Indexed OCR Text
Pages 421-440
٤٢٠
eserat *eese
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصابِيحِ
((كفر)) أو هو صفة لمرض والجزاء محذوف أي: لكان خيرًا له، ويحتمل أن يكون
لو للتمني بمعنى ليت، وعلى هذا يتعين قوله: ((يُكَفِّرُ)) صفة، انتهى. وفي
الحديث: أن الابتلاء بالمصائب طبّ إلهيٌّ يُدَاوَى به الإنسانُ من أمراض الذنوب،
" فإن غير المعصوم لا يخلو غالبًا من السيئات، فالمرض مكفر لها أو رافع
للدرجات، وكاسر لشماخة النفس.
(رَوَاهُ مَالِك) في كتاب الجامع من ((الموطأ)) عن يحيى بن سعيد. (مُرْسَلًا) لأن
يحيى بن سعيد تابعي. قال ابن المديني في ((العلل)): لا أعلمه سمع من صحابي غير
أنس، ذكره الحافظ في ((تهذيبه))، وقد اعتضد هذا المرسل بما في الباب من
الأحاديث المسندة الدالة على كون المرض كفارة للذنوب.
١٥٩٣ - [٥٨] وَعَنْ شَدَّادِ بْنٍ أَوْسِ وَالصُّنَابِحِيِّ، أَنَّهُمَا دَخَلَا عَلَى
رَجُلِ مَرِيضٍ يَعُودَانِهِ، فَقَالَا لَهُ: كَيْفَ أَصْبَخَّتَ؟ قَالَ: أَصْبَحْتُ بِنِعْمَةٍ. فَقَالَ
لَهُ شَّدَّادُ: أَبْشِرْ بِكَفَّارَاتِ السَّيِّئَاتِ وَحَطِّ الْخَطَايَا؛ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ
وَ يَقُولُ: ((إِنَّ اللَّهَ وَّنْ يَقُولُ: إِذَا أَنَا ابْتَلَيْتُ عَبْدًا مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنًا فَحَمِدَنِي
عَلَى مَا ابْتَلَيْتُهُ، فَإِنَّهُ يَقُومُ مِنْ مَضْجَعِهِ ذَلِكَ كَيَوْمَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ مِنَ الْخَطَايَا،
وَيَقُولُ الرَّبُّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: أَنَا قَيَّدْتُ عَبْدِي وَابْتَلَيْتُهُ فَأَجْرِوُا لَهُ مَا كُنْتُمْ
تُجْرُونَ لَهُ وَهُوَ صَحِيحٌ)).
[رَوَاهُ أَحْمَدُ] {حسن}
الْشَّرْحُ
١٥٩٣ - قوله: (وَعَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ) تقدم ترجمته. (وَالصُّنَابِحِيَّ) عطف
على شداد، وهذا يدل على أن الراوي - وهو أبو الأشعث الصنعاني - روى القصة
عن شداد والصنابحى. وفيه نظر؛ فإن الرواية في ((مسند الإمام أحمد)) هكذا: قال
عبد الله: حدثني أبي، ثنا هيثم بن خارجة، ثنا إسماعيل بن عياش، عن راشد بن
داود الصنعاني، عن أبي الأشعث الصنعاني، أنه راح إلى مسجد دمشق وهجر
(١٥٩٣) رَوَاهُ أَحْمَد (١٢٣/٤) عن شداد بن أوس، والصُّنَابحي.
٤٢١
كِتَابُ الْجَنَائِزِ
بَابُ عِيَادَةِ الْمَرِيْضِ وَثَوَابِ الْمَرِضِ
بالرواح، فلقي شداد بن أوس والصنابحى معه فقلت: أين تريدان يرحمكما اللَّه؟
قالا: نريد هاهنا إلى أخ لنا مريض نعوده، فانطلقت معهما حتى دخلا على ذلك
الرجل فقالا له: كيف أصبحت ... إلخ.
والظاهر: أن هذا التقصير، إنما وقع من اختصار المصنف، وكان الأولى أن
يذكر الرواية من قوله: عن أبي الأشعث الصنعاني: أنه راح ... إلخ. كما صنع
الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) (ج ٢ ص ٣٠٣) والمنذري في ((الترغيب)) (ج ٤ ص ٩٠)
والصُّنَابِحِيُّ هذا هو عبد الرحمن بن عسيلة - بمهملة مصغرًا - المرادي، أبوعبد
اللَّه الصنابحى بضم الصاد المهملة وتخفيف النون والباء الموحدة المكسورة
والحاء المهملة، نسبة إلى صنابح بن زاهر بطن من مراد، ثقة من كبار التابعين،
قدم المدينة بعد موت النبي وَّه بخمسة أيام، مات في خلافة عبد الملك بن
مروان، روى عن النبي وُّل مرسلاً وعن أبي بكر وعمر وعلي وبلال وسعد بن عبادة
وعمرو بن عبسة وشداد بن أوس وغيرهم، وروى عنه أسلم مولى عمر، ومحمود
ابن لبيد الأنصاري وجماعة. (أَنَّهُمَا دَخَلَا عَلَى رَجُلِ مَرِيْضٍ يَعُودَانِهِ فَقَالَا لَهُ: كَيْفَ
أَصْبَحْتَ؟) استدل به على أن العيادة في أول النهار أفضلً. (أَصْبَحْتُ بِنِعْمَةٍ) أي:
مصحوبًا بنعمة عظيمة، وهي نعمة الرضا والتسليم للقضاء. (أَبْشِرْ) أمر من
الإبشار، ويجوز أن يكون من باب ضرب وسمع. (بِكَفَّارَاتِ السَّيِّئَاتِ) أي:
المعاصي. (وَحَطَّ الْخَطَايَا) أي: وضع التقصيرات في الطاعات والعبادات.
(مُؤْمِنًا) نعت أو حال. (فَحَمِدَنِي عَلَى مَا ابْتَلَيْتُهُ) أي: به من مرض أو وجع. (فَإِنَّهُ
يَقُومُ مِنْ مَضْجَعِهِ) أي: مرقده. (ذَلِك) أي: الذي هو فيه، والمراد: من مرضه
سمي باسم ملازمه غالبًا وهو متجرد باطنًا عن ذنوبه. (كَيَوْمَ وَلَدَتْهُ أَمُّهُ) بفتحِ المیم،
وفي نسخة بالجر أي: كتجرده ظاهرًا في وقت ولدته أمه من الخطايا. (أَنَا قَيَّدْتُ
عَبْدِي) أي: حبسته بالمرض. (وَابْتَلَيْتُهُ) أي: امتحنته ليظهر منه الشكر أو الكفر.
(فَأَجْرُوا لَهُ) أمر من الإجراء. (مَا كُنْتُمْ تُجْرُونَ لَهُ) أي: من كتابة الأعمال، وفي
((المسند)): ((كما كنتم تجرون له))، وكذا نقله الهيثمي، والمنذري. (وَهُوَ صَحِيحٌ)
حال. (رَوَاهُ أَحْمَدُ) (ج ٤ ص١٢٣) وأخرجه أيضًا الطبراني في ((الكبير)) و((الأوسط))
كلاهما من رواية إسماعيل بن عياش عن راشد بن داود الصنعاني، وهو ضعيف في
غير الشاميين، وهذا الحديث قد رواه عن راشد الصنعاني، صنعاء دمشق الشام فهو
من أحاديثه المستقيمة. قال المنذري: وله شواهد كثيرة.
٤٢٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
١٥٩٤ - [٥٨] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((إِذَا كَثُرَتْ
ذُنُوبُ الْعَبْدِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ مَا يُكَفِّرُهَا مِنَ الْعَمَلِ، ابْتَلَاهُ اللَّهُ بِالْحُزْنِ لِيُكَفِّرَهَا
. ٥و
[رَوَاهُ أَحْمَدُ] {ضعيف}
عنه)) .
