Indexed OCR Text

Pages 261-280

٢٦٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
تطهيره من الذنوب وغير ذلك من الخواص التي خص الله تعالى أمتهُالثّل من بين
سائر الأمم.
قال الطيبي: يفهم من كلام المظهر: أن الشفاعة مؤثرة في الصغائر، وفي عدم
الخلود في حق أهل الكبائر بعد تمحيصهم بالنار، ولا تأثير للشفاعة في حق أهل
الكبائر قبل الدخول في النار، وقد روينا عن الترمذي وأبي داود عن أنس قال: قال
رسول اللّهِ وَّهِ: ((شَفَاعَتِي لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ مِنْ أُمَّتِي))، وعند الترمذي عن جابر: من لَمْ
يَكُنْ مِنْ أَهْلِ الْكَبَائِرِ فَمَا لَهُ وَلِلَّشَّفَاعَةِ، والأحاديث فيها كثيرة، نعم يتعلق ذلك
بالمشيئة والإذن، فإذا تعلقت المشيئة بأن تنال بعض أصحاب الكبائر قبل دخول
النار، وأذن فيها فذاك وإلا كانت بعد الدخول، والله أعلم بحقيقة الحال، انتهى.
والحديث: يدل على مشروعية سجود الشكر ورفع اليدين في الدعاء.
(رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ) كذا في جميع النسخ، لكن لم أجده في ((مسند الإمام
أحمد)) في مسند سعد بن أبي وقاص، والحديث ذكره المجد بن تيمية في
((المنتقى))، وعزاه لأبي داود فقط، وأخرجه البيهقي في ((السنن الكبرى)) (ج٢
ص٣٧٠) من طريق أبي داود، وقد سكت عليه أبو داود، وقال المنذري: في إسناده
موسی بن يعقوب الزمعي، وفيه مقال، انتهى.
قلت: وثقه ابن معين وابن القطان، وقال أبو داود: هو صالح، وقال ابن عدي :
لا بأس به عندي ولا برواياته، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وضعفه ابن المديني،
وقال النسائي: ليس بالقوي، وقال أحمد: لا يعجبني حديثه، كذا في ((التهذيب))،
وقال في ((التقريب)): صدوق سيئ الحفظ .

كِتَابُ الصَّلاةِ
بَابُ الاسْتِسْقَاءِ
٢٦١
RESE
٥٢ - بَابُ الإِسْتِسْقَاءِ
(بَابُ الاِسْتِسْقَاءِ) أي: هذا باب في بيان أحكام الاستسقاء، قال القاري: وفي
نسخة صحيحة: باب صلاة الاستسقاء، وهو لغة: طلب سقي الماء من الغير للنفس
أو للغير، وشرعًا: طلبه من اللَّه عند حصول الجدب على الوجه المبين في
الأحاديث، قال الجزري في ((النهاية)): هو استفعال من طلب السقيا، أي: إنزال
الغيث على البلاد والعباد، يقال: سَقَى اللَّهُ عباده الغيث وأسقاهم، والاسم: السقيا
بالضم، واستسقيت فلانًا، إذا طلبت منه أن يسقيك، انتهى.
قال القسطلاني: الاستسقاء ثلاثة أنواع: أحدها - وهو أدناها - أن يكون بالدعاء
مطلقًا - أي: من غير صلاة - فرادى ومجتمعين. وثانيها - وهو أفضل من الأول -
أن يكون بالدعاء، خلف الصلوات ولو نافلة، كما في البيان وغيره عن الأصحاب،
خلافًا لما وقع للنووي في ((شرح مسلم)) من تقييده بالفرائض، وفي خطبة الجمعة.
وثالثها - وهو أفضلها وأكملها -: أن يكون بصلاة ركعتين والخطبتين .
قال النووي: يتأهب قبله بصدقة وصيام وتوبة، وإقبال على الخير، ومجانبة
الشر، ونحو ذلك من طاعة اللّه تعالى. قال الشاه ولي اللَّه الدهلوي: قد استسقى
النبي ◌َّليه لأمته مرات على أنحاء كثيرة، لكن الوجه الذي سنه لأمته أن خرج بالناس
إلى المصلى متبذلًا متواضعًا متضرعًا، فصلى بهم ركعتين، جهر فيهما بالقراءة،
ثم خطب واستقبل فيها القبلة يدعو، ويرفع يديه، وحول رداءه، وذلك لأن لاجتماع
المسلمين في مكان واحد راغبين في شيء واحد بأقصى هممهم، واستغفارهم،
وفعلهم الخيرات أثرًا عظيمًا في استجابة الدعاء، والصلاة أقرب أحوال العبد من
الله، ورفع اليدين حكاية من التضرع التام، والابتهال العظيم تنبه النفس على
التخشع، وتحويل ردائه حكاية عن تقلب أحوالهم كما يفعل المستغيث بحضرة
الملوك، انتهى.

٢٦٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الفصل الأول
١٥١٠ - [١] عَنْ عَبْدِاللَّهِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَهَ بِالنَّاسِ
إِلَى الْمُصَلَّى يَسْتَسْقِي فَصَلَّى بِهِمْ رَكْعَتَيْنِ، جَهَرَ فِيهِمَا بِالْقِرَاءَةِ، وَاسْتَقْبَلَ
[متفق عليه]
الْقِبْلَةَ يُدْعَوْ وَرَفَعَ يَدَيْهِ وَحَوَّلَ رِدَاءَهُ حِينَ اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ.
T O
الْشَرْحُ
١٥١٠ - قوله: (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ زَيْدٍ) بن عاصم المازني، لا عبد الله بن زيد
ابن عبد ربه الذي أري الأذان، كما زعم ابن عيينة. (خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ نَّهِ بِالنَّاسِ)
في شهر رمضان سنة ست من الهجرة، أفاده ابن حبان، قاله الحافظ. وهذا يدل
على أن بدء مشروعية صلاة الاستسقاء كان في رمضان سنة (٦) من الهجرة. (إِلَى
الْمُصَلَّى) أي: في المدينة، وفيه: دليل على أن سنة الاستسقاء البروز إلى
المصلى، وقد حكى ابن عبد البر الإجماع على استحباب الخروج إلى الاستسقاء،
والبروز إلى ظاهر المصر. (يَسْتَسْقِي) حال أي: حال كونه يريد الاستسقاء، أو
استئناف فيه معنى التعليل .
(فَصَلَّى بِهِمْ رَكْعَتَيْنٍ) فيه: دليل على أن الصلاة في الاستسقاء في جماعة في
حالة البروز سنة، وبه قال مالك والشافعي وأحمد والجمهور، وهو قول أبي
يوسف ومحمد، قال محمد في ((موطئه)): أما أبو حنيفة فكان لا يرى في الاستسقاء
صلاة، وأما في قولنا: فإن الإمام يصلي بالناس ركعتين، ثم يدعو ويحول رداءه،
انتهى. كذا ذكر شيخنا في ((شرح الترمذي)). قلت: اختلفوا في حكم صلاة
الاستسقاء جدًّا، فقال أبويوسف ومحمد: هي سنة، وقالت المالكية والشافعية
والحنابلة: إنها سنة مؤكدة، واضطربت الحنفية في بيان مذهب إمامهم، فقال
بعضهم: إنه إنما أنكر سنية صلاة الاستسقاء في جماعة ولم ينكر مشروعيتها
(١٥١٠) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: البُخَارِي (١٠٢٤)، ومُسْلِم (٨٩٤/٢) فِيهِ عَنْهُ.

