Indexed OCR Text
Pages 481-500
٤٨٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصابِيحِ
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) في الجنائز، والحديث ذكره السيوطي في ((الجامع الصغير)).
وقال: رواه أحمد، ومسلم والأربعة. (التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَ النَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ) عن
أبي سعيد ومسلم وابن ماجه عن أبي هريرة والنسائي عن عائشة، انتهى. وفي
الباب عن جماعة من الصحابة، كما في ((مجمع الزوائد)) و((النيل)). قال العقيلي:
روي في الباب أحاديث صحاح عن غير واحد من الصحابة.
١٦٣٢ - [٣] وَعَنْ أُمّ سَلَمَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وِ: ((إِذَا حَضَرْتُمُ
الْمَرِيضَ أَوِ الْمَيِّتَ فَقُولُوا خَيْرًا؛ فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ يُؤَمِّنُونَ عَلَى مَا تَقُولُونَ)).
[رَوَاهُ مُسلِمْ] {صحيح }
W O
الْشَّرْجُ
١٦٣٢ - قوله: (وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ) أم المؤمنين. (إِذَا حَضَرْتُمُ الْمَرِيضَ أَوِ
الْمَيِّتَ) أي: الحكمي، وهو المحتضر ـ((أو)) للشك أو الحقيقي ـ((أو)) للتنويع، قاله
القاري. وفي أبي داود والبيهقي: ((إِذَا حَضَرْتُمُ الْمَيِّتَ)) من غير ذكر المريض.
(فَقُولُوا خَيْرًا) قال السندي: أي: ادعوا له بالخير لا بالشر أو ادعوا بالخير مطلقًا لا
بالويل ونحوه والأمر للندب، ويحتمل أن المراد فلا تقولوا شرًّا فالمقصود النهي
عن الشر بطريق الكناية لا الأمر بالخير، انتهى. وقال المظهر: أي: ادعوا
للمريض بالشفاء وقولوا: اللهم اشفه وللميت بالرحمة والمغفرة، وقولوا: اللهم
اغفر له وارحمه. (فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ) أي: ملك الموت وأعوانه أو غيره. (يُؤَمِّنُونَ)
بالتشديد من التأمين، أي: يقولون: آمين. (عَلَى مَا تَقُولُونَ) أي: من الدعاء خيرًا
أو شرًّا ودعاء الملائكة مستجاب.
وفي الحديث: الندب إلى قول الخير حينئذ؛ من الدعاء والاستغفار وطلب
اللطف به والتخفيف عنه ونحوه.
وفيه: حضور الملائكة حينئذ وتأمينهم، قاله النووي.
(١٦٣٢) مُسْلِم (٦/ ٩١٩)، وَأَبُو دَاوُد (٣١١٥)، والترمذي (٩٧٧)، زابن ماجه (١٤٤٧)، والنَّسَائِي
(٤ / ٤) عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ.
كِتَابُ الْجَنَائِزِ
بَابُ مَا يُقَالُ عِنْدَ مَنْ حَضَرَهُ الْمَوْتُ
٤٨١
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) في الجنائز مطولًا. وأخرجه أيضًا الترمذي وأبو داود والنسائي
وابن ماجه والبيهقي (ج ٣ ص ٣٨٤) وابن أبي شيبة (ج٤ ص٧٤).
١٦٣٣ - [٤] وَعَنْهَا قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّةِ: ((مَا مِنْ مُسْلِم تُصِيبُهُ
مُصِيبَةٌ فَيَقُولُ مَا أَمَرَهُ اللَّهُ بِهِ: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ اللَّهُمَّ آجِرَّنِي فِي
مُصِيبَتِي وَأَخْلِفْ لِي خَيْرًا مِنْهَا، إِلَّا أَخْلَفَ اللَّهُ لَهُ خَيْرًا مِنْهَا)). فَلَمَّا مَاتَ أَبُو
سَلَمَةَ قُلْتُ: أُّ الْمُسْلِمِينَ خَيْرٌ مِنْ أَبِي سَلَمَةَ أَوَّلُ بَيْتٍ هَاجَرَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ
وَه؟ ثُمَّ إِنِّي قُلْتُهَا فَأَخْلَفَ اللَّهُ لِي رَسُولَ اللَّهِ وَهِ.
[رَوَاهُ مُسْلِمْ] {صحيح}
الشَّرْحُ
١٦٣٣ - قوله: (مَا مِنْ مُسْلِم تُصِيبُهُ مُصِيبَةٌ) أيُّ: مصيبةٍ كانت؛ لقوله ◌َل :
((كُلُّ شَيْءٍ سَاءَ المُؤْمِنَ فَهُوَ مُصِيبَةٌ) رواه ابن السني، قاله الزرقاني. (فَيَقُولُ مَا أَمَرَهُ
اللَّهُ بِهِ) المراد بالأمر الندب بالترغيب فيه وترتيب الأجر فإنه بمنزلة الندب، وإلا
فلا أمر في قوله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الصَّبِينَ﴾ الآية [البقرة: ١٥٥] وقال الآبي: يحتمل الأمر
أنه بوحي في غير القرآن، ويحتمل أن الأمر مفهوم من الثناء على قائل ذلك؛ لأن
المدح على الفعل يستلزم الأمر به. وقال الباجي: لم يرد لفظ الأمر بهذا القول؛
لأنه إنما ورد القرآن بتبشير من قاله والثناء عليه، ويحتمل أن يشير إلى غير القرآن
فيخبرِ وَلهعن أمر الباري لنا بذلك، ولذا وصله بقوله: ((اللَّهُمَّ آجِرْنِي ... )) إلخ. وقال
الطيبي: فإن قلت: أين الأمر في الآية؟ قلتُ: لما أمره بالبشارة وأطلقها ليعم كل
مبشر به، وأخرجه مخرج الخطاب ليعم كل أحد نبه على تفخيم الأمر وتعظيم شأن
هذا القول، فنبه بذلك على كون القول مطلوبًا وليس الأمر إلا طلب الفعل، وأما
التلفظ بذلك مع الجزع فقبيح وسخط للقضاء.
وقال القاري: والأقرب أن كل ما مدح الله تعالى في كتابه من خصلة يتضمن
الأمر بها، كما أن المذمومة فيه تقتضي النهي عنها. (إِنَّا) بدل من ((ما)) أي: إن
(١٦٣٣) مُسْلِم (٩١٨/٣)، وَأخرجه أبو داود (٣١١٩) مختصرًا.
٤٨٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
ذواتنا وجميع ما ينسب إلينا. (لِلَّهِ) ملكًا وخلقًا. (وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ) في الآخرة.
(اللَّهُمَّ) ظاهره أنه من جملة ما أمره الله به، كما تقدم عن الباجي. قال ابن حجر:
الظاهر أن اللّه تعالى أعلم نبيه و لو أن يعلم أمته أنه أمرهم أن يقولوا ذلك كله
بخصوصه. (أُجُزْنِي) بسكون الهمزة وضم الجيم، وبالمد وكسر الجيم على أنه من
باب الأفعال. قال في ((النهاية)): أجره يوجره إذا أثابه وأعطاه الأجر والجزاء،
وكذلك أَجَرِه يأجُرُه والأمر منها آخِرني وأجُرني. (فِي مُصِيبَتِي) قال القاري:
الظاهرُ أنَّ((في)) بمعنى باء السببية. (وَأَخْلِفْ لِي خَيْرًا مِنْهَا) أي: اجعل لي خلفًا مما
فات عني في هذه المصيبة خيرًا من الفائت فيها، ففي الكلام تجوز وتقدير.
قال في ((النهاية)): يقال: خلف اللَّه لك خلفًا بخير، وأُخلف عليك خيرًا أي:
أبدلك بما ذهب منك وعوضك عنه. وقيل: إذا ذهب للرجل ما يخلفه مثل المال
والولد. قيل: أخلف اللهُ لك وعليك، وإذا ذهب له ما لا يخلفه غالبًا كالأب
والأم. قيل: خلف اللَّه عليك، وقد يقال: خلف الله عليك إذا مات لك ميت؛
أي: كان اللَّه خليفة عليك، وأخلف الله عليك أي: أبدلك، انتهى.
