسافر الذي حصل له التنعم في بلد الغربة.
(مَعَهُمُ الْمُسُوحُ) بضم الميم جمع المسح بكسرِها وهو البلاس واللباس
الخشن. (إِلَى سَخَطٍ مِنَ اللهِ) أي: آثار غضب الله من أنواع عقابه، وفي
((المسند)): ((إِلَى سَخْطٍ مِنَ اللَّهِ وَغَضَبٍ))، وكذا عند الحاكم. (فَتَفَرَّقَ) بحذف
إحدى التائين أي: الروح. (فِي جَسَدِهِ) أي: تنتشر في أعماق البدن؛ فزعًا وكراهة
للخروج إلى ما يسخن عينه من العذاب الأليم، كما أن أرواح المؤمن تخرج
وتسيل، كما تسيل القطرة من السقاء؛ فرحًا إلى ما تقرُّ به عينه من الكرامة.
(فَيَنْتَزِعُهَا) أي: ملك الموت يستخرج روحه بعنف وشدة ومعالجة. (كَمَا يُنْزَعُ)
بالبناء للمجهول، وفي («المسند»: (كَمَا يُنْتَزَعُ». (السَّفَّودُ) كتَثُّور: الحديدة التي
يشوى عليها اللحم، وفي رواية لأحمد: ((السَّفَّوُدُ الكَثِيرُ الشِّعْبِ)). (مِنَ الصَّوفِ
المَبْلُولِ) قال الطيبي: شبه نزع روح الكافر من أقصى عروقه بحيث يصحبه
العروق، كما قال في الرواية الأخرى: ((وَتُنْزَعُ نَفْسُهُ مَعَ العُرُوقِ بِنَزْعِ السَّفُّودِ))،
وهو الحديدة التي يُشوي بها اللحم فيبقى معها بقية من المحروق، فيستصحب عند
الجذب شيئًا من ذلك الصوف مع قوة وشدة، وبعكسه شبه خروج روح المؤمن من
جسده بترشح الماء وسيلانه من القربة المملوءة ماء مع سهولة ولطف. (لَمْ يَدَعُوهَا
فِي يَدِهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ) أي: مبادرة إلى الأمر. (وَيَخْرُجُ مِنْهَا) أي: من روح الكافر.
(فَيَصْعَدُونَ بِهَا) افتضاحًا لها وإظهارًا لرداءتها. (بِأَقْبَح أَسْمَائِ) أي: يذكرونه بأشنعِ
أوصافه. (الَّتِي كَانَ يُسَمَّى) أي: ذلك الكافر. (بِهَا) أي: بتلك الأسماء. (ثُمَّ قَرَأَ
رَسُولُ اللَّهِ وَلَّ) أي: استشهادًا على ما ذكر من عدم الفتح للكافر قوله تعالى: ﴿إِنَّ
الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِشَايَئِنَا وَأَسْتَكْبَرُواْ عَنْهَا﴾ [الأعراف: ٣٦، ٤٠]. (لَا تُفَتَّحْ) بالتأنيث مع التشديد

٥١٠
se
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
قراءة الجمهور. (لَهُمْ) أي: لأرواحهم. (أَبْوَابُ السَّمَاءِ) أيُّ شيء منها، وقيل:
المعنى لا تفتح أبواب السماء لأدعيتهم إذا دعوا، قاله مجاهد، والنخعي. وقيل:
لأعمالهم أي: لا تقبل بل ترد عليهم فيضرب بها في وجوههم.
قال العلامة الشوكاني في ((فتح القدير)) (ج ٢ ص١٩٥): ولا مانع من حمل الآية
على ما يعم الأرواح والدعاء والأعمال، ولا ينافيه ورود ما ورد من أنها لا تفتح
أبواب السماء لواحد من هذه؛ فإن ذلك لا يدل على عدم فتحها لغيره مما يدخل
تحت عموم الآية: ﴿وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ﴾ [الأعراف: ٤٠] أي: يدخل، من الولوج
وهو الدخول بشدة، ولذلك يقال: هو الدخول في ضيق فهو أخص من مطلق
الدخول. الجمل: هو الذكر من الإبل، ولا يقال للبعير جمل إلا إذا بزل أي : دخل
في السنة التاسعة، وقيل: إنما يسمى جملًا إذا أربع، أي: بلغ أربع سنينٍ. في سم
الخياط: السَّم مثلث السين لغة لكن السبعة على الفتح، وقرئ شاذًا بالكسر
والضم، وهو الثقب اللطيف الضيق. والخِيَاطِ: الآلة التي يخاط بها كالمخيط،
فعال ومفعل كإزار ومئزر ولحاف وملحف، والمراد به الإبرة في هذه الآية.