٢٦٣
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الإسْتِسْقَاءِ
وجوازها، قال صاحب ((الهداية)): قال أبو حنيفة: ليس في الاستسقاء صلاة مسنونة
في جماعة، وإن صلى الناس وحدانًا جاز، وإنما الاستسقاء: الدعاء والاستغفار،
قال: فعله مرة وتركه أخرى، فلم يكن سنة، قال ابن الهمام: وإنما يكون سنة ما
واظب عليه.
وقال بعضهم: أنكر أبو حنيفة مشروعية صلاة الاستسقاء بجماعة، قال صاحب
((البدائع)): وأما صلاة الاستسقاء فظاهر الرواية عن أبي حنيفة أنه قال: لا صلاة في
الاستسقاء، وإنما هو الدعاء، وأراد بقوله: لا صلاة في الاستسقاء: الصلاة
بجماعة، أي: لا صلاة فيه بجماعة، بدليل ما روي عن أبي يوسف أنه قال: سألت
أباحنيفة عن الاستسقاء هل فيه صلاة، أو دعاء مؤقت، أو خطبة؟ فقال: أما صلاة
بجماعة فلا، ولكن الدعاء والاستغفار، وإن صلوا وحدانًا فلا بأس به، والدليل له
قوله: ﴿أَسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا﴾ [نوح: ١٠]، والمراد منه: الاستغفار في
الاستسقاء، فمن زاد عليه الصلاة فلا بد له من دليل، ولم ينقل عن النبي وَ ل في
الروايات المشهورة أنه صلى في الاستسقاء، إلى آخر ما قال.
وقال بعضهم: لم ينكر أبو حنيفة استنان صلاة الاستسقاء بجماعة واستحبابها،
وإنما أنكر كونها سنة مؤكدة.
قال بعض من كتب على ((المشكاة)) من أهل عصرنا ما لفظه: صلاة الاستسقاء
سنة عند أبي حنيفة، لكنها غير مؤكدة؛ لأن النبي وَلّ فعلها مرة وتركها مرة،
واقتصر على الاستغفار فقط، قال: فقد استسقى رسول اللّه وَليل في خطبة الجمعة،
كما في حديث أنس في ((الصحيحين)) ولم يصل له، وثبت أن عمر بن الخطاب
استسقى ولم يصل ولو كانت سنة - أي: مؤكدة - لما تركها؛ لأنه كان أشد الناس
اتباعًا لسنة رسول اللّه وَّله، وتأويل ما رواه أنه ويَّله فعله مرة وتركه أخرى، والسنة
لا تثبت بمثله بل بالمواظبة، كذا في ((التبيين))، انتهى.
وقال صاحب ((العرف الشذي)): قال في ((الهداية)): لأنه ظلَّلِ صلى مرة لا
أخرى، فلا تكون سنة ... إلخ. أقول: لا تكون سنة مؤكدة، وإلا فمطلق السنة
والاستحباب لا يمكن إنكاره لما قال صاحب ((الهداية)): إنه ظلَّل صلى مرة.
وقال المحقق ابن أمير الحاج: نسب البعض إلينا أن الصلاة عندنا منفية، وهذا

Beex
٢٦٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
غلط، والصحيح: أن الصلاة عندنا مستحبة ... إلخ، انتهى كلام صاحب
((العرف)). ولعلك قد عرفت بما ذكرنا وجه تخبط الحنفية في بيان مذهب إمامهم،
وهو أنه قد نفى الصلاة في الاستسقاء مطلقًا، كما هو مصرح في كلام أبي يوسف
ومحمد في بيان مذهب أبي حنيفة، ولا شك أن قوله هذا مخالف ومنابذ للسنة
الصحيحة الثابتة الصريحة، فاضطربت الحنفية لذلك، وتخبطوا في تشريح
مذهبه، وتعليله حتى اضطر بعضهم إلى الاعتراف، بأن الصلاة في الاستسقاء
بجماعة سنة، وقال: لم ينكر أبو حنيفة سنيتها واستحبابها، وإنما أنكر كونها سنة
مؤكدة، وهذا كما ترى من باب توجيه الكلام بما لا يرضى به قائله؛ لأنه لو كان
الأمر كذلك لم يكن بينه وبين صاحبيه خلاف، مع أنه قد صرح جميع الشراح
وغيرهم ممن كتب في اختلاف الأئمة بالخلاف بينه وبين الجمهور في هذه
المسألة.
قال شيخنا في ((شرح الترمذي)): قول الجمهور هو الصواب والحق؛ لأنه قد
ثبت صلاته وَلّ ركعتين في الاستسقاء من أحاديث كثيرة صحيحة. منها: حديث
عبد الله بن زيد، الذي نحن بصدد شرحه، وهو حديث متفق عليه. ومنها: حديث
أبي هريرة، أخرجه أحمد وابن ماجه وأبوعوانة والطحاوي والبيهقي في ((السنن))
(ج٣ ص٣٤٧) وقال تفرد به النعمان بن راشد.
وقال في ((الخلافيات)): رواته ثقات. ومنها: حديث ابن عباس أخرجه أحمد
وأصحاب السنن وأبوعوانة وابن حبان والحاكم والبيهقي والدار قطني، وصححه
الترمذي وأبوعوانة وابن حبان. ومنها: حديث عائشة أخرجه أبو داود وقال:
إسناده جيد، وابن حبان في ((صحيحه))، والحاكم وأبوعوانة والبيهقي، وصححه
الحاكم وابن السكن، وسيأتي في الفصل الثالث. قال الشيخ: فهذه الأحاديث
حجة بينه لقول الجمهور، وهي حجة على الإمام أبي حنيفة، انتهى. ويدل لقول
الجمهور أيضًا ما روى البخاري ومسلم والبيهقي عن أبي إسحاق، قال: خرج
عبد الله بن يزيد الأنصاري وقد كان رأى النبي ◌ّله وكان خروجه إلى الصحراء بأمر
عبد الله بن الزبير حين كان أميرًا على الكوفة من جهته، وخرج معه البراء بن عازب
وزيد بن أرقم، فاستسقى فقام لهم على رجليه على غير منبر، فاستسقى ثم صلى
ركعتين يجهر بالقراءة ولم يؤذن ولم يقم.

