Indexed OCR Text
Pages 201-220
٢٠٠ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ أحادیث تثليث الر کوع، و کذا أحاديث تربیع الركوع؛ فإن ذلك قد انفرد به مسلم، ثم دون هذا حديث تخميس الركوع، وكذا أحاديث وحدة الركوع، وللعلماء فيها مسلکان : أحدهما: مسلك الجمع: بحملها على تعدد الکسوف وتعدد صلاته في عهد النبي ◌َّر، ذهب إليه إسحاق بن راهويه وابن خزيمة والخطابي، واستحسنه ابن المنذر، وقواه النووي، ورجحه ابن رشد في ((البداية)) وابن حزم في ((المحلى)) وابن جرير الطبري وغيرهم. وأبدى بعضهم أن حكمة الزيادة في الركوع والنقص كان بحسب سرعة الانجلاء وبطئه، فحين وقع الانجلاء في أول ركوع اقتصر على مثل النافلة، وحين أبطأ زاد ركوعًا، وحين زاد في الإبطاء زاد ثالثًا، وهكذا إلى غاية ما ورد في ذلك، وتعقب: بأن إبطاء الانجلاء وعدمه لا يعلم في أول الحال، ولا في الركعة الأولى، وقد اتفقت الروايات على أن عدد الركوع في الركعتين سواء، وهذا يدل على أنه مقصود في نفسه منوى من أول الحال. والمسلك الثاني: الترجيح فرجح القائلون بكونها ركعتين في كل ركعة ركوعان أحاديث تثنية الركوع؛ لكونها أكثر وأصح. قال الحافظ في ((الفتح)) بعد ذكر من روى من الصحابة تثنية الركوع في كل ركعة ما لفظه: وفي رواياتهم زيادة رواها الحفاظ الثقات، فالأخذ بها أولى من إلغائها. وبذلك قال جمهور أهل العلم من أهل الفتيا، وقد وردت الزيادة في ذلك من طرق، فذكر من روي عنه أحاديث تثليث الركوع، وتربيعه، وتخميسه، ثم قال: ولا يخلو إسناد منها عن علة، وقد أوضح ذلك البيهقي وابن عبد البر. ونقل صاحب الهدي عن الشافعي وأحمد والبخاري: أنهم كانوا يعدون الزيادة على الركوعين غلطًا من بعض الرواة، فإن أكثر طرق الحديث يمكن رد بعضها إلى بعض، ويجمعها أن ذلك كان يوم مات إبراهيم ظلّ*، وإذا اتحدت القصة تعين الأخذ بالراجح، والراجح قطعًا هو حديث عائشة وعبد الله بن عباس وعبد الله بن عمرو، وأسماء بنت أبي بكر وجابر وغيرهم الذي فيه ركوعان في كل ركعة. وقال الشوكاني في ((السيل الجرار)): إذا تقرر لك أن القصة واحدة عرفت، أنه لا يصح ٢٠١ بَابُ صَلَاةِ الْحُسُوفِ كِتّابُ الصَّلَاةِ هاهنا أن يقال كما قيل في صلاة الخوف: أنه يأخذ بأي الصفات شاء، بل الذي ينبغي هاهنا أن يأخذ بأصح ما ورد وهو ركوعان في كل ركعة لما في الجمع بين هذه الروايات من التكلف البالغ. وقال ابن تيمية في ((التوسل والوسيلة)) (ص٦٩ - ٧٠): لا يبلغ تصحيح مسلم تصحيح البخاري، بل كتاب البخاري أجل ما صنف في هذا الباب، والبخاري من أعرف خلق اللَّه بالحديث وعلله مع فقهه فيه، قال: ولهذا كان جمهور ما أنكر على البخاري مما صححه يكون قوله فيه راجحًا على قول من نازعه بخلاف مسلم، فإنه نوزع في عدة أحاديث مما خرجها، وكان الصواب فيها مع من نازعه، كما روى في حديث الكسوف: أن النبي ◌َّ﴾ صلى بثلاث ركوعات، وبأربع ركوعات، كما روى أنه صلى بركوعين. والصواب: أنه لم يصل إلا بركوعين وأنه لم يصل الكسوف إلا مرة واحدة يوم مات إبراهيم، وقد بين ذلك الشافعي، وهو قول البخاري وأحمد ابن حنبل في إحدى الروايتين عنه، والأحاديث التي فيها الثلاث والأربع فيها، أنه صلاها يوم مات إبراهيم، ومعلوم أنه لم يمت في يومي كسوف ولا كان له إبراهيمان، ومن نقل أنه مات عاشر الشهر فقد كذب. انتهى. وقال في ((منهاج السنة)): حديث صلاة الكسوف بثلاث ركوعات، وأكثر في مسلم من المواضع المنتقدة بلا ريب، وإلى ترجيح روايات تثنية الركوع ذهب أيضًا صاحب ((فيض الباري)) من الحنفية، حيث قال: لم تنكسف الشمس على عهد رسول اللّه وَ له إلا مرة، والروايات في تعدد الركوع بلغت إلى ست ركوعات في ركعتين، والأرجح عندي: أن النبي وَّ ركع ركوعين في ركعة، والباقي أوهام كانت فتاوى الصحابة، فاختلطت بالمرفوع، وإذن لا أتمسك من روايات ورد فيها ركوع واحد، بل أحملها على الاختصار. انتهى. قلت: وفي ((تاريخ الخميس)) وأوائل ((الثقات)) لابن حبان: أن الشمس كسفت في عهده وَّه مرتين: الأولى في السنة السادسة، والثانية في السنة العاشرة يوم توفي إبراهيم بن رسول اللَّه ◌َ ليل، وأما القمر ففي ((شرح الإحياء)) ذكر صاحب ((جمع العدة)): أن خسوف القمر وقع في السنة الرابعة في جمادى الآخرة، ولم يشتهر أنه وَ لخير جمع له الناس، وذكر في الهدي وفي (تاريخ الخميس)) (ج١ ص ٤٦٩) عن Beer ٢٠٢ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ السيرة لابن حبان: أنه وقع في السنة الخامسة في جمادى الآخرة، فصلى النبي وَل بأصحابه، وكانت أول صلاة كسوف في الإسلام، وقد جزم به مغلطائي في ((سيرته)). والظاهر عندي: ما ذهب إليه ابن تيمية وغيره من جمهور أهل العلم أنه لم يصل صلاة كسوف الشمس في عهده بَّ بالمدينة إلا مرة. قال الشيخ أحمد شاكر في ((حاشية المحلى)) (ج٥ ص١٠٤، ١٠٥): لقد حاولت كثيرًا أن أجد من العلماء بالفلك من يظهر لنا بالحساب الدقيق عدد الكسوفات التي حصلت في مدة إقامة النبي ◌َّ بالمدينة، وتكون رؤيتها بها ممكنة، وطلبت ذلك من بعضهم مرارًا، فلم أوفق إلى ذلك، إلا أني وجدت للمرحوم محمود باشا الفلكي جزءًا صغيرًا سماه ((نتائج الأفهام في تقويم العرب قبل الإسلام))، وقد حقق فيه بالحساب الدقيق يوم الكسوف الذي حصل في السنة العاشرة، وهو اليوم الذي مات فيه إبراهيم الّلا، ومنه اتضح أن الشمس كسفت في المدينة في يوم الاثنين ٢٩ شوال سنة (١٠)، الموافق ليوم (٢٧) يناير سنة (٦٣٢) ميلادية في الساعة (٨) والدقيقة (٣٠) صباحًا، وهو يرد أكثر الأقوال التي نقلت في تحديد يوم موت إبراهيم، وعسى أن يكون هذا البحث والتحقيق حافزًا لبعض النبهاء من العالمين بالفلك إلى حساب الكسوفات الي حصلت بالمدينة في السنين العشر الأولى من الهجرة النبوية، أي: إلى وقت وفاته ◌َّ في يوم الأحد (١٢) ربيع