وقال النووي: قوله وَّ: ((وأخْلِفْ لِي)) هو بقطع الهمزة وكسر اللام.
قال أهلُ اللغة: يقال لمن ذهب له مال أو ولد أو قريب أو شيء يتوقع حصول
مثله: أخلف اللَّه عليك أي: رد عليك مثله، فإن ذهب ما لا يتوقع مثله؛ بأن ذهب
والد أو عم أو أخ لمن لا جد له ولا والد له. قيل: خلف اللَّه عليك - بغير ألف -
کان الله خلیفة منه عليك، انتهى.
(فَلَمَّا مَاتَ أَبُو سَلَمَةَ) تعني: زوجها عبد الله بن عبد الأسد المخزومي.
(قُلْتُ) في نفسي أو باللسان تعجبًا. (أَيُّ الْمُسْلِمِينَ خَيْرٌ) وفي رواية لمسلم :
((مَنْ خَيْرٌ مِنْ أَبِي سَلَمَةَ)). قال الطيبي: تعجب من تنزيل قوله وَّ: ((إِلَّا أَخْلَفَ اللَّهُ لَهُ
خَيْرًا مِنْهَا)) على مصيبتها؛ استعظامًا لأبي سلمة انتهى، يعني: على زعمها. (أَوَّلُ
بَيْتٍ) استئناف فيه بيان للتعجب وتعليل له، والتقدير: فإنه أول بيت أي: أول أهل
بيت. (هَاجَرَ) أي: مع عياله، قاله القاري.
وقالَ الآبي: تعجبت أمُّ سلمة لاعتقادها أنه لا أخير من أبي سلمة، ولم تطمع أن
يتزوَّجها رسول اللَّه ◌َ ل فهو خارج من هذا العموم، وتعني بقولها: من خير من أبي
كِتَابُ الْجَنَائِزِ
بَابُ مَا يُقَالُ عِنْدَ مَنْ حَضَرَهُ الْمَوْتُ
٤٨٣
سلمة بالنسبة إليها، فلا يكون خيرًا من أبي بكر؛ لأن الأخير في ذاته قد لا يكون
خيرًا لها، ويحتمل أن تعني أنه خير مطلقًا، والإجماع على أفضلية أبي بكر إنما هو
على من تأخرت وفاته عن رسول اللّه وَّل، وهل هو أفضل ممن تقدمت وفاته؟ فيه
خلاف، فلعلها أخذت بأحد القولين، وقولها: أول بيت هاجر يدل على أنه أرادت
أنه أفضل مطلقًا بالنسبة إليها، انتهى.
والظاهر: أن الخيرية بالنسبة إليها وباعتبار نفسها، والله أعلم. (ثُمَّ إِنٍِّ قُلْتُهَا)
أي: كلمة الاسترجاع والدعاء المذكور بعدها. (فَأَخْلَفَ اللَّهُ لِي رَسُولَ اللَّهِ وَّهِ)
أي: بأن جعلني زوجته وكان عوض خير لي من زوجي أبي سلمة.
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) في الجنائز، وأخرجه أيضًا مالك وأبو داود فيه، والنسائي في اليوم
والليلة، وأخرجه الترمذي في الدعوات وابن ماجه في الجنائز عن أم سلمة عن أبي
صَلىالله
سلمة عن النبي :
وَسْتَّلم.
١٦٣٤ - [٥] وَعَنْهَا قَالَتْ: دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ بِهِ عَلَى أَبِي سَلَمَةَ وَقَدْ
شَقَّ بَصَرُهُ، فَأَغْمَضَهُ ثُمَّ قَالَ: ((إِنَّ الرُّوحَ إِذَا قُبِضَ تَبِعَهُ الْبَصَرُ)) فَضَجَّ نَاسٌ مِنْ
أَهْلِهِ فَقَالَ: (لَا تَدْعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ إِلَّا بِخَيْرِ؛ فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ يُؤَمِّنُونَ عَلَى مَا
تَقُولُونَ) ثُمَّ قَالَ: ((اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِأَبِي سَلَمَةً، وَأَرْفَعْ دَرَجَتَهُ فِي الْمَهْدِيِّينَ،
وَاخْلُقْهُ فِي عَقِهِ فِي الْغَابِرِينَ، وَاغْفِرْ لَنَا وَلَّهُ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ، وَافْسَحْ لَهُ فِي
قَبْرِهِ وَنَوِّرْ لَهُ فِیهِ)).
[رَوَاهُ مُسْلِمٌ] {صحيحٍ}
الشَّرْحُ
١٦٣٤ - قوله: (وَقَدْ شَقَّ بَصَرُهُ) أي: بقي بصره منفتحًا. قال النووي: هو
بفتح الشين ورفع ((بَصَرُهُ))، وهو فاعل ((شَقَّ))، هكذا ضبطناه وهو المشهور، وضبطه
بعضهم بصرَه بالنصب وهو صحيح أيضًا والشين مفتوحة بلا خلاف، قال القاضي :
قال صاحبُ ((الأفعال)): يقالُ: شق بصر الميت وشق بصر الميت وشق الميت
(١٦٣٤) مُسْلِمٍ (٧/ ٩٢٠) فِي الجَنَائِزِ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ.
٤٨٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
بصره، ومعناه: شَخَص؛ كما في حديثٍ أبي هريرة عند مسلم مرفوعًا: ((أَلَمْ تَرَوْا
أَنَّ الْإِنْسَانَ إِذَا مَاتَ شَخَصَ بَصَرُهُ))، قَالُوا: بلى، قال: ((فَذَلِكَ حِينَ يَتْبَعُ بَصَرُهُ
نَفْسَهُ)). وقال ابنُ السكيت في ((الإصلاح))، والجوهري حكاية عن ابن السكيت:
يقالُ: شق بصر الميت ولا يقال: شق الميت بصره - يعني: أن شق هاهنا لازم لا
متعد بمعنى انفتح لا فتح - وهو الذي حضره الموت، وصار ينظر إلى الشيء لا
يرتد إليه طرفه، انتهى. (فَأَغْمَضَهُ) أي: غمض رسول اللّه وَ ل عيني أبي سلمة لئلا
يقبح منظره، والإغماض بمعنى التغميض والتغطية.
(إِنَّ الرُّوحَ إِذَا قُبِضَ تَبِعَهُ الْبَصَرُ) يحتمل أن يكون علة للإغماض كأنه قال:
أغمضته؛ لأن الروح إذا خرج من الجسد تبعه البصر في الذهاب، فلم يبق لانفتاح
بصره فائدة، وأن يكون بيانًا لسبب الشق، والمعنى: أن المحتضر يتمثل له ملك
الموت فينظر إليه ولا يرتد طرفه حتى تفارقه الروح ويضمحل بقايا قوى البصر،
فيبقى البصر على تلك الهيئة.
قال التوربشتي: يحتملُ هذا وجهين: أحدهما: أنَّ الروح إذا قبض تبعه البصر
أي: في الذهاب، فلهذا أغمضته؛ لأن فائدة الانفتاح ذهبت بذهاب البصر عند
ذهاب الروح، والوجه الآخر: أن روح الإنسان إذا قبضها الملائكة نظر إليها الذي
حضره الموت نظرًا شزرًا، لا يرتد إليه طرفه حتى يضمحل بقية القوة الباصرة الباقية
بعد مفارقة الروح الإنساني التي يقع لها الإدراك والتمييز، دون الحيواني الذي به
الحس والحركة، وغير مستنكر من قدرة الله تعالى أن يكشف عنه الغطاء ساعتئذ
حتى يبصر ما لم يكن يبصره، وهذا الوجه في حديث أبي هريرة - يعني: الذي تقدم
في كلام النووي - أظهر.