وخَصَّ الجملَ بالذكر من بين سائر الحيوانات؛ لأنه أكبر من سائر الحيوانات
جسمًا عند العرب، ويضرب به المثل عندهم في كبر الذات وعظم الجرم، وخص
سم الخياط؛ لكونه غاية الضيق وأضيق المنافذ، ودخول الجمل مع عظم جسمه
في ثقب الإبرة الضيق غير ممكن، فكذا ما توقف عليه.
(فِي سِجِّينٍ) قيل: هو كتاب جامع لأعمال الشياطين والكفرة، وقيل: هو مكان
في أسفل الأرض السابعة، وهو محل إبليس وجنوده. (فِي الأَرْضِ) حال لازمه أو
بدل بإعادة الجار بدل كل من بعض. (السُّفْلَى) أي: السابعة، وفيه إشارة إلى محل
جهنم، وهو الأشهر من خلاف فيه. (فَتُطْرَحُ رُوحُهُ طَرْحًا) أي: ترمي رميًّا شديدًا.
ومن يشرك بالله فكأنما خر، أي: سقط من السماء إلى الأرض؛ فتخطفه بفتح الطاء
المخففة. (الطَّيْرُ) أي: تسلب لحمه وتقطعه بمخالبها وتذهب به أو تهوي به
الريح، أي: تقذفه وترمي به. قال القاري: ((أو)) للتنويع أو للتخيير في التمثيل.
(فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ) أي: بعيد لا يصل إليه أحد بحال. قال الزمخشري: يجوز في
هذا التشبيه أن يكون من المركب والمفرق، فإن كان تشبيهًا مركبًا فكأنه قال: من

٥١١
كِتَابُ الْجَنَائِزِ
بَابُ مَا يُقَالُ عِنْدَ مَنْ حَضَرَهُ الْمَوْتُ
أشرك بالله فقد أهلك نفسه إهلاكًا ليس بعده هلاك، بأن صور حاله بصورة حال مَن
خرَّ من السماء، فاختطفته الطير متفرقًا موزعًا في حواصلها، أو عصفت به الريح
حتى هوت به في بعض الأماكن البعيدة، وإن كان مفرقًا فقد شبه الإيمانَ في علوه
بالسماء، والذي ترك الإيمان وأشرك بالله بالساقط من السماء، والأهواءَ المردية
بالطير المختطفة، والشيطانَ الموقع في الضلال بالريح التي تهوى بما عصفت به
في بعض المهاوي المتلفة، انتهى.
قال الطيبي: ﴿أَوْ تَهْوِى بِهِ الرِّيحُ﴾ أي: عصفت به، أي: هوتٍ به في بعض
المطارح البعيدة، وهذا استشهاد مجرد لقوله وَله : ((فِي سِجِّينِ فِي الأَرْضِ السُّفْلَى،
فَتُطْرَحُ رُوحَهُ طَرْحًا))، لا أنه بيان لحال الكافر حينئذ؛ لأنه شبّه في الآية من يشرك
باللّه بالساقط من السماء، والأهواء التي توزع أفكاره بالطير المختطفة، والشيطانَ
الذي يغويه ويطرح به في وادي الضلالة بالريح الذي هو يهوي بما عصف به في
بعض المهاوي المتلفة.
(هَاهْ هَاهْ) بسكون الهاء الأخيرة فيهما: كلمة يقولها المبهوت المتحير في
الجواب من الدهشة والخوف. (أَنْ كَذَبَ) أي: كذب هذا الكافر في نفي الدراية
عنه مطلقًا، بل عرف الله وأشرك به وتبين الدين وما تدين به وظهرت رسالة النبي
بالمعجزات عنده وما أطاعه. (فَأَفْرِ شُوهُ مِنَ النَّارِ) زاد في رواية أبي داود والحاكم:
(وَأَلْبِسُوهُ مِنَ النَّارِ)). (فَيَأْتِيهِ مِنْ حَرِّهَا) أي: يأتيه بعض حرها في قبره، وأما تمامه
ففي الآخرة؛ قال تعالى: ﴿وَلَعَذَابُ الْآَخِرَةِ أَشَدُ وَأَبْقَ﴾ [طه:١٢٧] (وَسَمُومِهَا) بفتح
السين، وهي الريح الحارة. (وَيُضَيَّقُ) بصيغة المجهول من التضييق. (حَتَّى
تَخْتَلِفَ فِيهِ) أي: في قبره وفي بدنه. (أَضْلَاعُهُ) أي: عظام جنبه بأن يدخل عظام
الجنب الأيمن في عظام الأيسر وعظام الجنب الأيسر في الأيمن من شدة التضييق.