٢٦٥
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الإِسْتِسْقَاءِ
قال الشيخ عبد الحي اللكنوي في ((تعليقه)) (ص١٥٥) على ((موطأ الإمام محمد))
بعد ذكر الأحاديث الأربعة المرفوعة ما نصه: وبه ظهر ضعف قول صاحب
((الهداية)) في تعليل مذهب أبي حنيفة أن رسول اللّه وَل استسقى، ولم ترو عنه
الصلاة، انتهى. فإنه إن أراد أنه لم يرو بالكلية، فهذه الأخبار تكذبه، وإن أراد أنه
لم يرو في بعض الروايات - أو في كثير من الروايات - فغير قادح، انتهى.
قال العيني في ((شرح البخاري)) (ج ٧ ص ٣٥ - ٣٦) قال أبو حنيفة: ليس في
الاستسقاء صلاة مسنونة في جماعة، فإن صلى الناس وحدانًا جاز، إنما الاستسقاء
الدعاء والاستغفار؛ لقوله تعالى: ﴿اَسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا﴾ [نوح: ١٠ - ١١]، علق
نزول الغيث بالاستغفار لا بالصلاة، فكان الأصل فيه الدعاء دون الصلاة، ويشهد
لذلك أحاديث، ثم ذكر أحاديث الاستسقاء وآثاره التي ليس فيها ذكر الصلاة، ثم
قال: فهذه الأحاديث والآثار كلها تشهد لأبي حنيفة أن الاستسقاء دعاء واستغفار،
انتھی .
وأجيب عن الآية: بأنها لا تنافي سنية الصلاة في الاستسقاء؛ إذ ليس فيها نفيها،
وكذا ليس فيها حصر الاستسقاء في الدعاء والاستغفار، بل هي ساكتة عن ذكر
الصلاة نفيًا وإثباتًا، وقد ثبت بأحاديث صحيحة أنه بَّ صلى مع الناس في
الاستسقاء، فالاستدلال لأبي حنيفة بالآية ليس بصحيح، ولذلك خالفه صاحباه
الإمام أبويوسف ومحمد وغيرهما.
وقال الشيخ عبد الحق الدهلوي: الفتوى على قول صاحبيه. وأما الأحاديث
التي ذكرها العيني ونقلها عنه صاحب ((الأوجز)) فليس فيها أنه وَّ استسقى ولم
يصل، بل غاية ما فيها ذكر الاستسقاء بدون ذكر الصلاة، ولا يلزم من عدم ذكر
الشيء عدم وقوعه، فالاستشهاد بها لأبي حنيفة على عدم كون الصلاة في الاستسقاء
سنة غير صحيح .
قال النووي: أما الأحاديث التي ليس فيها ذكر الصلاة فبعضها محمول على
نسيان الراوي، وبعضها كان في الخطبة للجمعة، ويتعقبه الصلاة للجمعة فاكتفى
بها ولو لم يُصَلِّ أصلًا كان بيانًا لجواز الاستسقاء بالدعاء بلا صلاة ولا خلاف في
جوازه، وتكون الأحاديث المثبتة للصلاة مقدمة؛ لأنها زيادة علم، ولا معارضة

٢٦٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
بينهما، ثم ذكر النووي أنواع الاستسقاء التي ذكرنا في أول الباب، وقال ابن رشد
بعد ذكر بعض الأحاديث والآثار التي ليس فيها ذكر الصلاة ما لفظه: والحجة
للجمهور أنه من لم يذكر شيئًا فليس هو بحجة على من ذكره، والذي يدل عليه
اختلاف الآثار في ذلك ليس عندي فيه شيء أكثر من أن الصلاة ليست من شرط
صحة الاستسقاء، إذ قد ثبت أنه وَّخيول قد استسقى على المنبر لا أنها ليست من سنته
کما ذهب إليه أبوحنيفة، انتهى.
وأجاب العيني عن الأحاديث التي فيها الصلاة: بأنه وَّلّ فعلها مرة، أي:
واحدة، وتركها أخرى، أي: في مرات أخرى، وذا لا يدل على السنية، وإنما يدل
على الجواز، انتهى.
وفيه: أنه لم يرو في حديث صحيح أو ضعيف نفي الصلاة في الاستسقاء ولم
يصرح أحد ممن روى من الصحابة أحاديث الاستسقاء بأنه ◌َّلو ترك الصلاة، وعدم
نقل الصلاة لا يستلزم عدم الوقوع، فدعوى أنه لم يصل إلا مرة واحدة وتركها
أخرى مردودة، ولو سلم فصلاته في المصلى في الاستسقاء ولو مرة تدل على أنها
سنة في حق أمته من غير شك، كما قال صاحب ((العرف الشذي)): إن مطلق السنة
والاستحباب لا يمكن إنكاره لما قال صاحب ((الهداية)): أنه تمالتّ صلَّى مرة، وكما
قال الشاه ولي اللّه الدهلوي: إن النبي ◌َّل استسقى لأمته مرات على أنحاء كثيرة،
لكن الوجه الذي سنه لأمته أن خرج بالناس إلى المصلى متبذلًا متواضعًا متضرعًا
فصلى بهم ركعتين، إلى آخر ما تقدم من كلامه.
وقال الشيخ عبد الحي اللكنوي في ((التعليق الممجد)): وأما ما ذكروا أن النبي
وَخَّر فعله مرة وتركه أخرى فلم يكن سنة فليس بشيء، فإنه لا ينكر ثبوت كليهما -
أي: على زعمه - مرة هذا ومرة هذا لكن يعلم من تتبع الطرق أنه لما خرج إلى
الصحراء صلى، فتكون الصلاة مسنونة في هذه الحالة بلا ريب، ودعاؤه المجرد
كان في غير هذه الصورة، انتهى.
قال القسطلاني في ((شرح البخاري))، وابن حجر المكي في شرح ((المشكاة))،
والشيخ عبد الحي في ((عمدة الرعاية حاشية شرح الوقاية)): لعله لم تبلغ أباحنيفة
تلك الأحاديث، وإلا لم ينكر استنان الجماعة. قال شيخنا: هذا هو الظن به والله