(فَضَجَّ) بالجيم المشددة أي: رفع الصوتِ بالبكاء وصاحٍ. (نَاسٌ مِنْ أَهْلِهِ) أي:
من أهل أبي سلمة. (لَا تَدْعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ إِلَّا بِخَيْرٍ) أي: لا تدعوا بالويل والثبور
على عادة الجاهلية. (فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ يُؤَمِّنُونَ عَلَى مَاَ تَقُولُونَ) أي: في دعائكم من
خير أو شر. (وَارْفَعْ دَرَجَتَهُ فِي الْمَهْدِيِّينَ) بتشديد الياء الأولى، أي: الذين هداهم
اللَّه إلى الإسلام سابقًا. (وَاخْلُفْهُ) بهمزة الوصل وضم اللام من خلف يخلف إذا
قام مقام غيره في رعاية أمره وحفظ مصالحه، أي: كن خليفة له. (فِي عَقِبِهِ) بكسر
كِتَابُ الْجَنَائِزِ
بَابُ مَا يُقَالُ عِنْدَ مَنْ حَضَرَهُ الْمَوْتُ
٤٨٥
القاف، قال الطيبي: أي: أولاده، وقيل: أي: من يعقبه ويتأخر عنه من ولد وغيره،
ولذا أبدل عن ((عَقِهِ)) بقوله. (فِي الْغَابِرِينَ) بإعادة الجار، وقال الطيبي: أي:
الباقين في الأحياء من الناس فقوله: ((فِي الغَابِرِينَ)) حال من ((عَقِهِ)) أي: أوقع
خلافتك في عقبه كائنين في جملة من الباقين من الناس. (وَافْسَحْ) أي: وسع. (لَهُ
فِي قَبْرِهِ) دعاء بعدم الضغطة، قاله القاري. (وَنَوِّرْ لَهُ فِيهِ) أي: في قبره، أراد به دفع
الظلمة. وفي الحديث: دليل لمن يقول إن الأرواح أجسام لطيفة متحللة في البدن
وتذهب الحياة من الجسد بذهابها وليس عرضًا كما يقوله آخرون، وفيه: دليل على
أنه يدعى للميت عند موته ولأهله ولعقبه بأمور الآخرة والدنيا، وفيه دلالة على أن
الميت ينعم في قبره أو يعذب.
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) الأخصر أن يجمل ويقول: روى الأحاديث الأربعة مسلم.
وحديث أم سلمة هذا أخرجه أيضًا أبو داود، وابن ماجه، والبيهقي (ج ٣ ص ٣٨٤).
١٦٣٥ - [٦] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَلَ حِينَ تُوُنِّيَ سُجِّيَ
بُرْدِ حِبَرَةٍ.
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
G O
الْشَّرْحُ
١٦٣٥ - قوله: (إنَّ رَسُولَ اللّهِ وَلِّ حِينَ تُوُفِّيَ) بصيغة المجهول. (سُجَّيَ)
بضم السين وبعدها جيم مشددة مكسورة أي: غطى وستر بعد الموت قبل الغسل .
(بُرْدِ حِبَرَةٍ) بكسر الحاء المهملة وفتح الباء الموحدة بعدها راء مهملة فتاء تأنيث
وزن عتبة، وهي برد قطن يماني موشي مخطط، والبرد يجوز إضافته إليها ووصفه
بها. وفيه: استحباب تسجية الميت قبل الغسل. قال النووي: وهو مجمع عليه،
وحكمته صيانة الميت عن الانكشاف وستر صورته المتغيرة عن الأعين.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وأخرجه أيضًا أحمد، وأبو داود، والنسائي، والبيهقي
(ج ٣ ص ٣٨٥).
(١٦٣٥) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: عَنْهَا؛ البُخَارِي (٥٨١٤) فِي اللِّبَاسِ، مُسْلِم (٩٤٢/٤٨) فِي الجَنَائِزِ.
٤٨٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الفصل الثاني
١٦٣٦ - [٧] عَنْ مُعَاذِ بْن جَبَل قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ بِهِ: «مَنْ كَانَ
آخِرُ كَلَامِهِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ))
[ رواهُ أَبُو دَاوُدَ] {صحيحٍ}
W O
الْشَرْجُ
١٦٣٦ - قوله: (مَنْ كَانَ آخِرُ كَلَامِهِ) أي: عند خروجه من الدنيا. قال القاري
برفع ((آخِرُ)). وقيل: بنصبه وقوله: (لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ) محله النصب أو الرفع على
الخبرية أو الاسمية. وقال القسطلاني: ((وآخر)) بالنصب لأبي ذر خبر ((كان)) تقدم
على اسمها وهو ((لا إله إلا الله))، وساغ كونها مسندًا إليها مع أنها جملة؛ لأن المراد
بها لفظها فهي في حكم المفرد. ولغير أبي ذر ((آخرُ)) بالرفع اسم كان، انتهى.
قيل: المراد بقول: لا إله إلا الله الشهادتان؛ لأنه علم لهما. قال الحافظ: والمراد
بقول: لا إله إلا الله في هذا الحديث وغيره كلمتا الشهادة، فلا يرد إشكال ترك ذكر
الرسالة. قال الزين بن المنير: قول: لا إله إلا الله لقب جرى على النطق
بالشهادتين شرعًا، انتهى. قلتُ: الظاهرُ أن المراد به كلمة التوحيد فقط، أي: من
غير زيادة محمد رسول الله؛ لأن المطلوب قولها عند الموت من حيثُ أنها كلمة
ذكر لا من حيث أنها كلمة إسلام، كما سبق تحقيقه في شرح حديث التلقين. (دَخَلَ
الْجَنَّةَ) أي: قبل العذاب دخولًا خاصًّا أو بعد أن عذب بقدر ذنوبه، والأول الأظهر
ليتميز عن غيره من المؤمنين الذين لم يكن آخر كلامهم هذه الكلمة، قاله القاري.
وقال ابن رسلان: معنى ذلك أنه لابد له من دخول الجنة؛ فإن عاصيًا غير تائب
فهو في أول أمره في خطر المشيئة؛ يحتمل أن يغفر الله له، ويحتمل أن يعاقبه
ويدخل الجنة بعد العقاب، ويحتمل أن يكون من وُفِّقَ لأن يكون آخر كلامه لا إله
(١٦٣٦) أَبُو دَاوُد (٣١١٦) فِي الجَنَائِزِ عَنْهُ.
كِتَابُ الْجَنَائِزِ
بَابٌ مَا يُقَالُ عِنْدَ مَنْ حَضَرَهُ الْمَوْتُ
٤٨٧
إلا الله، يكون ذلك علامة على أن الله تعالى يعفو عنه فلا يكون في خطر المشيئة؛
تشريفًا له على غيره ممن لم يوفق أن يكون آخر كلامه ذلك، انتهى.
قلت: الاحتمال الثاني - أي: احتمال أن قول ذلك عند الموت علامة على عفو
الله تعالى عنه ومسقط لما تقدم له - هو الراجح عندي، فيدخل قائلها عند الموت
الجنة قبل العذاب مع السابقين، والله تعالى أعلم، ولأجل ذلك يستحب أن تذكر
هذه الكلمة عند من حضره الموت ليتفطن لها ويتكلم بها فتكون آخر كلامه ويدخل
الجنة .
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) وأخرجه أيضًا أحمد والحاكم (ج١ ص٣٥١) وسكت عنه أبو
داود، والمنذري، وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي. وقال الحافظ في
((التلخيص)): وأعله ابن القطان بصالح بن أبي عريب، وأنه لا يعرف، وتعقب
بأنه روى عنه جماعة، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، انتهى. وفي الباب عن عليٍّ
رواه الطبراني في ((الأوسط)) وفيه أبوبلال الأشعري، ضعفه الدار قطني. وفي الباب
أيضًا أحاديث أخرى، ذكرها الحافظ في ((التلخيص))، والهيثمي في ((مجمع
الزوائد)) .
١٦٣٧ - [٨] وَعَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَ: ((اِقْرَؤُوا
سُورَةً يَس عَلَى مَوْتَاكُمْ)).
[رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدُ وابْنِ مَاجَهْ] {ضعيف}
الْشِّرْحُ
١٦٣٧ - قوله: (وَعَنْ مَعْقِلٍ) بفتح الميم وسكون المهملة وكسر القاف. (بْنِ
يَسَارٍ) المزني، صحابي أسلم قبل الحديبية وشهد بيعة الرضوان، وكنيته أبو علي
على المشهور، وهو الذي حفر وفجر نهر معقل بالبصرة بأمر عمر فنسب إليه،
ونزل البصرة وبنى بها دارًا ومات بها في آخر خلافة معاوية، وقيل: في ولاية
يزيد، وذكره البخاري في ((الأوسط)) في فصل من مات بين الستين إلى السبعين.
(١٦٣٧) أَبُو دَاوُد (٣١٢١)، وَالنَّسَائِي في ((الكبرى)) (١٠٩١٣)، وَابن مَاجَهْ (١٤٤٨) فِي الجَنَائِزِ عَنْهُ.
٤٨٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
(اِقْرَؤُوا سُورَةَ يَس عَلَى مَوْتَاكُمْ) أي: على من حضره مقدمات الموت؛ لأن
الميت لا يقرأ عليه. وقيل: لأن سورة يس مشتملة على أصول العقائد من البعث
والقيامة، فيتقوى بسماعها التصديق والإيمان حتى يموت. وقيل: المراد به من
قضى نحبه، وهو في بيته أو دون مدفنه أو في القبر؛ لأن اللفظ نص في الأموات
وتناوله للحي المحتضر مجاز فلا يصار إليه إلا لقرينة. وقيل: الأولى الجمع عملًا
بالقولین .
والراجح عندي هو الأول؛ لما روى أحمد (ج ٤ ص ١٠٥) عن أبي المغيرة ثنا
صفوان حدثني المشيخة: أنهم حضروا غضيف بن الحارث الثمالي حين اشتد
سوقه فقال: هل منكم أحد يقرأها يس؟ قال: فقرأها صالح بن شريح السكوني،
فلما بلغ أربعين منها قبض، قال: فكان المشيخة يقولون: إذا قرئت عند الميت
خفف عنه بها. قال الحافظُ في التلخيص: وأسنده صاحب ((الفردوس)) . - الدَّيْلَمِيُّ
- من طريق مروان بن سالم عن صفوان بن عمرو عن شريح عن أبي الدرداء وأبي ذرٍّ
قالا: قال رسول اللَّه ◌َله: ((مَا مِنْ مَيِّتٍ يَمُوتُ فَيُقْرَأُ عِنْدَهُ يَس إلَّا هَوَّنَ اللهُ عَلَيْهِ»،
انتهى. قال الأمير اليماني بعد ذكر الحديثين: وهذان يؤيدان ما قاله ابن حبان من
أن المراد به المحتضر، وهما أصرح في ذلك مما استدل به. وقال في ((اللمعات)):
الظاهر أن المراد المحتضر، وعليه العمل. وقال ابن القيم في كتاب ((الروح))
(ص١٤): حديث معقل يحتمل أن يراد به قراءتها على المحتضر عند موته مثل
قوله: ((لَقِّنُوا مَوْتَاكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ))، ويحتمل أن يراد به القراءة عند القبر والأول
أظهر لوجوه :
أحدها: أنه نظير قوله: ((لَقِّنُوا مَوْتَاكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ)).
الثاني: انتفاع المحتضر بهذه السورة؛ لما فيها من التوحيد والمعاد والبشرى
بالجنة لأهل التوحيد وغبطة من مات عليه بقوله: ﴿يَلَيْتَ قَوْمِى يَعْلَمُونٌ بِمَا غَفَرَ
• [يس: ٢٦، ٢٧]. فيستبشر الروح بذلك فيحب لقاء الله
◌ِ رَبِّ وَحَعَنِى مِنَ الْمُكْرَمِينَ
فيحب الله لقاءه، فإن هذه السورة قلب القرآن، ولها خاصية عجيبة في قراءتها عند
المحتضر .
الثالث: أن هذا عمل الناس وعادتهم قديمًا وحديثًا يقرؤون يس عند المحتضر.
كِتَابُ الْجَنَائِزِ
*
بَابُ مَا يُقَالُ عِنْدَ مَنْ حَضَرَهُ الْمَوْتُ
٤٨٩
FeNde
BesexX
الرابع: أن الصحابة لو فهموا من قوله {َل١٤: ((اقْرَؤُوا يَس عِنْدَ مَوْتَاكُمْ)) قراءتها
عند القبر لما أخلوا به، وكان ذلك أمرا معتادًا مشهورًا بينهم .
الخامس: أن انتفاعه باستماعها وحضور قلبه وذهنه عند قراءتها في آخر عهده
بالدنيا هو المقصود، وأما قراءتها عند القبر فإنه لا يثاب على ذلك؛ لأن الثواب إما
بالقراءة أو بالاستماع وهو عمل وقد انقطع من الميت، انتهى.
(رَوَاهُ أَحْمَدُ) (ج٥ص٢٦ - ٢٧). (وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ) وأخرجه أيضًا ابن
حبان والحاكم (ج١ ص ٥٦٥) والبيهقي (ج ٣ ص ٣٨٣) وابن أبي شيبة (ج ٤ ص٧٤)
كلهم من طريق سليمان التيمي عن أبي عثمان غير النهدي عن أبيه عن معقل بن
يسار، وعزاه الحافظُ في ((التلخيص)) و((بلوغ المرام)) والمنذري في ((تلخيص
السنن)) للنسائي أيضًا. قال الحافظ: ولم يقل النسائي: عن أبيه، ونقل في ((العون))
عن المزي أن الحديث أخرجه النسائي في ((عمل اليوم والليلة)). والحديث قد
سكت عنه أبو داود. وقال المنذريُّ: أبو عثمان وأبوه ليسا بمشهورين. وقال
الحافظ: أعلَّه ابن القطان بالاضطراب وبالوقف وبجهالة حال أبي عثمان وأبيه،
ونقل أبو بكر بن العربي عن الدار قطني أنه قال: هذا حديث ضعيف الإسناد،
مجهول المتن، ولا يصح في الباب حدیث، انتهى.
وقال النووي في ((الأذكار)): إسناده ضعيف. وقال الحافظ في ((تهذيب
التهذيب)): أبو عثمان وليس بالنهدي - قيل: اسمه سعد - روى عن معقل بن
يسار. وقيل: عن أبيه عن معقل روى عنه سليمان التيمي. قال ابن المديني: ولم
يرو عنه غيره، وهو مجهول. وقال الآجري عن أبي داود: هو ابن عثمان السكنى،
وذكره ابن حبان في ((الثقات))، انتهى. وقال في ((التقريب)): أبو عثمان شيخ
لسليمان التيمي، قال في روايته عنه: وليس بالنهدي. قيل: اسمه سعد مقبول.
٤٩٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
١٦٣٨ - [٩] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَلِّ قَبَّلَ عُثْمَانَ بْنَ
مَظْعُونٍ وهُوَ مَيِّتُ، وَهُوَ يُبْكِي حَتَّى سَأَل دُمُوعُ النَّبِيِّ نَّهِ عَلَى وَجْهِ عُثْمَانَ.
[رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدُ وَابْنُ مَاجَهْ] {ضعيف}
الْشَّرْحُ
١٦٣٨ - قوله: (قَبَّلَ) من التقبيل. (عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ) بالظاء المعجمة أي:
بعد ما غسل وكفن، كما في ((الاستيعاب)). (وَهُوَ مَيِّتٌ) حال من المفعولِ. (وَهُوَ)
أي: النبي وَّه. (يُبْكِي حَتَّى سَأَل دُمُوعُ النَّبِيِّ وََّ عَلَى وَجْهِ عُثْمَانَ) لفظ الترمذي:
((وَهُوَ يَبْكِي))، أو قالت: ((عَيْنَاهُ تَذْرِفَانٍ)). وعند أبي داودَ: ((حَتَّى رَأَيْتُ الدُّمُوعَ
تَسِيلُ)). ولفظ ابن ماجه: ((فَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى دُمُوعِهِ تَسِيلُ عَلَى خَدَّيْهِ)). ورواه البيهقي
بلفظ: ((بَكَى حَتَّى رَأَيْتُ الدُّمُوعَ تَسِيلُ عَلَى وَجْنَتَيْهِ)). وعند الحاكم: ((وَهُوَ يَبْكِي))،
قال: ((وَعَينَاهُ تهرقَانٍ)). وذكره المجد ابن تيمية في ((المنتقى)) بلفظ: (قَبَّلَ
رَسُولُ اللَّهِ وَلَ﴿ عُثْمَانَ بْنَ مَظْعُونٍ، وَهُوَ مَيِّتُ حَتَّى رَأَيْتُ الدُّمُوِعَ تَسِيلُ عَلَى
وَجْهِهِ))، وعزاه لأحمد وابن ماجه والترمذي.