وأما ضغطة القبر للمؤمن؛ فإنما هي ضمة للأرض كمعانقة الأم المشتاقة لولدها.
(يَسُوءَُ) أي: يحزنك. (فَوَجْهُكَ الْوَجْهُ) أي: الكامل في القبح. (أَنَا عَمَلُكَ
الْخَبِيثُ) أي: المركب من خبث عقائدك وأعمالك وأخلاقك، فالمعاني تتجسد
وتتصور في قوالب المباني. (وَفِي رِوَايَةٍ) أي: لأحمد. (وَنَحْوُهُ) أي: معنى ما ذكر
من الألفاظ .

٥١٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
(وَزَادَ) أي: الراوي. (فِيهِ) أي: في نحوه في بيان حال المؤمن. (إِذَا خَرَجَ
رُوحُهُ) أي: روح المؤمن. (وَكُلَّ مَلَّكِ فِي السَّمَاءِ) أريد بها الجنس. (لَيْسَ مِنْ أَهْلِ
بَابٍ) أي: من أبواب كل سماء. (أَنْ يُعْرَجَ بِرُوحِهِ) بالبناء للمفعول أي: يعرج
الملائكة به. (مِنْ قِبَلِهِمْ) بكسر القاف وفتح الباء أي: من جهتهم، وقال رَّ في ذكر
حال الكافر: (وَتُنْزَعُ) بصيغة المجهول. (نَفْسُهُ) أي: روحه. (يَعْنِي: الْكَافِرَ)
تفسير من المؤلف. (مَعَ الْعُرُوقِ) إشارة إلى كراهة خروجه وشدة الجذب في نزع
روحه. (وَتُغْلَقُ) أي: دونه. (أَبْوَابُ السَّمَاءِ) أي: جميعها. (لَيْسَ مِنْ أَهْلِ بَابٍ)
أي: من أبواب سماء الدنيا. (أَنْ لَا يُعْرَجَ رُوحُهُ) بالتذكير وبصيغة المجهول ويصح
أن يكون للفاعل أي: أن لا يصعد روحه. وفي ((المسند)): ((أَنْ لَا تَعْرُجَ رُوحُهُ)) أي:
بالتأنيث. (مِنْ قِبَلِهِمْ) كراهة لظاهره وباطنه .
والحديث نص في أن الروح تعاد إلى الميت في قبره وقت السؤال، وهو مذهب
جميع أهل السنة من سائر الطوائف.
قال ابنُ تيمية: الأحاديث الصحيحة المتواترة تدل على عود الروح إلى البدن
وقت السؤال، وسؤال البدن بلا روح قَوْلٌ قاله طائفة وأنكره الجمهور، وقابله
آخرون، فقالوا: السؤال للروح بلا بدن، وهذا قاله ابن مرة، وابن حزم، وكلاهما
غلط، والأحاديث الصحيحة ترده. وارجع للتفصيل إلى كتاب ((الروح)) لابن
القيم .
(رَوَاهُ أَحْمَدُ) الرواية الأولى في (ص ٢٨٧ - ٢٨٨) والثانية في (ج ٢ ص ٢٩٥ -
٢٩٦) وكلتاهما من رواية المنهال بن عمرو عن زاذان عن البراء بن عازب، وأخرجَهُ
من هذا الطريق أبو داود في ((السنة))، وسكت عنه، والحاكم (ج١ ص ٣٧ - ٣٨ -
٣٩) وصححه ووافقه الذهبي، وأبو عوانة وصحَّحه، والبيهقي وقال: حديث
صحيح الإسناد، وأخرجه أبو داود أيضًا والنسائي وابن ماجه كلهم في الجنائز من
طريق المنهال مختصرًا، أي: إلى قوله: (جَلَسْنَا حَوْلَهُ)). وأخرجه ابنُ مندة مطولًا
في كتاب ((الروح والنفس)) من طريق عيسى بن المسيب عن عدي بن ثابت عن
البراء، ومن طريق خصيف الجزري عن مجاهد عن البراء.