الأول سنة (١١) أو الاثنين (١٣) منه الموافقان ليومي (٧) يونية سنة (٦٣٢ و٨) منه، فإذا عرف بالحساب عدد الكسوفات في هذه المدة أمكن التحقيق من صحة أحد المسلكين . إما حمل الروايات على تعدد الوقائع، وإما ترجيح الرواية التي فيها ركوعان في كل ركعة، وأنا أميل جدًّا إلى الظن، بأن صلاة الكسوف ما صليت إلا مرة واحدة، فقد علمنا من رسالة محمود باشا الفلكي، أنه حصل خسوف القمر في المدينة في يوم الأربعاء ١٤ جمادى الثانية من السنة الرابعة للهجرة الموافق ٢٠ نوفمبر سنة ٦٢٥، ولم يرد ما يدل على أن النبي ◌ُّ جمع الناس فيه لصلاة الخسوف، ويؤيد هذا: أن الأحاديث الواردة في صلاة الكسوف دالة بسياقها على أن هذه الصلاة كانت لأول مرة، وأن الصحابة لم يكونوا يعلمون ماذا يصنع رسول اللّه وَ ل في وقتها، وأنهم ظنوا أنها كسفت لموت إبراهيم، وأن المدة بين موت إبراهيم التّلّ كِتَابُ الصَّلَاةِ بَابٌ صَلَاةِ الْخُسْوفِ ٢٠٣ EXXSE وبين موت أبيه وي ليه لم تزد على أربعة أشهر ونصف، فلو كان الكسوف حصل مرة أخرى، وقاموا للصلاة لظهر ذلك واضحًا في النقل لتوفر الدواعي إلى نقله، كما نقلوا ما قبله بأسانيد كثيرة. والله أعلم بالصواب. انتهى كلام الشيخ أحمد. هذا وقد تقدم أن الحنفية اختاروا وحدة الركوع في كل ركعة كسائر الصلوات، ثم اختلفوا. فقال بعضهم: الأرجح أن النبي وَّ ركع ركوعين في كل ركعة والباقي أوهام وروايات وحدة الركوع محمولة على الاختصار، وأن النبي وَّ، وإن ركع ركوعين لكنه لم يعلمنا إلا أن نأتي بها كأحدث صلاة صلاها، وفيها ركوع واحد، فتعدد الرِكوع مخصوص به وَ لَه، وكان النبي ◌َّ أراد بقوله: ((صَلَّوا كَأَحْدَثِ صَلَاةٍ صَلَّيْتُمُوهَا مِنَ الْمَكْتُوبَةِ)) أن لا تصلوا أنتم، كما رأيتم من تعدد الركوع، ولكن صلوا کصلاة الصبح. انتهى مختصرًا محصلًا. وأجيب عنه: بأن كل ما صح وثبت من فعله ◌َلّ يكون سنة لنا ما لم يقم دليل على اختصاصه به، ولا دليل على كون تعدد الركوع في صلاة الكسوف مختصًّا به ◌َّله، فدعوى الاختصاص مردودة، وأما قوله ◌َّ: ((صَلَّوا كَأَحْدَثِ صَلَاةٍ))، إلخ. فليس بصريح ولا بظاهر فيما قالوا به، فإنه يحتمل معاني أخرى كما تقدم عن السندي وابن حزم وغيرهما مفصلًا، وإذا جاء الاحتمال بطل الاستدلال، والتشبيه لا يجب أن يكون من جميع الجهات، فلا يترك به الأحاديث الصريحة التي هي أصح منه؛ لكونها مروية في الصحيحين وغيرهما. وقال بعضهم: أحاديث الفعل متعارضة، فيطرح الكل، ويؤخذ بالأصل، والأصل في الركوع الاتحاد دون التعدد، وقد جاء في بعض الروايات كذلك. وفيه: إن من شرط التعارض التساوي في الثبوت والقوة، وهو منتفٍ هاهنا، فإن أحاديث الفعل ليست بمتساوية بل روايات تثنية الركوع أصح، وأرجح وأقوى وأشهر؛ لاتفاق الشيخين على تخريجها، فيجب تقديمها، وترجيحها، ويتعين الأخذ بها، ولا يجوز طرحها. وقال بعضهم: أحاديث وحدة الركوع مرجحة بوجوه: منها: أن روايات تعدد الركوع متعارضة، وهي مع ذلك تخالف قوله ◌َّله: ((صَلّوا كَأَحْدَثِ صَلَاةٍ ... )» إلخ. ٢٠٤ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ والعبرة للقول، إذا خالف الفعل. وفيه: أنه لا تعارض بين روايات التعدد؛ لكون أحاديث تثنية الركوع أصح وأرجح وأقوى، فتقدم على غيرها ولا تخالف بينها، وبين القول المذكور، فإن المقصود منه التشبيه في بعض الصفات وهي عدد الركعات والجهر بالقراءة لا في جميعها، وإلا فينبغي للحنفية أن يقولوا باستنان الجهر بالقراءة في صلاة كسوف الشمس، وأن لا يقولوا باستحباب تطويل القراءة والركوع والسجود بل يكرهوا الإطالة، لكنهم قد صرحوا، بأن صلاة الكسوف مستثناة من كراهة التطويل، وقالوا: يطيل فيها الركوع والسجود والقراءة، واستدلوا لذلك بروايات الفعل، ولو فرضنا التعارض بين روايات الفعل والقول، فالقول إنما يقدم ويرجح على الفعل، إذا لم يمكن الجمع بينهما، وكان القول مساويًا للفعل في القوة والثبوت، والأمر هاهنا ليس كذلك. ومنها: أن روايات وحدة الركوع موافقة للقياس أي: موافقة للأصول المعهودة، فزيادة ركن في الصلاة لم تعهد . قال الحافظ: أشار الطحاوي إلى أن قول أصحابه أجري على القياس في صلاة النوافل لكن اعترض، بأن القياس مع وجود النص يضمحل، وبأن صلاة الكسوف أشبه بصلاة العيد وبنحوها، مما يجمع فيه من مطلق النوافل، فامتازت صلاة الجنازة بترك الركوع والسجود، وصلاة العيدين بزيادة التكبيرات، وصلاة الخوف بزيادة الأفعال الكثيرة، واستدبار القبلة، فلذلك اختصت صلاة الكسوف بزيادة الركوع، فالأخذ به جامع بين العمل بالنص، والقياس بخلاف من لم يعمل به .. انتهى. وقد رد على هذا الوجه ابن حزم أيضًا فأجاد، فعليك أن ترجع إلى ((المحلى)) (ج٥ ص١٠١). ومنها: أن روايات التعدد متعارضة مضطربة. قال ابن الهمام: أحاديث تعدد الركوع مضطربة، والاضطراب موجب للضعف فوجب تركها. وفيه: أن الاختلاف الواقع في روايات الفعل ليس اضطرابًا قادحًا مورثًا للضعف، فإن الاختلاف في الحديث من جهة الإسناد أو المتن، إنما يورث الاضطراب الموجب للضعف، إذا استوت وجوه الاختلاف وتساوت الروايات المختلفة، وأما إذا ترجحت إحداها بوجه من وجوه الترجيح قدمت، ولا يعل الراجح بالمرجوح، يعني: يكون العبرة للراجح، وهاهنا روايات تثنية الركوع ٢٠٥ كِتَابُ الصَّلاةِ بَابُ صَلَاةِ الْخُسْوِفِ أصح وأرجح وأقوى، فيكون لها الاعتبار لا لروايات الزيادة على الركوعين ولا الروايات وحدة الركوع. هذا وتأول بعضهم أحاديث تعدد الركوع بتأويلات كلها أضاحيك نذكرها عبرة للناظرين وفي ذكرها غنى عن الرد. فمنها: ما ذكره الفخر الزيلعي في ((شرح الكنز)): أنه عليه الصلاة والسلام كان يرفع رأسه ليختبر حال الشمس، هل انجلت أم لا؟ فظنه بعضهم ركوعًا فأطلق عليه اسمه، فلا يعارض ما روينا يعني من أحاديث وحدة الركوع. انتهى. قال الحافظ في ((الفتح)): أجاب بعض الحنفية عن زيادة الركوع بحمله على رفع الرأس لرؤية الشمس هل انجلت أم لا؟ فإذا لم يرها انجلت رجع إلى ركوعه ففعل ذلك مرة أو مرارًا، فظن بعض من رآه يفعل ذلك ركوعًا زائدًا. وتعقب بالأحاديث الصحيحة الصريحة في أنه أطال القيام بين الركوعين، ولو كان الرفع لرؤية الشمس فقط لم يحتج إلى تطويل ولا سيما الأخبار الصريحة، بأنه ذكر ذلك الاعتدال، ثم شرع في القراءة، فكل ذلك يرد هذا الحمل، ولو كان كما زعم هذا القائل؛ لكان فيه إخراج لفعل الرسول عن العبادة المشروعة، أو لزم منه إثبات هيئة في الصلاة لا عهد بها وهو ما فر منه. انتهى كلام الحافظ . ومنها: ما ذكره صاحب ((المحيط البرهاني)): أن النبي وَ لّ إنما ركع ركوعين على وجه الصورة لا على وجه الحقيقة؛ لأنه قربت إليه الجنة والنار، وإنما رفع رسول اللَّه ◌َله رأسه من الركوع؛ فزعًا حين قربت منه النار، وكان ذلك رفعًا على وجه الصورة لا الحقيقة. ورد بما وقع من التصريح في الأحاديث الصحيحة بتطويل القيام الثاني، وتطويل الركوع الذي بعده، وكذا تطويل الاعتدال الذي يليه السجود، وهذا كالصريح في أنه مَ لّ ركع ركوعين، ركوعًا حقيقًّا لا صوريًّا، وأن رفع الرأس لم يكن فزعًا على وجه الصورة، بل كان قيامًا حقيقيًّا قرأ فيه قراءة طويلة هي أدنى من القراءة الأولى، ولو كان الرفع أي: القيام فزعًا والركوع؛ لأنه قربت إليه الجنة لم يقع التطويل فيهما، كما لم يقع في تقدمه وتأخره، ويرد ذلك أيضًا، أن الذي وقع منه وَ ل حين قربت إليه الجنة والنار، إنما هو التقدم والتأخر، كما صرح به في رواية مسلم وغيره لا الركوع ورفع الرأس منه. ومنها: ما ذكره صاحب ((العرف الشذى)): أن الركوع الثاني لم يكن ركوعًا صلويًّا بل كان ركوع آية وتخشع وتضرع يعني كان بدل السجود للآيات، مما رأى ٢٠٦ SECRE مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ النبي وَل من الجنة والنار، ممثلتين في جدار القبلة، فتعدد الركوع كتعدد السجود في الصلاة عند تلاوة آية السجدة، فكما تتعدد السجدة لداعية كذلك يجوز أن يكون النبي وّ وركع ركوعين؛ لأنه شاهد فيها ما لم يكن يشاهد في عامة الصلوات والسجود عند ظهور آية معروف. قال أبوعبد اللَّه البلخي: إن الزيادة ثبتت في صلاة الكسوف لا للكسوف، بل لأحوال اعترضت، حتى روي أنه ◌ّ تقدم في الركوع حتى كان كمن يأخذ شيئًا، ثم تأخر كمن ينفر عن شيء، فيجوز أن تكون الزيادة منه باعتراض تلك الأحوال، كذا في ((البدائع))، وحاصل هذا كله: أن تعدد الركوع مختص بالنبي وَّر. وهذا نحو ما تقدم من المحيط البرهاني، وقد تقدم جوابه، ويزاد عليه أنه لا فرق بين الركوعين في الصورة، فكما أن الركوع الأول كان ركوع صلاة لا ركوع آية وتخشع، كذلك كان الركوع الثاني ركوع صلاة لا ركوع آية، ومن يدعي الفرق بينهما، فليأت بدليل صريح قوي على ذلك، ولا يكفي في مثل هذا الإمكان والاحتمال والتجويز، ويدل على بطلان هذا القول، ودعوى الاختصاص عمل الصحابة بتعدد الركوع بعد النبي وَ له، ويبطله أيضًا أن التقدم والتأخر، إنما وقع من النبي وّيّ في حال قيامه الثاني من الركعة الثانية، كما رواه سعيد بن منصور في سننه لا في الركوع كما قال البلخي. ومنها: ما قال الفخر الزيلعي في ((شرح الكنز)): أنه وُّل طول الركوع فيها فمل بعض القوم، فرفعوا رؤوسهم، أو ظنوا أنه عليه الصلاة والسلام رفع رأسه فرفعوا رؤوسهم، أو رفعوا رؤوسهم على عادة الركوع المعتاد، فوجدوا النبي وَلّم راكعًا فركعوا، ثم فعلوا ثانيًا وثالثًا كذلك، ففعل من خلفهم كذلك ظنًّا منهم، أن ذلك من النبي وَّل، ثم روى كل واحد منهم على ما وقع في ظنه، ومثل هذا الاشتباه قد يقع لمن كان في آخر الصفوف، فعائشة في صفوف النساء، وابن عباس في صفوف الصبيان، وحكى ((الطحطاوي على المراقي)) هذا التأويل عن الإمام محمد، وقال: فروى كل واحد على حسب ما عنده من الاشتباه، قال بعض من كتب على ((الموطأ)) من أهل عصرنا: هذا أوجه؛ لأنه تجمع به الروايات كلها. انتهى. قلت: بل هو أسخف من جميع ما تأولوا به روايات تعدد الركوع، فضلًا عن أن یکون وجيهًا أو أوجه، لا يخفی ر کاکته وسخافته على من له أدنى فهم، ولله در NICE بَابٌ صَلَاةِ الْخُسْوِفِ ٢٠٧ كِتَابُ الصَّلَاةِ صاحب ((فيض الباري)) حيث اعترف بركاكته فقال: وما قالوا - أي: في تأويل أحاديث تعدد الركوع - أن النبي وَّ كان ركع فيه ركوعًا طويلًا، وكان الصحابة يرفعون رؤوسهم يرون أنه هل قام منه أم لا؟ فتوهم المتأخرون منهم تعدد الركوع، فإنه ركيك عندي، وإن كان أصله من ((المبسوط)) للسرخسي. انتهى. قلت: ويبطل هذا التأويل أن عائشة وأسماء - وهما ممن روى تثنية الركوع - لم تكونا في صفوف النساء، بل صَلَّتَا في حجرة عائشة قريبًا من القبلة، وابن عباس لم يكن في صفوف الصبيان، بل صلَّى بجنب النبي ◌َّيّ، كما رواه الطبراني والبيهقي في ((المعرفة))، على أن الزيادة في الركوع قد رويت من حديث جابر بن عبد الله وعبد الله بن عمرو وأبي هريرة وأبي بن كعب وابن عمر وحذيفة وعلي وغيرهم، وهؤلاء كانوا رجالاً لا صبيانًا ولا نساءً، ولا دليل على أنهم قاموا في آخر الصفوف، أو كانوا خلف الصف الأول أو الثاني، فنسبة اشتباه الأمر إلى جميع هؤلاء غلط بلا شك. ومنها: ما ذكر بعض من كتب على ((الموطأ)) من أهل عصرنا، أنه يحتمل أن الركوع كان بدل سجود التلاوة، لما ورد في الروايات من قراءة سورة الحج، وفيها سجدتان عندهم، والركوع بدل السجود كافٍ. قلت: هذا تأويل فاسد باحتمال غير ناشيء عن دليل فهو مردود، وأما الرواية التي أشار إليها هذا البعض، فأخرجها البيهقي في ((السنن)) (ج ٣ ص ٣٣٠) عن علي موقوفًا عليه من فعله، وفيه حنش بن ربيعة، وقد تكلم فيه غير واحد من الأئمة كما تقدم في باب الأضحية في ترجمة