وهذه الرواياتُ كما ترى ليس فيها تصريح أنه سال الدموع على وجه عثمان، بل
هي تحتمل أنه سال الدموع على خدي النبي ◌َّ أو على خدي عثمان، ولم أقف
على رواية تعين الاحتمال الثاني أو تؤيده، والحديث: يدل على أن تقبيل المسلم
بعد الموت والبکاء عليه جائز.
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ) وأخرجه أيضًا أحمد والحاكم
(ج١ ص٣٦١) والبيهقي (ج ٣ ص ٤٠٧) وسكت عنه أبو داود، وصححه الترمذي.
وقال المنذري بعد نقل تصحيح الترمذي: وفي إسناد الحديث عاصم بن عبيد الله
ابن عاصم بن عمر بن الخطاب، وقد تكلم فيه غير واحد من الأئمة، انتهى. ورواه
البزار من حديث عامر بن ربيعة قال الهيثمي: إسناده حسن.
(١٦٣٨) أَبُو دَاوُد (٣١٦٣) فِي الجَنَائِزِ، وَالتِّرْمِذِي (٩٨٩)، وَابن مَاجَهْ (١٤٥٦) عَنْهَا.
كِتَابُ الْجَنَائِزِ
بَابُ مَا يُقَالُ عِنْدَ مَنْ حَضَرَهُ الْمَوْتُ
٤٩١
١٦٣٩ - [١٠] وَعَنْهَا قَالَتْ: إِنَّ أَبَا بَكْرِ قَبَّلَ النَّبِيَّ وَه وَهُوَ مَيِّتٌ.
[رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ] {صحيح}
الْشَّرْحُ
١٦٣٩ - قوله: (إِنَّ أَبَا بَكْرِ قَبَّلَ النَّبِيَّ وَّ﴾﴾ أي: بين عينيه، كما في رواية
النسائي، والترمذي في ((الشمائل)). وفي رواية للبخاري: ((كَشَفَ عَنْ وَجْهِهِ ثُمَّ
أَكَبَّ عَلَيْهِ، فَقَبَّلَهُ)). وفي رواية لأحمد: ((أَتَاهُ مِنْ قِبَلِ رَأْسِهِ فَحَدَرَ فَاهُ فَقَبَّلَ جَبْهَتَهُ،
ثُمَّ قَالَ: وَانَبِيَّهُ! ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَحَدَرَ فَاهُ وَقَبَّلَ جَبْهَتَهُ ثُمَّ قَالَ: وَاصَفِيَّاهُ! ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ
وَحَدَرَ فَاهُ وَقَبَّلَ جَبْهَتَهُ ثُمَّ قَالَ: وَاخَلِيلَاهُ)). ولابن أبي شيبة عن ابنٍ مُعُمر: ((فَوَضَعَ
فَاهُ عَلَى جَبِينَ رَسُولِ اللهِ وَ لَه فَجْعَلَ يُقَبِّلُهُ وَيَبْكِي وَيَقُولُ: بِأَبِي وَأُمِّي طِيْتَ حَيًّا
وَمَيِّتًا)). وللطبراني من حديث جابر: ((أنَّ أبا بكرٍ قَبَّلَ جَبْهَتَهُ)).
(وَهُوَ مَيِّتٌ) قال الحافظ: فيه جواز تقبيل الميت تعظيمًا وتبركًا. قال الشوكاني:
لأنه لم ينقل أنه أنكر أحد من الصحابة على أبي بكر فكان إجماعًا، انتهى.
(رَوَاهُ التِّرْ مِذِيُّ) أي: موصولًا في ((شمائله)) بلفظ: أن أبا بكر قَبَّل النبيَّ نَّه بعد
ما مات. وأما في (جامعه))، فذكره معلقًا حيث قال بعد رواية حديث عائشة
المتقدم، وفي الباب عن ابن عباس وجابر وعائشة قالوا: إن أبا بكر قبَّل النبيَّ وَّ
وهو ميت. (وابْنُ مَاجَهْ) في الجنائز، وأخرجه أيضًا أحمد والنسائي والبيهقي
(ج ٣ ص ٤٠٦) وأخرجه البخاري في باب: مرض النبي وَّ ووفاته عن عائشة وابن
عباس: أن أبا بكر قبَّلَ النبيَّ وَّ بعد موته، فالأولى بل الصواب إيراد هذا الحديث
في الصحاح، أي: الفصل الأول.
(١٦٣٩) أَخْرَجَهُ الْبُخَارِي (٣٦٦٧) فِي أَوَّلِ حَدِيثِ السَّقِيَفَةِ.
٤٩٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
١٦٤٠ - [١١] وَعَنْ حُصَيْنِ بْنٍ وَحْوَحِ أَنَّ طَلْحَةَ بْنَ الْبَرَاءِ مَرِضَ فَأَتَاهُ
النَّبِيُّ نَّهِ يَعُودَهُ فَقَالَ: ((إِنِّي لَاَ أُرَىَ طَلَّحَةَ إِلَّ قَدْ حَدَثَ بِهِ الْمَوْتُ فَأَذِنُونِي بِهِ
وَعَجِّلُوا؛ فَإِنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِحِيفَةٍ مُسْلِمٍ أَنْ تُحْبَسَ بَيْنَ ظَهْرَانَي أَهْلِهِ)).
[رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ] {ضعيف}
الْشَّرْجُ
١٦٤٠ - قوله: (وَعَنْ حُصَيْنٍ) بضم حاء وفتح صاد مهملتين. (بْنِ وَحْوَح)
بفتح واوين وسكون حاء مهملة أولى، الأنصاري الأوسي المدني، صحابيٌّ، لَّه
حديث واحد في ذكر طلحة بن البراء، ذكر ابن الكلبي: أنه استشهد بالقادسية، كذا
في ((تهذيب التهذيب)). (أَنَّ طَلْحَةَ بْنَ الْبَرَاءِ) البلوي الأنصاري، صحابي، وهو
الذي قال فيه رسول اللّه وَ لَه إذا مات وصلى عليه: ((اللَّهُمَّ الِقَ طَلْحَةَ وَأَنْتَ تَضْحَكُ
إِلَيْهِ وَهُوَ يَضْحَُكُ إِلَيْكَ)). وكان لقي رسول اللَّه ◌َلَهُ وهو غلام، فجعل يلصق
برسول الله وَ لهويقبل قدميه ويقول: مُرني بما أحبَبْتَ يا رسول الله فلا أعصي لك
أمرًا، فسُر رسول اللَّهِوَ لَه وأعجب به، ثم مرض ومات، فصلَّى رسولُ اللَّه ◌َ ل على
قبره؛ وذلك أنه توفي البراء ليلًا فقال: ادفنوني وألحقوني بربي ولا تدعوا
رسولَ اللّهِ وَ له؛ فإني أخافُ عليه اليهود وأن يصاب في سببي، فأخبر رسول الله
وَالر حين أصبح، فجاء حتى وقف على قبره وصف الناس معه فصلی ودعا له.