وقال السيوطي بعد ذكر الحديث من رواية أحمد: ورواه أبو داود في ((سننه))،

كِتَابُ الْجَنَائِزْ
بَابُ مَا يُقَالُ عِنْدَ مَنْ حَضَرَهُ الْمَوْتُ
٥١٣
والحاكم في ((مستدركه))، وابن أبي شيبة في ((مصنفه))، وأبو داود الطيالسي وعبد
ابن حميد في ((مسنديهما))، وهناد بن السري في ((الزهد))، وابن جرير وابن أبي
حاتم وغيره من طرق صحيحة، انتهى. ونسبه علي المتقي في ((الكنز)) (ج٨ ص٩٤)
إلى ابن خزيمة والضياء أيضًا.
وقال المنذري في ((الترغيب)) بعد ذكر الحديث من رواية أحمد ما لفظه: هذا
الحديث حديث حسن؛ رواته محتج بهم في الصحيح، وهو مشهور بالمنهال بن
عمرو عن زاذان عن البراء، كذا قال أبو موسى الأصبهاني، والمنهال روى له
البخاري حديثًا واحدًا. وقال ابنُ معين والعجلي: المنهال ثقة. وقال أحمد: تركه
شعبة علی عمد.
قال عبد الرحمن بن أبي حاتم: لأنه سمع من داره صوت قراءة بالتطريب. وقال
عبد الله بن أحمد: سمعت أبي يقول: أبو بشر أحب إليَّ من المنهال. وزاذان ثقة
مشهور أَلَّانَهُ بعضهم، وروى له مسلم حديثين في ((صحيحه))، ورواه البيهقي من
طريق المنهال بنحو رواية أحمد، ثم قال: وهذا حديث صحيح الإسناد، وقد رواه
عيسى بن المسيب عن عدي بن ثابت عن البراء عن النبي وَال.
وقال ابن القيم في كتاب ((الروح)) (ص ٧٥): هذا حديث ثابت مشهور مستفيض
صححه جماعة من الحفاظ، ولا نعلم أحدًا من أئمة الحديث طعن فيه، بل رووه
في كتبهم وتلقوه بالقبول، وجعلوه أصلًا من أصول الدين في عذاب القبر ونعيمه،
ومسائلة منكر ونكير، وقبض الأرواح وصعودها إلى بين يدي الله ثم رجوعها إلى
القبر، قال: ورواه عن البراء غير زاذان، ورواه عنه عدي بن ثابت و مجاهد بن جبر
ومحمد بن عقبة وغيرهم، وقد جمع الدار قطني طرقه في مصنف مفرد، وزاذان من
الثقات وروى له مسلم في (صحيحه))، ثم ذكر توثيقه عن ابن معين والعجلي وابن
عدي. قال: والمنهال أحد الثقات العدول، ثم ذكر توثيقه عن ابن معين والعجلي،
قال: وأعظم ما قيل فيه: إنه سمع من بيته صوت غناء، وهذا لا يوجب القدح في
روایته وإطراح حديثه، انتهى.

٥١٤
Sexx X asset
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
١٦٤٦ - [١٧] وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبٍ عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: لَمَّا
حَضَرَتْ كَعْبًا الْوَفَاةُ أَتَتْهُ أُمُّ بِشْرِ بِنْتُ الْبَرَاءِ بْنِ مَّعْرُورٍ، فَقَالَتْ: يَا أَبَّا
عَبْدِ الرَّحْمَنِ، إِنْ لَقِيتَ فُلَانًا فَاقْرَأُ عَلَيْهِ مِنِّي السَّلَامَ. فَقَالَ: غَفَرَ اللَّهُ لَكِ يَا أُمَّ
بِشْرِ نَحْنُ أَشْغَلُ مِنْ ذَلِكَ، فَقَالَتْ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَمَا سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ
وَلَ يَقُولُ: ((إِنَّ أَرْوَاحَ الْمُؤْمِنِينَ فِي طَيْرٍ خُضْرٍ تَعْلُقُ بِشَجَرِ الْجَنَّةِ؟)) قَالَ:
بَلَى. قَالَتْ: فَهُوَ ذَلِكَ. [رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِ كِتَابِ الْبَعْثِ وَالنُّشُورِ] {ضعيف}
G O
الْشَرْجُ
١٦٤٦ - قوله: (وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبٍ) أي: ابن مالك الأنصاري
السلمي أبو الخطاب المدني، ثقة من كبار التابعين، ويقال: ولد في عهد
النبيِ وَّ، مات في خلافة سليمان بن عبد الملك. (عَنْ أَبِيهِ) أي: كعب بن مالك
الأنصاري السلمي الصحابي المشهور الشاعر، وهو أحد الثلاثة الذين خلفوا. قال
السندي في ((حاشية ابن ماجه)): قوله: عن عبد الرحمن بن كعب عن أبيه، هكذا في
النسخ التي رأيت، والظاهر: أن قوله: ((عن أبيه)) زيد؛ والحديث من قول عبد
الرحمن نفسه؛ فإنه شاهده ورواه لا أنه أخذه عن أبيه، وهو الأوفق باللفظ، لكن
إمكان الأخذ موجود، فيمكن أن عبد الرحمن ما كان حاضرًا ثم سمعه من أبيه قبل
موته ثم مات، وأما لفظ: ((لما حضرت كعبًا الوفاة)) فَأَمْرُهُ سَهْلٌ، انتهى.