٢٦٧
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الإِسْتِسْقَاءِ
تعالى أعلم. قال الكاساني في ((البدائع)): ما روي أنه تَّ صلى بجماعة حديث
شاذ، ورد في محل الشهرة؛ لأن الاستسقاء يكون بملأ من الناس، ومثل هذا
الحديث يرجح كذبه على صدقه أو وهمه على ضبطه، فلا يكون مقبولًا مع أن هذا
مما تعم به البلوى في ديارهم، وما تعم به البلوى ويحتاج الخاص والعام إلى
معرفته لا يقبل فیه الشاذ، انتهى.
وكذا تفوه السرخسي، وقال في ((المحيط البرهاني)) و((الكافي)): إنه لم يبلغنا عن
النبي ◌َّ في ذلك صلاة إلا حديث واحد شاذ لا يؤخذ به.
قال ابن الهمام: ووجه الشذوذ أن فعله عليه الصلاة والسلام لو كان ثابتًا لاشتهر
نقله اشتهارًا واسعًا، ولفعله عمر حين استسقى، ولأنكروا عليه إذا لم يفعل؛ لأنها
كانت بحضرة جميع الصحابة؛ لتوفر الكل في الخروج معه عليه الصلاة والسلام
للاستسقاء، فلما لم يفعل ولم ينكروا ولم تشتهر روايتها في الصدر الأول، بل هو
عن ابن عباس وعبد الله بن زيد على اضطراب في كيفيتها عن ابن عباس وأنس كان
ذلك شذوذًا فيما حضره الخاص والعام والصغير والكبير.
واعلم: أن الشذوذ يراد باعتبار الطرق إليهم؛ إذ لو تيقنا عن الصحابة
المذكورين رفعه لم يبق إشكال، انتهى. كذا في ((المرقاة)). قلت: قد روى
صلاته ◌ّة في الاستسقاء أربعة نفر من كبراء الصحابة: عبد الله بن زيد،
وأبوهريرة، وابن عباس، وعائشة، والطرق إليهم صحيحة ثابتة قطعًا، لا يمكن
إنكاره، وليس فيها اضطراب قادح أصلًا، كما لا يخفى على من تأمل في طرق هذه
الأحاديث ومتونها، فالارتياب في كونها مرفوعة والتوهم بكونها كذبًا أو وهمًّا
ليس منشأه إلا التقليد الأجوف، والعصبية العمياء، وغمط الحق، والنفور عن
السنة، والخبر المذكور مشهور قد عمل به الصحابة وغيرهم، كابن الزبير وعبد
الله بن يزيد والبراء بن عازب وزيد بن أرقم، وكذا عمل به من بعدهم، كما قال ابن
قدامة في ((المغني)) (ج٢ ص٣٢٩، ٣٣٩) فتبين أن الحديث قد اشتهر بينهم
واستفاض في الصدر الأول حيث عمل به الصحابة وغيرهم، وتلقوه بالقبول،
فادعاء شذوذه باطل مردود على من تفوه به، ولا يلزم من اقتصار عمر على
الاستغفار عدم ثبوت الصلاة عن النبي وقَلّ، ولا يجوز تكذيب الرواة العدول

٢٦٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الثقات لفعل عمر .
والظاهر: أن عمر إنما لم يزد على الاستغفار ليبين للناس أن الصلاة ليست من
شرط صحة الاستسقاء، كما قال ابن رشد، وأيضًا فقد أنكروا على عمر اقتصاره
على الاستغفار، إذ قالوا: ما رأيناك استسقيت، أي: على الوجه الذي استسقى به
النبي ◌َّ في حالة الخروج إلى الصحراء من الصلاة، والدعاء والخطبة وتحويل
الرداء، ولا يضر هذه الأحاديث كونها مما تعم به البلوى، فإن خبر الواحد مقبول
في ذلك في قول الجمهور لعمل الصحابة والتابعين بأخبار الآحاد في عموم
البلوى، فقد قبلوا خبر عائشة في الغسل من الجماع بغير الإنزال، وخبر رافع بن
خديج في المخابرة، وقد أثبتت الحنفية تثنية الإقامة، وانتقاض الوضوء بخروج
النجاسة من غیر السبيل، ورفع الیدین مع تکبیرات العیدین بأخبار الآحاد مع كون
ذلك مما تعم به البلوى.
(جَهَرَ فِيهِمَا بِالْقِرَاءَةِ) قال النووي في ((شرح مسلم)): أجمعوا على استحباب
الجهر بالقراءة، وكذا نقل الإجماع على استحبابه ابن بطال، كما في ((الفتح))، قال
الحافظ: لم يقع في شيء من طرق حديث عبد الله بن زيد صفة الصلاة المذكورة،
ولا ما يقرأ فيها، وقد أخرج الدار قطني - والحاكم والبيهقي - من حديث ابن
عباس أنه قال: سنة الاستسقاء سنة الصلاة في العيدين ... الحديث، وفيه: وصلى
ركعتين كبر في الأولى سبع تكبيرات وقرأ: ب﴿سَيِّجِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، وقرأ في
الثانية: ﴿هَلْ أَتَئِكَ حَدِيثُ الْغَشِيَةِ﴾، وكبر فيها خمس تكبيرات، وفي إسناده مقال،
فإن في سنده محمد بن عبد العزيز قال فيه البخاري: منكر الحديث. وقال
النسائي: متروك الحديث، وضعفه أيضًا أبوحاتم وابن حبان وابن القطان، وأصله
في السنن بلفظ: ((فصلى ركعتين، كما يصلي في العيد))، فأخذ بظاهره الشافعي
فقال: يكبر فيهما سبعًا وخمسًا كالعيد، وهو قول سعيد بن المسيب، وعمر بن
عبد العزيز، وأبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، وهو رواية عن أحمد، وذهب
الجمهور مالك والأوزاعي وإسحاق وأبو يوسف ومحمد وأحمد - في رواية - إلى
أنه يكبر فيهما كسائر الصلوات تكبيرة واحدة للافتتاح؛ لأنه لم يذكر عبد الله بن
زيد وأبوهريرة وعائشة تكبيرات الزوائد في رواياتهم، ولا ابن عباس فيما صح من

٢٦٩
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الإِسْتِسْقَاءِ
روايته، وظاهرها أنه لم يكبر النبي ◌َّة، والزيادة تحتاج إلى دليل صحيح يؤيدها،
وتأويل الجمهور قول ابن عباس: صلى ركعتين كما كان يصلي في العيد، على أن
المراد كصلاة العيد في العدد والجهر بالقراءة، وكونهما قبل الخطبة، قال
الزرقاني: لم يأخذ به مالك لضعف الرواية المصرحة بالتكبير، ولما يطرق الثانية
من احتمال نقص التشبيه، انتهى.
وقال ابن قدامة: كيفما فعل كان جائزًا حسنًا، انتهى. (وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ) أي:
بعد الصلاة، واختلفوا في استقبال القبلة متى يكون؟ فقال محمد: يخطب خطبتين
بعد الصلاة، ويتوجه إلى القبلة بعد الفراغ من الخطبة، ويشتغل بالدعاء رافعًا
يديه. وقالت الشافعية: إذا مضى الثلث من الخطبة الثانية يتوجه إلى القبلة ويدعو،
وبعد الدعاء يستقبل الناس ويكمل الخطبة، وقالت المالكية: يتوجه إلى القبلة بعد
الفراغ من الخطبة الثانية، ويدعو مستقبلًا للقبلة. قال الباجي: اختلف قول مالك
في استقبال القبلة متى يكون؟ فروى عنه ابن القاسم: أنه يفعل ذلك إذا فرغ من
الخطبة، وقال عنه علي بن زياد: يفعل ذلك في أثناء خطبته يستقبل القبلة، ويدعو ما
شاء، ثم ينصرف فيستقبل الناس ويتم خطبته، وجه الأول أنه خطبة مشروعة، فلا
يسن قطعها بذكر كخطبتي العيد، وجه الثاني: أن السنة فيها خطبتان لا زيادة
عليهما، فإذا أتى بالدعاء مفردًا كان ذلك كالخطبة الثالثة، انتهى.
وقالت الحنابلة: يخطب بعد الصلاة خطبة واحدة ويدعو رافعًا یدیه، ويجهر
ببعض دعائه ليسمع الناس فيؤمنون على دعائه، ثم يستقبل القبلة في أثناء الخطبة
ويدعو حال استقباله. والراجح عندنا: أنه يخطب خطبة واحدة، ويستقبل القبلة
في أثناء الخطبة، ويدعو مستقبلاً للقبلة؛ لأن ظاهر الحديث يدل على هذا. (يَدْعُو)
حال (وَرَفَعَ يَدَيْهِ) أي: للدعاء، وكذا يرفع الناس أيديهم مع الإمام يدعون، وقد
بوب البخاري في ((صحيحه)): باب رفع الناس أيديهم مع الإمام في الاستسقاء،
وأورد فيه حديث أنس في استسقاء النبي وَّر في خطبة الجمعة عند شكوى
الأعرابي، وفيه: فرفع رسول اللَّه وَل يديه يدعو، ورفع الناس أيديهم مع
رسول اللَّه ◌َال يدعون .
(وَحَوَّلَ رِدَاءَهُ) بحيث صار الأيمن إلى الجانب الأيسر وطرفه الأيسر إلى الجانب