الشَّرْحُ
١٥٩٤ - قوله: (إِذَا كَثُرَتْ ذُنُوبُ الْعَبْدِ) أي: الإنسان المسلم. (مَا يُكَفِّرُهَا
مِنَ الْعَمَلِ) أي: الصالح لفقده أو لقلته. (ابْتَلَاهُ اللَّهُ بِالْحُزْنِ) أي: بأسبابه وهو بضم
فسكون، وبفتحتين. (لِيُكَفِّرَهَا) أي: الذنوب. (عَنْهُ) أي: عن العبد بسبب الحزن.
(رَوَاهُ أَحْمَدُ) قال الهيثمي: وفيه ليث بن أبي سليم، وهو مدلس، وبقية رجاله
ثقات. وقال المنذري: رواته ثقات إلا ليث بن أبي سليم.
١٥٩٥ - [٦٠] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: «مَنْ عَادَ مَرِيضًا
لَمْ يَزَلْ يَخُوضُ فِي الرَّحْمَةِ حَتَّى يَجْلِسَ، فَإِذَا جَلَسَ اغْتَمَسَ فِيهَا)).
[رَوَاهُ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ] {صحيح}
W O
الشَّرْحُ
١٥٩٥ - قوله: (لَمْ يَزَلْ يَخُوضُ في الرَّحْمَةِ) أي: يدخل فيها من حين يخرج
من بيته بنية العيادة. (حَتَّى يَجْلِسَ) أي: عنده. (اغْتَمَسَ فِيهَا) أي: غاص فيها
وغطس، وفي رواية البخاري في ((الأدب المفرد)): ((اسْتَقَرَّ فِيْهَا))، قال الطيبي: شبه
الرحمة بالماء، إما في الطهارة، أو في الشيوع والشمول، ثم نسب إليها ما هو
منسوب إلى المشبه به من الخوض، ثم عقب الاستعارة بالانغماس ترشيحًا .
(١٥٩٤) أَحْمَد (١٥٧/٦) عنها .
(١٥٩٥) أَحْمَد (٣٠٤/٣) ومَالِك (١٧/٩٤٦/٢) عنه.
كِتَابُ الْجَنَائِزْ
بَابٌ عِيَادَةِ الْمَرِيْضِ وَثَوَابٍ الْمَرِض
٤٢٣
(رَوَاهُ مَالِك) أي: في كتاب ((الجامع من الموطأ)) بلاغًا، ففيه: مالك، أنه بلغه
عن جابر بن عبد الله، أن رسول اللّه وَ لَه قال: ((إِذَا عَادَ الرَّجُلُ الْمَرِيْضَ خَاضَ فِي
الرَّحْمَةِ، حَتَّى إِذَا قَعَدَ عِنْدَهُ قَرَّتْ فِيْهِ)) أَوْ نَحْوَ هَذَا. (وَأَحْمَدُ) أي: مسندًا.
قال الزرقاني: برجال الصحيح، وأخرجه أيضًا البخاري في ((الأدب المفرد))،
وقاسم بن أصبغ والبزار وابن حبان في ((صحيحه)) والحاكم (ج ١ ص٣٥٠) وصححه
البيهقي (ج ٣ص ٣٨٠) قال الهيثمي والمنذري: رجال أحمد رجال الصحيح، وفي
الباب عن أنس وأبي هريرة وكعب بن مالك وعمرو بن حزم وأبي أمامة وابن عباس
وصفوان بن عسال وأبي الدرداء، ذكر أحاديثهم الهيثمي في ((مجمع الزوائد))
(ج٢ ص ٢٩٧ - ٢٩٨) والمنذري في ((الترغيب)).
١٥٩٦ - [٦١] وَعَنْ ثَوْبَانَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ نَ ◌ّهِ قَالَ: ((إِذَا أَصَابَ
أَحَدَكُمُ الْحُمَّى، فَإِنَّ الْحُمَّى قِطْعَةٌ مِنَ النَّارِ، فَلْيُطْفِتْهَا عَنْهُ بِالْمَاءِ، فَلْيَسْتَنْقِعْ
فِي نَهَرِ جَارٍ ، وَلِيَسْتَقْبِلْ جِرْيَتَهُ فَيَقُولُ: بِسْمِ اللَّهِ، اللَّهُمَّ اشْفِ عَبْدََكَ، وصَدِّقْ
رَسُولَكَ، بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ، وَقَبْلَ طُلُوَع الشَّمْسِ، وَلْيَغْمِسْ فِيهِ ثَلَاثَ
غَمَسَاتٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامِ، فَإِنْ لَمْ يَبْرَأْ فِي ثَلَاثٍ فَخَمْسٌ، فَإِنْ لَمْ يَبْرَأْ فِي خَمْسٍ
فَسَبْعٌ، فَإِنْ لَمْ يَبْرَأْ فِي سَبْعٍ فَتِسْعٌ، فَإِنَّهَا لَا تَكَادُ تُجَاوِزُ تِسْعًا بِإِذْنِ اللَّهِ رَ)).
[رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ] {ضعيف}
الْشَّرْجُ
١٥٩٦ - قوله: (إِذَا أَصَابَ أَحَدَكُمُ الْحُمَّى) أي: أخذته. (فَإِنَّ الْحُمَّى قِطْعَةٌ
مِنَ النَّارِ) أي: لشدة ما يلقى المريض فيها من الحرارة الظاهرة والباطنة، وفي
حديث رافع بن خديج عند الشيخين : ((الْحُمَّى مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ))، وسيأتي الكلام عليه
في الطب. وقال الطيبي: جواب ((إذا)) فليعلم أنها كَذلك. (فَلْيُطْفِتْهَا عَنْهُ بِالْمَاءِ)
أي: البارد، قال: ويحتمل أن يكون الجواب: ((فَلْيُطْفِتْهَا)) وقوله: ((فَإِنَّ الْحُمَّى))
(١٥٩٦) التِّرْ مِذِي (٢٠٨٤) في الطب وقالَ: غريب.
٤٢٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
=*
معترضة قالوا: هذا خاص ببعض أنواع الحمى الحادثة من الحرارة، التي يعتادها
أهل الحجاز، ولما كان بيانه ◌َّليّ لعلاج الأمراض البدنية تبعًا، لم يستفض في
تعميم أنواعها، واقتصر على علاج ما هو أعم وأغلب وقوعًا. (فَلْيَسْتَنْقِعْ فِي نَهَرِ
جَارٍ) بيان للإطفاء. قال في ((القاموس)): استنقع في الغدير نزل واغتسل كأنه ثبت فيه
ليتبرد. (وَلْيَسْتَقْبِلْ جِرْيَتَهُ) بكسر الجيم. قال الطيبي: يقال: ما أشد جِرية هذا الماء
- بالكسر - وهو مصدر بمعنى: السيلان، كالجري والجريان، يقال: نهر سريع
الجِرْية. (فَيَقُولُ) أي: حال الاستقبال. (وَصَدِّقْ رَسُولَكَ) أي: اجعل قوله هذا
صادقًا؛ بأن تشفيني، ذكره الطيبي. (بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ) ظرف ليستنقع، وكذا قوله:
(قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ). (وَلْيَغْمِسْ) بفتح الياء وكسر الميم. (فِيهِ) أي: في النهر أو
في مائه. (ثَلَاثَ غَمَسَاتٍ) بفتحتين. (ثَلَاثَةَ أَيَّام) قال الطيبي: قوله: ((وَلْيَغْمِسْ))
بيان لقوله: ((فَلْيَسْتَنْقِعْ)) جيء به لتعلق المرَّاتَّ. (فَإِنْ لَمْ يَبْرَأ) بفتح الراء. (فِي
ثَلَاثٍ) أي: ثلاث غمسات، أو في ثلاثة أيام.