(قَالَ) أي: عبد الرحمن. (أَتَتْهُ) أي: كعبًا. (أُمُّ بِشْرٍ) بكسر الباء، ويقال لها: أم
مبشر أيضًا. قيل: اسمها خليدة ولم يصح. قال الحافظ: والذي ظهر لي بعد
البحث أن خليدة والدة بشر بن البراء بن معرور. (بِنْتُ الْبَرَاءِ بْنِ مَعْرُورٍ) الأنصارية
صحابية، روت عن النبي ◌َّله. وروى عنها عبد الله بن كعب بن مالك ومجاهد
وعبد الرحمن بن كعب بن مالك. وأما أبوها فهو البراء بن معرور بن صخر
الأنصاري السلمي الخزرجي، أبو بشر، كان من النفر الذين بايعوا البيعة الأولى
بالعقبة، وهو أول مَن بايع وأول من استقبلَ الكعبة حيًّا وميتًا، وهو أول من أوصى
(١٦٤٦) ابن مَاجَهْ (١٤٤٩) عنهُ في الجنائز.

كِتَابُ الْجَنَائِزِ
بَابُ مَا يُقَالُ عِنْدَ مَنْ حَضَرَهُ الْمَوْتُ
٥١۵
بثلث ماله، وهو أحد النقباء، مات في صفر قبل قدوم النبي رَّ المدينة بشهر، فلما
قدم رسول اللَّه ◌َله المدينة أتى قبره في أصحابه، فكبر عليه وصلى، وقد أمر البراء
أهله عند موته أن يوجهوه إلى الكعبة فوجه قبره إليها. ومعرور بفتح الميم وسكون
العين المهملة وضم الراء الأولى.
(يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ) كنيته كعب. (إِنْ لَقِيتَ) أي: بعد موتك. (فُلَانًا) أي:
روحه قيل: تعني أباها البراء، ففي رواية للطبراني في ((الكبير)): ((إن لقيت أبي فاقرأ
مني السلام))، وذكرها الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) (ج ٢ ص٣٢٩). وقيل: المراد
به ولدها مبشر؛ ففي رواية لأحمد (ج٢ ص ٤٥٥) قالت أم مبشر لكعب بن مالك -
وهو شاك - اقرأ على ابني السلام - تعني: مبشرًا - فقال: يغفر الله لك يا أم
مبشر ... الحديث.
وقيل: المراد ولدها بشر، فقد أخرج ابن أبي الدنيا في كتاب ((القبور)) عن أبي
لبيبة الأشهلي قال: لما مات بشر بن البراء بن معرور وجدت أمه وجدًا شديدًا،
فقالت: يا رسول الله، لا يزال الهالك يهلك من بني سلمة فهل تتعارف الموتى؟
فأرسل إلى بشر بالسلام، قال: (نَعَمْ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إِنَّهُمْ يَتَعَارَفُونَ كَمَا يَتَعَارَفُ
الطَّيْرُ فِي رُؤوسِ الأَشْجَارِ))، وكان لا يهلك هالك من بني سلمة إلا جاءته أم بشر.
فقالت: يا فلان، عليك السلام، فيقول: وعليك، فتقول: اقرأ على بشر مني
السلام .
(نَحْنُ أَشْغَلُ) أي: بأعمالنا وجزائها. (مِنْ ذَلِكَ) أي: مما تقولين من تعارف
الموتى وإبلاغ سلام الأحياء إياهم. (أَمَا سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ وَلِّ) ... إلخ أي:
لست ممن يشغل عن ذلك، بل أنت ممن ورد فيهم هذه الكرامة وقولها: ((فهو
ذلك))، أي: الفضل والكرامة التي ترجى لك ذاك، فتكون أنت في غاية السرور
والحبور لا مشغولًا ومخذولاً، كذا في ((اللمعات)). وقال الطيبي: هذا جواب عن
اعتذاره بقوله: نحن أشغل، أي: لست ممن يشغل عما كلفتك، بل أنت ممن قال
فيه رسول اللّه وَل كيت وكيت.