(إِنِّي لَا أُرَى) بضمِّ الهمزة أي: أظن. (إِلَّا قَدْ حَدَثَ بِهِ الْمَوْتُ) أي: ظهرت فيه
آثار الموت ومقدماته. (فَآَذِنُونِي) بالمد وكسر الذال. (بِهِ) أي: إذا مات فأخبروني
بموته حتى أصلي عليه. (وَعَجِّلُوا) أي: تجهيزه وتكفينه. (فَإِنَّه) أي: الشأن. (لَا
يَنْبَغِي لِحِيفَةِ مُسْلِمٍ) أي: جثته. وفي رواية: (لِجَسَدٍ مُسْلِم). (أَنْ تُحْبَسَ) أي: تقام
وتوقف. (بَيْنَ ظَهْرَانَيْ أَهْلِهِ) أي: بين أهله والظهر مقحِّم أي: لا تتركوا الميت
زمانًا طويلًا لئلا ينتن ويزيد حزن أهله عليه. قال الطيبي: إن المؤمن عزيز كريم فإذا
استحال جيفة ونتنًا استقذرته النفوس وينفر عنه الطباع، فينبغي أن يسرع فيما يواريه
(١٦٤٠) أَبُو دَاوُد (٣١٥٩) فِي الجَنَائِزِ عَنْهُ.
٤٩٣
كِتَابُ الْجَنَائِزِ
بَابُ مَا يُقَالُ عِنْدَ مَنْ حَضَرَهُ الْمَوْتُ
فذكر الجيفة ههنا كذكر السوأة في قوله تعالى: ﴿كَيْفَ يُؤَرِى سَوْءَةَ أَخِيَةٍ﴾ [المائدة:
٣١] قال مَيْرَك: وليس في قوله: جيفة مسلم دليل على نجاسته، انتهى. والحديث:
يدل على مشروعية التعجيل بالميت والإسراع في تجهيزه، وتشهد له أحاديث
الإسراع بالجنازة، قاله الشوكاني.
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) وأخرجه أيضًا البيهقي (ج ٣ ص ٣٨٦) والطبراني وابن شاهين
وابن أبي عاصم وابن أبي خيثمة والبغوي وغيرهم، وسكت عنه أبو داود، وفيه
عروة بن سعيد الأنصاري، ويقال: عزرة بن سعيد عن أبيه، وهو وأبوه مجهولان.
وقال الحافظ في ((الإصابة)) في ترجمة حصين بن وحوح: وعلى ما ذكر ابن الكلبي
من أنه قتل بالقادسية يكون هذا الحديث مرسلًا؛ لأن سعيدًا والد عروة لم يدرك
زمن القادسية، فإما أن يكون حصين بن وحوح آخر من أدركهم سعيد، وإما أن
يكون لم يقتل بالقادسية، كما قال ابن الكلبي، انتهى.
٤٩٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الفصل الثالث
١٦٤١ - [١٢] عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ◌َّ:
(لَقِّنُوا مَوْتَاكُمْ: لَا إِلَهَ إِلَّ اللَّهُ الْحَلِيَمَّ الْكَرِّيمُ، سُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ
الْعَظِيمِ، الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)) قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ لِلْأَحْيَاءِ؟
قَالَ: (أَجْوَدُ وَأَجْوَدُ)).
[رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ] {ضعيف}
الْشِّرْجُ
١٦٤١ - قوله: (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ) أي: ابن أبي طالب القرشي
الهاشمي، يكنى أبا جعفر، ولدته أمه أسماء بنت عميس بأرض الحبشة، وهو أول
مولود ولد في الإسلام بها، وقدم مع أبيه المدينة وحفظ عن رسول اللّه وَل، وروى
عنه، كان جوادًا ظريفًا خليقًا عفيفًا حليمًا يسمى بحر الجود، ويقال: أنه لم يكن في
الإسلام أسخى منه وأخباره في الكرم شهيرة. وقال ابنُ حبان: كان يقال له قطب
السخاء، روى عنه خلق كثير، توفي بالمدينة سنة (٨٠) وهو ابن (٨٠) سنة وقيل
ابن (٩٠) وصلى عليه أبان بن عثمان، وهو يومئذ أمير المدينة، وذلك العام يعرف
بعام الجحاف؛ لسيل كان بمكة أجحف بالحاج وذهب بالإبل وعليها الحمولة.
(لَقِّنُوا مَوْتَاكُمْ) أي: المشرفين على الموت. (الْعَظِيم) صفة للرب أو العرش،
والثاني أبلغ، ووصفه بالعظمة؛ لأنه أكبر المخلوقات ومحيط بالمكونات.
(الْحَمْدُ للهِ) أي: على الحياة والممات. (كَيْفَ) أي: هذا التلقين. (لِلْأَحْيَاءِ) أي:
للأصحاء أيحسن أم لا. (أَجْوَدُ وَأَجْوَدُ) أي: أحسن وأحسن كرر للتأكيد والمبالغة.
قال الطيبي: التكرار للاستمرار أي: جودة مضمومة إلى جودة وهذا معنى الواو
فيه. (رَوَاهُ ابْنُ مَاجَه) وفي سنده إسحاق بن عبد الله بن جعفر، وهو مستور، روى
عنه كثير بن زيد الأسلمي المدني، وهو صدوق فيه لين، ذكره ابن حبان في
(١٦٤١) ابن مَاجَهْ (١٤٤٦) في الجنائز عنه.
٤٩٥
كِتَابُ الْجَنَائِزِ
بَابُ مَا يُقَالُ عِنْدَ مَنْ حَضَرَهُ الْمَوْتُ
((الثقات))، ووثقه ابن عمار الموصلي، ونقل السندي عن البوصيري، أنه قال في
((الزوائد)): في إسناده إسحاق لم أر من وثقة ولا من جرحه، وكثير بن زيد قال فيه
أحمد: ما أرى به بأسًا. وقال ابن معين: ليس بشيء. وقال مرة: ليس به بأس.
وقال مرة: صالح. وقال أبو حاتم: صالح ليس بالقوي. وقال النسائي: ضعيف.
وقيل: ثقة، وباقي رجاله ثقات، انتهى. والحديث أخرجه أيضًا الحكيم الترمذي،
والطبراني كما في ((الكنز)) (ج٨ص٧٨).
١٦٤٢ - [١٣] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ بِ: ((الْمَيِّتُ
تَحْضُرُهُ الْمَلَائِكَةُ، فَإِذَا كَانَ الرَّجُلُ صَالِحًا قَالَوا: اخْرُجِي أَيَّنُّهَا النَّفْسُ الطَّيِّبَةُ
كَانَتْ فِي الْجَسَدِ الطَّيِّبِ، اخْرُچِي حَمِيدَةً وَأَبْشِرِي بِرَوْحِ وَرَبْحَانٍ وَرَبُّ غَيْرِ
غَضْبَانَ، فَلَا تَزَالُ يُقَالُ لَّهَا ذَلِكَ حَتَّى تَخْرُجَ، ثُمَّ يُعْرَجُ بِهَّا إِلَى السَّمَاءِ فَيُفْتَحُ
لَهَا فَيُقَالُ: مَنْ هَذَا؟ فَيَقُولُونَ: فَلانٌ، فيقَالُ: مَرْحَبًا بِالنَّفْسِ الطَّيِّبَةِ كَانَتْ فِي
الْجَسَدِ الطَّيِّبِ ادْخُلِي حَمِيدَةً، وَأَبْشِرِي بِرَوْحٍ وَرَيْحَانٍ وَرَبُّ غَيْرٍ غَضْبَانَ، فَلَا
تَزَالُ يُقَالُ لَهَا ذَلِكَ حَتَّى تَنْتَهِيَ إِلَى السَّمَاءِ الَّتِي فِيهَاَ اللَّهُ. فَإِذَا كَانَ الرَّجُلُ
السَّوْءُ قَالَ: اخْرُجِي أَيَُّهَا النَّفْسُ الْخَبِيئَةُ كَانَتْ فِي الْجَسَدِ الْخَبِيثِ،
اخْرُجِي ذَمِيمَةً وَأَبْشِرِيٍ بِحَمِيمٍ وَغَسَّاقٍ وَآخَرَ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ، فَمَا تَزَالُ يُقَالُ
لَهَا ذَلِكَ حَتَّى تَخْرُجَ، ثُمَّ يُعْرَجُّ إِلَى السَّمَاءِ فَيُفْتَحُ لَهَا فَيُقَالُ: مَنْ هَذَا؟ فَيُقَالُ:
فُلَانٌ، فَيُقَالُ: لَا مَرْحَبًا بِالنَّفْسِ الْخَبِيئَةِ كَانَتْ فِي الْجَسَدِ الْخَبِيثِ، ارْجِعِي
ذَمِيمَةً فَإِنَّهَا لَا تُفْتَحُ لَكِ أَبْوَابُ السَّمَاءِ، فَتُرْسَلُ مِنَ السَّمَاءِ ثُمَّ تَصِيرُ إِلَى
الْقَبْرِ)).
[رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ] {حسن}
الْشَّرْحُ
١٦٤٢ - قوله: (الْمَيِّتُ) أي: جنسه، والمراد من قرب موته. (تَحْضُرُهُ
الْمَلَائِكَةُ) أي: ملائكة الرحمة أو ملائكة العقوبة، قاله ابن حجر. قيل: وهذه
(١٦٤٢) ابن مَاجَهْ (٤٢٦٢) واللفظ له، والنَّسَائِي في الجنائزِ (٩٨/٤) وزادَ فيه: ((فَيَأْتُونَ بِهِ أَرْوَاحَ
الْمُؤْمِنِينَ فَيَسْأَلُونَهُ: مَاذَا فَعَلَ فُلَانٌ؟ ... )) الحديث.
٤٩٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الملائكة هم أعوان ملك الموت في قبض الأرواح، وحاصل الأحاديث في ذلك:
أن ملك الموت يقبض الأرواح، والأعوان يكونون معه يعملون عمله بأمره، والله
تعالى هو الذي يُزهَقُ الروحُ بأمره، وبه يجمع بين الآيات والأحاديث المختلفة التي
أضيف التوفي فيها تارة إلى الله تعالى، وتارة إلى ملك الموت، وتارة إلى أعوانه
من الملائكة، فملك الموت يقبض الروح من الجسد بأمره تعالى، ثم يسلمها إلى
ملائكة الرحمة إن كان مؤمنًا، وملائكة العذاب إن كان كافرًا، وعند معاينتهم
يعاين ما يصير إليه من رحمة وعذاب. (صَالِحًا) أي: مؤمنًا. وقيل: أو قائمًا
بحقوق اللّه تعالى وحقوق عباده.
(اخْرُجِي) أي: من جسدك الطيب والخطاب للنفس فيستقيم هذا الخطاب مع
عموم الميت للذكر والأنثى. (أَيَّتُهَا النَّفْسُ) أي: الروح. (كَانَتْ فِي الْجَسَدِ
الطَّيِّبِ) قال الطيبي: الظاهر كُنْتِ؛ ليطابق النداء ((وأخْرُچِي))، لكن اعتبر اللام
الموصولة أي: النفس التي طابت كائنة في الجسد، ويحتمل أن يكون صفة أخرى
للنفس، لأن المراد منها ليست نفسًا معينة بل الجنس مطلقًا، انتهى. ((اخْرُجِي)) فيه
دلالة على أن الروح جسم لطيف يوصف بالدخول والخروج والصعود والنزول،
وهو خطاب ثان أو تأكيد لقوله. (حَمِيدَةً) أي: محمودة. (بِرَوْح) بفتح الراء أي:
راحة أو رحمة. (وَرَيْحَانٍ) أي: رزق أو طيب، والتنوين فيهما لَّلتعظيم والتكثير.
(وَرَبِّ) أي: وبملاقاة رب. (غَيْرِ غَضْبَانَ) بعدم الانصراف. وقيل: بالانصراف.
قال ابن حجر: وعدل إليه عن ((راضٍ)) رعاية للفاصلة أي: السجع. (فَلَا تَزَالُ) أي:
النفس. (يُقَالُ لَهَا ذَلِكَ) أي: ما تقدم من أنواع البشارة زيادة في سرورها بسماعها
ما تقرُّ به عينُها. (ثُمَّ يُعْرَجُ بِهَا) بصيغة المجهول. (إِلَى السَّمَاءِ) أي : الدنيا. (فَيُفْتَحُ
لَهَا) أي: بعد الاستفتاح أو قبله، وعند أحمد: ((فيستفتح لها)). (فَيُقَالُ) أي: يقول
ملائكة السماء. (مِنْ هَذَا؟ فَيَقُولُونَ) أي: يقول ملائكة الرحمة الذين معه. (فُلَانٌ)
أي: هذا فلان أي: روحه. (فَلَا تَزَالُ) أي: هي. (يُقَالُ لَهَا ذَلِكَ) أي: ما ذكر من
الأمر بالدخول والبشارة بالصعود من سماء إلى سماء. (حَتَّى تَنْتَهِيَ) أي: تصل إلى
السماء. (الَّتِي فِيهَا اللَّهُ) أي: أمره وحكمه أي: ظهور ملكه وهو العرش، قاله
القاري. وقيل: أي: فيها يظهر ويلقي حكمه. وقيل: أي: قدرته ورحمته
الخاصة.
٤٩٧
كِتَابُ الْجَنَائِزِ
بَابُ مَا يُقَالُ عِنْدَ مَنْ حَضَرَهُ الْمَوْتُ
(فَإِذَا كَانَ الرَّجُلُ) بالرفع. وقيل بالنصب على أن كان تامة أو ناقصة. (السَّوْءُ)
بفتح السين وضمها صفة الرجل. (قَالَ) أي: ملك الموت أو رئيس ملائكة
العذاب، أو كل واحد منهم فيطابق ما سبق بصيغة الجمع. (ذَمِيمَةً) أي: مذمومة.
(وَأَبْشِرِي) قال الطيبي: استعارة تهكمية، كقوله تعالى: ﴿فَبَشِّرُهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾
[آل عمران: ٢١] أو على المشاكلة والازدواج؛ و((حميم وغساق)) مقابل: (الروح
وريحان)). (بِحَمِيم) أي: ماء حار غاية الحرارة. (وَغَسَّاقٍ) بتخفيف وتشديد ما
يغسق أي: يسيل مَّن صديد أهل النار. وقيل: البارد المنتن. (وَآخَرَ) قال القاري:
عطف على حميمٍ أي: وبعذاب آخر. وفي نسخة: بضم الهمزة أي: وبأنواع أخر
من العذاب. (مِنْ شَكْلِهِ) أي: مثل ما ذكر في الحرارة والمرارة. (أَزْوَاج) بالجر
أي: أصناف. قال الطيبي: أي: مذوقات أخر مثل الغساق في الشدة والفظاعة
أزواج أجناس، انتهى. ولا وجه لإرجاع الضمير إلى الغساق وحده وإن كان هو
أقرب مذكور، فالصحيح ما ذكرناه من أن إفراد الضمير باعتبار ما ذكر. قال:
((وآخَرَ)) في محل الجر عطف على ((حميم)) و((أزواج)) صفة لآخر وإن كان مفردًا؛
لأنه في تأويل الضروب والأصناف كقول الشاعر: مَعَّى جِيَاعًا.
والظاهر: أنه في تأويل النوع والصنف، كذا قال القاري. وقال السندي: وآخر
أي: بأخر وأزواج بدل منه أي: بأصناف ومن شكله جار ومجرور وقع حالًا من
أزواج أي: وبأصناف كائنة من جنس المذكور من الحميم والغساق. (ثُمَّ يُعْرَجُ إِلَى
السَّمَاءِ) كذا في أكثر النسخ، ووقع في بعض النسخ: ((ثُمَّ يُعْرَجُ بِهَا إِلَى السَّمَاءِ))،
وهو مطابق لما في ((مسند الإمام أحمد)) وابن ماجه. (فَيُفْتَحُ لَهَا) أي: يستفتح لها
لقوله تعالى: ﴿لَا نُفَنَّحُ لَهُمْ أَبَوَبُ السَّمَاءِ﴾ [الأعراف: ٤٠] وعند أحمد: ((فيستفتح لها)).
(فَتُرْسَلُ) أي: ترد وسيأتي أنها تطرح. (ثُمَّ تَصِيرُ) أي: ترجع. (إِلَى الْقَبْرِ) وتكون
محبوسة في أسفل السافلين، بخلاف روح المؤمن فإنها تسرح في الجنة حيث
تشاء، ولها تعلق بجسده أيضًا تعلقًا كليًّا بحيث يتنعم في قبره، وينظر إلى منازله في
الجنة بحسب مرتبته، فأمر الروح وأحوال البرزخ والآخرة كلها على خوارق
العادات، فلا يشكل شيء منها على المؤمن بالآيات.
(رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ) في الزهد بإسناد صحيح، قاله المنذري في ((الترغيب)). وقال
البوصيري في ((الزوائد)): إسناده صحيح، رجاله ثقات، انتهى. والحديث أخرجه
٤٩٨
ـجري
مِزْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
أيضًا أحمد (ج٢ ص٣٤٤) وذكره ابن القيم في كتاب ((الروح))، وعزاه لابن منده،
وذكر توثيق رواته عن الحافظ أبي نعيم.
١٦٤٣ - [١٤] وَعَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ لِهِ قَالَ: ((إِذَا خَرَجَتْ رُوحُ
الْمُؤْمِنِ تَلَقَّاهَا مَلَكَانٍ يُصْعِدَانِهَا)). قَالَ حَمَّادٌ: فَذَكَرَ مِنْ طِيبٍ رِيحِهَا وَذَكَرَ
الْمِسْكَ، قَالَ: ((وَيَقُولُ أَهْلُ السَّمَاءِ: رُوحٌ طَيَِّةٌ جَاءَتْ مِنْ قِبَلَ الْأَرْضِ صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْكِ وَعَلَى جَسَدٍ كُنْتِ تَعْمُرِينَهُ، فَيُنْطَلَقُ بِهِ إِلَى رَبِّهِ ثُمَّ يَقُولُ: انْطَلِقُوا بِهِ
إِلَى آخِرِ الْأَجَلِ». قَالَ: «وَإِنَّ الْكَافِرَ إِذَا خَرَجَتْ رُوحُهُ - قَالَ حَمَّدٌ: وَذَكَرَ
مِنْ نَتْنِهَا وَذَكَرَ لَعْنَّا وَيَقُولُ أَهْلُ السَّمَاءِ: رُوحٌ خَبِيثَةٌ جَاءَتْ مِنْ قِبَلِ الْأَرْضِ،
فَيُقَالُ: انْطَلِقُوا بِهِ إِلَى آخِرِ الْأَجَلِ)) قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَرَدَّ رَسُولُ اللّهِ وَ لَّهِ رَيْطَةً
كَانَتْ عَلَيْهِ عَلَى أَنْفِهِ هَكَذَا.
[رَوَاهُ مُسْلِم] {صحيح}
الْشَّرْحُ
١٦٤٣ - قوله: (تَلَقَّاهَا مَلَكَانٍ) وفي الحديث السابق ذكر الملائكة بإرادة ما
فوق الواحد أو يلقى بعضهم ملكان، وبعضهم أكثر. وقال القاري: هذا تفصيل
للمجمل السابق ويحتمل أنهما الكريمان الكاتبان ولا ينافي الجمع فيما مر، أما
على قولٍ مَنْ يقول: أقل الجمع اثنان فظاهر، وأما على قول غيره فلاحتمال أن
الحاضرين جمع المفوض إليه منهم ذلك اثنان والبقية أو الكل يقولون لروحه:
اخرجي أيتها النفس، أو القائل واحد ونسب إلى الكل مجازًّا كقوله تعالى:
﴿فَعَقَرُوهَا﴾ [الشمس: ١٤] وكقولهم: قتله بنو فلان، ويؤيده حديث البراء الآتي.
(يُصْعِدَانِهَا) بضم الياء. (قَالَ حَمَّادٌ) وهو ابن زيد الأزدي البصري، راوي
الحديث عن بديل عن عبد الله بن شقيق عن أبي هريرة. (فَذَكَرَ) أي: رسول الله
وَلّ أو الصحابي وهو أبو هريرة، وكان سبب ذلك نسيان راويه لفظ النبوة في هذا
دون معناه، فذكره بسياق يشعر بذلك، قاله القاري. والظاهرُ أن فاعل ذكر بديل بن
ميسرة شيخ حماد بن زيد .
(١٦٤٣) مُسْلِم (٢٨٧٢) في الجنائز عنه.
كِتَابُ الْجَنَائِزِ
بَابُ مَا يُقَالُ عِنْدَ مَنْ حَضَرَهُ الْمَوْتُ
REX
٤٩٩
(مِنْ طِيبٍ رِيحِهَا) أي: أوصافها عظيمة من طيب ريحها. (وَذَكَرَ الْمِسْلَكَ) أي:
بطريق التشبيه أي: رائحة كرائحة المسك. وقال القاري: أي: ومن أنواع ذلك
المسك. وقال الطيبي: أي: وذكر المسك لكن لم يعلم أن ذلك كان طريقة التشبيه
أو الاستعارة أو غير ذلك. وقال الأبهري: الأظهر أن يقال: وذكر أن طيب ريحها
أطيب من ريح المسك. (قَالَ) أي: النبي ◌ِّثه. (وَيَقُولُ أَهْلُ السَّمَاءِ) أراد به الجنس
أي: كل سماع. (ِرُوحٌ طَيَِّةٌ) مبتدأ أو خبر لمحذوف هو ((هي)) وقوله: (جَاءَتْ)
الآن. (مِنْ قِبَلِ الأَرْضِ) بكسر القاف وفتح الموحدة أي: من جهتها صفة ثانية.
(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْكِ) أي: أنزل الرحمة عليك، والخطاب للروح.
قال الطيبي: في ((عَلَيْك)) التفات من الغيبة في قوله: ((جَاءَتْ)) إلى الخطاب،
وفائدته مزيد اختصاص لها بالصلاة عليها. (وَعَلَى جَسَدٍ كُنْتِ تَعْمُرِينَهُ) بضم
الميم. قال الطيبي: استعارة شبه تدبيرها الجسد بالعمل الصالح بعمارة من يتولى
مدينة ويعمرها بالعدل والإحسان. (فَيُنْطَلَقُ بِهِ) على بناء المفعول. (إِلَى رَبِّهِ) وفي
حديث براء الآتي: ((إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ)). (ثُمَّ يَقُولُ) أي: الرب سبحانه. (انْطَلِقُوا
بِهِ) أي: الآن أي: ليكون مستقرًّا في الجنة أو عندها. (إِلَى آخِرِ الأَجَلِ) قال
القاري: المراد بالأجل هنا مدة البرزخ، يعني: اذهبوا به إلى المكان الذي أعد له
إلى وقت القيامة. قال الطيبي: يعلم من هذا أن لكل أحد أجلين أولًا وآخرًا،
ويشهد له قوله تعالى: ﴿ثُمَّ قَضَّ أَجَلَاً وَأَجَلٌ مُسَمَّی عِندَهُ﴾ [الأنعام: ٢] أي: أجل الموت
وأجل القيامة.
وقال القاضي: المرادُ هنا انطلقوا بروح المؤمن إلى سدرة المنتهى، وفي روح
الكافر انطلقوا بروح الكافر إلى سِجِّين فهي منتهى الأجل. ويحتمل أن المراد إلى
انقضاء الدنيا. (وَذَكَرَ مِنْ نَتْنِهَا) بسكون التاء. (وَذَكَرَ لَعْنًا) أي: مع النتنِ فإن البعد
من لوازم النتنِ. (رُوحٌ خَبِثَةٌ جَاءَتْ) أي: قاربت السماء. (فَيُقَالُ: انْطَلِّقُوا بِهِ) قال
الطيبي: ذكر هاهنا ((فَيُقَالُ)) وفي الأول (يَقُولُ)) رعاية لحسن الأدب حيثِ نسب
الرحمة إلى الله سبحانه ولم ينسب إليه الغضب كما في قوله تعالى: ﴿أَنْعَمْتَ
عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾
[الفاتحة: ٧] .
(فَرَدَّ رَسُولُ اللّهِ وَّهِ رَيْطَةً) أي: طرف رَيطة وهي بفتح الراء وإسكان الياء