(فَخَمْسٌ) بالرفع. قال الطيبي: أي: فالأيام التي ينبغي أن ينغمس فيها أو
فالمرات. (فَسَبْعٌ) بالرفع كما تقدم آنفًا. (فَتِسْعٌ) كذلك. (فَإِنَّهَا) أي: الحمى. (لَا
تَكَادُ) أي: تقرب. (تُجَاوِزُ تِسْعًا) أي: بعد هذا العمل. (بِإِذْنِ اللَّهِ) أي: بإرادته أو
بأمره لها بالذهاب وعدم العود.
قال ابن القيم في ((زاد المعاد))، في بحث علاج الحمى بالماء بعد ذكر حديث ابن
عمر بلفظ: (إِنَّمَا الْحُمَّى مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ فَأَبْرِدُوهَا بِالْمَاءِ)) ما لفظه: خطابه وَّ في
هذا الحديث خاص بأهل الحجاز وما والاهم؛ إذ كان أكثر الحميات التي تعرض
لهم من نوع الحمى العرضية الحادثة عن شدة حرارة الشمس، وهذه ينفعها الماء
البارد شربًا واغتسالًا ... إلخ. وقال بعد تقسيم الحمى إلى عرضية ومرضية:
فيجوز أن يكون مراد الحديث من أقسام الحميات العرضية، وهي الحادثة عن ورم
أو حركة أو إصابة حرارة الشمس، أو القيظ الشديد ونحو ذلك، فإنها تسكن على
المكان بالانغماس في الماء البارد، وسقي الماء البارد المثلوج، ولا يحتاج صاحبها
مع ذلك إلى علاج آخر، فإنها مجرد كيفية حادة متعلقة بالروح، فيكفي في زوالها
مجرد وصول كيفية باردة تسكنها، وتخمد لهبها من غير حاجة إلى استفراغ مادة أو
٤٢٥
كِتَابُ الْجَنَائِزِ
بَابٌ عِيَادَةِ الْمَرِيْضِ وَثَوَابِ الْمَرِضِ
انتظار نضج، ويجوز أن يراد به: جميع أنواع الحميات، وقد اعترف جالينوس بأن
الماء البارد ينفع فيها .
قال في كتاب ((حيلة البرء)): ولو أن رجلًا شابًّا حسن اللحم خصب البدن في
وقت القيظ، وفي وقت منتهى الحمی وليس في احشائه ورم استحم بماء بارد أو
سبح فيه لانتفع بذلك، قال: ونحن نأمر بذلك بلا توقف. وقال الرازي في كتابه
((الكبير)): إذا كانت القوى قوية والْحُمَّى حادة جدًّا والنضج بَيِّنٌ ولا ورم في
الجوف ولا فتق ينفع الماء البارد شربًا، وإن كان العلیل خصب البدن والزمان حار
و کان معتاد الاستعمال الماء البارد من خارج فليؤذن له فيه، انتهى. وقد نزل ابن
القيم حديث ثوبان على هذه القيود فقال بعد ذكره: وهذه الصفة تنفع في فصل
الصيف في البلاد الحارة على الشرائط التي تقدمت، أي: الْحُمَّى العرضية، أو
الغب الخالصة التي لا ورم معها ولا شيء من الأعراض الرديئة، والمواد الفاسدة،
فإن الماء في ذلك الوقت أبرد ما يكون لعبده عن ملاقاة الشمس ووفور القوى في
ذلك الوقت؛ لكونه عقب النوم والسكون وبرد الهواء، قال: والأيام التي أشار إليها
هي التي يقع فيها بُحْرَانُ الأمراض الحادة غالبًا، ولاسيما في البلاد الحارة،
انتهى. ويأتي مزيد الكلام عليه في كتاب الطب إن شاء الله تعالى.
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) في الطب وأخرجه أيضًا أحمد (ج٥ص ٢٨١) وابن السني
(ص ١٨٢) كلهم من رواية سعيد بن زرعة الشامي الحمصي الجرار الخزاف عن
ثوبان. قال الحافظ في ((التقريب)) في ترجمة سعيد: أنه مستور، وقال في ((الفتح)):
وفي سنده سعيد بن زرعة، مختلف فيه. وقال في ((تهذيب التهذيب)): قال
أبوحاتم: مجهول، وذكره ابن حبان في ((الثقات)).
٤٢٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
١٥٩٧ - [٦٢] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: ذُكِرَتِ الْحُمَّى عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ
ونَ﴿ فَسَبَّهَا رَجُلٌ، فَقَالَ النَّبِيُّ وَهِ: (لَا تَسُبَّهَا فَإِنَّهَا تَنْفِي الذَّنُوبَ كَمَا تَنْفِي
[رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ] {ضعيف}
النَّارُ خَبَثَ الْحَدِيدِ)).
الْشَّرْجُ
١٥٩٧ - قوله: (ذُكِرَتِ الْحُمَّى) على صيغة المجهول أي: وصفت شدتها .
(لَا تَسُبَّهَا) بفتح الباء. (تَنْفِي الذَّنُوبَ) من النفي أي: تزيل وهو أبلغ من تمحو (كَمَا
تَنْفِي النَّارُ خَبَثَ الْحَدِيدِ) كناية عن المبالغة في تمحيصها من الذنوب، وخبث
الحديد - بفتح الخاء المعجمة والباء الموحدة - هو ما تلقيه النار من وسخه إذا
أذيب، والمعنى أن الحمى من هذه الحيثية توجب الصبر والشكر لا السب. (رَوَاهُ
ابْنُ مَاجَهْ) في الطب. قال البوصيري في ((الزوائد)): وفي إسناده موسى بن عبيدة
الربذي، وهو ضعيف، انتهى. ويؤيده ما تقدم من حديث جابر في الفصل الأول
في نهيه ◌َّ أم السائب عن سب الحمى وقد جاء في معناه أحاديث أخرى.
١٥٩٨ - [٦٣] وَعَنْهُ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللّهِ وَ لَ عَادَ مَرِيضًا فَقَالَ: ((أَبْشِرْ
فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: هِيَ نَارِي أُسَلِّطُهَا عَلَى عَبْدِي الْمُؤْمِنِ فِي الدُّنْيَا؛
لِتَكُونَ حَظَّهُ مِنَ النَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)».
[رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ] {صحيح}
الشَّرْحُ
١٥٩٨ - قوله: (إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَلَ عَادَ مَرِيضًا) وبعده في ابن ماجه وغيره:
((من وعِكِ كان به ومعه أبو هريرة)). (هِيَ) أي: الحمى كما يفيده السباق والسياق.
(نَارِي أُسَلِّطُهَا عَلَى عَبْدِي الْمُؤْمِنِ) قال الطيبي: في إضافة النار إشارة إلى أنها لطف
(١٥٩٧) ابن مَاجَهْ (٣٤٦٩) في الطب عنه.
(١٥٩٨) أَحْمَد (٢/ ٤٤٠)، وابن مَاجَهْ (٣٤٧٠) عن أبي هريرة.
كِتَابُ الْجَنَائِزِ
بَابُ عِيَادَةِ الْمَرِيْضِ وَثَوَابِ الْمَرِضِ
٤٢٧
ورحمة منه، ولذلك صرح بقوله ((عبدي))، ووصفه بالمؤمن وقوله: ((أُسَلِّطُهَا)) خبر
بعد خبر أو استئناف.