(إِنَّ أَرْوَاحَ الْمُؤْمِنِينَ) ظاهر هذا السوق العموم، فيتناول كل مؤمن شهيدًا کان أم
غير شهيد، وإليه ذهب ابن القيم وابن كثير، فقالا: أرواح المؤمنين كلهم في

٥١٦
*=
ese
مِزْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الجنة، شهداء كانوا أو غير شهداء إذا لم يحبسهم عن الجنة كبيرةٌ ولا دَيْنٌ، وتلقاهم
ربهم بالعفو عنهم والرحمة لهم؛ لأن هذا الحديث وكذا الحديث الآتي لم يخص
فيهما شهيدًا من غير شهيد. وقيل: المراد بالمؤمنين الشهداء خاصة دون غيرهم؛
لما في رواية أحمد (ج٦ ص٣٨٦) والترمذي من طريق عمرو بن دينار عن الزهري
عن ابن كعب بن مالك عن أبيه مرفوعًا: ((أَنَّ أَرْوَاحَ الشُّهَدَاءِ)) ... إلخ، وهذا
اختاره ابن القرطبي وابن عبد البر، فقالا: الكرامة المذكورة في الحديث خاصة
بالشهداء دون غيرهم؛ لأن القرآن والسنة إنما يدلان على ذلك، فالروايات المطلقة
تحمل على المقيدة.
(فِي طَيْرٍ) جمع طائر، ويطلق على الوحد. (خُضْرٍ) بضم فسكون جمع أخضر
أي: تدخل في أجواف طير وأبدانها، ففي رواية للطبراني: ((إِنَّ أَرْوَاحَ الْمُؤْمِنِينَ فِي
أَجْوَافٍ طَيْرِ خُضْرٍ))، ذكرها الهيثمي، وليس ذلك حبسًا للأرواح وتسجنًا؛ لجواز
أن يقدر اللَّه تعالَّى في تلك الأجواف من السرور والنعيم ما تجده في الفضاء
الواسع، يعني: أنها تجد فيها من النعيم ما لا يوجد في الفضاء، أو تكون الطيور
وأجوافها بمنزلة المراكب للأرواح ترتع وتسرح بها في الجنة وتتنعم، أو تكون
الطيور للأرواح كالهوادج للجالسين فيها، والله أعلم.
وقيل: المعنى أن الأرواح تجعل في صور طير، أي: أن الروح نفسها تتشكل
وتتمثل بأمر الله طائرًا كتمثل الملك بشرًا.
قال السيوطي في ((حاشية أبي داود)): إذا فسرنا الحديث أن الروح يتشكل طيرًا
فالأشبه أن ذلك في القدرة على الطيران فقط لا في صورة الخلقة؛ لأن شكل
الإنسان أفضل الأشكال، انتهى. قال السندي: هذا إذا كان الروح الإنساني له
شكل في نفسه ويكون على شكل الإنسان، وأما إذا كان في نفسه لا شكل له، بل
يكون مجردًا أو أراد الله تعالى أن يتشكل ذلك المجرد لحكمة ما فلا يبعد أن
يتشكل من أول الأمر على شكل الطائر، انتهى.
قلت: اختلفت ألفاظ الرواية في أن الروح والنسمة تكون طيرًا أو تكون في
جوف طير، كما اختلفت في أن هذه الكرامة للشهداء خاصة أو لجميع المؤمنين،
شهداء كانوا أم غير الشهداء، وقد تقدَّم شيء من الكلام على الاختلاف الثاني. وأما

كِتَابُ الْجَنَائِزِ
بَابُ مَا يُقَالُ عِنْدَ مَنْ حَضَرَهُ الْمَوْتُ
٥١٧
FOX
الاختلاف الأول، فرجح القرطبي وابن عبد البر والقاضي عياض روايةً من روى أن
الروح والنسمة طير أو كطير أو في صورة طير، وأنكروا روايةَ: ((فِي أَجْوَافٍ طَيْرِ))،
(وَبِحَوَاصِلٍ طَيْرٍ))؛ لأنها حينئذ تكون محصورة مضيقًا عليها. وردًّ بأن رواية: ((فِي
أَجَوَافٍ طَيْرٍ)) في ((صحيح مسلم)) فلا يمكن إنكارها، والتأويل محتمل كما تقدم.