٢٧٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الأيمن، وصار باطنه ظاهرًا وظاهره باطنًا، وطريقة هذا القلب والتحويل أن يأخذ
بيده اليمنى الطرف الأسفل من جانب يساره وبيده اليسرى الطرف الأسفل من
جانب يمينه، ويقلب يديه خلف ظهره، حتى يكون الطرف المقبوض بيده اليمنى
على كتفه الأعلى من جانب اليمين والطرف المقبوض بيده اليسرى على كتفه
الأعلى من جانب اليسار، فإذا فعل ذلك فقد انقلب اليمين يسارًا واليسار يمينًا
والأعلى أسفل وبالعكس، ذكر الواقدي: أن طول ردائه وَّ كان في ستة أذرع في
ثلاثة أذرع، وطول إزاره أربعة أذرع وشبرين في ذراعين وشبر كان يلبسهما في
الجمعة والعید، انتهى.
وفيه: دليل على استحباب تحويل الرداء في هذه العبادة، وخالف أبو حنيفة في
ذلك فأنكر استنانه واستحبابه، وقال: كان ذلك تفاؤلًا بتغيير الحال، كما جاء
مصرحًا عند الدار قطني والحاكم والبيهقي من طريق جعفر بن محمد بن علي، عن
أبيه عن جابر بلفظ: ((وحول رداءه ليتحول القحط)). قال الحافظ: رجاله ثقات،
ورجح الدارقطني إرساله، وفي ((الطوالات)) للطبراني من حديث أنس بلفظ:
((وقلب رداءه؛ لكي ينقلب القحط إلى الخصب)). قلت: كون التحويل للتفاؤل لا
ينافي استحبابه عند الدعاء في الاستسقاء في الصحراء، وسنة رسول اللّه وَ لَه أحق أن
تتبع .
قال ابن دقيق العيد: وقال من احتج لأبي حنيفة: إنما قلب رداءه ليكون أثبت
على عاتقه عند رفع اليدين في الدعاء، أو عرف من طريق الوحي تغيير الحال عند
تغيير ردائه. قلنا: القلب من جهة أخرى، أو من ظهر إلى بطن لا يقتضي الثبوت
على العاتق، بل أي: حالة اقتضت الثبوت أو عدمه في إحدى الجهتين، فهو
موجود في الأخرى، وإن كان قد قرب من السقوط تلك الحال، فيمكن تثبيته من
غير قلب، والأصل عدم ما ذكر من نزول الوحي بتغير الحال عند تغيير الرداء،
والاتباع لفعل رسول اللَّه ◌َ لل أولى من تركه لمجرد احتمال الخصوص مع ما عرف
من الشرع من صحة التفاؤل، انتهى.
ويستحب أن يحول الناس بتحويل الإمام، وهو قول الجمهور: مالك والشافعي
وأحمد وغيرهم، لما روى أحمد من حديث عبد الله بن زيد بلفظ: وحول الناس

٢٧١
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الاسْتِسْقَاءِ
معه، وقال الليث وأبو يوسف ومحمد وابن المسيب وعروة والثوري: يحول الإمام
وحده، والحق ما ذهب إليه الجمهور؛ لأن الظاهر أن تحويلهم كان عن علمه وَلآل،
فتقريره إياهم إذ حولوا على كونه سنة في حقهم أيضًا، واستثنى الشافعية والمالكية
النساء، فقالوا: لا يستحب في حقهن، وظاهر قوله: وحول الناس معه أنه يستحب
ذلك للنساء أيضًا. (حِينَ اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ) وفي رواية لمسلم: ((لما أراد أن يدعو
استقبل القبلة وحول رداءه))، وفي أخرى له: ((فجعل إلى الناس ظهره يدعو الله،
واستقبل القبلة وحول رداءه))، وأفادت هذه الروايات أن التحويل وقع في أثناء
الخطبة عند إرادة الدعاء حال استقبال القبلة، وفي رواية للبخاري: فحول إلى
الناس ظهره، واستقبل القبلة يدعو، ثم حول رداءه. قال الحافظ: ظاهره أن
الاستقبال وقع سابقًا لتحويل الرداء، وهو ظاهر كلام الشافعي، ووقع في كلام كثير
من الشافعية أنه يحوله حال الاستقبال، انتهى.
وقيل: يحمل (ثُمَّ)) في رواية البخاري على معنى الْوَاوِ؛ لتوافق الروايات
الأخرى .
واعلم: أنه لم يرد في حديث عبد الله بن زيد في ((الصحيحين)) التصريح
بالخطبة، وإنما ذكر تحويل الظهر إلى الناس، واستقبال القبلة والدعاء، وتحويل
الرداء، فاحتج به لأبي حنيفة على أنه لا خطبة في الاستسقاء، وإنما يدعو ويتضرع،
وهي رواية عن أحمد، وذهب الجمهور إلى استنان الخطبة فيه، وهو المشهور وهو
الحق والصواب؛ لما وقع من التصريح بالخطبة في حديث عبد الله بن زيد عند
أحمد (ج٤ ص٤١) وفي حديث أبي هريرة عند ابن ماجه والبيهقي (ج٣ ص ٣٧٤)
والطحاوي (ص١٩٢)، وفي حديث عائشة عند أبي داود والحاكم (ج١ ص٣٢٨)
والبيهقي (ج ٣ ص٣٤٩) واحتج أيضًا لمن لم يقل بالخطبة بقول ابن عباس: لم
يخطب خطبتكم هذه ولكن لم يزل في الدعاء والتضرع والتكبير. أخرجه أبو داود
والترمذي والنسائي وابن ماجه والحاكم (ج١ ص٣٢٧) والبيهقي (ج ٣ ص ٣٤٧ -
٣٤٨) والطحاوي (ج١ ص١٩١)، وأجيب عنه: بأن ابن عباس إنما نفى وقوع
خطبة منه ومالية مشابهة لخطبة المخاطبين، ولم ينف وقوع مطلق الخطبة منه وَله . .
قال شيخنا: النفي متوجه إلى القيد لا إلى المقيد كما يدل على ذلك الأحاديث