حنش، وفيه أيضًا أن عليًّا قرأ سورة الحج ويس في الركعة الأولى ثم ركع أربع ركعات ثم سجد - أي: بعد الركوع الرابع، ثم قام فقرأ سورة الحج ويس، ثم صنع كما صنع في الركعة الأولى، ثمان ركعات وأربع سجدات، فلو كانت الركوعات الزائدة بدل السجدتين في سورة الحج لم يزد عددها على ست ركوعات مع ضم ركوعي الصلاة، وهاهنا قد صرح بأنه ركع ثمان ركعات، وهذا يبطل الاحتمال الذي اخترعها هذا البعض، وقد رواه ابن أبي شيبة وأحمد (ج١ ص ١٤٣) وابن خزيمة والطحاوي وابن جرير وأبوالقاسم بن منده في كتاب ((الخشوع)) والبيهقي أيضًا (ج٣ ص ٣٣٠، ٣٣١) عن علي مرفوعًا من طريق حنش، وليس فيه ذكر سورة الحج، بل في رواية أحمد: فقرأ يس أو نحوها، وفي لفظ عند غير ٢٠٨ مِزْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ أحمد: بالحجر أو يس، وفي لفظ: يس والروم، وفي لفظ: سورة من المئين أو نحوها وأما ما ذكر كفاية الركوع عن سجدة التلاوة، فهو دعوى بلا برهان، فلا يلتفت إليها، وقد تقدم الكلام عليه في باب سجدة التلاوة. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وأخرجه أيضًا النسائي والبيهقي (ج ٤ ص ٣٢٠) وأخرجه أبو داود مختصرًا، وأخرجه البخاري ومسلم أيضًا من حديث عبد الله بن عمرو. ١٤٩٥ - [٢] وَعَنْهَا قَالَتْ: جَهَرَ النَّبِيُّ وَّه فِي صَلَاةِ الْخُسُوفِ بِقِرَاءَتِهِ . [متفق عليه] الْشَّرْحُ ١٤٩٥ - قوله: (جَهَرَ النَّبِيُّ نَّهِ فِي صَلاةِ الْخُسُوفِ) أي: خسوف الشمس، كما صرح في رواية الإسماعيلي، وإسحاق بن راهويه وابن حبان، وفي رواية لأحمد (ج٦ ص٧٦) وفيه رد على من فسر لفظ ((الصحيحين)) بخسوف القمر. (بِقِرَاءَتِهِ) هذا نص في أن قراءته وَّ في صلاة كسوف الشمس كانت جهرًا لا سرًّا، وهو يدل على أن السنة في صلاة الكسوف هي الجهر بالقراءة لا الإسرار، ويدل لذلك أيضًا حديث أسماء عند البخاري، قال الزيلعي في ((نصب الراية)) (ج٢ ص٢٣٢)، والحافظ في ((الدراية)) (ص١٣٧)، وابن الهمام في ((فتح القدير))، والعيني في ((البناية)): وللبخاري من حديث أسماء بنت أبي بكر، قالت: جهر النبي وَّل في صلاة الكسوف، انتهى. ويدل له أيضًا ما روى ابن خزيمة والطحاوي عن علي مرفوعًا وموقوفًا من الجهر بالقراءة في صلاة الكسوف، قال الطحاوي بعد رواية الحديث عن علي موقوفًا: ولو لم يجهر النبي ◌ِّ حين صلى علي معه لما جهر علي أيضًا؛ لأنه علم أنه السنة فلم يترك الجهر، والله أعلم، ذكره العيني. وقد اختلفت الأئمة في ذلك، فقال بالجهر: أبو يوسف ومحمد صاحبا أبي حنيفة، وأحمد وإسحاق وابن خزيمة وابن المنذر وغيرهما من محدثي الشافعية، وابن (١٤٩٥) مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ: الْبُخَارِي (١٠٦٥)، ومُسْلِم (٩٠١/٥) فِيهَا عَنْهَا. كِتَابُ الصَّلَاةِ بَابٌ صَلَاةِ الْخُسْوفِ *= ٢٠٩ العربي من المالكية. وقال الطبري: يخير بين الجهر والإسرار، وقال الأئمة الثلاثة: يسر في الشمس ويجهر في القمر، كذا في ((الفتح))، قلت: وحكى الترمذي عن مالك الجهر، وقال القاضي عياض والقرطبي: إن معن بن عيسى والواقدي رويا عن مالك الجهر، قيل: هي رواية شاذة، والمشهور عنه هو الإسرار، وقال ابن العربي في ((العارضة)): اختلف قول مالك، فروى المصريون أنه يُسِرُّ، وروى المدنيون أنه يجهر، والجهر عندي أولى، انتهى. واحتج للشافعي ومن وافقه بقول ابن عباس: قرأ نحوًا من سورة البقرة، أخرجه الشيخان. قال الشافعي: لو جهر بالقراءة لم يحتج إلى تقديره. وذكر البيهقي عنه أنه قال: فيه دليل على أنه لم يسمع ما قرأ؛ لأنه لو سمعه لم يقدره بغيره، وقال القرطبي: هذا دليل لمن قال: يخفي القراءة؛ لأنه لو جهر لعلم ما قرأ. وقال المنذري: هذا الحديث يدل على الإسرار. وتعقب: باحتمال أن يكون بعيدًا منه في صفوف الصبيان، لكن ذكر الشافعي تعليقًا عن ابن عباس: أنه صلى بجنب النبي ◌َّ في الكسوف فلم يسمع منه حرفًا، ورواه الطبراني في ((معجمه)) موصولًا، قال: ثنا علي بن المبارك، ثنا زيد بن المبارك، ثنا موسى بن عبد العزيز، ثنا الحكم بن أبان عن عكرمة عن ابن عباس، وأخرجه البيهقي أيضًا في ((المعرفة)) من طريق الحكم بن أبان، وقال: وَيدفع حمله على البعد رواية الحكم بن أبان: (صلیت إلى جنبه))، انتهى. قلت: موسى بن عبد العزيز صدوق سيئ الحفظ، والحكم بن أبان صدوق له أوهام، قاله الحافظ في ((التقريب)). فرواية الطبراني لا تقاوم روايات الجهر الصحيحة الصريحة. واحتج له أيضًا بقول عائشة عند أبي داود: ((فحزرت قراءته فرأيت أنه قرأ سورة البقرة)). قال الخطابي: هذا يدل على أنه لم يجهر بالقراءة فيها، ولو جهر لم تحتج فيها إلى الحزر والتخمين، وبحديث ابن عباس قال: (صليت مع النبي ◌َّر الكسوف فلم أسمع منه فيها حرفًا))، أخرجه أحمد (ج١ ص٢٩٣، ٣٥٠) وأبو يعلى وأبونعيم في ((الحلية))، والطحاوي (ج١ ص١٩٧)، والبيهقي (ج٣ ص٣٣٥)، وفيه ابن لهيعة، وبحديث سمرة الآتي في الفصل ERCK ٢١٠ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ الثاني، وبأنها صلاة نهار، فلا يجهر فيها كصلاة الظهر، وأجيب عن هذا كله: بأن روايات الجهر نصوص صريحة صحيحة، والأحاديث المذكورة ليست بنص في السر ونفي الجهر، فكيف تعارض روايات الجهر بمثل هذا؟ قال ابن قدامة: هذا نفي محتمل لأمور كثيرة، فكيف يترك من أجله الحديث الصحيح الصريح؟ وقياسهم منتقض بالجمعة والعيدين والاستسقاء، وقياس هذه الصلاة على هذه الصلوات أولى من قياسها على الظهر لبعدها منها وشبهها بهذه، انتهى. وقال ابن التركماني في ((الجوهر النقي)): حديث عائشة صحيح صريح في الجهر، وأحاديث هذا الباب - يعني: أحاديث عائشة وابن عباس وسمرة - فيها دلالة على الإسرار، فكان المصير إلى ذلك الحديث أولى، انتهى. وقال العيني: روايات الجهر أصح. وقال ابن حزم: ليس لهم فيه - أي: في حديث سمرة - حجة؛ لأنه ليس فيه أنه ظلَّ لم يجهر، وإنما فيه: ((لا نسمع له صوتًا))، وصدق سمرة في أنه لم يسمعه، ولو كان بحيث يسمعه لسمعه كما سمعت عائشة رضينا التي كانت قريبًا من القبلة في حجرتها، وكلاهما صادق، ثم لو كان فيه لم يجهر لكان خبر عائشة زائدًا على ما في خبر سمرة، والزائد أولى، انتهى. وقال الزيلعي (ج٢ ص٢٣٤): واعلم أن الحديث يعني: حديث ابن عباس بلفظ: نحوًّا من سورة البقرة، وما في معناه غير صريح في الإخفاء، وإن كان العلماء كلهم يحملوه عليه، ولكن قد ينسى الإنسان الشيء المقروء بعينه، وهو مع ذلك ذاكر لقدره، فيقول: قرأ فلان نحو سورة البقرة وهو قد سمع ما قرأ ثم نسيه، والله أعلم، انتهى. وقال البخاري: حديث عائشة في الجهر أصح من حديث سمرة، انتهى. وقال الحافظ: حديث عائشة مثبت للجهر ومعه قدر زائد، فالأخذ به أولى، وحديث سمرة إن ثبت لا يدل على نفي الجهر. قال ابن العربي: الجهري عندي أولى؛ لأنها صلاة جامعة ينادى لها ويخطب - فأشبهت العيد والاستسقاء، والله أعلم. وقال الشوكاني في ((النيل)): إن كانت صلاة الكسوف لم يقع منه وقّ إلا مرة واحدة، كما نص على ذلك جماعة من الحفاظ، فالمصير إلى الترجيح متعين، وحديث عائشة أرجح؛ لكونه في ((الصحيحين))، ولكونه متضمنًا للزيادة؛ ولكونه ٢١١ كِتَابُ الصَّلاةِ بَابٌ صَلَاةِ الْخُسْوِفِ مثبتًا، ولكونه معتضدًا بما أخرجه ابن خزيمة وغيره عن علي مرفوعًا من إثبات الجهر . وقال في ((السيل الجرار)): رواية الجهر أصح وأكثر، وراوي الجهر مثبت وهو مقدم على النافي، انتهى. وسيأتي شيء من الكلام فيه في شرح حديث سمرة. وتأول بعض الحنفية حديث عائشة: بأنه وقال جهر بآية أو آيتين. قال في (البدائع)): نحمل ذلك على أنه جهر ببعضها اتفاقًا، كما روي أن النبي ◌َّ كان يسمع الآية والآيتين في صلاة الظهر أحيانًا، انتهى. وهذا تأويل باطل؛ لأن عائشة كانت تصلي في حجرتها قريبًا من القبلة، وكذا أختها أسماء، ومن كان كذلك لا يخفى عليه قراءة النبي ◌َ﴾، فلو كانت قراءته في صلاة الكسوف سرًّا وكان يجهر بآية وآيتين أحيانًا، كما فعل كذلك في صلاة الظهر، لما عبرت عن ذلك بأنه كان يجهر بالقراءة في صلاة الكسوف، كما لم يقل أحد ممن روى قراءته في صلاة الظهر أنه جهر فيها بالقراءة. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وأخرجه أيضًا أحمد والترمذي وأبو داود وابن حبان والحاكم (ج١ ص٣٣٤) وأبو داود الطيالسي والطحاوي والبيهقي (ج٣ ص٣٣٦) والدار قطني. ٢١٢ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ ١٤٩٦ - [٣] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسِ قَالَ: انْخَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ مَّهِ فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ نَّهِ وَالَنَّاسُ مَعَهُ فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلًا نَحْوًا مِنْ قِرَاءَةِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا، ثُمَّ رَفَعَ فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلًا، وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا، وهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ رَفَعَ، ثُمَّ سَجَدَ، ثُمَّ قَامَ فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلًا، وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ رَفَعَ فَقَامَ قِيَامًاً طَوِيلاً وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الأَوَّلِ، ثُمَّ رَفَعَ، ثُمَّ سَجَدَ، ثُمَّ انْصَرَفَ وَقَدْ تَجَلَّتِ الشَّمْسُ، فَقَالَ وَّهِ: ((إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانٍ مِنْ آيَاتٍ اللَّهِ لَا يَخْسِفَانِ لِمَوْتٍ أَحَدٍ، وَلَا لِحَيَاتِهِ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ)) قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ رَأَيْتَ تَنَاوَلْتَ شَيْئًا فِي مَقَامِكَ، ثُمَّ رَأَيْنَاكَ تَكَعْكَعْتَ؟ فَقَالَ وَهِ: ((إِنِّي رَأَيْتُ الْجَنَّةَ فَتَنَاوَلْتُ مِنْهَا عُنْقُودًا، وَلَوْ أَخَذْتُهُ لَأَكَلْتُمْ مِنْهُ مَا بَقِيَتِ الدُّنْيَا، وَرَأَيْتُ النَّارَ فَلَمْ أَرَ كَالْيَوْمِ مَنْظَرًا قَطَّ أَفْظَعَ، وَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا النِّسَاءَ)) قَالُوا: بِمَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: (بِكُفْرِهِنَّ) قِيلَ: يَكْفُرْنَ بِاللَّهِ؟ قَالَ: ((يَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ، وَيَكْفُرْنَ الْإِحْسَانَ لَوْ أَحْسَنْتَّ إِلَى إِحْدَاهُنَّ الدَّهْرَ، ثُمَّ رَأَتْ مِنْكَ شَيْئًا قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ مِنْكَ خَيْرًا قَطُّ)). [متفق عليه] G O الْشَّرْجُ ١٤٩٦ - قوله: (انْخَسَفَتِ الشَّمْسُ) بنون بعد ألف الوصل ثم خاء، كذا في البخاري، في باب صلاة الكسوف جماعة، وفي مسلم: انكسفت، وفي ((الموطأ)): خسفت، وكذا عند البخاري في باب: كفران العشير من كتاب النكاح. (فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِوَّهِ وَالنَّاسُ مَعَهُ) أي: صلى صلاة الكسوف بالجماعة (فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلًا) صفة لقيامًا، أو لزمانًا مقدر. (نَحْوًا) أي: تقريبًا، وبيانه قوله: (مِنْ قِرَاءَةِ سُورَةٍ الْبَقَرَةِ) أي: من مقدار قراءتها، وفي مسلم: قدر نحو سورة البقرة، وفي النسائي : قرأ نحوًا من سورة البقرة، وفي رواية لعائشة: خسفت الشمس في حياة النبي وَلِّل، (١٤٩٦) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: الْبُخَارِي (١٠٥٢)، ومُسْلِم (١٧ / ٩٠٧) فِيهَا عَنْهُ. ٢١٣ بَابُ صَلَاةِ الْخُسْوفِ كِتَابُ الصَّلاةِ فخرج إلى المسجد، فصف الناس وراءه فكبر، فاقترأ قراءة طويلة، وفي رواية: ((فقرأ بسورة طويلة))، وفيه: دليل على مشروعية تطويل القيام بقراءة سورة طويلة في صلاة الكسوف، وهو مستحب عند الجميع، وحكى الزبيدي في ((شرح الإحياء)) عن الشافعية استحباب الإطالة، وإن لم يَرْضَ بها الناس. وعن ابن الهمام: أنها مستثناة من كراهة التطويل. (ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا) وهو الركوع الأول، قال الحافظ: لم أر في شيء من الطرق بيان ما قال فيه، إلا أن العلماء اتفقوا على أنه لا قراءة فيه، إنما فيه الذكر من تسبيح وتكبير ونحوهما، انتهى. قال ابن دقيق العيد: لم يجد فيه حدًّا، وقد ذكر أصحاب الشافعي فيه أنه نحو من مائة آية، واختار غيرهم عدم التحديد إلا بما يضر بمن خلفه، وقال القسطلاني: يسبح قدر مائة آية من البقرة، وقال ابن قدامة: يسبح قدر مائة. وقال المالكية: يركع كالقيام الذي قبله، ويؤيده ما في حديث جابر عند مسلم: ((ثم ركع نحوًا مما قام)). (ثُمَّ رَفَعَ) أي: رأسه من الركوع. (فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلًا) وهو الاعتدال الأول. (وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الْأَوَّلِ) وفي رواية لعائشة: ((ثم كبر فركع ركوعًا طويلًا، ثم قال: ((سَمِعَ اللَّهُ لِمَنَّ حَمِدَهُ))، فقام ولم يسجد، وقرأ قراءة طويلة هي أدنى من القراءة الأولى)). وقدرها الشافعية والحنابلة بنحو سورة آل عمران، لكن في رواية لعائشة عند أبي داود: أنها حزرت قراءته بآل عمران بعد القيام من السجدتين، أي: في قيام الركعة الثانية. وزاد في رواية لعائشة عند البخاري: ((رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ)) بعد قوله: ((سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ)). قال الحافظ: استدل به على استحباب الذكر المشروع في الاعتدال في أول القيام الثاني من الركعة الأولى، واستشكله بعض متأخري الشافعية من جهة كونه قيام قراءة لا قيام اعتدال، بدليل اتفاق العلماء ممن قال بزيادة الركوع في كل ركعة على قراءة الفاتحة فيه، وإن كان محمد بن مسلمة المالكي خالف فيه، والجواب: أن صلاة الكسوف جاءت على صفة مخصوصة، فلا مدخل للقياس فيها، بل كل ما ثبت أنه مَّ فعله فيها كان مشروعًا؛ لأنها أصل برأسه، وبهذا المعنى رد الجمهور على من قاسها على صلاة النافلة، حتى منع من زيادة الركوع فيها، انتهى. وقال العيني: وأجاب عن ذلك شيخنا العراقي بقوله: في استشكاله نظر لصحة ٢١٤ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ الحديث فيه، بل لو زاد الشارع عليه ذكرًا آخر لما كان مستشكلًا، انتهى. (ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا) وهو الركوع الثاني. (وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ) قال القسطلاني: وقدروه بثمانين آية، وقال ابن قدامة: يركع بقدر ثلثي ركوعه الأول، انتهى. واختلف في أن أي الركوعين من الركعتين فرض، وبإدراك أي الركوعين يكون مدركًا للركعة؟ فذهب الشافعية والحنابلة: إلى أن الأصل والفرض هو الركوع الأول وقيامه، وأما الركوع الثاني وقيامه فتابع وزائد وسنة كتكبيرات العيد، فمن أدرك الإمام في الركوع الأول من الركعة الأولى أو الثانية أدرك الركعة، كما في سائر الصلوات، ومن أدركه في الركوع الثاني من أي ركعة فلا يدرك شيئًا، وعكسه المالكية، فقالوا: الزائد والتابع والسنة في كل من الركعتين القيام الأول والركوع الأول، والفرض إنما هو الركوع الثاني والقيام الثاني في كل ركعة، فمن أدرك الإِمام في الركوع الثاني من الركعة الأولى أدرك الركعة ولم يقض شيئًا، وإن أدرك الركوع الثاني من الركعة الثانية يقضي الركعة الأولى بقيامها فقط، ولا يقضي القيام الثالث. وقال ابن قدامة في ((المغني)): إذا أدرك الإمام في الركوع الثاني احتمل أنه تفوته الركعة، قال القاضي: لأنه قد فاته من الركعة ركوع أشبه ما لو فاته الركوع من غير هذه الصلاة، ويحتمل أن تصح صلاته؛ لأنه يجوز أن يصلي هذه الصلاة بركوع واحد، فاجتزئ به في حق المسبوق، انتهى. واعلم: أنه لم يرد تعيين ما قرأ به وَله إلا في حديث لعائشة عند الدار قطني (ص١٨٨) أنه قرأ في الركعة الأولى بالعنكبوت أو الروم، وفي الثانية ب﴿يس﴾، وأخرجه البيهقي (ج٣ ص٢٣٦) وفيه: أنه قرأ في الركعة الأولى بـ(الْعَنْكَبُوتِ))، وفي الثانية بـ(لُقْمَانٍ))، أو ((الرُّومِ))، وفي حديث علي عند البيهقي (ج٣ ص ٣٣٠) أنه قرأ ب﴿يسّ﴾ ونحوها، وفي آخره ثم حدثهم أن رسول اللّه وَ ليس كذلك فعل، وفي رواية عنده: أنه قرأ في الركعة الأولى سورة ((الحج)) و(يس))، ثم ركع أربع ركعات، ثم سجد في الرابعة، ثم قام فقرأ بسورة ((الحج)) و (يس)) وهو موقوف من فعله، ويأتي حديث أبي بن كعب، أنه وق له قرأ بسورة من الطوال، وتقدم الإشارة إلى حديث عائشة عند أبي داود والبيهقي (ج٣ ص ٣٣٥) أنها قالت: ((حزرت، قراءته فرأيت أنه قرأ سورة البقرة ثم سجد سجدتين ثم قام فأطال القراءة، فحزرت، فرأيت أنه قرأ سورة آل عمران))، وهذا كله يدل على أنه لا تعيين في القراءة في ٢١٥ بَابُ صَلَاةِ الْخُسْوِفِ كِتَابُ الصَّلَاةِ صلاة الكسوف، فيختير المصلي من القرآن ما شاء، وإن التطويل أولى، والله تعالى أعلم. قال الشوكاني: لا بد من القراءة بـ(الفاتحة)) في كل ركعة لما تقدم من الأدلة الدالة على أنها لا تصح ركعة بدون ((الفاتحة)). قال النووي: واتفق العلماء على أنه يقرأ الفاتحة في القيام الأول من كل ركعة، واختلفوا في القيام الثاني، فمذهبنا ومذهب مالك وجمهور أصحابه أنها لا تصح الصلاة إلا بقراءتها فيه، وقال محمد ابن مسلمة من المالكية: لا تتعين الفاتحة في القيام الثاني، انتهى. قال الباجي: يستفتح القراءة في الركعة الأولى والثالثة بأم القرآن، وأما الثانية والرابعة، فإنه يقرأ فيهما بالسورة، وهل يقرأ الفاتحة أم لا؟ قال مالك: نعم، وقال محمد بن مسملة: لا. وجه الأول: أنها ركعة بقراءة، فوجب الفاتحة كالأولى، ووجه الثاني: أن الركعتين في حكم الركعة الواحدة، بدليل أن المأموم يجزيه إدراك أحدهما، فالقراءتان في حكم القراءة الواحدة، فوجب أن لا يتكرر الفاتحة، انتهى. وقال ابن دقيق العيد في ((شرح العمدة)) (ج٢ ص١٣٩): كأنه رآها ركعة واحدة زيد فيها ركوع، والركعة الواحدة لا تثنى الفاتحة فيها، وهذا يمكن أن يؤخذ من الحديث، كما سننبه عليه في موضعه، انتهى. وقال في شرح حديث عائشة بلفظ: ((فاستكمل أربع ركعات وأربع سجدات)) (ج٢ ص ١٤٢). أطلق الركعات على عدد الركوع، وجاء في موضع آخر في ركعتين، وهذا هو الذي أشرنا إلى أنه متمسك من قال من أصحاب مالك: إنه لا يقرأ الفاتحة في الركوع الثاني من حيث أنه أطلق على الصلاة ركعتين، والله أعلم. (ثُمَّ رَفَعَ) أي: رأسه من الركوع الثاني. (ثُمَّ سَجَدَ) أي: سجدتين، لم يذكر فيه تطويل الاعتدال الذي يتعقبه السجود، ووقع في حديث جابر عند مسلم تطويل هذا الاعتدال، ولفظه: ((ثم رفع، فأطال ثم سجد)). قال النووي: هي رواية شاذة مخالفة لرواية الأكثرين، فلا يعمل بها، أو المراد: زيادة الطمأنينة في الاعتدال لا إطالته نحو الركوع. وتعقب: بما رواه النسائي وابن خزيمة وغيرهما من حديث عبد الله بن عمرو أيضًا ففيه: ((ثم ركع فأطال حتى قيل: لا يرفع، ثم رفع فأطال حتى قيل: لا يسجد، ثم سجد فأطال حتى قيل: لا يرفع، ثم رفع فجلس، فأطال * ٢١٦ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ الجلوس حتى قيل: لا يسجد، ثم سجد)). لفظ ابن خزيمة من طريق الثوري عن عطاء بن السائب عن أبيه عنه. قال الحافظ: والثوري سمع من عطاء قبل الاختلاط، فالحدیث صحیح، انتھی. قلت: قد صرح الشافعية والحنابلة في فروعهم بعدم تطويل الاعتدال الذي يلي السجود، وهو مقتضى مذهب الحنفية والمالكية، وكأنهم اتفقوا على عدم مشروعية هذا الاعتدال، وهذا ليس بشيء بعد ما ثبت بالسنة الصحيحة الصريحة، وعدم ذكره في باقي الروايات، أي: السكوت عنه لا يدل على شذوذه، ولم يذكر في حديث ابن عباس تطويل السجود، ولكنه مذكور في حديث عائشة وغيرها، وقد تقدم الكلام في هذا، قال الحافظ: ولم أقف في شيء من الطرق على تطويل الجلوس بين السجدتين إلا في حديث عبد الله بن عمرو، وقد نقل الغزالي الاتفاق على ترك إطالته، فإن أراد الاتفاق المذهبي فلا كلام؛ وإلا فهو محجوج بهذه الرواية، انتهى. وقال النووي في ((الأذكار)): قال أصحابنا: لا يطول الجلوس بين السجدتين، بل يأتي به على العادة في غيرها، وهذا الذي قالوه فيه نظر، فقد ثبت في حديث صحيح إطالته، وقد ذكرت ذلك واضحًا في ((شرح المهذب))، فالاختيار استحباب إطالته، انتهى. قال صاحب ((الأوجز)): وهكذا ينبغي للحنفية أن يصرحوا باستحباب تطويله؛ لأن الرواية التي استدلوا بها في الكسوف صريحة في تطويله، وفي ((مسند أبي حنيفة)) من حديث ابن عمر: ((فكان جلوسه بين السجدتين قدر سجوده ... )) الحديث. (ثُمَّ قَامَ) أي: إلى الركعة الثانية (فَقَّامَ قِيَامًا طَوِيلًا) كذا في البخاري في باب كفران العشير من كتاب النكاح، وفي مسلم: ((ثم قام قيامًا طويلًا))، أي: من غير تكرار ((قام))، وكذا في البخاري في باب صلاة الكسوف جماعة. (وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الأَوَّلِ) يحتمل أن يراد منه القيام الأول من الركعة الأولى أو القيام الذي يليه. قال ابن عبد البر: أي: ذلك كان فلا حرج إن شاء الله تعالى. وفي ((المدونة)) قال مالك: إنما يعني دون القيام الذي يليه، وكذلك قال في الركوع: إنما يعني دون الركوع الذي يليه، وقال ابن بطال: لا خلاف أن الركعة الأولى بقيامها وركوعيها، تكون أطول من الركعة الثانية بقيامها وركوعيها، وقال ٢١٧ كِتَابُ الصَّلَاةِ بَابُ صَلَاةِ الْحُسُوفِ النووي: اتفقوا على أن القيام الثاني وركوعه فيهما أقصر من القيام الأول وركوعه فيهما، واختلفوا في القيام الأول من الثانية وركوعه، هل هما أقصر من القيام الثاني من الأولى وركوعه، أو يكونان سواء؟ قيل: وسبب هذا الخلاف فهم معنى قوله: ((وهو دون القيام الأول))، هل المراد به الأول من الثانية، أو يرجع إلى الجميع؟ فيكون كل قيام دون الذي قبله، ورواية الإسماعيلي لحديث عائشة بلفظ : ((الأولى فالأولى أطول))، تعين هذا الثاني ويرجحه أيضًا أنه لو كان المراد من قوله: ((القيام الأول))، أول قيام من الأولى فقط؛ لكان القيام الثاني والثالث مسكوتًا عن مقدارهما فالأول أكثر فائدة، كذا في ((الفتح)). قلت: وقدر الشافعية هذه القيام الثالث بنحو سورة ((النساء))، والرابع بنحو ((المائدة)). وأشكل بأن الراجح المختار: أن القيام الثالث أقصر من الثاني، والنساء أطول من آل عمران، وأجاب الزرقاني: بأنه إذا أسرع بقراءتها ورتل آل عمران كانت أطول. وقال السبكي في ((شرح المنهاج)): قد ثبت بالأخبار تقدير القيام الأول بنحو البقرة وتطويله على الثاني والثالث، ثم الثالث على الرابع. وأما نقص الثالث عن الثاني، أو زيادته عليه، فلم يرد فيه شيء فيما أعلم، فلأجله لا بعد في ذكر سورة النساء فيه وآل عمران في الثاني. نعم، إذا قلنا: بزيادة ركوع ثالث، فيكون أقصر من الثاني. ذكره القسطلاني. (ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا) ثالثًا طويلًا. (وَهُوَ دُونَ الرُّكُوع الْأَوَّلِ) قدروه بنحو سبعين آية، (ثُمَّ رَفَعَ) رأسه من الركوعِ الثالث. (فَقَامَ قِيَامًا) رابعًا. (طَوِيلًا) وقدروه بنحو المائدة. (وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الأَوَّلِ) أي: الثالث. (ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا) رابعًا. (طَوِيلًا) وقدروه بنحو خمسين آيةَ تقريبًا. (وَهُوَ دُونَ الرُّكُوع الْأَوَّلِ) أي: الثالث. (ثُمَّ رَفَعَ) رأسه لِلقَوْمة. (ثُمَّ سَجَدَ) أي: سجدتين كذلك. (ثُمَّ انْصَرَفَ) من الصلاة (وَقَدْ تَجَلَّتِ الشَّمْسُ) بفوقية وشد لام، أي: انكشفت، وفي حديث جابر عند مسلم: ((فانصرف وقد آضت الشمس))، وعند أبي داود: ((فقضى الصلاة، وقد طلعت الشمس))، وفي حديث قبيصة عند النسائي: ((فوافق انصرافه انجلاء الشمس))، وفي حديث عبد الله بن عمرو عند أبي داود: ((ففرغ من صلاته وقد امحصت الشمس))، والمراد: أنه انصرف من الصلاة بالسلام بعد التشهد، والحال: أن الشمس انجلت بين جلوسه للتشهد والسلام، كما في حديث عبد الله بن عمر، وعند البخاري: ((ثم جلس ثم جلى عن الشمس))، وفي حديث سمرة عند ٢١٨ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ BE أبي داود والنسائي: ((فوافق تجلي الشمس جلوسه في الركعة الثانية ثم سلم))، وفي حديث عبد الله بن عمرو عند النسائي: ((ثم رفع رأسه - أي: من السجدة - وانجلت الشمس))، وفي حديث أبي بن كعب الآتي: ((ثم جلس كما هو مستقبل القبلة يدعو حتى انجلى كسوفها))، فهذه الروايات كلها تدل على أن الانجلاء كان في الجلوس آخر الصلاة، وحديث عبد الرحمن بن سمرة عند مسلم يدل بظاهره أن انجلاء الشمس وقع قبل الشروع في الصلاة، وأن النبي ◌َّ ابتدأ صلاة الكسوف بعد الانجلاء، وهو خلاف جميع الروايات وخلاف ما ذهب إليه العلماء، وسيأتي توجيهه . (فَقَالَ) بالفاء، وللأصيلي: ((وقال)). ذكره القسطلاني يعني: أنه خطب فقال في خطبته بعد الحمد، والثناء على الله. (إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ) فيه إيماء إلى أن حكم صلاة كسوف الشمس، وخسوف القمر واحد. (آيَتَانٍ) أي: علامتان. (مِنْ آيَاتٍ اللَّهِ) أي: الدالة على وحدانيته وقدرته وعظمته، أو على تخويف عباده من بأسه وسطوته، ويؤيده قوله تعالى: ﴿وَمَا تُرْسِلُ بِلَيَتِ إِلَّا تَخْرِيفًا﴾ [الإسراء: ٥٩]، وقوله اَل في حديث أبي بكرة وأبي موسى عند البخاري: ((يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِمَا عِبَادَهُ))، أو على أنهما مُسَخَّرَانٍ لقدرة الله وتحت حكمه ليس لهما سلطان في غيرهما، ولا قدرة على الدفع عن أنفسهما. (لَا يَخْسِفَانٍ) بفتح فسكون فكسر على أنه لازم، ويجوز ضم أوله على متعدٍ أي: لا يذهب الله نورهما، وأتى بالتذكير؛ تغليبًا للقمر طبق القمرين. (لِمَوْتٍ أَحَدٍ) من العظماء كما توهمه بعض الناس؛ تبعًا لما كان يعتقده أهل الجاهلية، أن كسوف الشمس والقمر لا يكون إلا لموت عظيم، وقد وقع في رواية للبخاري من حديث أبي بكرة بيان سبب هذا القول، ولفظها: ((وذلك أن ابنًا للنبي وَلِّل يقال له: إبراهيم مات، فقال الناس في ذلك)). وعند ابن حبان: ((فقال الناس: إنما كسفت الشمس لموت إبراهيم))، وفي حديث النعمان بن بشير الآتي: ((ثم قال: إن أهل الجاهلية كانوا يقولون: إن الشمس والقمر لا ينخسفان إلا لموت عظيم ... )) إلخ، وفي هذا الحديث إبطال ما كان أهل الجاهلية يعتقدونه من تأثير الكواكب في الأرض، وهو نحو قوله في الحديث المشهور: ((يَقُولُونَ: مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا)). قال الخطابي: كانوا في الجاهلية يعتقدون أن الكسوف يوجب حدوث تغير في الأرض من موت، أو ضرر، فأعلم ٢١٩ بَابُ صَلَاةِ الْخُسْوِفِ كِتَابُ الصَّلَاةِ النبي ◌َّلي﴿ أنه اعتقاد باطل، وأن الشمس والقمر خلقان مسخران ليس لهما سلطان في غيرهما، ولا قدرة على الدفع عن أنفسهما. (وَلَا لِحَيَاتِهِ) أي: لولادته، وهي تتمة للتقسيم، وإلا فلم يدع أحد أن الكسوف لحياة أحد، أو ذكر لدفع توهم من يقول: لا يلزم من نفي كونه سببًا للفقدان لا يكون سببًا للإيجاد، فعمم الشارع النفي لدفع هذا التوهم. (فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ) أي: الكسوف في أحد منهما؛ لاستحالة كسوفهما معًا في وقت واحد عادة، واستدل به: على مشروعية صلاة خسوف القمر. (فَاذْكُرُوا اللَّهَ) بالصلاة، والتسبيح، والتكبير، والدعاء، والتهليل، والاستغفار، وسائر الأذكار. (تَنَاوَلْتَ شَيْئًا) أي: قصدت تناول شيء وأخذه كذا للأكثر: ((تناولت))، بصيغة الماضي، وفي رواية الكشمهيني: ((تناول))، بحذف إحدى التائين؛ تخفيفًا وضم اللام بالخطاب من المضارع، ويروى ((تتناول)) على الأصل بإثباتها (فِي مَقَامِكَ هَذَا) أي: في الموضع الذي صليت فيه. (تَكَعْكَعْتَ) بتاء مثناة فوقية في أوله وكافين مفتوحتين ومهملتين ساكنتين بعد كل منهما، أي: تأخرت أو تقهقرت، وفي رواية: ((كعكعت))، بحذف التاء أوله، وهو يقتضي مفعولًا أي: رأيناك كعكعت نفسك. قال أبوعبيد: كعكعته فتكعكع، وهو يدل على أن كعكع متعدٍ وتكعكع لازم، واختلف في أنه ثلاثي مزيد أو رباعي مجرد، وقول الجوهري وغيره يدل على أنه ثلاثي مزيد فيه؛ لأنه نقل عن يونس کَعَّ یکُمُّ بالضم. وقال سيبويه: بالكسر أجود كمد وفر إذا نكص على عقيبه، وفي رواية مسلم: ((رأيناك كففت)) أي: نفسك بفائين خفيفتين من الكف وهو المنع. (فَقَالَ) أي: النبيِ وَّهِ (إِنِّي رَأَيْتُ الْجَنَّةَ) أي: رؤية عين، بأن الحجب كسفت له دونها فرآها على حقيقتها، وطويت المسافة بينهما حتى أمكنه أن يتناول منها كبيت المقدس، حيث وصفه لقريش، وهذا أشبه بظاهر هذا الحديث، ويؤيده ما روى البخاري من حديث أسماء في أوائل صفة الصلاة بلفظ : ((دَنَتْ مِنِّي الْجَنَّةُ حَتَّى لَوْ اجْتَرَأْتُ عَلَيْهَا لَجِئْتُكُمْ بِقِطَافٍ مِنْ قِطَافِهَا))، ومنهم من حمله على أنه مثلت له في الحائط، كما تنطبع الصورة في المرآة، فرأى جميع ما فيها، ويؤيده حديث أنس عند البخاري في كتاب التوحيد: ((لَقَدْ عُرِضَتْ عَلَيَّ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ آنِفًّا فِي عُرْضٍ هَذَا الْحَائِطِ وَأَنَا