وذهب آخرون إلى الجمع والتوفيق. قال ابن القيم في كتاب (الروح))
(ص١٥٧): إن الله سبحانه جعل أرواح الشهداء في أجواف طير خضر، فإنهم لما
بذلوا أنفسهم لله حتى أتلفها أعداؤه فيه، أعاضهم منها في البرزخ أبدانًا خيرًا منها
تكون فيها إلى يوم القيامة، ويكون نعيمها بواسطة تلك الأبدان أكمل من نعيم
الأرواح المجردة عنها، ولهذا كانت نسمة المؤمن في صورة طير أو كطير ونسمة
الشهيد في جوف طير. وتأمل لفظ الحديثين، فإنه قال - أي: في حديث كعب
الآتي - ((نَسَمَةُ المُؤْمِنِ طَيْرٌ))، فهذا يعم الشهيد وغيره، ثم خص الشهيد بأن قال:
((هِيَ فِي جَوْفٍ طَيْرٍ))، ومعلوم أنها إذا كانت في جوف طير صدق عليها أنها طير،
انتھی .
قال ابنُ كثيرٍ في هذا الحديث: إن روح المؤمن على شكل طير في الجنة، وأما
أرواح الشهداء ففي حواصل طير خضر ترد أنهار الجنة وتأكل من ثمارها، وتأوي
إلى قناديل من ذهب في ظل العرش، كما رواه أحمد عن ابن عباس مرفوعًا، فهي
كالراكب بالنسبة إلى أرواح عموم المؤمنين، فإنها تطير بأنفسها، فهو بشرى لكل
مؤمن بأن روحه تكون في الجنة أيضًا وتسرح فيها وتأكل من ثمارها، كذا في
((شرح الموطأ)) للزرقاني. ومال القاري إلى الجمع بوجه آخر حيث قال: ((فِي
أَجْوَاِف طَيْرِ خُضْرٍ)) أي: في صورة طير كما تقول: رأيتُ ملكًا في صورة إنسان،
انتھی .
وحاصله: أن مؤدى رواية: ((فِي أَجْوَافٍ طَيْرٍ)) هو كون الروح أو النسمة في
صورة طير، فكأنه أرجع هذه الرواية إلى رواية النسمة طير أو كطير أو في صورة
طير.
(تَعْلُقُ) بفتح المثناة فوق وسكون المهملة وضم اللام أي: ترعى من أعالي شجر
الجنة، قاله المنذري. وقال الجزري: أي تأكل؛ وهو في الأصل للإبل إذا أكلت

٥١٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
العضاه، يقال: علقت تعلق علوقًا فنقل إلى الطير، انتهى. وقال ابن عبد البر:
يروى بفتح اللام وهو الأكثر ويروى بضم اللام والمعنى واحد وهو الأكل والرعي.
وقيل بفتح اللام أي: يتعلق ويتشبث بها ويقع عليها؛ تكرمة للمؤمن وثوابًا له،
وبضم اللام بمعنى يشيب منها العلقة من الطعام. (بِشَجَرِ الْجَنَّةِ) وفي رواية لأحمد
والطبراني: ((فِي شَجَرِ الجَنَّةِ)). قيل: الظاهر أن يقال تعلق شجر الجنة أو من شجر
الجنة، كما وقع في رواية لأحمد: ((مِن ثَمَرِ الجَنَّةِ)). وفي الترمذي: ((مِنْ ثَمَرِ الجَنَّةِ
أَوْ شَجَرِ الجَنَّةِ)). قيل: الباء زائدة. وقيل: تعديته بالباء تفيد الاتصال، لعله کنی به
عن الأكل؛ لأنها إذا اتصلت بشجر الجنة وتشبثت بها أكلت من ثمرها، وأرادت أم
بشر بذلك أنهم أحياء فيمكن إرسال السلام إليهم. (فَهُوَ ذَلِكَ) وفي بعض النسخ :
((فهو ذاك))، كما في ابن ماجه.
قال القاري: وقد تعلق بهذا الحديث وأمثاله بعض القائلين بالتناسخ وانتقال
الأرواح وتنعيمها في الصور الحسان المرفهة وتعذيبها في الصور القبيحة، وزعموا
أن هذا هو الثواب والعقاب. وهذا باطل مردود لا يطابق ما جاءت به الشرائع من
إثبات الحشر والنشر والجنة والنار، ولهذا قال في الحديث الآتي: ((حَتَّى يُرْجِعَهُ
اللَّهُ إِلَى جَسَدِهِ))، وفي بعض حواشي ((شرح العقائد)): اعلم أن التناسخ عند أهله هو
رد الأرواح إلى الأبدان الأخر في هذا العالم - أي: عالم الدنيا، يعني: بالتوالد
والتناسل - لا في الآخرة؛ إذهم ينكرون الآخرة والجنة والنار ولذا كفروا، انتهى.