٢٧٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
المصرحة بالخطبة .
وفي رواية أبي داود: ((فرقى المنبر ولم يخطب خطبتكم هذه))، فقوله: ((فرقى
المنبر)) أيضًا يدل على أن النفي متوجه إلى القيد، قال الزيلعي (ج٢ ص٢٤٢):
مفهوم قول ابن عباس أنه خطب لكنه لم يخطب خطبتين، كما يفعل في الجمعة،
ولكنه خطب خطبة واحدة، فلذلك نفى النوع ولم ينف الجنس، ولم يرو أنه خطب
خطبتين، فلذلك قال أبو يوسف: يخطب خطبة واحدة، ومحمد يقول: يخطب
خطبتين، ولم أجد له شاهدًا، انتهى. وقال ابن قدامة: قول ابن عباس نفي للصفة
لا لأصل الخطبة أي: لم يخطب كخطبتكم هذه إنما كان جل خطبته الدعاء
والتضرع والتكبير، انتهى.
قال بعض من كتب على ((سنن أبي داود)) من أهل عصرنا: ظاهر قوله: فلم
يخطب خطبتكم هذه أن النفي راجع إلى القيد والمقيد جميعًا، ولم يخطب بَّ في
هذه المرة قال: وقوله ولكن لم يزل في الدعاء والتضرع والتكبير كالصريح في أنه
لم يخطب مطلقًا، فإن الخطبة كانت مستقبل الناس مستدبر الكعبة والدعاء
بالعكس، قال: وأما قوله: ((فرقى المنبر)) فهو مختلف فيه، ذكره عثمان بن أبي
شيبة عند أبي داود ومحمد بن عبيد بن محمد عند النسائي، وعثمان له مع كونه ثقة
أوهام، ومحمد بن عبيد قال فيه النسائي ومسلمة: لا بأس به، ولم يذكر هذا اللفظ
غيرهما. قلت: وقع عند أحمد والبيهقي من رواية وكيع عن سفيان عن هشام بن
إسحاق عن أبيه عن ابن عباس: ((لم يخطب كخطبتكم هذه))، وهذا صريح في أن
ابن عباس، إنما نفى الخطبة المشابهة لخطبتهم ولم ينف وقوع مطلق الخطبة، ولا
يفهم منه غير ذلك، فهو ظاهر في أن النفي راجع إلى القيد فقط، وأما قوله: ((لكن
لم يزل في الدعاء ... )) إلخ. فلا ينافي الخطبة؛ لأن معناه أن جل خطبته وأكثرها
كان الدعاء والتضرع والتكبير، كما قال ابن قدامة، وأيضًا الدعاء يكون بعد فراغ
الموعظة في آخر الخطبة وبعد الدعاء يستقبل الإمام الناس ويتم خطبته، وقوله:
((فرقى المنبر)) صريح في وقوع الخطبة في هذه المرة أيضًا؛ لأن الظاهر أنه لا يرقاه
إلا للخطبة، ولم يتفرد به عثمان ومحمد بن عبيد، بل قد تابعهما أبوثابت المدني
محمد بن عبيدالله بن محمد عند البيهقي، وهو أيضًا ثقة، فهي زيادة صحيحة،
رواها جماعة من الثقات ولا يضرها سكوت من سكت عنها، ولا دليل على كونها

٢٧٣
كِتّابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الاسْتِسْقَاءِ
وَهْمًا فلابد من قبولها. ثم إنه اختلفت الأحاديث في وقت الخطبة للاستسقاء، ففي
حديث عبد الله بن زيد عند أحمد (ج ٤ ص٤١) وحديث أبي هريرة أنه بدأ بالصلاة
قبل الخطبة، وفي حديث عائشة عند أبي داود وغيره أنه بدأ بالخطبة قبل الصلاة،
وكذا في حديث ابن عباس عند أبي داود، ففيه: ((خرج النبي ◌َّ متبذلًا متواضعًا
متضرعًا حتى أتى المصلى فرقى المنبر، فلم يخطب خطبتكم هذه ولكن لم يزل في
الدعاء والتضرع والتكبير ثم صلى ركعتين))، وفي رواية للشيخين وغيرهما من
حديث عبد الله بن زيد: ((توجه إلى القبلة يدعو، وحول رداءه ثم صلى ركعتين)).
وقد استدل بها على أن الخطبة قبل الصلاة لكن ليس فيها التصريح، بأنه خطب،
واختلفوا في دفع هذا الاختلاف، فقال الزيلعي في ((نصب الراية)) (ج٣ ص٢٤٢)
بعد ذكر الروايات المذكورة: ولعلهما واقعتان، وقال ابن قدامة: يحتمل أن
النبي ◌َّ فعلِ الأمرين، ورجح البيهقي رواية تقديم الصلاة على الخطبة من
حديث عبد الله بن زيد، كما يظهر من كلامه في باب: ذكر الأخبار التي تدل على
أنه دعا أو خطب قبل الصلاة (ج٣ ص ٣٤٨ - ٣٤٩).
قال القرطبي: ويعتضد القول بتقديم الصلاة على الخطبة بمشابهتها للعيد،
وكذا ما تقرر من تقديم الصلاة أمام الحاجة، ورجح بعضهم تقديم الخطبة. قال
ابن رشد في ((البداية)) (ج١ ص١٦٩) قال القاضي: من ذكر الخطبة فإنما ذكرها في
علمي قبل الصلاة، وقال الحافظ: يمكن الجمع بين ما اختلف من الروايات في
ذلك، بأنه وَ ل بدأ بالدعاء ثم صلى ركعتين، ثم خطب فاقتصر بعض الرواة على
شيء، وبعضهم على شيء، وعبر بعضهم عن الدعاء بالخطبة فلذلك وقع
الاختلاف، انتهى. واختلف أيضًا مذاهب العلماء في محل الخطبة، واختلافهم
إنما هو في الاستحباب لا في الجواز، فالمرجح عند مالك والشافعي وأبي يوسف
ومحمد: الشروع بالصلاة، وهو المشهور عن أحمد.
قال ابن عبد البر: وعليه جماعة الفقهاء. وقال النووي: وبه قال الجماهير،
وذهب ابن حزم والليث وابن المنذر إلى أن الخطبة قبل الصلاة، وروي ذلك عن
عمر رَوُلَهُ وابن الزبير وأبان بن عثمان وهشام بن إسماعيل وأبي بكر بن محمد بن
عمرو بن حزم، كما في ((سنن الأثرم))، وعن أحمد رواية كذلك، قال النووي:
وكان مالك يقول به ثم رجع إلى قول الجماهير. قال أصحابنا: ولو قدم الخطبة