(فِي الدُّنْيَا) متعلق بـ(أُسَلِّطُهَا))، (لِتَكُونَ) أي: الحمَّى. (حَظَّهُ) أي: نصيبه بدلًا .
(مِنَ النَّارِ) مما اقترف من الذنوب، ويحتمل أنها نصيب من الحتم المقضي في قوله
تعالى: ﴿وَإِن ◌ِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم: ٧١] قال الطيبي: والأول هو الظاهر، وقيل:
المعنى: أن الحمى تسهل عليه الورود حتى لا يشعر به ولا يحس. (يَوْمَ الْقِيَامَةِ)
وعند ابن ماجة وابن السني والحاكم: ((فِي الْآخِرَةِ».
(رَوَاهُ أَحْمَدُ) (وَابْنُ مَاجَهْ) في الطب. (وَالْبَيْهَقِيُّ) وأخرجه أيضًا ابن السني
(ص١٧٣) والحاكم (ج ١ ص٣٤٥) وصححه ووافقه الذهبي، وفي الباب عن أبي
ريحانة عند ابن أبي الدنيا والطبراني وعن أبي أمامة عند أحمد بإسناد لا بأس به،
وعن عائشة عند البزار بإسناد حسن، وعن أنس عند الطبراني في ((الأوسط)) ذكرهم
المنذري في ((الترغيب)) (ج٤ ص٩٤) والهيثمي في ((مجمع الزوائد)) (ج ٢ ص ٣٠٦)
والسيوطي في ((الجامع الصغير))، وعلى المتقي في ((الكنز)) (ج ٢ ص٦٦).
١٥٩٩ - [٦٤] وَعَنْ أَنَس: أَنَّ رَسُولَ اللّهِ بَلَ قَالَ: ((إِنَّ الرَّبَّ تُعَلَ
يَقُولُ: وَعِزَّتِي وَجَلَالِي لَا أُخْرِجَ أَحَدًا مِنَ الدُّنْيَا أُرِيدُ أَغْفِرُ لَهُ حَتَّى أَسْتَوْفِيَ
كُلَّ خَطِيئَةٍ فِي عُنُقِهِ بَسَقَم فِي بَدَنِهِ وَإِقْتَارٍ فِي رِزْقِهِ)).
[رَوَاهُ رَزِينٌ]
W O
الْشَّرْحُ
١٥٩٩ - قوله: (وَعِزَّتِي) أي: غلبتي وقوتي (وَجَلَالِي) أي: عظمتي وقدرتي
(أُرِيدُ أَغْفِرُ لَهُ) قال القاري: بالرفع. وفي نسخة: بالنصب. قال الطيبي: أي: أريد
أن أغفر فحذف أن، والجملة إما حال من فاعل أخرج أو صفة للمفعول، وفي
((جامع الأصول)) (ج ١٠ ص٣٥٨) نقلًا عن رزين ((أريد أن أغفر له)). (حَتَّى أَسْتَوْفِيَ)
(١٥٩٩) ذكره رزين.
٤٢٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
يقال: استوفى حقه أي: أخذه تامًّا وافيًا. (كُلَّ خَطِيئَةٍ) أي: جزاء كل سيئة اقترفها
وكنى عنه بقوله: (فِي عُنُقِهِ) بضمتين في ذمته حيث لم يتب عنها أي: كل خطيئة
باقية .
(بِسَقَم) بفتحتين وضم وسكون متعلق بـ((أَسْتَوْفِيَ))، والباء سببية، فلا تحتاج إلى
تضمين أَستبدل كما اختاره ابن حجر. (فِي بَدَنِهِ) إشارة إلى سلامة دينه. (وَإِقْتَارٍ)
أي: تضييق. (فِي رِزْقِهِ) أي: نفقته. قال ميرك: الإقتار التضييق على الإنسان في
الرزق يقال: اقتر اللّه رزقه، أي: ضيقه وقلله، وقد اقتر الرجل فهو مقتر، وقتر فهو
قتور، كذا في الطيبي، فعلى هذا الإقتار مستعمل في جزء معناه على سبيل
التجريد. (رَوَاهُ رَزِينٌ) أي: ابن معاوية العبدري السرقسطي، والحديث أورده
المنذري في ((الترغيب))، وقال: ذكره رزين - يعني: في كتاب ((التجريد)) الذي
جمع فيه ما في الصحاح الخمسة و((الموطأ)) - ولم أره. وقال مَيْرَك: لم أره في
الأصول، انتهى. فلا يعرف حال إسناده، لكنه يؤيده ما في هذا الباب من
الأحاديث في كون المصائب والبلايا كفارة للسيئات.
١٦٠٠ - [٦٥] وَعَنْ شَقِيقٍ قَالَ: مَرَضَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ فَعُدْنَاهُ
فَجَعَلَ يَبْكِي، فَعُوتِبَ فَقَالَ: إِنِّيَّ لَا أَبْكِي لِأَجَلِ الْمَرَضِ؛ لِأَنِّي سَمِعْتُ
رَسُولَ اللّهِ وَلَيهِ يَقُولُ: ((الْمَرَضُ كَفَّارَةٌ))، وَإِنَّمَا أَبَّكِي أَنَّهُ أَصَابَنِي عَلَى حَالٍ
فَتْرَةٍ، وَلَمْ يُصِبْنِي فِي حَالِ اجْتِهَادٍ؛ لِأَنَّهُ يُكْتَبُ لِلْعَبْدِ مِنَ الْأَجْرِ إِذَا مَرِضَ مَا
كَانَ يُكْتَبُ لَهُ قَبْلَ أَنْ يَمْرَضَ فَمَنَعَهُ مِنْهُ الْمَرْضَ.
[رَوَاهُ رَزِينٌ]
الْشَّرْجُ
١٦٠٠ - قوله: (وَعَنْ شَقِيقٍ) أي: ابن أبي سلمة الأسدي أبي وائل الكوفي،
تقدم ترجمته. (فَعُوتِبَ) أي : في البكاء، فإنه مشعر بالجزع من المرض، وهو ليس
من أخلاق الأكابر. (وَإِنَّمَا أَبْكِي أَنَّهُ) أي: لأجل أنه. (أَصَابَنِي) أي: المرض.
(١٦٠٠) ذكره رزین.
كِتَابُ الْجَنَائِزِ
بَابٌ عِيَادَةِ الْمَرِيْضِ وَثَوَابِ الْمَرِض
٤٢٩
(عَلَى حَالٍ فَتْرَةٍ) أي: على حال فتور وضعف في الجسم من الكبر لا أقدر على عمل
كثير. وقال القاري: على حال فترة، أي: ضعف في العبادة.
(وَلَمْ يُصِبْنِي فِي حَالِ اجْتِهَادٍ) أي: في الطاعة البدنية، فلو وقعت الإصابة حال
الاجتهاد في العبادة والقوة في الجسم؛ لكانت سببًا للزيادة. (لِأَنَّهُ) أي: الشأن.
(يُكْتَبُ لِلْعَبْدِ) المؤمن. (مِنَ الأَجْرِ إِذَا مَرِضَ مَا كَانَ) أي: مثل جميع ما كان من
الأعمال. (يُكْتَبُ لَهُ قَبْلَ أَنْ يَمْرَضَ) بفتح الياء والراء. (فَمَنَعَهُ مِنْهُ الْمَرَضُ) أي: لا
مانع آخر من الشغل والكبر.
(رَوَاهُ رَزِينٌ لم أقف على هذا الأثر في شيء من الأصول، ويؤيده ما تقدم من
حديث شداد بن أوس عند أحمد، وحديث عبد الله بن عمرو وأنس عند البغوي في
الفصل الثاني، وحديث أبي موسى عند البخاري في الفصل الأول.