قال شيخنا في ((شرح الترمذي)): على بطلان التناسخ دلائل كثيرة واضحة في
الكتاب والسنة، منها: قوله تعالى: ﴿حَتََّ إِذَا جَآءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ
لَعَلِّيَّ أَعْمَلُ صَلِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلََّّ إِنَّهَا كَلِمَهُ هُوَ قَائِلُهَا وَمِن وَرَآئِهِم بََّغُ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ
[المؤمنون: ٩٩، ١٠٠] .
١٠٠
(رواه ابْنُ مَاجَهْ) في الجنائز من طريق محمد بن إسحاق عن الحارث بن فضيل
عن الزهري عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك عن أبيه، وأخرجه الطبراني في
((الكبير)) وفيه أيضًا محمد بن إسحاق. قال الهيثمي: وهو مدلس، وبقية رجاله
رجال الصحيح، انتھی.
وأخرجه أحمد والترمذي من طريق عمرو بن دينار عن الزهري عن ابن كعب بن

كِتَابُ الْجَنَائِزْ
بَابُ مَا يُقَالُ عِنْدَ مَنْ حَضَرَهُ الْمَوْتُ
٥١٩
مالك عن أبيه مختصرًا بدون القصة، ورواه أحمد من طريق معمر عن الزهري عن
عبد الرحمن بن كعب بن مالك، قال: قالت أم مبشر لكعب بن مالك وهو شَاكٍ :
اقرأ على ابني السلام - تعني: مبشرًا - فقال: يغفر الله لك يا أم مبشر ...
الحديث .
وذكره الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) باختلاف يسير، وعزاه للطبراني في
((الكبير))، وقال: رجاله رجال الصحيح.
قلت: واختلف في سماع الزهري عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك. وسيأتي
الكلام فيه في تخريج الحديث الذي بعده هذا.
١٦٤٧ - [١٨] وَعَنْه عَنْ أَبِيهِ قَالَ: أَنَّهُ كَانَ يُحَدِّثُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَلَه
قَالَ: ((إِنَّمَا نَسَمَةُ الْمُؤْمِنِ طَيْرٌ تَعْلُقُ فِي شَجَرِ الْجَنَّةِ، حَتَّى يُرْجِعَهُ اللَّهُ فِي
جَسَدِهِ يَوْمَ يَبْعَثُهُ».
[ْرَوَاهُ مَالِكٌ والنَّسَائِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي كِتَابِ الْبَعْثِ وَالنُّشُورِ] (صحيح}
G O
الشَّرْجُ
١٦٤٧ - قوله: (وَعَنْهُ) أي: عن عبد الرحمن. (عَنْ أَبِيهِ) أي: كعب بن
مالك. (إِنَّمَا نَسَمَةُ الْمُؤْمِنٍ) بفتح النون والسين المهملة أي : روحه. قال النووي:
النسمة يطلق على ذات الإنسان جسمًا وروحًا وعلى الروح مفردة، وهو المراد
هاهنا لقوله: ((حَتَّى يُرْجِعَهُ اللَّهُ فِي جَسَدِهِ)). وبنحو ذلك قال ابن عبد البر. وقال
الخليل بن أحمد: النسمة الإنسان، قال: والنسمة الروح والنسيما هبوب الريح.
انتهي. والمراد روح المؤمن الشهيد، كما جاء في بعض روايات الحديث: ((أَرْوَاحُ
كُلِّ مُؤْمِنٍ شَهِيدًا كَانَ أَوْ غَيْرَ شَهِيدٍ)). (طَيْرٌ) وفي رواية: ((طَائِرِ)). وظاهره أن الروح
يتشكل ويتمثل بأمر الله تعالى طائرًا كتمثل الملك بشرًا. ويحتمل أن المراد أن
الروح يدخل في بدن طائر كما يدل عليه رواية: ((بِأَجْوَافٍ طَيْرٍ))، و((فِي طَيْرٍ)).
(١٦٤٧) رَوَاهُ مَالِك (١٦٤) وأخرجَهُ النَّسَائِي (١٠٨/٤).