٢٧٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
على الصلاة صحتا، ولكن الأفضل تقديم الصلاة كصلاة العيد وخطبتها، وجاء في
الأحاديث ما يقتضي جواز التقديم والتأخير، واختلفت الرواية في ذلك عن
الصحابة، انتهى.
وعن أحمد رواية ثالثة أنه مخير في الخطبة قبل الصلاة وبعدها. قال ابن قدامة:
لورود الأخبار بكلا الأمرين ودلالتها على كلتا الصفتين، فيحتمل أن النبي وَلّ فعل
الأمرين، انتهى.
وقال الشوكاني بعد ذكر القولين الأولين ما لفظه: وجواز التقديم والتأخير بلا
أولوية هو الحق، انتهى. وتقدم أنه روي عن أحمد نفي الخطبة أيضًا.
قال ابن قدامة بعد ذکر الروايات الأربعة عنه: وأیًا ما فعل من ذلك فهو جائز؛
لأن الخطبة غير واجبة على الروايات كلها، فإن شاء فعلها، وإن شاء تركها،
والأولى أن يخطب بعد الصلاة خطبة واحدة؛ لتكون كالعيد؛ وليكونوا قد فرغوا
من الصلاة إن أجيب دعاؤهم، فَأَغِيثُوا، فلا يحتاجون إلى الصلاة في المطر،
انتھی .
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) أخرجه البخاري في الاستسقاء في مواضع، وأخرجه أيضًا في
الدعوات، وأخرجه مسلم في الاستسقاء كلاهما بألفاظ مختلفة، ولفظ ((المشكاة))
بهذا السياق والنسق ليس لهما ولا لأحدهما، بل ولا لغيرهما من أصحاب السنن
والمسانيد والمعاجم، والجهر بالقراءة لم يذكره في رواية مسلم قد انفرد به
البخاري، وليس في رواية ((الصحيحين)) من حديث عبد الله بن زيد ذكر رفع اليدين
أصلاً، نعم رواه الترمذي وأبو داود والنسائي، ولا أدري من أين نقل البغوي
والمصنف هذا السياق؟ والظاهر: أن هذا من تصرف البغوي، والعجب من
المصنف إنه لم ينتبه لذلك، والحديث أخرجه أيضًا أحمد ومالك والترمذي وأبو
داود والنسائي وابن ماجه وغيرهم.

كِتَابُ الصَّلَاةِ
85
بَابُ الإِسْتِسْقَاءِ
٢٧٥
١٥١١ - [٢] وَعَنْ أَنَسِ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ وََّ لَا يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي شَيْءٍ مِنْ
دُعَائِهِ إِلَّا فِي الإِسْتِسْقَاءِ، فَإِنَّهُ يَرْفَعُ حَتَّى يُرَى بَيَاضُ إِبْطَيْهِ.
[متفق عليه]
الْشَّرْجُ
١٥١١ - قوله: (كَانَ النَّبِيُّ ◌َّهَ لا يَرْفَعُ يَدَيْهِ) أي: رفعًا بلیغًا، يعني لا يبالغ في
الرفع، وإلا فأصل الرِفع ثابت في مطلق الدعاء، وآخر الحديث يشعر بهذا المعنى
(فِي شَيْءٍ مِنْ دُعَائِهِ إِلَّا فِي الاِسْتِسْقَاءِ) أي: في دعائه. (فَإِنَّه يَرْفَعُ) أي: كان يرفع
يديه. (حَتَّى يُرَى) بصيغة المجهول.
(بَيَاضُ إِبْطَيْهِ) بكسر الهمزة وسكون الباء الموحدة وقد تكسر باطن المنكب
يذكر ويؤنث.
قال الحافظ: قوله: إلا في الاستسقاء، ظاهره نفي الرفع في كل دعاء غير
الاستسقاء، وهو معارض بالأحاديث الثابتة في الرفع في غير الاستسقاء وهي
كثيرة، فذهب بعضهم إلى أن العمل بها أولى، وحمل حديث أنس على نفي رؤيته،
وذلك لا يستلزم نفي رؤية غيره، ورواية المثبت مقدمة على النافي، وذهب آخرون
إلى تأويل حديث أنس المذكور لأجل الجمع، بأن يحمل النفي على صفة
مخصوصة، إما على الرفع البليغ .
ويدل عليه قوله: ((حَتَّى يُرَى بَيَاضُ إِبْطَيْهِ))، ويؤيده أن غالب الأحاديث التي
وردت في رفع اليدين في الدعاء، إنما المراد به مد اليدين، وبسطهما عند الدعاء،
و کأنه عند الاستسقاء مع ذلك زاد فرفعهما إلى جهة وجهه حتی حاذتاه، وحينئذٍ یری
بياض إبطيه، وإما على صفة اليدين في ذلك كما في رواية مسلم التي تليه، ولأبي
داود من حديث أنس أيضًا: كان يستسقي هكذا، ومد يديه وجعل بطونهما مما يلي
الأرض، حتى رأيت بياض إبطيه .
(١٥١١) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: الْبُخَارِي (١٠٣١)، ومُسْلِم (٨٩٥/٥) فِيهِ عَنْهُ، وأَبُو دَاوُد (١١٧٠)، والنَّسَائِي
(١٥٨/٣)، وابن مَاجَهْ (١١٨٠).

٢٧٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ)، وأخرجه أيضًا أبو داود والنسائي والبيهقي (ج٣ ص ٣٥٧)،
والحاكم (ص٣٢٧)، وذكر المنذري والقسطلاني والعيني: ابن ماجه أيضًا فيمن
خرجه في الاستسقاء، ولم أجده، ونسبه الجزري في ((جامع الأصول)) (ج٧
ص١٣٩) للبخاري ومسلم وأبي داود والنسائي فقط، نعم، روى ابن ماجه عن أبي
هريرة: أن النبي وَل١٤ استسقى حتى رأيت أو رؤي بياض إبطيه، أخرجه أيضًا أحمد
(ج٢ ص ٢٣٦) والبزار.
١٥١٢ - [٣] وَعَنْهُ: أَنَّ النَّبِيَّ وَ اسْتَسْقَى فَأَشَارَ بِظَهْرٍ كَفَّيْهِ إِلَى
السَّمَاءِ.
[رَوَاهُ مُسْلِمْ] {صحيح}
الْشَّرْجُ
١٥١٢ - قوله: (أَنَّ النَّبِيَّ ◌َِّ اسْتَسْقَى فَأَشَارَ بِظَهْرِ كَفَّيْهِ إِلَى السَّمَاءِ) على
عكس ما هو المتعارف في الدعاء، قيل: الحكمة في الإشارة بظهر الكفين في
الاستسقاء دون غيره التفاؤل بتقليب الحال، كما قيل في تحويل الرداء.
قال التوربشتي: معنى الحديث أنه كان يجعل بطن كفيه إلى الأرض وظهرهما
إلى السماء، يشير بذلك إلى قلب الحال ظهر البطن، وذلك مثل صنيعه في تحويل
الرداء، ويحتمل وجهًا آخر، وهو أنه جعل بطن كفيه إلى الأرض إشارة إلى مسألته
من الله تعالى بأن يجعل بطن السحاب إلى الأرض لينصب ما فيه من المطر كما أن
الكف، إذا جعل وجهها أي: بطنها إلى الأرض انْصَبَّ ما فيها من الماء، انتهى.
وقال النووي: قال العلماء: السنة في كل دعاء لرفع البلاء أن يرفع يديه جاعلًا
ظهور كفيه إلى السماء، وإذا دعا بسؤال شيء، وتحصيله أن يجعل كفيه إلى
السماء، انتهى. وقد أخرج أحمد من حديث السائب بن خلاد عن أبيه: أن النبي
وَالّ كان إذا سأل جعل باطن كفيه إليه، وإذا استعاذ جعل ظاهرهما إليه، وفي إسناده
ابن لهيعة، وفيه مقال مشهور.
(١٥١٢) مُسْلِم (٨٩٦/٦) فِيهِ عَنْهُ.

كِتّابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الإِسْتِسْقَاءِ
٢٧٧
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وأخرجه أيضًا أبو داود، وتقدم لفظه، وأخرجه البيهقي بكلا
اللفظين (ج٣ ص ٣٥٧).
١٥١٣ - [٤] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ لَ كَانَ إِذَا رَأَى
الْمَطَرَ قَالَ: ((اللَّهُمَّ صَيِّبًا نَافِعًا)).
[رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ] {صحيح}
الْشَّرْحُ
١٥١٣ - قوله: (كَانَ إِذَا رَأَى الْمَطَرَ) يحتمل أن يكون المراد: إذا رأى المطر
بعد الاستسقاء، والمطر بفتح الطاء: ماء السحاب. (صَيِّيًا) بفتح الصاد وتشديد
الياء المكسورة أي: منهمرًا متدافعًا، أصله واو؛ لأنه من صاب يصوب صوبًا، إذا
نزل فأصاب الأرض وبناؤه صيوب كفيعل، فأبدلت الواو ياءً وأدغمت كسيد، قال
ابن عباس في قوله تعالى: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ السَّمَاءِ﴾ [البقرة: ١٩]: الصيب المطر، وبه
قال الجمهور. وقال الواحدي: هو المطر الكثير، وقيل: المطر الذي يجري ماؤه.
وقال بعضهم: الصيب: السحاب، ولعله أطلق ذلك مجازًا؛ لأنه من صاب
المطر يصوب، إذا نزل فأصاب الأرض، ويؤيد معنى المطر الكثير ما في
((الكشاف)): الصيب المطر الذي يصوب، أي: ينزل ويقع، وفيه مبالغات من جهة
التركيب والبناء والتكثير، فدل على أنه نوع من المطر شديد هائل، ولذا تممه
بقوله: ((نَافِعًا)) صيانة عن الأضرار والفساد، وهو منصوب بفعل مقدر أي: اجعله،
كما في رواية النسائي وابن ماجه والبيهقي أو أسقنا أو أسألك.
وقيل: على الحال، أي: أنزله علينا حال كونه صيبًّا أي: مطرًا.
((نَافِعًا)) صفة للصيب؛ ليخرج بذلك الصيب الضار، أو ما لا يترتب عليه نفع أعم
من أن يترتب عليه ضرر أم لا، قال في ((المصابيح)): وهذا أي: قوله: ((صَيًِّا نَافِعًا))
كالخبر الموطئ في قولك: زيد رجل فاضل؛ إذ الصفة هي المقصودة بالإخبار
(١٥١٣) البُخَارِي (١٠٣٢) فِيهِ عَنْهَا .

٢٧٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
بها، ولو لا هي لم تحصل الفائدة، هذا إن بنينا على قول ابن عباس: إن الصيب هو
المطر، وإن بنينا على أنه المطر الكثير كما نقله الواحدي فكل من ((صيبًّا ونافعًا))
مقصود، والاقتصار عليه محصل للفائدة، انتهى.
وفي الحديث: دليل على استحباب الدعاء المذكور عند نزول المطر للازدياد
من الخير والبركة، وفي رواية ابن ماجه والبيهقي والنسائي في ((عمل اليوم
والليلة)): ((هَنِيْئًا))، بدل (نَافِعًا)، وفي رواية ابن أبي شيبة، وكذا في رواية لابن
ماجه: ((سَيْبًا نَافِعًا)) بفتح السين المهملة وإسكان الياء - مصدر بمعنى الفاعل صفة
لمحذوف، أي: اجعله مطرًا جاريًا، من ساب المطر يسيب سيًا إذا جرى، وذهب
كل مذهب، وقيل: السيب: العطاء.
(رَوَاهُ البُخَارِيّ) في الاستسقاء، وأخرجه أيضًا أحمد والنسائي في ((السنن))،
وفي ((عمل اليوم والليلة)) وابن ماجه في ((الدعاء)) والبيهقي (ج ٣ ص ٣٦١) وابن أبي
شيبة .
١٥١٤ - [٥] وَعَنْ أَنَسِ قَالَ: أَصَابَنَا وَنَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللّهِ وَلِ مَطَرٌ
قَالَ: فَحَسَرَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ ثَوْبَّهُ حَتَّى أَصَابَهُ مِنَ الْمَطَرِ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ
لِمَ صَنَعْتَ هَذَا؟ قَالَ: ((لِأَنَّهُ حَدِيثُ عَهْدٍ بِرَبِّهِ)).
[رَوَاهُ مُسْلِمٌ] {صحيح}
الْشَّرُْ
١٥١٤ - قوله: (فَحَسَرَ رَسُولُ اللّهِ وَلَّهِ ثَوْبَهُ) أي: كشف بعض ثوبه عن بدنه.
(لِمَ صَنَعْتَ هَذَا؟) أي: ما الحكمة فيه؟ (قَالَ: لِأَنَّهُ) أي: المطر الجديد. (حَدِيثُ
عَهْدٍ بِرَبِّهِ) أي: جديد النزول بأمر ربه، أو بإيجاد ربه وتكوينه إياه، يعني: أن المطر
رحمة، وهي قريبة العهد بخلق الله تعالى لها فيتبرك بها، وفيه: دليل على أنه
يستحب عند أول المطر أن يكشف بدنه؛ ليناله المطر لذلك.
وقال التوربشتي: أراد أنه قريب عهد بالفطرة، وأنه هو الماء المبارك الذي
(١٥١٤) مُسْلِم (١٣ /٨٩٨) فِيهِ عَنْهُ.

كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ الإِسْتِسْقَاءِ
٢٧٩
EFDE
أنزله الله من المزن ساعتئذ، فلم تمسه الأيدي الخاطئة، ولم تكدره ملاقاة أرض
عبد عليها غير الله.
قال المظهر: فيه تعليم لأمته أن يتقربوا، ويرغبوا فيما فيه خير وبركة، انتهى.
ويسن الدعاء، وطلب الإجابة عند نزول المطر، كما في حديث سهل بن سعد
وحديث أبي أمامة رواهما البيهقي (ج٣ ص ٣٦٠).
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) في الاستسقاء، وأخرجه أيضًا أحمد وأبو داود في الدعاء والبيهقي
(ج ٣ ص٣٥٩).