١٦٠١ - [٦٦] وَعَنْ أَنَسِ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ وَ لَا يَعُودُ مَرِيضًا إِلَّا بَعْدَ
ثَلَاثِ.
[ْرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالبَّنْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ] {ضعيف جِدًّا}
G O
الْشَرْجُ
١٦٠١ - قوله: (كَانَ النَّبِيُّ وَ لَا يَعُودُ مَرِيضًا إِلَّا بَعْدَ ثَلَاثٍ) قال الشوكاني:
هذا يدلُّ على أن عيادة المريضِ إنَّما تشرع بعد مضي ثلاثة أيام من ابتداء مرَضِهِ،
فتقيد به مطلقات الأحاديث الواردة في العيادة، ولكنَّهُ غير صحيح أو حسن - كما
ستعرف - فلا يصلحُ لذلك، انتهى.
قلت: ذهبَ الجمهور إلى أن العيادة لا تتقید بزمان يمضي من ابتداء مرضه، بل
هي سنة من أول المرض؛ لإطلاق قولهِ رَله: ((عُودُوا الْمَرِيضَ))، وجَزَم الغزالي في
((الإحياءِ)) بأنه لا يعادُ إلى بعد مضي ثلاث ليالٍ، مُستندًا لحديث أنس.
وتُعقب: بأنه ضَعِيف جِدًّا؛ لأنه تفرَّد به مسلمة بن علي الخشني، وهو متروك،
(١٦٠١) ابن مَاجَهْ (١٤٣٧) في الطب عنه.
٤٣٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
وقد سُئل عنه أبو حاتم فقال: هو حديث باطلٌ، وله شاهد من حديث أبي هريرة عند
الطبراني في ((الأوسطٌ)) مرفوعًا: ((لَا يُعَادُ الْمَرِيضُ إِلَّا بَعْدَ ثَلَاثٍ))، وفيه نصر بن
حماد، وهو متروك أيضًا.
وقال السندي في ((حاشية ابن ماجه)): لعلَّ حديث أنس - إنْ صحَّ - يحمل على
أنه لتحقق مرضه، أي: يؤخر حتى يتحقق عنده أنه مَرِضَ.
وقال القاري: يمكن حمل الحديث على أنه ما كان يسأل عن أحوال مَنْ يغيب
عنه إلا بعد ثلاث، فبعد العلم بها كان يعود.
قلتُ: ويؤيدُ هذا ما رواه أبو يعلى عن أنسٍ قال: ((كان رسول اللَّه وَلّل إذا فقد
الرجل من إخوانه ثلاثة أيام سأل عنه، فإن كان غائبًا دعا له، وإن كان شاهدًا زاره،
وإن كان مريضًا عاده ... الحديث، ذكرَهُ الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) وقال: فيه
عباد ابن كثير وكان رجلاً صالحًا، ولكنه ضعيف الحديث متروك لغفلته، انتهى.
(رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ) في الجنائز (وَالْبَيْهَقِيُّ) وفي سنده عندهما مسلمة بن علي
الخشني. قال البخاري وأبو حاتم وأبو زرعة: منكر الحديث. وقال النسائي
والدار قطني والبرقاني: متروك الحديث. قال الحافظ: ومِن منكراته عن ابن جريج
عن حميد، عن أنس: أن النبي وَلو كان لا يعود مريضًا إلا بعد ثلاثة أيام، انتهى.
وقال السخاوي في ((المقاصد)): عيادة المريض بعد ثلاث، له طرق ضعاف
يتقوَّى بعضها ببعض، ولهذا أخذ بمضمونها جماعة كالنعمان بن أبي عياش الزرقي
من فضلاء أبناء الصحابة فقال: عيادة المريض بعد ثلاث. والأعمش ولفظه: كنا
نقعد في المجالس، فإذا فقدنا الرجل ثلاثة أيام سألنا عنه، فإن كان مريضًا عدناه.
وهذا يشعر بعدم انفراده، كذا قال، ولا يخفى ما فيه.
كِتَابُ الْجَنَائِز
بَابُ عِيَادَةِ الْمَرِيْضِ وَثْوَابِ الْمَرِض
٤٣١
DE
١٦٠٢ - [٦٧] وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((إِذَا
دَخَلْتَ عَلَى مَرِيضٍ فَمُرْهُ يَدْعُوَ لَكَ؛ فَإِنَّ دُعَاءَهُ كَدُعَاءِ الْمَلَائِكَةِ)).
[رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ] {ضعيف}
الْشَّرْجُ
١٦٠٢ - قوله: (فَمُرْهُ يَدْعُو لَك) أي: التمس منه الدعاء. قال المناوي: قوله
(يَدْعُوَ لَكَ)) مفعول بإضمار ((أَنْ)) أي: مُره بأن يدعو لك، قال الطيبي: أي: مره
يدعو لك؛ لأنه خرج عن الذنوب. (فَإِنَّ دُعَاءَهُ كَدُعَاءِ الْمَلَائِكَةِ) أي: في قُرب
الاستجابة، وقال الطيبي: إنما يؤمر بالدعاء حينئذٍ؛ لأنه نقي من الذنوب كيوم
ولدته أمه، وصار معصومًا كالملائكة ودعاء المعصوم مقبول. وقال العلقمي: في
الحديث استحباب طلب الدعاء من المريض؛ لأنه مضطر ودعاؤه أسرع إجابة من
غيره، ففي ((السنة)): ((أقرب الدعاء إلى الله إجابة دعوة المضطر)).
(رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ) في الجنائز، وأخرجَهُ أيضًا ابنُ السني في ((اليوم والليلة)) (١٧٨)
قال البوصيري في ((الزوائد)): إسناده صحيح ورجاله ثقات، إلا أنه منقطع، قال
العلائي في ((المراسيل)) والمزي في رواية ميمون بن مهران عن عمر ثُلمة، انتهى.
وقال النووي في ((الأذكار)): ميمون لم يدرك عمر، وقال المنذري: رواته ثقات
مشهورون، إلا أن ميمون بن مهران لم يسمع من عمر، انتهى. وفي البابٍ عن أنسٍ
عند الطبراني في ((الأوسط))، وفيه عبد الرحمن بن قيس الضبي، وهو متروك
الحدیث .
(١٦٠٢) ابن مَاجَهْ (١٤٤١).
٤٣٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
١٦٠٣ - [٦٨] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ قَالَ: مِنَ السُّنَّةِ: تَخْفِيفُ الْجُلُوس
وَقِلَّةُ الصَّخَبِ فِي الْعِيَادَةِ عِنْدَ الْمَرِيضِ.
[قَالَ: وقَالَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَِّ لَّا كَثُرَ لَغَطُهُمْ وَاخْتِلَافُهُمْ: ((قُومُوا عَنِّي)) رَوَاهُ رَزِينٌ]
الْشَّرْحُ
١٦٠٣ - قوله: (مِنَ السُّنَةِ تَخْفِيفُ الْجُلُوسِ) هذا مرفوع على الصحيح الذي
قاله الجمهور؛ لأن مطلق ذلك ينصرف بظاهره إلى مَن وَجب اتباعِ سُنته وهو
رسول اللّه وَله، وأيضًا فالسنة في عرف الاستعمال صارت موضوعة لطريقته الَلالُ
في الشريعة .
(وَقِلَّةُ الصَّخَبِ) بفتحتين ويسكن الثاني، أي: رفع الصوت. (فِي الْعِيَادَةِ عِنْدَ
الْمَرِيضِ) قال الطيبي: اضطراب الأصوات للخصام منهي من أصله، لاسيما عند
المريض، فالقلة بمعنى العدم، وفيه دليلٌ على أنَّ الأدب في العيادة أن لا يطيل
العائد الجلوس عند المريض حتى يضجره وأن لا يتكلم عنده بما يزعجه. (قَالَ)
أي: ابن عباس. قال القاري: كذا في أصل العفيف، وفي أكثر النسخ ليسٍ
بموجود. قلتُ: هو موجود في ((جامع الأصول)) (ج ٧ص ٤٠٤). (وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ
وَِّ لَمَّا كَثُرَ لَغَطُّهُمْ) قال في ((النهاية)): اللغط صوت وضجة لا يفهم معناه.
(وَاخْتِلَافُهُمْ: قُومُوا عَنِّي) قال الطيبي: وكان ذلك عند وفاته، روى ابنُ عباس: أنه
لما احتضر رسول اللَّه وَله وفي البيت رجالٌ فيهم عمر بن الخطاب، قال النبي وَّل:
((هَلُمُّوا أَكْتُبْ لَكُمْ كِتَابًا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ)). فقال عمرُ - وفي رواية، فقال بعضهم -:
رسولُ الله قد غلب عليه الوجع، وعندكم القرآن حسبكم كتاب الله، فاختلف أهل
البيت واختصموا، فمنهم من يقول: قربوا يكتب لكم رسول اللَّه وَلَّ، ومنهم مَن
يقول غير ذلك، فلما أكثروا اللغطَ والاختلافَ، قال رسول اللَّه وَله: ((قُومُوا عَنِّي))
متفق عليه. ويأتي هذا الحديث مطولًا في باب وفاة النبي وَّ. قال ابنُ حجر:
(١٦٠٣) ذكره رزين عن ابن عباس. قلت: هو في ((الصحيح)): البخاري (٤٤٣٢) في أثناءِ حديثٍ عن
ابنِ عبَّاسٍ في الوفاةِ النبويَّةِ.
كِتَابُ الْجَنَائِزِ
بَابُ عِيَادَةِ الْمَرِيْضِ وَثَوَابِ الْمَرِض
٤٣٣
وكأنه عليه الصلاة والسلام لما أراد الكتابة فوقع الخلاف، ظهر له أن المصلحة في
عدمها، فتركها اختيارًا منه، كيف وهو عليه الصلاة والسلام لو صمم على شيء لم
يكن لأحدٍ - عمر أو غيره - أن ينطق ببنت شفة ولقد بقي حيًّا بعد هذه القضية نحو
ثلاثة أيام، ليس عنده عمر ولا غيره، بل أهل البيت كعلي والعباس، فلو رأى
المصلحة في الكتابة بالخلافة أو غيرها لفعل، على أنه اكتفى في الخلافة بما كاد
أن یکون نصًّا جليًّا، وهو تقدیم أبي بكر رزفته للإمامة بالناس أیام مرضه، ومن ثم
قال علي رَوَّهُ لما خطبٍ لمبايعة أبي بكر على رؤوس الأشهاد: رضيه رسول الله
وَلَه؛ أرسل إليه: ((أَنْ صَلَّ بِالنَّاسِ) وأنا جالس عنده ينظرني ويبصر مكاني. ونسبة
علي رَوَّهُ فارس الإسلام إلى التَّقِيَّةِ جهل بعظم مكانته، انتهى.
(رَوَاهُ رَزِينٌ) لم أره في الأصول والله اعلم بحال إسناده، ويؤيده ما روي عن
علي بن عمر بن علي، عن أبيه عن جدِّه رفعه، قال: ((أَعْظَمُ الْعِيَادَةِ أَجْرًا أَخَقُّهَا،
وَالتَّعْزِيَةُ مَرَّةٌ)) رواه البزار، وقال: أحسب ابن أبي فديك لم يسمع من علي، كذا في
«مجمع الزوائد» (ج٢ ص٢٩٦).
١٦٠٤ - [٦٩] وَعَنْ أَنَس قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَةِ: «الْعِيَادَةُ فَوَاقُ
نَاقَةٍ»
{ضعيف}
الْشَّرْجُ
١٦٠٤ - قوله: (الْعِيَادَةُ فَوَاقُ نَاقَةٍ) بفتح الفاء وضمها وبالرفع. قال القاري:
وفي نسخة بالنصب خبر المبتدأ، أي: أفضل زمان العيادة مقدار فواقها، وهو قدر
ما بين الحلبتين من الوقت؛ لأنها تحلب ثم تترك سويعة يرضعها الفصيل لتدر ثم
تحلب، يقال: ما أقام عنده إلا فواقًا، وقيل: هو ما بين فتح يد الحالب وقبضها
على الضرع، والذي ذكره الجوهري في ((الصحاح)) الأول، أعني: الزمن الذي بين
حلبتي الناقة، فإنها إذا حلبت وشح لبنها أطلق ولدها ليرضعها ليدر اللبن ثم تحلب
ثانیًا .
(١٦٠٤) البَيْهَقِي في ((الشُّعَب)) (٩٢٢٢) عنه.
CHE
٤٣٤
ervey
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
١٦٠٥ - [٧٠] وَفِي رِوَايَةٍ سَعِيدٍ بْنِ الْمُسَيَّبِ مُرْسَلًا: ((أَفْضَلُ الْعِيَادَةِ
[رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ اْإِيمَانِ] {ضعيف}
سُرْعَةُ الْقِيَامِ».
الْشِّرْجُ
١٦٠٥- قوله: (وَفِي رِوَايَةِ سَعِيدٍ بْنِ الْمُسَيَّبِ مُرْسَلًا) أي: بحسب
الصحابي، وإسناد الحديث إلى النبي وَجَّ. (أَفْضَلُ الْعِيَادَةِ سُرْعَةُ الْقِيَام) قال
الطيبي: أي: أفضل ما يفعله العائد في العيادة أن يقوم سريعًا. قال مَيْرَك: والأظهرُ
أن يقال: أفضل العيادة عيادة فيها سرعة القيام، هذا ويستثنى منه ما إذا ظن أن
المريض يؤثر التطويل لنحو صداقة أو تبرك أو قيام بما يصلحه ونحو ذلك.
(رَوَاهُ) أي: ما ذكر من الحديثين الموصول والمرسل. (البيهقي في شعب
الإيمان) ولم أقف على سنده.
١٦٠٦ - [٧١] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ نَّهَ عَادَ رَجُلًا فَقَالَ لَهُ: (مَا
تَشْتَهِي؟)) قَالَ: أَشْتَهِي خُبْزَ بُرٍّ. قَالَ النَّبِيُّ وََّ : ((مَنْ كَانَ عِنْدَهُ خُبْزُ بُرٍّ فَلْيَبْعَثْ
إِلَى أَخِيهِ)). ثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ وََّ: ((إِذَا اشْتَهَى مَرِيضُ أَحَدِكُمْ شَيْئًا فَلْيُطْعِمْهُ)).
[ رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ] {ضعيف}
الْشَّرْحُ
١٦٠٦ - قوله: (مَا تَشْتَهِي) فيه: أنه ينبغي سؤال المريض عن أحواله وعما
يحتاج إليه. (مَنْ كَانَ عِنْدَهُ خُبْزُ بٍُّ فَلْيَبْعَثْ) أي: به. (إِلَى أَخِيهِ) فيه: أنه ينبغي إيثار
المريض والمحتاج على نفسه وعياله فيخص به ما جاء من حديث: ((ابْدَأُ بِنَفْسِكَ))
إلا أن يقال: المرادُ: مَن كان عنده خبز بر زائد على قوته وقوت عياله. (إِذَا اشْتَهَى
(١٦٠٥) أخرجه البَيْهَقِي (٩٢٢١) أيضًا.
(١٦٠٦) ابن مَاجَهْ (٣٤٤٠) في الطب عنه .
٤٣٥
كِتَابُ الْجَنَائِزِ
بَابُ عِيَادَةِ الْمَرِيْضِ وَثَوَابِ الْمَرِض
مَرِيضُ أَحَدِكُمْ شَيْئًا) أي: غير مخالف لمرضه، ويحتمل أن المراد ولو مخالفًا،
وكثيرًا ما يجعل الله شفاءه فيما يشتهى وإن كان مخالفًا ظاهرًا، قاله السندي.
وقال في ((اللمعات)): قوله: ((إذا اشتهى مريض أحدكم)) أي: اشتهاء صادقًا، فإنه
علامة الصحة وقد لا يضر لبعض المرضى الأكل مما يشتهي إذا كان قليلًا ويقوي
الطبيعة ويفضي إلى الصحة، ولكن فيما لا يكون ضرره غالبًا، وبالجملة ليس هذا
الحكم كليًّا بل جزئيًّا. وقال الطيبي: مبني على التوكل وأنه هو الشافي أو على
اليأس من حياته؛ لكونه قد شارف الموت. وقيل: في الحديث حكمة لطيفة، وهي
أن المريض إذا تناول ما يشتهيه وإن كان يضر قليلًا كان أنفع أو أقل ضررًا مما لا
يشتهيه وإن كان نافعًا، لاسيما إن كان ما يشتهيه غداء بلاغًا كالخبز والكعك،
فينبغي للطبيب الكيس أن يجعل شهوة المريض من جملة أدلته على الطبيعة وما
یھتدي به إلی طریق علاجه.
(فَلْيُطْعِمْهُ) من الإطعام. قال المناوي: أي: ما اشتهاه ندبًا؛ لأن المريض إذا
تناول ما اشتهاه عن شهوة صادقة طبيعية - وإن كان فيه ضرر ما - فهو أنفع له مما لا
يشتهيه وإن كان نافعًا، لكن لا يطعم إلا قليلاً بحيث تنكسر حدة شهوته. قال
بقراط: الإقلال من الضار خير من الإكثار من النافع، ووجود الشهوة في المريض
علامة جيدة عند الأطباء. قال ابن سينا: مريض يشتهي أحب إلى من صحيح لا
يشتهي، وارجع لمزيد الكلام إلى ((زاد المعاد)) (ج ٢: ص ٩٠ - ٩١).
(رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ) في الجنائز، وفي الطب، وفي إسناده صفوان بن هبيرة
العيشى. قال الحافظ في ((تهذيب التهذيب)) في ترجمته: قال أبو حاتم: شيخ.
وروى له ابنُ ماجه حديثًا واحدًا في الطب. وقال العقيلي: لا يتابع على حديثه ولا
يعرف إلا به، وذكر البوصيري في ((الزوائد)): أن ابن حبان ذكره في ((الثقات)).
وقال الحافظُ في ((التقريب)): أنه لين الحديث.
وفي الباب عن أنس قال: دخل النبي وَّر على مريض يعوده، فقال: ((أَتَشْتَهِي
شَيْئًا؟ أَتَشْتَهِي كَعْكًا؟)) قال: نعم. فطلبوا له. أخرجه ابن ماجه وابن السني، وفي
سنده يزيد بن أبان الرقاشي، قال في ((الزوائد)): إسناده ضعيف لضعف يزيد
الرقاشي .
٤٣٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
١٦٠٧ - [٧١] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو قَالَ: تُوُفِّيَ رَجُلٌ بِالْمَدِينَةِ
مِمَّنْ وُلِدَ بِهَا، فَصَلَّى عَلَيْهِ النَِّيُّ ◌َ فَقَالَ: ((يَاَ لَيْتَهُ مَاتَ بِغَيْرِ مَوْلِدِهِ)). قَالَوا:
وَلِمَ ذَاَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: ((إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا مَاتَ بِغَيْرِ مَوْلِدِهِ، قِيسَ لَهُ مِنْ
[رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ] {حسن}
مَوْلِهِ إِلَى مُنْقَطَعِ أَثَرِهِ فِي الْجَنَّةِ)).
الْشَرْحُ
١٦٠٧ - قوله: (وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو) بالواو. (تُوُفِيَ رَجُلٌ) أي: مات.
(مِمَّنْ وُلِدَ بِهَا) أي: بالمدينة. (يَا لَيْتَهُ مَاتَ بِغَيْرِ مَوْلِدِهِ) لعله وَّه لم يرو بذلك: ((يَا
لَيْتَهُ مَاتَ بِغَيْرِ المَدِينَةِ))، بل أراد: يا ليته كان غريبًا مهاجرًا بالمدينة، ومات بها؛
فإنَّ الموت في غير مولده فيمن مات بالمدينة كما يتصور بأن يولد في المدينة
ويموت في غيرها، كذلك يتصور بأن يولد في غير المدينة ويموت بها، فليكن
التمني راجعًا إلى هذا الشق حتى لا يخالف الحديث حديث فضل الموت بالمدينة
المنورة .
(إِنَّ الرَّجُلَ) يعني الإنسان. (إِذَا مَاتَ بِغَيْرِ مَوْلِدِهِ) أي: بغير المحل الذي ولد فيه
بأن مات غريبًا سواء كان في سفر أو في إقامة بغير وطنه. (قِيسَ لَهُ) أي: أمر الله
الملائكة أن تقيس له، أي: تذرع له. (مِنْ مَوْلِدِهِ إِلَى مُنْقَطَع) بفتح الطاء. (أَثَرِهِ)
أي: إلى موضع قطع أجله، فالمراد بالأثر الأجل؛ لأنه يتبعَ العمر، قال زهير:
وَالْمَرْءُ مَا عَاشَ مَمْدُودٌ لَهُ أَجَلْ لَا تَنْتَهِي الْعَيْنُ حَتَّى يَنْتِهِي الْأَنَزْ
ذكره الطيبي. ويحتملُ أن يكون المراد: إلى موضع انقطع فيه سفره وانتهى إليه
فمات فيه، يعني: إلى منتهى سفره ومشيه فالمراد أثر أقدامه.
(فِي الْجَنَّةِ) متعلق بـ((قِيَس))، وظاهره أنه يعطي له في الجنة هذا القدر لأجل موته
غريبًا، يعني: يفسح له في الجنة بقدر مسافة ما بين مولده ومنتهى سفره، وقيل هذا
ليس بمراد فإن هذا القدر من المكان لا اعتبار له في جنب سعة، الجنة إلا أن يقال:
(١٦٠٧) النَّسَائِي (٨/٤)، وابن مَاجَهْ (١٦١٤) في الجنائز عنه.
كِتَابُ الْجَنَائِزِ
بَابُ عِيَادَةِ الْمَرِيْضِ وَثَوَابِ الْمَرِضِ
٤٣٧
المراد يعطي ثواب عمل عمله في مثل هذه المسافة، وقيل: ((مُنْقَطَع أثَرِهِ)) هو قبره،
و((فِي الجَنَّةِ)) متعلق بمحذوف، والمعنى يفسح له في قبره قدر ما بين مولده وبین
قبره ويفتح له باب إلى الجنة، ودلالة اللفظ على هذا المعنى خفية.
(رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وابْنُ مَاجَهْ) في الجنائز وأخرجه أيضًا ابن حبان في صحيحه.
١٦٠٨ - [١٣] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَل: ((مَوْتُ
غُرْبَةٍ شَهَادَةٌ)).
[رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ] {ضعيف}
W C
الشَّرْحُ
١٦٠٨ - قوله: (مَوْتُ غُرْبَةٍ) بضم الغين مصدر غرَب بفتح الراء يغرُب
بضمها، أي: نزح عن وطنه، فالمراد بالغربة: غربة بالجسم. (شَهَادَةٌ) أي: في
حكم الآخرة، وهذا إذا لم يكن الغريب عاصيًا بغربته، وفي الحديث دليل على
فضيلة موت الغربة.
(رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ) في الجنائز من رواية الهذيل بن الحكم الأزدي عن عبد العزيز
ابن أبي رواد عن عكرمة عن ابن عباس، وأخرجه أيضًا البيهقي في ((الشعب)) من
هذا الطريق، وقال: أشار البخاري إلى تفرُّد الهذيل به، وهو منكر الحديث، قال:
وروينا من حديث إبراهيم بن بكر الكوفي عن عبد العزيز بن أبي رواد، وزعم ابن
عدي أنه سرقه من الهذيل. انتهى كلام البيهقي.
وقال السندي في ((حاشية ابن ماجه)): قال السيوطي: أورد ابنُ الجوزي هذا
الحديث في ((الموضوعات)) من وجه آخر عن عبد العزيز، ولم يصب في ذلك،
وقد سُقت له طرقًا كثيرة في ((اللآلي المصنوعة)). قال الحافظ ابن حجر في
((التلخيص)): إسناد ابن ماجه ضعيف؛ لأن الهذيل منكر الحديث، وذكر
الدار قطني في ((العلل)) الخلاف فيه على الهذيل، وصحح قول من قال: عن الهذيل
عن عبد العزيز عن نافع عن ابن عمر، واغتر عبد الحق بهذا وادعى أن الدار قطني
(١٦٠٨) ابن مَاجَهْ (١٦١٣) فيه عنه.
٤٣٨
LE
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
EE
صححه من حديث ابن عمر، وتعقبه ابن القطان فأجاد، وفي ((الزوائد)): هذا إسناد
فيه الهذيل بن الحكم، قال فيه البخاري: منكر الحديث. وقال ابن عدي: لا يقيم
الحديث. وقال ابن حبان: منكر الحديث جدًّا. وقال ابن معين: هذا الحديث
منكر ليس بشيء، وقد كتبت عن الهذيل ولم يكن به بأس، انتهى.
وقال المنذري في ((الترغيب)): قد جاء في أن موت الغريب شهادة جملة من
الأحاديث لا يبلغ شيء منها درجة الحسن فيما أعلم، انتهى. وقد أطال الحافظ
الكلام على طرقٍ هذا الحديث في ((التلخيص)) (ص١٦٩)، فعليك أن ترجع إليه.
١٦٠٩ - [٧٤] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِهِ: «مَنْ مَاتَ
مَرِيضًا مَاتَ شَهِيدًا، أَوْ وُقِيَ فِتْتَةَ الْقَبْرِ، وَغُدِيَ وَرِبِحَ عَلَيْهِ بِرِزْقِهِ مِنَ الْجَنَّةِ)).
[رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الإِيمَانِ] {موضوع}
G O
الشَّرْجُ
١٦٠٩ - قوله: (مَنْ مَاتَ مَرِيضًا) قال السندي: هذا إن صح يحمل على مرض
مخصوص كمرض البطن مثلًا، انتهى، وذكر ابن حجر: أن القرطبي قال : هذا عام
في جميع الأمراض لكن يقيد بالحديث الآخر: ((من قتله بطنه لم يعذب في قبره)).
أخرجه النسائي وغيره، والمراد به الاستسقاء، وقيل: الإسهال، كذا في ((المرقاة)).
وقيل: قوله: ((مريضًا)) مصحف ((مرابطًا)) كما سيأتي. (مَاتَ شَهِيدًا أَوْ وُقِيَ)
أي: حُفِظ، كذا في أكثر النسخ الموجودة عندنا. وفي بعض النسخ: ((مَاتَ شَهِيدًا
وَوَقِي)) أي: بالواو بدل أو، وكذا وقع في ((ابن ماجه)).
(فِتْنَةَ الْقَبْرِ) أي: سؤال الملكين فيه، فإنه اختبار، وقيل: أي: عذابه. (وَغُدِيَ)
بمعجمة ثم مهملة على بناء المفعول من الغدو. (وَرِيحَ) بلفظ المجهول من
الرواح. (عَلَيْهِ) حال. (بِرْزِقِهِ) نائب الفاعل أي: جيء له برزقه حال كونه نازلًا
عليه. (مِنَ الْجَنَّةِ) يعني: يؤتى عنده برزقه أول النهار وآخره كالشهيد، والتعدية
(١٦٠٩) ابن ماجه (١٦١٥) فیه عنه.
٤٣٩
كِتَابُ الْجَنَائِزِ
بَابُ عِيَادَةِ الْمَرِيْضِ وَثَوَابِ الْمَرِض
بعلى لتضمين معنى الدر والإفاضة والإنزال ونحوها، والمراد بالغدو والرواح:
الدوام كما قال تعالى: ﴿أُكُلُهَا دَآبٌِ﴾ [الرعد:٣٥] أو كناية عن التعميم؛ كقوله
تعالى: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيَهَا بَكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم: ٦٢] ويمكن أن يكون للوقتين المخصوصين
رزق خاص لهم، ثم المراد بالرزق هنا حقيقته لعدم استحالته .
(رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ) في الجنائز. (وَالْبَيْهَقِيُّ) وفي إسناده إبراهيم بن محمد بن أبي
يحيى الأسلمي، وكنى ابن جريج جده أبا عطاء، والحديث ذكره ابن الجوزي في
((الموضوعات))، وتعقبه السيوطي، فقال في ((تعقباته)) (ص٢٢): حديث أبي هريرة
((مَنْ مَاتَ مَرِيضًا مَاتَ شَهِيدًا ... )) الحديث.
قال ابنُ الجوزي: فيه إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى الأسلمي متروك. قلت -
هو قول السيوطي: كان الشافعي يوثقه، والحديث أخرجه ابن ماجه، والحقُّ فيه:
أنه ليس بموضوع، وإنما وهم راويه في لفظه منه، فقد روى الدار قطني، أن إبراهيم
ابن محمد أنكر على ابن جريج هذا الحديث عنه، وقال: إنما حدثته: ((من مات
مرابطًا)) فروی عني: (من مات مریضًا)) وما هکذا حدثته، و کذا قال أحمد بن حنبل :
إنَّما الحديثُ: ((من مات مرابطًا)) فالحديث إذن من نوع المعلل أو المصحف،
انتھی .
ونقل السندي عن السيوطي أنه قال: أورد ابنُ الجوزي هذا الحديث في
((الموضوعات))، وأعلَّه بإبراهيم بن محمد بن أبي يحيى الأسلمي، فإنه متروك،
قال: وقال أحمد بن حنبل: إنما هو: ((من مات مرابطًا)). قال الدار قطني بإسناده عن
إبراهيم بن أبي يحيى: حدثت ابن جريج هذا الحديث: ((من مات مرابطًا))، فروى
عني: ((من مات مريضًا)). وما هكذا حدثته.
وفي ((الزوائد)): في إسناده إبراهيم بن محمد، كذّبه مالك ويحيى بن سعيد
القطان وابن معين. وقال أحمد بن حنبل: قدري، معتزلي، جهمي، كل بلاء فيه .
وقال البخاري: جهمي، تركه ابن المبارك والناس، فقد كذبه مالك وابن معين، .
انتهى. قلت: وقال الشافعي: لأن يَخِرَّ إبراهيم من بُعْدٍ أحب إليه من أن يكذب،
وكان ثقة في الحديث، كذا في ((التهذيب)).